← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 1075

اتجاهات فكرية معاصرة - جامعة المدينة

جامعة المدينة العالمية

Полный текст (366 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أسسها والاس، وترقى في مناصبها حتى صار رئيسًا لها، وخليفة لوالاس فارد من بعده. وقد زار السعودية عام ١٩٥٩، وتجول في تركيا وأثيوبيا والسودان والباكستان يرافقه ابنه والاس محمد الذي كان يقوم بالترجمة. ومن أبرز شخصياتها أيضًا مالكوم إكس أو مالك شباز، وكان رئيسًا للمعبد رقم ٧ بنيويورك، وهو خطيب ومفكر قام برحلة إلى الشرق العربي، وحج سنة ١٩٦٣، ولما عاد تنكر لمبادئ الحركة العنصرية، وخرج عليها وشكل فرقة عُرفت باسم جماعة أهل السنة، وقد اغتيل في فبراير سنة ١٩٦٥. ومن أبرز الشخصيات أيضًا لويس فرخان الذي دخل في الإسلام سنة ١٩٥٠ ميلادية، وخلف مالكوم إكس على رئاسة معبد رقم ٧، وهو أيضًا خطيب وكاتب ومحاضر، وعلى صلة قوية بالعقيد القذافي، وهو يدعو إلى قيام دولة مستقلة بالسود في أمريكا ما لم يحصلوا على حقوقهم الاجتماعية والسياسية كاملة. ومن أبرز الشخصيات أيضًا والاس محمد الذي تسمى باسم وارث الدين محمد، قد ولد في ديترويت في سنة ١٩٣٣، وعمل رئيسًا للحركة في معبد فيلادلفيا من سنة ١٩٥٨ حتى سنة ١٩٦٠، وأدَّى فريضة الحج سنة ١٩٦٧ كما تكررت زياراته للملكة العربية السعودية. قد انفصل عن الحركة وتخلى عن مبادئ والده سنة ١٩٦٤، لكنه عاد إليها قبيل وفاة والده بخمسة أشهر آملًا في إدخال إصلاحات على الحركة من داخلها. وقد حضر المؤتمر الذي عقدته رابطة العالم الإسلامي في نيويورك بولاية نيوجرسي عام ١٩٧٧، وقام بزيارة للمركز الإسلامي بواشنطن في ديسمبر سنة ١٩٧٥، وحضر على رأس وفد المؤتمر الإسلامي المنعقد في كندا سنة ١٩٧٧، وفي كل مرة من هذه المؤتمرات كان يُعلن عن صدق توجهه الإسلامي، وأنه سيسعى إلى تغيير المفاهيم الخاطئة في جماعته.

стр. 247

قد زار المملكة العربية السعودية عام ١٩٧٦، وكذلك تركيا وعدد من بلاد المشرق، وقد أعلن في عام ١٩٧٥ عن الشخصيات التي سيعتمد عليها في رئاسته للجماعة، والذين من أبرزهم مساعداه الخاصان كريم عبد العزيز والدكتور نعيم أكبر، والمتحدث باسم المنظمة عبد الحليم فرخان، ومستشارون للنواحي الثقافية دكتور عبد العليم شباز، ودكتورة فاطمة علي وفهيمة سلطان، والأمين العام جون عبد الحق، ورئيس القيادة العسكرية إليجا محمد الثاني. ومن أبرز الشخصيات أيضًا ريموند شريف وأمينة رسول المسئولة عن جهاز تطوير المرأة، ودكتور مايكل رمضان الممثل لجميع لجان المساجد ورئيس لجان التوجيه، إبراهيم كمال الدين المشرف على هيئة فرقة الأرض الحديثة، وسلطان محمد أحد أحفاد إليجا محمد، ومحمد علي كلاي الملاكم العالمي المعروف، ويقال: بأن مالكوم إكس هو الذي اجتذبه إلى الحركة كما أنه كان أحد أعضاء المجلس الذي أنشأه والاس محمد بعد تسلمه رئاسة الحركة من أجل التخطيط للأمور المهمة بالجماعة. الأفكار والمعتقدات للبلاليون، وانتشارهم ومواقع نفوذهم الأفكار والمعتقدات التي يعتقدها البلاليون: إن أفكار هذه الحركة قد تطورت تدريجيًّا متأثرة بشخصية الزعيم الذي يدير أمورها، ولذا فإنه لابد من تقسيم تطور الحركات إلى ثلاث فترات: أولًا: في عهد مؤسسها الأول وهو والاس فورد، وقد عرفت المنظمة منذ تأسيسها باسم أمة الإسلام، كما عُرفت باسم آخر هو أمة الإسلام المفقودة المكتشفة، وبرزت أهم أهدافها فيما يلي:

стр. 248

أولًا: التأكيد على الدعوة إلى الحرية والمساواة والعدالة والعمل على الرقي بأحوال الجماعة. ثانيًا: التركيز على تفوق العنصر الأسود وأصالته، والتأكيد على انتمائهم إلى الأصل الأفريقي والتهجم على البيض، ووصفهم بالشياطين. ثالثًا: العمل على تحويل أتباعها من التوراة والإنجيل إلى القرآن، مع استمرار الأخذ من الكتاب المقدس في بعض الأفكار، وقد أنشأ زعيمها منظمتين واحدة للنساء، وأطلق عليها اسم تدريب البنات المسلمات، وأخرى للرجال وأسماها ثمرة الإسلام؛ بغية إيجاد جيش قوي يحمي الحركة، ويدعم مركزها الاجتماعي والسياسي. ثانيًا: أفكار البلاليين في عهد إليجا محمد: قد أعلن إليجا محمد أن الإله ليس شيئًا غيبيًّا، بل يجب أن يكون متجسدًا في شخص وهذا الشخص هو فرد الذي حل فيه الإله، وهو جدير بالدعاء والعبادة، وقد أدخل بذلك مفاهيم باطنية على فكر جماعته، واتخذ لنفسه مقام النبوة، وصار يتصف بلقب رسول، وحرم على أتباعه القمار، وشرب الخمور، والتدخين، والإفراط في الطعام، والزنا، ومنع اختلاط المرأة برجل أجنبي عنها، وحثهم على الزواج داخل أبناء وبنات الحركة، كما منع أتباعه من ارتياد أماكن اللهو والمقاهي العامة. وأصر على إعلاء العنصر الأسود واعتباره مصدرًا لكل معاني الخير، مع الاستمرار في ازدراء العرق الأبيض ووصفه بالضعة والدنيا. ولا شك أن الاكتتاب في الحركة مقصور على السود دون البيض بشكل قطعي لا مجال لمناقشته إطلاقًا. لا يؤمن إليجا محمد إلا بما يخضع للحس، وعليه فإنه لا يؤمن بالملائكة ولا يؤمن كذلك بالبعث الجسماني؛ لأن البعث لديه ليس أكثر من بعث

стр. 249

عقلي للسود الأمريكيين، وكذلك لا يؤمن إليجا محمد بختم الرسالة عند النبي محمد ﷺ بل، ويعلن أنه هو خاتم الرسل؛ إذ ما من رسول إلا ويأتي بلسان قومه، وهو -أي إليجا محمد- قد جاء نبيًّا يوحى إليه من قبل فارد بلسان قومه السود. يؤمن إليجا محمد وأتباعه بالكتب السماوية لكنه يؤمن بأن كتابًا خاصًّا سوف ينزل على قومه السود، والذي يكون بذلك الكتاب السماوي الأخير للبشرية، والصلاة على عهده كانت عبارة عن قراءة الفاتحة، أو آيات أخرى، ودعاء مأثور مع التوجه نحو مكة، واستحضار صورة فارد في الأذهان، وهي خمس مرات في اليوم. صيام شهر ديسمبر من كل عام عوضًا عن صوم رمضان، ويدفع كل عضو عشر دخله للحركة، قد ألف عددًا من الكتب التي تبين أفكاره منها: كتاب (رسالة إلى الرجل الأسود في أمريكا)، وكتاب (منقذنا قد وصل)، وكتاب (الحكمة العليا)، وكتاب (سقوط أمريكا)، وكتاب (كيف تأكل لتعيش)، وأنشأ صحيفة تنطق بلسانهم أسماها محمد يتكلم. ثالثًا: عقائد هذه الفرقة في عهد وارث الدين محمد، وقد اختار وارث الدين في سنة ١٩٧٥ اسمًا جديدًا لمنظمته هو البلاليون، نسبة لبلال الحبشي مؤذن رسول الله ﷺ ، وألغى وارث الدين في السنة نفسها قانون منع البيض من الانضمام إلى الحركة. في سنة ١٩٧٦ ظهر في قاعة الاحتفالات عدد من البيض المنضمين إليهم جنبًا إلى جنب مع السود، قد صار في عهده العلم الأمريكي يوضع إلى جانب علم المنظمة بعد أن كان ذلك العلم يمثل الرجل الأبيض ذا العيون الزرقاء، الشيطان القوقازي كما يقولون، وفي التاسع والعشرين من شهر أغسطس سنة ١٩٧٥ صدر قرار بضرورة صوم رمضان، والاحتفال بعيد الفطر. وفي الرابع عشر من شهر نوفمبر سنة ١٩٧٥ تحول اسم الصحيفة من محمد يتكلم إلى اسم بلاليان نيوز،

стр. 250

ثم أصبح بعد ذلك اسمها الجريدة الإسلامية، وبعد ذلك أعلن وارث الدين محمد أن لقبه هو الإمام الأكبر بدلًا من رئيس الرؤساء، كما أنه غير كلمة رؤساء المعابد إلى كلمة إمام. وقد حصر اهتمامه في الأمور الدينية، بينما وزع الأمور الأخرى على القياديين في الحركة، وتم إعداد المعابد؛ لتكون صالحة لإقامة الصلاة، وأصدر في الثالث من أكتوبر سنة ١٩٧٥ أمرًا بأن تكون الصلاة على الهيئة الصحيحة المعروفة لدى المسلمين خمس مرات في اليوم، كما أكد على الخلق الإسلامي والأدب والذوق، وحسن الهندام، ولبس الحشمة بالنسبة للمرأة، ويقوم الدعاة في الحركة بزيارة السجود؛ لنشر الدعوة بين المساجين، وقد لاحظت سلطات الأمن أن السجين الأسود الذي يُعرف عنه التمرد وعدم الطاعة داخل السجن يصبح أكثر استقامة وانضباطًا بمجرد دخوله للإسلام، ومن هنا فإن السلطات تسر بقيام الدعاة بدعوتهم هذه بين المساجين. ويصر أيضًا على تصحيح المفاهيم الإسلامية التي اعتنقتها الحركة منذ أيام فارد وإليجا محمد بطريقة خاطئة، فيحاول وارث الدين محمد أن يصوبها. والأمور التي ذكرناها تدل على أن هناك تحسنًا نوعيًّا قد طرأ على أفكار ومعتقدات الحركة قياسًا على ما كانت عليه في من سبقه، لكنها لا تزال بحاجة إلى إصلاحات عقائدية وتطبيقية حتى تكون على الجادة الإسلامية. الجذور الفكرية والعقائدية لفرقة البلاليين: قد قامت هذه الحركة على أنقاض حركتين قويتين ظهرت بين السود هما الحركة المورية التي دعا إليها الزنجي الأمريكي تيموث إينوبل، الذي أسس حركته سنة ١٩١٣، وهي دعوة فيها خليط من المبادئ الاجتماعية والعقائد الدينية المختلفة، وهم يعدون أنفسهم مسلمين لكن حركتهم أصيبت بالضعف إثر وفاة زعيمها.

