Полный текст (366 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
والعلوم العربية، والعلوم الإنسانية والاجتماعية، والتي أولاها المستشرقون عناية خاصة؛ لجعلها شبكة مقنعة لاصطياد أبناء المسلمين، وبنائهم بناء جديدًا يجعلهم يخدمون أغراض الاستشراق وأغراض التنصير والاستعمار في أفكارهم، ومفاهيمهم، وفي أعمالهم، وتنظيماتهم داخل بلاد المسلمين، من حيث يشعرون أو من حيث لا يشعرون، ويمنحونهم الشهادات العليا، والألقاب العلمية الكبيرة لأقل بحث يكتبونه في غير العلوم البحتة، ويربطون من يربطون منهم بوسائلهم الكثيرة الموصولة بأجهزتهم المستورة، ويعودون إلى بلادهم وقد امتلأت نفوسهم غرورًا؛ يضاف إلى ذلك ما تعرضوا إليه من تحول في السلوك ضمن البيئات الغربية التي أقاموا فيها خلال فترة التحصيل، وافتتان بمظاهر الحضارة المادية التي شاهدوها.
وقد سقطت معظم الجامعات المنشأة في بلاد المسلمين تحت هذه الأيدي الخفية للاستشراق والتنصير والدوائر الاستعمارية، وغدت خططها ومناهجها وتوجيهاتها تخضع بطريق مباشر أو غير مباشر لما تفرضه، وتمليه هذه الأيدي الخفية، وغدت الكنيسة الغربية تفخر بأن العلوم الإسلامية والعلوم العربية يدرس على طريقتها التي تخدم أغراضها في بلاد المسلمين، وتفاخر بأن المشرفين على تدريس هذه العلوم من تلامذة أبنائها. وأي انتكاس أقبح من هذا الانتكاس أن يتعلم المسلمون دينهم ولغاتهم وفق طرائق أعدائهم وأعداء دينهم، هل يقبل اليهود والنصارى أن يتعلموا أصول دياناتهم وفروعها على أيدي علماء المسلمين، وأن يأخذوا منهم الشهادة بذلك؟ فما بال المسلمين يسقطون في هذا الانتكاس الشائن.
إن الاستعمار المادي المباشر أهون من هذا اللون من ألوان الاستعمار، الذي وصل إلى القاعدة الكبرى التي تقوم عليها الأمة الإسلامية، وهي قاعدة دينها
стр. 282
وعلومها المتصلة بهذا الدين. وقد تأثر كثيرون من الذين درسوا في الجامعات الغربية من أبناء المسلمين بدراسات المستشرقين، وانخدعوا بأساليبهم، وأخذوا يرددون شبهاتهم، ويروجون لها بين المسلمين؛ بل ويعتبرونها حقائق علمية مسلمًا بها، وأخذوا يعلمون طلابهم من المسلمين ويكتبون فيها المؤلفات العديدة، وتعمل الدوائر الاستعمارية على ترويج هذه الكتب ودعم مؤلفيها، ودفعهم بأيد خفية إلى أعلى مراكز الإدارة والتوجيه داخل بلادهم؛ للاستفادة منهم في خدمة أغراض التبشير والاستعمار، وفي تهديم الإسلام وتشويه تاريخ المسلمين.
وغدا كثير من الكتاب في العلوم الإسلامية وفي التاريخ الإسلامية، وفي اللغة العربية لا يرجع إلا إلى ما كتبه المستشرقون، ويعتبرون ذلك أفضل المصادر التي يرجعون إليها. أما المصادر الإسلامية فلا يكلفون نفوسهم عناء الرجوع إليها، ولا البحث فيها؛ ثقة عمياء بما كتبه المستشرقون، أو خدمة مأجورة لما توجههم له الدوائر الاستعمارية، وأجهزة الاستشراق، وجمعيات التنصير.
