← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 1075

اتجاهات فكرية معاصرة - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (366 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فاصطدمت بالنظام الرأسمالي الذي يمثل سيادة أصحاب رؤوس الأموال على الفقراء وعلى الأفكار عموما، ثم نتج عن ذلك أيضا قيام قضية الرق الآتية، وهي المرحلة الثانية من المراحل التي يزعم الملاحدة أنها نشأت إثر صراع طبقي بين المنتصرين في الحرب والمهزومين من جهة، وبين أصحاب الأموال الدائنين وبين الفقراء المدينين من جهة أخرى، ولأسباب مادية أيضًا انهار أمر الرق تدريجيا؛ لأنه لم يعد كما يقولون تجارة رابحة، وأيضا فإن أولئك المنهزمين والفقراء حينما أحسوا في فترة من فترات تاريخهم للرق والعبودية التي يعانونها؛ أرادوا أن يثأروا لأنفسهم كما هو الحال في بقية الحيوانات الأخرى التي شاركتهم في النشأة الأولى. وحصل الصراع الطبقي العنيف بين الفقراء والأغنياء، انتصر فيها الفقراء وجعلوا الأغنياء في النهاية عبيدا، ليبدأ الصراع أيضا على أشده كأنهم قطعان الثيران المتصارعين، وهنا تدخل الدين ليكون أداة روحية لاستعباد الجماهير، وإقامة كل الأشكال الراهنة للوضع الاجتماعي بما يعدهم به، بعد أن صبروا على ما هم فيه من البلاء والذل، وازداد النظام الاستعبادي ضراوة وصراعا، فنشأ الإقطاع هكذا تعليلهم لنشأة الرق وظهور التدين ونهاية الرق، وهذه كلها -كما نلاحظ- مجرد افتراضات خرقاء وليس لهم أي دليل إلا آراؤهم التي تخيلوها في نشأة الرق والإقطاع، وغيرها من التقسيمات التي أحدثوها، ولأنهم لا يعلمون أن حكمة الله تعالى اقتضت ألا يكون الأنبياء من أصحاب الثروة أو الجاه، فظنوا -والظن أكذب الحديث- أن الأنبياء إنما أتوا بما أتوا به محافظة منهم على حفظ أموالهم وتجاراتهم، وليبقى الكادحون أرقاء لهم دائما إن هم صبروا على ما هم فيه، وكما نعلم فإن هذه الخدعة لا مكان لها إلا في رأس إبليس ومن اتبعه من الملاحدة أصحاب الخيالات السقيمة.

стр. 212

أما المرحلة الثالثة من مراحلهم وهي مرحلة الإقطاع، الذي علل الملاحدة لظهوره بأن العالم كانوا على طبقتين: هم طبقة كبار الملاك وطبقة رجال الدين، وبقية الناس كانوا مسخرين مستعبدين لهاتين الطبقتين، وحينما ظهرت أدوات الإنتاج المتطورة كالمحراث الحديدي وغيره من الأدوات الجديدة، ظهر الإقطاع بشكل قوي، وصار المستعبدون تحت رحمة الملاك وتحت رحمة أصحاب الجاه، يعملون لحسابهم ولا ينالون إلا ما تجود به أيدي أولئك الأثرياء، في الوقت الذي كان فيه الأثرياء ورجال الدين قد تمالئوا على إبقاء تلك الطبقة الفقيرة في معزل عن التفكير السليم لحالهم، ولكن وبعد وقت أفاق الفلاحون ورأوا ما حل بهم من الغبن، فثاروا ضد تلك الطبقات الثرية والدينية لرفع الظلم الفاحش عنهم، ولكن ثورتهم كانت أضعف من إزاحة تلك الطبقات الثرية والدينية لما يأتي: أولًا: لأنها ثورة غير منظمة. وثانيًا: لحاجة الفقراء الشديدة. وثالثًا: للقوة المتينة التي كان يتحصن بها الأثرياء وأصحاب الدين ... إلا أن تطور الأمور الاقتصادية أخذت تحط من كبرياء أصحاب الثروة من الإقطاعيين، لتحل الرأسمالية بدل الإقطاع في حركات تطورية متلاحقة، تتمشى مع خيالات واضعي الماركسية، بغض النظر عن صحة هذا التعليل أو عدم صحته، فإن الإسلام يعتبر تلك الأوضاع كلها باطلة وجاهلية بغيضة، ما أنزل الله بها من سلطان، على افتراض وجود تلك الأحوال على الصورة التي تخيلها "ماركس" وأتباعه، فلا يجوز رد الحق بالخطأ والتخمين. أما المرحلة الرابعة -وهي مرحلة الرأسمالية البرجوازية- فقد ظهرت كما يقول الشيوعيون الملاحدة لعدة أسباب؛ منها: استحواز هذه الطبقة في الأساس على

стр. 213

مصادر المال واستقراره في أيديهم، واختراع الآلات الحديثة التي حلت محل الأيدي العاملة من طبقات الإقطاع والرق؛ لعدم إنتاجهم بالكثرة التي تنتجها تلك الآلات، فصارت حالة الرق متناقضة مع حالة الإقطاع، فألغت بدورها حالة الإقطاع التي كانت قائمة على استعباد الكادحين للعمل للإقطاعيين النبلاء، وبحث الجميع عن رأس المال ثم ازدياد حجم التجارة في أوربا بدلا عن الزراعة. والملاحظ أن أولئك الذين كانوا يطلبون العمل بأيديهم لم يكن دورهم كافيًّا لملء ما تحتاج إليه الحركة الصناعية القوية، كما هو الحال بالنسبة للآلات الحديثة، وهذا أحدث بدوره رد فعل لدى العمال لتحطيم الإقطاع المستند إلى الآلات الحديثة، بسبب التناقض مع القوى المنتجة النامية من جهة، وحاجة العمال من جهة أخرى إلى العمل والكسب، وهذا بدوره قد هيأ الجو لتصاعد قوة الرأسمالية، التي تسعى دائمًا لزيادة الإنتاج والمكاسب الوفيرة، وما نشأ بين أفرادها من تعاون مثمر في شتى المجالات، وقد جعلوا استغلال طبقة من الناس لطبقة أخرى هو أساس الحضارة؛ لكي يحصل التناقض الذي يوصل طبقة إلى الاستعلاء على طبقة أخرى، فما من شر لطبقة إلا وهو خير لطبقة أخرى وهكذا صراع دائم من أجل البقاء. كما أن تجمع الشعوب واتحادها إنما يعود -حسب تفسيرهم- إلى المصالح الاقتصادية، التي قامت عليها الرأسمالية، غير أن الرأسمالية أصبحت مناقضة لمصالح طبقة "البروليتاريا" أي طبقة العمال، فكان لزاما على هؤلاء العمال أن يصارعوا طبقة الرأسمالية، وأن يطيحوا بها بالطرق الثورية، وأن يستبدلوها بالنظام الشيوعي الذي يستوعب تلك التناقضات ويصفيها، في مجتمع ليس فيه

стр. 214

طبقات يستغل بعضهم بعضًا، إنما فيه طبقة واحدة يكون الإنتاج فيها ملكًا مشتركًا بين الدولة، وهي خدعة شيوعية بارعة، ولكن هذا الصراع لا ينقل الناس مباشرة من الرأسمالية إلى الاشتراكية، بل يمر بمراحل تدريجية قبل انتقالهم من الرأسمالية إلى الاشتراكية ثم إلى الشيوعية، التي تحقق لهم مبدأ: من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته، والتي تتم بجهود ضخمة من العمل المتواصل لزيادة الإنتاج لتتحقق تلك القاعدة. وهكذا يتضح بجلاء أن التعليلات الشيوعية كلها قائمة على مجرد خيالات وتصورات، ليس لها ما يسندها، بل هي ضد العقل والمصالح وضد الدين وضد الدنيا، وإن ما تصوروه عن بداية المجتمع المشاعي وظهور الرق والإقطاع والرأسمالية ثم الاشتراكية الممهدة للشيوعية؛ كل هذه الحلقات هي افتراضات وتخمينات، وأول ما يدل على كذبهم فيها أنهم لا يستطيعون أن يحددوا بداية كل مرحلة وظهور التي تليها تحديدًا دقيقًا، مع أنه حتى ولو حددوها لا يقبل منهم لعدم وجود أدلة على ذلك يقبلها العقل، وأنهم قد سلسلوا تلك الأحداث ليصلوا إلى النتيجة التي يهدفون إليها، وهي إظهار الشيوعية بمثابة الثمار الشهية اليانعة التي نضجت بعد الجد والاجتهاد، وتطور الأحوال من حال إلى حال، ولإظهار الشيوعية كذلك بمظهر المنقذ لتعاسة الإنسانية على مدى تاريخ الحياة البشرية على وجه الأرض، وكم علت تلك الأصوات وكم أخذت في طريقها من ضحايا، قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة في أيام "جورباتشوف"، الذي تولى رئاسة الاتحاد السوفيتي بعد "يوري أندروبوف" و"برجينيف" وللباطل صولة ثم يضمحل. وقد مزق الله الاتحاد السوفيتي كل ممزق، ولا يوجد عند العقلاء أدنى شك في أن تفسير الملاحدة لتاريخ البشر هو ضلالة كبرى من ضلالات الشيوعية، وهضم

стр. 215

واضح لتاريخ البشرية، وطمس للوجه المشرق من تاريخ البشرية في مختلف الأزمنة، حينما لا يعترف هذا التفسير بأية قيمة خلقية أو دينية أو ثقافية أو اجتماعية، قبل ظهور عبادة المادة الصماء، فهذا التفسير قائم على النظرة الاقتصادية البحتة، فلا قيمة لأي شيء إلا من خلال هذه النظرة الضيقة الباطلة التي لا يعرفون سواها. إن تاريخ البشر مملوء بالأحداث المختلفة على مر الليالي والأيام، بعضها تكون أحداثًا كبيرة وبعضها صغيرة، وبعضها يكون للمادة تدخل ما فيه، وبعضها لا تمت إليه المادة بأدنى سبب، بل لقد سجل التاريخ أعظم حدث في هذا الوجود في فترة زمنية قصيرة، ولا تزال آثارها واضحة قوية ستبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، إنه الإسلام بتعاليمه السامية ونظمه العادلة، فكيف نشأ؟ وما هي الأسباب التي أدت إلى تغييره للمفاهيم التي قبله رأسًا على عقب؟ وأي حالة اقتصادية اقتضت ظهوره على تلك الحال؟. والجواب عند المؤمنين بالله تعالى لا يحتاج إلى إعمال الفكر ولا إلى الاجتهاد، فإن الجواب يأتي تلقائيًّا أن الله هو الذي أنشأه وأظهره في الوقت الذي اقتضته حكمته دون أي صراع مادي، ولهذا فإن التفسير الإسلامي لتاريخ الإنسان -ونشأته في هذا الكون- من البدهي أن يختلف اختلافًا جذريًّا عن التفسير المادي له عند الملاحدة، ذلك أن الإسلام يقرر أن للإنسان مفهومه الخاص به، وأنه متميز عن بقية المخلوقات التي تساكنه في هذه الدنيا، فهو مفكر وله عقل وتمييز يدبر الأمور ويصرفها وفق مصالحه وإرادته، وهو الذي يسير المادة وليس المادة هي التي تسيره وتتصرف فيه كما في المفهوم الشيوعي، ففي الإسلام ينبع تاريخ الإنسان من حياته وتفكيره وعمله وتوجهاته، وما يتلقاه من التعاليم الإلهية على أيدي رسل الله -عليهم الصلاة والسلام- وليس من المادة.