стр. 251

والحركة الثانية التي قامت على أنقاضها هي منظمة ماركوس جرفي، وقد أسس منظمة سياسية للسود، وتتصف هذه الحركة بأنها نصرانية لكن على أساس جعل المسيح أسود وأمه سوداء، وقد أُبعد زعيمها عن أمريكا سنة ١٩٢٥ مما أدى كذلك إلى اندثار هذه الحركة، لهذا يمكن أن يقال: بأن هذه الحركة تنظر إلى الإسلام على أنه إرث روحي يمكن أن ينقذ السود من سيطرة البيض، ويدفع بهم إلى تشكيل أمة خاصة متميزة لها حقوقها ومكاسبها ومكانتها. الانتشار ومواقع النفوذ لهذه الفرقة: يبلغ عدد السود في أمريكا أكثر من ٣٥ مليون نسمة، منهم حوالي مليون مسلم، وكانوا يسمون مساجدهم معابد، ولهم الآن ثمانون شعبة في مختلف المدن الأمريكية، كما أن مدارسهم قد بلغت أكثر من ستين معهدًا في شتى أنحاء أمريكا، وتخصص الحصة الأولى كل يوم لتعليم الدين الإسلامي، ويتركز المسلمون السود في ديترويت، وشيكاغو، وواشنطن، ومعظم المدن الأمريكية الكبيرة، ويحلمون بقيام دولة مستقلة، وهم يناصرون قضايا السود عامة. ويتضح مما سبق أن أمة الإسلام في الغرب هي حركة مذهبية فكرية ادَّعت انتسابها إلى الإسلام، ولكنها أفرغته أمدًا طويلًا من جوهره ومضمونه، ذلك أنها في عهدها الأول إن كانت قد دعت إلى تحويل أتباعها صوب القرآن، إلا أنها أبقت على فكرة الاستمرار في الأخذ من التوراة والإنجيل، وكذلك في عهدها الثاني اتبعت المفاهيم الباطنية، وفي عهدها الثالث اتخذت هذه المنظمة اسمًا جديدًا هو البلاليون نسبة إلى بلال الحبشي مؤذن الرسول، وقد أمر وارث الدين محمد بأن تكون الصلاة على الهيئة الصحيحة المعروفة مع تصحيح المفاهيم الإسلامية السابقة لديهم، وبدأ الاتجاه الحقيقي لهم صوب الإسلام بمفهومه الحق. وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 252

الدرس: ١٦ الاستشراق (١) .

стр. 253

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السادس عشر (الاستشراق (١)) تعريف الاستشراق والمستشرقين الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وخاتم النبيين سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: الاستشراق: تعريف الاستشراق: والاستشراق هو مصطلح أطلقه غير الشرقيين على الدراسات المتعلقة بالشرقيين، فهو يعني دراسة الشرق والشرقيين شعوب الشرق وتاريخه، وأديانه، ولغاته، وأوضاعه الاجتماعية، وبلدان الشرقيين، وسائر أراضيهم، وما فيها من كنوز وخيرات، وكذلك دراسة حضاراتهم وكل ما يتعلق بهم. وكان هدف الغربيين من هذا الإطلاق العام الذي يشمل كل الشرق والشرقيين مسلمين، أو غير مسلمين أن يكون غطاءً للهدف الأساسي؛ الذي هو دراسة كل ما يتعلق بالإسلام والمسلمين لخدمة أغراض التبشير من جهة، وخدمة أغراض الاستعمار الغربي لبلدان المسلمين من جهة أخرى، ثم لإعداد الدراسات اللازمة لمحاربة الإسلام وتحطيم الأمة الإسلامية وتجزئتها، وتفتيت وحدتها، ثم توسعت الدراسات الاستشراقية بعد توسع الاستعمار الغربي في الشرق؛ فتناولت دراسة جديد ديانات الشرق وعاداته، وحضاراته، وجغرافيته، وتقاليده، ولغاته، وكل ما يتعلق به. فالمستشرقون هم الذين يقومون بالدراسات الاستشراقية من غير الشرقيين، ويقدمون نصائحهم ودراساتهم ووصاياهم أولًا للمبشرين؛ بغية تحقيق أهداف التنصير والتبشير، وثانيًا يقدمون نصائحهم للدوائر الاستعمارية؛ بغية تحقيق أهداف، الاستعمار بل إن كثيرًا من المستشرقين قساوسة منتظمون في السلك الكنسي، فهم بمقتضى مهنتهم أصحاب مهمات تنصيرية، وكثير من المستشرقين موظفون ببلدانهم في الدوائر السياسية والإدارية المختصة بشئون الاستعمار بصفة باحثين، أو مستشارين، أو نحو ذلك.

стр. 254

كما اندسَّ في الاستشراق يهود كثيرون ينافقون النصارى، ويخدمون سرًّا أهدافًا يهودية ضمن المخطط اليهودي العام، وظهر ضمن المستشرقين نفر عني بالدراسات الاستشراقية؛ رغبة في البحث العلمي المتجرد، دون أن يكون مدفوعًا بدافع تنصيري أو دافع استعماري، وكان من بعض هؤلاء إنصاف للحقيقة دون تحيز، وبعض هؤلاء المنصفين تأثر بالإسلام وبالحضارة الإسلامية، واستطاع أن يتحرر من تقاليده العمياء، وعصبيته الجاهلية فأسلم. ثم اتسعت الدراسات الاستشراقية لأهداف متعددة اقتصادية وسياسية، وعسكرية، وعلمية، وغير ذلك واحتلَّ كثير من المستشرقين مراكز علمية مرموقة في الجامعات الغربية، وأوكل إليهم في هذه الجامعات أمر منح الشرقيين في العلوم الإسلامية والعربية الشهادات العليا، كالماجستير، والدكتوراه؛ بغية صناعة حملة شهادات من بلدان العالم الإسلامي طبق ما يريده المنصرون والمستعمرون. واستغل اليهود هذا المجال من مجالات الاستشراق استغلالًا واسعًا حتى أمسى عدد وفير من كراسي الأستاذية للدراسات الاستشراقية في الجامعات الغربية يحتله اليهود؛ يعملون لتحقيق أهداف اليهود، وهم يلبسون بين النصارى أقنعة مزورة، كما أن لليهود مندسين كثيرين في كل مجال من مجالات الاستشراق الأخرى بأسماء يهودية، أو بأسماء مستعارة. موجز تاريخ الاستشراق فلا يعرف بالضبط من هو أول غربي عني بالدراسات الشرقية، ولا في أي وقت كان ذلك؛ ولذلك اختلف العلماء في تحديد البداية الحقيقية للاستشراق، ولكن من المؤكد أن بعض الرهبان الغربيين قصدوا الأندلس في إبان عظمتها ومجدها، وتثقفوا في مدارسها، وترجموا القرآن والكتب العربية إلى لغتهم، وتتلمذوا على

стр. 255

علماء المسلمين في مختلف العلوم، وبخاصة في الطب، والفلسفة، والرياضيات. ومن هؤلاء الرهبان الراهب الفرنسي جربرت الذي انتخب بابا لكنيسة روما عام ٩٩٩، بعد تعلمه في معاهد الأندلس، وعودته إلى بلاده، ومنهم أيضًا الراهب بطرس المحترم، ومنهم أيضًا الراهب جيرادي كيرمون. وبعد أن عاد هؤلاء الرهبان نشروا الثقافة المكتوبة باللسان العربي، ونشروا مؤلفات أشهر علماء المسلمين والعرب، ثم أسست المعاهد أقسامًا للدراسات العربية، ومدارس لدراستها مثل: مدرسة بادوي العربية، كذلك أخذت الأديرة والمدارس الغربية تدرس مؤلفات العرب المترجمة إلى اللاتينية، وهي لغة العلم في جميع بلاد أوربا يومئذ، استمرت الجامعات الغربية تعتمد على الكتب العربية، وتعتبرها المراجع الأصلية للدراسة قرابة ستة قرون. ولم ينقطع منذ ذلك الوقت وجود أفراد درسوا الإسلام واللغة العربية، وترجموا القرآن وبعض الكتب العربية العلمية والأدبية؛ حتى جاء القرن الثامن عشر وهو العصر الذي بدأ فيه الغرب في استعمار العالم الإسلامي، والاستيلاء على ممتلكاته، فإذا بعدد من علماء الغرب ينبغون في الاستشراق، ويصدرون لذلك المجلات في جميع الممالك الغربية، ويُغيرون على المخطوطات العربية في البلاد العربية والإسلامية، فيشترونها من أصحابها الجهلة، أو يسرقونها من المكتبات العامة التي كانت في نهاية الفوضى، وينقلون هذه المخطوطات إلى بلادهم ومكتباتهم، وإذ بأعداد هائلة من نوادر المخطوطات العربية تنتقل إلى مكتبات أوربا، وقد بلغت في أوائل القرن التاسع عشر مائتين خمسين ألف مجلدٍ، وما زال هذا العدد يتزايد حتى اليوم. وفي الربع الأخير من القرن التاسع عشر عُقد أول مؤتمر للمستشرقين في باريس عام ١٨٧٣، وتتالى عقد المؤتمرات التي تُلقى فيها الدراسات عن الشرق،

