Полный текст (366 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
المقدس، الكتاب الذي يقول شهود يهوه عنه: "نعم الكتاب المقدس هو كلمة الله الموحى بها"، هكذا يقولون، ومع أنهم يقولون: يهوه الله بصفته مؤلف الكتاب المقدس، إلا أنهم قالوا: إن الذين كتبوا الكتاب المقدس أبقوا أنفسهم بعيدًا عن الأضواء. وفي بعض الحالات -وهذا كلامهم- يصعب تحديد من كتب بعض أجزاء الكتاب المقدس"، ولا ندري أي تناقض هذا، هل الكتاب المقدس موحى به من الله؟ أم أن مؤلفوه من البشر؟ لا ندري!.
ثانيًا: لا يؤمن شهود يهوه بالعقيدة المشهورة التي ما زالت تتبناها حتى اليوم غالبية كنائس العالم، وهي عقيدة الثالوث، وأن المسيح هو الله تعالى، تعالى الله عما يصفون علوًّا كبيرًا، بل خرج شهود يهوه بتفسير جديد، وعقيدة جديدة في المسيح، وفي الثالوث: وهو أن المسيح هو المخلوق الوحيد الذي خلقه الله مباشرة، ثم بعد أن خلقه كان أن ساعد الله، وهذا في زعمهم طبعًا، فهم يزعمون أن المسيح ساند الله وساعده في خلق الكون كله، ولقد وصل عمق خلافهم مع العالم المسيحي حتى في الشيء الذي صلب عليه المسيح، فيقولون -يقول منظمة شهود يهوه-: إن يسوع مات على خشبة مستقيمة، وليس كما يقول النصارى على الصليب التقليدي، وبعد أن كانت أغلفة مجلاتهم مزركشة بالصليب لمدة طويلة، وبعد أن كانوا في بدايتهم العصرية يستعلمون الصليب ويؤمنون به، أصبحوا الآن يرفضونه ورفضوا تقديسه اتباعًا لزعمهم الجديد أن المسيح لم يصلب على الصليب وإنما على خشبة مستقيمة، ونؤكد على أن الحق في الإسلام والذي ورد في كتاب ربنا أنهم ما قتلوه يقينًا، ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (النساء: ١٥٧)، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (النساء: ١٥٧، ١٥٨). هذه هي عقيدتنا أما عقيدة هؤلاء وهؤلاء، فكبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا.
стр. 72
ونعود إلى ملاحظاتنا على شهود يهوه وخلافهم للعالم المسيحي: فقد رفضوا استخدام الأيقونات وتقديسها، كما رفضوا وضع هذه الأيقونات في أماكن عبادتهم، وفي أماكن اجتماعاتهم، ويسمون هذه الأماكن قاعات الملكوت لا يسمونها كنيسة أو كنائس، حتى عند بنائها لا يبنونها بناءات الكنيسة، ولكن يبنونها قاعات اجتماعات، وبعد أن كانوا يلقبون رئيسهم الأول بالقسيس وبعد أن كانوا يستعملون المصطلحات المشهورة للألقاب الكنسية قسيس وشماس وراهب وغيرها رفضوا هذه جميعًا، واستعملوا ألفاظ جديدة، فللمنتمي لفرقتهم يقولون: أخ وأخت، وللقسيس يقولون: شيخ، وناظر دائرة، وناظر كورة، وناظر فرع، ولهم مصطلحات أخرى لمهمات أخرى داخل تنظيمهم التنصيري مثل: مصطلح فاتح، وفاتح إضافي، وفاتح قانوني، وفاتح خصوصي، وغير ذلك مما أرادوا به التميز عن العالم المسيحي.
ثالثًا: من الملاحظات أيضًا أن منشورات شهود يهوه لا تباع في المحلات العامة ولا في الدكاكين ودور النشر والتوزيع، بل توزع فقط بطريقتهم في الشوارع لعرضها على الناس المارة، أو بطريقة طرقهم على أبواب بيوت الناس، وكانت في البداية توزع بقليل من المال ولكنها الآن توزع مجانًا.
رابعًا: من الملاحظات أيضًا أنهم كمحاولة منهم لترقيع المسيحية يفتي شهود يهوه أنفسهم بلعن الكنائس، والفرق المسيحية الكبيرة والصغيرة في كتبهم ونشراتهم ومجلاتهم، يلعنون الكاثوليك والأرثوذكس والبروتستانت، ويحاولون دائمًا أن يميزوا أنفسهم عن الهيئات المسيحية الأخرى، بل يقولون: إن ديانة العالم المسيحي هي ثمرة ارتداد لألف وتسعمائة سنة عن المسيحية الحقة، وإن العالم المسيحي إنما هو بكامله جزء من عالم الشيطان، هكذا يقولون، ومع أنهم
стр. 73
جزء من العالم المسيحي باعتبار أنه بحسب زعمهم مجتمع مسيحي، إلا أنهم وبالكلمات المتقدمة يظنون أنهم أعادوا للمسيحية وضعها الطبيعي، وهيهات لهم ذلك، بل جعل شهود يهوه من الحكومات التي شاركت في الحرب العالمية ملك لإبليس، وجزء مهم آخر من عالم الشيطان.
خامسًا: يشتم يهود يهوه الإسلام ويصفونه بصفات قبيحة، مع غيره من الأديان الأخرى، يصفونه مثلًا بأنه العاهرة، أو الزانية العظيمة، بل يقولون: بكل جرأة إن لديهم كل سبب ليخاطبوا الإسلام وغيره كعدو، ويتعاملوا مع الإسلام كعدو.
سادسًا: صنع شهود يهوه تبعًا لسلفهم من اليهود والصهاينة صورًا مزيفة توهموها للأنبياء صلوات الله عليهم وسلاماته، وهي صور كان أولى بهم -لو أحسنوا الظن وأحسنوا النظر- أن ينكروها ويخرجوها كما أخرجوا غيرها من كتابهم المقدس، أو المدعو مقدسًا، فلقد قالوا: عن سليمان ﵇: إنه تزوج بزوجات كثيرة، وسمح بعبادة الأوثان في إسرائيل، وكانت سنوات حكمه الأخيرة ظلمًا، بل إنه مات مرتدًّا، وحاشاه -صلوات الله وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. وزعموا -كما في كتابهم المقدس- أن نوحًا ﵇ شرب خمرًا، فسكر، وتعرى، ولعن من لا ذنب له، وزعموا أن هارون ﵇ هو الذي صنع العجل لبني إسرائيل، وقالوا: إن بني إسرائيل وجهوا هارون ليصنع تمثالًا، وبنى لهم هارون هذا التمثال، وبنى لهم أيضًا مذبحهم، وغير ذلك أيضًا من التخريفات التي نقلوها عن التوراة المحرفة الموجودة بأيدي اليهود.
أما نحن فنؤمن إيمانًا يقينيًّا بعصمة الأنبياء الذين ورد ذكرهم في القرآن، ونسموا بهم -صلوات الله وسلامه عليهم- عما يقول به هؤلاء الأفاكون.
стр. 74
نشأة منظمة شهود يهوه:
قد أسسها الراهب شارلز راسل، وكانت تعرف باسم الراسلية أو الراسليين، نسبة إلى مؤسسها، كما عُرفت باسم الدارسون الجدد للإنجيل، وعُرفت بعد ذلك باسم جمعية برج المراقبة والتوراة والكراريس، ثم استقر الأمر أخيرًا على اسم شهود يهوه؛ نسبة إلى يهوه إله بني إسرائيل على ما تردد توراتهم.
كما ورد في سفر الخروج في الإصحاح السادس ٢ - ٤ يقول: وكلم الله موسى قال له: أنا الرب أنا الذي تجليت لإبراهيم وإسحاق ويعقوب إله قادرًا على كل شيء، وأما اسمي يهوه فلم أعلنه لهم.
ويقول تشارلز راسل عن بداية هذه المنظمة: "أنه في سنة ١٨٧٨ تألفت هذه المنظمة، منظمة شهود يهوه، من إسرائيليين روحيين حقيقيين كرسوا أنفسهم لله العلي، هكذا يقول، فأدخلهم هو عندئذٍ في العهد الجديد؛ ليكونوا شعبًا على اسمه، وأدخلهم في عهد الملكوت أيضًا من ملك الملوك ورب الأرباب، وقد بدءوا يجتمعون سويًّا مدفوعين بمحبة الحق خصوصًا منذ حوالي ١٨٧٨ فصاعدًا".
ادَّعى راسل هذا الكلام، كما ادعى أنه مسيحي الظاهر والباطن، وادَّعى خلفاؤه أنهم مسيحيون يقينًا، ودائمًا ما يذكرون مثال سارة زوجة إبراهيم ﵇ التي رسمت مثالًا كما يقولون: للخضوع والتقوى، وذلك في حالتين عندما قدمها إبراهيم بصفتها أخته أمام حاكميْن وثنييْن، في كلتا المرتين تعاونت معه على الرغم من أنها نتيجة لذلك صارت تقريبًا عضوًا من حريمهما، يقول راسل عن هذه الطائفة التي بدأ بها: "أنهم لما تحققوا أنهم في عبودية الخرافات والدين وخداع الإكليروس الأمور التي تقيدت بها كل الأمم المسيحية نشدوا الحرية
стр. 75
فنالوها، وخرجوا من كل الطوائف الدينية كاثوليكية وبروتستانتية ويهودية وغيرهم، وانضموا إلى منظمته، منظمة شهود يهوه.
في سنة ١٩١٦ مات راسل، وخلفه فرانكلين ريزرفورت كرئيس ثانٍ بالانتخاب، ومن الأشياء التي غيرها ريزرفورت اسم المنظمة والتي كانت تُسمى تلاميذ الكتاب المقدس، فغير ريزرفورت هو وزملاؤه هذا الاسم إلى شهود يهوه، ثم خلف ريزرفورت ناثان هيرمركنور ليكون الرئيس الثالث للمنظمة، وهكذا.
أفكار شهود يهوه ومعتقداتهم:
ونورد بعض الأفكار لهذه المنظمة فنقول:
أولًا: هم مؤمنون بيهوة إلهً لهم كما يؤمنون بعيسى رئيسًا لمملكة الله.
ثانيًا: يؤمنون بالكتاب المقدس للنصارى، ولكنهم يفسرونه حسب مصالحهم، بل ويحذون منه بعض الأجزاء، كما يعترفون أيضًا بقداسة الكتب التي تعترف بها اليهودية وتقدسها، وهي تسعة عشر كتابًا.
ثالثًا: يستغلون اسم المسيح والكتاب المقدس للوصول إلى هدفهم، هذا الهدف هو إقامة دولة دينية للسيطرة على العالم، وتهيئة النفوس لإقامة الدولة اليهودية الكبرى.
