Полный текст (366 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ (الحج: ٦٥، ٦٦)، وقوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (النمل: ٦٠ - ٦٢)، وتأمل هذه الآيات ودلالاتها إذا أردت أن تخرج من ظلمات الجهل إلى نور العلم واليقين، فهذا هو الحق وهذا هو البرهان الذي يجب أن نطأطئ له الرءوس والعقول إجلالًا وخضوعًا.
ومما يجدر بنا في هذا المقام أن نعرض لبعض ما سجله العلماء التجريبيون؛ مِن الإيمان بالله تعالى عن قناعة ويقين، من خلال بحوثهم وتجاربهم في اكتشافاتهم العلمية، وقد ذكر بعض الباحثين أمثلة كثيرة لهؤلاء العلماء، منها ما جاء في كتاب (الله يتجلى في عصر العلم) وقد عرض لثلاثين مقالة لمجموعة من كبار العلماء الأمريكيين، في تخصصات علمية مختلفة في علوم الكون والحياة من كيمياء وفيزياء وتشريح وأحياء وغيرها، وكلهم أدهشهم ما توصلوا إليه من ملاحظات وما شاهدوه من عجائب خلق الله .
فمنهم من قال: إذا سلمنا بأن هذا الكون موجود فكيف نفسر وجوده ونشأته؟ هناك احتمالات أربعة للإجابة على هذا السؤال. فإما أن يكون هذا الكون هو مجرد وهم وخيال، وهذا يتعارض مع ما سلمنا به من أنه موجود، وإما أن يكون
стр. 177
هذا الكون قد نشأ من تلقاء نفسه من العدم وهذا مرفوض بداهة، وإما أن يكون هذا الكون أزلي الوجود ليس لنشأته بداية وهذا الاحتمال يساوي ما يقوله المؤمنون بالله من أزلية الخالق، لكن قوانين الكون تدل على أن أصله وأساسه مرتبط بزمان بدأ من لحظة معينة، فهو إذًا حدث من الأحداث، فلا يمكن إحالة وجود هذا الحدث المنظم البديعي إلى المصادفة عقلًا، ولذلك فهذا الاحتمال باطل، وإما أن يكون لهذا الكون خالق أزلي أبدعه، وهو الاحتمال الذي تقبله العقول دون اعتراض، وليس يرد على إثبات هذا الاحتمال ما يبطله عقلًا فوجب الاعتماد عليه.
شبهات الملاحدة في إنكارهم وجود الله تعالى
الشبهة الأولى: دليل الجاذبية: فقد زعموا أن اكتشاف نظام الجاذبية -في عالم الفلك- أن هذا الكون محفوظ بقانون الجاذبية ومتماسك بسببها، وليس بقدرة إله خالق. لا شك أن هذا الفهم تافه إذ يقال لهم: هل نظام الجاذبية ينفي وجود إله خالق قادر، أما أنه على العكس يدل على وجود هذا الإله ؟! الذي خلق الجاذبية ذاتها لتعمل وفق ما أراد وقدر لا وفق ما تريد هي، إذ لا إرادة لها ولا وجود لها من نفسها، فهي قد وجدت بعد أن لم تكن، وهذا الترتيب العجيب في الكون يفوق كل قدرة يفوق كل تدبير. لقد حير العقول وتضاءلت دون إدراكه الأفهام، فكيف ينسب هذا كله إلى الجاذبية المحدثة المخلوقة؟!.
كما أن كثيرًا من الملاحدة يعترفون بعجزهم عن الوصول -عن طريق الأبحاث والتجارب- إلى معرفة أسرار كثيرة من الحقائق المشاهدة في هذا الكون، وهذا الإقرار يلزمهم أن يقروا أيضًا بحقيقة الإله بل وحقيقة الدين؛ لأنه يشتمل على
стр. 178
كثير من الحقائق التي لا يصل العقل إلى معرفتها، لا عن طريق البحث ولا عن طريق التجارب، فكيف ساغ لهم الإيمان بأن لبعض الحقائق المشاهدة حقائق باطنية عجز العلم عن معرفتها، بينما ينفون وجود الإله وحقيقة الدين؛ بحجة أن الدين قائم على أمور لا تدرك حقيقتها الباطنية عن طريق البحث والتجربة؟! هذا تناقض واضح وتفريق بلا مستند!.
الشبهة الثانية: قضية الارتقاء: أي ارتقاء المخلوقات وتطورها في خلقها تلقائيًا، وهذه القضية رغم وضوحها في الدلالة على وجود الله تعالى وقدرته ومشيئته ورحمته بخلقه، إلا أنهم نظروا لها من جانب آخر بعيد عن الفهم السليم والعقل المستقيم، فزعموا أن أنواع الحياة قد وجدت نتيجة لعمل الارتقاء، لافتراضهم أنه على فرض وجود خالق لهذه الحياة بزعمهم، فلا يمكن أن يخلقهم على هذا الترتيب من الصغر إلى الكبر في الإنسان والنبات، بل يخلقه دفعة واحدة كل صنف في كمال شكله بدون ترتيب، يخضعها لعمل تطوري طويل الأمد حسب زعمهم، وأن المخلوقات تطورت بنفسها بفعل المادة، وأنها تولدت عن بعضها للتشابه بينها، وأن بقاءها يعود إلى قدرتها على التكيف مع الظروف التي تحيط بها.
والواقع أنه ما من مؤمن بالله إلا ويعلم أن وجود الخلق -على هذه الحالة- إنما يعود إلى مشيئة الله وقدرته، ولتنتظم الحياة على سنة واحدة، ولن تجد لسنة الله تبديلًا، وأن ما يزعمونه من تطور المخلوقات بنفسها بفعل المادة إن هو إلا خرافات سخفية، ولو كان ذلك صحيحًا لأدى ذلك التطور إلى أن تصبح الذرة جملًا أو فيلًا ضخمًا، فما الذي يمنعها وقانون التطور يجيز لها ذلك؟! قد مرت ملايين السنين ولا تزال الذرة هي الذرة ولا يزال الجمل هو الجمل، والإنسان هو
стр. 179
الإنسان لم يتطور من قرد إلى إنسان إلا عند "داروين" الملحد، الذي أصبحت نظرياته محل سخرية العقلاء من الناس وضحكهم منها، وإذا كان الارتقاء بمعنى أن الإنسان والحيوان يكون في أوله صغيرًا ثم يكبر شيئًا فشيئًا إلى أن يكتمل، فهذا أمر حقيقي مشاهد، وهو يدل على قدرة قوية تربيه إلى أن يصل إلى درجة الاكتمال، ولا يدل هذا على أنه ليس له إله رحيم مدبر، بل وفي القرآن آيات كثيرة تدل على هذا التطور والارتقاء في حياة الإنسان والحيوان والنبات.
لو كان للطفل المولود أسنان حادة من أول يوم لما أرضعته أمه، ولو ولد شابًّا لما وجد ذلك الحنان بينه وبين أمه وأبيه وأهله، ولو كانت الشمس تسطع حرارة منذ بزوغها لما وجد لها هذا الحب في استقبالها وفي غروبها كل يوم، ولكن الملاحدة قلبوا الأمر فجعلوا ما كان دليلًا واضحًا على قدرة الله تعالى ووجوده، جعلوه دليلًا على إنكار وجوده لأن قلوبهم غلف وقد طبع الله عليها، وأما ما زعموه من أن الكائنات الحية نشأت عن التولد، وأن تكيفها مع الظروف هو الذي أبقاها فإنه يقال لهم: إن هناك حقائق مسلمة لا يعارضها عقل ولا دين بحال، بل يؤكدها الدين والعقل بدلالتها على الخالق العظيم. من هذه الحقائق الكائنات الأدنى كالنبات وجدت قبل الكائنات الأرقى كما يذكر الباحثون، فالإنسان هو أرقى الكائنات الحية وجد متأخرًا، بينما النباتات وجدت أولًا، فإن الله خلق السموات والأرض، وخلق الأرض وقدر فيها أقواتها وما يحتاج إليه البشر حين يوجدون عليها.
أيضًا من الحقائق أنه يوجد كثير من أوجه الشبه بين الكائنات الحية كالإنسان والقرد، ومع ذلك بقي كل كائن كما هو على طول المدى، لم يتحول القرد إلى إنسان ولا الإنسان إلى قرد، ومن الحقائق أيضًا أن الكائنات الحية تملك قدرة على
стр. 180
التكيف مع الظروف. مثل: ظهور المناعة لمقاومة الأمراض وتغير لون الجلد لمقاومة الحرارة وأشعة الشمس، كل هذه الثوابت لا يعارضها دين ولا يعارضها عقل، وهي من أوضح الأمور على قدرة الله تعالى الذي منحها هذه الصفات، فإن ترتيب وجود الكائنات يعود لمشيئة الله تعالى، ولا يلزم من وجود الكائن الأول أن الكائن الذي يليه تولد عنه، فإن الإنسان مع وجوده متأخرًا لا يصح أن يقال: إنه تولد عن النبات الذي سبقه في الوجود وإلا لزم التسلسل، فإنه يقال لمن يريد إثبات ذلك: والنبات أيضًا عن أي شيء تولد؟! فلو قال: من اجتماع أجزاء المادة يقال له: وأجزاء المادة أيضًا من أي شيء تولدت؟! وهكذا فلا يجد جوابًا في النهاية إلا التسليم رغم أنفه شاء أم أبى.
أما وجود التشابه بين الكائنات الحية فلا يعني هذا أيضًا أن كل كائن تولد عن شبهه، ولا يصح أن يقال: إن القرد تولد عن الإنسان أو الإنسان تولد عن القرد لما بينهما من تشابه، بل إن العلم والدين كلاهما يثبتان أن التشابه بين الكائنات الحية مع بعضها البعض، أو مع بعضها وأخرى ليست من جنسها إنما هو دليل قاطع على أن مصدر الإيجاد واحد وهو الله تعالى، ولو أن الكائنات كلها تولد بعضها عن بعض لما كان هناك فرق في مفاهيم العقلاء بين أن تقول لإنسان: أنت قرد أو كلب أو شجرة وبين أن تقول له: أنت إنسان أو قمر أو وردة؛ لحصول التولد الذي زعمه الملاحدة، إذ ما دامت الكائنات كلها تولدت عن بعضها البعض فلا يبقى بينهم أي فارق حقيقي.