стр. 216

يبدأ تاريخ الإنسان في الإسلام من خلق الله له من طين الأرض، ثم نفخ الروح فيه ثم إهباطه إلى الأرض واستخلافه فيها، وقيامه أو عدم قيامه بأوامر الله ونواهيه وسلوكه الخير والشرير، وما يسطره الإنسان في صفحات كتابه الذي سيقرؤه يوم القيامة، وما يتبع ذلك من الحساب والثواب والعقاب، ولا شك أن هذه المفاهيم بعيدة كل البعد عن تاريخ الإنسان المادي كما تصوره الشيوعية، والتي تهبط بالإنسان إلى الحضيض، ولا تعترف له بتلك المنزلة العالية التي يشابه فيها الملائكة في علو روحه إن أطاع الله تعالى واتقاه ... هذا الجانب أغفلته الشيوعية، ولم تنظر إليه إلا على أن الإنسان حيوان بهيمي، لا هم له إلا بطنه وفرجه ولا ذكر لروحه ومزاياه العديدة، وليس فيها أن الله كون الإنسان من جسد وروح، وأن كلا منهما يطالب بحقه وغذائه المادي والروحي مطالبة حثيثة، وليس فيها أنه لا يجوز أن يغلب الإنسان جانبا منهما على الآخر إلى حد الإهمال كما قررته الشيوعية. فهذا التوازن لا يوجد إلا في الإسلام لكي يتم التوازن الحقيقي بينهما، فإن الإسلام لا يقدس الجسد وشهواته الحسية فقط ولا يقدس الروح إلى حد الغلو فيها، وإنما الإسلام يوازن بينهما ويجعلهما شريكين متماسكين لا متصارعين، كما هو حال الأنظمة الجاهلية المادية، ويمكننا القول بأنه إذا كان ظهور الشيوعية كنتيجة مادية قامت بالعنف والجبروت، فقد رأينا نهايتها المخزية، بينما الإسلام وقد قام على العقيدة الصحيحة والعدل التام انتصر وتأثر به الناس، وأحبوه وأحدث في أنفسهم قوة جبارة كانت كامنة، ففجرها الإسلام وأنار الأرض كلها، ولم يقم على العنف ولا على الصراع المادي والطبقي، فلو أن الإسلام كان ظهوره بسبب عوامل مادية لانتهى بتلك الحال حينما تنتهي، أو لوجب أن تنشأ قوة مثله كلما تكررت تلك الحال.

стр. 217

التفسير المادي للإنسان والقيم الإنسانية التفسير المادي للإنسان: رأينا أن النظرية الداروينية الكاذبة أفادت أن الإنسان حيوان، يعود إلى نسل القردة ثم تطور بفعل المادة إلى أن أصبح إنسانا، ومع هذا الهبوط للإنسان في نظرية "داروين" إلا أن الملاحدة لم يكتفوا بذلك، بل أضافوا له دفعات إلى الأسفل في الهبوط، فاعتبروا فكر الإنسان الذي يميزه عن سائر الحيوانات جعلوه ناتجًا عن المادة المحضة لا قيمة له، جسم مادي نعم كثيرة الله أوجدها فيه، ولكن هذه النعم حدث للإنسان منها تشريف عظيم أخرجه تمامًا عن صفته المادية، وهذا التشريف هو نفخ الله فيه الروح فصار عظيمًا، وهذا التشريف أن الله جعله أفضل المخلوقات، لكن الملاحدة تناقضوا فميزوا بين مادة ومادة وقالوا: إن الإنسان أفضل المخلوقات أيضًا، فكيف ساغ لهم أن يقولوا: إن الإنسان هو سيد هذا الكون ما دام الإنسان مخلوقا بفعل المادة؟! تضاربت أفكار الملاحدة دون أي اكتراث منهم بذلك. التفسير المادي للقيم الإنسانية: طالما قرر الملاحدة أن الإنسان مادة فقد أصبح مفهوم القيم من الأمور التي لا قيمة لها، إذ إن المادة لا تتصف بأي قيمة روحية أو نفسية أو خلقية، وهذا هو الواقع الذي قرروه، فالقيم عندهم كلها ليس لها صفة ثابتة وإنما هي انعكاس للأحوال الاقتصادية، وهذا التفسير المادي للقيم يظهر فيه ما يلي:

стр. 218

أولًا: تضخيم العامل المادي الاقتصادي، وجعل هذا العامل هو أساس كل شيء في حياة الإنسان. ثانيا: هم يزعمون أن كل القيم لا ثبات لها، الأخلاق والقيم والإيمان بالقدرة الغيبية وتماسك الأسرة والحفاظ على العادات القبلية، كل هذا يرونه لا ثبات له ولا مكان له في نظريتهم ومذهبهم، أليس هذا من التناقض أن يقال: إن المجتمعات الزراعية القديمة كانوا يعيشون في وئام تام وهدوء وأخلاق عالية، بينما يوصف المتأخرون اليوم بأنهم في تقدم شامخ ووعي كامل وحضارة راقية، وهم يحملون في صدورهم قلوبًا حاقدة عدوانية ولا يلوي أحد على أحد، فكان يجب أن يعكس الأمر تمامًا، لكن ليزيد تناقضهم تناقضًا وليزيد مذهبهم تهافتًا حتى ينتهي هذا المذهب إلى البطلان التام. وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 219

الدرس: ١٤ الناصريون والبعثيون .

стр. 220

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الرابع عشر (الناصريون والبعثيون) تعريف الناصرية وتأسيسها وأبرز الشخصيات فيها الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين، سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: الناصريون والبعثيون: الناصرية: الناصرية حركة قومية عربية نشأت في ظل حكم جمال عبد الناصر، رئيس مصر من سنة ١٩٥٢ إلى سنة ١٩٧٠ ميلادية، واستمرت بعد وفاته كما اشتقت اسمها من اسمه، وتبنت الأفكار التي كانت ينادي بها جمال عبد الناصر، وهي الحرية، والاشتراكية، والوحدة، وهي نفس أفكار الأحزاب القومية اليسارية العربية الأخرى. تأسيس الناصرية وأبرز الشخصيات فيها: أول من أطلق لفظ الناصرية هو الصحفي محمد حسنين هيكل، وهو الصحفي الذي رافق عبد الناصر في فترة حكمه، وأصبح له شهرة في العالم العربي، كان ذلك في مقال له في جريدة الأهرام، في الرابع عشر من شهر يناير سنة ١٩٧٢ ميلادية، وجاء بعده كمال رفعت وأصدر في سنة ١٩٧٦ كتيبًا بعنوان (الناصريون) ذكر فيه مبادئ الناصرية وأهدافها. وقد بلور الدكتور عبد القادر حاتم الذي كان وزيرًا في عهد عبد الناصر المذهب الناصري، وبلور هذا المذهب الناصري في تأبينه لجمال عبد الناصر، كما جاء في جريدة الأخبار في الثاني من شهر أكتوبر عام ١٩٧٠ للميلاد، حينما قال هذا الدكتور: "أصبح في العالم اليوم مذهب سياسي متميز ينتسب إلى عبد الناصر". وقد وافق القضاء المصري على إعلان الناصرية كحزب باسم الحزب الديمقراطي

стр. 221

الناصري، وذلك في يوم الاثنين الثامن عشر من شوال سنة ألف وأربعمائة واثنتا عشرة من الهجرة، الموافق ٢٠ شهر أبريل عام ١٩٩٢ للميلاد، وكان هذا الحزب الديمقراطي الناصري برئاسة ضياء الدين داود، وهو محامٍ وعضو في مجلس الشعب المصري. وهناك من قادة الدول العربية من يصرح بأنه يسير على نهج جمال عبد الناصر. مثل: القذافي رئيس الجماهيرية الليبية وغيره. نظرة تاريخية على مؤسسي الناصرية وهو جمال عبد الناصر نظرة تاريخية على مؤسسي الناصرية: جمال عبد الناصر: جمال عبد الناصر كان في بداية حياته يتردد على مركز الإخوان المسلمين؛ لسماع حديث الثلاثاء للأستاذ حسن البنا وغيره، وكان هذا منذ عام ١٩٤٢، وقد ذكر هذا أحد رفاقه وهو عبد المنعم عبد الرءوف في مذكراته، وذكر أيضًا في مذكراته أنه في أوائل سنة ١٩٤٦ بايع جمال عبد الناصر ومعه مجموعة من الضباط، بايعوا الإخوان المسلمين على التضحية في سبيل الدعوة الإسلامية، لكن عبد الناصر بدأت علاقته بالمخابرات الأمريكية في وقت مبكر، بعضهم يرجع هذه العلاقة إلى ما قبل الثورة بكثير، وبعضهم كما يذكر أحد رفاقه -وهو خالد محيي الدين- يتحدث عن علاقة لجمال عبد الناصر بالمخابرات الأمريكية، منذ مارس عام ١٩٥٢، أي قبل قيام الثورة بأربعة أشهر، وكذلك تحدث اللواء محمد نجيب وهو أول رئيس لمصر بعد الثورة عن هذه العلاقة في مذكراته، وذكر محمد نجيب في مذكراته أن المخابرات الأمريكية هم الذين كانوا يرسمون لجمال عبد الناصر الخطط الأمنية، وهم الذين كانوا يدعمون حرسه بالسيارات والأسلحة الجديدة. وفي السابع والعشرين من يوليو عام ١٩٥٤ عقد جمال عبد الناصر اتفاقية الجلاء مع بريطانيا، رغم معارضة الكثيرين ورغم معارضة الإخوان المسلمين، وفي