رابعًا: تنكر منظمة شهود يهوه الحساب والعقاب في الآخرة، فلا إثم على من يقترف ذنبًا أو معصية في دنياه، وكذلك هم لا يؤمنون بالآخرة، ويعتقدون أن الجنة ستكون في الدنيا في مملكتهم هم.
خامسًا: يعتقد أتباع هذه المنظمة بقيام حرب تحريرية يقودها عيسى ﵇ وهم جنوده يزيحون بها جميع حكام الأرض.
стр. 76
سادسًا: يقتطفون من الكتاب المقدس الأجزاء التي تحبب إسرائيل واليهود إلى الناس، ويقومون بنشرها.
سابعًا: لا يؤمنون بالروح ولا بخلودها ولهم معابد خاصة بهم يسمونها القاعة الملكية أو بيت الرب.
ثامنًا: الإخوة الإنسانية مقتصرة عليهم دون سواهم من البشر، ويعادون النظم الوضعية، ويدعون إلى التمرد، ويعادون الأديان إلا اليهودية، وجميع رؤسائهم من اليهود.
تاسعًا: يدعون إلى إشاعة الفوضى الخلقية والتحلل من جميع الفضائل الإنسانية التي حثَّت عليها التعاليم الدينية، كما يدعون إلى إشاعة الفوضى العالمية بتحريض الشعوب على التمرد على حكوماتها، ومقاطعة جميع النشاطات الرسمية في الدولة، ويبررون ذلك بما جاء في كتابهم الأخضر "ليكن الله صادقًا بأنهم سفراء الله في ملكوته المقدس"، ومن ثم لأنهم سفراء الله وفي ملكوته المقدس فهم يتمتعون بحصانة تعفيهم من الخضوع للحكومات المدنية أيًّا كانت مقوماتها.
عاشرًا: يمر العضو فيها بمراحل معقدة ويخضع للالتحاق بها إلى شروط قاسية، وتنتظم عضوية جمعية شهود يهوه ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: ويسمونهم أعضاء الرجاء السماوي، وهم أعضاء الإدارة العليا، ويرأسهم ما يسمونه العبد العظيم أو الحكيم، ويعرف مقره ببيت إيل، أي: بيت الله.
والمرتبة الثانية: فيسمونهم صف جلعاد أو الرجاء الأرضي، وتشمل من الأعضاء الرواد والمعاونين، ونظار المناطق، وهؤلاء هم أعضاء الإدارة التنفيذية.
أما المرتبة الثالثة: في هذه الجمعية فهم المبشرون ويعرف أعضاؤها بالخدم، وتضم هذه المرتبة الشهود، وهم أعضاء الجمعية المكلفون بتوزيع مطبوعات الجمعية ورسائلها.
стр. 77
نشاط شهود يهوه التنصيري، وخداعهم للمرأة، وأسماء منظمتهم، وحقيقتها
نشاط جمعية شهود يهوه التنصيري:
فلجماعة شهود يهوه نشاط تنصيري في مناطق كثيرة من العالم، وخاصة في أفريقيا، فهم يعتبرون أنهم حصلوا على معرفة اكتشاف إفريقيا اكتشافًا صحيحًا، وأنهم يملكون النور لهداية أفريقيا بزعمهم، فبعد أن كانت أفريقيا -كما يقولون- قارة فشلت المسيحية أن تحقق فيها نجاحًا دائمًا، وأخفقت الإنسانيات الكاثوليكية تمامًا، فإن شهود يهوه يقولون: إنهم يحاولون تصحيح المسار التنصيري؛ ليتميزوا بعملياتهم التنصيرية المنظمة، والتي يزعمون أنها توزع الأنوار على القارة المظلمة.
من هنا يمكن القول: إن ظهور فرقة شهود يهوه التنصيرية كفريق مسيحي تنصيري هو ظهور أريد له التميز في عقائده، وفي أسلوبه، وفي تعاملاته؛ حتى يظهر بصورة مختلفة تمامًا عن صورة الظلمة القديمة التي قامت بها الإرساليات التنصيرية الأخرى، والتي ما زالت قوية في نشاطاتها الكثيفة، على الرغم من فشلها نوعًا ما. بل يحاول شهود يهوه أن يفتحوا لأنفسهم مجالات لحرية العمل عن طريق طرق أبواب السفارات الإفريقية في الدول الغربية؛ ليحصلوا منها على تصريح بشرعية العمل، أو قرار سياسي بحرية نشاطاتهم المخربة، وقبل كل ذلك فإنهم يتحركون بسرية وحذر في البلاد التي تمنع عملياتهم الخائبة بما يتناسب مع وضع البلاد وطبيعة وحدود إمكانياتهم.
ومن الأمور الخطيرة والمؤسفة أنه قد تمَّ رفع الحظر عن عمل شهود يهوه التنصيري في ثلاث عشرة دولة إفريقية من سنة ١٩٨٩ حتى ١٩٩٢ ميلادية،
стр. 78
وذلك بحسب قولهم، وذلك بعد أن كانوا يعملون في هذه الدول سرًّا، وبغير أية شرعية هذا غير دول إفريقيا الأخرى التي أعطتهم الحرية قديمًا، وحسب الإحصائيات التي ذكروها فإن عدد المنصرين في كل إفريقيا من طائفة شهود يهوه حتى ١٥ يونيو ١٩٩٢ ميلادية بلغ ٤٠٠٠٠٠ منصر من شهود يهوه منتشرين في كل مكان من إفريقيا.
أما في مصر فلمنظمة شهود يهوه نشاط سري، والدليل على ذلك ما أوردته أحد الجرائد الهولندية في السادس من يونيو عام ١٩٩٦ ميلادية؛ أنه تمَّ القبض على بعض هؤلاء المنصرين من شهود يهوه الأجانب في مدينة الإسكندرية، منهم ستة من أمريكا واثنان من بولندا وواحد من كندا وواحد من النمسا، ثم تم ترحيلهم من مصر، وكان هؤلاء المنصرين يحاولون توزيع مجلتهم "مجلة برج المراقبة" على المارة في الشوارع، وذكرت الجريدة أن الحكومة المصرية استدعت قياديين من الكنائس المصرية وسألتهم وعرضت عليهم هذه المواد التي ضُبطت مع هؤلاء المنصرين من كتب ومجلات ونشرات؛ بغية التعرف على شخصية هؤلاء وفكرهم، فقال هؤلاء القياديين من الكنيسة بأن هذه الأفكار هي أفكار شهود يهوه، وهي مرفوضة كنسيًّا، ولا يخفي شهود يهوه مشاعرهم ومشاعر أجدادهم تجاه مصر، مصر المحروسة، فهم يقولون: إن المصريين أولاد حام بن نوح الملعون عندهم؛ لأنه كما تقول التوراة المحرفة: كشف عورة أبيه السكران كما زعموا، وبحسب كلام شهود يهوه فإن الشيطان يستعمل المصريين؛ لأنهم أبناء حام الملعون، فأهل مصر هم ذرية الشيطان.
ونحمد الله أن الحكومة المصرية أصدرت قرارًا ضد مكرهم في سنة ١٩٥٣، ورفضت شرعيتهم وأصدرت محكمة القضاء الإداري قرارًا بالطرد، وقالت المحكمة المذكورة: إن المدعين حصلوا من إدارة الهجرة والجنسية على ترخيص، وإن الإدارة لما تبين لها أن المدعين يقومون بنشر مبادئ متطرفة، وأن الجمعية التي
стр. 79
ينتسبون إليها ذات ميول صهيونية وتهاجم الدين الإسلامي؛ أنهت إقامتهم وكلفتهم مغادرة البلاد.
خداع جمعية شهود يهوه للمرأة:
فهذه الجمعية تبذل جهودًا كثيرة لتشكيك المرأة المسلمة في دينها، وذلك بإلقاء الوساوس الشيطانية التي يخدعون بها الناس في صدر هذه المرأة المسلمة، ويقومون بهذا الجهد على أوسع نطاق، خصوصًا في دول أوربا والولايات المتحدة ودول أسيا وإندونيسيا، يطرقون بيوت المسلمين في هذه الدول من الصباح إلى المساء؛ ليوزعون مجلاتهم ومنشوراتهم، ويزرعون الشكوك بلطف وابتسام، ويجلبون الصيد إلى منظمتهم بلين وحنان ظاهري.
ويقولون: للمرأة المسلمة التي تفتح لهم الباب غفلة منها وجهلًا، أنهم يريدون أن يبلغوها طريق الحياة الأبدية، وهدف الملكوت الأسمى، الفردوس الأرضية، يقولون لها: إن كل المشاكل ستذهب فلا يكون هناك بكاء ولا ضرب ولا لطم للخدود، ولا حتى تعب المرض والشكوى، إذا كانت المرأة مطلقة وعرفوا ذلك منها فهي فريستهم التي يعرفون المداخل إليها، فيقولون لها: إن المسيحية رقة وتجاوز عن الشرور، أما الإسلام فهو يأمر بضرب المرأة وقتال الأعداء من الرفقاء، يقولون لها: المسيحية هينة لينة، أما الإسلام فهو القوة والانتصار وشهوة الرجل وانتقامه وسيادته.
يمارسون مع المرأة المسلمة كل أنواع غسيل المخ، ويستخدمون ألطف الطرق كما يستخدمون ألطف الوسائل للوصول إلى غرضهم، ولذلك يسعون إلى تشكيك المرأة المسلمة في حقيقة القرآن وحقيقة الإيمان، وفي تاريخ الإسلام وتاريخ المرأة المسلمة مصورين تعامل الإسلام مع المرأة أنه أحط تعامل وأسوأ لقاء.
стр. 80
وهذا واحد منهم سوري فرنسي الجنسية عضو في منظمتهم دعا زوجته إلى ما صنعته منظمة شهود يهوه من دين وفكر، يزعمون أنه مسيحي، وخيرها بين الإسلام والمسيحية؛ زاعمًا أن الإسلام يأمره بضربها بينما المسيحية تأمره بالإشفاق عليها واللطف بها.
أسماء منظمة شهود يهوه:
قد أطلق عليها في البداية مذهب الراسلية والراسليين، نسبة لزعيمهم تشارلز راسل، كما أطلق عليهم الدارسون الجدد للإنجيل، ثم أطلق عليهم برج مراقبة صهيون، وخفِّف الاسم ليكون برج المراقبة، وكذلك أطلق عليهم جمعية العالم الجديد، وأخيرًا استقرت تسميتهم بشهود يهوه، وتتابع على رئاستها زعماء اشتهروا بنشاطهم وتفانيهم في خدمتها.