ثالثًا: من شبهاتهم في إنكار وجود الله تعالى: قانون العلة أو المعلول: أو ما يسمى عندهم بالتفسير الميكانيكي للكون، ومن المسلم به عند العقلاء -وعند كل المؤمنين بالله تعالى- أن الله تعالى يوجد الأشياء عند وجود أسبابها في
стр. 181
أغلب الأمور، إلا إذا أراد عدم وجود تلك الأسباب، وحينما اكتشف علماء القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أن الكون يسيره قانون العلة والمعلول، طار الفرح بمفكري الملاحدة وظنوا أنهم وجدوا ضالتهم المنشودة في التدليل على عدم وجود الله تعالى؛ لأن كل الأشياء ناتجة عن علة ومعلول، فلا ضرورة حينئذٍ إلى القول بوجود إله موجد؛ لأن جميع ما يجري في هذا الكون إنما يحدث بسبب علل مادية دون تدخل خارجي، غير وجود العلة والمعلول التي تغني عندهم عن القول بوجود الله ، وهو ما يسميه بعض الباحثين التفسير الميكانيكي للكون.
ومن الطريف أن العلماء الذين اكتشفوا هذا القانون لم يزعموا أنه بديل عن الله تعالى، بل صرحوا بأن هذا القانون هو سنة الله في خلقه، أن يجري الأمور بواسطة أسباب وعلل، فقد قال "إسحاق نيوتن" مكتشف هذا القانون: "هذا هو أسلوب الله في العمل، فالله يجري مشيئته في الكون بواسطة أسباب وعلل"، ولكن الملاحدة جعلوا هذا ضمن أدلتهم على تقوية إلحادهم، وأنى لهم أن يكون هذا الاكتشاف دليلًا على عدم وجود الإله الخالق، الذي قدر الأسباب وضرب الآجال وفق سننه في هذا الكون التي هي أوضح من الشمس، لولا عنادهم واستكبارهم، وقد أشار الله إلى هذا كثيرًا في القرآن الكريم. مثلًا حينما أمرت السيدة مريم العذراء أن تهز النخلة وهي في حالة تمام الإعياء والتعب في وقت الولادة؛ ليفهم الناس أن الله تعالى يجري الأمور بأسبابها.
وقد اعترف الملاحدة بعد طول جدل بأن قانون التعليل ليس حقيقة مطلقة، بالمفهوم الذي افترضوه في القرن التاسع عشر، بل لقد قرروا أخيرًا أن نظام العالم لا يخضع لقانون العلة والمعلول الناتج عن الصدفة المحضة، وإنما هناك عقل ذو وعي يدبر شؤون العالم بالإرادة، قد كان ساعدًا عند الجهال في القرون الأولى أن
стр. 182
هناك آلهة مشتركة في تدبير هذا الكون، وهي تخضع في النهاية لإله واحد هو أكبر هذه الآلهة، وقد تغيرت هذه النظرة الشركية إلى ما هو أقبح منها، وهو هذا الإلحاد المادي الحديث القائم على القول بالصدفة وطبيعة أجزاء المادة وانتظامها وانفجارها، مما لم يقل به المشركون قديمًا.
والشبهة الرابعة من شبهات الملحدين على إنكار وجود الله تعالى: ما يسمونه دليل المادة: فهم يقولون: إن أساس هذا الكون كان مادة تشبه الغبار المنتشر، ثم حدث أن تحرك هذا الغبار حركة لم تنته إلا بتكوين هذا الكون وما فيه من انفجار هائل. ولكن لنا سؤال عن هذا التفسير المضحك السخيف: هل يستطيعون أن يثبتوا من الذي كون هذا الغبار ومن الذي جمعه، ومن كان السبب في تلك الحركة الذي جعلت الكون كله ينفجر يتكون على نحو ما هو عليه؟! إن هذه الأسئلة لا تجد لها جوابًا عندهم، غير أن الصدفة هي التي فعلت ذلك وهو افتراض بدون أساس، افتراض ناتج عن خيال كاذب وفهم قاصر، ويقال لهم: إذا كان وجود هذا الكون عن طريق الصدفة، أليس من الممكن -والحال هكذا- أن توجد صدفة أخرى تقضي على هذا الكون كله، وتتعطل كل هذه المصالح من شمس وقمر ونجوم، وغير ذلك مما في هذا الكون المترابط المنتظم بصورة تضمن استمرار الحياة سليمة عن الخراب والتداخل، إذ الشمس تجري لمستقر لها والنجوم زينة السماء فماذا يردون عند سؤالنا هذا؟
إن هذا التفسير نقيض كلامهم السابق فهو يعجز عن تقديم تفسير مقنع لتسلسل الوجود، لكنهم بزعمهم يقولون: إنهم وجدوا في مبدأ التعليل الذي زعموا فيه أن الكون ابتدأ في الوجود إثر حركة المادة وانفجارها، ما سبق أن ذكرناه وعرفنا سخافته وبطلانه، وحينما قام الإلحاد ونكران وجود الله على أساس أن الكون
стр. 183
خاضع لتلك القوانين، وأن كل حدث له سبب وأن قوانين الارتقاء قد تكفلت بإتمام كل موجود، وأن الكون كله تكون من مادة حسب سخافتهم، فلا حاجة إلى القول بوجود إله خالق مدبر لهذا الكون، وبالتالي أخذ عظماء الكفر والإلحاد يتبجحون بما توصلوا إليه في اكتشافهم من تلك القوانين الطبيعية، فراحوا يتفنون في إطلاق كلمات الإلحاد، بينما مكتشفو هذه القوانين -كما سبق القول- قالوا: إنها سنة الله في كونه وطريقة الله في عمله في هذا الكون.
روافد الإلحاد الأخرى
استخدم الملحدون روافد لإلحادهم، فسروها وفق ما تمليه عليهم أهواؤهم، منها التقدمية والعصرية والرجعية والتحررية، وغيرها من هذه الأسماء الجوفاء، وهم يستخدمون هذه الأسماء باستخدامات تناسب نظريتهم فهم يقولون: إن الإنسان التقدمي هو الإنسان المهذب في سلوكه والواقعي في حكمه والصادق في التعبير عنه، هذا التعريف لم يقف عند هذا المفهوم، بل أصبح يطلق في جانب العقائد على الإنسان الذي ينبذ التدين والتقاليد، وينفلت من كل ارتباط بالفضائل الدينية ويتخذ الإلحاد مذهبًا، مثل الأحزاب التي أطلقت على نفسها صفة التقدمية في البلاد العربية وفي غيرها.
وفي جانب المظاهر صاروا يطلقون على الشخص أنه متقدم حينما يهتم بمظهره الشخصي، خصوصًا حينما يقلد الإفرنج في لباسهم وسلوكهم، كما يسمونه حينما تلبسه المرأة من أنواع الملابس ملابس تقدمية الموضة لأنواع المكياجات، ولباسها إلى نصف الفخذين وكشفها للرأس وترديد بعض عبارات الغربيين، يعتبرون هذا كله تقدمًا وهي من الأمور التي انعكست الحقائق فيها. قد نجح
стр. 184
الغربيون في الإيحاء إلى الرجل والمرأة أنه ليس بينهم وبين التقدم إلا ركوب تلك المسالك، ومن روافد الإلحاد أيضًا تعبير الرجعية والجمود، فهم يقولون في تعريف الرجعية: إنها هي الميل في السير إلى الوراء والعزوف عن متابعة الحركة نحو اليقظة.
وأما الجمود فهو الوقوف في الحركة عند مرحلة من مراحل تطور الإنسان، في كماله وتمام نمو طاقاته البشرية، ولكن ماذا يقصدون بها؟ لقد اتخذوا من هذا المصطلح نقطة انطلاق في سبهم للإسلام والمسلمين، ولقد قالوا منكرًا من القول وزورًا، فالإسلام والمسلمون بريئان من هذا الوصف، بل إن أعداء الإسلام أحق بهذا الوصف وسلوكهم وأفكارهم هي عين الرجعية والجمود، فإن المتتبع لأقوالهم عن نشأة الإنسان وتطوره لو قارنها بأقوالهم اليوم عن تمدحهم بالتطور لرأى العجب في تناقضهم.
ومن المصطلحات أيضًا مصطلح الخرافة والتقاليد، فالخرافة عندهم هي الاعتقاد بما لا ينفع ولا يضر ولا يلتئم مع المنطق السليم والواقع الصحيح، لكنهم يستخدمون الخرافة بمعاني الروحية ومبادئ الدين وتعاليمه، فالبعث خرافة والإيمان بالغيب خرافة، أما ما هم فيه من الإلحاد وإنكار الأديان فهو العلم والحقيقة، وكذلك مصطلح التقاليد ومصطلح الحرية والكبت، فالحرية عند الماديين يراد بها الانطلاق من كل قيود القيم والمثل والمبادئ التي دعا إليها الدين، ويراد بها العودة إلى الحياة البهيمية من أوسع الأبواب ولكن تحت تسمية التطور والتجديد.
وصلى اللهم على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 185
الدرس: ١٢ الشيوعية (٤) .
стр. 186
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثاني عشر
(الشيوعية (٤))
الرد على مزاعم الملاحدة الشيوعيين في مسألة الملكية الفردية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين، سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
الشيو عية:
الرد على مزاعم الملاحدة الشيوعيين في الملكية الفردية:
يقولون: إن الملكية الفردية ليست فطرية في الإنسان، قد كابروا عقولهم وتعسفوا حين زعموا أنها لم تكن قضية فطرية في النفوس، وإنما وجدت هذه الملكية الفردية بعد أن عرف الإنسان كيفية الزراعة، واستجلاب كثرة الدخل للفرد، وما تلا الزراعة من قيام الصناعات وزيادة الدخل، محتجين على هذا الزعم بأن الشيوعيين البدائيين الأوائل ما كانوا يعرفون الملكية الفردية، وكانوا في أسعد حال، وهذا الدليل الذي يقولون به رغم مصادمته للواقع وللفطر السليمة، رغم ذلك وغيره هو قول بلا علم وتخرص بلا دليل، والإسلام يذكر أن الله علم آدم كل شيء، حتى علمه كيف يزرع وكيف يحصد، فأي زمن كان الناس -حسب زعم الملاحدة- لا يعرفون الزراعة ولا العمل؟! وهذا ما تفيده الشريعة الإسلامية بل وسائر الأديان عن طبيعة البشر منذ وجودهم وأقرته ولم تلغِه؛ لأن الحياة لا تستقيم بدون النزعة إلى الملكية الفردية وحب التملك.