ومن غريب الأباطيل التي يروجها المستشرقون ما ذكره الأستاذ الدكتور وصفي أبو مغلي عن صديقه وأستاذه الدكتور بحر محمد بحر، وهو سوداني ويعمل مدرسًا في جامعة عين شمس في مصر، أنه حينما كان يدرس في انجلترا قال أحد المدرسين وهو يتحدث عن الحضارة الإسلامية: "كان إله محمد الناقة التي كان يركبها، والدليل على ذلك أنه حينما هاجر للمدينة ودعاه أهلها للنزول عندهم قال لهم: دعوا الناقة حيث تبرك"؛ فاستدل من ذلك على أنه كان يعبد الناقة ويتلقى منها الوحي، هل يحتاج مثل هذا التضليل إلى تعليق؟!.
стр. 283
مقارنة بين التبشير والاستشراق وأعمالهما
وقد كان مما كتبه الأستاذ إبراهيم خليل أحمد في كتابه (المستشرقون والمبشرون في العالم العربي والإسلامي) ذكر بعض المقارنات وهو من أهل الذكر قد كان قسيسًا وعاملًا في مضمار التبشير بالمسيحية بين المسلمين، ثم هداه الله إلى اعتناق الإسلام، فهو ذو خبرة مباشرة بالعمل التنصيري، وعلى اطلاع حسن بأعمال المستشرقين وأهدافهم، وقد كشف بعد اعتناقه الإسلام كثيرًا من الحقائق التي يعرفها، وقدم بها شهادة عارف خبير، وقد قال من بين ما قال:
أولًا: أن التبشير والاستشراق دعامتان من دعائم الاستعمار، وعملاء التبشير والاستشراق عملاء الاستعمار وخدام لسياسته، وإن ظهروا بوجوه مقاومة الاستعمار وتحرير البلاد منه.
ثانيًا: تقاسم التبشير والاستشراق والاستعمار جوانب الأعمال المقررة في الخطة العامة لغزو الإسلام والمسلمين، وديار الإسلام، فحمل الاستشراق أعباء الأعمال في ميادين المعرفة الأكاديمية، وادَّعى لنفسه ولبحثه الطابع العلمي العالي، استخدم الكتابة والتأليف، وإلقاء المحاضرات والمناقشات في المؤتمرات العلمية العامة، وحمل التبشير أعباء الدعوة الجماهيرية في حدود مظاهر العقلية العامة، التي تتناسب مع مفاهيم الجماهير، واستخدم التبشير وسائل التعليم المدرسي في دور الحضانة وغيرها.
ثالثًا: استطاع الأمريكيون تحت لواء الامتيازات الممنوحة للأجانب، وباسم الصداقة للشعوب الآسيوية الأفريقية أن يغزو آسيا وأفريقيا بوفود المبشرين والمستشرقين، واستطاعوا بأموالهم أن يؤسسوا لهم مراكز تبشيرية وعلمية كثيرة في العالم الإسلامي.
стр. 284
رابعًا: يسير العمل التبشيري في البلاد التي تتمتع باستقلالها وحريتها مستخدمًا أسلوب الدهاء والمكر، وذلك باستخدام تلاميذ المبشرين والمستشرقين من الوطنيين حتى لا يصطدموا بقوانين البلاد، فيكرهوا على الرحيل الفوري.
خامسًا: استعان التبشير بالقوى العسكرية الاستعمارية ليقوم بمهماته وهو آمن على نفسه، واستعان بأفكار ومؤلفات المستشرقين، قد نجح التبشير والاستشراق والاستعمار في كثير من البلاد الإسلامية بتربية أجيال متعاقبة لا تفقه الإسلام، ولا تحفظ من القرآن إلا آيات معدودات؛ لذلك كان من اليسير جدًّا غزو هذا الجيل غزوًا فكريًّا واسعًا.
