Полный текст (366 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
تولى كبر هذه الدعوة "أوجست كونت" و"خرباخ" و"ماركس" وغيرهم بدافع قوي من الحقد الشديد على رجال الدين الكنسي، الذي يمثل حسب تعليلهم قوة ما وراء الطبيعة من الأمور الغيبية والروحية، والتي اعتبروها وهمًا وخداعًا لا حقيقة له لعدم اندراجها تحت قوة الإحساس والإدراك المباشر، وأن الالتجاء إلى ذلك الغيب إنما نتج عن الوراثة والبيئة والحياة الاجتماعية في تلك الأزمان المختلفة بزعم دعاة الإلحاد، وقد ظلت الشيوعية قرابة سبعين عامًا في صولة وجولة قوية يحسب لها حسابها، إلى أن أذن الله بزوال قوتها سبحانه بقدرته وحده، إذ ما كان أحد يفكر في النيل منها، فإذا بها يأتيها حتفها بظلفها على يد آخر زعيم لما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي، وهو "ميخائيل جورباتشوف" وأفل نجمها وجبروتها وثارت الشعوب واقتصوا من كل الظالمين.
والآن وبعد أن تبين المصير النهائي للماركسية الشيوعية نقول: إنه من الغريب جدًّا أن تموت الشيوعية في عقر دارها -الاتحاد السوفيتي سابقًا- وأن تكتشف الشعوب أن هذا المذهب فاشل باطل لا يجر إلى خير، بل إلى الخراب والدمار وإثارة البغضاء وانتشار البطالة والفواحش، وأن الجنة الأرضية التي وعد بها "كارل ماركس" إن هي إلا سراب خادع وآمال كاذبة، وأن تعاليمه إن هي إلا جحيم لا يطاق وتعاسة وشقاء، وأن الشعوب كانوا يساقون إلى الموت وهم ينظرون طائعين أو مكرهين، وإن في التخلص من هذا المذهب راحة لا تعدلها راحة وفوزًا لا يعدله فوز، فهبت تلك الشعوب المظلومة لتنفض عنها غبار تلك السنين العجاف، ثم داسوا مبادئ "ماركس" ونظرياته تحت نعالهم وتنفسوا الصعداء، وبعضهم قام بشنق تمثال بعض طغاة الشيوعية القدماء وبعض الحكماء الحاليين وقالوا: لا رجعة للشيوعية هنا.
стр. 142
أقول: من الغريب أن يحصل هذا وأكثر منه في تلك البلدان التي ذاقت مرارة التعاليم الشيوعية، وفرحت بانقشاعها عنها ثم تقوم بعض الأحزاب -في البلدان العربية الإسلامية- بالمناداة باعتمادها كحزب شيوعي شرعي، وأين الشرع من تعاليم "ماركس"، ثم تقوم بعض الحكومات باعتماد تلك الأحزاب والترخيص لها بدخول المجالس النيابية والبرلمانية، وما إلى ذلك كما سمعته من دولة إسلامية عربية، إن الأمر يدعو إلى العجب ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٩) ولقد قيل في المثل: العاقل من اتعظ بغيره، فلماذا لا يتعظ هؤلاء بمن قد ذاق الحياة الشيوعية البائسة وضاق بها ذرعًا، أليس لهؤلاء قلوب يعقلون بها وأعين ينظرون بها وآذان يسمعون بها، فيكفون عن التعلق بالشيوعية الحمراء ويكفون عن تقديس زعمائها الذين لا يساوون قيمة نعالهم؟!.
إن الأمر واضح وجلي لولا أن مؤامرة جديدة أيضًا تهدد العالم في ثوب جديد وبأسلوب جديد، قد يشعر به بعض الناس وقد لا يشعرون، وما أكثر النكبات التي يدبرها شياطين الإنس والجن للمغلوبين على أمرهم، تحت مختلف الشعارات البراقة الخادعة من دعاة الماسونية اليهودية العالمية الحاقدة، وما يمتلكونه من حضارات وقيم، ومرور الأيام والليالي كفيل بإيضاح كل ما يبيتون والله لهم بالمرصاد، وهو من ورائهم محيط.
قيام الشيوعية الأولى بقيادة "مزدك "
الشيوعية فكرة قديمة ظهرت في التاريخ أكثر من مرة، فقد جاء في كتاب (الجمهورية) للفيلسوف اليوناني "أفلاطون"، الذي عاش في الفترة ما بين ٤٢٧ - ٣٤٧ قبل الميلاد، ما يدل على نشأة هذا المذهب، حيث أقام في كتابه نظامًا يقوم بالنسبة للحكام على شيوعية المال والنساء، وشرع لهذا منهجًا مفصلًا، وهناك أمثلة خيالية ولمحات عن الاشتراكية أثبتها "أفلاطون" في كتابه، تصور حقيقة أن
стр. 143
القرن الخامس قبل الميلاد -وهو الذي وجد فيه "أفلاطون"- كان فيه مبادئ اشتراكية لم تزل في مهدها. يقول "أفلاطون" في كتابه الآنف الذكر ما خلاصته: "يجب أن يشتمل النظام على اشتراكية النساء والأولاد، فليس لأحد حق بإنشاء أسرة مستقلة كما ليس له الحق بتربية الأولاد؛ لأن الجميع ملك الدولة وهي وحدها تشرف على تنشئة العضو الصالح، كما تشرف على إنجاب النسل المختار".
وقد قسم أفلاطون في كتابه المجتمع إلى ثلاثة أقسام؛ القسم الأول: هم الحكام. القسم الثاني: هم رجال الحرب. القسم الثالث: هم الخدم والعمال. وقال: "إنه يجب أن تكون الزوجات والأموال والمآكل مشاعة بين أفراد الفئة الأولى والثانية، أما الثالثة فإنها تعيش على النظام الأسري المعهود". ونجد أيضًا من قال بالشيوعية من فلاسفة الإغريق "أجزينوف" وقال بها أيضًا "مزدك" الذي عاش سنة ٤٨٧ ميلادية، حيث دعا إلى الشيوعية واشتراك الناس في الأموال والأعراض، وتسمى حركة "مزدك" بالمزدكية، قد ظهرت في بلاد فارس وتأثر بها كثير من أرباب النزعات الإباحية كأصحاب الفلسفة الباطنية، ومنهم مؤسس القرامطة حمدان قرمط وقومه، ومنهم علي بن الفضل الذي صور مذهبهم بقوله أبياتًا من الشعر:
خذي الدف يا هذه واضربي
وغني هذاريك ثم اطربي
تولى نبي بني هاشم
وهذا نبي بني يعربي
لكل نبي مضى شرعة
وهذه شريعة هذا النبي
فقد حط عنا فروض الصلاة
وفرض الصيام فلم نتعب
أباح البنات مع الأمهات
كذاك أباح نكاح الصبي
стр. 144
إذا الناس صلوا فلا تنهضي
وإن صوموا فكلي واشربي
ولا تطلبي الحج عند الصفا
ولا زورة القبر في يثرب
ولا تمنعي نفسك المعرسين
من الأقربين أو الأجنبي
لماذا حللت لهذا الغريب
وصرت محرمة للأب
أليس الغراس لمن ربه
وغذاه في الزمن المجدب
وما الخمر إلا كماء السماء
أبيحت فقدست من مذهب
وبئس ما قال هذا الشاعر. ثم توالت بعد ذلك الدعوات إلى الشيوعية على يد عدد من الأشخاص منهم "توماس مور" حيث وضع نظامًا لمدينته الفاضلة الخيالية ضمن شيوعية مالية، ثم جاء بعده "كامب نيلا" الإيطالي في كتابه (مدينة الشمس)، وضمن هذا الكتاب نظامًا اشتراكيًّا لمدينته أغفل فيه الحديث عن الملكية الفردية، كما أغفل فيه الحديث عن الزواج.
هذه نبذة عن تاريخ الشيوعية عمومًا، وبعد هذه الدعوات ظهرت الشيوعية الماركسية الحديثة على يد "كارل ماركس" وزميله "فردريك إنجلز".
رد زعم الملاحدة أن البشرية قامت على الشيوعية الأولى
قد زعم الملاحدة أن المجتمع قام على الشيوعية في بدايته، وهذا ما نؤكد عليه أن هذا الزعم إن هو إلا افتراض وظنون، لا يملكون على صحتها أي دليل صحيح، بل كل الدلائل تكذبهم، فقد تصوروا في أخيلتهم أن البشر البدائيين أقاموا فيما بينهم شراكة في كل شيء، قبل أن يتطوروا ويعرفوا الملكية الفردية، رادين بهذا كل ما جاءت بذكره الشرائع وخصوصًا الإسلام، وما شهد به التاريخ وما تواتر نقله في كل الأجيان وما شهد به الواقع على مر السنين، من أن الله تعالى هو الذي رتب حياة الإنسان وطريقة تعامله، منذ أن أهبطه إلى الأرض وإلى أن يرث
стр. 145
الله الأرض ومن عليها، وأنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير، وأن الإنسان هو الإنسان من بدايته إلى نهايته، لم يتغير لا في هيأته ولا في طبيعته ولا في حبه للملكية الفردية منذ وجوده على الأرض، أما ما تصوره الملاحدة من انعدام الملكية الفردية وذوبان الشخص في القبيلة؛ إنما كان يصدق على بعض عهود الجاهلية، ممن كان عندهم التعصب الشديد للقبيلة، لكن في غير الملكية الفردية، مع أن تصور عدم ميل كل شخص إلى الملكية الفردية تصور افتراضي بعيد الوقوع ومحال.
نعم، وجد بين أفراد القبيلة الواحدة تعاون قوي وتعاضد وشراكة في السراء والضراء، وتلاحم بين كل أفراد القبيلة إلى حد أن الفرد لا يتصور وجوده وكيانه وانتماءه وما يأخذه وما يتركه إلا من خلال قبيلته، يفعل كل ما تفعله قبيلته ويترك كل ما تتركه دون أن يكون له أي رأي في مخالفة عرف القبيلة، ولكن هذا الحال لا يصلح أن يكون دليلًا للملاحدة على شيوعية البشر، على الطريقة التي قررها "ماركس" وأتباعه، بل إن اعتقاد أن البشر كانوا بمنزلة البهائم في بدايتهم هو الظلم بعينه والكذب على البشرية بعينه، وهو رد صريح لكل ما يثبت في الأديان السماوية من تكريم الله للبشر، ورفعهم عن منزلة الحيوانات البهيمية التي تصورها الملاحدة في تفسيرهم لنشأة البشر، وقيام أمورهم على الناحية الاقتصادية والقبلية فقط كما زعموا.