بل إن حب التملك هو سنة الحياة فمن خالف هذه السنة، وزعم أن الناس لابد أن يكونوا في حال لا يملك فيه الشخص أي شيء لنفسه، كما تقضي بذلك التعاليم الشيوعية، فلا شك أن مصيره الفشل، وهو ما حصل بالفعل حينما أقدم الثوار الشيوعيون الأوائل على تطبيقه، فرأوا بأعينهم هبوط أحوالهم الاقتصادية وكساد حركاتهم المعيشية، مما جعلهم يضطرون صاغرين إلى الاعتراف بالملكية الفردية ولو في أضيق نطاق، لكن هذا الشيء له دلالته على وجود نزعة الإنسان في حب التملك الفردي، وأن القول بعدم وجود تلك النزعة إنما هو مكابرة وضيق فكري، فكان من أهم أسباب تراجع أقطاب الشيوعية عن تأميم الملكيات
стр. 187
كلها: هو ما لاحظوه من تردي الإنتاج الزراعي، ومعرفتهم أن سبب ذلك إنما يعود إلى ضعف الحوافز على العمل، وعدم تمكن الحكام من دقة معرفة المقصر من غيره في المجال الزراعي، الذي تصعب مراقبته إلى حد كبير.
بخلاف المجال الصناعي الذي تم إخضاعه بدقة للملاحظة والمراقبة الصارمة، بحيث يعهد لكل شخص بمهمة خاصة في العمل، فإذا حصل خلل في أي قطعة من الصناعة عرف صاحبها فورًا ونال عقابه الذي لا يعرف الرحمة، بخلاف العامل الزراعي الذي أفلت من هذه المراقبة الصارمة، فكانت النتيجة أن أخذت الدول الشيوعية تتكفف الدول الغربية القمح والحبوب، وزعموا أن ذلك النقص في الجانب الزراعي إنما كان بسبب الآفات الزراعية، ولكن الحل الذي عالجوا به تلك الآفات يفصح عن السبب الحقيقي، حيث سمحوا بعد فوات الأوان بإتاحة الملكية الفردية لقسم من المحصول الزراعي، يتملكه المزارع تشجيعًا له لزيادة الإنتاج ولزيادة نشاط المزارعين، وهو دليل واضح على فشل نظام منع الملكية الفردية وأنه أشد الآفات.
الرد على مزاعم الملاحدة الشيوعيين في نشأة الصراع الطبقي
يقولون: إن الصراع الطبقي لم يكن له أي سبب غير معرفة الإنسان للزراعة والصناعة، فهذا قول بالتخمين وهو أكذب الكذب، ولن يجد القائلون به أي دليل عليه لأنهم ادعوا شيئا هو أقدم منهم، كما أن هذا الأمر ليس هو السبب الوحيد للصراع بين الناس، وإنما هو واحد من عدة أسباب لا تكاد تحصر، كما أن هذا السبب قد يوجد في بعض المجتمعات وقد لا يوجد، فليس هو أمر حتمي كما يدعي الملاحدة.
стр. 188
ومن السذاجة والجهل القول بأن الملكية الفردية نشأت عن ظهور الصناعة والزراعة، وأنها ليست فطرية في نفوس الناس، بل وفي نفوس الحيوانات؛ فإن الملكية الزراعية نفسها لم تقم إلا بسبب النزعة الملكية الفردية كانت أو الملكية الجماعية، وإلا لما قامت الزراعة ولما عرف الإنسان طريقه إلى الجمع والادخار بين مقل ومكثر وبخيل وكريم، وأما زعمهم أن الناس منذ أن تركوا الشيوعية الأولى وهم في صراع طبقي مرير، وأن ذلك سيستمر حتى يرجع الناس إلى الشيوعية الأولى، وذلك بترك الملكية الفردية وتساوي الناس في كل شيء، بزوال الطبقات التي أحدثتها الملكية الفردية وتكدس رؤوس الأموال في فئة دون فئة.
يقال لهم: هل يتحقق ذلك في عالم الواقع، وهل يمكن أن يتساوى الناس وتزول الطبقات خصوصًا في ظل النظم الجاهلية، وهل يمكن أن تتحقق هذه الأحلام البراقة في يوم من الأيام؟! إنها مجرد أوهام وخيالات لأن الحياة لا تقبلها ولا تنتظم بها.
إن نظام الطبقات واستعلاء بعض الطبقات على البعض الآخر، والظلم والحرمان واستعباد القوي للضعيف، كل هذه الأنظمة إنما توجدها النظم الجاهلية، كما حدث بالفعل على مسار تاريخ البشرية، فالمجتمع في العهد الهندوسي مقسم إلى طبقات: هي البراهما والكشاتريا والشودري وأقسام فرعية أخرى. وفي أوروبا عاش الناس طبقات متفاوتة أشد التفاوت، طبقة تسمى طبقة السادة، وأخرى تسمى طبقة العبيد، وقد تمثلت هذه الأحوال السيئة الجاهلية في عهد الرق، أما في عهد الإقطاع فكان الناس ثلاث طبقات رئيسة: هي طبقة الأشراف وأمراء الإقطاع، وطبقة رجال الدين، وطبقة الشعب المغلوبين على أمرهم، أما في عهد الرأسمالية فإن نظام الطبقات على أشده أيضًا، طبقة تسمى طبقة أصحاب رءوس الأموال، وطبقة أخرى تسمى طبقة العمال، أناس في الثرى وأناس في الثريا!.
стр. 189
وهكذا الحال في عهد الديمقراطية التي تظاهرت بأن الشعب هو صاحب السلطة، فقد كان الصحيح هو أن الشعب لا يزال هو المستضعف المقهور، وصاحب المال هو السيد الحاكم، وهي نفس الكذبة التي كان يرددها الشيوعيون، من أن طبقة "البروليتاريا" الكادحة هي التي ستملك وتحكم حينما تطبق الشيوعية، وحينما تقضي طبقة "البروليتاريا" على جميع الطبقات المناوئة لها في صراع ثوري محتدم، هذا هو حكم الجاهلية وشريعتها لكن حكم الله هو خلاف هذا، حكم الله أن المجتمع سيكون فيه أغنياء وفقراء ملكية فردية وملكية جماعية، الأغنياء مؤتمنون على المال وللفقراء نصيب في ذلك المال والكل عبيد لله تعالى لا طبقات ولا كبرياء، ينتقل المال من يد إلى يد ومن شخص إلى آخر، وقد يصبح الغني فقيرًا وقد يصبح الفقير غنيًّا حسب تصريف الله للأمور.
ومعنى هذا أن المال في الإسلام ليس منحصرًا في طبقة من الناس دون أخرى، ولا في فئة من المجتمع بخصوصهم، حتى وإن كانت تلك الفئة هم الحكام؛ فإن الإسلام لا يعطي الحاكم حرية التملك كما يهوى، بل شأنه شأن غيره غير ما يأخذه في مقابل جلوسه للحكم بين الناس، ومن هنا نجد أن حكام الدولة الإسلامية في نشأتها كان الحاكم منهم لا يتمتع بأي امتيازات مالية، ولهذا كان الحكام يعتبرون تحمل المسؤولية أمانة عظيمة وخطرًا جسيمًا، لا فوزًا كما يسميه الناس اليوم. وينبغي التنبيه إلى أنه إذا وجد نزاع بين المسلمين فإنه لا يكون من أجل إسقاط طبقة لطبقة أخرى، أو علو فئة على أخرى، إنما يكون ذلك في الغالب من أجل الوصول إلى الحق، وإلى دفع الخطأ والخطر عن الناس، هذا أمر طبيعي. ولا يجوز أن يفسر على أنه صراع طبقي كما يفسره الملاحدة حسب نظرياتهم المادية.
стр. 190
قد يكون النزاع إما أمر بمعروف أو نهي عن منكر، وليس هو من قبيل الحرب الاقتصادية أو بسبب الملكية الفردية أو الجماعية كما يزعم الملاحدة، أو أنه حرب طبقات، ومن أقوى ما يدل على كذب الملاحدة في زعمهم أن نزع الملكية الفردية ينهي الصراعات، ويؤلف القلوب ويساوي بين طبقات المجتمع كلهم فيعيشون عيشة ملائكية، من أقوى ما يدل على كذبهم هذه الصراعات التي لا نهاية لها بين مختلف معسكرات الشيوعية، مع أن الملكية الفردية لا وجود لها في دستورهم، فلماذا إذًا هذه الصراعات وعلى أي شيء؟! وصدق الله حين يقول: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر: ٤٣)، كما أن زعمهم أن الصراع هذا لا يزول إلا بزوال الملكية الفردية كلام كاذب، فإن الصراع باق والملكية الفردية كذلك لن تزول من نفوس الناس.
والدليل على ذلك أن الصراع لم ينته مع وجود القمع الشديد للملكية الفردية في البلاد الماركسية، بل إن الصراع لا يمكن أن ينتهي ليس بين الناس فحسب بل والحيوانات كلها. قد عاش الناس في ظل النظام الشيوعي حقبة من الزمن، وهم ينتظرون تلك الجنة الموعودة التي وعد بها "كارل ماركس"، بعد أن وضعت الحرب الطبقية أوزارها، وبعد أن قضى النظام الماركسي على الملكية الفردية بكل وحشية عرفتها البشرية، انتظر الناس ذلك اليوم الذي يزول فيه الصراع الطبقي بكل أشكاله، فلا يبقى صراع ولا أحقاد ولا حاكم ولا جيش ولا سجون يعيشون كالخراف الأليفة، ولكن ماذا كانت نتيجة هذا الانتظار؟! لقد عاش المجتمع الشيوعي صراعًا طبقيًّا مريرًا، سواء أكان على مستوى الأفراد أو على مستوى الدولة، إلى أن هدأت عاصفة الشيوعية، كيف لا يحصل صراع بين جماعات قامت في الأساس على الصراع، بل وعلى مشروعية الصراع وضرورته لقيام حكم "البروليتاريا" كما يزعمون، حتى أصبح الصراع
стр. 191
والثورات والقتل والاغتيال من أسس بناء الماركسية، دون أن تظهر أدنى إشارة إلى تلك الجنة المزعومة الماركسية.
ومثل هذه الكذبة وقعت أيضًا الكذبة الأخرى؛ وهي القول بأن الناس كلهم سيعيشون حياتهم في مستوى واحد وعلى طبقة واحدة، بلا تفاضل بينهم عندما تكتمل الشيوعية وتطبق وفق ما قرره اليهودي "ماركس"، وإذا سألت عن سر بقاء الحكومة في البلاد الشيوعية فإن جوابهم: إن هذه الحكومات القائمة إنما هي حكومات مؤقتة، وستنتهي بانتصار الشيوعية على كل الأنظمة المناوئة لها؛ الناس حينئذٍ سيعيشون دون مشكلات، سيعيشون بلا صراع يتطلب تدخل قوة عليا، سيعيشون بلا فقر يسبب المشكلات؛ لأن الناس حينئذٍ يكونون على مستوى رفيع -كما يزعمون- في الأخلاق والسلوك الطيب، والرقابة الذاتية التي هي أقوى من الرقابة الخارجية، ولا ملكية فردية تسبب الخصومات وتسبب الاستئثار بالمال والرغبة في جمعه، هكذا زعم الملاحدة.