стр. 256

وأدبياته، وأديانه، وحضاراته، وما تزال تعقد حتى هذه الأيام، قد بدأ الاستشراق إذن منذ دقت جيوش الفتح الإسلامي أبواب أوربا العريضة، وكان المسلمون قد احتلوا عرش السيادة الدولية، وملئوا سمع الزمان وبصره وسائر مشاعره. وأخذت أوربا الغارقة في الجهل والتخلف الحضاري يومئذ تبحث عن أسباب نهضة المسلمين، وعن أسباب بلوغهم هذا المجد العظيم الذي بلغوه؛ فأخذ بعض رجال الكنيسة الأوربيين يدرسون علوم هؤلاء الفاتحين ولغتهم، لعلهم يظفرون بما يوقفون به مد هذا الفتح الإسلامي، ولعلهم يكتسبون من علوم المسلمين ما ينفعهم في إنقاذهم من تخلفهم، ويفتح لهم أبواب الارتقاء. فكان الاستشراق طلبًا لعلوم الشرقيين ولغاتهم وأوضاعهم وبحثًا عنها، وفي أعقاب الحروب الصليبية وضعت الخطة لغزو المسلمين بوسائل أخرى غير وسيلة الحرب المسلحة بالأسلحة المادية، واقتضت خطة الغزو الجديد التوسع في الدراسات الاستشراقية؛ لتكون تمهيدًا لهذا الغزو، وإعدادًا لشروطه الفكرية والنفسية، ولما كان المحركون للحروب الصليبية من رجال الكهنوت الأوربيين والعلوم العليا تكاد تكون منحصرة في الكنيسة لديهم يومئذ؛ كان أول المتوجهين للدراسات الشرقية من هؤلاء الرجال هم الرهبان، ولا ريب أن أغراضهم في ذلك تواكب أغراض الحروب الصليبية التي هي أخذت أسلوبًا جديدًا في الغزو غير أسلوب الغزو المادي المسلح بالأدوات الحديدية، وكذلك تتفق أهدافهم مع أهداف التنصير، أو كما يسمونه التبشير بالمسيحية. وانطلق المتوجهون للدراسات الشرقية يعملون في هذا المضمار بجد، ويترجمون إلى لغاتهم كتبًا كثيرة من كتب المسلمين، ونبتت نابتة الفكر الاستعماري في دول

стр. 257

أوربا بعد نهضتها، واحتاج الطامعون باستعمار بلاد المسلمين إلى زاد من الدراسات الشرقية، فوجهت الدوائر الاستعمارية أعدادًا من المتعلمين في بلادها للتفرغ للدراسات الشرقية من جوانب متعددة لغوية، ودينية، واجتماعية، وتاريخية، وسياسية، وغير ذلك. وكان كثير منهم من منسوبي الكنيسة الذين يحملون في نفوسهم أهداف التنصير، فالتقت في الاستشراق أهداف جمعيات التنصير، وأهداف الدوائر الاستعمارية. ومن طبيعة الأهداف التي تسبق الأعمال في التصور أن تكون موجهة للأعمال، ومؤثرة فيها، إلا من نما في قلبه وجدان حب الحق، وسيطرت عليه الرغبة بنصرته ولو كان ضد هواه وضد عصبياته الخاصة وقليل ما هم. ثم أسست للاستشراق معاهد، وتألفت جمعيات من المستشرقين للتعاون في الأعمال المتعلقة بالدراسات والعلوم الشرقية، كنشر بعض المخطوطات العربية، ووضع الفهارس الشاملة لبعض الكتب الإسلامية الأصول، ووضع بعض المعاجم المفهرسة، وتفصيل آيات القرآن الكريم بحسب موضوعاتها ونحو ذلك؛ بل ودخلت هذه الدراسات الشرقية في الجامعات الكبرى، فكان لها فروع حتى مستوى تحصيل شهادة الدكتوراه. وأخذ فريق من المستشرقين يؤلف المؤلفات المتعلقة بالعلوم الإسلامية لخدمة أهداف الاستشراق الأساسية الرامية إلى تشويه الإسلام، وتشويه التاريخ الإسلامي، ووضع الشبهات، وتصيد الأدلة لها، وتوجيه الانتقادات الملفقة إلى أحكام الإسلام وشرائعه، وتتبع الأخبار الساقطة، والأقوال الضعيفة المردودة، وتفسير الظواهر تفسيرًا ماديًّا بحسب ما يروق لهم، وشرح النصوص القرآنية على أساس أن القرآن ليس من كلام الله، وليس كتابًا

стр. 258

منزلًا، وشرح الأحاديث النبوية على أساس أن محمدًا عبقري من الناس، وليس برسول كسائر الرسل، وتعليل الفتح الإسلامية بالرغبات الشخصية المماثلة للرغبات التي توجد عند الاستعماريين، وإبعاد كل دافع إسلامي عن كل حدث تاريخي للمسلمين، ومحاولات التحريف في النصوص عند الاستشهاد بها، واللجوء إلى المغالطات الكثيرة لدى مناقشة الموضوعات الإسلامية، وتعمد إبراز سقطات الفساق من المسلمين في مدى تاريخهم الطويل، والتشكيك بصحة الأحاديث الصحيحة المروية بتوجيه المطاعن إلى رواة الحديث، ولو كانوا من أصحاب الرسول ﷺ ، وكذلك التشكيك بالقرآن الكريم بتوجيه المطاعن المفتراة إلى نقله، وتدوينه، والقراءات الثابتة فيه، وإلى مضامينه، وتوجيه المطاعن إلى ظاهرة الوحي التي تلقى بها الرسول ﷺ كتاب ربه، إلى غير ذلك من أمور لا تحصى وأساسها جميعًا الرغبة بإبطال الحق؛ تعصبًا واتباعًا للهوى. ورأى اليهود الاستشراق بابًا خطيرًا من أبواب التسلل إلى البلاد التي يحلمون بالسيطرة عليها وفق طريقتهم، ويريدون أن يتخذوا لأنفسهم صنائع فيها من أبنائها فتخصص فريق منهم بالدراسات الشرقية وتابعوا المسيرة ضمن الخطط اليهودية، حتى احتل اليهود عددًا وفيرًا من كراسي الدراسات الشرقية في الجامعات الكبرى، وأخذوا يخدمون الأغراض اليهودية الصهيونية في هذا المجال تحت ستار خدمة أغراض المستشرقين المسيحيين، وأغراض الدوائر الاستعمارية، ودخل الأوربيون الشرقيون بعد نجاح الثورة الشيوعية في بلادهم ميادين الاستشراق تبعًا للغرب؛ وبغية استخدام دراساتهم في هذا المجال لتقويض الإسلام، واستدراج الشعوب الإسلامية إلى الشيوعية.

стр. 259

مدارس الاستشراق فقد دخل ميادين الاستشراق عناصر مختلفة الغايات والأهداف، على الرغم من أن ساحة عمل الجميع واحدة لكن باستطاعتنا أن نلاحظ أنه قد أصبح للاستشراق عدة مدارس، كل مدرسة لها أهداف تنسجم مع المذهب الفكري، أو المذهب الديني الذي يتبعه المنتسبون إليها، وباستطاعتنا أن نقسم هذه المدارس إلى ما يلي: أولًا: المدرسة النصرانية: وهي تنقسم إلى فرعين الكاثوليكية والبروتستانتية، وهذان الفرعان يلتقيان في الأعمال والأهداف، وإن اختلفا في بعض الآراء المذهبية. ثانيًا: المدرسة اليهودية: وهذه المدرسة ذات أهداف خاصة تخدم مخططات اليهودية العالمية، مهما لبست في البيئات التي تكون فيها من ألبسة نفاق تُمالئ فيها هذه البيئات، ومهما سترت وجهها الحقيقي بأقنعة مزورة. ثالثًا: المدرسة الإلحادية العامة: والمنتمون إلى هذه المدرسة هم المستشرقون الملحدون من الغرب، وتتلخص أهدافهم بنشر الفكر الإلحادي وإقامة مفاهيم الحياة على المادية التي تنكر وجود الله ، وهم موزعون في مختلف المذاهب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. رابعًا: المدرسة الإلحادية الشيوعية: والمنتمون إلى هذه المدرسة هم المستشرقون الشيوعيون الذين يسعون إلى نشر أهدافهم بنشر الإلحاد والشيوعية معًا، واستدراج شعوب الأمة الإسلامية إليهما.

стр. 260

دوافع المستشرقين وأهدافهم باستطاعتنا أن نتلمس دوافع المستشرقين وأهدافهم من أعمالهم، ومما حققوه من أهداف، ومن النظرات التاريخية إلى واقع حال الدول الغربية، قبل أن تنبت فيها نابتة الاستشراق، وإلى واقع حالها بعد ذلك، كذلك من النظر إلى صلة الاستشراق بالتبشير بالنصرانية، وكذلك إلى صلته بالاستعمار. دوافعهم وأهدافهم: الدوافع تلتقي مع الأهداف باعتبار أن الدافع يمثل المحرض النفسي لاتخاذ الوسائل التي توصل للأهداف الغائية من العمل. الدافع الأول: وهو الدافع الديني أو المذهبي ضد الإسلام والمسلمين: فقد عرفنا أن الاستشراق بدأ بالرهبان والقساوسة النصارى، ثم استمر بعد ذلك، ومعظم المستشرقين من رجال الكهنوت المسيحي، وكان هؤلاء مدفوعين بدافع الانتصار للنصرانية، والرغبة بتنصير المسلمين الذين اكتسحوا إمبراطوريتهم استطاع دينهم الحق أن يغلب النصرانية المحرفة في نفوس أتباعها، واتجه هؤلاء للطعن في الإسلام، وتشويه محاسنه، وتحريف حقائقه؛ بغية إقناع جماهيرهم التي تخضع لزعاماتهم الدينية بأن الإسلام دين لا يستحق الانتشار، وبأن المسلمين قوم همج، لصوص، سفاكو دماء، يحثهم دينهم على الملذات الجسدية ويبعدهم عن كل سمو روحي وخلقي. ثم اشتدت حاجتهم إلى هذا الهجوم في العصر الحاضر بعد أن رأوا الحضارة الحديثة قد زعزعت أسس العقيدة بالنصرانية عند الغربيين، وأخذ تشككهم بكل