ثم على فرض مستحيل أن بعض المكتشفين وجدوا قبائل تعيش على الفوضى في كل شيء -بما فيها الجنس- ألا يصح أن يوصف هؤلاء بأنهم شواذ لا قيمة لهم فاسدو الفطرة، وأن وصف البشرية كلها بتلك الوصمة الشنيعة لأجل ما وجدوه هؤلاء عند تلك القبائل الهمجية؛ يعتبر تطاولًا على تاريخ البشر، هذا إن صح أنهم وجدوا بشرًا بتلك الحال مع أن كذبهم وافتراءهم وارد، ذلك أنه ما من إنسان
стр. 146
يرضى بالفوضى الجنسية في أهله، بل إنها حالة لا ترضى بها حتى الحيوانات البهيمية فضلًا عن الإنسان، فقد أخبر الله عن فطرة الإنسان وعن الغيرة الموجودة فيه، منذ أن وجد أبناء آدم على هذه الأرض وقتل أحد ابني آدم أخاه.
وليت شعري لماذا يحرص الشيوعية على إشاعة الجنس أكثر من غيره؟! فإن الشيوعية يحرصون أشد الحرص على إشاعة الجنس بطريقة مشتركة؛ لعله ترغيبًا لمن يتوق إلى ذلك من الشباب والشابات الساقطين، ولظنهم أن الشيوعية ستبنى وتنهض بسبب هذه الدعايات الرخيصة، لكنهم فوجئوا باستحقار الناس لهم، واستهجانهم لهذا السلوك الشائن، فعادوا وزعموا أن شيوعية النساء ليست قاصرة على المذهب الشيوعي، وإنما هي قضية شائعة بين كل الطبقات خصوصًا الأغنياء بصور مختلفة، ولكن هذا الدليل هو دليل واهٍ كبيت العنكبوت، لم يخرجهم أيضًا من استحقار الناس لهم في مناداتهم بالفوضى الجنسية العارمة؛ لأن الباطل لا يستدل له بالباطل، وذلك أن استدلالهم بالمنحرفين لا يعطيهم المبرر لدعواهم، فهو تبرير باطل بباطل، ويكفي أن يقال عن الجميع: إنها أوضاع فاسدة جاهلية يجب أن تصحح، ولا تستحق أن تكون قدوة أو دليلًا يظلمون به فطر الناس ويخدشون كرامتهم، سواء كانوا من الأغنياء أو من الفقراء فهو عمل لا تقره حتى الحيوانات.
وأما زعم الملاحدة أن الناس في الشيوعية الأولى كانوا يعيشون عيشة متساوية لا فرق بينهم؛ فهو افتراض ينقصه الدليل، فمن أين لهم أنهم ما كانوا يشعرون بالفوارق فيما بينهم، وأقل ما فيها فوارق في الذكاء وفوارق في إتقان العمل، وفوارق في القوة الجسدية والنفسية وفوارق في الشجاعة، وفوارق في المال، إلى آخر الفوارق التي لا يجهلها أي إنسان سليم العقل، وحتى الملاحدة لا يجهلونها لولا أنهم يريدون تحبيب الشيوعية إلى الناس وخداعهم بها، وخصوصًا الذين
стр. 147
يشعرون بانتقاص المجتمع لحقوقهم أو يشعرون أنهم مغلوبون على أمرهم، ويتمنون أي فرصة لإثبات وجودهم الذي يحلمون به، فانتهز الملاحدة وجود هذه الفوارق الحتمية بين الناس للمناداة بالقضاء عليها، وأنى لهم أن يطبقوا ذلك فعلًا وهو مخالف لما أراده الله تعالى في سنته؛ ذلك أن الله تعالى هو الذي أراد للناس أن يكونوا بهذه الحال؛ منهم الذكي ومنهم البليد ومنهم الغني ومنهم الفقير، إلى آخر الصفات المعلومة بالضرورة من أحوال البشر، فكيف يقضون على ما أراد الله بقاءه؟!
والحاصل أنه لا دليل لهم على كل ما زعموه من تلك المساواة المكذوبة، كذلك لا دليل لهم على زعمهم أن الناس كانوا يعيشون في البداية حياة ملائكية في منتهى السعادة، فهذا الكلام وهذه الادعاءات إن هي إلا خيال فارغ تكذبه حقائق التاريخ، وتكذبه طبائع البشر منذ وجودهم إلى اليوم، بالإضافة إلى أنه لا دليل لهم على هذا الكلام إلا محض أخيلتهم المنكوسة، وإلا فأي زمان من الأزمنة خلا عن الحرب والتنافس بين القبائل على أمور كثيرة، أقلها المرعى والحمى والغنائم، وما إلى ذلك من الأمور التي لا بد من وقوعها ضرورة في كل أجيال البشر؟!.
بواعث الشيوعية
بواعث الشيوعية لم تعد خافية، ففكر صاحبها ومؤسسها "كارل ماركس" لم يعد خافيًا في بواعثه ولا في حقيقته على أحد، فالماركسية بمقاييس العلم وحقائقه ليست بالنظرية المبتدعة التي لم يسبق لها أحد، بل هي تكرار لأفكار قديمة ترجع إلى ما قبل الميلاد، ثم هي في الحديث سرقة علمية من مجموعة فلسفات قال بها "هيجل" و"فيورباخ" وجرى التوفيق أو التلفيق بين أجزائها، ومع ذلك بقيت
стр. 148
تحوي التناقض وتصطدم بالعلم في مسلماته الحديثة، كما تصطدم بالفطرة والطبيعة في حالتها السوية السليمة.
وبواعث الشيوعية كثيرة منها مثلًا: الباعث الشخصي فيما تحويه شخصية مؤسسها "كارل مردخاي ماركس" اليهودي، فشخصيته كانت -كما ورد في سيرته- مليئة بالحقد على المجتمع الذي عاش فيه فقيرًا محرومًا عالة، حتى على أفراد عائلته من النساء، مما اضطره في مرحلة من مراحل حياته أن يلجأ إلى النصب كوسيلة للتكسب. نعم؛ إذ إنه في مرحلة من مراحل حياته قام ببيع كتابه (رأس المال) لأكثر من دار نشر في وقت واحد، وقبض ثمن الكتاب أكثر من مرة، من أكثر من جهة، وهذا يسمى بلغة القانون ولغة الواقع عملية نصب على مستوى التأليف والنشر.
كذلك تحوي شخصية "كارل ماركس" كما يحكي عنه والده رغبة في الإتلاف والتحطيم والتدمير، ظهرت عليه هذه الرغبة في بداية حياته واعترف بها والده وكفى بشهادة الوالد دليلًا على ولده.
وتحوي شخصيته كذلك ميل إلى التدني والقذارة، ظهر هذا على مظهره وملبسه، كما ظهر في سلوكه الماجن وحياته البعيدة عن القيم، والتي انعكست أو تورثت في إحدى بناته التي عاشت تعاشر إنسانًا بغير زواج، فلما اكتشفت أنه متزوج من أخرى انتحرت، ذلك الباعث الشخصي لا بد أن يكون له تأثيره على فكر "ماركس" حقدًا وإتلافًا وتدنيًا، فإذا أضفنا إلى ذلك أنه يهودي من سلالة يهود انطبعت كل انحرافات اليهود في نفسه، وغذت ما فيها من حقد وإتلاف وتدنٍّ، وكل إناء بما فيه ينضح، فلا عجب أن نرى أن الفلسفة الماركسية تحوي الحقد والإتلاف والتدني.
стр. 149
هذا هو الباعث الأول من بواعث الشيوعية وهو يرجع إلى شخصية مؤسسها "كارل ماركس". أما البواعث الأخرى فقد تكون في البيئة التي شجعت على نشأة هذا الفكر وعلى انتشاره، وتلك البيئة التي بلغ فيها طغيان الإقطاع الزراعي -ومن بعده الإقطاع الصناعي- أقصى صنوف الاستغلال، وتلك البيئة التي بلغ فيها طغيان الكنيسة وافتئاتها على العقول والقلوب أقصى درجات الطغيان، كما بلغ فيها تحلل أكثر رجالها أقصى درجات التحلل، واستغلالهم للدين لتحقيق الكسب المادي، وفرض الإتاوات والتحالف مع الإقطاع والتحالف مع الحكام لنيل أقصى الدرجات كذلك، كل ذلك على حساب شعوب أكثرها فقير ومحروم، على حساب شعوب تتطلع إلى الإنقاذ فتسمع الصيحة الخادعة، التي كان ينادي بها الشيوعيون: يا صعاليك العالم اتحدوا، فأمامكم عالم تغنمونه وليس في أيديكم ما تفقدونه سوى الأغلال.
فينخدع العالم المحروم بالصيحة، ويحسب أنها صيحة الإنقاذ، تمامًا مثل الغريق الذي يتشبث بأي شيء، وتمامًا كما قال رب العالمين في محكم كتابه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (الأحقاف: ٢٤، ٢٥) وهكذا تبدو الشيوعية بخداعها عارضًا ممطرًا، فإذا حلت كانت ريحًا فيها عذاب أليم تدمر كل شيء، وقد يكون هذا الباعث في الأفعى اليهودية التي تخفي رأسها وتنفث سمومها؛ لتحقق ما تواصت به في توراتها المحرفة أو في تلمودها المنحرف، أو فيما أعقب ذلك تدميرًا للأديان بل تدميرًا للجنس البشري كله من الجويم -أي: غير اليهود- لتصل إلى خرافة سيادة الجنس اليهودي وامتلاكه للعالم.