لم يكن المبشرون ولا معظم المستشرقين يومًا يُنصفون الحقيقة العلمية، فللعلم كانت أبحاثهم موسومة بصورة واضحة من أسس عقائدهم ومقاصدهم الخبيثة، وقد سلك المبشرون -كما يقول- والمستشرقون معهم كل مسلك ظنوه محققًا لأهدافهم، واستطاعوا أن يتسللوا إلى المجمع اللغوي بمصر، والمجمع العلمي بمصر، والمجمع العلمي ببغداد، كما تدخلوا بتأييد من الاستعمار في مجال التربية والتعليم محاولين غرس مبادئ التربية الغربية في نفوس المسلمين، ونجحوا في هذا إلى حد كبير.
ويعمل المستشرقون وفق خطة مدروسة، إذ يجتمعون في هيئة مؤتمرات بين الحين والحين، وكذلك يعمل المبشرون. وإذا كان الاستشراق والتبشير قد قام على أكتاف الرهبان والآباء في أول الأمر، ثم اتصل من بعد ذلك بمستعمرين؛ فإنه لا يزال حتى اليوم يعتمد على أولئك، وإن تظاهروا برسالتهم الدينية والخيرية فإنهم يقظون دائما، يحدقون بعيونهم، ويصيخون بآذانهم إلى مختلف الأوساط لمعرفة كل الاتجاهات؛ حتى يستطيعوا أن يذللوا أي عقبة تعترض سبيل نشاطهم
стр. 285
وعملهم، فهم في سيرة أعمالهم كالجمعية الماسونية، تنشد في الظاهر نشيد السلام العالمي، لكنها دعوة سرية لاستتباب حكم التوراة في ربوع العالم.
ويعتمد المستشرقون والمبشرون في تحقيق أهدافهم وتمويلها على ما تقوم به المؤسسات الدينية، والسياسية والتجارية في الغرب، وكذلك تمويل بنوك وأمراء أوربا وأثرياء أمريكا.
آثار الفكر الاستشراقي
ونخص في الحديث آثار السلبية للفكر الاستشراقي في المجال الديني، فقد كان مجال العقيدة الإسلامية من أهم المجالات التي اهتم بها المستشرقون، ووجهوا لها النصيب الأكبر من دراساتهم، فقد نشأ الاستشراق في مجال الدراسات الإسلامية أصلًا لدراسة العقيدة الإسلامية، والبحث عن الوسائل والعوامل التي يمكن تطويرها لهدم هذه العقيدة وتخريبها، وتشويه أصولها. يعتبر الدافع الديني من أهم الدوافع التي وجهت المستشرقين لدراسة العقيدة الإسلامية.
فمنذ ظهور الإسلام وانتشاره في العالم النصراني القديم اكتشف الغرب أن الإسلام خطر عظيم يهدد النصرانية في عقر دارها، عندما فشل الغرب في المواجهة السياسية والعسكرية مع المسلمين، ولم يتمكن من وقف الإسلام وانتشاره السريع في البلاد النصرانية وغيرها من بلاد العالم القديم، اتجه إلى دراسة الدين الإسلامي دراسة دينية عقدية متعمقة، من أجل وضع الخطط الدينية والفكرية للدفاع عن النصرانية بالوسائل الفكرية بعد فشل المواجهة العسكرية. وهكذا تفرغ عدد من علماء النصرانية واليهودية للتخصص في العقيدة الإسلامية، والبحث في أنجح الوسائل الفكرية؛ لنقد الدين الإسلامي وتجريحه
стр. 286
وتحريفه، وتشويه صورته عملًا على منع انتشاره بين النصارى واليهود من ناحية، ولتشكيك المسلمين أنفسهم في أمور دينهم وعقيدتهم من ناحية أخرى.