стр. 261

التعاليم التي كانوا يتلقونها عن رجال الدين عندهم يزداد، فلم يجدوا وسيلة أجدى من تشديد الهجوم على الإسلام بصرف أنظار الغربيين عن نقد ما عندهم من عقيدة وكتب مقدسة؛ وهم يعلمون ما تركته الفتوحات الإسلامية الأولى، ثم الحروب الصليبية، ثم الفتوحات الإسلامية العثمانية في أوربا بعد ذلك. يعلمون ما تركته هذه في نفوس الغربيين من خوف شديد من قوة الإسلام، ومن كره لأهله، واستغلوا هذا الجو النفسي، وازدادوا نشاطًا في الدراسات الإسلامية، وحين قامت جمعيات التنصير ووضعت من أهدافها تحويل المسلمين عن دينهم إلى النصرانية أو اللادينية والإلحاد الكامل؛ كانت دوافع الاستشراق لدى المنصرين وأنصارهم ومؤيديهم هي دوافع التنصير نفسها، وهي تتلخص بالرغبة الملحة في سلخ المسلمين عن دينهم، ومحاولة إدخالهم في النصرانية، أو إبقائهم ملاحدة لا دين لهم، حتى يكونوا أطوع للدول النصرانية الطامعة باستعمار بلاد المسلمين واستغلال خيراتها. ومن خلال معرفتنا لهذا الدافع نستطيع معرفة الهدف الغائي المرتبط به، فهدف هذا الدافع هو إخراج المسلمين عن دينهم، فإن أمكن تنصيرهم فذاك، وإلا فإبقاؤهم لا دين لهم مطلقًا، هدف مرجوٌّ يحقق للنصارى منافع ومصالح سياسية واقتصادية واستعمارية وغير ذلك، ولإخراج المسلمين عن دينهم وسائل كثيرة منها: أولًا: تنفير المسلمين من دينهم وحملهم على كراهيته. ثانيًا: تشويه الإسلام والتشكيك في أسسه، وتوجيه المطاعن له. ثالثًا: تشويه التاريخ الإسلامي وتشويه حضارة المسلمين وكل ما يتصل بالإسلام من علم وأدب وتراث.

стр. 262

رابعًا: نبش الحضارة القديمة وإحياء معارفها، وبعث الطوائف الضالة والحركات الهدامة القديمة. خامسًا: تزيين ما في المسيحية من تعاليم وأحكام. سادسًا: استدراج المسلمين للأخذ بالحضارة المادية الحديثة وبما فيها من مغريات للنفوس، ومرضيات للأهواء، وآسرات للشهوات، وباهرات للنظر. سابعًا: الادعاء بأن الفقه الإسلامي مقتبس من القانون الروماني. ثامنًا: الدعوة إلى نبذ اللغة العربية وتبديل طريقة كتابتها إلى غير ذلك من أهداف. الدافع الثاني من دوافع الاستشراق: وهو الدافع الاستعماري: فالصليبيون لم ييأسوا بعد هزيمتهم في الحروب الصليبية من العودة إلى احتلال بلاد العرب وسائر بلاد المسلمين، فاتجهوا لدراسة هذه البلاد في كل شئونها من عقيدة وعادات وأخلاق، وثروات وتاريخ، وغير ذلك مما يتعلق بها من جغرافية وسكان؛ بغية أن يتعرفوا إلى مواطن القوة فيها فيضعفوها، وإلى مواطن الضعف فيغتنموها. ثم لما تم لهم الاستيلاء العسكري السيطرة السياسية كان من دوافع الدراسات الاستشراقية الرغبة بإضعاف المقاومة الروحية والمعنوية في نفوس المسلمين، وبث الوهن والارتباك في تفكيرهم، وكان لهم في ذلك وساوس كثيرة، تسللوا بها إلى نفوس أبناء المسلمين، ومن هذه الوساوس ما يلي: ١ - التشكيك بفائدة ما في أيدي المسلمين من تراث، وما عندهم من عقيدة وشريعة وقيم إنسانية، والغرض من ذلك أن يفقد المسلمون ثقتهم بأنفسهم، وأن يرتموا في أحضان الغرب يستجدون منه المقاييس الأخلاقية، والمبادئ والعقائد، والحلول لمشاكلهم الحياتية، والعادات والتقاليد، وأنواع السلوك؛ ليتم للغرب بذلك إخضاع المسلمين لحضارته وثقافته إخضاعًا كاملًا.

стр. 263

٢ - إحلال مفاهيم جديدة أو إحياء مفاهيم جاهلية ماتت منذ تمكن الإسلام من قلوب المسلمين كالقوميات الفرعونية، والفينيقية، والآشورية، والعربية، والكردية، والتركية، والفارسية، ونحو ذلك يتسنى لهم تشتيت شمل الأمة الإسلامية الواحدة التي تجمعها رابطة واحدة، هي وحدة الدين الذي يُهيمن على جميع مشاعر الإنسان الداخلية، وسلوكه الظاهر. وللاستشراق الذي يقوم به الشيوعون دافع مشابه، وهو دافع يطمع بالتسلط الكامل على بلاد المسلمين، ومن خلال معرفتنا لهذا الدافع نستطيع معرفة الهدف الغائي المرتبط به، فهدف هذا الدافع هو السيطرة على بلدان العالم الإسلامي، وعلى الشعوب الإسلامية؛ طبعًا باستغلال الأرض واستعباد الناس والسيطرة على كل شيء، لتحقيق أهواء النفوس وشهواتها، وأن يكون لهم العلو في الأرض. أنتقل الآن للحديث عن الدافع الثالث من دوافع الاستشراق وهو الدافع الاقتصادي: فمن الدوافع التي حرضت كثيرًا من الغربيين على الدراسات الشرقية الاستشراقية رغبتهم بغزو البلاد الإسلامية غزوًا اقتصاديًّا، يهدفون فيه إلى الاستيلاء على الأسواق التجارية والمؤسسات المالية المختلفة، وكذلك الاستيلاء على الثروات الأرضية، واستغلال الموارد الطبيعية والحصول عليها بأبخس الأثمان، وإماتة الصناعات المحلية القديمة؛ لتكون بلاد المسلمين بلاد استهلاك لما تصدره المصانع الآلية الغربية، وضمن هذا الدافع وجهت المؤسسات الاقتصادية الغربية. وضمن هذا الدافع وجهت المؤسسات الاقتصادية الغربية من يهتمون بالدراسات الاستشراقية، ليكونوا وسطاءهم ورسلهم، ومستشاريهم، والمترجمين لهم في مهماتهم، ومطالبهم الاقتصادية، أو أبدت استعدادها لاستخدام من يعمل لهم في هذا المجال، فاتجه فريق من الغربيين لهذه الدراسات؛ طمعًا بأن يجدوا أعمالًا

стр. 264

لهم لدى المؤسسات الاقتصادية، وظهر أيضًا فريق من الباحثين العلميين اهتم بالدراسات الاستشراقية؛ ليقوم بنشر كتب التراث الإسلامي، والاستفادة من نشرها في تحصيل الثروات التي يحصل عليها الناشرون عادة، وهكذا صارت الدراسات الاستشراقية وسيلة من وسائل كسب المال لكثير من المستشرقين. ومن خلال معرفتنا لهذا الدافع نستطيع معرفة الهدف الغائي المرتبط به، فهدف هذا الدافع تحصيل الأموال والمطامع الاقتصادية. الدافع الرابع من دوافع الاستشراق: وهو الدافع السياسي: فبعد تحرر البلاد الإسلامية من الاستعمار رأت الدوائر الاستعمارية أن حاجتها السياسية تقتضي أن يكون لها في قنصلياتها، وسفاراتها، ومندوبها في الأمم المتحدة، وسائر المؤسسات الدولية من لديهم زاد جيد من الدراسات الاستشراقية؛ ليقوم لهم هؤلاء بمهمات سياسية متعددة مرتبطة بالشعوب الإسلامية، وبلدان العالم الإسلامي. ومن هذه المهمات الاتصال بالسياسيين والتفاوض معهم لمعرفة آرائهم واتجاهاتهم، والاتصال برجال الفكر والصحافة للتعرف على أفكارهم وواقع بلادهم، وكذلك بثُّ الاتجاهات السياسية التي تريدها دولهم فيمن يريدون بثها فيهم، وإقناعهم بها، وكذلك الاتصال بعملائهم وأجرائهم الذين يخدمون أغراضهم السياسية داخل شعوب الأمة الإسلامية، وكم بث حاملو هذا الدافع في شعوب المسلمين من أفكار، وكم دسوا من دسائس، وكم استخدموا من أجراء لإثارة الفتن، وإقامة ثورات وانقلابات عسكرية، إلى غير ذلك من أعمال. من خلال معرفتنا لهذا الدافع نستطيع أن نعرف الهدف الغائي المرتبط به، وهدف هذا الدافع هو تحقيق غايات سياسية تريد تحقيقها الدول الموجهة لهذا النوع من الدراسات؛ لتسيير دول العالم الإسلامي في أفلاكها.