стр. 222

الرابع عشر من شهر نوفمبر عام ١٩٥٤ أعفى جمال عبد الناصر محمد نجيب من منصبه، وكان رئيسًا للجمهورية ليصبح عبد الناصر هو رئيس مصر الجديد، أو كما قال كمال الدين حسين وحسن التهامي فرعون مصر الجديد. وفي الثامن من ديسمبر عام ١٩٥٤ نفذ جمال عبد الناصر حكم الإعدام في ستة من قادة جماعة الإخوان المسلمين، منهم الشهيد عبد القادر عودة مؤلف كتاب (التشريع الجنائي في الإسلام)، بالإضافة إلى كثير من الاعتقالات التي شملت الآلاف من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، وذلك بعد اتهامهم بالتآمر على قتله في حادثة المنشية بالإسكندرية في العام نفسه، التي قال كثير من الكتاب والمحللين بأن هذه الحادثة كانت مسرحية، دبرها جمال عبد الناصر مع المخابرات المركزية؛ وذلك للتخلص من جماعة الإخوان المسلمين، الذين كانوا يشكلون عقبة كبيرة لحكمه الفردي البعيد عن الدين، ولتلميع شخصيته بصفته زعيمًا وطنيًّا حتى تتعلق به الجماهير. وفي سنة ١٩٥٦ كان الاعتداء الثلاثي على مصر، من قبل ثلاث دول: وهي انجلترا، وفرنسا، وإسرائيل، واستمر هذا الاعتداء ولم ينسحب المعتدون إلا بعد أن استولى الجيش الإسرائيلي على شرم الشيخ في سيناء، واستولى كذلك على جزر تيران في البحر الأحمر، وقد شارك جمال عبد الناصر في الحرب اليمنية التي قتل فيها الآلاف من الشعب المصري المسلم، وخسرت فيها مصر الملايين. وفي عام ١٩٦٦ أقدم عبد الناصر على إعدام ثلاثة من كبار جماعة الإخوان المسلمين، منهم الشهيد سيد قطب مؤلف (في ظلال القرآن)، وكان قد اعتقل آلافًا منهم في عام ١٩٦٥.

стр. 223

وفي العام نفسه صدر القرار الجمهوري بالعفو الشامل عن جميع العقوبات الأصلية والتبعية ضد الشيوعيين في مصر، وبعدها دخل الماركسيون في جميع مجالات الحياة، وتبوءوا أعلى المراكز في مصر بعد ذلك، وفي عام ١٩٦٧ كانت النكبة الثانية للعرب والمسلمين، فقد احتلت دولة اليهود في فلسطين المحتلة ثلاثة أمثال ما اغتصبوه عام ١٩٤٨ ميلادية، فقد احتلت دولة الصهاينة سيناء واحتلت الجولان وكذلك الضفة الغربية، كما سقطت القدس بلا قتال. وتوفي عبد الناصر سنة ١٩٧٠، بعد أن غرقت مصر في الديون وبعد أن ملأ العالم العربي بشعارات جوفاء. ومن أخلاق عبد الناصر على لسان رفاق حياته ومعاصريه، هم يذكرون عنه -كما يقول حسن التهامي وهو من أقرب المقربين له- إن عبد الناصر هو الذي أمر القوات المصرية بالانسحاب إلى الضفة الغربية من قناة السويس، عام ١٩٦٧ ميلادية، كما يقول عنه -والعهدة عليه- وهذا كما نشرت الأهرام في يوم ٥ - ٨ - ١٩٧٧ كان يقول عنه: "إنه هو الذي دس السم لعبد الحكيم عامر في بيت عبد الناصر نفسه". ويقول عنه حسين الشافعي -وهو أحد الضباط الأحرار الذين قاموا بالانقلاب العسكري سنة ١٩٥٢ - في محاضرة له في جمعية الشبان المسلمين: "انقلوا عني أن الجيش المصري لم يحارب في معركة ١٩٦٧ بل هزم بسبب الإهمال والخيانة. وأقول: الخيانة وأضع تحتها عشرة خطوط"، كما يقول عنه خالد محيي الدين: "إنه كان على علاقة بالمخابرات الأمريكية منذ مارس ١٩٥٢، أي قبل قيام الثورة بأربعة أشهر". وقد نقل كثير من هذه الأقوال وغيرها في كتب كثيرة؛ منها: كتاب (كلمتي للمغفلين) للكاتب محمد جلال كشك، ومنها كتاب (الموتى يتكلمون) للأستاذ سامي جوهر، ومنها كتاب (البحث عن الذات) لمنير حافظ، ومنها (مذكرات عبد المنعم عبد الرءوف) و (مذكرات محمد نجيب) وغيرها.

стр. 224

أفكار الناصرية ومعتقداتها أول مبادئ الناصرية وأول شعاراتها التي كانت تنادي بها وتدعو إليها أنها تقول: إنها تدعو إلى الحرية والاشتراكية والوحدة وكانوا يقولون: إنهم بهذه الحرية والاشتراكية والوحدة سيقضون على مشكلات العالم العربي الأربعة وهي: الاستعمار والتخلف والطبقية والتجزئة بين أقطار العالم العربي، ونلاحظ أن هذه الأفكار هي نفسها أفكار حزب البعث القومي اليساري: الوحدة والحرية والاشتراكية. أما الحرية المطلوبة التي كانوا ينادون بها فعند التطبيق كانت هي حرية الناصريين فقط، وليست حرية الشعب بكامله، إذ إن الناصرية القديمة في عهد عبد الناصر نفسه كانت ترفع شعارات أخرى منها: لا حرية لأعداء الحرية، أما أعداء الحرية فهو كل معارض لهم، فكل من يعارضهم هو من أعداء الحرية، إذن فالحرية عندهم هي حرية الناصريين وليست حرية الشعب كله. أما دعواهم إلى الاشتراكية فقد سبق الحديث عن الاشتراكية وشعاراتها الجوفاء وقلنا: إن هذه الشعارات هي شعارات فارغة لخداع الجماهير، وأنه حين التطبيق كانت هذه الاشتراكية اشتراكية الناس في الفقر فقط. هم يقولون: إن الاشتراكية أساس التقدم الاقتصادي، وهي أساس بناء مجتمع الكفاية والعدل، والمجتمع الذي ترفرف عليه الرفاهية كما يزعمون، كما نادت الناصرية بتوزيع الثروة الوطنية ليتحقق التغيير الاجتماعي. وكذلك نادت الناصرية بالاشتراكية العلمية وهي خليط من الاشتراكية الماركسية والليبرالية الغربية والأفكار الوطنية، مع شيء من الأفكار الدينية، وينادون

стр. 225

كذلك ويدعون إلى الوحدة، وهي في نظرهم أساس القوة العربية، والعروبة أو القومية العربية هي أساس قيام الوحدة. وقد أغفلت الناصرية رباط العقيدة التي لا تؤمن الشعوب العربية إلا بها ولا تتجمع إلا حول رايتها، وهي العقيدة أساس وحدة العرب في الصدر الأول، وهي أساس وحدتهم في الصدر الأخير لمن أراد أن تكون هناك وحدة. وكذلك نادت الناصرية بالديمقراطية، ومفهوم الديمقراطية لديها هو ديمقراطية التحالف السياسي تبعًا لتحالف القوى الاجتماعية، أو كما وصفها الصحفي محمد حسنين هيكل: أنها ديمقراطية الموافقة، أي أن الزعيم الحاكم ينفرد بالحكم وبإصدار القرارات المصيرية، وأن دور الشعب يقتصر فقط على الموافقة أو على تأييد هذه القرارات؛ لأنه يفترض في الزعيم العصمة والصواب والحكمة وتجسيد إرادة الشعب وحقوق التعبير عنها. وكذلك من أسس الناصرية أيضًا العلمانية أو اللادينية، فليس للدين علاقة بالمجتمع وقوانينه ونظام حياته وإنما هو طقوس تعبدية في المسجد فحسب. الجذور الفكرية والعقائدية للناصرية، والنفوذ وأماكن الانتشار البذور الفكرية والعقائدية للناصرية: إن الناصرية حركة قومية يسارية علمانية برزت بعد وفاة عبد الناصر، ولذلك فهي تعتمد أساسًا على الفكر القومي الذي ظهر بعد سقوط الدولة العثمانية، كذلك تعتمد على رافد من الروافد الأخرى وهو الفكر الماركسي المادي، وهو أيضا أحد روافد الثوب القومي والفكر القومي، ولذلك فالناصرية أبعدت الدين من كل مبادئها وممارساتها.