حقيقة منظمة شهود يهوه:
ومما سبق يتضح لنا الجانب اليهودي في هذه المنظمة رغم تواريها وتسترها خلف المسيحية، والدليل على صهيونية هذه المؤسسة أمور كثيرة نذكر منها:
أولًا: استعمالهم الرموز الماسونية اليهودية، ويتضح ذلك في الشمعدان السباعي رمز الماسونية، والنجمة السداسية نجمة داود.
ثانيًا: انتسابهم إلى يهوه كما في إطلاق التوراة لهذا الاسم عن الله تعالى.
ثالثًا: أن رؤساءهم كلهم يهود.
رابعًا: أنهم يعادون كل الأديان إلا اليهودية.
خامسًا: أنهم أنهوا عطلة الأحد تبعًا لسائر اليهود.
стр. 81
سادسًا: تحريضهم على إقامة الدولة اليهودية الكبرى في فلسطين.
سابعًا: المناداة بوحدة البشر وإذابة الفوارق بينهم؛ تمهيدًا لإدخال اليهود وإفرادهم بعد ذلك.
كيفية انتشار عقائد منظمة شهود يهوه، وترتيباتها التنظيمية، وشعاراتها ورموزها
كيف انتشرت عقائد هذه المنظمة؟
أما السبب وراء انتشار عقائد وأفكار هذه المنظمة فعدة أمور نذكر منها: أنهم يشبعون رغبات الداخلين وشهواتهم من التحلل الخلقي والاختلاط والسهرات الداعرة، وأنهم يحاولون تصيد الشباب بما يقدمونه لهم من المساعدات المختلفة التي يرون أن الشخص بحاجة إليها؛ ليصبح أسيرًا لهم، متكلًا عليهم إما بتقديم سكن، أو بإغراء جنسي بإرسال فتيات لمقابلة بعض الشباب وسؤاله عن حاله وما يحتاج إليه في أموره الدراسية والمعيشية.
ويعرفون الشباب من لخلال أعوانهم المنتشرين في أماكن تجمع الشباب، كذلك يصدرون نشرات يدعون فيها كل شاب يريد كذا وكذا أن يتصل بهم على عناوين يوضحونها له، كما يقومون بحفلات ورحلات لا يطلب من الشخص فيها إلا حضوره الشخصي، ويتظاهرون بأنهم يدعون إلى المحبة بين أفراد البشر، وأنهم يريدون أن يرفرف السلام على الجميع، وأنهم يريدون أن تُنبذ الحروب، وأن يكون العالم كله دولة واحدة لا فوارق ولا فواصل بينهم، الكل في منزلة واحدة، وأن نواديهم هي الكفيلة بتحقيق السعادة عندما ينضم الجميع إليها، كذلك يركزون على أن الإنسان ينبغي أن يعيش حياته كلها لهذه الدنيا، يعيش حياته بكامل حريته دون قيود، ودون مراقبة.
стр. 82
وهم يهدفون من وراء ذلك إلى إنكار الدين وقيمه وإنكار أخبار الآخرة كلها، وأخيرًا ما يقومون به من مخادعة النصارى والمسلمين من تفسير بعض فقرات من الإنجيل وبعض الآيات التي يصرفون معانيها إلى ما يوافق مبادئهم بالوسائل التي يملكونها من مدارس وصحف وكتب ونشرات.
ولأجل هذه المؤامرات وغيرها تواترت تحذيرات علماء الإسلام من الدخول في هذه المنظمات وصدرت عدة فتاوى تدل على تحريم الانضمام إليها.
الترتيبات التنظيمية لمنظمة شهود يهوه:
فقد قسم شهود يهوه أنفسهم جماعات بحسب المناطق، ففي أوربا مثلًا يقيمون أماكن اجتماعات عامة بحسب لغات الأجناس التي تعيش داخل مجتمعاتها، ومعلوم أن فرنسا يقيم فيها أكبر تجمع لشهود يهوه من العرب، ففيها أكثر من قاعة اجتماع عربي، بل تقيم فيها شهود يهوه محافلها السنوية باللغة العربية أيضًا.
كلما زادت اللغات المختلفة في البلد الواحد تجد شهود يهوه يبنون البنايات، ويكتبون عليها قاعة الملكوت بدل الكنيسة، ويجتمع أهل كل لغة على حده، يتلقوا تعليمات ومعلومات الهيئة الحاكمة الدينية والتنظيمية والتعليمية، وكل مجموعة من هذه المجموعات المختلفة؛ سواء من أهل لغة واحدة أو لغات مختلفة يسمونها جماعة، كل جماعة ومجموعة من الجماعات تؤلف دائرة، وكل دائرة ومجموعة من الدائرة تؤلف كورة لها ناظر كورة، يتدرج التابع لهم من مهتم إلى الخدمة كمبشر يسمونه ناشر جماعة، ثم من ناشر جماعة إلى فاتح، ثم إلى فاتح إضافي، وهكذا.
مطلوب منهم إذا أرادوا بلوغ هذه المرتبة -مرتبة الفاتح الإضافي- أن يبلغوا مطلب ستين ساعة تنصير في الشهر، يعني يقوم الفاتح الإضافي بالتنصير لمدة ستين ساعة في
стр. 83
الشهر، ثم درجة الفاتح القانوني ومطلوب منهم تسعين ساعة تنصير في الشهر، ثم درجة الفاتح الخصوصي ويطلب منهم مائة وأربعين ساعة في الشهر، وهكذا.
شعارات منظمة شهود يهوه ورموزهم:
فلمنظمة شهود يهوه عدة رموز تتخذها، منها رمز الشمعدان السباعي الذي هو رمز اليهود الديني والوطني، وهذا يدل أيضًا على أن هذه المنظمة منظمة يهودية في الأساس، وكذلك يستخدمون رمز النجمة السداسية التي هي رمز من رموز اليهود أيضًا، وطبعًا يتبنون اسم يهوه، ويكتبونه بالعبرية كما هو عند اليهود.
الجذور الفكرية والعقائدية لمنظمة شهود يهوه، وانتشارهم ومواقع نفوذهم، وطريقتهم في العمل
الجذور الفكرية والعقائدية لمنظمة شهود يهوه:
ومنظمة شهود يهوه يمكن اعتبارهم منظمة مسيحية صهيونية منفردة بفهم خاص. أما أنها منظمة مسيحية فهي تدعي ذلك وتقول: إنها تؤمن بالكتاب المقدس للنصارى، وأنها تحاول تجديد المسيحية أو أنهم هم أصحاب المسيحية الحقة، وأما أنها منظمة صهيونية فهذه هي الحقيقية، أنهم في الواقع وفي حقيقة الأمر خاضعين للمنظمة الصهيونية والماسونية التي تحركهم كيفما تشاء، فهم يتبنون العقائد اليهودية في الجملة، وهم واقعون تحت سيطرة اليهود بشكل واضح، وهم يعملون لأهداف اليهود.
ومنظمة شهود يهوه متأثرة أيضًا بأفكار الفلاسفة القدامى، وخاصة الفلاسفة اليونانيين، كما أن لهم علاقة خاصة ووطيدة بإسرائيل، والمنظمات اليهودية العالمية كالماسونية وغيرها.
стр. 84
الانتشار ومواقع النفوذ:
وتنتشر منظمة شهود يهوه في معظم بلاد العالم، فلا تكاد تخلو دولة من دول العالم من نشاط لهذه المنظمة السرية الخطيرة، إما سرًّا وإما علنًا حين يُسمح لهم بذلك، ومركزهم الرئيسي في أمريكا في حي بروكلن بنيويورك. قد وصل عدد البلدان التي يزاولون فيها نشاطهم سنة ١٩٥٥ إلى ١٥٨ دولة، لكن بعض هذه الدول قد فطن إلى خطورتهم، فمنع نشاطهم وتعقبهم، وطارد دعاتهم بل وطردهم، ومن هذه الدول: مصر، وسنغافورة، ولبنان، وساحل العاج، والفلبين، والعراق، والنرويج، والكاميرون، وغيرها، وإن كان أتباع هذه المنظمة لا يزالون ينشطون في هذه الدول بطريقتهم الخاصة السرية.
طريقتهم في العمل:
إذ إن لهم طريقة جديدة في الدعوة إلى مذهبهم، فهم يرون أنه ثبت بالدليل أن عددًا كبيرًا من الناس لا يحضرون إلى المعابد، وأن أكثر من نصف الناس في بعض البلدان لا ينتمون إلى طائفة من الطوائف الدينية، وأن ملايين من المنتمين إلى الطوائف الدينية لا يحضرون عباداتهم، ولا يريدون أن يستمعوا إلى رجال الدين، فعملت شهود يهوه على أن تخفي نفسها تحت ستار أنها فرقة مسيحية تطوف بالبيوت والمقاهي والأندية العامة والطرقات؛ حاملة الكتب والمنشورات تعرض فيها تعاليمها بحماسة، مدعية أنها حاملة رسالة دين جديد يجمع تحت لوائه أهل الأديان كافة، كما تتظاهر بعدم معاداة أحد، أو أية طائفة من الطوائف.
وصلِّ اللهم على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 85
الدرس: ٦ الاشتراكية (١) .
стр. 86
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السادس
(الاشتراكية (١))
اختلاف الناس في مفهوم الاشتراكية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وخاتم النبيين سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين،
أما بعد:
الاشتراكية:
فالاشتراكية لفظ من الألفاظ العامة الفضفاضة التي تنطبق على مفاهيم ذوات مستويات مختلفة متفاوتة، ففيها مذاهب مختلفة: منها المعتدل، ومنها المغالي، ومنها الوطني، ومنها الأممي؛ فالاشتراكية في بعض حدودها الدنيا وضمن مفهوم عام قد تلتقي مع أحكام الإسلام في نظامه المالي أو الاقتصادي، مثل اشتراك الناس في الماء العام، وفي الهواء، وفي الكلأ النابت في الأراضي العامة، ويُسمى الكلأ المباح عند الفقهاء، ومثل النفقة الواجبة في نظام الأسرة الإسلامي، ومثل الزكاة المفروضة في الشريعة الإسلامية لصالح الفقراء والمساكين، وبقية الأصناف الثمانية المذكورة في آية سورة "التوبة": ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٦٠).
ومثل تدخل الدولة لحماية العمال والكادحين في حصولهم على الأجور العادلة دون ظلم ولا شطط، ومثل تهيئة فرص العمل لكل قادر عليه ونحو ذلك، كل هذا مما تشترك فيه الاشتراكية مع أحكام الإسلام في حدودها الدنيا، ويوسع بعض الاشتراكيين من مفهوم الاشتراكية حتى تتناول تأميم المصانع الكبرى، ولو بالمصادرة الظالمة، وبالاستيلاء دون تعويض مكافئ لحقوق أصحابها، وهذا مخالف للإسلام.