стр. 265

الدافع الخامس من دوافع الاستشراق: وهو الدافع العلمي النزيه: وهذا يُعد في المستشرقين قليل جدًّا، فمن المستشرقين نفر قليل جدًّا أقبلوا على الدراسات الاستشراقية بدافع من حب الاطلاع على حضارات الأمم، وأديانها، وثقافاتها، ولغاتها، وكان هؤلاء النفر من المستشرقين أقل من غيرهم خطأ في فهم الإسلام وتراثه؛ لأنهم لم يكونوا يتعمدون أن يدسوا أو يحرفوا، لذلك جاءت بحوث هؤلاء أقرب إلى الحق، وهي المنهج العلمي السليم من أبحاث الجمهرة الغالبة من المستشرقين؛ بل منهم من اهتدى بدراسته إلى الإسلام، وآمن به، وانتمى إلى الأمة الإسلامية على أن هؤلاء قلما يوجدون إلا حين يكون لهم من الموارد المالية الخاصة ما يمكنهم من الانصراف إلى الدراسات الاستشراقية بأمانة وإخلاص؛ لأن أبحاثهم مجردة عن الهوى الجانح، لا تلقى رواجًا، لا عند رجال الدين، ولا عند رجال السياسة، ولا عند عامة الباحثين الغربيين؛ بل كثيرًا ما يتعرض هؤلاء للمضايقات ومقاومات شديدة من قبل رجال الدين، ورجال السياسة في بلدانهم. ولما كان الاستشراق النزيه الراغب بالبحث العلمي الحيادي المتجرد عن الهوى الجانح لا يُدر على مرتاديه مكاسب ومغانم؛ كان من الطبيعي أن يندر هؤلاء المرتادين في أوساط المستشرقين. من خلال معرفتنا لهذا الدافع نستطيع معرفة الهدف الغائي المرتبط به، وهدف هذا الدافع هو إشباع النهم العلمي المتجرد، وتحصيل معرفة صحيحة تتصل بأمة ذات علم وحضارة أصيلة، وهؤلاء مع إخلاصهم في البحث والدراسة لا يسلمون من الأخطاء والاستنتاجات البعيدة عن الحق، إما لجهلهم بأساليب اللغة العربية، وإما لجهلهم بالأجواء الإسلامية التاريخية على حقيقتها، فيتصورونها

стр. 266

كما يتصورون مجتمعاتهم ناسين الفروق الطبيعية، والنفسية، والزمنية التي تفرق بين الأجواء التاريخية التي يدرسونها، وبين الأجواء الحاضرة التي يعيشونها. ومن هؤلاء من يعيش بقلبه وفكره في جو البيئة التي يدرسها، ويأتي بنتائج تنطبق مع الحق والصدق والواقع، ولكن هؤلاء يلقون عنتًا من سائر المستشرقين؛ إذ سرعان ما يتهمونهم بالانحراف عن المنهج العلمي، أو الانسياق وراء العاطفة، أو الرغبة في مجاملة المسلمين، والتقرب إليهم، كما فعلوا مع توماس أرنولد حين أنصف المسلمين في كتابه العظيم (الدعوة إلى الإسلام)، وقد برهن فيه على تسامح المسلمين في جميع العصور مع مخالفيهم في الدين على عكس مخالفيهم معهم، وهذا الكتاب الذي يُعتبر من أدق وأوثق المراجع في تاريخ التسامح الديني في الإسلام يطعن فيه المستشرقون المتعصبون؛ بأن مؤلفه كان مندفعًا بعاطفة قوية من الحب والعطف على المسلمين، مع أنه لم يذكر فيه حادثة إلا أرجعها إلى مصدرها. ومن هؤلاء من يؤدي به البحث الخالص لوجه الحق إلى اعتناق الإسلام، والدفاع عنه في أوساط أقوامهم الغربيين، كما فعل المستشرق الفرنسي الفنان دينيه، الذي عاش في الجزائر فأعجب بالإسلام، وأعلن إسلامه، وتسمى باسم ناصر الدين دينيه، وألف مع عالم جزائري كتابًا عن سيرة الرسول ﷺ ، وله كتاب أشعة خاصة بنور الإسلام بيَّن فيه تحامل قومه على الإسلام ورسوله، وتوفي هذا المستشرق المسلم في فرنسا ونُقل جثمانه إلى الجزائر ودفن فيها. ومنهم أيضًا المستشرق عبد الكريم جرمانوس، وهو عالم مجري اعتنق الإسلام في الهند، وتوفي سنة ١٩٧٩، وكان يتمنى أن يعيش مائة عام؛ لأنه كما يقول أن اللغة العربية تحتاج إلى مائة سنة لفهمها، وكان عضوًا في المجمع اللغوي في

стр. 267

القاهرة، وأحب الإسلام واللغة العربية وخدمهما، وألف أكثر من مائة وخمسين كتابًا عن الإسلام منها كتاب (الله أكبر)، وكتاب (الحركات الحديثة في الإسلام)، وكتاب (شوامخ الأدب العربي)، وكتاب (معاني القرآن)، ومنهم الطبيب الفرنسي موريس بوكاي صاحب كتاب (دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة) الذي أثبت فيه موافقة ما جاء في القرآن لأحدث الحقائق العلمية التي توصل إليها الناس بوسائلهم، بخلاف ما في الكتب التي يزعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى أنها مقدسة. مجالات أنشطة المستشرقين، وأخطر وسائلهم الفكرية، والعلاقة بين الاستشراق والتنصير قد تخصص المستشرقون في مجالات الأنشطة المعرفية والتوجيهية العليا، منها التعليم الجامعي، والمؤسسات العالمية لتوجيه التعليم والتثقيف، والوظائف الاستشارية العليا للدول الغربية، تأليف وإصدار الكتب والموسوعات العلمية، إصدار المجلات الثقافية، وعقد المؤتمرات، وإلقاء المحاضرات العلمية، وعقد الندوات وغيرها، وقد تفرغ منهم مجموعات متعددة؛ لأداء المهمات الاستشراقية في كل مجال من المجالات ومن هذه المجالات: أولًا: كراسي الدراسات الإسلامية والعربية والشرقية بوجه عام في الجامعات الغربية، وتُتخذ هذه الكراسي بؤرة لاصطياد أبناء الشعوب الإسلامية، والتأثير عليهم فكريًّا وسلوكيًّا ونفسيًّا، ومن المجالات أيضًا تأسيس الجامعات العلمية في بلدان العالم الإسلامي خاصة، وبلدان الشرق عامة؛ لتخريج أجيال منسلخة من إسلامها، ومستعدة لتقبل المذاهب الفكرية المعاصرة الوافدة، ولكل ما يلقى إليها من أفكار ومبادئ، مثل كلية بغداد، والجامعة الأمريكية في بيروت، والجامعة الأمريكية في مصر، والجامعة الأمريكية في تركيا.

стр. 268

ومن المجالات أيضًا إنشاء الموسوعات العلمية الإسلامية والشرقية بوجه عام، التي تتناول الشرقيات من جميع جوانب المعرفة، واتخاذ هذه الموسوعات وسيلة لدس الأفكار الاستشراقية السامة، التي يريدون دسها، وإقناع أجيال الشعوب الإسلامية بها مثل: الموسوعة الإسلامية التي أصدرها المستشرقون بعدة لغات، فقد حشد لها كبار المستشرقون، وأشدهم عداء للإسلام، ودس فيها السم بالدسم، ونثرت فيها أباطيل كثيرة عن الإسلام والمسلمين، ومن المؤسف أنها مرجع لكثير من المثقفين من المسلمين؛ إذ يعتبرونها حجة فيما تورده من معارف حول قضايا إسلامية هي فيها غير نزيهة، لأن كتابها منحازون ضد معظم قضايا الإسلام والمسلمين. ومن المجالات أيضًا عقد المؤتمرات الاستشراقية، وإصدار المجلات الخاصة ببحوثهم حول الإسلام والمسلمين وشعوب الشرقية. أخطر وسائل المستشرقين الفكرية: وأخطر وسائل المستشرقين هو التشكيك وإلقاء الشبهات والمغالطات، وتزيين الأفكار البديلة، وافتراء الأكاذيب، ودس السموم الفكرية بخفاء وتدرج، وترجع الوسائل الفكرية الرئيسية التي استخدمها المستشرقون؛ لهدم الإسلام، وتجزئة المسلمين، وتشويه تاريخ الأمة الإسلامية، وتشويه حاضرها، وخداع أجيال هذه الأمة؛ لنبذ الإسلام، واتباع مناهج وأساليب الحضارة المادية المعاصرة، وترجع هذه الوسائل إلى الأصول التالية: أولًا: التشكيك في مصادر الدين الإسلامي وصحة نبوة الرسول ﷺ . ثانيًا: إلقاء الشبهات حول أحكام الإسلام التشريعية ومصادرها.

стр. 269

ثالثًا: المغالطات. رابعًا: تزيين الأفكار البديلة. خامسًا: افتراء الأكاذيب واختراع التعليلات والتفسيرات الباطلة. سادسًا: التلطف في دس السموم الفكرية بصورة خفية ومتدرجة حتى يبتلعها المغزوون، وهم لا يشعرون قد يأخذونها وهم فرحون بحلاوة ما يرافقها، ونلاحظ في مكتوباتهم حول الإسلام والمسلمين ما يلي: - التشكيك في صحة رسالة النبي محمد ﷺ ، وجمهور المستشرقون ينكرون أن يكون محمد ﷺ نبيًّا أوحى الله إليه، وأنزل عليه كتابًا من لدنه، ويتخبطون في تفسير مظاهر الوحي التي كان يراها أصحابه؛ لاسيما عائشة أم المؤمنين ﵂، فمن المستشرقين من يرجع ذلك إلى صرع كان ينتاب النبي حينًا بعد حين، ومنهم من يرجعه إلى تخيلات كانت تملأ ذهن النبي ﷺ ، ومنهم من يفسرها بمرض نفسي إلى غير ذلك. - ويتبع التشكيك في رسالة محمد ﷺ إنكارهم كون القرآن كتابًا منزلًا عليه من عند الله ، وإذ أنكروا رسالة محمد؛ لزمهم أن يعلنوا بأن الإسلام ليس دينًا منزلًا من عند الله، وإنما هو ملفق من الديانتين اليهودية والنصرانية، وهم في هذا يخبطون خبط عشواء؛ إذ لا يملكون أي مستند يؤيده البحث العلمي السليم، جُل ما يملكونه ادعاءات تستند إلى وجود نقاط التقاء بين الإسلام، والديانتين السابقتين، الأمر الذي يرجع في حقيقته إلى وحدة الرسالات الربانية في أصولها الصحيحة. - وأيضًا يشككون في صحة الحديث النبوي الشريف الذي اعتمده علماء المسلمين المحققون، ويتذرعون بما دخل على الحديث النبوي من وضع، ودس

стр. 270

متجاهلين تلك الجهود التي بذلها علماء المسلمين؛ لتنقية الحديث الصحيح مستندين إلى قواعد بالغة الدقة في التثبت والتحري، مما لم يُعهد عندهم في دياناتهم عشر معشاره في التأكد من صحة الكتب المقدسة عندهم. وأيضًا يشككون في قيمة الفقه الإسلامي الذاتية، ذلك التشريع العظيم الذي لم يجتمع مثله لجميع الأمم في جميع العصور، وقد سقط في أيديهم حين اطلاعهم على عظمته، وهم لا يؤمنون بنبوة محمد ﷺ ، فلم يجدوا بدًّا من الزعم بأن هذا الفقه مستمد من القانون الروماني أي: أنه مستمد من الغربيين. قد بين علماء المسلمين الباحثون تهافت هذه الدعوى، وفيما قرره مؤتمر الفقه المقارن المنعقد بلاهاي بأن الفقه الإسلامي فقه مستقل بذاته، وليس مستمدًّا من أي فقه آخر ما يفحم المتعنتين منهم، ويقنع المنصفين الذين لا يبغون غير الحق سبيلًا. العلاقة بين الاستشراق والتنصير فالعلاقة بين الاستشراق والتنصير علاقة وثيقة وفي غاية المتانة، ذلك إن الاستشراق هو الرافد الآخر للتنصير، كلاهما ينبعثان من الكنيسة؛ فهم -كما بينا- جميعًا قساوسة كلهم يخدمون الكنيسة على حد سواء. وتتركز مهمة الجميع في هدم الإسلام، أو تشكيك أهله فيه، وتشويه تاريخ الأمة الإسلامية ونبيها العظيم، وجعل العالم الإسلامي مناطق نفوذ للغرب، ولهذا يلقى المستشرقون الدعم بسخاء من كافة الدول الكبرى التي تتطلع إلى العودة؛ لاستعمار الدول الإسلامية من جديد. وقد أقامت لهم مختلف الجماعات بدراسة كيفية التنصير والاستشراق؛ للتغلغل إلى ديار المسلمين، وإلى قلوبهم، وإلى استعمال بلدانهم، وإيجاد المبررات لذلك.