стр. 226

النفوذ وأماكن الانتشار: فقد نشأت الناصرية في مصر، وانتشرت في باقي البلاد العربية، وإن كان أتباعها في البلاد العربية قلة، وقد طالب بعض الذين تعاونوا مع جمال عبد الناصر بتشكيل حزب ناصري في مصر وقد سمح لهم بذلك، يتضح مما سبق أن الناصرية تتجسد في قلة من الذين تعاونوا مع جمال عبد الناصر أثناء حكمه وأظهروا الولاء لشخصه، فلما سمح بالتعددية الحزبية في مصر اتفقوا على التجمع باسم القومية العربية، وتحت لواء الحرية والاشتراكية والوحدة، دون تحديد واضح لمضمون هذه الأهداف، ولكنهم على أية حال يدينون بالولاء لعبد الناصر ويعتبرونه رائدهم، مشيدين بمواقفه الإيجابية بحكم أنه أنهى الملكية الفاسدة في مصر -كما يقولون- وأمم قناة السويس وأنهى الاحتلال البريطاني، وبنى السد العالي وحرر اليمن الشمالي وحقق مكاسب للعمال والفلاحين، ولكنهم يتغافلون عن سلبيات حكمه الكبيرة، والتي تتمثل في إعلان الحرب على الاتجاه الإسلامي في الداخل وفي الخارج، وتعذيب حملة لوائه عذابا نكرا، وتقتيل فطاحل علمائه من أمثال عبد القادر عودة وسيد قطب وغيرهم بعد محاكمات صورية. كما دأب جمال عبد الناصر على الوقوف دائما في صف أعداء الإسلام ومناصرة سياستهم، فقد أيد "نهرو" في مواقفه الجائرة ضد باكستان، كما أيد "نيريري" الذي قام بمذبحة ضد مسلمي "زنجبار"، وأيد "مكاريوس" الذي كافح من أجل إضاعة حقوق المسلمين في قبرص، وعلى الرغم من أنه في أول حكم الثورة كان قد جعل الديمقراطية أحد مبادئها، إلا أنه لم يسمح ببزوغ فجر الديمقراطية بل ووأدها في مهدها، وقضى على الأحزاب المطالبة بها كافة، وأنشأ الحزب الشمولي وألغى الدستور وجمع السلطة كلها في يده، وظل طوال حكمه مثال

стр. 227

الحاكم المستبد الذي يضرب خصومه بيد من حديد، دون أدنى مراعاة للقيم الأخلاقية. كما أضعف في عهده كيان الأزهر وقام بإلغاء الأوقاف الإسلامية والمحاكم الشرعية، وأصبح للمخابرات والمباحث العامة والأمن القومي السيطرة على كل المؤسسات في الدولة، والمؤمل إذا تجملت الناصرية -بعد أن سمح لها من جديد بتشكيل حزب سياسي في مصر- المؤمل أن يفتح أنصارها عيونهم على هذه الحقائق المؤلمة، ويصححوا مسارها نحو فهم جديد مستند للإسلام كأهم عنصر إيجابي في تحقيق حكم نظيف، قوامه العدالة الاجتماعية وإنجاز الحرية والشورى كأساس متين لتجمع المسلمين ووحدتهم، ولعلهم بذلك يخفون وجه الناصرية القبيح، ويقضون على آثارها ولهم في ماضيهم عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. تعريف البعثيين والتأسيس وأبرز الشخصيات في حزب البعث، وتقييم الأفكار والمعتقدات الحديث عن البعثيين: حزب البعث حزب قومي علماني يدعو إلى الانقلاب الشامل في المفاهيم والقيم العربية، لصهرها وتحويلها إلى التوجه الاشتراكي، ولهم شعار معلن وهو: أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة وهي رسالة الحزب، أما أهدافه فتتمثل في: الوحدة والحرية والاشتراكية. ونبدأ من سنة ١٩٣٢ حين عاد من باريس قادمًا إلى دمشق كل من ميشيل عفلق -وهو نصراني ينتمي إلى الكنيسة الشرقية- وصلاح البيطار، وذلك بعد

стр. 228

دراستهما العالية وهما يحملان أفكارًا قومية وثقافة أجنبية، عادا إلى دمشق وعمل كل من عفلق والبيطار في التدريس، ومن خلال تدريسهما أخذا ينشران أفكارهما بين الزملاء والطلاب والشباب، وقد أصدر التجمع الذي أنشأه ميشيل عفلق وصلاح البيطار مجلة سميت مجلة الطليعة مع الماركسيين، وكان هذا في سنة ١٩٣٤، وكانوا يطلقون على أنفسهم اسم جماعة الإحياء العربي. في سنة ١٩٤٧ تم تأسيس الحزب تحت اسم: حزب البعث العربي، وقد كان من المؤسسين لهذا الحزب ميشيل عفلق وصلاح البيطار، وجلال السيد وزكي الأرسوزي، كما قاموا بإصدار مجلة باسم البعث، وكان لحزب البعث بعد ذلك دور فاعل في الحكومات التي طرأت على سوريا بعد الاستقلال سنة ١٩٤٦، وهذه الحكومات هي: الحكومة الأولى: حكومة شكري القوتلي من سنة ١٩٤٦ حتى سنة ١٩٤٩. الحكومة الثانية: حكومة حسني الزعيم، وتسلم السلطة عدة شهور في سنة ١٩٤٩. الحكومة الثالثة: حكومة اللواء سامي الحناوي، وقد بدأ حكمه وانتهى في نفس عام ١٩٤٩. والحكومة الرابعة: حكومة أديب الشيشكلي واستمر حكمه حتى سنة ١٩٥٤. ثم الحكومة الخامسة: وهي حكومة شكري القوتلي وقد عاد إلى الحكم مرة ثانية، واستمر إلى توقيع اتفاقية الوحدة مع مصر سنة ١٩٥٨. ثم الحكومة السادسة: وهي حكومة الوحدة مع مصر برئاسة جمال عبد الناصر، من سنة ١٩٥٨ إلى سنة ١٩٦١ للميلاد.

стр. 229

ثم الحكومة السابعة: وهي حكومة الانفصال برئاسة الدكتور ناظم القدسي، وقد دام الانفصال من سنة ١٩٦١ حتى ١٩٦٣، وقد قاد حركة الانفصال عبد الكريم النحلاوي. ومنذ ١٩٦٣ وإلى اليوم فقد وقعت سوريا تحت حكم حزب البعث، وقد مرت هذه الفترة بعدة حكومات بعثية هي: حكومة قيادة الثورة سنة ١٩٦٣، وفيها برز صلاح البيطار رئيسًا للوزراء، ثم حكومة أمين الحافظ من سنة ١٩٦٣ وحتى ١٩٦٦، ثم حكومة نور الدين الأتاسي من سنة ١٩٦٦ إلى سنة ١٩٧٠، إذ لعبت القيادة القطرية للحزب دورًا بارزًا في الحكم، وقد برز في هذه الفترة كل من صلاح جديد الذي عمل أمينًا عامًّا للقيادة القطرية، وحافظ الأسد الذي عمل وزيرًا للدفاع، ثم حكومة حافظ الأسد من سنة ١٩٧٠ ثم حكومة ابنه وإلى يومنا هذا. ومن الشخصيات السورية البارزة التي ظهرت في تاريخ الحزب شخصيات كثيرة؛ نذكر منها: سامي الجندي الذي تقلد منصب وزير الإعلام بعد انقلاب ٦٣، وحمود الشوفي وقد عمل سكرتيرًا عامًّا للقيادة القطرية الأولى، إلا أنه انشق وجماعته عن الحزب سنة ١٩٦٤، وهو الآن في العراق، ومصطفى طلاس وهو ولد سنة ١٩٣٢، ودرس في الكلية العسكرية وعمل رئيسًا لمحكمة الأمن القومي ورئيس أركان اللواء المدرع، ثم صار وزيرًا للدفاع. ومن الشخصيات أيضًا اللواء يوسف شكور واللواء ناجي جميل وغيرهما من الشخصيات. أما عن الجناح العراقي من حزب البعث؛ فقد استولى على السلطة في العراق، بعد أحداث دامية سارت على النحو التالي؛ ففي الرابع عشر من شهر يوليو عام ١٩٥٨ دخل لواء بقيادة عبد السلام عارف إلى بغداد قادمًا من الأردن، واستولى

стр. 230

على محطة الإذاعة وأعلن الثورة على النظام الملكي، وقتل الملك فيصل الثاني وولي عهده عبد الإله ونوري السعيد وأعوانه، وأسقط النظام الملكي وبذلك انتهى عهد الملك فيصل، ودخل العراق دوامة الانقلابات العسكرية. وفي اليوم الرابع والعشرين من شهر يوليو عام ١٩٥٨ - أي بعد عشرة أيام من نشوب الثورة- وصل ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث وزعيمه إلى بغداد، وحاول إقناع أركان النظام الجديد بالانضمام إلى الجمهورية العربية المتحدة: سوريا ومصر، لكن الحزب الشيوعي العراقي أحبط مساعيه ونادى بعبد الكريم قاسم زعيمًا أوحد للعراق. وفي يوم الثامن من شهر فبراير سنة ١٩٦٣ قام حزب البعث بانقلاب على نظام عبد الكريم قاسم، وقد شهد هذا الانقلاب قتالًا شرسًا دار في شوارع بغداد، وبعد نجاح هذا المتطرف من حزب البعث تشكلت أول حكومة بعثية، سرعان ما نشب خلاف بين الجناح المعتدل والجناح المتطرف من حزب البعث، فاغتنم عبد السلام عارف هذه الفرصة وأسقط أول حكومة بعثية في تاريخ العراق، وعين عبدُ السلام عارف: أحمد حسن البكر أحد الضباط البعثيين المعتدلين نائبًا لرئيس الجمهورية. في شهر فبراير سنة ١٩٦٤ أوصى ميشيل عفلق بتعيين صدام حسين عضوًا في القيادة القطرية لفرع حزب البعث العراقي. وفي شهر سبتمبر سنة ١٩٦٦ قام حزب البعث العراقي -بالتحالف مع ضباط غير بعثيين- قام بانقلاب ناجح أسقط نظام عبد الرحمن عارف. وفي اليوم الثلاثين من شهر يوليو طرد حزب البعث جميع من تعاونوا معه في انقلابه الناجح على عبد الرحمن عارف، وعين أحمد حسن البكر رئيسًا لمجلس قيادة الثورة ورئيسًا للجمهورية وقائدًا عامًّا