فـ"ماركس" نفسه يقول: "إن حل المشكلة اليهودية يستلزم أن يسيطر اليهود على جميع الأديان"، وذلك بتطبيق ما أسماه التحويل الاشتراكي للعالم بأسره،
стр. 150
وإذابة الأديان والقوميات في بوتقة الماركسية، ولا عجب بعد ذلك أن نقول لنؤكد على صدق كلامنا عن الباعث اليهودي من بواعث الفلسفة الشيوعية، أولًا: أن صاحب هذا الفكر ومؤسسة هو "كارل مردخاي ماركس" وهو كما قلنا يهودي، وأن ممولي الثورة الشيوعية "إسحاق مونتمر"، و"شبشو ليفي" و"درنوشس" وكلهم من اليهود، أن صانعي الثورة الشيوعية وهم "لينين" وغيره من أعضاء مجلس الثورة، حتى سكرتارية هذا المجلس كانت يهودية وهي زوجة "لينين"، وأن الذين توارثوا هذه الدولة أيضًا كانوا من اليهود، وأن هذه الدولة وهذا المذهب الشيوعي تواصى بالإبقاء على الدين اليهودي وحده، رغم أنهم -كما قلنا- يعادون الأديان ويعتبرون أن الدين مخدر للشعوب أو أفيون الشعوب كما يقولون، ورغم أنهم حاربوا كل الأديان وشنوا حملة ساحقة على كل الأديان، إلا أنهم تواصوا بالإبقاء على الدين اليهودي وحده، وهذا يدل على الباعث اليهودي لهذه الفلسفة.
حقيقة الفكر الشيوعي
أما حقيقة الفكر الشيوعي فهو أنه سرقة علمية سطا فيها "كارل ماركس" على فكر "هيجل" و"فيورباخ" في العصر الحديث، وعلى فكر بعض فلاسفة اليونان في العصر القديم؛ ليشكل منهما توفيقًا وتلفيقًا نظرية تقوم على المادة والتناقض، ثم هي الشيوعية كما نسجها "ماركس" صارت متخلفة عن ركب العلم، تتمثل فيها الرجعية لمن يصر عليها، ذلك أن العلم لم يعد يعترف أن المادة هي ما تقع عليه الحواس كما قال بذلك "ماركس"، ومن خلال نظريات الثقب الأسود وصل العلم إلى أن ما تدركه الحواس من المواد لا يمثل إلا سبعة في المائة، أما
стр. 151
الباقي فهي مواد لم تدركها بعض الحواس، فماذا يضير قول "ماركس" عن المادة بمعيار العلم؟! وهل يصح بعد ذلك أن يضفي صفة العلمية على اشتراكيته؟!.
أما حديثه عن أن في كل مادة تناقضًا فإنه يفتقر كذلك للأساس العلمي؛ إذ إن الملاحظ من الاستقراء والتتبع أن ما في المواد هو التزاوج والتكامل وليس على النحو الذي نرى ونشاهد، ابتداءً من الذرة وانتهاء إلى الجرم الكبير ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس: ٤٠).
في المجال الاجتماعي تساقطت كذلك دعاوى الصراع بين الطبقات التي ادعاها "ماركس"، بتساقط دعاوى التناقض نفسها التي قامت عليها دعوى الصراع، وكذب التاريخ كذلك هذه الدعاوى بما أثبته من قيام مجتمعات -وعلى مدى طويل- ليس فيها الصراع بين الطبقات، وإنما بينها المودة والرحمة يتمثلها قول رسول الله ﷺ : ((كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)).
في المجال السياسي سقطت دعاوى ديكتاتورية "البروليتاريا" بما قام في الأنظمة الشيوعية الحاكمة من ديكتاتورية طبقية لا تمت إلى "البروليتاريا" بسبب، تعيش عيشة القياصرة أو الأكاسرة ولا يزال ذهب "الكرملين" يظلهم، وزادوا عليه أن صارت لهم شوارع خاصة لا يسير فيها غيرهم من أبناء "البروليتاريا" أو الطبقة الكادحة.
وصلِّ اللهم على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 152
الدرس: ١٠ الشيوعية (٢) .
стр. 153
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس العاشر
(الشيوعية (٢))
الأسس التي قامت عليها النظرية الشيوعية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين، سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قامت الشيوعية الماركسية من أول أمرها على مناهضة الأديان والأخلاق والثقافات، وسائر ما يتصل بغير اليهود أو الجويم كما يسمونهم، وإقامة دولة شيوعية عالمية تحت زعامة أقطاب الشيوعية ومن وراءهم، ويقف من خلفهم الأطماع اليهودية في إقامة الدولة اليهودية الكبرى، التي يرتقبها اليهود بفارغ الصبر، ممثلة في إعادة بناء هيكل سليمان، وتتويج ملكهم الذي يحلمون بأنه سيحكم جميع البشر من اليهود ومن غيرهم، وما الشيوعية إلا حلقة من جملة الحلقات التي يحيكها اليهود للوصول إلى ما خططوه، وقد خطط حكماؤهم تدمير العالم دينيًا وثقافيًّا واقتصاديًّا، ولقد أسهمت الشيوعية في كل تلك المؤامرات وكان لها حظ الأسد في تحطيم الجويم، أي غير اليهود في تصفيات جسدية لم يشهد لها التاريخ مثيلًا، وفي إشاعة الفواحش وسائر المفاسد والشرور، حيث فاقوا فيها الشيطان، وأراحوه مهمة تحقيق كل تلك الرزايا، التي حلت بسائر الأمم في دينهم وفي دنياهم على أيدي الملاحدة. ومظاهر الشيوعية الماركسية كثيرة من أبرزها:
أولًا: المادية، وهو الأساس الأول الذي تنبني عليه النظرية الشيوعية، والمادية نسبة إلى المادة وقد قيل في تعريفها: إنها هي الموجود الذي يدرك بإحدى الحواس، مما يخضع لتجربة الإنسان وملاحظاته، وقد ادعت المادية أنها صنو الواقعية، التي تنسب إلى الواقع الذي لا ينكر ولا يكذب، ولقد أصبحت عبادة المادة هي الأساس المشترك لجميع الملاحدة على اختلاف مذاهبهم، ابتداءً من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، إبان قيام التيارات الفكرية الجامحة في
стр. 154
أوروبا ضد الكنيسة، وضد القائمين عليها، واستبدالها بالمادة المهيمنة على كل شيء، إذ يزعمون -وبئس ما يزعمون- أن الكون وما فيه إنما وجد من أصل المادة، وبنوا على ذلك إلحادهم في إنكار وجود الله تعالى، فخرجوا بذلك عن مفهوم هذا التعريف للمادة وتجاوزوه، فإن الأمور الغيبية وأمور الدين لا تخضع لتجربة الإنسان ولا تدركها حواسه، كما بنوا عليها تفسيرهم التاريخي لحياة الإنسان وتطوراته.
وكان الماديون الشيوعيون قد أقاموا هذه الفكرة -فكرة المادية- في مضادة أي شيء يتعلق بعالم الروح والغيب، حيث لا يؤمنون بوجود الروح لأنها تباين المادة، التي إذا وجدت في شيء أعطته الحياة ضرورة، فالمادة هي كل شيء، وجعلوا المادة هي البديل عن الله ، بزعم أن معاملهم قد أعطتهم الدليل المادي على ذلك، ولقد كذبوا وتناقضوا وظهر جهلهم وتخبطهم في نظرياتهم المتضاربة المتناقضة، فالطبيعة عندهم هي قبل كل شيء ولا نهاية لها، ومنها انبثق كل مخلوق على وجه الأرض، والطبيعة عندهم هي موجودة بذاتها قبل كل ذات، وهي الخالق لكل شيء بقوانينها والعالم عندهم في حركة تغير مستمر.
وهذا التغير يأتي عن طريق تناقض الأضداد، وكل فكرة تؤدي إلى نقيضها والفكرة ونقيضها تؤديان إلى نتيجة جديدة، كلها ناتجة عن ترابط الأشياء بعضها ببعض، ولا يمكن أن يكون أي حادث منفصلًا بنفسه عن البيئة المحيطة به في حركة دائبة يسمونها الحركة في الطبيعة، ويقصدون بها أن كل موجود إنما هو نتيجة لحركة المادة وتطورها بدءًا وانتهاء، تنشأ ثم تضمحل أبد الدهر في تطوير يسمونه التطور في الطبيعة، ويتم هذا في حركات سريعة ضرورية، وأحيانًا تحصل فجأة تنتقل معها الأشياء من البسيط إلى المركب ومن الأدنى إلى الأعلى، في تطور
стр. 155
متلاحق طول الوقت، مما ينتج عنه ما يسمونه التناقض في الطبيعة، وهذا التناقض هو الذي ينتج عن تطور الحوادث وتفاعلها فيما بينها، لينتج من التناقض بين القديم والجديد وبين ما ينوط وما يولد وبين ما يفنى وما يتطور، ينتج مصادر تطورية جديدة مختلفة، بمعنى أنه يحدث الشيء حتمًا ثم يحدث ما يضاده لتأتي النتيجة الحتمية الصحيحة، ومن هنا تؤيد الشيوعية التصادم والتضاد بين الأمور لتصل إلى النتيجة من وراء كل تضارب وتصادم.
وكل ذلك إنما هو هوس فكري وتخبط مقيت، وصدق الله إذ يقول في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (النور: ٣٩). وكل هذه الافتراضات التي يفترضها الماديون إنما يريدون من ورائها أن تحل المادة محل الإله ، وتصريفه الأمور حسب مشيئته وقدرته، وتلك التعليلات العقيمة بوجود الأمور بعد أن لم تكن إنما هو لصرف الذهن عن قدرة الخالق على الإنشاء والإيجاد، وإلا فأي منطق يقتنع بأن الأمور تتطور لمصلحة الإنسان أو لمضرته من تلقاء نفسها، لتنتج أمورًا لا بد منها بزعمهم لتستقيم الحياة ويبقى الكون؟! لقد حاول الماديون -وهم ينكرون موجد هذا الكون- أن يلفقوا شبهات كثيرة ليدللوا بها على إلحادهم، ولكن ما من شبهة من شبههم إلا وهي تصفع وجوههم وتكسر قلوبهم وتقول لهم: معاذ الله أن أكون دليلًا على عدم وجود الذي أوجدني.
فما أن يجدوا أدنى شبهة يكتشفونها إلا ويطيروا بها فرحًا، ويزعموا أن كل ما اكتشفوه يدل على عدم وجود موجد حقيقي لهذا الكون غير المادة وطبيعة المادة الحتمية بزعمهم، وكم حملوا هذه المادة التي تعادل في تصرفاتها عند الملاحدة
стр. 156
تصرفات خالق الكون عند المؤمنين، وكم ظهرت لهم من حقائق حيرتهم في دقة موجدها، ولكن قلوبهم التي أشربت حب الكفر والتمرد -على طريقة أستاذهم إبليس- أبت أن ترجع إلى الحق. فمثلًا قانون الجاذبية الذي أوجده الله وثبت به هذا الكون العلوي والسفلي هو أكبر من السماء وما فيها من مختلف الأجرام، وهو أكبر من الأرض وما عليها، حين اكتشفوه قالوا: عرفنا الآن أنه لا خالق ولا ممسك لهذا الكون إلا الجاذبية، وحين فاجأهم المؤمنون بالله بهذا السؤال: ومن خلق هذه الجاذبية؟ هل خلقتها السماء لحاجتها إليها لتمسك بأجرامها أن تقع على الأرض، أم أن الأرض قد خلقتها لحاجتها إليها ليستقر عليها من فوقها، أما أنها هي بنفسها أدركت حاجة السماء والأرض إليها فأوجدت نفسها؟! سبحان الله عما يفترون.