стр. 271

فمن هنا ينبغي التنبه لمغالطتهم في زعمهم أن الاستشراق هو غير التنصير، وأن الاستشراق يخدم الثقافة بعيدة عن التأثر بأي معتقد، وقد عرفنا أن الغرض الحقيقي لدعاة التنصير هو الرغبة في إدخال الناس النصرانية، فلا ريب أن من صدق هذا فقد جانب الحقيقة. نعم، قد تختلف الوسائل بين المنصرين والمستشرقين لكنها في النهاية تصبُّ في مكان واحد. الفرق بين المستشرقين والمنصرين في الوسائل: يقول الدكتور محمد البهائي: "إن الاستشراق أخذ صورة البحث العلمي، وادعى لبحثه الطابع العلمي الأكاديمي، أما دعوة التنصير فقد بقيت في حدود مظاهر العقلية العامة أي: العقلية الشعبية، أينما استخدم الاستشراق الكتاب والمقال في المجلات العلمية، وكرس التدريس في الجامعة، والمناقشة، والمؤتمرات العلمية العامة؛ فقد سلك التنصير طريق التعليم المدرسي في دور الحضانة، ودور الأطفال، والمراحل الابتدائية والثانوية للذكور والإناث على السواء، كما سلك سبيل العمل الخيري الظاهري في المستشفيات، ودور الضيافة، والملاجئ للكبار، ودور اليتامى واللقطاء. وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 272

الدرس: ١٧ الاستشراق (٢) .

стр. 273

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الدرس السابع عشر (الاستشراق (٢)) موازين البحث عند المستشرقين الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وخاتم النبيين سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: الاستشراق: جمهور المستشرقين في تحرير أبحاثهم عن الشريعة الإسلامية يعتمدون على ميزان غريب بالغ الغرابة في ميدان البحث العلمي، فمن المعروف أن العالم المخلص يتجرَّد عن كل هوى وميل شخصي فيما يريد البحث عنه، يتابع النصوص والمراجع الموثوق بها، وما أدت إليه بعد المقارنة والتمحيص كان هو النتيجة المحتمة التي ينبغي له اعتمادها والأخذ بها، إلا أن أغلب هؤلاء المستشرقين يضعون في أذهانهم فكرة معينة يريدون تصيد الأدلة لإثباتها، وحين يبحثون عن هذه الأدلة لا تهمهم صحة هذه الأدلة، بمقدار ما يهمهم إمكان الاستفادة منها؛ لدعم آرائهم الشخصية. كثيرًا ما يستنبطون الأمر الكلي من حادثة جزئية، ومن هنا يقعون في مفارقات غريبة لولا الهوى والغرض المريض لربئوا بأنفسهم عنها، وكثيرًا ما يعتمدون على الوهم المجرد لتفسير الأمور، ويقيسون المسلم الذي يؤمن بالله ويخشاه على الذين لا تردعهم روادع دين، ولا خلق قويم، ويعتبرون أن كل سلوك المسلمين أفرادًا وجماعات لا بد أن يفسر بالأغراض الشخصية، والنوازع النفسية الدنيوية، وفيما يلي طائفة من الأمثلة التي تكشف موازين البحث عند المستشرقين حينما يكتبون في الإسلام، وتاريخ المسلمين. فمثلًا في محاولة المستشرق جولد سيهر لإثبات زعمه بأن الحديث في مجموعه في صنع القرون الثلاثة الأولى للهجرة، وليس من قول الرسول ﷺ ادَّعى أن أحكام الشريعة لم تكن معروفة لجمهور المسلمين في الصدر الأول من الإسلام، وأن الجهل بها وبتاريخ الرسول ﷺ كان لاصقًا بكبار الأئمة، وقد حشد لذلك بعض

стр. 274

الروايات الساقطة المتهافتة، مثلًا من ذلك ما نقله عن كتاب (حياة الحيوان) للدميري من أن أبا حنيفة ﵀ لم يكن يعرف هل كانت معركة بدر قبل أحد، أم كانت أحد قبلها. ومما لا شك فيه أن أقل الناس اطلاعًا على التاريخ يرد مثل هذه الرواية، فأبو حنيفة وهو من أشهر أئمة الإسلام الذين تحدثوا عن أحكام الحرب في الإسلام حديثًا مستفيضًا، وذلك في فقهه الذي أُثر عنه وفي كتب تلامذته الذين نشروا علمه -كأبي يوسف ومحمد- من غير المتصور بحال من الأحوال أن يكون الإمام جاهلًا بوقائع سيرة الرسول ومغازيه، وهي التي استمد منها فقهه في أحكام الحرب، ويكفي ذكر كتابين في فقهه في هذا الموضوع يعتبران من أهم الكتب المؤلفة في التشريع الدولي في الإسلام: أول هذين الكتابين (باب الرد على سير الأوزاعي) لأبي يوسف ﵀، وثانيهما كتاب (السير الكبير) لمحمد بن الحسن ﵀، وهو من أقدم وأهم مراجع الفقه الإسلامي في العلاقات الدولية، وقد طبع هذا الكتاب عدة مرات، وفي هذيْن الكتابين يتضح إلمام تلامذة الإمام وهم حاملو علمه بتاريخ المعارك الإسلامية في عهد الرسول، وعهد خلفائه الراشدين. وجولد سيهر لا يخفى عليه أمر هذين الكتابين، وكان بإمكانه لو أراد الحق أن يعرف ما إذا كان أو حنيفة جاهلًا بالسيرة أو عالمًا بها من غير أن يلجأ إلى رواية الدميري في كتابه (الحيوان) وهو ليس مؤرخًا، وكتابه ليس كتاب فقه، ولا تاريخ؛ وإنما يحشر فيه كل ما يرى إيراده من حكايات ونوادر تتصل بموضوع كتابه من غير بحث عن صحتها، ولا يخفى ما كان بين أبي حنيفة ومعاصريه ومقلديه من بعدهم من خصومة في المنهج الاجتهادي الذي اعتمده، قد كانت

стр. 275

هذه الخصومة مادة دسمة لرواة الأخبار ومؤلفي كتب الحكايات والنوادر لنسبة نوادر وحكايات، منها ما يرفع من شأن أبو حنيفة، ومنها ما يضع من سمعته، وأكثرها ملفق مختلق. موضوع للمسامرة والتندر من قبل محبيه أو كارهيه على السواء، الأمر الذي يجعلها عديمة القيمة العلمية في نظر العلماء والباحثين. وجولد سيهر أعرض عن كل ما دُوِّن من تاريخ أبي حنيفة تدوينًا علميًّا ثابتًا، واعتمد رواية مكذوبة ليدعم بها ما تخيله من أن السنة النبوية من صنع المسلمين في القرون الثلاثة الأولى، وكذلك أعرض عما أجمعت عليه كتب الجرح والتعديل، وكتب التاريخ من صدق الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ﵀، وورعه، وأمانته، ودينه، وزعم أن الزهري لم يكن كذلك، بل كان يضع الحديث للأمويين، وهو الذي وضع حديث ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) لعبد الملك بن مروان، وكل حجته أن هذا الحديث من رواية الزهري، وأن الزهري كان معاصرًا لعبد الملك بن مروان. يحاول المستشرقون أن يؤكدوا تعالي العرب الفاتحين عن المسلمين الأعاجم، وانتقاصهم من مكانتهم، وغرض المستشرقين من هذا إفساد قلوب المسلمين من غير العرب على المسلمين من العرب لإقامة الحواجز القومية بينهم. يقول المستشرق بروكلمان في كتابه (تاريخ الشعوب الإسلامية): "وإذا كان العرب يؤلفون طبقة الحاكمين فقد كان الأعاجم من الجهة الثانية هم الرعية" أي: القطيع وجمعها رعايا كما يدعوهم، وهو تشبيه سام قديم كان مألوفًا حتى عند الآشوريين. قد تجاهل بروكلمان جميع الوثائق التاريخية التي تؤكد عدالة الفاتحين المسلمين، ومعاملتهم أفراد الشعب على السواء من غير تفرقة بين عربي وغيره، وتعلق بلفظ الرعية تعلقًا لغويًّا، واستنتج منها أن المسلمين نظروا إلى الأعاجم