ويوسع اشتراكيون آخرون هذا المفهوم حتى تتناول الاشتراكية تأميم المصانع الكبرى ولو بالمصادرة الظالمة، وحتى تتناول مصادرة الأراضي وتوزيعها في صورة ظالمة جائرة وفاسدة مفسدة، وهذا مخالف لأحكام الإسلام.
стр. 87
وهكذا تتسع دائرة الاشتراكية حتى تصل إلى حضيض الشيوعية المسماة بالاشتراكية العلمية، التي تلغي الملكية الفردية للأرض، ولكل وسائل الإنتاج، ولكل النقود المالية، وتجعل هذه كلها ملكًا للدولة، وتقرر قاعدتها الشائعة "من كل بحسب طاقته ولكل بحسب حاجته"، فيحمل مروجو الشيوعية شعار الاشتراكية بين المسلمين مظهرين من دوائرها دائرة المستوى الأدنى، الذي قد لا يتنافى مع أحكام الإسلام. وينخدع بذلك منخدعون كثيرون من العمال والفلاحين والكادحين وموظفي الدولة، وبعض الطلبة الناشئين، وكل منهم يشعر أنه مظلوم في مجتمعه بكسبه، أو تُغيره الاشتراكية بكسب أفضل، وتتهيج ببريق هذا الشعار عواطف الفقراء والكادحين، ونوازع الحاسدين والحاقدين، ويظن البرآء منهم أن الاشتراكية لا تتنافى مع الإسلام، ثم بالتدريج يوسعون من دائرة المفهوم الاشتراكي شيئًا فشيئًا، حتى يبلغوا به الحضيض الأسفل أو قريبًا منه. ويومئذ تأتي التطبيقات الطاحنة، ويذوق المنخدعون بالأمس ويلات تطبيقات الشعار الذي كانوا قد فرحوا به، وطبلوا له وزمروا، وظنوا أن تطبيقاته ستجعلهم في بحبوحة من العيش، وستشفي نفوسهم من ظالميهم الإقطاعيين والرأسماليين والبرجوازيين.
لقد غرهم خداع هذا الشعار البراق، واستدرجهم بشبكته حتى قذفهم في جحيم التطبيقات الاشتراكية المشحونة بالظلم والعذاب.
الأساس العقدي للاشتراكية
فالاشتراكية ليست مذهبًا اقتصاديًّا فحسب أو حركة اجتماعية، لكنها نظرة شاملة للإنسان والوجود والتاريخ، فالنظام الاشتراكي يقوم على فلسفة مادية للحياة، ويتفاوت في تطرفه تفاوت المذاهب المختلفة، وترجع هذه المذاهب في تطرفها إلى المذهب الشيوعي الذي يستمد فلسفته من "هيجل" صاحب فكرة التطور، ويرجع
стр. 88
تنظيم هذا المذهب النظري إلى "كارل ماركس"، ثم إلى "لينين" من بعده. ولا تؤمن الشيوعية بالعقائد الدينية أو المبادئ الأخلاقية، بل تعتبر الدين مخدرًا للشعوب حتى يستفيد رجال الدين بالتعاون مع أصحاب رءوس الأموال في تسكين ثورة الجوع والعري بالزهد والصبر.
ومن مواد قانون كارل ماركس: "لا إله"، و"الطبيعة مادة"، وترى الشيوعية أن القوى الكونية تسيرها الطبيعة، فأي حادث أمام قوة من القوى فهو حرب للطبيعة ومن الواجب تحطيمه؛ لتنطلق القوى الطبيعية على سجيتها، فالغريزة الجنسية مثلًا طبيعة في الرجل والمرأة، وأي حائل يعوق اتصال المرأة بما تشاء من الرجال حرب للطبيعة، فلا يعترف النظام الشيوعي بالأسرة وإنما يولد الجنين ولادة اللقيط، فتلتقطه الدولة ليُربى في دور حضاناتها، ويتعلم إلى أن يكبر وينتج لنفس الدولة، ومن عجب أن تعترف الشيوعية بالغريزة الجنسية، وتطلق لها العنان، لكنها في نفس الوقت لا تعترف بغريزة حب التملك، وهي آصَلُ من الغريزة الجنسية في طبيعة الإنسان فتميتها بالكبت القاتل.
إن هذا المذهب -كما يقول أحد دعاته- مجموعة من الأفكار ملأت الفراغ الذي نشأ عن انهيار الدين المنظم، نتيجة لازدياد تحول الفكر إلى الاهتمام بالأمور الدنيوية خلال الثلاثة قرون الماضية، وهو مذهب لا يُمكن محاربته إلا بعقيدة معارضة تقوم على مبادئ مختلفة كل الاختلاف عنه، ولكن الشيوعية بالنسبة لمعتنقيها لها قيمة الدين ما داموا يشعرون بأنها تزودهم بشرح كامل للواقع، والإنسان كجزء من هذا الواقع، لقد استغل "كارل ماركس" نار الحقد في قلوب العمال، وشهَّر بكل وسيلة باستغلال رجال الأعمال احتكار أوربا، وبدلًا من أن يدعو إلى القسط شحذ أسلحة الصراع الطبقي؛ فحارب كل امتياز بدعوى المساواة، ودمر الملاك باسم الاشتراكية.
стр. 89
ثم استغل ذلك التحريف والضلال في المسيحية ليشهِّر بالدين، وبدلًا من أن يبحث عن الدين الحق اتهم الدين بأنه أفيون الشعوب ووسيلة الاستغلال، وما كان له من طريق بعد ذلك إلا أن يؤمن بالمادية، فيعتبرها هي الأول وهي الآخر ولا شيء قبلها ولا شيء بعدها، وكان عليه أن يبين كيف يتحرك هذا الكون ما دام قد كفر بالله، فاخترع وهم الصراع بين الأضداد كتفسير لحركة الكون والحياة، أو ما يسمى بالجدلية التي ابتدعها "هيجل"، وهكذا سميت دعوى "ماركس" بالمادية والجدلية، فماركس يعلي من شأن المادة ويعتبرها أصل حياة، ويعتبر أنها هي المحرك الأول لها؛ فأعطى قوة الإنتاج خاصية التطور الديالكتيكي الذاتي، فهي قاموس الكون كله، وأعطاها حتمية معناها ضرورة سيادتها، وأن معارضتها لن توقفها، ولن تكون إلا تعبيرًا عن الجهل والعقوق.
يقول الأستاذ العقاد: "لقد رأيت أناسًا يُبطلون الأديان في العصر الحديث باسم الفلسفة المادية، فإذا بهم يستعيرون من الدين كل خاصة من خواصه، وكل لازمة من لوازمه؛ ولا يستغنون عما فيه من عناصر الإيمان والاعتقاد التي لا سند لها غير مجرد التصديق والشعور، ثم يجردونه من قوته التي يبثها في أعماق النفس لأنهم اصطنعوه اصطناعًا، ولم يرجعوا به إلى مصدره الأصيل، فالمؤمنون بهذه الفلسفة المادية يطلبون من شيعتهم أن يكفروا بكل شيء غير المادة، وأن يعتقدوا أن الأكوان تنشأ من هذه المادة في دورات متسلسلة تنحل كل دورة منها في نهايتها؛ لتعود إلى التركيب في دورة جديدة.
ويطلبون منهم أن ينتظروا النعيم المقيم على هذه الأرض متى صحت نبوءتهم عن زوال الطبقات الاجتماعية، فإن زالت الطبقات الاجتماعية في هذه السنة أو بعدها ببضع سنوات؛ فتلك بداية الفردوس الأبدي الذي يدوم ما دامت الأرض والسموات، وتنتهي إليه أطوار التاريخ كما تنتهي بيوم القيامة في عقيدة المؤمن بالأديان.
стр. 90
ولا يخلو دين الفلسفة المادية من شيطانه، وهو الرأسمالية الخبيثة العسراء، فكل ما في الدنيا من عمل سوء أو فكرة سوء فهو كيد من هذا الشيطان الماكر المريد، وكل ما فيها من عمل سوء أو فكرة سوء يزول ويحول وتحل مكانه بركات الفلسفة المادية ورضوانها، متى صار الأمر إلى ملائكة الرحمة وذهب ذلك الشيطان إلى قرار الجحيم. ولكن أي دين هذا؟! إنه أشبه دين بدين البشرية الذي عرفته في بدايتها، وهو دين عبادة الطبيعة، الذي اعتنقه الإنسان البدائي وكان ينسب فيه القيم البشرية إلى الأشجار وغيرها من المواد.
ونريد أن نعرف إلى أي حد استطاعت المادية الجدلية أن تمد الإنسان بوعي للكون، وأن تحدد غايته في الوجود، يقول انجليز: "إنه مهما ينشأ أو ينقرض من الخلائق قبل أن تنجم بينهما أحياء تفكر بأدمغتها، وتجد لها ملاذًا يسمح بالحياة ولو إلى فترة وجيزة به؛ فإننا مع ذلك على يقين أن المادة في كل تغيراتها تظل أبدًا واحدة، وأبدًا كما هي، وأنها لن تفقد صفة من صفاتها، وأن تلك الضرورة الحديدية التي تقضي بزوال أرفع ذرات المادة -وهي القوة المفكرة- هي بعينها تقضي بميلاد كرة أخرى في زمان آخر".
بل حين ذكر "لينين" قول "هيرقليتس" إن العالم واحد لم يخلقه أي إله، ولا أي إنسان وقد كان ولا يزال وسيكون شعلة حية إلى الأبد تشتعل وتنطفئ تبعًا لقوانين معينة، علق عليه قائلًا: "يا له من شرح رائع لمبادئ المادية الجدلية".
وفي أسس الماركسية اللينينية أنها لا تعترف بوجود أي قوة أو خالق فيما وراء الطبيعة، إنها ترتكز بوضوح على الحقيقة، حقيقة العالم الذي نعيش فيه، إنها تحرر الإنسان مرة واحدة إلى الأبد من الخرافة، ومن عبودية الروحانية القديمة، إن تعاليم الفلسفة المادية التي تنصُّ على أن العالم الخارجي يوجد في الزمان وفي المكان تفند
стр. 91
المبدأ العقدي عن وجود إله خارج الزمان والمكان، واللاهوت يؤكد وجود إله قبل وجود العالم، ويؤكد أن هذا الإله هو الذي خلق الطبيعة، وهذه الفلسفة المادية تؤكد أن الله وحده هو الذي لا يحده زمان ولا مكان؛ بينما الطبيعة يحدها بداية ونهاية للزمان والمكان، يقولون: إن هذا خرافة، وإن العلم قد بين استحالة هذه الخرافات، فليس هناك مكان لله في الحقيقة، وذلك هو مبدأ العلماء عن العالم.