وحينما أنكروا وجود الله تعالى قيل لهم: هذا الكون العجيب المتناسق المحكم، الذي لا يطغى بعضه على بعض ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس: ٤٠) من هو هذا القوي القهار الذي جعله بهذه الصفة؟ قالوا: المادة، وكأنهم هربوا من ذكر اسم الله تعالى إلى اسم يوافق هواهم، فإذا كانت هذه المادة هي التي أحكمت هذا الكون فهي الإله الحق، فلا يبقى أمامهم إلا النطق باسم الله الكريم، ويتركوا روغان الثعلب والتكلفات الباهتة، فكل ما قالوه من شبهات تافهة -مهما اختلفت أسماؤها- فإنها تدل على انقطاعهم وأنهم مثل الغريق الذي يمسك بكل شيء يقع في يده لينجو من الغرق.
وكم خسارة الملاحدة الشيوعيين حينما أنكروا خالق هذا الكون، في مقابل التعصب لآراء ذلك اليهودي "ماركس" الثائر النفس الحاد المزاج المتعصب لقومه
стр. 157
اليهود، الذي سعى إلى الانتقام من العالم كله بسبب مواقفهم من اليهود الحاقدين على الله تعالى، وعلى كل البشر؛ لأنهم لم يجعلوهم سادة العالم وحكامه كما وعدهم الله بذلك، حسب افتراءات واضعي التوراة، فآلوا على أنفسهم أن يقفوا جنبًا إلى جنب مع الشيطان؛ لإغواء البشر ولتحطيم دياناتهم وإفساد أخلاقهم، ولن يتم هذا بإذن الله ولن يتم الله بحوله وقوته لهم ذلك، والله تعالى غيور على دينه فليموتوا بغيظهم وحقدهم، وسيزيلهم الله هم والمادة التي عبدوها من دونه .
الأساس الثاني من الأسس التي تنبني عليها الشيوعية بعد المادية هو: الجدلية أو الديالكتيك، فكما قلنا: إن المادة عند الشيوعيين هي كل شيء وليس وراءها شيء، أنها تتطور صعودا وفق قانون الجدلية -الديالكتيك- وكذلك التاريخ نفسه يسير حسب هذا القول حسب هذا القانون حتمًا بزعمهم، وتكون هذه المادة وفق ما تقترن به فتسمى المادية الجدلية في الكون إذا كانت تتعلق بتغيرات الكون وأحداثه، وإذا كانت تتعلق بسلوك الناس سموها المادية الجدلية في التاريخ، فالجدلية في المذهب الماركسي تعتبر بمثابة ركن من أركانه، وأنها هي قانون حركة الوجود كله، تعود أساس هذه الفكرة -فكرة الجدلية- عند "ماركس" إلى تأثره بالفيلسوف "هيجل" واسمه "جورج ويلهالم فريدريك هيجل"، وهو ألماني كان يؤمن بوجود إله يصفه بأنه غير متناهٍ، أو هو الوجود المطلق أو العقل المطلق ومنه ظهرت الطبيعة.
وقد خالفه "ماركس" في مفهوم هذه الجدلية فعكس الأمر تمامًا، حتى تبجح "ماركس" بأنه قد أوقف آراء "هيجل" على قدميها، بعد أن كانت واقفة على رأسها بزعمه؛ بسبب أن "هيجل" كان يرى في جدليته أنها منطلقة من الله إلى كل
стр. 158
الأكوان، وأن الفكرة هي الأصل والمادة ناتجة عنها، بخلاف ما يقوله "كارل ماركس" في جدليته التي تقول: إن الله تعالى هو من اختراع الفكر الإنساني وخيالاته، وليس عن حقيقة، وأن الأساس هو المادة، والفكر ناتج عن المادة، وهذه الجدلية -جدلية "ماركس"- تلاحظ دائمًا أن هذا الكون دائم التغير والتطور في فعل ورد فعل أشبه ما يكون بحركة المتجادلين، وقد أرجع "ماركس" هذا التجادل إلى المادة وتأثيراتها، بينما كان "هيجل" يرى أن تلك التغيرات هي للقوة الغيبية التي هي المؤثر الحقيقي فيها، وقد تصور "هيجل" حسب خياله أن تلك الحركة في التغيير والتطور في الكون تسير وفق دورات لولبية صاعدة دائمًا، وكل دورة قسمها إلى ثلاث مراحل هي:
المرحلة الأولى: وسماها الطريحة أو أطروحة أو الدعوة أي الأمر.
المرحلة الثانية: سماها الجمعية أو نفي النفي أو جامع الدعوى أي النتيجة. فمثلًا البرعم يسميه الطريحة ونقيضه الزهرة، ثم تأتي الجمعية التي هي الثمرة وهي أرقى من البرعم والزهرة في تطور متصاعد دائمًا، وبعضهم يسمي هذه المراحل الوضع ونقيضه، ومؤتلف الوضع ونفيه، وكلها افتراضات خيالية تصورها "هيجل" في تضاد دائم بين الشيء ونقيضه، والنتيجة النهائية لهذا النقيض الذي يمشي صاعدًا في تطور هو نهاية كل نقيضين، وغاب عن "هيجل" وعن غيره -ممن يرددون هذه الدعوات- أنه لا يمكن اجتماع النقيضين في وقت واحد وعلى شيء واحد لأنه مستحيل إلا في خيال الفلاسفة الفارغين.
وما زعمه "هيجل" من أن الأشياء كلها في تطور متصاعد هو فكر غير صحيح في كل الأمور، فإذا صح في بعض الحالات فإنه غير صحيح في كلها. فمثلًا الإنسان وهو حي يسمى حسب نظرية "هيجل" طريحة، ثم يأتيه الموت فيسمى نقيضًا،
стр. 159
ثم يتحول إلى تراب فيسمى جميعة، فأين التطور التصاعدي في هذا حسب نظرية "هيجل"؟! أو مثل الغريزة الجنسية هي الطريحة والكبت هو النقيض والتسامي هو الجميعة، أي المحصلة النهائية الحتمية الوقوع لكل من الطريحة والنقيضة، لكن لنفرض أن الأمور لم تسر إلى نهايتها وهي الجميعة، بأن حصل معوق للشخص بعد ظهور النقيضة، بأن مات أو جُن أو حصل له أي أمر خطير وانتهى، فأين التصاعد في هذا وغيره من الأمثلة التي تكذب حتمية التطور التصاعدي في كل شيء؟!.
وهذه الجدلية عند "ماركس" أو ما يظهر منها عدم إيمانه بالله تعالى، وإيمانه بدلًا عنه بالمادية الجدلية وتطورها، وأنها هي التي أنشأت الدين والسياسة والقانون والأخلاق بل والإنسان نفسه، فالإنسان في نظره إنما هو من نتاج تلك المادة وفكر الإنسان أيضًا كذلك، بل وجود الله تعالى إنما هو من صنع الإنسان المادي وفكره في عقيدة "ماركس"، وهو بهذا قد قلب جدلية "هيجل" التي قامت على الإيمان بالغيب الإلهي إلى المادة وحدها عند "ماركس"، ويصح أن نقول: إن "ماركس" قد قلب نظرية "هيجل" على رأسها بعد أن كانت على رجليها المعوجتين هي الأخرى، فحينما تسأل ماركسيًّا عن سر وجود هذا الكون تجده يجيبك بجواب سخيف تافه، فيقول: إن الكون قد تطور بنفسه إلى أن أصبح على ما هو عليه اليوم في هذا التناسق البديع.
ويجيب عن سريان الحياة في الكون بأنه بعد أن اكتمل وجود الكون تطور تلقائيًّا، إلى أن وجدت الحياة على ظهر الأرض ومِن ضمنها حياة الإنسان الذي وجد ضمن حركة التطور الديالكتيكي، دون أن يكون لها أي مؤثر خارج عن نطاقها غير التناقضات والتضاد الكامن في المادة. كما أنه قد احتدم الخلاف جدًّا بينهم في
стр. 160
قضية العقل والفكر والمادة، أيهما السابق والمؤثر في الآخر؟ فالمثاليين منهم -أي المؤمنون بالإله الغيبي ومنهم "هيجل"- يرون أن العقل هو الأساس والمتقدم على المادة وما ينتج عنه، بينما الماديون -وهم منكرو الخالق: "ماركس" وأتباعه- يرون أن لا شيء في الإيجاد سوى المادة وهي المتقدمة والمنشئة حتى للإنسان وأفكاره، ويتلخص الجدل الماركسي في ثلاثة قوانين:
أول هذه القوانين: هو قانون التغير من الكم إلى الكيف، وهو ما يحدث في نظرهم بطريق المفاجأة، كتحول الماء الساخن إلى بخار بزيادة النار عليه.
أما القانون الثاني: فهو قانون صراع الأضداد والذي يأتي من داخل الأشياء نفسها، من بذرة النقيض التي توجد في داخل كل شيء وليس من الخارج.
وأما القانون الثالث: فهو قانون نفي النفي، أي أن كل مرحلة تحدث تنفي سابقتها ثم تنفيها مرحلة تالية وهكذا، والآن بعد أن رأينا هذه القوانين المادية والجدلية نرى أن هذا الهراء -الذي يتحدثون عنه- قد ظهر لكل ذي عينين أنه بعيد عن الحق.