стр. 276

نظر القطيع من الغنم، ولو رجعنا إلى مادة رعى في قواميس اللغة وجدناها تقول كما يلي: الراعي الوالي، والرعية العامة، ورعى الأمير رعيته رعاية، وكل من ولي أمر قوم فهو راعيهم وهم رعيته؛ فالراعي في اللغة يُطلق على رئيس القوم وولي أمرهم، كما يطلق على راعي الغنم، والرعية تطلق في اللغة على القوم، ومن معاني الرعاية الحفظ والإحسان. فإطلاق لفظ الرعية على القوم وضع لغوي، ولم يجعل المسلمون إطلاق هذه الكلمة خاصًّا بالأعاجم، بل إطلاقها شامل لكل الناس عربًا كانوا أو عجمًا، تبعًا للوضع اللغوي. في ذلك أحاديث كثيرة معروفة منها قول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره: ((ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته؛ فالإمام الذي على الناس راعٍ وهو مسئول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راعٍ على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)). فكيف أغمض بروكلمان عينيه عن هذا كله، واستجاز لعلمه أن يدعي بأن المسلمين نظروا إلى الأعاجم نظرة القطيع، وأنهم أطلقوا عليهم وحدهم لفظ الرعية؟! أليس هذا خيانة علمية وتضليلًا مكشوفًا؟! أين ادعاؤه هذا من النصوص الكثيرة التي ألغت الفوارق القومية، والعرقية، واللونية، وجعلت المسلمين جميعًا سواسية في الحقوق العامة. ومن الأمثلة أن المستشرقين يفرطون في اختراع العلل والأسباب والحوادث التي يدرسونها اختراعًا ليس له سند إلا التخيل والتحكم، ويزيد في فساد أسلوبهم هذا أنهم يتخيلون أحداث الشرق والعرب والمسلمين وعاداتهم وأخلاقهم

стр. 277

بأوهامهم وخيالاتهم الغربية البعيدة عن واقع حال الشرق والعرب المسلمين؛ لا يريدون أن يعترفوا بأن لكل بيئة مقاييسها وأذواقها وعاداتها، وقد أحسن المستشرق الفرنسي المسلم ناصر الدين دينيه في حديثه عن أسلوب المستشرقين وموازينهم في الحكم على الأشياء، مما جعلهم يتناقضون فيما بينهم تناقضًا واضحًا في الحكم على شيء واحد. كل ذلك لأنهم حاولوا أن يحللوا السيرة المحمدية وتاريخ ظهور الإسلام بحسب العقلية الأوروبية، فضلوا بذلك ضلالًا بعيدًا؛ لأن هذا غير هذا، ولأن المنطق الأوروبي لا يمكن أن يأتي بنتائج صحيحة في تاريخ الأنبياء الشرقيين. ثم قال: إن هؤلاء المستشرقين الذين حاولوا نقد سيرة النبي ﷺ بهذا الأسلوب الأوربي البحت لبثوا ثلاثة أرباع قرن؛ يدققون ويمحصون بزعمهم، حتى يهدموا ما اتفق عليه الجمهور من المسلمين من سيرة نبيهم، وكان ينبغي لهم بعد هذه التدقيقات الطويلة العريضة العميقة أن يتمكنوا من هدم الآراء المقررة، والروايات المشهورة من السيرة النبوية ... فهل تسنى لهم شيء من ذلك؟: - الجواب: أنهم لم يتمكنوا من إثبات أقل شيء جديد، بل إذا أمعنا النظر في الآراء الجديدة التي أتى بها هؤلاء المستشرقون من فرنسيين، وإنجليز، وألمان، وبلجيكيين، وهولنديين، وغيرهم لا نجد إلا خلطًا وخبطًا، فإنك لترى كل واحد منهم يقرر ما نقضه غيره من هؤلاء المدققين بزعمهم، أو ينقض ما قرروه. إذا أردنا تلخيص موازين البحث عند المستشرقين في الموضوعات الإسلامية نجد ما يلي: أولًا: تحكيم الهوى ونزعات العداء للإسلام والمسلمين والتعصب الأعمى للنصرانية وللشعوب والأمم المنتمية إليها.

стр. 278

ثانيًا: وضع الفكرة مقدمًا ثم البحث عن أدلة تؤيدها مهما كانت ضعيفة واهية، ولو اضطرهم الأمر إلى اعتماد أسلوب المغالطات والأكاذيب، واقتطاع النصوص، وهذا عكس المنهج العلمي الاستدلالي السليم. ثالثًا: تفسير النصوص والحوادث والوقائع والنيات والغايات تفسيرات لا تتفق مع دلالاتها، وأماراتها الحقيقية، ولا مع النتائج التي أثبتها تاريخ الأمة الإسلامية. رابعًا: تضخيم الأخطاء الصغرى وجعلها تطغى على ساحة صورة تاريخ المسلمين، وطمس الصور الرائعة المشرقة لهذا التاريخ. خامسًا: تجميع الهفوات التي لا تخلو منها أمة مهما عظمت كمالاتها، ووضعها في صورة واحدة، وتقديمها على أنها هي كل صورة تاريخ المسلمين. سادسًا: تصيد الشبهات التي يُشتبه وجه الحق فيها على كثير من الناس، ولا يستبين لهم ما لم يمتنحوها بالتجارب الطويلة، إثارة الانتقادات حولها، وتحريك الذوابع المملوءة بالغبار وما تحمله، وفي ذلك يستغلون أنانيات النفوس وأهوائها وشهواتها، ويستغلون شعارات خادعات براقة المظهر، زخرفية القول كشعار حرية المرأة. سابعًا: اعتماد ما يوافق هواهم من كل خبر ضعيف، ورأي مردود شاذ، وقول ساقط لا سند له من عقل ولا نقل صحيح. ثامنًا: رفض الحق بالنفي المجرد الذي لا يدعمه دليل صحيح مقبول في المنهج العلمي السليم. تاسعًا: تفسير التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية بالمنظار الذي يفسرون به التاريخ الغربي، والحضارة الغربية مع تباين الواقعين عقيدة ونظامًا وشريعة وبيئة ودوافع تباين كليًّا.

стр. 279

عاشرًا: استنباط القواعد الكلية العامة من الحوادث الفردية الجزئية التي لا يصح منطقيًّا تعميمها. الحادي عشر: الاعتماد على الوهم المجرد لتفسير الأمور والوقائع. الثاني عشر: قياس المؤمن المسلم الذي يخشى الله على الذين لا تردعهم روادع دين ولا خلق. الجامعات الغربية وأثر المستشرقين فيها على المسلمين فقد رافق جهود المستشرقين فتنة المسلمين بالحضارة المادية الغربية، ووقوع المسلمين فريسة خطط التحويل عن طريق برامج التعليم ومناهجه، وأساليبه، ومضامينه في كل العلوم بما فيها العلوم الإنسانية، والعلوم الدينية والعربية، وكذلك فتنة المسلمين بالشهادات التي تمنحها الجامعات الغربية؛ لا سيما شهادات الماجستير والدكتوراه. يُضاف إلى ذلك غزو آخر ماكر جمع الجامعات في بلاد المسلمين تحصل المراتب العلمية فيها بحملة هذه الشهادات العليا، بل وتؤثر وتقدم حامليها من الجامعات الغربية على حامليها من الجامعات الإسلامية. ووضعت بهذا الغزو الماكر شروطًا خاصة وشكليات معينة للتدريس في هذه الجامعات، وهذه الشروط والشكليات تحجب عن التدريس فيها الذين لا يحملون الشهادات العليا مهما كانوا على درجة كبيرة من العلم، وتدفع إلى احتلال مراكز التعليم ونيل الألقاب الكبيرة من حملة هذه الشهادات، وإن كانوا فارغين من العلم ومحرومين من الإخلاص لدينهم وأمتهم، مع أن الشهادات العليا الجارية على أصولها دون غش ولا تزوير إنما هي أول الطريق الذي يهيئ للدارس الجاد وسائل متابعة المعرفة، فإما أن يبدأ

стр. 280

الدارس بعمله الذاتي تكوين نفسه بالبحث الجاد الدءوب، وإما أن يجعل الشهادة غاية ينتهي عندها ويقف عند حدودها. وقد أعلن هذه الحقيقة البروفيسور أرنولد لون إذ يقول: "إن عصرنا هو عصر عقدة الشهادات، فالماجستير والدكتوراه أصبحت غاية في حد ذاتها لشبابنا، ولكن كل ينسى هذه الحقيقة، وهي أن الماجستير والدكتوراه ما هي إلا حروف الأبجدية الأولى لبداية المعرفة، والمعرفة لا يمكن تخزينها في زجاجة الماجستير أو الدكتوراه إن هذه لنظرة مزيفة، جامعاتنا هي فقط مؤسسات علمية لإعداد الطلبة؛ ليتعرفوا على كيفية التحصيل العلمي والمعرفة، قد أدرك المنصرون والمستشرقون عقدة الشهادات في البلاد الإسلامية، فوجهوا توصيتهم للجامعات الغربية بشراء من يستطيعون شراءه من أبناء المسلمين بالشهادات ... فقد جاء في كتاب (المشكلة الشرقية) ما يلي: لا شك أن المبشرين فيما يتعلق بتخريب وتشويه عقيدة المسلمين قد فشلوا تمامًا، ولكن هذه الغاية يمكن الوصول إليها من خلال الجامعات الغربية، فيجب أن تختار طلبة من ذوي الطبائع الضعيفة، والشخصية الممزقة، والسلوك المنحل من الشرق، ولاسيما من البلاد الإسلامية، وتمنحهم المنح الدراسية حتى تبيع لهم الشهادات بأي سعر؛ ليكونوا المبشرين المجهولين لنا لتأسيس السلوك الاجتماعي والسياسي الذي نصبوا إليه في البلاد الإسلامية، إن اعتقادي لقوي -والكلام لا زال للكاتب- بأن الجامعات الغربية يجب أن تستغل استغلالًا تامًّا من جانبنا؛ لتستفيد من جنون الشرقيين للدرجات العلمية والشهادات، واستعمال أمثال هؤلاء الطلبة كمبشرين ووعاظ ومدرسين لأهدافنا، ومآربنا باسم تهذيب المسلمين والإسلام، وهكذا. تحت كل هذه المؤثرات المتعددة اندفع فريق من أبناء المسلمين إلى الجامعات الغربية لنيل شهادة الماجستير والدكتوراه في مختلف العلوم، بما في ذلك العلوم الدينية،