والفلكي الفرنسي جوزيف لالاند يقول: إنه بحث في السموات ولكنه لم يجد أي إله هناك، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (الكهف: ٥).
ومن العجيب أن أصحاب هذا الرأي قبل صفحة واحدة يقولون: إن المسافات في العالم أعظم كثيرًا من المسافات التي تعودنا عليها في الأرض، فالمجاهر الحديثة قد مكنتنا من اكتشاف النظام النجومي الذي ضوؤه يصل إلينا في مئات الملايين من السنين، رغم أن سرعة الضوء تصل إلى ثلاثمائة ألف ألف كيلو في الثانية. رغم أن هذه المعلومات محدودة ولكنها لا تعطينا صورة صحيحة عن اتساع العالم الذي هو لانهائي، إن لانهائية العالم تتعدى حدود الخيال، ولا يمكن وصف العالم والتعبير عنه بالعلم، والأرقام الخاصة بعمر الأرض وتطورها تُذهل الخيال، فالإنسان كما نعرفه اليوم ظهر منذ خمسين ألف إلى سبعين ألف سنة، وأول أشكال النبات والحياة الحيوانية ظهرت منذ ألف مليون سنة، والأرض نفسها منذ عدة آلاف الملايين من السنين، وهذا هو العمر الزماني لتاريخ الأرض كما يقول العلم، ولكن لا هذه الأرقام ولا أكبر منها تستطيع أن تعطينا أي دلالة حقيقية عن اللانهائية الطبيعة؛ لأن هذه اللانهائية يتمثل وجودها اللانهائي بالزمان، وهكذا يصلون إلى معالم الأفكار الغيبية التي يعابوا الأديان عليها، ورغم هذا الوصول فإنهم يصدقون قول إنسان أخرق بحث عن الله في السماء فلم يجده، تعالى الله عما يقولون: وعما يصفون.
стр. 92
معنى الاشتراكية
إن الاشتراكية قامت في القرن التاسع عشر الميلادي بسبب النزاع المرير بين العمال وأصحاب العمل؛ إذ إن العمال في هذا العصر طالبوا بزيادة أجورهم، وامتنع أصحاب العمل عن زيادة هذه الأجور، في الوقت الذي كان فيه أصحاب العمل يستغلون المال أسوأ استغلال، دون رحمة بأحد من العمال، وفي نفس الوقت تقريبًا بدأ ظهور الآلات الصناعية الحديثة، فإذا بأصحاب العمل يفضلونها عن الأيدي العاملة لوفرة إنتاجها، وقلة ما تحتاج إليه من العمال لتشغيلها؛ فاستغنى أصحاب العمل عن كثير من العمال، فنشأت البطالة ومشاكلها العديدة.
ومن هنا نشأة فكرة التوجه بالمطالبة بإصلاح هذه الأحوال الاقتصادية المضطربة، والحد من التنافس بين الناس بالاستئثار بالمال وجمعه، الذي يسبب الصراع بينهم، وكان هذا في الوقت الذي أفلس فيه الدين النصراني المحرف طبعًا، أفلس عن حل أي مشكلة من هذا النوع، بل كان عاملًا قويًّا في ظهور فكرة اللادينية، وفي ظهور المذاهب المنحرفة المختلفة التي قامت من أول يوم على محاربة كل الأوضاع السيئة التي كانت قائمة، واستبدالها بأنظمة جديدة تكفل للناس حقوقهم وحرية معيشتهم. وكان من بين تلك الأفكار ظاهرة القول بالاشتراكية ومحاربة الملكية الفردية وما جاء بعدها من أهوال الشيوعية.
والواقع أن الاشتراكية أقبح مذهب عرفته البشرية، وأشدها شرًّا على الإطلاق، فقد ذهب ضحية تطبيقها مئات الملايين قتلًا وجوعًا وتشريدًا في أوربا البعيدة عن أراضي المسلمين، وعن عقائدهم وتاريخ حضاراتهم. أيدتها اليهودية العالمية وبذلت كل ما استطاعته لتأييدها وتقوية نفوذ أتباعها لما عرفوه من عواقبها
стр. 93
الوخيمة على الجويم، أي: غير اليهود، وتم لهم ذلك وانتشر المذهب الاشتراكي الذي يحمل الخراب والدمار، وظل سنوات عديدة في أوج قوته إلى أن أذن الله في إذلاله وإذلال أتباعه، فخرج عنه الكثير ممن أنعم الله عليهم بالعقل والتفكير السليم، وداسوه بأقدامهم، وتنفسوا الصعداء، وهالهم ما كانوا فيه من الغبن الفاحش أيام جثومه على صدورهم، وتيقنوا أنه مذهب جهنمي صاغوه شياطين الإنس والجن بمباركة إبليس اللعين لهم على يد "فريدريك انجليز"، وكارل ماركس، ومن جاء بعدهم مثل لينين وستالين، إلى أن بدأ عهد جورباتشوف برئاسة ما كان يُسمى بالاتحاد السوفيتي.
ومن الغريب والعجيب والهول الشديد أن بعض البشر لا يزالون ينادون به، ويتبجحون بأنهم فرسان الاشتراكية ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٩)، إذا كان لأهل أوربا ظروفهم التي أنتجت الدعوة إلى الاشتراكية في القرن التاسع عشر الميلادي وما بعده، فما بال الدول والشعوب التي تدعي الإسلام، وأنه دستورهم، ما بالهم دخلوا تحت لواء هذا الفكر الأحمر الذي يُشير دائمًا إلى سفك الدماء، وما هي الظروف التي ألجأتهم إلى المناداة بالاشتراكية الماركسية؟ ألم يجدوا في الإسلام ما يسعدهم؟ بلى، ولكنهم ما طبقوه إن لم نقل ما عرفوه أساسًا.
يطول عتابنا لهؤلاء وخصامنا لهم، ولكن لا يمكن إغفال فريتهم الكبيرة، والتي تدل على مدى خبثهم وجهلهم، تلك الفرية التي ظهرت تنادي بأن الاشتراكية أساسها إسلامي، وأن الاشتراكية تسير جنبًا إلى جنب مع التعاليم الإسلامية، بل إن واضع الاشتراكية في زعمهم ليس هو "كارل ماركس" اليهودي الحاقد، بل إنه أبو ذر الغفاري، وأم المؤمنين خديجة بنت خويلد التي يسمونها عندهم أم الاشتراكية، بل وفي خطاب ألقاه أحد زعمائهم، زعم فيه أن النبي محمد ﷺ هو
стр. 94
إمام الاشتراكيين، سبحان الله! ما أعظم حلمه!. فأين رسول الله ﷺ وأين أم المؤمنين خديجة ﵂، وأين أبو ذر الغفاري ﵁ وأين الاشتراكية؟! إنها كذبة تكاد تهد الجبال، وخدعة مكشوفة قبيحة أراد أصحابها تحبيب الوجه الكالح للاشتراكية إلى قلوب المسلمين، أرادوا أن يخدعوا المسلمين ويستميلوا قلوبهم ليدخلوا فيما دخلوا فيه، فلأنهم قد وقعوا في هذه المذاهب أرادوا أن يجروا غيرهم إليها، وما أشبه حالهم بحال الثعلب الذي قُطع ذيله فجاء إلى بقية الثعالب يحبب إليهم أن يقطعوا ذيولهم لينعموا بالخفة والرشاقة.
بعد هذا التمهيد المطلوب نعود إلى بيان معنى الاشتراكية التي اختلف دعاتها فيما بينهم، افترقوا إلى أحزاب في مفهومهم للاشتراكية وفي المقصود بها، إلى حد أن بلغت معانيها المائتين في بريطانيا وحدها، وهذا يذكرنا بقول الأعرابي حينما سمع أسماء القط الكثيرة فقال: "قبحه الله ما أقل نفعه، وما أكثر أسمائه"، وأقول لك قبل أن أذكر أهم هذه التعريفات: لا يهولنك كثرة تلك الاختلافات؛ فإن مصبها في النهاية واحد هو الإلحاد والتشريع للبشر من دون الله تعالى، كما يقولون: تعددت الأسباب والموت واحد.
وإذا رجعنا لمعنى الاشتراكية إلى ما قبل "كارل ماركس" فإننا نجدها قد ظهرت في أماكن مختلفة، في دعوات إلى إلغاء الملكية الفردية، ودعوات إلى نبذ التقاليد والأعراف، ودعوات إلى شيوعية الأموال والنساء بين الجميع، ويُطلق على هذه الاشتراكية اسم الاشتراكية القديمة قبل مرحلة ظهور النظام الرأسمالي الذي يناقض الاشتراكية تمامًا في تقديس الملكية الفردية، والأنانيات الأخرى التي تميز بها، بل وقبل ظهور الإسلام بمئات السنين على عهد أفلاطون، والسير توماس مور، وقبلهم مازداك في فارس وغيرهم.
وقد استفاد منهم "كارل ماركس" في نظريته الشيوعية، أو كما يسميها الاشتراكية العلمية وهي أبعد ما يكون عن العلمية، وهي غريبة عن الإسلام، بل عن
стр. 95
الأديان كلها، ولم يقرها لا الإسلام ولا غيره من الديانات. فإطلاق الاشتراكية على الإسلام أو على العرب حين يُقال اشتراكية الإسلام، أو الاشتراكية الإسلامية، أو الاشتراكية العربية تعبير جانبه الصواب؛ لأن الإسلام لم يقر الاشتراكية مع أنها كانت موجودة في صور شتى قبل الإسلام، ومع ذلك لم يختر الله أن تكون ضمن تعاليم الإسلام، وكذلك قولهم الاشتراكية العربية إن هو إلا كذب محض على العربية، وعلى العرب الذين ما كانوا يعرفونها أو يتحدثون عنها لا في شعرهم ولا في نثرهم ومفاهيمها.
ومفاهيمها كلها غير مفاهيم الاشتراكية ونشأة الاشتراكية ليست في بلاد العرب، فبأي حق تُنسب إليهم لولا إرادة الخداع والتضليل، وكذلك نسبة الاشتراكية إلى العلم هي نسبة زور وافتراء؛ فقد قامت على التخمينات المراكسية وعلى التنبؤ بأمور كثيرة ظهر منها أنها كذب ولم تتحقق، ونسبتها إلى العلم ظلم للعلم وأي ظلم، والإسلام، والعرب، والعلم والعقول السليمة كلها لا تعارض البيع والشراء، لا تعارض الربح والملكية الفردية التي تحاربها الاشتراكية على أساس أن الربح ينتج عن الملكية الفردية، وهي ممنوعة في الاشتراكية، فمتى نادى الإسلام أو العرب أو العلم بذلك، وقد أحل الله البيع وحرم الربا؟!.