فإذًا الماركسية الآن كما يقولون في العراء، وقد انكشفت في أقبح صورة وانجلت الغمة عن الناس، فظهروا في أتعس حال، وإذا بأكاذيبهم وهرائهم يداس بالأرجل، فقد راهنوا أن نظريتهم الإلحادية ستعم الأرض كلها، وسيصبح البشر كلهم ملاحدة، كافرين بالذي خلقهم من تراب ثم من نطفة ثم سواهم أشخاصًا، في غاية الخصومة لربهم وقاهرهم متنكبين الحق متعالين على الناس، محتقرين لكل نواميس هذا الكون ومحتقرين لكل الشرائع والكتب المنزلة والأنبياء الكرام، في جدال بالباطل لا يملكون على كل نظرياتهم أي دليل حقيقي إلا ما زخرفوه من شبهات باطلة ونظريات زائفة، لا تثبت أمام الحقائق، حتى وإن
стр. 161
صوروها على أنها حقائق لا تقبل الجدال، وأن كل ما عداها محل شك مستندين إلى ما تم لهم من اكتشافات تجريبية.
لكن هذه الاكتشافات التجريبية كلها تصرح بعظمة الباري جل وعلا، ولكنهم قلبوا الحقائق وجعلوا منها أدلة على إلحادهم، وكل ما هو لله جعلوه للطبيعة التي عبدوها من دون الله، وزعموا أن الطبيعة هي التي تسير الكون في تناسق عجيب محكم وترابط متشابك، وكان هذا يكفي دليلًا على وجوب الإيمان بوجود خالق مهيمن على كل ذرة في هذا الكون، يسيره على نسق واحد دون اختلاف حسب سننه في الكون، ولكن الشيطان حال بينهم وبين التفكير الصحيح، فقلبوا هذه الحقيقة وزعموا أن هذا التناسق إنما هو من شأن الطبيعة والمادة، التي وصفوها بأنها لا بداية لها ولا نهاية لها، حتى لكأن الخلاف بينهم وبين المؤمنين بالله تعالى خلافًا لفظيًّا.
المؤمنون يسمون هذه الطبيعة إلهًا وهم يسمونها مادية. قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (الطور: ٣٥)، وكان يجب أن يسميهم الناس مجانين حينما زعموا أن الكون وجد بدون موجد، وحدث بعد أن لم يكن حادثًا دون محدث له، غير ما توهموه من تجمع ذرات هذا الكون وتطورها، إلى أن أحدثت هذا العالم والكون وما فيه من أجرام علوية وسفلية، وكلها عن طريق الصدفة والارتقاء، ولو قلت لأحدهم: إن عمودًا كهربائيًّا وجد بذاته وأصبح ينير للناس الطريق لضحك من قائله ونسبه إلى الجنون، بينما هذه الشمس وهذا القمر وهذه الكواكب وهذه الثمار في الأرض والأنهار والجبال كلها يقولون عنها: إنها وجدت بدون خالق. إن الملاحدة يعترفون بعجزهم التام عن معرفة سر وجود الحياة لأي كائن مهما كان صغر حجمه أو كبر حجمه، وأنهم لا يستطيعون
стр. 162
إرجاع الروح لصاحبها إذا بلغت الحلقوم، فأين المادة التي يتشدقون بأنها هي الموجدة لهذا الكون؟! ولماذا لا يتوسلون إليها لإرجاع الروح بعد أن يصبح الجسد مادة هامدة؟!.
أما ما يرددونه من أن كل الأشياء تحوي تناقضات داخلية مجتمعة في وحدة يسمونها وحدة الأضداد أو وحدة المتناقضات تتصارع فيما بينها، ثم ينتج عن ذلك الصراع تطور في صعود دائم لا ينتهي، فهو افتراض سخيف؛ إذ لا يوجد إلا في الذهن، والذهن قد يتصور أن المستحيلات ممكنة أحيانًا، ذلك أن اجتماع النقيضين أمر غير ممكن، إلا إذا صدقنا بأن الحرارة والبرودة تجتمع في النار، أو الحياة والموت يجتمع في الشخص في وقت واحد، وليس من هذا ارتفاع الضدين في وقت واحد فإنه ممكن، كقول الناس: هذا لا هو أبيض ولا هو أسود، أي هو على لون غير هذين اللونين أصفر أو أحمر مثلًا، أما أن يقال: هذا أبيض وأسود أو ساكن ومتحرك في وقت واحد فهو مستحيل. أيضًا لقد غلا الشيوعيون في تقديس المادة وعتو عتوًّا كبيرًا، إلى حد أنه تنطبق عليهم المقالة المشهورة: إذا حدث الشخص بما لا يعقل فصدق فلا عقل له.
فأي عقل سليم وأي فطرة سليمة تصدق أن المادة الصماء هي الخالقة وهي الرازقة وهي المدبرة لجميع أمور هذا الكون؛ علويه وسفليه ظاهره وخفيه؟! مع اعترافهم هم أيضًا بأن تلك المادة لا حياة لها ولا فكر ولا تدبير في البدايات الأولى لها، غير ما تخيلوه أنها بعد ذلك تطورت حتى أوصلت هذا الكون على ما هو عليه الآن، ثم يقولون: هي أزلية لا بداية لها ولكنهم يتوقفون حينما يقال لهم: إنها حادثة، ولا يستطيعون الجواب لأنهم متناقضون، وإذا أفحمهم العقلاء عن سر وجود هذا الكون قالوا بأن الكون وجد من العدم، ولا يبالون
стр. 163
بسخف واستحالة هذا القول والقول الآخر بأن المادة هي التي تسير العقل وتوجد الفكر، لا أن العقل هو الذي يوجد المادة ويكيفها كما يريد مكابرة منهم وجهلًا شنيعًا، حيث صار المصنوع صانعًا على حسب مفهومهم، فالطائرة هي التي كونت فكرة الإنسان لصناعتها، وما الذي يمنعهم من هذا وقد زعموا أن الحياة كلها ظهرت صدفة دون مدبر عليم؛ نتيجة تفاعلات المادة الناتجة عن حركتها الذاتية المستمرة، لا أن هناك ربًّا خالقًا لها؟! وهي مكابرات لعلهم أول من استيقن بطلانها، لولا العناد والاستكبار وتنفيذ خطط ماكرة أملتها عليهم الأحقاد اليهودية على مر السنين.
ونناقش الآن مسألة التطور في كلامهم، وهي المسألة التي تتردد على ألسنة كثير من الناس، بعضهم يدرك المدلول والمغزى الأساسي لها، وبعضهم يعرفها بصورة مجملة ويرددها على هذا المفهوم، وهي في ظاهرها كلمة جميلة توحي بالتجديد والنشاط والحيوية المطلوبة، إلا أنه ينبغي أن ندرك أن كثيرًا من أصحاب الأفكار الهدامة قد استغلوها استغلالًا فاحشًا، وبنوا عليها آراءهم التي يهدفون من ورائها إلى تغيير المفاهيم السليمة، والمعتقدات المستقيمة والحياة الاقتصادية تغييرًا جذريًا، يتفق مع ما بينوه لقلب الحياة الاجتماعية، وحسبنا هنا أن نذكر مفهوم التطور بصورة موجزة، وهل التطور الذي يريده الشيوعيون هو تطور حقيقي، أما أنها خرافات وهمية تخيلوها لتأييد ما يهدفون إليه من الإلحاد؟ فالتطور بحد ذاته يراد به: الانتقال من مرحلة إلى مرحلة، والتغيير من حال إلى حال، والواقع أنه إما أن يكون التطور في خلق الإنسان وتركيبه، وإما أن يكون في أصل نشأة الكون وما فيه.
فأما التطور بالمفهوم الأولي في خلق الإنسان وتركيبه وهو حق، وهو ما جاء ذكره في كتاب الله تعالى في بيانه لخلق الإنسان، والمراحل التي يمر بها في
стр. 164
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ (نوح: ١٤). أي أوجدكم طورًا بعد طور، وهو ما فسره الله تعالى بقوله في آية أخرى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون: ١٢ - ١٦). هذه هي أهم الأطوار التي يمر بها الإنسان في حياته الجسمية وهي خاصة ببني آدم، أما آدم فإن هذه التطورات لا تشمله، فقد خلقه الله بيده من تراب الأرض ثم نفخ فيه الروح فكان بشرًا سوي ًّ ا، أما التطور بالمفهوم الثاني فإنه ينقسم إلى قسمين:
قسم نشأة هذا الكون والمراحل التي مر بها في تطوره إلى أن وصل إلى ما هو عليه الآن. والقسم الثاني: يتعلق بمعرفة أصل نشأة الكائنات الحية، المراحل التي مرت بها في تطورها وفي أولها الإنسان، وكيف نشأ وكيف تطور في وجوده وفي تفكيره وفي معيشته وفي عبادته، حسب تفكير أصحاب نظرية التطور، وفي أولهم "داروين" وحفيده ومن جاء بعدهما على هذه الفكرة الباطلة، التي أصبح دعوى التطور فيها من أهم خصائص المذهب الشيوعي، حيث يقصدون بالتطور أن كل أمر في هذا الوجود يتطور ويتقدم إلى الإمام في خطوات متتابعة إلى ما لا نهاية بزعمهم، ويستدلون على ذلك بما قرره "داروين" من أن الإنسان كان مائيًّا ثم برمائيًّا ثم بريًا، ثم عرف الرق ثم الإقطاع ثم الرأسمالية إلى أن عرف الشيوعية الماركسية وسيتطور فيما بعد.
ولا يغيب عن الطالب الذكي وضع الشيوعية اليوم، حيث أقر الله عيون أهل الإيمان بموتها في عقر دارها، وهذا من الأدلة الدالة على كذب أحلام الملاحدة فيما تصوروه عن التطور المزعوم وأبديته، وانتشار المذهب الشيوعي تلقائيًا، كما أن هذا المفهوم الذي قرره الملاحدة لتطور الأشياء لم يكن صحيحًا، فوجود المادة لا يطور أحدًا وليس وجودها كافيًا لتطور الإنسان، ومعلوم أن الماديين وهم
стр. 165
جاهدون وجادون في محو كل القيم الإنسانية أو أي شيء يؤدي إلى احترام إنسانية الإنسان، معلوم أنهم يعرفون تلك الحقيقة ولكنهم يتحاشون البوح بها؛ لئلا يؤدي ذلك إلى احترام القيم والمثل، ولئلا يؤدي ذلك إلى التهذيب الديني للإنسان، الذي يجعل كل الفضائل للمادة خيرًا من جعلها للإنسان في ميزان الملاحدة؛ لأن المادة لا خطر من ورائها، ولا يؤدي احترامها إلى فرض القيم الدينية التي يخافونها، والتي تذكرهم باستبداد الدين النصراني المحرف.