стр. 231

للجيش، وأصبح صدام حسين نائبًا لرئيس مجلس قيادة الثورة ومسئولًا عن الأمن الداخلي. وفي الخامس عشر من أكتوبر سنة ١٩٧٠ تم اغتيال الفريق حردان التكريتي في مدينة الكويت، وكان من أبرز أعضاء حزب البعث العراقي وعضوًا في مجلس قيادة الثورة، ونائبًا لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع. في السادس من شهر مارس عام ١٩٧٥ وقعت الحكومة البعثية العراقية مع شاه إيران الاتفاقية المعروفة باتفاقية الجزائر، وقد وقعها عن العراق صدام حسين، وتقضي الاتفاقية المذكورة بأن يوافق العراق على المطالب الإقليمية للشاه، في مقابل وقف الشاه مساندته للأكراد في ثورتهم على النظام العراقي ... وفي شهر أكتوبر سنة ١٩٧٨ طردت الحكومة البعثية الخميني من العراق، وقامت في شهر فبراير عام ١٩٧٩ الثورة الخمينية في إيران. وإذا تحدثنا عن سلوكيات ومبادئ حزب البعث في العراق فإنه: أولًا: نادى مؤسسو الحزب بضرورة الأخذ بنظام الحزب الواحد لأنه كما يقول: إن القدر الذي حملنا هذه الرسالة خولنا أيضًا حق الأمر والكلام بقوة، والعمل بقسوة لفرض تعليمات الحزب، ومن ثم لا يوجد أي مواطن عراقي يتمتع بأبسط قدر من الحرية الشخصية أو السياسية، فكل شيء في دولة حزب البعث العراقي يخضع لرقابة بوليسية صارمة، تشكل دوائر المباحث والمخابرات والأمن ونواة الاتصالات الوحيدة بين المواطنين والنظام. ثانيًا: تتركز سياسة الحزب على قطع جميع الروابط بين العروبة والإسلام، كما ينادي بفصل الدين عن السياسة، والمساواة في نظرتها للأمور بين شريعة

стр. 232

حمورابي وشرائع الجاهلية، وبين دين محمد ﵊ وغيرها، وجعلها جميعًا تتساوى في بعث الأمة العربية، وفي التعبير عن شعورها بالحياة. كما ادعت -ثالثًا- سياسة الحزب: أن تحقيق الاشتراكية شرط أساسي لبقاء الأمة العربية ولإمكان تقدمها، مع أن النتيجة الحتمية للسياسة الاشتراكية -التي طبقت في العراق- لم تجلب الرخاء للشعب ولم ترفع مستوى الفقراء، ولكنها ساوت الجميع في الفقر، وبعد أن كان العراق قمة في الثراء ووفرة الموارد والثروات، أصبح بطش حزب البعث عاجزًا عن توفير القوت السياسي لشعبه. رابعًا: قيام حزب البعث بتجريد الدستور العراقي من كل القوانين التي تمت إلى الإسلام بصلة، وأصبحت العلمانية هي دستور العراق، وأصبحت معتقدات البعثي ومبادئه هي مصادر التشريع لقوانينه، وقد ورد في التقرير المركزي للمؤتمر القطري التاسع والمنعقد في بغداد في شهر يونيو من عام ١٩٨٢ ما يلي: وأما الظاهرة الدينية في العصر الراهن فإنها ظاهرة سلفية ومتخلفة في النظرة والممارسة، ومن الأخطاء التي ارتكبت في هذا الميدان أن بعض الحزبيين صاروا يمارسون الطقوس الدينية -هكذا يقولون- وشيئًا فشيئًا صارت المفاهيم الدينية تغلب على المفاهيم الحزبية، إن النضال ضد هذه الظاهرة -يقصدون الظاهرة الدينية- يجب أن يستهدفها الحزب حيث وجدت؛ لأنها كلها تعبر عن موقف معاد للشعب وللحزب وللثورة وللقضية القومية. ولذلك فقد اتجه صدام حسين وحزبه إلى إعلان الحرب على الإسلام، والعاملين له في جميع المجالات، فقد قام بقتل سبعة وأربعين عالمًا وداعية، نشرت أسماؤهم في تقارير منظمة العفو الدولية، وعلى رأسهم الشيخ عبد العزيز البدري وهو من علماء أهل السنة، ومحمد باقر الصدر من أئمة المذهب الشيعي، كما اغتال عددًا

стр. 233

كبيرًا من العلماء الذين أرسلهم للتفاوض مع مصطفى البرزاني -الزعيم الكردي- إذ أجبرهم على ارتداء ملابس مفخخة انفجرت فيهم، وقتلت عددًا كبيرًا منهم، وكذلك تتابعت القرارات الصدامية بإعدام المئات من الشخصيات الإسلامية. أيضًا أحال الكثيرين من أساتذة الجامعات -من أصحاب الأفكار المتحررة- إلى التقاعد، ثم قدمهم إلى المحاكمة وصدرت بحقهم أحكام مختلفة بعد طردهم من وظائفهم، قد أصدر أوامره بإغلاق مئات المساجد في العراق، وأصدر أوامره بمحاربة الكتاب الإسلامي وعدم السماح به في المكتبات العامة. فحزب البعث حزب قومي علماني انقلابي له أطروحات فكرية متعددة، وهو يتكلم عن أشياء كثيرة يتعذر الجمع بينها أحيانًا فضلًا عن الاقتناع بها، ولقد كانت له أقوال فترة ما قبل السلطة وممارسات وأقوال فترة ما بعدها، وهم يتحدثون عن الرابطة القومية ويعتبرون أنها هي الرابطة الوحيدة القائمة في الدول العربية، التي تكفل الانسجام بين المواطنين وتكفل انصهارهم في بوتقة واحدة، وتكبح جماح سائر العصبيات المذهبية والطائفية والقبلية والعرقية والإقليمية، حتى قال شاعرهم: آمنت بالبعث ربًّا لا شريك له ... وبالعروبة دينًا ما له ثانِ - وإذا حاولنا أن نناقش فكرة القومية العربية والزعم -كما يقول حزب البعث- بالأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة، نسأل: ما هي هذه الرسالة الخالدة التي يحملها العرب ويقدمونها للناس؟: - فالذي يتبادر إلى أذهان الأصدقاء والخصوم جميعا أن هذه الرسالة ليست شيئا آخر غير الإسلام، لكن السيد ميشيل عفلق -مؤسس حزب البعث- يقول لنا كلامًا آخر يؤكد فيه أن للعرب رسالة أخرى، تقوم على فهمهم الصحيح

стр. 234

لأنفسهم وإدراكهم الجريء لقضاياهم وتحررهم فيقول: "طالما وجه إلى أعضاء الحركة وأصدقائها السؤال عما نعني بالرسالة الخالدة، وكنت دومًا أجيب جوابًا بسيطًا لهؤلاء الذين يظن أكثرهم أن رسالة العربية الخالدة هي حضارة وقيم معينة، يستطيع العرب في المستقبل -عندما يبلغون المستوى الراقي السليم المبدع- أن يحققوها وينشروها بين البشر". إن كلام ميشيل عفلق في شرح الرسالات العربية الخالدة لا يحمل في أطوائه ذرة من منطق، فهذا الكلام لو قاله زعيم سياسي في أنجولا أو في الكونغو يصور به رغبات قومه في الحرية، ورسائلهم في الكفاح ما جاوز به وقائع أمته المتطلعة إلى مستقبل أفضل، لكن تسمية هذا الكلام شرحًا لمعنى الرسالة الخالدة هو الشيء الذي يستحق الضحك! أي رسالة خالدة شرحها هذا الكلام؟! إن الشيء الوحيد الواضح في هذه السطور هو صرف الأذهان بجرأة وإصرار عن الحضارة والقيم، التي تميز العرب بحملها طوال تاريخهم العريق، أي صرف العرب عن الإسلام والله يقول للعرب في كتابه الكريم بعدما شرفهم بالإسلام: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: ١١٠). وهذه الجمل الواضحة تكشف للعرب عن وظيفتهم في الحياة ورسالتهم بين الناس: حراسة الفضيلة ونشر شعارها ومحاصرة الرذيلة وطي عارها، والالتفاف حول الإيمان بالله وحده وقمع الإلحاد والعوج، وتسخير قوى الأمة كلها لبلوغ هذه الأهداف الإنسانية، هذه هي رسالة الأمة العربية، فنحن لا نفهم من الرسالة أنها الحضارة التي لا نستطيع الآن تحقيقها، ولكننا نفهم من الرسالة ما ذكر في كتاب الله الكريم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ نعم تلك هي وظيفة أمة العرب في العالم مؤازرة الخير ومناصرة أهله. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 235

الدرس: ١٥ الناصريون والبعثيونالأحباش والبلاليون .

стр. 236

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس الخامس عشر (الأحباش والبلاليون) التعريف بفرقة الأحباش، تأسيسها وأبرز الشخصيات فيها الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وخاتم النبيين سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: الأحباش والبلاليون: والأحباش طائفة تنسب إلى شخص يسمى عبد الله الحبشي، وقد ظهرت حديثًا في دولة لبنان، مستغلة ما خلفته الحروب الأهلية اللبنانية من جهل وفقر. تأسيسها وأبرز الشخصيات فيها: فنبدأ بالحديث عن مؤسسها، وهو عبد الله الهراري الحبشي: وهو عبد الله بن محمد الشيبي العبدري نسبًا، الهراري موطنًا نسبة إلى مدينة هرر بالحبشة، وفيها ولد لقبيلة تدعى الشيباني نسبة إلى بني شيبة من القبائل العربية، ودرس في باديتها اللغة العربية، كما درس الفقه الشافعي على الشيخ سعيد بن عبد الرحمن النوري، والشيخ محمد يونس جامع الفنون، ثم ارتحل إلى منطقة جمة، وبها درس على الشيخ الشريف، ثم ارتحل إلى منطقة داوئ من مناطق أرمو ودرس (صحيح البخاري) وعلوم القرآن الكريم على الحاج أحمد الكبير، ثم ارتحل إلى قرية قريبة من داوئ فالتقى بالشيخ مفتي السراج تلميذ الشيخ يوسف النبهاني، صاحب كتاب (شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق)، ودرس على يديه الحديث، ومن هنا توغل في الصوفية وبايع على الطريقة الرفاعية، ثم أتى إلى سوريا، ثم إلى لبنان من بلاد الحبشة في إفريقيا عام ١٩٦٩ ميلادية. وذكر أتباعه أنه قدم عام ١٩٥٠ بعد أن أثار الفتن ضد المسلمين؛ إذ تعاون مع حاكم إندراجي صهرو هيلاسلاسي ضد الجمعيات الإسلامية لتحفيظ القرآن بمدينة هرر، سنة ألف وثلاثمائة وسبعة وستين هجرية، الموافق سنة ١٩٤٨ فيما عُرف بفتنة بلازكلب، فصدر الحكم على مدير المدرسة إبراهيم حسن بالسجن