متى ظهرت الاشتراكية ؟
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن التوجه نحو فكرة الاشتراكية مر بأطوار وفلسفات كثيرة قبل ظهور الدكتور "كارل ماركس"، فقد كان "روبارت أوين" المولود سنة ١٧٧١م وهو مصلح اجتماعي، وُلد في مقاطعة ويلز، كان أحد رواد الحركات التعاونية، حاول "أوين" أن يبرهن كرجل أعمال أن من مستلزمات التجارة الناجحة الاهتمام برفاهية الموظف، وأسس "أوين" جمعية "نيوهارموني" الشهيرة
стр. 96
في إنديانا بالولايات المتحدة الأمريكية، وكان يرى أن الناس يمكن أن يحققوا أكبر قسط من الفائدة من القوى الإنتاجية إذا ما تعاونوا في سبيل المصلحة العامة، وقضوا على الملكية الخاصة والربح، وأقاموا مجتمعات صناعية وزراعية تحكم نفسها بنفسها.
وكان يرى أن نمو الآلة سيؤدي إلى البطالة من جهة وتراكم الإنتاج من جهة أخرى، ولا علاج لذلك إلا إذا اتسع نطاق السوق عن طريق رفع أجور العمال، وهذا لا يتم إلا في ظل المنافسة الحرة، ورأى أنه لا مفرَّ من التنظيم الاشتراكي إذا أردنا أن يكون الإنتاج الوافر سبيلًا للرخاء، وفي مصنعه المشهور في نيورلانك بنى بيوتًا صحية للعمال، وأنشأ لهم مخازن يشترون منها حاجاتهم بأسعار مخفضة، وشيد مدارس للحضانة تُعنى بالأطفال، وخصص أموالًا لعلاج المرضى وإعانة الشيوخ، أو الذين أصيبوا بحادث أو بعاهة. وهو أول مَن أعطى معاشات وإعانات بطالة للعمال، وقد وضع برنامجًا كاملًا لنظام تعاوني لعدد من ثلاثمائة إلى خمسمائة عامل في مدن جديدة للسكن، ويتعاون هؤلاء العمال في الإنتاج دون أن يكون الربح رائدهم بل التعاون، وحاول اختبار نظريته التعاونية في أمريكا فأنشأ عام ١٨٢٥ وحدة في إحدى الولايات ولكنه فشل في تجربته وعاد إلى انجلترا فقيرًا عام ١٨٢٩.
وأيضًا نجد "لويبلان" قد بنى أفكاره في كتابه (تنظيم العمل) على أن اقتصاد المجتمع قائم على المنافسة المجحفة، وعلاجها إنما يكون بسيطرة الدولة على الصناعة، وتقيم الدولة الورش الوطنية التي تكفل العمل للعمال بأجر مناسب، وقد فشلت الخطة التجريبية التي أقامها فشلًا ذريعًا. وجاء من بعده "برود وون" وكتب كتاب سماه (ما هي الملكية) وأجاب فيها جوابه المشهور: إن الملكية هي السرقة؛ وكان يرى أنه لا يمكن تغيير النظام القائم إلا
стр. 97
بإلغاء الدولة، وإلغاء كل سلطة من السلطات، وترك تدبير الشئون الاقتصادية إلى جهود الفرد العادية، ودعا "برود وون" إلى تكوين مصارف للتبادل يوضع فيها العامل ثمن عمله نظير كوبون يؤدي مهمة النقود، وقد أقيمت المصارف على سبيل التجربة، إلا أن هذه التجربة انهارت انهيارًا سريعًا. ومن أسباب هذا الانهيار عدم تقرير أهمية عنصر الطلب في اتجاه هذه المصارف، فقد لا يُطلب نوع من السلع التي أودعها العامل.
ثم جاء بعد ذلك "كارل ماركس" في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، وسط البؤس الذي نشرته الرأسمالية والمظالم الاجتماعية التي عناها المجتمع من استغلال أصحاب الأعمال، لقد كانت هذه الحالة مسار سخط المصلحين في ذلك الوقت، استغل "كارل ماركس" هذا السخط بالدعوة إلى نظريته الجديدة في الاشتراكية. وقد صور "كارل ماركس" تاريخ الإنسان على أساس أنه صراع بين الطبقات، تستغل فيه طبقة أخرى، كالصراع الذي دار قديمًا بين الأحرار والأرقاء، ثم بين الأمراء والفلاحين، وكذلك بين الرؤساء والعرفاء في نظام الطوائف.
وأخيرًا قام حديثًا هذا الصراع منذ عهد الثورة الفرنسية بين طبقة الرأسماليين وطبقة العمال، وتزداد حدة الصراع من الاتجاه الحتمي للرأسمالية في تركيز الملكية في أيدي قلة من الرأسماليين، وزيادة بؤس الطبقة العاملة، وهذا يؤدي في رأيه إلى الانفجار الثوري الذي يُغير علاقة الإنتاج الرأسمالية إلى علاقة الإنتاج الاشتراكية، ويزعم أنه بتحوِّل الإنتاج من الملكيات الفردية إلى الملكيات الجماعية ينتهي صراع الطبقات، وينتهي التناقض بين مصالح الناس، وهذه الملكية العامة المشتركة ستؤدي إلى رفع الحواجز أمام توسع الإنتاج مما يؤدي إلى توافر المنتجات حيث تصبح الندرة معدومة.
стр. 98
وهنا كما يرى "ماركس" لن يكون هناك سبب للملكية أو الصراع، وسيأخذ الجميع حسب حاجتهم، وهذا الذي يقوله ماركس هو أكبر وهم عاشته البشرية في عصرها، وهو ما يسمونه بالاشتراكية العلمية التي قدمها "ماركس" باسم المادية الجدلية، فأشقت البلاد والعباد، وحولتهم في عبيد في بلاد الاشتراكية يُطحنون ويُستعبدون.
يقول "فريدريك انجليز" صديق "كارل ماركس" وشريكه في تأليف هذه النظرية، يقول عن هذا الوهم الذي عاش فيه، ودعا البشرية إلى العيش فيه، تمامًا كما أن "داروين" اكتشف قانون تطور الطبيعة العضوية، فإن "ماركس" اكتشف قانون تطور التاريخ الإنساني. والحقيقة ببساطة التي أخفاها شطط المذاهب الفكرية أن الإنسان لا بد أن يأكل ويشرب وأن يلبس وأن يسكن قبل أن يرسم السياسات، أو العلوم، أو الفن، أو العقيدة، ولهذا فإن إنتاج حاجات الحياة الأساسية وبالتالي درجة التقدم الاقتصادي في فترة معينة أو حقبة معينة هي التي يقوم عليها الدولة والمؤسسات والنظم القانونية، والفن وحتى أفكار العقيدة للناس، وهي التي تشرحها وليس العكس، كما كان يحدث من قبل.
خلاصة قوله: إن الحياة الاقتصادية المتمثلة في أدوات الإنتاج من أرض ورأسمال هي التي تحدد علاقات الإنتاج كالملكية، وعلى أساس هذه القاعدة الاقتصادية تتولد النظم الاجتماعية والسياسة والفكرية، فليس الإنسان هو الذي يحدد اقتصاده، بل العكس الاقتصاد هو الذي يحدد الإنسان، وليس حركة الفكر سوى انعكاس للحركة الواقعية منقولة إلى دماغ الإنسان ومستقرة فيه، وعند مرحلة معينة من التطور تدخل قوى الإنتاج المادية في صراع مع علاقات الإنتاج القائمة، أو بالتعبير القانوني عن الشيء ذاته مع علاقات الملكية التي كانت تعمل خلالها
стр. 99
حتى ذلك الوقت، وقد اعتبرت نتيجة لذلك الوهم، اعتُبرت الملكية أكبر وسيلة لاستغلال الناس، وأكبر وسيلة لتعويق سيرتهم.
يقول "كارل ماركس": إن الملكية الخاصة الرأسمالية المتولدة عن طريق الإنتاج الرأسمالي هي السلب الأول للملكية الخاصة القائمة على أساس العمل الفردي، ولكن الإنتاج الرأسمالي يولد بقوة القانون الطبيعي الذي لا يتغير، القوة التي تسلبه أي: تنفيه، وهذا يُسمى عند الماركسية سلب السلب أو نفي النفي.
هذا السلب الثاني لا يؤدي إلى عودة الملكية الخاصة، ولكنه يعيدها على أساس التعاون والملكية المشتركة للأرض، وأدوات الإنتاج التي ينتجها العامل بنفسه، إن تحويل الملكية الخاصة المبعثرة القائمة على العمل الفردي إلى ملكية رأسمالية عملية أطول أمدًا وأشد عنفًا، وأكثر صعوبة من تحول الملكية الخاصة الرأسمالية إلى ملكية اجتماعية؛ إذ إن الأمر كان في الحالة الأولى متعلقًا باستيلاء البعض على ملكية جمهور الناس. أما في الحالة الأخيرة فالذي يعنينا هو الاستيلاء على ما يملكه نفر قليل بواسطة جمهور الناس.
إذًا فالاقتصاد الاشتراكي يقوم على قواعد محددة كما يرى "ماركس" و"إنجليز" وتابعوه وهي:
أولًا: قيام الثورة الاشتراكية التي يسيطر بها العمال على الحكم كشرط أول.
ثانيًا: تعميم الدولة لكل عناصر الإنتاج والقضاء على كل دخل سوى أجر العامل.
وثالثًا: النشاط الاقتصادي عن طريق جهاز التخطيط وكل العلاقات الاقتصادية الدولية تتم عن طريق الجدولة.
стр. 100
في ٨ نوفمبر سنة ١٩١٧ بعد أن قامت الثورة الشيوعية، وبدأت تنفيذ هذا النظام الاشتراكي الذي يدعونا إليه صادرت الحكومة كل الملكيات الكبيرة بدون تعويض، وآلت الملكيات الزراعية إلى مجالس الفلاحين. وفي الرابع عشر من نوفمبر سنة ١٩١٧ خضعت كل المؤسسات الصناعية والتجارية للإشراف الفعلي المباشر للعمال، واستولت الدولة على فائض الإنتاج عينًا، ومضت أربع سنوات وفشلت التجربة، وخرب الاقتصاد، وأنشبت المجاعة مخالبها في كبد الشعب المسكين؛ نتيجة هبوط الإنتاج إلى خمس ما كان عليه قبل مصادرة هذه الملكيات، وبعد ثلاثة أيام عادت الحرية للتجارة الخارجية والداخلية، وفي السابع عشر من مايو سنة ١٩٢١ صُرح لصغار المنتجين أن يبيعوا منتجاتهم لحسابهم، وفي سبعة يونيو سنة ١٩٢١ أُلغي تأميم كل المؤسسات الصناعية التي لا يزيد عدد العمال فيها على عشرين عاملًا.