ولكن السؤال المهم هو: هل ستتحقق هذه الأحلام السخيفة في يوم من الأيام، أو هل تحققت في يوم من الأيام بالدليل المقنع، أم أنها خدع كاذبة وتضليل للشعوب المغلوبة على أمرها كما هو الواقع؟! إن الإسلام يعتبر الفكر الماركسي في ناحيته الاقتصادية فكرًا فاشلًا، مخالفًا للعقل والفطرة السليمة، ويعتبر أنه قام على نظريات جاهلة أخطأت الطريق الصحيح للاقتصاد النافع، وبدلًا من أن توجه جهود المجتمع لمساعدة بعضهم بعضًا، إذا بها تحرم الملكية الفردية، وتشعل مكامن البغضاء وتثير الصراعات الطبقية بين الناس بحجة سخيفة، وهي أن ترتفع الطبقة الكادحة بزعمهم، وألا تتكدس الأموال في ناحية دون أخرى وعند قوم دون آخرين، وكل ذلك ليس هو الحل الصحيح ولا الحل الذي تستقيم به الحياة وتسعد به الشعوب، وهذا الحل مرفوض جملة وتفصيلًا، ويعتبره الإسلام تدخلًا
стр. 192
فيما لا ينبغي للبشر سلوكه، فالناس كلهم عبيد لله في الإسلام، والمال مال الله، والرزق بيد الله يؤتيه من يشاء، لا يؤخره حرص حريص ولا ترده كراهية كاره.
فالملكية الفردية حق اقتضته الفطرة واقتضته الضرورة لصلاح الأحوال، وعلى الجميع أن يعضد بعضهم بعضًا بالتي هي أحسن، فلا صراع ولا بغي ولا عدوان، ولم يجعل الإسلام للشخص مطلق الحرية في أمواله ينفقها بإسراف أو يمسكها كما يحلو له، بل هو محاسب عليها ومسئول عنها، وعليه حقوق فيها يجب أن يؤديها، وإذا كان في الأغنياء من طغى وتجبر فهؤلاء لهم ما كسبوا وعليهم ما اكتسبوا وسينالون جزاءهم، ولا يبرر فعلهم هذا أن نحارب الملكية الفردية، أو نقيم الصراع الطبقي بين الناس وبين المجتمعات، فإن في أولئك التجار والأغنياء من اتصف بالعطف والتسامح ومساعدة المحتاجين دون منة ولا أذى، والحكم على طبقة الأغنياء كلها بأنهم احتكاريون وانتهازيون، وأنهم هم العقبة الكئود في طريق غنى الفقراء وارتفاع معيشتهم، إن هي إلا خرافات سخيفة وأوهام باطلة، وقد دلت التجارب الشيوعية على فشل هذه الفكرة الخاطئة، حين أفقرت الأغنياء وأتعست الفقراء وملأت القلوب حقدًا وغضبًا، وأتعست الحالة الاقتصادية ونشبت الصراع الطبقي على أشده دون رحمة.
وفي التاريخ الإسلامي أمثلة مشرفة للمجتمع حينما تصفو القلوب وتزول البغضاء، فقد كان في الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- أغنياء وكان فيهم فقراء، وكان أحدهم يقول لصاحبه: عندي زوجتان انظر أعجبهما إليك فأطلقها وتتزوجها، وعندي من الضياع كذا وكذا أتنازل لك عن نصفها، فيقول له الصحابي الفقير المهاجر: بارك الله لك في مالك وبارك الله لك في أهلك، ولكن دلني على السوق، فيذهب ويعمل ويرزقه الله تعالى.
стр. 193
وكان في الصحابة -رضوان الله عليهم- من يملك الأموال الكثيرة مثل الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف ﵁ ولم ينقم عليه أحد فيها، وقد أنفق سيدنا عثمان بن عفان ﵁ ألف بعير في سبيل الله، وغير ذلك من الأمثلة المشرقة التي قام عليها الإسلام بعيدًا عن الصراعات الطبقية البغيضة، ذلك أن الإسلام يعالج المشكلة القائمة دون النظر إلى أسبابها، كما أنه يأتي بالحلول التي لا مضرة فيها على أحد، إذ إنه في الإسلام لا ضرر ولا ضرار، بينما الشيوعية الحمراء عالجت المصائب بمصائب أفدح منها.
مع أن ما أقدمت عليه الشيوعية في الأحوال الاقتصادية ليس فيه أي علاج وليس فيه أي دواء، بل هو الداء بعينه وهو الذل وهو خنق الحريات، فالسجون في البلاد الشيوعية مملوءة والجواسيس منتشرون والمجاعة فاشية، إنه سجن كبير وقبضة حديدية، فالشعوب غاضبة ولكن الويل لمن تفوه بكلمة نقد. وأين هذا السلوك من حرية الإسلام التي مثلًا كان الرجل يقول لمعاوية: والله لتستقيمن بنا يا معاوية أو لنقومنك، فيقول معاوية: "بماذا؟ "، فيقولون: بالخشب، والخشب هو السيف الصقيل، فيقول معاوية -وهو الخليفة الذي يحكم نصف الأرض في هذا الزمن- يقول: "إذًا أستقيم"، فأي طاغوت من طواغيت الحكم في النظم الشيوعية يتحمل ما هو أدنى من هذا الكلام؟!.
أما ما زعموه من أن الطبقات القوية هي التي تحكم وتشرع لبقية الطبقات وتستعبدها، فإن هذا صحيح ولكنه أيضًا لا يوجد إلا في النظم الجاهلية، الذين يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، والذين يصبح الظلم عندهم من شيم النفوس، فإن وجد ذا عفة فلعله لا يظلم، كما عبر ذلك أحد الشعراء الجاهليين قديمًا، ولكن هل هذه الحقيقة التي لابد منها أو هذا هو الخيار الذي لا خيار سواه؟!.
стр. 194
كلا بل هناك عقيدة فيها الحل الصحيح دون المرور بتلك الطرق المظلمة الظالمة. إن هذا الطريق هو العقيدة الإسلامية، التي تجعل صاحب المال وتجعل الفقير إخوة متساويين متضامنين، ربهما هو الله وهو رب الجميع وحكمه ينفد في الجميع، لا فضل لأحد على آخر إلا بالتقوى ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وليس هناك طبقات هم السادة والحاكمون المالكون وطبقاتهم العبيد المستذلون إلا في النظم الجاهلية، التي لا تقيم للإنسان وزنًا إلا من خلال ما يملك من المال والجاه، فيبدو المال بهذه الصورة هو السبب في الظلم والطغيان، بينما الواقع الصحيح هو خلاف ذلك، فإن المال والملكية الفردية من الظلم أن يُحملا طغيان المنحرفين ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الأنعام: ١٦٤)، إن الذي يطغيه المال وتطغيه الملكية الفردية هو شخص منحرف في الأساس فاسد الطباع، سواء كان له مال أو لم يكن له مال، ذلك أن المستقيم على الحق القائم بأمر الله لا يطغيه المال، وإنما يستعمله في أعمال الخير ووجوه البر المختلفة، مراقبًا فيه ربه متيقنًا أن المال ظل زائل وعارية مستردة، وأن الدنيا شدة بعد رخاء ورخاء بعد شدة.
أما ما يزعمونه من مفهوم المساواة في الأجور في النظام الشيوعي، وقد زعموا أنه مكفول للجميع، فقد حملهم على القول به ما زعموه من أن البشرية كانوا في أصل نشأتهم يعيشون عليه، متساوين كلهم في الحقوق بلا ملكية فردية، الكل للجميع في المأكل والملبس والمسكن والنساء، لا فرق بين شخص وآخر، حتى جاءت الرأسمالية والملكية الفردية فقلبت تلك الأوضاع التي تريد الشيوعية أن ترجعهم إليها مرة أخرى، وهذا لا يتحقق في نظرهم إلا بأن تضع الدولة يدها على كل وسائل الإنتاج والعمل، ومن ثم يأخذ كل شخص ما يستحقه من قبل الدولة، وهذه الدعاية جذابة في ظاهرها ولكن هل تحققت فعلًا، هل تحقق هذا فعلًا في النظام الشيوعي، فأعاد إلى الناس سعادتهم التي كانت في الشيوعية
стр. 195
الأولى بزعم هؤلاء، وهل ساوت الدولة الشيوعية بين العمال فعلًا فلم يعد هناك تمايز بين شخص وآخر وبين حاكم ومحكوم؟!.
لا شك أن الواقع الذي انجلت عنه الشيوعية بعد اندحارها يكذب تلك الدعايات، ويخبر أن الشيوعية إنما نجحت في مساواة الناس كلهم في الفقر وفي الحاجة، وليس في الغنى والسعادة؛ لأنه لا يوجد أي حافز يجده الشخص حتى يبذل أقصى جهده في العمل، ليجد جهده مستقرًا في يد الدولة التي لا تعطيه إلا بقدر حاجته الضرورية، وما الذي ينفعه أن يقال له: إن جهدك وعملك حينما يذهب إلى الدولة إنما هو إسهام منك في تقوية الدولة؛ لتتمكن من إظهار الشيوعية ولتقمع أعداءها إن فكروا في الاعتداء عليها، ما الذي ينفعه حين يقال له: إنه بذلك الجهد في العمل -مع أنك لا تأخذ إلا ما يكفي حاجتك الضرورية- دليل على سلوكك الطيب، وأنك تخالف الرأسمالية الغربية فأنت مواطن طيب، ما الذي ينفعه من وعود الملاحدة بأنه سيعيش في جنة عالية بعد أن تتمكن الشيوعية من بسط نفوذها على كل الأرض؟! وكيف تقتنع نفسه بهذه الحالة البائسة التي يعيشها، في الوقت الذي يرى فيه وجهاء القوم وأصحاب السلطة يعيشون في ترف لا حد له، يعيشون في مساكن فاخرة وسيارات فارهة وبساتين نضرة وخدمًا وحشمًا، وهم يتظاهرون بالدفاع عن الطبقة الكادحة ويتظاهرون بمحاربة الرأسمالية؟!.
إن كل ذلك يدعو الشخص -إن كل له عقل- إلى القلق والاضطراب والثورة على كل تلك الأوضاع، ومجازاة من كان السبب فيها، وهو ما حصل بالفعل في ثورات متتالية، تمت في عهد "جورباتشوف" على الشيوعية ونظامها البغيض، وأطاحت الشعوب بأولئك الخبثاء وقضوا عليهم بكل شدة في كل البلدان التي
стр. 196
تنفست الصعداء من الكابوس الماركسي، وهكذا نجد أن زعمهم المساواة في الأجور إنما هي المساواة في الفقر وليس في الأجور.