стр. 237

ثلاثًا وعشرين سنة مع النفي، وقضى نحبه في مقاطعة جوري بعد نفيه إليها، وبسبب تعاون عبد الله الهرري مع نظام هيلاسلاسي تم تسليم الدعاة والمشايخ إليه، وإذلالهم حتى فر الكثيرون منهم إلى مصر وإلى السعودية، ومنذ أن أتى إلى لبنان وهو يعمل على نشر عقيدته، والترويج لمذهبه، وسب الصحابة واتهامه لأم المؤمنين عائشة بعصيان أمر الله، بالإضافة إلى كثير من الفتاوى الشاذة. وقد نجح الحبشي مؤخرًا في تخريج مجموعات كبيرة من أتباعه الذين لا يرون مسلمًا إلا من أعلن الإذعان والخضوع لعقيدة شيخهم، وهم يطرقون بيوت الناس ويلحون عليهم بتعلم العقيدة الحبشية، ويوزعون عليهم كتب شيخهم بالمجان، ومن أتباعه نزار الحلبي وهو خليفة الحبشي، ورئيس جمعية المشاريع الإسلامية، ويطلقون عليه لقب سماحة الشيخ؛ إذ يعدونه لمنصب دار الفتوى، إذ كانوا يكتبون على جدران الطرق: لا للمفتي حسن خالد الكافر، نعم للمفتي نزار الحلبي، وقد قتل مؤخرًا. ولديهم العديد من الشخصيات العامة مثل النائب البرلماني عدنان الطرابلسي، ومرشحهم الآخر طه ناجي الذي حصل على ألف وسبعمائة صوت معظمهم من النصارى، إذ وعدهم بالقضاء على الأصولية الإسلامية، لكن لم يكتب له النجاح. ومن الشخصيات أيضًا حسان قرقريا نائب رئيس جمعية المشاريع الإسلامية، وكمال الحوتي وغيرهم، وهؤلاء هم الذين يشرفون على أكبر أجهزة الأبحاث والمخطوطات مثل: المؤسسة الثقافية للخدمات، ومركز الأبحاث والخدمات، وقد بدءوا أخيرًا في تحقيق كتب التراث تحقيقًا يحيلون على أسماء غريبة لا يعرفها حتى طلبة العلم، فمثلًا يقولون: قال الحافظ العبدري في دليله، فيدلسون على الناس فيظنون أن الحافظ من مشاهير علماء المسلمين مثل: الحافظ ابن حجر أو النووي؛ وإنما هو في الحقيقة شيخهم ينقلون من كتابه (الدليل القويم) مثلًا.

стр. 238

الأفكار والمعتقدات التي تبنتها فرقة الأحباش فهم يزعمون أنهم على مذهب الإمام الشافعي في الفقه والاعتقاد، ولكنهم في الحقيقة أبعد ما يكونون عن مذهب الإمام الشافعي -يرحمه الله- فالحبشي يزعم أن جبريل هو الذي أنشأ ألفاظ القرآن الكريم وليس الله تعالى، فالقرآن عنده ليس بكلام الله تعالى وإنما هو عبارة عن كلام جبريل كما في كتابه (إظهار العقيدة السنية) في صفحة خمسمائة وإحدى وتسعين. وهم في مسائل الإيمان من المرجئة؛ فالأحباش من المرجئة الجهمية في مسائل الإيمان، فهم يؤخرون العمل عن الإيمان، ويبقى الرجل عندهم مؤمنًا وإن ترك الصلاة وسائر الأركان، وهذا كما ورد في كتاب (الدليل القويم) في الصفحة السابعة، وكما ورد في كتاب (بغية الطالب) في الصفحة الحادية والخمسين أن الرجل يبقى مؤمنًا وإن ترك الصلاة وسائر الأركان، وتبعًا لذلك يقللون من شأن التحاكم إلى القوانين الوضعية، وتبعًا لذلك يقللون من شأن التحاكم إلى القوانين الوضعية المناقضة لحكم الله تعالى، فيقول مؤسس فرقتهم الحبشي: ومن لم يحكم شرع الله في نفسه فلا يؤدي شيئًا من فرائض الله، ولا يجتنب من المحرمات، ولكنه قال ولو مرة في العمر لا إله إلا الله، فهذا مسلم مؤمن، ويقال له أيضًا: مؤمن مذنب وهذا كما ورد في كتابه (الدليل القويم) في الصفحة التاسعة والعاشرة، وكتاب (بغية الطالب) في الصفحة الحادية والخمسين. وهم في مسائل الجبر جبرية منحرفة، فالأحباش في مسائل القدر يزعمون أن الله هو الذي أعان الكافر على كفره، وأنه لولا الله ما استطاع الكافر أن يكفر، هكذا ورد في (النهج السليم) في الصفحة الحادية والسبعين، ويرجح الأحباش بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة بما يؤيد مذهبهم حينما يحكمون بضعف الكثير من

стр. 239

الأحاديث الصحيحة التي لا تؤيد مذهبهم، ويكثر الحبشي من سب الصحابة وخاصة معاوية بن أبي سفيان الصحابي الجليل كاتب الوحي، وكذلك أم المؤمنين السيدة عائشة ﵃، وكذلك يطعن في خالد بن الوليد وغيره، ويقول الحبشي: إن الذين خرجوا على علي ﵁ ماتوا ميتة جاهلية، وكذلك يكثر من التحذير من تكفير ساب الصحابة؛ لا سيما الشيخين، وذلك إرضاء للروافض، وهذا الكلام موجود في كتابه (إظهار العقيدة) في صفحة مائة واثنتان وثمانين، ويعتقد الحبشي أن الله تعالى خلق الكون لا لحكمة، وأرسل الرسل لا لحكمة، وأن من ربط فعلًا من أفعال الله بالحكمة فهو مشرك. وكفَّر الحبشي العديد من العلماء فحكم على شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه كافر، وجعل من أول الواجبات على المكلف أن يعتقد كفره، لذلك يحذر أشد التحذير من كتبه، وكذا الإمام الذهبي فهو عنده خبيث، كما يزعم أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجرم قاتل كافر، ويرى كذلك أن الشيخ محمد ناصر الدين الألباني كافر، وكذلك الشيخ سيد سابق فيزعم أنه مجوسي كافر، أما الأستاذ سيد قطب فهو عنده من كبار الخوارج الكفرة في ظنه، وهذا ما ورد في (مجلة منار الهدى الحبشية) في العدد ٣ في الصفحة مائتان وأربعة وثلاثين، وكذلك ورد في (النهج السوي في الرد على سيد قطب وتابعه فيصل مولوي). أما ابن عربي صاحب مذهب وحدة الوجود ونظرية الحلول والاتحاد، فيعده الحبشي شيخ الإسلام. وللحبشي العديد من الفتاوى الشاذة القائلة بجواز التحايل في الدين، وأن النظر والاختلاط والمصافحة للمرأة الأجنبية حلال لا شيء فيه، بل للمرأة أن تخرج متعطرة متبرجة ولو بغير رضا زوجها، يبيح بيع الصبي الحر وشرائه، كما يجيز

стр. 240

للناس ترك زكاة العملة الورقية بدعوى أنه لا علاقة لها بالزكاة؛ إذ هي واجبة في الذهب والفضة، كما يجيز أكل الربا، ويجيز الصلاة متلبسًا بالنجاسة، وهذا ورد في كتابه (بغية الطالب) في الصفحة التاسعة والتسعين، وقد أثار الأحباش في أمريكا وفي كندا فتنة تغيير اتجاه القبلة حتى صارت لهم مساجد خاصة، إذ حرفوا القبلة تسعين درجة، وصاروا يتوجهون إلى عكس قبلة المسلمين؛ إذ يعتلبنان يصلون في جماعات خاصة بهم بعد انتهاء جماعة المسجد، كما اشتهر عنهم ضرب أئمقدون أن الأرض نصف كروية على شكل نصف البرتقالة، وفي ة المساجد والتطاول عليهم، وإلقاء الدروس في مساجدهم؛ لنشر أفكارهم على الرغم منهم، ويعملون على إثارة الشغب في المساجد، كل هذا بمد وعون من أعداء المسلمين بما يقدمون لهم من دعم ومؤازرة. الجذور الفكرية والعقائدية لفرقة الأحباش، ومواقع نفوذهم مما سبق يتبين أن الجذور الفكرية والعقائدية للأحباش تتلخص في الآتي: فهم في مسائل الإيمان مرجئة جهمية، وهم يعتقدون بعقيدة الجفري الباطنية، ولهم مجموعة من الأفكار والمناهج المنحرفة التي تجتمع على هدف الكيد للإسلام والمسلمين. الانتشار ومواقع النفوذ: ينتشر الأحباش في لبنان، فقد انتشرت فيها مدارسهم الضخمة وصارت حافلاتهم تملأ المدن، وأبنية مدارسهم تفوق سعة المدارس الحكومية، علاوة على الرواتب المغرية لمن ينضم إليهم ويعمل معهم، وأصبح لهم في لبنان إذاعة تبث

стр. 241

أفكارهم، وتدعو إلى مذهبهم. كذلك ينتشرون في أوربا وفي أمريكا، قد أثاروا القلاقل في كندا واستراليا والسويد والدنمارك، كما أثاروا الفتن في لبنان بسبب فتوى شيخهم بتحويل اتجاه القبلة إلى جهة الشمال. أفكار فرقة الأحباش والرد عليها: ونختار من أفكارهم مسألة تكفير المعين عندهم، ونرد عليها؛ فالأحباش يكفرون المعين بإطلاق لا يشترطون لهذا التكفير تحقق الشروط أو انتفاء الموانع، وهم يحتجون لذلك بتكفير الشافعي لحفص الفرد، وفي ذلك يقول الحبشي: ليعلم أنه لا يزول إثم الإيمان والإسلام عن المؤمن إلا بالردة التي هي أفحش أنواع الكفر، ويسمى عندئذ كافرًا، ولا يجوز مناداته بالمسلم ولا بالمؤمن، كما فعل الإمام الشافعي، فإنه قال لحفص الفرد بعد مناقشته في مسائل الكلام: لقد كفرت بالله العظيم. ففي (مناقب الشافعي) للبيهقي ما نصه عن محمد بن إسحاق بن خزيمة قال: سمعت الربيع يقول: لما كلم الشافعي حفصًا الفرد، فقال حفص: القرآن مخلوق. قال الشافعي: كفرت بالله العظيم. وفي حديث البخاري ((من بدل دينه فاقتلوه)) دليل على جواز تكفير المعين لأن المرتد لما يقتل يكون ذلك تكفيرًا له بالتعيين، وقال في موضع آخر مما يرد تأويل كلام الشافعي بأن مراده بقوله لحفص: لقد كفرت بالله العظيم كفران النعم لا كفران الجحود بالملة قول الحافظ بن أبي حاتم عن الربيع بن سليمان المرادي أنه قال: وكفر حفصًا الفرد أي: كفر الشافعي حفصًا، ومن المؤسف أيضًا أن نجد الأحباش قد أطلقوا ألسنتهم وأقلامهم بتكفير بعض الأعلام من أهل السنة والجماعة والدعاة المعاصرين، مثل شيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام محمد بن