فتطور الإنسان في حياته المادية في معيشته وفي طريقة سكنه وفي ملبسه ومركبه أمر واقع، فقد كان الناس يركبون الجمال والبغال والخيل، واليوم أصبحوا يركبون السيارات والطائرات والسفن، وغير ذلك من الوسائل التي تطور فيها الناس، وهذا التطور بهذا المفهوم أمر حقيقي لا يجهله أحد، إلا أنه لم يكن نتيجة لتصادم الحاجات، كما أن وجود القيم الإنسانية والأخلاق والدين وسائر الفضائل -التي امتاز بها الإنسان عن الحيوانات البهيمية- لم تنشأ عن صراع وتناقض، ولم يكن فيها الإنسان كالحيوان في المعايير والقيم والسلوك، كما قرره الملاحدة حسب ما استخلصوه من نظرية "داروين" و"فرويد".
الشيوعية والأسرة
يزعمون أن نظام الأسرة إنما هو ناشئ عن أوضاع اقتصادية، مثله مثل سائر القيم والأخلاق، وليس هناك نظام إلهي بشأنه، ولهذا فنظام الأسرة في نظرهم قابل للتطور حسب الأحوال الاقتصادية؛ لأن الأسرة في النظام الشيوعي إنما نشأت عن تطورات متلاحقة، حسب تفسيرهم المادي للحياة، وكانت بداية الأسرة على الأقسام الآتية:
стр. 166
القسم الأول: أسرة الجيل.
القسم الثاني: أسرة الشركاء.
القسم الثالث: الأسرة الزوجية.
القسم الرابع: الأسرة الوحدانية.
أما القسم الأول -وهو أسرة الجيل كما تصوروها- فيزعمون أن العلاقات الجنسية كانت مباحة فيها بين أبناء الجيل الواحد، بين الإخوة والأخوات ومحرمة فيما دون ذلك، أي بين جيل الآباء وجيل الأبناء، ثم حدث تطور جديد فحرمت فيه العلاقة الجنسية بين الإخوة والأخوات بطريقة تدريجية، أما أسرة الشركاء فكانت العلاقات الجنسية فيها مباحة للجميع في شراكة تامة، بحيث أصبح الولد لا يعرف له أبًا، ومن هذه الأسرة انبثقت أسرة العشيرة. أما الأسرة الزوجية فقد عرفت بمباشرة الرجل لزوجة واحدة في رباط زوجي، وأما الأسرة الوحدانية فهي الأسرة التي تقوم على سيطرة الرجل، ولا شك أن هذا التقسيم وهذا التنظيم إنما هو محض خيال وافتراء، ومن العجيب أنهم يعترفون أن الناس في ذلك الزمن ما كانوا يعرفون الحضارة ولا التقدم ولا القراءة ولا الكتابة، فمن أين لهم هذه السجلات التي استقوا منها هذه المعلومات الموغلة في القدم ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (النمل: ٦٤).
والإنسان في مفهومهم مرة يجعلونه بدائيًّا تافهًا بل حشرة من الحشرات، ومرة يجعلونه أساس التطور حينما يعيش على نظام كل شيء مشاع، ولهذا فهم يريدون أن يرجعوا الناس إلى تلك الحال التي يعبرون عنها بالحال السعيدة للمجتمع البشري، والباطل لابد وأن يتناقض أهله فيه. لقد داس الملاحدة على كل القيم إذ لا وجود لها عندهم، إلا من خلال ما تمر عليه الظروف
стр. 167
الاقتصادية، التي هي المؤسس الحقيقي بزعمهم لكل القيم والأخلاق والأسرة والدين وسائر العلاقات، ومن هنا ساغ لهم القول بأن الملكية الجماعية الشيوعية في زمن الشيوعية الأولى البدائية كانت صوابًا؛ لأنها كانت هي الوضع الحتمي لذلك الوقت، ثم تغيرت بفعل التطور إلى ملكية فردية، وكانت كذلك مرحلة مرت ثم نشأ الرق والإقطاع إلى آخر ما يقولون.
لقد نسي أولئك الملاحدة -أو تناسوا عمدًا- أن الذين أقبلوا على الفوضى الجنسية وقطع العلاقات الأسرية؛ نسوا أن هؤلاء يعيشون عيشة ملؤها القلق والاضطراب والأمراض العصبية، مع أنهم يتوفر لهم كل ما يطلبونه من المتع الجنسية ومن المال أيضًا، ولكن لماذا يبادر أولئك إلى الانتحار المتتابع؟! وما أكثره في أوروبا بين الرجال والنساء والأحداث، وما أكثر ما يتأوه عقلاؤهم من أوضاعهم التي تزداد سوءًا كلما ازداد تفكك الأسر، وفشت الجرائم تحت تسمياتهم الخادعة، ما خدعوا به الناس وأخرجوهم عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها إلى الشقاء وتأنيب الضمير.
وصلى اللهم على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 168
الدرس: ١١ الشيوعية (٣) .
стр. 169
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الحادي عشر
(الشيوعية (٣))
هل البشر في حاجة إلى أدلة لإثبات وجود الله تعالى ؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين، سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قضية وجود الله تعالى أو عدمها قضية ما كان لها أن تبحث ...
ففي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد
فوجوده يتمثل بوضوح في كل هذا الوجود، من أصغر مخلوق إلى أكبره ومن الذرة إلى المجرة، بل إن الإنسان من أكبر الأدلة على وجود الله الحكيم الخبير، فأي موجود يستطيع أن يزعم أنه هو الذي أوجد نفسه، وعلى الصورة التي أرادها أو قدر لنفسه رزقه وأجله ومصيره بعد ذلك؟! لكن هناك فئة شاذة استهواهم الشيطان فمات قلبهم وإن كانوا أحياء يرزقون، فذهبوا يعترضون على وجود الله تعالى وهذه الفئة هم الملاحدة، ولقد كثرت الردود على الملاحدة في هذه القضية الخطيرة بما لا يكاد يحتاج إلى زيادة، لكن المؤمن السليم الفطرة الذي لم تنحرف به شياطين الإنس والجن حصل في قلبه تضايق من سرد هذه الأدلة؛ فالله أجل وأعظم من أن يحتاج وجوده إلى شخص من الناس يثبته أو يجادل خصومه لإثبات وجوده.
لا يمكن أن نجد إنسانًا سليم العقل والفطرة يعتقد أن الله يخفى على عباده، فالعقل والكون كله وجميع المخلوقات من نبات وجماد وحيوان وإنسان وغيرها ومن ساكن ومتحرك، كلها تدل على وجود الله ، وتشهد بقدرته وحكمته ولطفه وعظمته جميع ذرات هذا الكون، ولذلك فلسنا في حاجة إلى الإتيان بحشود من الأدلة، وما أكثرها على وجود الله وما أكثرها في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ففي كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ما يشفي ويكفي لمن عنده أدنى شك في وجود المولى . ومن العجيب أن يستدل الملاحدة على إنكار وجود الله تعالى بأدلة
стр. 170
هي أقوى الأدلة على وجوده وخلقه لهذا الكون وتدبيره له، ولعل الذين جرءوا فنفوا وجود الله إنما حملهم على هذا ما وجدوه من أوصاف الإله سبحانه في التوراة والإنجيل، التي حرفت بأيدي اليهود والنصارى، فهم يصفونه في هذه الكتب المحرفة -وحاشاه- من أنه شاخ وكبر وينسى ويأكل ويشرب ويمشي ويجلس ويحزن ويندم ويهم بالشيء ثم لا يفعله، تعالى الله عما يصفون.
نعم؛ إن مثل هذا الإله بصفاته من السهل جدًّا إنكاره، خصوصًا إذا أضفنا إليه الصفات التي وردت في التلمود، من تعلقه ببني إسرائيل وتدليله لهم وغضبه أحيانًا عليهم، ثم يضرب وجهه ويندم ويبكي ويلعب مع الحوت الكبير، إلى آخر تلك الصفات التي تدل على سقوط المتصف بها، فضلًا عن اعتقاد احترامه، ولكننا لا نبحث عن هذا الإله ولا عن الإله الذي اعتقدت الشيوعية فيه أنه يحابي الظلمة، أو أنه لا وجود له إلا في أذهان الرجعيين لأنه غير منظور وغير موجود، متجاهلين أنه ليس كل موجود حتمًا يُرى، كوجود الهواء الذي نحس به ولا نراه وكوجود العقل في الإنسان، إذ نفرق بين المجنون وبين العاقل بوجود الروح إذ نفرق بين الحي والميت، والجاذبية والمغناطيسية والكهرباء وغيرها من الأمثلة التي لا تحصى.
فنحن نؤمن بهذا الإله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، الإله الذي يعلم السر وأخفى، إله خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاء أحوى، نؤمن بهذا الإله الحق ونكفر ونلعن من يشك في وجوده، فلقد تيقن كل إنسان أنه لم يخلق نفسه وأن فاقد الشيء لا يعطيه، فلا المادة ولا الطبيعة خلقت أحدًا، إذ إن المادة والطبيعة مخلوقة مقهورة، كما أنه لا يجرؤ أحد على أن يقول: إنه يخلق شيئًا ما أو إنه خلق نفسه أو غيره، وقد استيقن بهذا حتى أكابر
стр. 171
الملاحدة، وما جحد من جحد منهم وجود الله إلا عنادًا واستكبارًا وبغضًا للكنيسة ورجالها، ولقد صاح المفكرون في أوروبا وشهدوا على النصرانية والإلحاد بالضلال، وهذه الشهادة -الصادرة على ضلال هذه الطوائف من أهلها- إنما هي أكبر دليل على أن الإلحاد لا استقرار له ولا مكان، وإنما هو زوبعة عارضة ستنتهي -إن شاء الله تعالى- كما انتهت سائر الأفكار الباطلة.
ومن الذين شهدوا على ذلك من علماء أوروبا "رسل تشارلز أرمست" وهو أستاذ للأحياء والنبات بجامعة "فرانكفورت" بألمانيا حيث قال هذا الأستاذ: "لقد وضعت نظريات عديدة لكي تفسر نشأة الحياة من عالم الجمادات، فذهب بعض الباحثين إلى أن الحياة قد نشأت من البروتوجين أو من الفيروس، أو من تجمع بعض الجزئيات البروتينية الكبيرة، وقد يخيل إلى بعض الناس أن هذه النظريات قد سدت الفجوة التي تفصل بين عالم الأحياء وعالم الجمادات، ولكن الواقع الذي ينبغي أن نسلم به أن جميع الجهود التي بذلت -للحصول على المادة الحية من غير الحية- قد باءت بفشل وخذلان ذريعيْن.