وفي الختام يتضح لنا مما سبقت دراسته أن الأسس التي تقوم عليها الشيوعية هي:
أولًا: إلغاء الملكية الفردية واستبدالها بالملكية العامة المتمثلة في الطبقة الحاكمة، للوصول إلى إلغاء الصراع الطبقي من المجتمع البشري، بإلغاء الباعث عليه وهو الملكية الفردية.
ثانيًا: توزيع الناتج على الأفراد كل بحسب مساهمته في الإنتاج وحاجته، وهو المبدأ الذي يعبرون عنه بقولهم: من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته.
ثالثًا: الإشباع الجماعي للحاجات وليس الربح وهو مبدأ المساواة في الأجور.
رابعًا: التخطيط للنمو الاقتصادي، وكفالة الدولة لجميع المواطنين في مقابل تكليف القادرين منهم بالعمل رجالًا ونساءً.
خامسًا: القضاء على الحرية الفردية.
سادسًا: إلغاء الكثير من العلاقات الاجتماعية المتوارثة، كنظام الميراث والهبة؛ بل وإلغاء كافة الطبقات الموجودة في المجتمع، بإقامة ديكتاتورية "البروليتاريا" أو الطبقة الكادحة.
سابعًا: إنكار الدين ومحاربته.
ثامنًا: إلغاء الحكومة في المستقبل حين تقوم الدولة الشيوعية لعدم حاجة الناس إليها، إذ إن أساس الشرور قد انتهى وهو الملكية الفردية، فستلغى الحكومة ويقام مجتمع متعاون متعاطف بغير حكومة، أي أن يحكم الشعب نفسه بنفسه، هذه أهم الأسس التي قامت عليها الشيوعية.
стр. 197
ولكن جاءت النتائج في التطبيق الفعلي لتلك الأسس على النحو الآتي بالإضافة إلى ما سبق بيانه:
أولًا: انعدام الحرية الاقتصادية الفردية.
وثانيًا: انعدام الحافز الفردي.
وثالثًا: عدم تجويزهم الملكية الفردية.
ورابعًا: حكم الشعوب بالحديد والنار.
وخامسًا: فشل مبادئ الشيوعية جميعًا فشلًا ذريعًا.
وسادسًا: محاربتها للأديان.
وسابعا: ظهور الكثير من المفاسد الاجتماعية في المجتمعات الشيوعية التي حكمت بهذا النظام اللعين، من هذه المفاسد الرشوة والغبن واللاأخلاقية وتفشي الرذائل بكل صورها وأشكالها.
والسر في ذلك أن المذهب الشيوعي -كما رأينا في عرضه- هو مذهب شامل، وليس كما يدعي البعض أنه مذهب اقتصادي، فهو مذهب شامل لجميع النواحي عقدية كانت أو مادية، فمن تصور أن الشيوعية مذهب اقتصادي بحت لا شأن له ببقية الأمور العقدية والتنظيمية فهو مخطئ، خدعه زعم الملاحدة أن أصل كل الحياة بأنظمتها ومعتقداتها وجميع شئون الإنسان إنما كان أصلها المادة، وهو زعم كاذب كما بيناه. بنوا عليه النظرية الشيوعية التي جعلوا واجهتها الكبيرة التركيز فقط على الناحية الاقتصادية؛ خداعًا للناس ونفاقًا، وإن أول ما يبطل هذا الزعم هو أن يقال لهم: إذا كانت الشيوعية لا شأن لها إلا بإصلاح الأمور الاقتصادية فقط، فما بال الاضطهاد الديني هو الشاغل الأول لدول
стр. 198
الشيوعية، ولماذا كثرت الضحايا التي لا يعلمها إلا الله في سبيل إعلاء العقيدة الشيوعية؟! فالواقع أن الجانب الاقتصادي هو أقل الجوانب أهمية في النظام الشيوعي، بل لا يكاد يقارن بما توليه الشيوعية من اهتمام بالجوانب العقدية الفكرية.
زعامة الشيوعية الماركسية وأهم مصطلحاتهم
أول زعماء الشيوعية الإلحادية وأشهرهم هو "كارل ماركس"، الذي تنسب إليه العقيدة الماركسية المنتشرة في شتى أنحاء المعمورة. وقد ولد في سنة ١٨١٨ ميلادية، ومات سنة ١٨٨٣، وكان على صلة وثيقة بصديقه "فردريك إنجلز" الذي صاغ معه البيان الشيوعي المشهور باسم البيان الشيوعي سنة ألف وثمانمائة وسبعة وأربعين، قد تنقل "ماركس" في عدة بلدان من أوروبا وألف كتابًا سماه كتاب (رأس المال) الذي أصبح المرجع والدستور للشيوعيين، اشتمل على عبارات وتسميات كثيرة تدور حول المال وأصحاب المال، ووجوب التغيير للمجتمعات رأسًا على عقب.
إن هذه المصطلحات التي يطنطن بها الشيوعية مصطلح البرجوازية، وهم يقصدون به طبقة الأغنياء، أما الرأسمالية فهم يقصدون بها النظام الذي يقوم على جمع المال بأية طريقة كانت في الدول الغربية، أما "البروليتاريا" فهم طبقة العمال الفقراء أو نظام التملك العام ومنع الطبقات، أما مقصودهم بديكتاتورية "البروليتاريا" فهي حكم العمال أو الفقراء حينما يتحقق حلمهم بإزاحة طبقة الأغنياء. أما مصطلح المادية فكل موجود إنما كان سبب وجوده المادة، التي نتج عنها بطبيعتها وهي سابقة للروح وسائر إحساسات الإنسان بزعمهم، أما المادية الجدلية فيقصد بها تغليب المادة على كل شيء ومنها الأفكار، فإن الأفكار كلها
стр. 199
ناتجة عن المادة لا أن المادة ناتجة عن الأفكار، ولهذا فإن التناقض لا يكون بين الأفكار إنما يكون بين نظامين قائمين يتولد عنهما ثالث كما يقولون، أما المادية التاريخية فالمقصود بها تفسير التاريخ البشري تفسيرًا ماديًّا، قائمًا على المادة وتأثيرها في مجريات التاريخ البشري وما يقع بينهم من أحداث.
أما مصطلح فائض القيمة فقد تحدثنا عنه في دراستنا عن الاشتراكية، وأما مصطلح إلغاء الملكية الفردية فالمقصود به أنه لا يحق لأي فرد أن يملك شيئًا من الموارد بمفرده، بل لابد أن تكون الملكية عامة على جميع أفراد الشعب وبيد الدولة، وأما صراع الطبقات فالمقصود به التحريش بين الأغنياء والفقراء، والاستئثار بالمال لوصول طبقة "البروليتاريا" إلى الحكم والسلطة، وأما الإقطاع فهو النظام الذي كان معترفًا به أيام تسلط الأباطرة ورجال الدين النصراني على الفقراء، واقتطاعهم الأراضي الواسعة وحرمان الفقراء منها، بل جعلهم عبيدًا لأصحاب الإقطاعيات يباعون مع بقية كائنات الإقطاعية.
وبعد هلاك "كارل ماركس" تتابع على القيام بأمر الشيوعية جمعيات وأفراد ورؤساء، يغذيهم الحقد اليهودي في مؤامرات وثورات وفتن، يتلو بعضها بعضًا على أيدي أشرار خلق الله من الثوريين الشيوعيين. فبعد "كارل ماركس" و"فردريك إنجلز" جاء من بعدهما "ستالين" و"لينين" إلى "بريجنيف"، وقد برز منهم "لينين" و"ستالين" و"تروتسكي". وقد تزعم "لينين" سنة ١٩١٣ الثورة الشيوعية العارمة على النظام الرأسمالي، إلى أن مات سنة ١٩٢٤، ثم نشب صراع بين "ستالين" و"تروتسكي" استطاع "ستالين" ذلك الجبار العنيد أن يخرج منتصرًا بمؤامرة تمت باغتيال "تروتسكي" ١٩٤٠، تم الأمر لـ "ستالين" الذي أقام الشيوعية قوية أنيفة في روسيا، وفي البلدان التي دارت في فلكها، وتعززت كذلك بانضمام الصين إلى الشيوعية الماركسية سنة ١٩٥٠، وقامت الأحزاب وتعددت، إلا أن أهم هذه الأحزاب القائمة كانت في البداية تتمثل في حزبين هما: حزب "البلاشفة"، وحزب "المنشفيك".
стр. 200
و"البلشفية" و"المنشفية" تعني الأكثرية والأقلية، وهما الحزبان الأساسيان في تكوين الاشتراكية الشيوعية في روسيا؛ لقلب نظام الحكم واستلام السلطة، وكان حزب "البلاشفة" بزعامة "لينين" هم الأكثرية، ولذا كانوا يقولون لهم: "بلاشفة" أي الأعضاء الغالبية، بينما حزب "المنشفيك" كانوا هم الأقلية أي أقل من حزب "البلاشفة". وقد تزعمهم "بليخانوف" وكانوا كلهم على مبادئ "ماركس"، ولكنهم كانوا يختلفون في الطريقة التي سيتم بها تغيير روسيا إلى إظهار الشيوعية، وتطاحنوا فيما بينهم على الفريسة، وقد تم أخيرًا على يد "لينين" الاستحواذ على السلطة وانفصلوا عن "المنشفيك" نهائيًّا، وكونوا الحزب الشيوعي الروسي الذي قضى على عناصر "المنشفيك" فيما بعد، وكان الانفصال بين الحزبين قد ظهر في الحرب العالمية الأولى، حيث كان "البلاشفة" ينادون بإحلال السلام، وخالفهم في ذلك "المنشفيك" بل وعارضوا التعاون مع الأحزاب البرجوازية، وتوالت الأحداث إلى أن جاء "لينين" فأصبح "البلاشفة" هم الأغلبية التي قضت بعد ذلك على "المنشفيك" في صراع مرير ومؤامرات ومكائد حاقدة، كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله.
قيام الدولة السوفيتية وسقوطها وانتشار الشيوعية ومواقع نفوذها
حكمت الشيوعية عدة دول منها: الاتحاد السوفيتي والصين وتشيكوسلوفاكيا والمجر وبلغاريا وبولندا وألمانيا ورومانيا ويوغسلافيا وألبانيا وكوبا وفيتنام، ومعلوم أن دخول الشيوعية إلى هذه الدول كان بالقوة والنار والتسلط الاستعماري، ولذلك فإن جل شعوب هذه الدول أصبحت تتململ بعد أن عرفت الشيوعية على حقيقتها، وعرفت أن الشيوعية ليست هي الفردوس الموعود الذي صوروه لهم، وبالتالي بدأت الانتفاضات والثورات تظهر في هذه الدول هنا وهناك.