стр. 242

عبد الوهاب، والعلامة الشيخ عبد العزيز بن باز، والعلامة الشيخ محمد بن العثيمين، والأستاذ سيد قطب، والشيخ أبو بكر الجزائري، والشيخ سيد سابق، وكان الشيخ الجزائري له كتاب (منهاج المسلم) وكتاب (عقيدة المسلم)، وسمى الحبشي الأول ضد منهاج الأول، وسمى الثاني ضد عقيدة المسلم، كذلك كفروا مفتي جبل لبنان محمد علي الجوزو، وكفروا الدكتور فتحي يكن، وكفروا الدكتور فيصل مولوي، وكفروا الشيخ حسن قاطورجي، وخالد كنعان، وغيرهم من العلماء والدعاة. أما من جهة الناس فقد تسرعوا في إطلاق التكفير على أعيان المسلمين دونما تثبت، وسببوا في هذا فتنًا أشغلت الرأي العام وأهل الفتوى بلبنان. إذا أردنا مناقشة الأحباش في مسألة تكفير المعين نقول: إن إطلاق الحبشي تكفير المعين بدون قيد أو شرط، خطأ يخالف فيه معتقد أهل السنة والجماعة، فمذهب أهل السنة والجماعة وسطًا بين من غلا فادَّعى تكفير المعين بإطلاق كما فعل الحبشي، وبين من جفا عنه فامتنع عن تكفير المعين بإطلاق كذلك، وهذان الطرفان على جانب كبير من الغلو والتفريط؛ لهذا كان من منهج أهل السنة عند الحكم بالتكفير التفريق بين الإطلاق والتعيين، وبين وصف الفعل ووصف الفاعل، فهم يُطلقون التكفير على العموم مثل قولهم: من استحل ما هو معلوم من الدين بالضرورة كفر، ومن قال: إن القرآن مخلوق كفر، ولكن تحقق التكفير على المعين لا بد له من توفر شروط وانتفاء موانع. وفي بيان ذلك يقول ابن تيمية ﵀: "فقد يكون الفعل أو المقالة كفرًا ويطلق القول بتكفير من قال تلك المقالة، أو فعل ذلك الفعل، ويقال: من قال كذا فهو كافر، أو من فعل ذلك فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قال ذلك

стр. 243

القول، أو فعل ذلك الفعل لا يُحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها"، وهذا الأمر مطرد في نصوص الوعيد عند أهل السنة والجماعة فلا يشهد على معين من أهل القبلة بأنه من أهل النار؛ لجواز ألا يلحقه لفوات شرط أو لثبوت مانع. ويقرر هذا المعنى أيضًا العلامة محمد صديق حسن خان ﵀ فيقول: "تسجيل أهل السنة على بعض الفرق بأن عقيدتها كفر، والقول الفلاني كفر، ويصير المرء بالقول الفلاني كافرًا مثلًا، فهذه رواية منهم لما ورد عن الله، وعن رسول الله ﷺ فيهم، وهم مع ذلك مقتصرون على ما ورد لا يزيدون فيه ولا ينقصون منه، ولا يفرطون، ولا يتطرفون، ولا ينصون على شخص واحد، ورجل خاص أنه كافر، أو أنه في النار؛ بل قولهم في هذه المواضع كقوله ﷺ ((من ترك الصلاة متعمدًا فقد كفر))، وقوله ﷺ ((لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)) ونحو ذلك من العبارات ((ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا أو يقولون كذا وكذا))، فهذه قاعدة عظيمة بني عليها منهج أهل السنة في مسألة التكفير، وقد انتهجها علماؤهم وأئمتهم، فمذهبهم مبني على التفصيل والتفريق بين النوع والعين، أو بين الإطلاق والتعيين، لا كما يفعل الحبشي فيكفر المعين بإطلاق دون ضوابط أو شروط. أما استدلال الحبشي بتكفير الإمام الشافعي لحفص الفرد فلا يُؤخذ هذا على إطلاقه، بل لعل الشافعي أراد أن قوله كفر، أو أنه من باب التغليظ ونحو ذلك، وهذا ما فهمه الأئمة من كلام الشافعي ف، هو من باب التنفير من البدع الخطيرة، يقول ابن تيمية: "فإذا رأيت إمامًا قد غلظ على قائل مقالته أو كفره؛ فلا يعتبر هذا حكمًا عامًّا في كل من قالها، إلا إذا حصل الشرط الذي يستحق به التغليظ

стр. 244

والتكفير له". مقصود ابن تيمية أنه لا يلزم أنه إذا كفر شخصًا بفعل، أن يكفر كل من فعل فعله إلا إذا توفر الشرط، ومن تخريجات الأئمة لكلام الإمام الشافعي ما قاله الإمام البغوي ﵀: "وأجاز الشافعي شهادة أهل البدع والصلاة خلفهم مع الكراهية على الإطلاق" فهذا القول منه يعني تكفير حفص الفرد، دليل على أنه إن أطلق على بعضهم اسم الكفر في موضع أراد به كفرًا دون كفر. وقال البيهقي ﵀: "وكل من لم يقل من أصحابنا بتكفير أهل الأهواء من أهل القبلة؛ فإنه يحمل قول السلف ﵃ في تكفيرهم على كفر دون كفر" كما روى ابن عباس ﵁ في قوله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ يعني: كفرًا دون كفر. وقال ابن تيمية ﵀: "بُيِّن لنا أن هذا القول كفر ولم يحكم بردة حفص لمجرد ذلك؛ لأنه لم يتبين له الحجة التي يكفر بها، ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله، قد صرح في كتبه بقبول شهادة أهل الأهواء والصلاة خلفهم". ونقل النووي قول الشافعي -رحمه الله تعالى: "أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم"، ثم علق عليه بقوله: "ولم يزل السلف والخلف يرون الصلاة وراء المعتزلة ونحوهم ومناكحتهم وموارثتهم، وإجراء سائر الأحكام عليهم"، قد تأول الإمام الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي وغيره من أصحابنا المحققين ما نُقل عن الشافعي وغيره من العلماء من تكفير القائل بخلق القرآن، على أن المراد كفران النعمة لا كفران الخروج عن الملة، وحملهم على هذا التأويل ما ذكرته من إجراء أحكام الإسلام عليهم، وقال الإمام الذهبي ﵀: "هذا دال على مذهب أبي عبد الله -يعني: الشافعي- أن الخطأ في الأصول ليس كالخطأ في الاجتهاد في الفروع، فهؤلاء أئمة

стр. 245

كبار من الشافعية وغيرهم، وهم أعرف بمذهب الشافعي، ومراده من هذا الحبشي الذي اتخذ من القصة دليلًا على التكفير بالتعيين مطلقًا، وليس فيها دليلًا على ما يريده من تكفير لعلماء المسلمين وغيرهم بالتعيين. وعلى فرض أن الشافعي كفر حفصًا الفرد بعينه، فلقيام الدليل عنده على كفره؛ لاستيفاء الشروط وانتفاء الموانع، لا كما يفعل الحبشي الذي أطلق التكفير بالتعيين على علماء أهل السنة، بل وبغير حق أو دليل. أما حديث ((من بدَّل دينه فاقتلوه)) واستدلال الحبشي به على إطلاق تكفير المعين، فهذا حكم المرتد الذي توفرت فيه الشروط، وانتفت عنه الموانع، وحُكم بردته، فيستتاب فإن تاب وإلا قتل. البلاليون وعن البلاليين أو أمة الإسلام في الغرب -كما يسمون أنفسهم-: نبدأ الحديث فنقول: إن حركة أمة الإسلام حركة ظهرت بين السود في أمريكا، وقد تبنت الإسلام بمفاهيم خاصة غلبت عليها الروح العنصرية، وعُرفت فيما بعد باسم البلاليين بعد أن صححت كثيرًا من معتقداتها وأفكارها. التأسيس وأبرز الشخصيات: فمؤسس هذه الحركة هو والاس فارد، وهو شخص أسود غامض النسب ظهر فجأة في ديترويت عام ١٩٣٠ داعيًا إلى مذهبه بين السود، قد اختفى بصورة غامضة في يونيو سنة ١٩٣٤، ثم جاء من بعده إليجابول، أو إليجا محمد، قد ولد سنة ١٨٩٨ وتوفي سنة ١٩٧٥ للميلاد، والتحق بالحركة التي

стр. 246

أسسها والاس، وترقى في مناصبها حتى صار رئيسًا لها، وخليفة لوالاس فارد من بعده. وقد زار السعودية عام ١٩٥٩، وتجول في تركيا وأثيوبيا والسودان والباكستان يرافقه ابنه والاس محمد الذي كان يقوم بالترجمة. ومن أبرز شخصياتها أيضًا مالكوم إكس أو مالك شباز، وكان رئيسًا للمعبد رقم ٧ بنيويورك، وهو خطيب ومفكر قام برحلة إلى الشرق العربي، وحج سنة ١٩٦٣، ولما عاد تنكر لمبادئ الحركة العنصرية، وخرج عليها وشكل فرقة عُرفت باسم جماعة أهل السنة، وقد اغتيل في فبراير سنة ١٩٦٥. ومن أبرز الشخصيات أيضًا لويس فرخان الذي دخل في الإسلام سنة ١٩٥٠ ميلادية، وخلف مالكوم إكس على رئاسة معبد رقم ٧، وهو أيضًا خطيب وكاتب ومحاضر، وعلى صلة قوية بالعقيد القذافي، وهو يدعو إلى قيام دولة مستقلة بالسود في أمريكا ما لم يحصلوا على حقوقهم الاجتماعية والسياسية كاملة. ومن أبرز الشخصيات أيضًا والاس محمد الذي تسمى باسم وارث الدين محمد، قد ولد في ديترويت في سنة ١٩٣٣، وعمل رئيسًا للحركة في معبد فيلادلفيا من سنة ١٩٥٨ حتى سنة ١٩٦٠، وأدَّى فريضة الحج سنة ١٩٦٧ كما تكررت زياراته للملكة العربية السعودية. قد انفصل عن الحركة وتخلى عن مبادئ والده سنة ١٩٦٤، لكنه عاد إليها قبيل وفاة والده بخمسة أشهر آملًا في إدخال إصلاحات على الحركة من داخلها. وقد حضر المؤتمر الذي عقدته رابطة العالم الإسلامي في نيويورك بولاية نيوجرسي عام ١٩٧٧، وقام بزيارة للمركز الإسلامي بواشنطن في ديسمبر سنة ١٩٧٥، وحضر على رأس وفد المؤتمر الإسلامي المنعقد في كندا سنة ١٩٧٧، وفي كل مرة من هذه المؤتمرات كان يُعلن عن صدق توجهه الإسلامي، وأنه سيسعى إلى تغيير المفاهيم الخاطئة في جماعته.