ومع تطور الدراسات الاستشراقية في العقيدة الإسلامية جمع المستشرقون بين الهدف الدفاعي عن اليهودية والنصرانية ضد الإسلام، وبين الهجوم على الإسلام في محاولة يائسة لوقف تقدمه ومنع انتشاره، وفي هذا يقول أحد الباحثين، وقد نما هذا الهجوم الفكري والعقدي وشب حتى وصل إلى مرحلة متطورة في عصرنا الحاضر، وهو هجوم من شعبتين:
- شعبة موجهة إلى الشعوب المسيحية؛ لتحصينها ضد الإسلام الذي انتشر واتسع نفوذه، وذلك بتشويه صورته وتجريحه والقدح فيه، ونقده والتطاول عليه وعلى القرآن وعلى بني المسلمين مما كون ما يشبه الجدار السميك من الأفكار السوداء عن هذا الدين الحنيف.
- أما الشعبة الثانية: فهي الشعبة الموجهة إلى المسلمين فيما نراه من هجمات تبشيرية بشعة على أمة الإسلام.
إن هذا الهجوم العقيدي الفكري أخذ يتطور مع السنين حتى أصبح علمًا أو علومًا لها مدارس ومناهج، وعلى الرغم من أن الاستشراق لم يتمكن عبر تاريخه الطويل من تحريف العقيدة الإسلامية، وأنه فشل في تحقيق هدف تشويه الدين الإسلامي؛ فقد نجح في إثارة العديد من المشاكل الدينية والقضايا العقدية التي شغلت المسلمين من ناحية في الرد على شبهات الاستشراق في مجال العقيدة، ودفعت المسلمين إلى اتخاذ موقف الدفاع ضد الاستشراق الأمر الذي كان له تأثيره على الفكر الإسلامي الحديث، وصبغه بالصبغة الدفاعية، وإبعاد العلماء المسلمين عن الدراسة العلمية المتعمقة في أمور دينهم، والسعي إلى حل القضايا
стр. 287
الإسلامية المعاصرة من خلال التأمل العميق في تراثهم الإسلامي، وإيجاد الحلول المناسبة لدينهم وحضارتهم، وقد نجح الاستشراق في جذب الفكر الإسلامي الحديث إلى النظر في المشاكل والشبهات التي يثيرها المستشرقون، ووضع المسلمين في موقف الدفاع، وصرف نظرهم عن التعمق في دينهم، وإجبارهم على متابعة القضايا الكيدية.
ومن الممكن أن نعد بعض الآثار السلبية للفكر الاستشراقي في المجال الديني فيما يلي:
أولًا: إثارة الشكوك في العقيدة، فقد عمل الاستشراق على إثارة الشكوك لدى فريق من العلماء المسلمين في عقيدتهم؛ في القيم الدينية والحضارية المنبثقة عن هذه العقيدة، وكان التأثير الفكري الاستشراقي عظيمًا في عدد من هؤلاء المسلمين الذين تعلموا في الغرب، أو الذين تحقق لهم نوع من الاتصال بالغرب وحضارته ومؤسساته الثقافية، وأصابهم ما أصاب الغرب عامة من هجر للدين واحتقار له، والفصل بينه وبين أمور الدنيا. وقد خضع هؤلاء للقيم الغربية وتأثروا بمعطيات الحياة الغربية، وحاولوا نقل قيم الحضارة الغربية إلى عالمنا الإسلامي على اعتقاد منهم بأفضلية هذه القيم على القيم الإسلامية، نتيجة الانبهار الشديد بحضارة الغرب وتقدمه العلمي.
كما أثيرت الشكوك لدى بعض المسلمين في العديد من الموضوعات الدينية من بينها التهوين من أمر الكتب المقدسة والنظر إلى القرآن الكريم، والحديث النبوي مصادر العقيدة الإسلامية على أنها خاضعة للنقد العلمي، وحض المسلمين على ضرورة التحرر في دراسة هذه الكتب، والمصادر الدينية، وإخضاعها للرؤية النقدية العقلية، وبالتالي التقليل من قداستها، والتخفيف من احترام المسلمين لها؛ بل والحض على هجرها واستبدالها بالقوانين الوضعية والقيم الإسلامية.