стр. 201
كما حدث مثلًا في بولندا والمجر وتشيكسلوفاكيا، كما أنك لا تكاد تجد دولتين شيوعيتين في وئام دائم، أما في العالم الإسلامي فقد استفاد الشيوعيون من جهل بعض الحكام، وحرصهم على تدعيم كراسيهم ولو على حساب الدين، إذ اكتسحت الشيوعية أفغانستان وشردت شعبها المسلم، كما تحكمت في بعض الدول الإسلامية الأخرى بواسطة عملائها، فهي تقوم بتوزيع ملايين الكتيبات والنشرات مجانًا في جميع أنحاء العالم داعية إلى مذهبها. وقد أسست الشيوعية أحزابًا لها في كل الدول العربية والإسلامية تقريبًا، فنجد لها أحزابًا في مصر في سوريا في لبنان وفي فلسطين وفي الأردن وفي تونس وغيرها، وقد انهارت الشيوعية في معاقلها بعد قرابة السبعين عامًا من قيام الحكم الشيوعي، وبعد أربعين عامًا من تطبيق أفكارها في أوروبا الشرقية.
وأعلن كبار المسئولين في الاتحاد السوفيتي قبل تفككه أن الكثير من المبادئ الماركسية لم تعد صالحة للبقاء، وليس بمقدورها أن تواجه مشكلات العصر ومتطلباته، مما تسبب في تخلف البلدان التي تطبق هذا النظام عن مثيلاتها الرأسمالية، وهكذا يتراجع دعاة الفكر المادي الشيوعي عن تطبيقه، قد اقتنع الجميع بأنها نظرية فاسدة يستحيل تطبيقها؛ إذ تحمل في ذاتها بذور فنائها، وقد ظهر لمن مارسوها عدم واقعيتها وعدم إمكانية تطبيقها، وتبين بعد انهيارها أنها لم تفلح في القضاء على القوميات المتنافرة، بل زادتها اشتعالًا ولم تسمح بقدر -حتى ولو ضئيل- من الحرية، بل عمدت دائمًا إلى سياسة الظلم والقمع والنفي والقتل، وحولت أتباعها إلى قطيع من البشر، وهكذا باءت جميع نبوءات "كارل ماركس" بالفشل، وأصبح مصير النظرية إلى مزبلة التاريخ، ثم انتهى الأمر بتفكك الاتحاد السوفيتي ذاته وأصبح اسمه مجرد أثر في تاريخ المذاهب الهدامة.
وصلى اللهم وسلم على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 202
الدرس: ١٣ التفسير المادي للتاريخ والأطوار المزعومة له والرد عليه .
стр. 203
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثالث عشر
(التفسير المادي للتاريخ والأطوار المزعومة له والرد عليه)
علاقة التفسير المادي للتاريخ بنظرية التطور
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين، سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
والمادية التاريخية -كما هو واضح من تسميتها- هي محاولة لتفسير التاريخ البشري على الأسس المادية، التي يزعم الشيوعيون الملحدون أنها هي أساس وجود هذا الكون، فهم يقولون: إن المادة أزلية أبدية وأنها هي الخالقة لكل ما في الكون من مخلوقات، وأن الإنسان هو نتاج المادة والفكر نتاج المادة، وأن قوانين المادة هي بذاتها التي تحكم حياة البشر الاجتماعية، وأن الوضع المادي والاقتصادي هو الذي يكيف شكل الحياة البشرية في أي وقت من أوقاتها وفي أي طور من أطوارها، وأنه هو الأصل الذي تنبثق منه الأفكار والمشاعر والمؤسسات والنظم، التي ينشئها البشر في حياتهم، وأنه يأتي دائمًا سابقًا لها ولا تجيء هي سابقة له بحال من الأحوال؛ لأن المادة تسبق الوعي ولا يمكن للوعي أن يسبق المادة، وأن الوضع المادي والاقتصادي في تطور دائم، ومن ثم فإن الأفكار والمشاعر والمؤسسات والنظم التي تنبثق عنه دائمة التطور كذلك، بحكم ارتباطها بالوضع المادي والاقتصادي وانبثاقها عنه.
والحقيقة أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين المادية الجدلية والمادية التاريخية، بحيث يصعب الفصل بينهما، بل هم أنفسهم يقولون ذلك، فقد جاء في كتاب (المادية التاريخية): "إن المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية تظهران كعلم واحد وكفلسفة متكاملة، فلا المادية التاريخية معقولة بدون المادية الديالكتيكية، ولا المادية الديالكتيكية ممكنة بدون المادية التاريخية، فبماذا نفسر ذلك؟ -والكلام لا زال لصاحب الكتاب-:
أولًا: لأنه لا يمكن وضع نظرة مادية ديالكتيكية عن العالم ككل إذا لم يتوفر التفسير المادي للحياة الاجتماعية، إذا لم يكن قد اكتشف أن المجتمع هو أيضا
стр. 204
شكل لحركة المادة وخاضع في تطوره لقوانين موضوعية، كقوانين الطبيعة المادية والديالكتيكية، فالديالكتيكية غير ممكنة بدون المادية التاريخية.
وثانيًا: لأن الإجابة الصحيحة عن المسألة الأساسية في الفلسفة تدور حول أولوية المادة وثانوية الوعد، والإجابة على هذه المسألة غير ممكنة بدورها بدون توضيح سبب وكيفية ظهور الوعي الإنساني، والدور الذي لعبه في ذلك التطبيق العملي الاجتماعي التاريخي للناس؛ إذ إن هذه الإجابة على هذا السؤال تقدمها المادية التاريخية".
وجاء في نفس الكتاب أيضًا: "إن تحريف المادية الديالكتيكية يؤدي حتما إلى تشويه المادية التاريخية، فالمادية التاريخية لا تتوافق مع أية فلسفة أخرى غير المادية الديالكتيكية، إن الاعتراف بالمادية التاريخية مع نكران المادية الديالكتيكية ليس إلا زيفا خالصًا سفسطة مقززة هكذا يقولون".
وربما يحق لنا أن نبدأ الحديث عن المادية التاريخية من نقطة صلتها بالداروينية ونظرية التطور؛ لأن ذلك قد يلقي الضوء على بعض مفاهيمها، ولا يهمنا هنا أن نتعرض لتفصيلات نظرية "داروين" بقدر ما يهمنا أن نتعرض لإيحاءات هذه النظرية وأثرها على التفسير المادي للتاريخ.
وتتلخص نظرية "داروين" في التطور بما يلي، فهو يقول: إن الحياة ظهرت أول ما ظهرت على شكل بروتوبلازم الذي هو أصل الحياة في النبات وفي الحيوان، وبعد ذلك ظهر الحيوان الدودي ومنه الرخويات كالحلازيم ثم تطورت الشوكيات كنجوم البحر ثم القشريات كالسراطين، ثم ظهرت صور جديدة من الحيوان هي عشائر ذوات صفات مستحدثة، دل وجودها على وقوع انقلاب خطير في سير الحياة، وأصبح لهذه الصورة الجديدة حبل متين يمتد طوال الجسم، تدرج بواسطة
стр. 205
التطور إلى تكوين الفقرات، ثم تنشأ الفقاريات واللافقاريات وبعد ذلك تنشأ البرمائيات ذوات التنفس كالضفادع، ثم تدرج سلم التطور من البرمائيات إلى الزواحف كالحيات والتماسيح، ومن فروع الزواحف تنشأ الطيور وذوات الثدي، ومن ذوات الثدي تنشأ الثعابين والقردة ثم تنشأ البشرانيات.
ومن هنا نرى أنه بالتطور قد وجدت جميع الكائنات الحية، فخرج بعضها من بعض على طول الأحقاب الجيولوجية، إذن فالإنسان تدرج في سلم التطور الحيواني حتى وصل إلى وضعه الحالي ولم يخلق خلقًا مباشرًا، ولم يكن هناك قصد من خلقه، إنما هو قد جاء هكذا نتيجة لعملية التطور البطيئة جدا، والتي استغرقت ملايين السنين، ولقد تعرضت نظرية "داروين" منذ ظهورها إلى نقد عنيف من كثير من العلماء حتى من الداروينيين أنفسهم.
ولكن لماذا يتشبث بهذه النظرية علماء الغرب والمتأثرون بها من علماء الشرق الإسلامي، على الرغم من هذه الاعتراضات الكثيرة والانتقادات التي وجهت إلى هذه النظرية؟:
إنه الفصام النكد والعداوة الشرسة التي قامت بين الدين النصراني المحرف في أوربا والعلم، فقد خلفت الداروينية في الفكر الغربي آثارًا بالغة الخطورة، من أهمها: انهيار العقيدة الدينية، فقد كانت النصرانية المحرفة -وما زالت- تعتقد أن الله خلق آدم وحواء ونهاهما عن الأكل من الشجرة، فأكلا منها فارتكبا بذلك خطيئة لا تغتفر، وحين جاء "داروين" بنظريته معلنًا أن الإنسان لم يخلق خلقًا مباشرًا، كانت النتيجة أن تزعزع الإيمان بآدم وحواء وجنة عدن والخطيئة التي يقوم عليها صرح الإيمان النصراني، وما دام الإنسان الأوروبي لا يعرف إلا الدين النصراني المحرف، فإنه سيجد نفسه تلقائيًّا ملحدًا بالعقيدة التي تقوم على أساس باطل في نظر العلم الدارويني.
стр. 206
ومن آثار هذه النظرية أيضًا في الفكر الأوروبي هو نفي فكرة الغاية والقصد، فقد جاءت الأديان للتذكير بأن للوجود الإنساني غاية ومقصدا على هذه الأرض، فلما ظهرت نظرية "داروين" على مسرح التفكير الأوربي أسرعت وقالت: إن الإنسان وليد جرثومة تعاقب عليها خط التطور حتى وصلت إلى وضعه الحاضر، وإن عوامل الطبيعة العمياء التي تخبط خبط عشواء -كما قال "داروين"- وراء عملية التطور هذه، وعلى هذا الأساس فمن العبث البحث عن غاية ومقصد من خلق الإنسان.
ومن آثار هذه النظرية أيضا حيوانية الإنسان وماديته، فقد هزت هذه الفكرة المجتمع الأوربي هزة عنيفة، ووجهت إلى الكرامة الإنسانية أعظم لطمة في التحقير عرفتها البشرية، وقد قال "داروين": "إن أصل الإنسان جرثومة صغيرة"!.