стр. 281

والعلوم العربية، والعلوم الإنسانية والاجتماعية، والتي أولاها المستشرقون عناية خاصة؛ لجعلها شبكة مقنعة لاصطياد أبناء المسلمين، وبنائهم بناء جديدًا يجعلهم يخدمون أغراض الاستشراق وأغراض التنصير والاستعمار في أفكارهم، ومفاهيمهم، وفي أعمالهم، وتنظيماتهم داخل بلاد المسلمين، من حيث يشعرون أو من حيث لا يشعرون، ويمنحونهم الشهادات العليا، والألقاب العلمية الكبيرة لأقل بحث يكتبونه في غير العلوم البحتة، ويربطون من يربطون منهم بوسائلهم الكثيرة الموصولة بأجهزتهم المستورة، ويعودون إلى بلادهم وقد امتلأت نفوسهم غرورًا؛ يضاف إلى ذلك ما تعرضوا إليه من تحول في السلوك ضمن البيئات الغربية التي أقاموا فيها خلال فترة التحصيل، وافتتان بمظاهر الحضارة المادية التي شاهدوها. وقد سقطت معظم الجامعات المنشأة في بلاد المسلمين تحت هذه الأيدي الخفية للاستشراق والتنصير والدوائر الاستعمارية، وغدت خططها ومناهجها وتوجيهاتها تخضع بطريق مباشر أو غير مباشر لما تفرضه، وتمليه هذه الأيدي الخفية، وغدت الكنيسة الغربية تفخر بأن العلوم الإسلامية والعلوم العربية يدرس على طريقتها التي تخدم أغراضها في بلاد المسلمين، وتفاخر بأن المشرفين على تدريس هذه العلوم من تلامذة أبنائها. وأي انتكاس أقبح من هذا الانتكاس أن يتعلم المسلمون دينهم ولغاتهم وفق طرائق أعدائهم وأعداء دينهم، هل يقبل اليهود والنصارى أن يتعلموا أصول دياناتهم وفروعها على أيدي علماء المسلمين، وأن يأخذوا منهم الشهادة بذلك؟ فما بال المسلمين يسقطون في هذا الانتكاس الشائن. إن الاستعمار المادي المباشر أهون من هذا اللون من ألوان الاستعمار، الذي وصل إلى القاعدة الكبرى التي تقوم عليها الأمة الإسلامية، وهي قاعدة دينها

стр. 282

وعلومها المتصلة بهذا الدين. وقد تأثر كثيرون من الذين درسوا في الجامعات الغربية من أبناء المسلمين بدراسات المستشرقين، وانخدعوا بأساليبهم، وأخذوا يرددون شبهاتهم، ويروجون لها بين المسلمين؛ بل ويعتبرونها حقائق علمية مسلمًا بها، وأخذوا يعلمون طلابهم من المسلمين ويكتبون فيها المؤلفات العديدة، وتعمل الدوائر الاستعمارية على ترويج هذه الكتب ودعم مؤلفيها، ودفعهم بأيد خفية إلى أعلى مراكز الإدارة والتوجيه داخل بلادهم؛ للاستفادة منهم في خدمة أغراض التبشير والاستعمار، وفي تهديم الإسلام وتشويه تاريخ المسلمين. وغدا كثير من الكتاب في العلوم الإسلامية وفي التاريخ الإسلامية، وفي اللغة العربية لا يرجع إلا إلى ما كتبه المستشرقون، ويعتبرون ذلك أفضل المصادر التي يرجعون إليها. أما المصادر الإسلامية فلا يكلفون نفوسهم عناء الرجوع إليها، ولا البحث فيها؛ ثقة عمياء بما كتبه المستشرقون، أو خدمة مأجورة لما توجههم له الدوائر الاستعمارية، وأجهزة الاستشراق، وجمعيات التنصير. ومن غريب الأباطيل التي يروجها المستشرقون ما ذكره الأستاذ الدكتور وصفي أبو مغلي عن صديقه وأستاذه الدكتور بحر محمد بحر، وهو سوداني ويعمل مدرسًا في جامعة عين شمس في مصر، أنه حينما كان يدرس في انجلترا قال أحد المدرسين وهو يتحدث عن الحضارة الإسلامية: "كان إله محمد الناقة التي كان يركبها، والدليل على ذلك أنه حينما هاجر للمدينة ودعاه أهلها للنزول عندهم قال لهم: دعوا الناقة حيث تبرك"؛ فاستدل من ذلك على أنه كان يعبد الناقة ويتلقى منها الوحي، هل يحتاج مثل هذا التضليل إلى تعليق؟!.

стр. 283

مقارنة بين التبشير والاستشراق وأعمالهما وقد كان مما كتبه الأستاذ إبراهيم خليل أحمد في كتابه (المستشرقون والمبشرون في العالم العربي والإسلامي) ذكر بعض المقارنات وهو من أهل الذكر قد كان قسيسًا وعاملًا في مضمار التبشير بالمسيحية بين المسلمين، ثم هداه الله إلى اعتناق الإسلام، فهو ذو خبرة مباشرة بالعمل التنصيري، وعلى اطلاع حسن بأعمال المستشرقين وأهدافهم، وقد كشف بعد اعتناقه الإسلام كثيرًا من الحقائق التي يعرفها، وقدم بها شهادة عارف خبير، وقد قال من بين ما قال: أولًا: أن التبشير والاستشراق دعامتان من دعائم الاستعمار، وعملاء التبشير والاستشراق عملاء الاستعمار وخدام لسياسته، وإن ظهروا بوجوه مقاومة الاستعمار وتحرير البلاد منه. ثانيًا: تقاسم التبشير والاستشراق والاستعمار جوانب الأعمال المقررة في الخطة العامة لغزو الإسلام والمسلمين، وديار الإسلام، فحمل الاستشراق أعباء الأعمال في ميادين المعرفة الأكاديمية، وادَّعى لنفسه ولبحثه الطابع العلمي العالي، استخدم الكتابة والتأليف، وإلقاء المحاضرات والمناقشات في المؤتمرات العلمية العامة، وحمل التبشير أعباء الدعوة الجماهيرية في حدود مظاهر العقلية العامة، التي تتناسب مع مفاهيم الجماهير، واستخدم التبشير وسائل التعليم المدرسي في دور الحضانة وغيرها. ثالثًا: استطاع الأمريكيون تحت لواء الامتيازات الممنوحة للأجانب، وباسم الصداقة للشعوب الآسيوية الأفريقية أن يغزو آسيا وأفريقيا بوفود المبشرين والمستشرقين، واستطاعوا بأموالهم أن يؤسسوا لهم مراكز تبشيرية وعلمية كثيرة في العالم الإسلامي.

стр. 284

رابعًا: يسير العمل التبشيري في البلاد التي تتمتع باستقلالها وحريتها مستخدمًا أسلوب الدهاء والمكر، وذلك باستخدام تلاميذ المبشرين والمستشرقين من الوطنيين حتى لا يصطدموا بقوانين البلاد، فيكرهوا على الرحيل الفوري. خامسًا: استعان التبشير بالقوى العسكرية الاستعمارية ليقوم بمهماته وهو آمن على نفسه، واستعان بأفكار ومؤلفات المستشرقين، قد نجح التبشير والاستشراق والاستعمار في كثير من البلاد الإسلامية بتربية أجيال متعاقبة لا تفقه الإسلام، ولا تحفظ من القرآن إلا آيات معدودات؛ لذلك كان من اليسير جدًّا غزو هذا الجيل غزوًا فكريًّا واسعًا. لم يكن المبشرون ولا معظم المستشرقين يومًا يُنصفون الحقيقة العلمية، فللعلم كانت أبحاثهم موسومة بصورة واضحة من أسس عقائدهم ومقاصدهم الخبيثة، وقد سلك المبشرون -كما يقول- والمستشرقون معهم كل مسلك ظنوه محققًا لأهدافهم، واستطاعوا أن يتسللوا إلى المجمع اللغوي بمصر، والمجمع العلمي بمصر، والمجمع العلمي ببغداد، كما تدخلوا بتأييد من الاستعمار في مجال التربية والتعليم محاولين غرس مبادئ التربية الغربية في نفوس المسلمين، ونجحوا في هذا إلى حد كبير. ويعمل المستشرقون وفق خطة مدروسة، إذ يجتمعون في هيئة مؤتمرات بين الحين والحين، وكذلك يعمل المبشرون. وإذا كان الاستشراق والتبشير قد قام على أكتاف الرهبان والآباء في أول الأمر، ثم اتصل من بعد ذلك بمستعمرين؛ فإنه لا يزال حتى اليوم يعتمد على أولئك، وإن تظاهروا برسالتهم الدينية والخيرية فإنهم يقظون دائما، يحدقون بعيونهم، ويصيخون بآذانهم إلى مختلف الأوساط لمعرفة كل الاتجاهات؛ حتى يستطيعوا أن يذللوا أي عقبة تعترض سبيل نشاطهم

стр. 285

وعملهم، فهم في سيرة أعمالهم كالجمعية الماسونية، تنشد في الظاهر نشيد السلام العالمي، لكنها دعوة سرية لاستتباب حكم التوراة في ربوع العالم. ويعتمد المستشرقون والمبشرون في تحقيق أهدافهم وتمويلها على ما تقوم به المؤسسات الدينية، والسياسية والتجارية في الغرب، وكذلك تمويل بنوك وأمراء أوربا وأثرياء أمريكا. آثار الفكر الاستشراقي ونخص في الحديث آثار السلبية للفكر الاستشراقي في المجال الديني، فقد كان مجال العقيدة الإسلامية من أهم المجالات التي اهتم بها المستشرقون، ووجهوا لها النصيب الأكبر من دراساتهم، فقد نشأ الاستشراق في مجال الدراسات الإسلامية أصلًا لدراسة العقيدة الإسلامية، والبحث عن الوسائل والعوامل التي يمكن تطويرها لهدم هذه العقيدة وتخريبها، وتشويه أصولها. يعتبر الدافع الديني من أهم الدوافع التي وجهت المستشرقين لدراسة العقيدة الإسلامية. فمنذ ظهور الإسلام وانتشاره في العالم النصراني القديم اكتشف الغرب أن الإسلام خطر عظيم يهدد النصرانية في عقر دارها، عندما فشل الغرب في المواجهة السياسية والعسكرية مع المسلمين، ولم يتمكن من وقف الإسلام وانتشاره السريع في البلاد النصرانية وغيرها من بلاد العالم القديم، اتجه إلى دراسة الدين الإسلامي دراسة دينية عقدية متعمقة، من أجل وضع الخطط الدينية والفكرية للدفاع عن النصرانية بالوسائل الفكرية بعد فشل المواجهة العسكرية. وهكذا تفرغ عدد من علماء النصرانية واليهودية للتخصص في العقيدة الإسلامية، والبحث في أنجح الوسائل الفكرية؛ لنقد الدين الإسلامي وتجريحه
следующие страницы →