стр. 247

قد زار المملكة العربية السعودية عام ١٩٧٦، وكذلك تركيا وعدد من بلاد المشرق، وقد أعلن في عام ١٩٧٥ عن الشخصيات التي سيعتمد عليها في رئاسته للجماعة، والذين من أبرزهم مساعداه الخاصان كريم عبد العزيز والدكتور نعيم أكبر، والمتحدث باسم المنظمة عبد الحليم فرخان، ومستشارون للنواحي الثقافية دكتور عبد العليم شباز، ودكتورة فاطمة علي وفهيمة سلطان، والأمين العام جون عبد الحق، ورئيس القيادة العسكرية إليجا محمد الثاني. ومن أبرز الشخصيات أيضًا ريموند شريف وأمينة رسول المسئولة عن جهاز تطوير المرأة، ودكتور مايكل رمضان الممثل لجميع لجان المساجد ورئيس لجان التوجيه، إبراهيم كمال الدين المشرف على هيئة فرقة الأرض الحديثة، وسلطان محمد أحد أحفاد إليجا محمد، ومحمد علي كلاي الملاكم العالمي المعروف، ويقال: بأن مالكوم إكس هو الذي اجتذبه إلى الحركة كما أنه كان أحد أعضاء المجلس الذي أنشأه والاس محمد بعد تسلمه رئاسة الحركة من أجل التخطيط للأمور المهمة بالجماعة. الأفكار والمعتقدات للبلاليون، وانتشارهم ومواقع نفوذهم الأفكار والمعتقدات التي يعتقدها البلاليون: إن أفكار هذه الحركة قد تطورت تدريجيًّا متأثرة بشخصية الزعيم الذي يدير أمورها، ولذا فإنه لابد من تقسيم تطور الحركات إلى ثلاث فترات: أولًا: في عهد مؤسسها الأول وهو والاس فورد، وقد عرفت المنظمة منذ تأسيسها باسم أمة الإسلام، كما عُرفت باسم آخر هو أمة الإسلام المفقودة المكتشفة، وبرزت أهم أهدافها فيما يلي:

стр. 248

أولًا: التأكيد على الدعوة إلى الحرية والمساواة والعدالة والعمل على الرقي بأحوال الجماعة. ثانيًا: التركيز على تفوق العنصر الأسود وأصالته، والتأكيد على انتمائهم إلى الأصل الأفريقي والتهجم على البيض، ووصفهم بالشياطين. ثالثًا: العمل على تحويل أتباعها من التوراة والإنجيل إلى القرآن، مع استمرار الأخذ من الكتاب المقدس في بعض الأفكار، وقد أنشأ زعيمها منظمتين واحدة للنساء، وأطلق عليها اسم تدريب البنات المسلمات، وأخرى للرجال وأسماها ثمرة الإسلام؛ بغية إيجاد جيش قوي يحمي الحركة، ويدعم مركزها الاجتماعي والسياسي. ثانيًا: أفكار البلاليين في عهد إليجا محمد: قد أعلن إليجا محمد أن الإله ليس شيئًا غيبيًّا، بل يجب أن يكون متجسدًا في شخص وهذا الشخص هو فرد الذي حل فيه الإله، وهو جدير بالدعاء والعبادة، وقد أدخل بذلك مفاهيم باطنية على فكر جماعته، واتخذ لنفسه مقام النبوة، وصار يتصف بلقب رسول، وحرم على أتباعه القمار، وشرب الخمور، والتدخين، والإفراط في الطعام، والزنا، ومنع اختلاط المرأة برجل أجنبي عنها، وحثهم على الزواج داخل أبناء وبنات الحركة، كما منع أتباعه من ارتياد أماكن اللهو والمقاهي العامة. وأصر على إعلاء العنصر الأسود واعتباره مصدرًا لكل معاني الخير، مع الاستمرار في ازدراء العرق الأبيض ووصفه بالضعة والدنيا. ولا شك أن الاكتتاب في الحركة مقصور على السود دون البيض بشكل قطعي لا مجال لمناقشته إطلاقًا. لا يؤمن إليجا محمد إلا بما يخضع للحس، وعليه فإنه لا يؤمن بالملائكة ولا يؤمن كذلك بالبعث الجسماني؛ لأن البعث لديه ليس أكثر من بعث

стр. 249

عقلي للسود الأمريكيين، وكذلك لا يؤمن إليجا محمد بختم الرسالة عند النبي محمد ﷺ بل، ويعلن أنه هو خاتم الرسل؛ إذ ما من رسول إلا ويأتي بلسان قومه، وهو -أي إليجا محمد- قد جاء نبيًّا يوحى إليه من قبل فارد بلسان قومه السود. يؤمن إليجا محمد وأتباعه بالكتب السماوية لكنه يؤمن بأن كتابًا خاصًّا سوف ينزل على قومه السود، والذي يكون بذلك الكتاب السماوي الأخير للبشرية، والصلاة على عهده كانت عبارة عن قراءة الفاتحة، أو آيات أخرى، ودعاء مأثور مع التوجه نحو مكة، واستحضار صورة فارد في الأذهان، وهي خمس مرات في اليوم. صيام شهر ديسمبر من كل عام عوضًا عن صوم رمضان، ويدفع كل عضو عشر دخله للحركة، قد ألف عددًا من الكتب التي تبين أفكاره منها: كتاب (رسالة إلى الرجل الأسود في أمريكا)، وكتاب (منقذنا قد وصل)، وكتاب (الحكمة العليا)، وكتاب (سقوط أمريكا)، وكتاب (كيف تأكل لتعيش)، وأنشأ صحيفة تنطق بلسانهم أسماها محمد يتكلم. ثالثًا: عقائد هذه الفرقة في عهد وارث الدين محمد، وقد اختار وارث الدين في سنة ١٩٧٥ اسمًا جديدًا لمنظمته هو البلاليون، نسبة لبلال الحبشي مؤذن رسول الله ﷺ ، وألغى وارث الدين في السنة نفسها قانون منع البيض من الانضمام إلى الحركة. في سنة ١٩٧٦ ظهر في قاعة الاحتفالات عدد من البيض المنضمين إليهم جنبًا إلى جنب مع السود، قد صار في عهده العلم الأمريكي يوضع إلى جانب علم المنظمة بعد أن كان ذلك العلم يمثل الرجل الأبيض ذا العيون الزرقاء، الشيطان القوقازي كما يقولون، وفي التاسع والعشرين من شهر أغسطس سنة ١٩٧٥ صدر قرار بضرورة صوم رمضان، والاحتفال بعيد الفطر. وفي الرابع عشر من شهر نوفمبر سنة ١٩٧٥ تحول اسم الصحيفة من محمد يتكلم إلى اسم بلاليان نيوز،

стр. 250

ثم أصبح بعد ذلك اسمها الجريدة الإسلامية، وبعد ذلك أعلن وارث الدين محمد أن لقبه هو الإمام الأكبر بدلًا من رئيس الرؤساء، كما أنه غير كلمة رؤساء المعابد إلى كلمة إمام. وقد حصر اهتمامه في الأمور الدينية، بينما وزع الأمور الأخرى على القياديين في الحركة، وتم إعداد المعابد؛ لتكون صالحة لإقامة الصلاة، وأصدر في الثالث من أكتوبر سنة ١٩٧٥ أمرًا بأن تكون الصلاة على الهيئة الصحيحة المعروفة لدى المسلمين خمس مرات في اليوم، كما أكد على الخلق الإسلامي والأدب والذوق، وحسن الهندام، ولبس الحشمة بالنسبة للمرأة، ويقوم الدعاة في الحركة بزيارة السجود؛ لنشر الدعوة بين المساجين، وقد لاحظت سلطات الأمن أن السجين الأسود الذي يُعرف عنه التمرد وعدم الطاعة داخل السجن يصبح أكثر استقامة وانضباطًا بمجرد دخوله للإسلام، ومن هنا فإن السلطات تسر بقيام الدعاة بدعوتهم هذه بين المساجين. ويصر أيضًا على تصحيح المفاهيم الإسلامية التي اعتنقتها الحركة منذ أيام فارد وإليجا محمد بطريقة خاطئة، فيحاول وارث الدين محمد أن يصوبها. والأمور التي ذكرناها تدل على أن هناك تحسنًا نوعيًّا قد طرأ على أفكار ومعتقدات الحركة قياسًا على ما كانت عليه في من سبقه، لكنها لا تزال بحاجة إلى إصلاحات عقائدية وتطبيقية حتى تكون على الجادة الإسلامية. الجذور الفكرية والعقائدية لفرقة البلاليين: قد قامت هذه الحركة على أنقاض حركتين قويتين ظهرت بين السود هما الحركة المورية التي دعا إليها الزنجي الأمريكي تيموث إينوبل، الذي أسس حركته سنة ١٩١٣، وهي دعوة فيها خليط من المبادئ الاجتماعية والعقائد الدينية المختلفة، وهم يعدون أنفسهم مسلمين لكن حركتهم أصيبت بالضعف إثر وفاة زعيمها.
следующие страницы →