وهذا الإيحاء بحيوانية الإنسان زاد الأمر خطورة، وزاد من ذلك إيحاؤه بخضوعه للقوانين المادية وتحكمها فيه وهذا هو الإيحاء المادي للنظرية، فنظرية "داروين" تقدم تفسيرًا معينًا لتطور الحياة من الكائن الوحيد الخلية إلى الإنسان، لكنها تقرر جملة مبادئ، هذه المبادئ تأثرت بها المادية الجدلية وتأثرت بها المادية التاريخية، ومنها أن الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق، وأن الطبيعة تخبط خبط عشواء أي أنها ليس لها مقصد معين من الخلق وليس لها غاية من ورائه، وأن الظروف المادية المحيطة بالكائن الحي هي التي تحكم حياته كما تحكم تطوره، وأن الكائن الحي ليس حرًّا في اختيار طريقة حياته ولا طريقة تطوره، وإنما ذلك مفروض عليه من خارج كيانه من الظروف المادية المحيطة به، وأن الإنسان ليس خلقًا قائمًا بذاته إنما هو نهاية سلسلة التطور الحيواني السابق لوجوده، وأنه في تطوره الأول -الذي أوصله إلى حالته الراهنة- كان محكومًا بنفس الظروف المادية التي حكمت خط التطور السابق عليه، وأنه لا وجود لشيء ثابت في عالم
стр. 207
الأحياء؛ لأن قانون التطور هو الذي يحكم الحياة ويحكم الأحياء، يحكمها من خارج كيانها ودون خضوع لإرادتها وبصورة حتمية.
ولعله قد اتضح الآن كم أخذت المادية الجدلية والمادية التاريخية من الداروينية ونظرية التطور، ولكن فلننظر في أقوالهم هم لنرى ماذا يقولون في هذا الشأن ...
يقول "كرونفورث" في كتابه (مدخل إلى المادية التاريخية) يقول: "وتقدم المادية التاريخية أساسا للعلم الاجتماعي بنفس الطريقة التي تقدم بها نظرية التطور، عن طريق الانتقاء الطبيعي أساسًا للعلم البيولوجي، فأيًّا كان النوع الذي يدرس فإنه قد تطور عن طريق الانتقاء الطبيعي، وهذا يحدد كل حسب طبيعته وبالمثل أيًّا كان المجتمع الذي يدرس، فإنه أصبح ما هو عليه بتكيف علاقات الإنتاج مع الإنتاج والأفكار والمؤسسات مع علاقات الإنتاج".
وجاء في كتاب (أصول الفلسفة الماركسية) يقول: "وكان للاكتشافات الثلاثة التالية أثر كبير في ذلك: اكتشاف الخلية الحية التي تتطور عنها الأجسام المعقدة، واكتشاف تحول الطاقة من حرارة وكهرباء ومغناطيس وطاقة كيميائية، فهي صور مختلفة نوعية بحقيقة مادية واحدة، ونظرية التحول عند "داروين"، ولقد أظهرت هذه النظرية اعتمادًا على الحفريات وعلم تربية الحيوان أن جميع الكائنات الحية -ومنها الإنسان- هي ثمرات التطور الطبيعي".
وجاء في كتاب (أسس المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية): "وبذلك أعد تطور العلم وخصوصًا الاكتشافات الثلاثة في العلم الطبيعي -قانون حفظ الطاقة ونظرية التكوين الخلوي للكائنات الحية ونظرية التطور لـ "داروين"- المقدمات العلمية لانتصار النظرية المادية الجدلية عن العالم، التي وضعها "كارل ماركس" و"فردريك إنجلز".
стр. 208
التفسير المادي للتاريخ وأطواره المزعومة والرد عليه
قلنا: إن تاريخ الإنسان وجد عن طريق المادة في مفاهيم هؤلاء الشيوعيين، فهم يفسرون تاريخ الإنسان على طريقة الجدل المادي الديالكتيكي، على أساس أن قانون المادية الجدلية هي التي تصنع تاريخ الإنسان دون أي تدخل منه، بل إن حياة أي مجتمع هو ثمرة واقعه المادي، وحياة الناس العقلية هي انعكاس هذا الواقع، وليست الحياة الاجتماعية ثمرة أفكار سابقة، بل الحياة الاجتماعية للناس هي التي تحدد إدراكهم، فالمادة سابقة للفكر ومسيرة له -بزعم الملاحدة.
تاريخ الناس كذلك تصنعه المادة المتطورة بغير إرادة جماعية منهم؛ لأن طلب كل فرد تحقيق غايته وما ينشأ إثر ذلك من تباين الإرادات، وتأثير تلك الإرادات على العالم الخارجي هو بالضبط ما يشكل التاريخ لكل المجتمعات التي تنشأ، وفق أحوالهم المادية، والتاريخ ذاته يمر بمراحل هي في مذهب الملاحدة الماركسيين تتمثل فيما يلي:
المرحلة الأولى: المشاعية البدائية.
المرحلة الثانية: الرق.
المرحلة الثالثة: الإقطاع.
المرحلة الرابعة: الرأسمالية.
المرحلة الخامسة: الاشتراكية الممهدة للشيوعية.
المرحلة السادسة: هي الشيوعية الأخيرة، وهذه المرحلة السادسة هي التي تلغى فيها الطبقات كلها -كما يدعون.
стр. 209
وقد ذكر الباحثون أنه من الصعوبة -كما قلنا- تصور الفصل بين المادية الجدلية والمادية التاريخية، والملاحظ أن التفسير المادي للتاريخ لا ينفي القيم والأخلاق التي تصدر عن البشر، إلا أنه ينفي أن تكون لتلك القيم أو الأخلاق أو سائر السلوك وجود قبل وجود المادة والأوضاع الاقتصادية، أو أن تكون تلك القيم والأخلاق لها ثبات دائم، أو أن تكون تلك القيم والأخلاق من الله تعالى، بل إن تطور تاريخ المجتمعات البشرية هو قبل كل شيء مرهون بتطور الإنتاج البشري المادي، تاريخ البشر يرتكز أساسًا على المصالح المادية التي تربط الناس بعضهم ببعض، لا على أساس ديني أو سياسي أو أخلاقي ثابت، إذ القيم كلها في مفهومهم سراب لا قيمة لها، والغايات عندهم تبرر الوسائل على امتداد تاريخ البشر حسب تفسيرهم.
أما عن مدى صحة الأطوار التي تزعمها الشيوعية فنقول: إن ما زعمه "ماركس" من أن تاريخ البشر وما يمرون به في حياتهم من أمور مختلفة، إنما هو نتيجة لطريقتهم في الإنتاج، إن هو إلا كذب محض؛ فإن حياة الناس ومعايشهم والتغيرات التي يمرون بها لا تتوقف فقط على الإنتاج، والواقع خير شاهد على أن الذي يغير المجتمعات قد يكون أشياء كثيرة، غير وفرة الإنتاج أو قلة الإنتاج، فالفرق المختلفة وأصحاب المذاهب الوضعية واستعمار الناس بعضهم بعضا، والحروب التي تشتعل بينهم والغنى والفقر الذي يمرون به، وغير ذلك كلها من العوامل التي تحدث التغيير في المجتمعات ولا سبيل إلى إنكار هذا، مما يدل على أن قضية الإنتاج إنما هي جزء من الأجزاء الكثيرة التي تحدث التغيير في المجتمعات، وليس المال فقط كما قرره الملاحدة.
وكذلك ما زعمه الماركسيون من أن تاريخ البشر مر بالمراحل السابقة، إلى أن وصل إلى الشيوعية، هي في الحقيقة كلها مزاعم فارغة كاذبة، وقد ظهر كذبها
стр. 210
فإن "ماركس" زعم أن العالم الغربي المتطور سيترك الرأسمالية ويتحول حتما إلى الاشتراكية الشيوعية، فكان العكس هو الصحيح إذ رفض العالم المتطور فكرة الشيوعية، وتقبلتها الدول المتخلفة نسبيا كروسيا والصين، وقد بدأت تظهر في تلك البلدان العودة إلى الرأسمالية رويدا رويدا، خصوصا بعد أن بدأت الشيوعية تحتضر، كما أن ما يتنبئون به من أحداث ستحصل في المستقبل يدل على تناقضهم؛ لأنهم لا يؤمنون بأي شيء في المستقبل يدل عليه العقل، بل يؤمنون بما يدل عليه الواقع المشاهد الذي تفرزه الطبيعة فقط، إلى أن ماتت الشيوعية دون أن ينتقل الناس إلى الشيوعية الأخيرة، التي زعموا أنها ستقضي على جميع الطبقات فتبين كذب الشيوعية جملة وتفصيلا.
أما بالنسبة للمرحلة الأولى -وهي المشاعية البدائية- التي زعم الملاحدة أن الإنسان نشأ بدائيًّا كقطيع من الحيوانات، ثم أخذ يتطور إلى أن استطاع إنتاج أدوات العمل في تطوره التدريجي البطيء، وأنه اكتمل بفضل التعاون الذي قام بين أفراد البشر، وأنهم استطاعوا انتزاع حياتهم من الطبيعة التي كانت تغالبهم ويغالبونها، ثم أضافوا إلى هذا الافتراء افتراء آخر؛ وهو أن ذلك التطور قد اكتمل في الناس من غير إرادتهم ووعيهم، وأنهم انتصروا على الطبيعة بفضل تعاونهم المشاعي في الزراعة والصناعة وغيرهما، إلا أنه حينما انصرف بعض أفراد البشر إلى الإنتاج الفردي لا المشاعي ظهر التناقض بين الملكية الاجتماعية والطابع الفردي لعملية الإنتاج، فاصطدم هذا الوضع وتناقض مع الرغبة في الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، ونتج عن ذلك القضاء على النظام البدائي المشاعي، كحتمية طبيعية للتطور المستمر في الحياة قاطعة بذلك خط سيره.
ثم نشأ بعد ذلك الصراع الطبقي على المصالح المادية، فبدأ من هنا تاريخ الصراع الطبقي في المجتمعات نتيجة للتطورات المتلاحقة، ونتيجة لحياة الإنسان
стр. 211
فاصطدمت بالنظام الرأسمالي الذي يمثل سيادة أصحاب رؤوس الأموال على الفقراء وعلى الأفكار عموما، ثم نتج عن ذلك أيضا قيام قضية الرق الآتية، وهي المرحلة الثانية من المراحل التي يزعم الملاحدة أنها نشأت إثر صراع طبقي بين المنتصرين في الحرب والمهزومين من جهة، وبين أصحاب الأموال الدائنين وبين الفقراء المدينين من جهة أخرى، ولأسباب مادية أيضًا انهار أمر الرق تدريجيا؛ لأنه لم يعد كما يقولون تجارة رابحة، وأيضا فإن أولئك المنهزمين والفقراء حينما أحسوا في فترة من فترات تاريخهم للرق والعبودية التي يعانونها؛ أرادوا أن يثأروا لأنفسهم كما هو الحال في بقية الحيوانات الأخرى التي شاركتهم في النشأة الأولى.