وهكذا نجد أن هذه الدعايات الاشتراكية لم تقف في مهب الريح، وثبت فشلها بعد سنوات قليلة من تطبيقها، فهي ليست -كما يقولون- فرصة ثمينة لإسعاد البشرية، ولكنها كسحابة صيف، أو فقاقيع منفوخة بالهواء انكشف زيفها، واضمحل بريقها بعد تجارب مريرة التي حاولت مخالفة الفطرة، مخالفة النفس الإنسانية السوية التي لا تحارب الدين، ولا تحارب الملكية الفردية، فمنذ تأسيس هذه الدولة الشيوعية وهي تنقل الناس من سيء إلى أسوأ، ومن طبقات متآلفة إلى طبقات متصارعة، ومن فقر وغنى، وفقير وغني إلى فقر مدقع.
وهكذا ثبت بالتجربة العملية أنه لا حل إلا في الإسلام والشريعة الإسلامية.
وصلِّ اللهم على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 101
الدرس: ٧ الاشتراكية (٢) .
стр. 102
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس السابع
(الاشتراكية (٢))
أقسام الاشتراكية
الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وخاتم النبيين سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الاشتراكية مذهب غريب على الناس، وعلى أديانهم، وقد نشأت هذه الفلسفة في أوربا، في ظروف وأوضاع خاصة مرت بأوربا، يقسم زعماء الاشتراكية هذا المذهب إلى قسمين:
القسم الأول: يسمونه بالاشتراكية الماركسية.
والقسم الثاني: يسمونه بالاشتراكية الفابية.
الفابية جمعية تمت تأسيسها في لندن عام ألف وثمانمائة وثلاثة وثمانين من الميلاد للترويج للاشتراكية، انتشرت فيما بعد فروعها في مدن إنجلترا الأخرى، ويرجع الفضل في هذه الفابية إلى المناقشات الخاصة التي كانت تجري بين بعض المفكرين بقيادة المفكر الأمريكي "توماس دافنسون" حول الواجبات الاجتماعية، وقد اقتبس اسم الفابية من عائلة فابيا الرومانية المشهورة التي تُعتبر من أقدم أسر النبلاء في روما، تزعم هذه العائلة الانتماء إلى هرقل البطل الأسطوري. وقد برز منها عدد كبير لعبوا أدوار بارزة في روما منهم "إمبستوس فابيوس"، وهو الذي اشتهر بالأناة في تحقيق أهدافه؛ مما يعني رغبة الفابيين في تحقيق الاشتراكية عن طريق التدرج.
وكان "جورج برنارد شو" من أقدم مؤسسي هذه الجمعية، والذي نحن بصدده دراسته الآن هو مذهب الاشتراكية الماركسية التي تنتسب إلى مؤسس الماركسية، وهو اليهودي "كارل ماركس"، والتي هي مقدمة للشيوعية الحمراء، ومرحلة من مراحل تطور التاريخ في تفسيره المادي للتاريخ، لكن ما يعنينا هو التفريق بين الاشتراكية الماركسية والاشتراكية الفابية ويظهر هذا الفرق من خلال ما يلي:
أولًا: اشتراكية الماركسية نسبه إلى "كارل ماركس"، بينما الاشتراكية الفابية نسبه إلى أحد قواد الرومان واسمه "فابيوس".
стр. 103
ثانيًا: الاشتراكية الماركسية تميل إلى العنف والثورة وإراقة الدماء؛ لذلك كانت تسمى بالثورة الحمراء، بينما الاشتراكية الفابية تميل إلى الإصلاح وإلى سعادة الناس كما يزعمون، وإلى التدرج في التطور ولو أدى ذلك إلى تأخر تطبيق الاشتراكية زمنًا طويلًا.
ثالثًا: الاشتراكية الماركسية تبطل الملكية الفردية وتحاربها وتعتبرها ألدَّ أعدائها بينما الاشتراكية الفابية تعترف بالملكية العامة، ولا تجيز تأمين الأرض دون مقابل، وترى الاشتراكية الفابية أن الملكية الخاصة يمكن تحويلها إلى ملكية الدولة بالطرق المشروعة.
وقد خالف الفابيون أيضًا آراء كارل ماركس في نظرته للمجتمعات؛ حيث كان يقول ماركس: إنها قائمة على الصراع الطبقي. وقالت الفلسفة الاشتراكية الفابية: إن الصراع الطبقي ليس حتميًّا ولا ضرورة إليه؛ لقيام حكومة العمال كما هو مذهب كارل ماركس، ولأن الدولة عند الفابيين ليس المقصود بها تسلط فئة على أخرى، كما يرى ماركس؛ وإنما الدولة عندهم هي قوة في صالح الجميع، وترى الاشتراكية الفابية أن التغيير الثوري العنيف الذي يراه "كارل ماركس" فاشل في تحقيق السعادة للشعوب.
هل الاشتراكية هي الشيوعية ؟
وللإجابة عن هذا الس ؤال نقول: اختلفت وجهات نظر الباحثين فيما يظهر من كتاباتهم حول العلاقة بين الاشتراكية والشيوعية، فبعض هؤلاء الباحثين يقول: إنه لا فرق بين الاشتراكية والشيوعية، وإن الاشتراكية والشيوعية هما اسمان لمسمى واحد، وإذا سألناه عن سبب أو تعليل التسمية بالاشتراكية بدلًا عن التسمية بالشيوعية، قال: إن الشيوعية من بعد "كارل ماركس" اشتهرت بأنها شيوعية "مزدك"، فنفر منها الناس، ومن هنا صارت كلمة الاشتراكية أقل استنكارًا لهذا.
стр. 104
لهذا جُعلت البذرة الأولى لشجرة الشيوعية خالصة، وإلا فالشيوعية والاشتراكية اسمان لمسمى واحد. ومزدك هذا الذي يقولون: عنه ظهر في فارس في أيام حكم الإمبراطور قباذ، حيث جمع مزدك حوله الصعاليك ومن انضم إليه، وكون منهم قوة كبيرة، ثم اعتنق الإمبراطور قباذ هذا الفكرة وتبنى شيوعية الأموال والنساء، حتى ما كان الرجل في هذا الزمان يعرف له أبًا؛ اشتد شر هذه الشيوعية وضررها على الناس حتى أنقذهم الله على يد أنوشروان، ولد قباذ؛ فقتل من هؤلاء جموعًا غفيرة إذ كان من أشد أعدائهم، وقتل مزدك شر قتله.
أما الرأي الثاني فيقول عن العلاقة بين الاشتراكية والشيوعية: إن الاشتراكية ترمي في النهاية إلى الشيوعية، وأن الفرق بينهما يكمن في الناحية العلمية، فالشيوعية ترى أن جميع الثروات الاجتماعية مجموع يستهلك الفرد منه بقدر ما يسد جميع حاجاته، وليس فقط بقدر ما يناسب خدماته على أن هذا الحق في الاستهلاك يتوقف عند الشيوعيين على واجب الإنتاج والعمل، فمن لا يعمل لا يأكل على حد قولهم، وهي ما يعبر عنها بقولهم من كل طبقًا لكفايته ولكل طبقًا لحاجته. أما الاشتراكية فتتفق مع الشيوعية في وجوب إنشاء المجموع العام من الثروات، ولكنها تخالفها في طريقة التوزيع، فتسمح لكل فرد من الثمرات العامة بما يناسب عمله وجهده، لا بما يناسب حاجته، ولهذا يذهب بعض الباحثين إلى أنه لا فرق بين الشيوعية والاشتراكية من كل حسب طاقته، ولكل حسب حاجته.
ويرى البعض الثالث أن بين الاشتراكية والشيوعية من جهة وبين الفاشستية من جهة أخرى شبهًا قويًّا، من حيث أن الاشتراكية والشيوعية ترميان كلتاهما إلى
стр. 105
تقوية قبضة الدولة في توجيه الإنتاج، وإلى القضاء على حرية الفرد، وكذا يرمي النظام الفاشستي، وكلها الاشتراكية والشيوعية والفاشستية هي صور من صور الديكتاتورية. وقد اعتبر لينين الاشتراكية هي المرحلة التي تسبق الشيوعية مباشرة، فهي مقدمة أو تمهيد لها، معتبرًا أن الاشتراكية مرحلة أولى بينما الشيوعية هي المرحلة الأخيرة العليا، فهم يقولون: إن الشيوعية لكي تقوم يجب أن تمر بمراحل ثلاث، هذه هي عندهم حتمية.
المرحلة الانتقالية: وهي انتقال البشرية من الرأسمالية إلى الاشتراكية، ثم إلى الشيوعية؛ لأن أعظم تحول في التاريخ في نظرهم هو انتقال البشرية من الرأسمالية إلى الشيوعية، ولا بد لهذا الانتقال من فترة زمنية معينة حتى تتمكن الثورة من القضاء على الطبقات المستغلة، وتأكيد سيطرة العلاقات الاشتراكية في ميادين الحياة الاجتماعية، وهي ضرورية لكل بلد يختار الاشتراكية.
ثم تأتي مرحلة الاشتراكية بعد هذه المرحلة الانتقالية، وهي كما تحددها الماركسية القضاء على استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، والقضاء في نفس الوقت على طبقات المجتمع المتناحرة؛ إذ إن المجتمع الرأسمالي يترك للاشتراكية وضعًا سيئًا، لا يتفق فيه إنتاج وسائل الإنتاج مع وسائل الاستهلاك؛ ولذلك فإن مبدأ الاشتراكية على كل فرد أن يؤدي حسب طاقته وأن ينال حسب عمله.
هذا المبدأ يكون خطوة كبرى إلى الإمام بالنسبة إلى الرأسمالية المستغلة؛ حيث لا ينال العامل قط حسب عمله، وتوزع سلع الاستهلاك بواسطة شراء الأفراد السلع الضرورية لمعيشتهم، وتسد حاجات الجماهير الثقافية إلى الحد الأقصى بواسطة الخدمات الاجتماعية كمجانية الخدمات الطبية مثلًا، ولا بد من تقدم هائل في إنتاج وسائل الإنتاج، وأن يتخصص العمال في معرفة استخدامها، ولا بد من تطويرها بشكل أسمى من الدرجة التي بلوغها في مرحلة الرأسمالية التي
стр. 106
تحرم الجماهير من الثقافة والعلم، ولكن إذا لم يصبح العمل بالنسبة للإنسان حاجة طبيعية كحاجته إلى التنفس والمشي، فإن أحسن وسيلة لتشجيع التقدم وتخصص العمال هي أن ينال كل فرد حسب نوع العمل الذي يؤديه.