ومع ذلك فإن من ينكر وجود الله لا يستطيع أن يقيم الدليل المباشر للعالم المتطلع على أن مجرد تجميع الذرات والجزيئات من طريق المصادفة يمكن أن يؤدي إلى ظهور الحياة وصيانتها، وتوجيهها بالصورة التي شاهدناها في الخلايا الحية، وللشخص مطلق الحرية في أن يقبل هذا التفسير لنشأة الحياة فهذا شأنه وحده، ولكنه إذ يفعل ذلك فإنما يسلم بأمر أشد إعجازًا وصعوبة على العقل من الاعتقاد بوجود الله، الذي خلق الأشياء ودبرها، إنني أعتقد أن كل خلية من الخلايا الحية قد بلغت من التعقد درجة يصعب علينا فهمها، وأن ملايين الملايين من الخلايا الحية الموجودة على سطح الأرض تشهد بقدرته، شهادة تقوم على الفكر والمنطق. ولذلك فإنني أؤمن بوجود الله إيمانًا راسخًا".
стр. 172
ويقول "إرفنج وليم" الحاصل على الدكتوراه من جامعة "أيوا" وأخصائي وراثة النباتات، وأستاذ العلوم الطبيعية بجامعة "ميتشجن" يقول: "إن العلوم لا تستطيع أن تفسر لنا كيف نشأت تلك الدقائق الصغيرة المتناهية في صغرها، والتي لا يحصيها عد، وهي التي تتكون منها جميع المواد، كما لا تستطيع العلوم أن تفسر لنا -بالاعتماد على فكرة المصادفة وحدها- كيف تتجمع هذه الدقائق الصغيرة لكي تكون الحياة"، ويقول "وينشستر" المتخصص في علم الأحياء يقول: "ولقد اشتغلت بدراسة علم الأحياء، وهو من الميادين العلمية الفسيحة التي تهتم بدراسة الحياة، وليس بين مخلوقات الله أروع من الأحياء التي تسكن هذا الكون.
انظر إلى نبات برسيم ضئيل وقد نما على أحد جوانب الطريق، فهل تستطيع أن تجد له نظيرًا في روعته بين جميع ما صنعه الإنسان من تلك العدد والآلات الرائعة؟! إنه آلة حية تقوم بصورة دائبة -لا تنقطع آناء الليل وأطراف النهار- بالآلاف من التفاعلات الكيميائية والطبيعية، ويتم ذلك تحت سيطرة البروتوبلازم، وهو المادة التي تدخل في تركيب جميع الكائنات الحية، فمن أين جاءت هذه الآلة الحية المعقدة؟!.
إن الله لم يصنعها هكذا وحدها ولكنه خلق الحياة وجعلها قادرة على صيانة نفسها، وعلى الاستمرار من جيل إلى جيل، مع الاحتفاظ بكل الخواص والمميزات التي تعينها على التمييز بين نبات وآخر. إن دراسة التكاثر في الأحياء تعتبر أروع دراسات علم الأحياء وأكثرها إظهارًا لقدرة الله".
هذه نماذج من أقوال علماء الغرب عن عظمة الكون وشهادته على وجود الله، وهناك عشرات -بل مئات الأدلة- على خالق هذا الكون ومدبره، وشهادة هؤلاء العلماء -كل في مجال تخصصه- شهادة حق والحق مقبول من أي شخص كان.
стр. 173
والملاحدة وهم ينكرون وجود الله تعالى، ولا يعترفون بأنه هو الخالق المدبر لهذا الكون وما فيه، هم أقل وأذل من أن يصلوا إلى قناعة بإنكارهم، وهذا إجرام شنيع ولم يكتفوا به، بل أضافوا إلى هذا الإجرام زعمهم أن العلم هو الذي دل على هذا، وأن البديل عن الله تعالى هي الطبيعة، التي قالوا عنها بأنها هي التي خلقت السموات والأرض والإنسان والنبات وسائر المخلوقات، فكيف تم ذلك حسب تعليلهم؟
قالوا -وبئس ما قالوا-: إن وجود هذا الكون وما فيه إنما هو نتيجة حركة أجزاء المادة، وتجمعها على نسب وكيفيات مخصوصة بوجه الضرورة بدون قصد ولا إدراك، وبسبب تلك الحركة أخذت تتجمع أجزاء المادة المختلفة الأشكال على كيفيات وأوضاع شتى، فنتجت تلك المتنوعات. هذا هو مبلغهم من العلم، مبلغهم من العلم أن كل شيء وجد بطبيعته عن طريق الصدفة والحركة التطورية دون قصد ولا إدراك، على أن هذه الطبيعة التي يزعمون أنها تفعل كل ما تريد نجد أن بعضهم لا يحترمها، بل يتعمد الإساءة إليها وإهانتها بأنواع السباب واللمز في إرادتها وقوتها ووفائها.
وإليك ما قاله وزير خارجية أكبر دول العالم وأقواها، في عتابه المرير وتهكمه بالطبيعة حينما لم تحقق لهم آمالهم وما يطلبونه منها، فقد قال "كولن باول": "إننا ندين تخلف الثلج عن موسم الأعياد، راجيًا الطبيعة الأم أن تعالج هذه المسألة". إلى أن قال: "لا يمكن لشيء أن يبرر إفساد هذا الحدث الهائل. إننا ندعو الطبيعة إلى القيام بمبادرة فورية". وقال: "إننا نعتبر استمرار الطبيعة في رفض القيام بواجباتها حيال الدول المتحضرة عملًا استفزازيًّا". فيا ترى ماذا يقصد بالطبيعة الأم؟! إنه إلحاد وكفر وسخف، فما هي الطبيعة الأم التي يتحدث عنها هؤلاء ويقولون:
стр. 174
إنها هي التي تخلق وتحيي وتميت وترزق من تشاء وتمنع من تشاء، وتخاطب بتلك اللهجة الحارة المفتقرة إلى الأدب؟! فمن المعروف أن الطبيعة لا تخلو عن أن تكون:
أولًا: إما أن تكون هي نفس الذوات الموجودة في الكون من الحيوان والنبات والجماد، وهذه كما نرى لا يصح الاستغاثة بها ليتساقط الثلج في موسم الأعياد، ليلهوا ويلعب بها طغاة اليهود. ثانيًا: وإما أن تكون هي صفات الأشياء الموجودة في العالم؛ من حركة وسكون وحرارة وبرودة وليونة ويبوسة إلى غير ذلك، وهذه أيضًا كذلك لا تملك لنفسها وجودًا ولا عدمًا، ومهما كان الجواب فإنه خطأ وجهل شنيع حين يسند إيجاد هذا الكون البديع عن طريق طبيعة لا تعقل، فلا تملك لنفسها ولا لغيرها ضرًا ولا نفعًا، فهل يتصور أحد أن من لا يعقل يخلق من يعقل، وهل يستطيع شيء لا إرادة له ولا غاية أن يخلق كائنًا له إرادة وغاية؟!.
إن الإنسان كائن عاقل مدبر وله إرادة وله هدف وله غاية، والطبيعة ليست لها تلك الصفات فهي ناقصة، فهل يمكن للناقص أن يوجد الكامل؟! إن هذا الكون محكم متقن كما قال الله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس: ٤٠).
فالكواكب محكمة بإتقان والبحار لا يطغى بعضها على بعض، والحيوانات لا تلد إلا نفس الحيوان من جنسها، والشجرة لا تنبت إلا نفس الشجرة، وقس على هذا سائر ما تراه في هذا الكون، فالإنسان هو الإنسان والبقرة هي البقرة والكبش هو الكبش أينما اتجهت في هذه الأرض، مما يدل على أن الخالق واحد، فكيف تستطيع الطبيعة أن تدير هذا الكون بهذه الدقة المعجزة، التي تشهد آياتها في كل ما حولنا من شؤون الكون؟! والحياة تشهد أن لها خالقًا قاهرًا.
стр. 175
ثم يقال أيضًا لهؤلاء الملاحدة: هل لأجزاء المادة إرادة وقصد في تنويع المخلوقات في العالم؛ من نجوم وكواكب ومعادن ونباتات وحيوانات وبشر؟! كيف يفترض إنسان أن يكون كل هذا وجد بفعل ذرات الطبيعة الصماء؟! إن المادة لا عقل لها ولا بصر كي ترتب المخلوقات وتنظم شؤونها، ولا منطق لها كي تفكر في مستقبل الأشياء وما تحتاجه، وهذا يعني أن القول بخلق الطبيعة للوجود لا يخرج عن تفسير الماء بالماء، فالأرض خلقت الأرض والسماء خلقت السماء، والأصناف صنعت نفسها والأشياء أوجدت ذواتها، فهي الحادث وهي المحدث وهي المخلوق والخالق في الوقت ذاته، وبطلان هذا القول بين وهو لا يخرج عن أمرين: إما الادعاء بأن الشيء وجد لذاته من غير سبب وهذا قول فاسد، وإما ازدواج الخالق والمخلوق في كائن واحد، فالسبب عين المسبب وهو مستحيل وهو تهافت وتناقض لا يحتاج لشرح.
ولو كانت الطبيعة هي الخالق -كما يقولون- لكانت قوانينها واحدة، المريض لابد أن يموت والصحيح لا يمرض، والنبات الذي يسقى بماء واحد لا يختلف طعم ثمره، لكننا نرى العكس أحيانًا نرى المريض يشفى والصحيح يموت بدون مرض أو علة، ونرى الزرع والنبات في ساحة واحدة يمتص غذاءه في الأرض من تراب واحد ويسقى بماء واحد، ولكن الثمر قد يختلف في المذاق وفي الألوان وفي الروائح والمنافع والمضار، فهل هذا كله من صنع الطبيعة الصماء أو المادة العمياء، وهل هذا هو العلم الذي يقولون به؟! إن هذا هو الجهل بعينه وليس بالعلم!.
ثم تأمل قول الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (الرعد: ٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ (النحل: ١٣).
стр. 176
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ (الحج: ٦٥، ٦٦)، وقوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (النمل: ٦٠ - ٦٢)، وتأمل هذه الآيات ودلالاتها إذا أردت أن تخرج من ظلمات الجهل إلى نور العلم واليقين، فهذا هو الحق وهذا هو البرهان الذي يجب أن نطأطئ له الرءوس والعقول إجلالًا وخضوعًا.