وحصل الصراع الطبقي العنيف بين الفقراء والأغنياء، انتصر فيها الفقراء وجعلوا الأغنياء في النهاية عبيدا، ليبدأ الصراع أيضا على أشده كأنهم قطعان الثيران المتصارعين، وهنا تدخل الدين ليكون أداة روحية لاستعباد الجماهير، وإقامة كل الأشكال الراهنة للوضع الاجتماعي بما يعدهم به، بعد أن صبروا على ما هم فيه من البلاء والذل، وازداد النظام الاستعبادي ضراوة وصراعا، فنشأ الإقطاع هكذا تعليلهم لنشأة الرق وظهور التدين ونهاية الرق، وهذه كلها -كما نلاحظ- مجرد افتراضات خرقاء وليس لهم أي دليل إلا آراؤهم التي تخيلوها في نشأة الرق والإقطاع، وغيرها من التقسيمات التي أحدثوها، ولأنهم لا يعلمون أن حكمة الله تعالى اقتضت ألا يكون الأنبياء من أصحاب الثروة أو الجاه، فظنوا -والظن أكذب الحديث- أن الأنبياء إنما أتوا بما أتوا به محافظة منهم على حفظ أموالهم وتجاراتهم، وليبقى الكادحون أرقاء لهم دائما إن هم صبروا على ما هم فيه، وكما نعلم فإن هذه الخدعة لا مكان لها إلا في رأس إبليس ومن اتبعه من الملاحدة أصحاب الخيالات السقيمة.
стр. 212
أما المرحلة الثالثة من مراحلهم وهي مرحلة الإقطاع، الذي علل الملاحدة لظهوره بأن العالم كانوا على طبقتين: هم طبقة كبار الملاك وطبقة رجال الدين، وبقية الناس كانوا مسخرين مستعبدين لهاتين الطبقتين، وحينما ظهرت أدوات الإنتاج المتطورة كالمحراث الحديدي وغيره من الأدوات الجديدة، ظهر الإقطاع بشكل قوي، وصار المستعبدون تحت رحمة الملاك وتحت رحمة أصحاب الجاه، يعملون لحسابهم ولا ينالون إلا ما تجود به أيدي أولئك الأثرياء، في الوقت الذي كان فيه الأثرياء ورجال الدين قد تمالئوا على إبقاء تلك الطبقة الفقيرة في معزل عن التفكير السليم لحالهم، ولكن وبعد وقت أفاق الفلاحون ورأوا ما حل بهم من الغبن، فثاروا ضد تلك الطبقات الثرية والدينية لرفع الظلم الفاحش عنهم، ولكن ثورتهم كانت أضعف من إزاحة تلك الطبقات الثرية والدينية لما يأتي:
أولًا: لأنها ثورة غير منظمة.
وثانيًا: لحاجة الفقراء الشديدة.
وثالثًا: للقوة المتينة التي كان يتحصن بها الأثرياء وأصحاب الدين ...
إلا أن تطور الأمور الاقتصادية أخذت تحط من كبرياء أصحاب الثروة من الإقطاعيين، لتحل الرأسمالية بدل الإقطاع في حركات تطورية متلاحقة، تتمشى مع خيالات واضعي الماركسية، بغض النظر عن صحة هذا التعليل أو عدم صحته، فإن الإسلام يعتبر تلك الأوضاع كلها باطلة وجاهلية بغيضة، ما أنزل الله بها من سلطان، على افتراض وجود تلك الأحوال على الصورة التي تخيلها "ماركس" وأتباعه، فلا يجوز رد الحق بالخطأ والتخمين.
أما المرحلة الرابعة -وهي مرحلة الرأسمالية البرجوازية- فقد ظهرت كما يقول الشيوعيون الملاحدة لعدة أسباب؛ منها: استحواز هذه الطبقة في الأساس على
стр. 213
مصادر المال واستقراره في أيديهم، واختراع الآلات الحديثة التي حلت محل الأيدي العاملة من طبقات الإقطاع والرق؛ لعدم إنتاجهم بالكثرة التي تنتجها تلك الآلات، فصارت حالة الرق متناقضة مع حالة الإقطاع، فألغت بدورها حالة الإقطاع التي كانت قائمة على استعباد الكادحين للعمل للإقطاعيين النبلاء، وبحث الجميع عن رأس المال ثم ازدياد حجم التجارة في أوربا بدلا عن الزراعة.
والملاحظ أن أولئك الذين كانوا يطلبون العمل بأيديهم لم يكن دورهم كافيًّا لملء ما تحتاج إليه الحركة الصناعية القوية، كما هو الحال بالنسبة للآلات الحديثة، وهذا أحدث بدوره رد فعل لدى العمال لتحطيم الإقطاع المستند إلى الآلات الحديثة، بسبب التناقض مع القوى المنتجة النامية من جهة، وحاجة العمال من جهة أخرى إلى العمل والكسب، وهذا بدوره قد هيأ الجو لتصاعد قوة الرأسمالية، التي تسعى دائمًا لزيادة الإنتاج والمكاسب الوفيرة، وما نشأ بين أفرادها من تعاون مثمر في شتى المجالات، وقد جعلوا استغلال طبقة من الناس لطبقة أخرى هو أساس الحضارة؛ لكي يحصل التناقض الذي يوصل طبقة إلى الاستعلاء على طبقة أخرى، فما من شر لطبقة إلا وهو خير لطبقة أخرى وهكذا صراع دائم من أجل البقاء.
كما أن تجمع الشعوب واتحادها إنما يعود -حسب تفسيرهم- إلى المصالح الاقتصادية، التي قامت عليها الرأسمالية، غير أن الرأسمالية أصبحت مناقضة لمصالح طبقة "البروليتاريا" أي طبقة العمال، فكان لزاما على هؤلاء العمال أن يصارعوا طبقة الرأسمالية، وأن يطيحوا بها بالطرق الثورية، وأن يستبدلوها بالنظام الشيوعي الذي يستوعب تلك التناقضات ويصفيها، في مجتمع ليس فيه
стр. 214
طبقات يستغل بعضهم بعضًا، إنما فيه طبقة واحدة يكون الإنتاج فيها ملكًا مشتركًا بين الدولة، وهي خدعة شيوعية بارعة، ولكن هذا الصراع لا ينقل الناس مباشرة من الرأسمالية إلى الاشتراكية، بل يمر بمراحل تدريجية قبل انتقالهم من الرأسمالية إلى الاشتراكية ثم إلى الشيوعية، التي تحقق لهم مبدأ: من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته، والتي تتم بجهود ضخمة من العمل المتواصل لزيادة الإنتاج لتتحقق تلك القاعدة.
وهكذا يتضح بجلاء أن التعليلات الشيوعية كلها قائمة على مجرد خيالات وتصورات، ليس لها ما يسندها، بل هي ضد العقل والمصالح وضد الدين وضد الدنيا، وإن ما تصوروه عن بداية المجتمع المشاعي وظهور الرق والإقطاع والرأسمالية ثم الاشتراكية الممهدة للشيوعية؛ كل هذه الحلقات هي افتراضات وتخمينات، وأول ما يدل على كذبهم فيها أنهم لا يستطيعون أن يحددوا بداية كل مرحلة وظهور التي تليها تحديدًا دقيقًا، مع أنه حتى ولو حددوها لا يقبل منهم لعدم وجود أدلة على ذلك يقبلها العقل، وأنهم قد سلسلوا تلك الأحداث ليصلوا إلى النتيجة التي يهدفون إليها، وهي إظهار الشيوعية بمثابة الثمار الشهية اليانعة التي نضجت بعد الجد والاجتهاد، وتطور الأحوال من حال إلى حال، ولإظهار الشيوعية كذلك بمظهر المنقذ لتعاسة الإنسانية على مدى تاريخ الحياة البشرية على وجه الأرض، وكم علت تلك الأصوات وكم أخذت في طريقها من ضحايا، قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة في أيام "جورباتشوف"، الذي تولى رئاسة الاتحاد السوفيتي بعد "يوري أندروبوف" و"برجينيف" وللباطل صولة ثم يضمحل.
وقد مزق الله الاتحاد السوفيتي كل ممزق، ولا يوجد عند العقلاء أدنى شك في أن تفسير الملاحدة لتاريخ البشر هو ضلالة كبرى من ضلالات الشيوعية، وهضم
стр. 215
واضح لتاريخ البشرية، وطمس للوجه المشرق من تاريخ البشرية في مختلف الأزمنة، حينما لا يعترف هذا التفسير بأية قيمة خلقية أو دينية أو ثقافية أو اجتماعية، قبل ظهور عبادة المادة الصماء، فهذا التفسير قائم على النظرة الاقتصادية البحتة، فلا قيمة لأي شيء إلا من خلال هذه النظرة الضيقة الباطلة التي لا يعرفون سواها.
إن تاريخ البشر مملوء بالأحداث المختلفة على مر الليالي والأيام، بعضها تكون أحداثًا كبيرة وبعضها صغيرة، وبعضها يكون للمادة تدخل ما فيه، وبعضها لا تمت إليه المادة بأدنى سبب، بل لقد سجل التاريخ أعظم حدث في هذا الوجود في فترة زمنية قصيرة، ولا تزال آثارها واضحة قوية ستبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، إنه الإسلام بتعاليمه السامية ونظمه العادلة، فكيف نشأ؟ وما هي الأسباب التي أدت إلى تغييره للمفاهيم التي قبله رأسًا على عقب؟ وأي حالة اقتصادية اقتضت ظهوره على تلك الحال؟.
والجواب عند المؤمنين بالله تعالى لا يحتاج إلى إعمال الفكر ولا إلى الاجتهاد، فإن الجواب يأتي تلقائيًّا أن الله هو الذي أنشأه وأظهره في الوقت الذي اقتضته حكمته دون أي صراع مادي، ولهذا فإن التفسير الإسلامي لتاريخ الإنسان -ونشأته في هذا الكون- من البدهي أن يختلف اختلافًا جذريًّا عن التفسير المادي له عند الملاحدة، ذلك أن الإسلام يقرر أن للإنسان مفهومه الخاص به، وأنه متميز عن بقية المخلوقات التي تساكنه في هذه الدنيا، فهو مفكر وله عقل وتمييز يدبر الأمور ويصرفها وفق مصالحه وإرادته، وهو الذي يسير المادة وليس المادة هي التي تسيره وتتصرف فيه كما في المفهوم الشيوعي، ففي الإسلام ينبع تاريخ الإنسان من حياته وتفكيره وعمله وتوجهاته، وما يتلقاه من التعاليم الإلهية على أيدي رسل الله -عليهم الصلاة والسلام- وليس من المادة.
следующие страницы →