ولهذا تصبح وعود الرأسمالية الخلابة التي تريد أن تقنع العمال بأنها تستطيع رفع معيشتهم إذا أحسنوا نوعية عملهم حقيقة في الاشتراكية بسبب زوال الاستغلال، ولكن الفرد في الاشتراكية لا يأخذ نتيجة عمله كاملًا، وذلك لأجل الاحتفاظ بقسط منها لتغطية مصاريف الإدارة والمستوصفات وغيرها؛ ففي المجتمع الاشتراكي يعطى كل فرد حسب عمله بصورة غير متساوية بين الأفراد بعد أن يؤمن لكل فرد أسباب معيشته.
إذًا هم يقولون: إن الاشتراكية تختلف عن الشيوعية، ولكن ما معنى هذا التفريق؟ إذا عرفنا أن "كارل ماركس" هو الذي أنشأها وهو الذي سماها أيضًا الاشتراكية، ويسميها الاشتراكية العلمية؛ حيث يميزها عن نوع من الاشتراكية الخيالية، التي أنشأها في القدم سان سيمون ولويس ورفاقهما، والتي لم يرتضها كارل ماركس؛ حيث اعتبر اشتراكيته مرحلة حتمية لا تقبل الرفض، لأنها في نظرة نتيجة مضادة للرأسمالية التي تنبأ بأنها ستنتهي، وتحل اشتراكيته محلها. ويرى ماركس أن الدول الكثيرة مثل بريطانيا وغيرها ستعود حتمًا إلى الأخذ باشتراكيته، وستموت الأنظمة الرأسمالية في هذه الدول فكانت النتيجة على حد قول الشاعر:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا
أبشر بطول سلامة يا مربع
وقد احتضرت الاشتراكية في الشرق في الوقت الذي انتعشت فيه الرأسمالية في الغرب، كذلك ظن ماركس ورفاقه الأغبياء.
стр. 107
مزاعم الاشتراكيين ودعاياتهم
لأتباع المذهب الاشترا كي على اختلاف مفاهيمهم قاسم مشترك، يتفقون عليه في مغالطتهم وخداعهم للناس، محاولة تحبيب الاشتراكية إليهم، وقد تبدو الأمور التي يدعون إليها أنها فرصة ثمينة لإسعاد البشرية، ولكنها في الواقع عند التجربة -كما قلنا- تظهر كسحابة صيف، أو كفقاقيع منفوخة بالهواء، انكشف زيفها واضمحل بريقها بعد هذه التجارب التي مرت بالبشرية منذ تأسيسها؛ إذ نقلتهم هذه التجارب من سنين العشر، ومن طبقات متآلهة إلى طبقات متصارعة، ومن فقر وغنى إلى فقر مدقع، وخلاصة تلك المزاعم تتمثل فيما يلي:
هم يقولون ويدعون أولًا: أنهم سيساوون اقتصاديًّا بين جميع الأفراد بلا تمييز بينهم في القومية، أو في الجنس، أو في السن.
ثانيًا: يقولون: إنهم سيمحون استغلال الفرد أو الجماعة أو الدولة للفرد.
ثالثًا: يقولون: إنهم سيلغون الملكية الفردية للأرض بما عليها وما فيها من كنوز وثروات، وجعلها بيد الدولة فقط، مما يسمح بتحقيق العدالة في التوزيع بين الجميع.
يقولون أيضًا: إنهم سيمنحون الحق لكل إنسان أن يستخدم كل وسائل الإنتاج علمية كانت أو فنية.
стр. 108
ثم قيام الدولة الاشتراكية ذاتها؛ لتتحول إدارة الجهود والإنتاج الفردية إلى إدارة موحدة، وتصبح الدولة هي المالكة الوحيدة لجميع الثروات ووسائل الإنتاج، وجميع المرافق الاقتصادية الأخرى وتتولى استثمارها، وبالتالي تحصل السعادة المنشودة. تلك هي أهم الأمور التي تدور حول مفاهيم الاشتراكية وتحبيبها إلى الناس.
وننظر في هذه الدعاوى التي يقولونها، أما المساواة الاقتصادية بين جميع الأفراد فقد حققها الاشتراكيون، ولكن على الجانب الآخر وقد استطاعوا أن يساووا بين الناس في الفقر، ولكنهم لم يستطيعوا أن يساووا بينهم في الغنى؛ لأن الهدم دائمًا أسهل من البناء وحال الشعوب في الاتحاد السوفيتي بعد انجلاء غمة الاشتراكية عنهم أقوى شاهدًا ودليلًا على ذلك، أما ما هو استغلال الفرد من قبل الأفراد الآخرين أو الجماعة أو الدولة فهي كذبة واضحة؛ حيث إن الدولة استغلت الأفراد من اللحم إلى العظم حتى أصبح الفرد مثله مثل أي قطعة استهلاكية، وأي استغلال أقوى من أن الفرد لا يأكل أي وجبة إلا ببطاقة، ولا يملك سكنًا ولا غيره إلا مع الجماعة، بل وقد يقتل بكل بساطة أمام زملائه إذا اتضح قصوره في العمل، وكذلك إلغاء الملكية الفردية للأرض نعم حققتها الاشتراكية حتى أصبح الناس كلهم لا يملكون شيئًا، وأصبحت الأرض ومن عليها من شجر وبشر ملكًا للدولة، وهو ما كان عليه الحال زمن الإقطاع تمامًا.
أما منح الحق لكل إنسان أن يستخدم كل وسائل الإنتاج علمية أو فنية فنعم، ولكن عمله ليس له، إنما هو يعمل كما تعمل الآلة بل كلل ولا ملل لحساب الدولة التي أممت كل شيء، وسدت كل باب للملكية الفردية، ما دام المصب واحد فلا يضر اختلاف المجاري، أو على حد ما قاله الخليفة العباسي للصحابة: "أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك".
من أكبر مزاعمهم قولهم: إن الاشتراكية إنما قامت في ردِّ فعل ضد الرأسمالية إثر ظهور الثورة الصناعية التي أسهمت في شقاء العمال والكادحين؛ حيث أدت إلى
стр. 109
زيادة ساعات العمل وانخفاض الأجور، مما تسبب في إلحاق كوارث للعمال كوارث وخيمة، وأنه لم يكن له مخرج من تلك الأوضاع ولا منقذ غير الانضواء تحت راية الاشتراكية الماركسية، ونبذ هذا النظام الرأسمالي الذي لا يرحم الفقراء، ولا يعترف لهم بحقوق لكن وضع دعاه الاشتراكية هذا يصدق عليهم المثل القائل: إذا كان بيتك من زجاج لا تراجم الناس. إذ بإمكان أي رأسمالي أن يقول للاشتراكيين: ألم تروا حال العمال والكادحين لديكم ومدى البؤس والشقاء الذي حل بهم، بالإضافة أيضًا إلى أنكم حولتم العامل من إنسانيته إلى أن جعلتموه قطعة من أدوات الإنتاج لا قيمة له، إلا من خلال سلوكه وعمله مع المجموعة، فظهر أن النظامين معًا الرأسمالي والشيوعي جائرين ظالمين لا خير فيهما، ولا رحمة حقيقية فيهما على الفقراء.
قوانين الاشتراكية
فالقوانين التي تقوم عليها الاشتراكية وتؤسس عليها هي مجموعة من المبادئ الجاهلية من تصورات الحقد اليهودي؛ لتجعل من قادتها آلهة من دون الله تعالى، وتجعل من البشر عبيدًا لهم ينفذون أحكامهم، ويتبعون تشريعاتهم، ومن خالف فالحديد والنار على رأسه لا رحمة لديهم ولا إنسانية.
ومن أهم تلك المبادئ التي تقوم عليها الاشتراكية:
أولًا: إظهار الإلحاد وإنكار وجود الخالق ، فهي فلسفة مبنية على المادية أساسها: لا إله، والحياة مادة، والمادة هي أولًا وهي آخرًا، لا أول لها ولا آخر.
ثانيًا: إنكار الأديان وكل ما جاءت به الأديان من تشريعات، إذ إنهم يعتبرون الدين أمرًا واجب الإلغاء لاعتبارات عدة:
стр. 110
أحد هذه الاعتبارات: أنه خرافه، ونحن الآن في عصر العلم، فقد كان الباعث على الدين في نظرهم هو جهل الإنسان بالطبيعة من حوله، وعجزه عن السيطرة عليها، فتخيل هذا الإنسان وجود قوى خفية تسيطر على هذا الكون، وتجري الأحداث فيه؛ وراح يسترضي هذه القوى ليدفع أذاها عنه، فتقرب إليها بالشعائر التعبدية بتقديم القرابين، ولما كانت البشرية اليوم قد شبت عن الطوق وتعلمت من العلم ما تعرف به قوانين الطبيعة تسيطر به على البيئة؛ فقد آن أن تتخلص من هذه الخرافة غير اللائقة بالإنسان المتعلم.
والاعتبار الثاني: عند الشيوعية لإلغاء الدين أن الدين كان ناشئًا من طبيعة الوضع المادي والاقتصادي في العهد الزراعي؛ حيث كان الدين هو جزء من عملية الإنتاج خارجًا عن سيطرة الإنسان، فتخيل وجود قوة غيبية من الإنسان ينسب إليها الهيمنة على ذلك الجزء الخارج عن سيطرته، ويروح ليتعبدها ليجتلب رضاها، ويصرف أذاها وغضبها عنه، وسمى هذه القوة التي تخيلها الله.
والآن -كما يرى الشيوعيون- تغير الوضع المادي والاقتصادي، وأصبحت عملية الإنتاج كلها منظورة، وكلها تحت سيطرة العامل الذي يقوم بالإنتاج؛ فلم تعد هناك حاجة لافتراض تلك القوة الغيبية التي أصبحت الآن غير ذات موضوع.
أما الاعتبار الثالث -في نظر الاشتراكية بإنكار الأديان وإلغائها-: فهو أن الدين يخالف معتقدهم القائم في نظرهم على أسس علمية -كما يزعمون، والعلم منهم براء كما قلنا، وهذا الأساس هو أن المادة هي الأصل، وأن المادة -كما قلنا- سابقة في الوجود على الفكر؛ لأن الدين يخالف هذا المعتقد؛ إذ إن الدين يقوم على أساس أن المادة مخلوقة، وبالتالي فالمادة ليست هي الأصل وليست
следующие страницы →