ومما يجدر بنا في هذا المقام أن نعرض لبعض ما سجله العلماء التجريبيون؛ مِن الإيمان بالله تعالى عن قناعة ويقين، من خلال بحوثهم وتجاربهم في اكتشافاتهم العلمية، وقد ذكر بعض الباحثين أمثلة كثيرة لهؤلاء العلماء، منها ما جاء في كتاب (الله يتجلى في عصر العلم) وقد عرض لثلاثين مقالة لمجموعة من كبار العلماء الأمريكيين، في تخصصات علمية مختلفة في علوم الكون والحياة من كيمياء وفيزياء وتشريح وأحياء وغيرها، وكلهم أدهشهم ما توصلوا إليه من ملاحظات وما شاهدوه من عجائب خلق الله .
فمنهم من قال: إذا سلمنا بأن هذا الكون موجود فكيف نفسر وجوده ونشأته؟ هناك احتمالات أربعة للإجابة على هذا السؤال. فإما أن يكون هذا الكون هو مجرد وهم وخيال، وهذا يتعارض مع ما سلمنا به من أنه موجود، وإما أن يكون
стр. 177
هذا الكون قد نشأ من تلقاء نفسه من العدم وهذا مرفوض بداهة، وإما أن يكون هذا الكون أزلي الوجود ليس لنشأته بداية وهذا الاحتمال يساوي ما يقوله المؤمنون بالله من أزلية الخالق، لكن قوانين الكون تدل على أن أصله وأساسه مرتبط بزمان بدأ من لحظة معينة، فهو إذًا حدث من الأحداث، فلا يمكن إحالة وجود هذا الحدث المنظم البديعي إلى المصادفة عقلًا، ولذلك فهذا الاحتمال باطل، وإما أن يكون لهذا الكون خالق أزلي أبدعه، وهو الاحتمال الذي تقبله العقول دون اعتراض، وليس يرد على إثبات هذا الاحتمال ما يبطله عقلًا فوجب الاعتماد عليه.
شبهات الملاحدة في إنكارهم وجود الله تعالى
الشبهة الأولى: دليل الجاذبية: فقد زعموا أن اكتشاف نظام الجاذبية -في عالم الفلك- أن هذا الكون محفوظ بقانون الجاذبية ومتماسك بسببها، وليس بقدرة إله خالق. لا شك أن هذا الفهم تافه إذ يقال لهم: هل نظام الجاذبية ينفي وجود إله خالق قادر، أما أنه على العكس يدل على وجود هذا الإله ؟! الذي خلق الجاذبية ذاتها لتعمل وفق ما أراد وقدر لا وفق ما تريد هي، إذ لا إرادة لها ولا وجود لها من نفسها، فهي قد وجدت بعد أن لم تكن، وهذا الترتيب العجيب في الكون يفوق كل قدرة يفوق كل تدبير. لقد حير العقول وتضاءلت دون إدراكه الأفهام، فكيف ينسب هذا كله إلى الجاذبية المحدثة المخلوقة؟!.
كما أن كثيرًا من الملاحدة يعترفون بعجزهم عن الوصول -عن طريق الأبحاث والتجارب- إلى معرفة أسرار كثيرة من الحقائق المشاهدة في هذا الكون، وهذا الإقرار يلزمهم أن يقروا أيضًا بحقيقة الإله بل وحقيقة الدين؛ لأنه يشتمل على
стр. 178
كثير من الحقائق التي لا يصل العقل إلى معرفتها، لا عن طريق البحث ولا عن طريق التجارب، فكيف ساغ لهم الإيمان بأن لبعض الحقائق المشاهدة حقائق باطنية عجز العلم عن معرفتها، بينما ينفون وجود الإله وحقيقة الدين؛ بحجة أن الدين قائم على أمور لا تدرك حقيقتها الباطنية عن طريق البحث والتجربة؟! هذا تناقض واضح وتفريق بلا مستند!.
الشبهة الثانية: قضية الارتقاء: أي ارتقاء المخلوقات وتطورها في خلقها تلقائيًا، وهذه القضية رغم وضوحها في الدلالة على وجود الله تعالى وقدرته ومشيئته ورحمته بخلقه، إلا أنهم نظروا لها من جانب آخر بعيد عن الفهم السليم والعقل المستقيم، فزعموا أن أنواع الحياة قد وجدت نتيجة لعمل الارتقاء، لافتراضهم أنه على فرض وجود خالق لهذه الحياة بزعمهم، فلا يمكن أن يخلقهم على هذا الترتيب من الصغر إلى الكبر في الإنسان والنبات، بل يخلقه دفعة واحدة كل صنف في كمال شكله بدون ترتيب، يخضعها لعمل تطوري طويل الأمد حسب زعمهم، وأن المخلوقات تطورت بنفسها بفعل المادة، وأنها تولدت عن بعضها للتشابه بينها، وأن بقاءها يعود إلى قدرتها على التكيف مع الظروف التي تحيط بها.
والواقع أنه ما من مؤمن بالله إلا ويعلم أن وجود الخلق -على هذه الحالة- إنما يعود إلى مشيئة الله وقدرته، ولتنتظم الحياة على سنة واحدة، ولن تجد لسنة الله تبديلًا، وأن ما يزعمونه من تطور المخلوقات بنفسها بفعل المادة إن هو إلا خرافات سخفية، ولو كان ذلك صحيحًا لأدى ذلك التطور إلى أن تصبح الذرة جملًا أو فيلًا ضخمًا، فما الذي يمنعها وقانون التطور يجيز لها ذلك؟! قد مرت ملايين السنين ولا تزال الذرة هي الذرة ولا يزال الجمل هو الجمل، والإنسان هو
стр. 179
الإنسان لم يتطور من قرد إلى إنسان إلا عند "داروين" الملحد، الذي أصبحت نظرياته محل سخرية العقلاء من الناس وضحكهم منها، وإذا كان الارتقاء بمعنى أن الإنسان والحيوان يكون في أوله صغيرًا ثم يكبر شيئًا فشيئًا إلى أن يكتمل، فهذا أمر حقيقي مشاهد، وهو يدل على قدرة قوية تربيه إلى أن يصل إلى درجة الاكتمال، ولا يدل هذا على أنه ليس له إله رحيم مدبر، بل وفي القرآن آيات كثيرة تدل على هذا التطور والارتقاء في حياة الإنسان والحيوان والنبات.
لو كان للطفل المولود أسنان حادة من أول يوم لما أرضعته أمه، ولو ولد شابًّا لما وجد ذلك الحنان بينه وبين أمه وأبيه وأهله، ولو كانت الشمس تسطع حرارة منذ بزوغها لما وجد لها هذا الحب في استقبالها وفي غروبها كل يوم، ولكن الملاحدة قلبوا الأمر فجعلوا ما كان دليلًا واضحًا على قدرة الله تعالى ووجوده، جعلوه دليلًا على إنكار وجوده لأن قلوبهم غلف وقد طبع الله عليها، وأما ما زعموه من أن الكائنات الحية نشأت عن التولد، وأن تكيفها مع الظروف هو الذي أبقاها فإنه يقال لهم: إن هناك حقائق مسلمة لا يعارضها عقل ولا دين بحال، بل يؤكدها الدين والعقل بدلالتها على الخالق العظيم. من هذه الحقائق الكائنات الأدنى كالنبات وجدت قبل الكائنات الأرقى كما يذكر الباحثون، فالإنسان هو أرقى الكائنات الحية وجد متأخرًا، بينما النباتات وجدت أولًا، فإن الله خلق السموات والأرض، وخلق الأرض وقدر فيها أقواتها وما يحتاج إليه البشر حين يوجدون عليها.
أيضًا من الحقائق أنه يوجد كثير من أوجه الشبه بين الكائنات الحية كالإنسان والقرد، ومع ذلك بقي كل كائن كما هو على طول المدى، لم يتحول القرد إلى إنسان ولا الإنسان إلى قرد، ومن الحقائق أيضًا أن الكائنات الحية تملك قدرة على
стр. 180
التكيف مع الظروف. مثل: ظهور المناعة لمقاومة الأمراض وتغير لون الجلد لمقاومة الحرارة وأشعة الشمس، كل هذه الثوابت لا يعارضها دين ولا يعارضها عقل، وهي من أوضح الأمور على قدرة الله تعالى الذي منحها هذه الصفات، فإن ترتيب وجود الكائنات يعود لمشيئة الله تعالى، ولا يلزم من وجود الكائن الأول أن الكائن الذي يليه تولد عنه، فإن الإنسان مع وجوده متأخرًا لا يصح أن يقال: إنه تولد عن النبات الذي سبقه في الوجود وإلا لزم التسلسل، فإنه يقال لمن يريد إثبات ذلك: والنبات أيضًا عن أي شيء تولد؟! فلو قال: من اجتماع أجزاء المادة يقال له: وأجزاء المادة أيضًا من أي شيء تولدت؟! وهكذا فلا يجد جوابًا في النهاية إلا التسليم رغم أنفه شاء أم أبى.
أما وجود التشابه بين الكائنات الحية فلا يعني هذا أيضًا أن كل كائن تولد عن شبهه، ولا يصح أن يقال: إن القرد تولد عن الإنسان أو الإنسان تولد عن القرد لما بينهما من تشابه، بل إن العلم والدين كلاهما يثبتان أن التشابه بين الكائنات الحية مع بعضها البعض، أو مع بعضها وأخرى ليست من جنسها إنما هو دليل قاطع على أن مصدر الإيجاد واحد وهو الله تعالى، ولو أن الكائنات كلها تولد بعضها عن بعض لما كان هناك فرق في مفاهيم العقلاء بين أن تقول لإنسان: أنت قرد أو كلب أو شجرة وبين أن تقول له: أنت إنسان أو قمر أو وردة؛ لحصول التولد الذي زعمه الملاحدة، إذ ما دامت الكائنات كلها تولدت عن بعضها البعض فلا يبقى بينهم أي فارق حقيقي.
ثالثًا: من شبهاتهم في إنكار وجود الله تعالى: قانون العلة أو المعلول: أو ما يسمى عندهم بالتفسير الميكانيكي للكون، ومن المسلم به عند العقلاء -وعند كل المؤمنين بالله تعالى- أن الله تعالى يوجد الأشياء عند وجود أسبابها في
следующие страницы →