стр. 288
ومن الآثار السلبية للاستشراق في بلاد المسلمين: تشويه صورة الإسلام في الغرب، فقد عمل الاستشراق على تشويه صورة الإسلام والمجتمع الإسلامي في الغرب، ويعتبر هذا الأمر من أخطر الآثار السلبية للاستشراق، فالمسلمون في بلادهم ثابتون على عقيدتهم، عاملون بها، ومطمئنون إليها؛ بينما صورة الإسلام خارج العالم الإسلامي يتم تشويهها وتقديمها في صورة مزيفة غير حقيقية بواسطة الاستشراق، وهي صورة تعطي انطباعًا سلبيًّا للإسلام كدين وحضارة في ذهن الإنسان الذي تلقى معرفته عن الإسلام من خلال المستشرقين الذين يمثلون المصدر المعرفي الأساسي للمعلومات الخاصة بالإسلام، وبالمجتمعات الإسلامية.
ولا يخفى أن أحد أهداف الاستشراق الأساسية حجب المعرفة الصحيحة عن الإسلام حتى لا يؤثر هذا الدين الكامل في أهل الغرب، وهي حرب فكرية موجهة لمنع انتشار الإسلام في العالم الغربي، والتعتيم على المثقف الغربي، وإعطائه معلومات خاطئة ومضللة عن الإسلام كما تنفر الغرب منه كدين وحضارة، ولا شك أن كلمة المستشرقين مسموعة في الغرب؛ لأنهم علماء تخصصوا في الإسلام، وأصبحوا خبراء في شئون المجتمعات الإسلامية، وما يصدرونه من أحكام وآراء عن الإسلام والمجتمع الإسلامي يتقبله المجتمع الغربي دون أن يشك في صحته. فالمستشرقون هم الحجة في تخصصهم وعادة ما يؤخذ برأيهم في كل المسائل التي تخص العالم الإسلامي، وقد اكتسبوا ثقة الإنسان الغربي بما يمثلونه من علم وخبرة نادرة يستعين بها المسئولون الغربيون في الشئون السياسية والاقتصادية والفكرية الخاصة بالبلاد الإسلامية.
ومن الآثار السلبية أيضًا للاستشراق: التركيز الاستشراقي على الطوائف والأقليات في المجتمع الإسلامي، فهم يهتمون أولًا بالفرق الإسلامية، ويهتمون ثانيًا بالطوائف والأقليات في المجتمعات الإسلامية، والهدف من هذه الدراسات
стр. 289
يقترن كثيرًا من هدف دراسة الفرق المخالفة للإسلام؛ حيث يركز الاستشراق على إظهار المجتمع الإسلامي بمظهر المجتمع المكون من عدة طوائف وأقليات، لها مذاهبها المختلفة، ولها عاداتها وتقاليدها المتباينة، ولها حياتها الخاصة، الأمر الذي يظهر هذا المجتمع في النهاية بأنه يتكون من عدة مجتمعات وليس من مجتمع واحد، وأن النتاج الفكري والحضاري الإسلامي لهذه المجتمعات إنما هو ليس من عمل المسلمين، ومن عمل الحضارة الإسلامية إنما هو من عمل اليهود والنصارى والمجوس والهندوس، وغيرهم من أهل الأديان والحضارات الأخرى.
وعادة ما يعمد المستشرقون إلى إظهار الطوائف والأقليات في صورة مجتمعات مضطهدة داخل المجتمع الإسلامي، بهدف تشويه صورة الإسلام خاصة في الغرب، وإظهار الإسلام في صورة الدين المتعصب المضطهد لطوائفه غير المسلمة.
ومن الآثار السلبية للدراسات الاستشراقية في بلاد المسلمين: التمكين للصهيونية في العالم العربي، فقد عمل الاستشراق اليهودي والصهيوني خصوصًا من أجل بعث القومية اليهودية، وتمكين اليهود من تكوين رؤية قومية يهودية، وتحويل اليهود من جماعة دينية إلى جماعة قومية، وربط اليهودية بالقومية فيما عُرف باسم الصهيونية.
كيفية وسبل مواجهة الفكر الاستشراقي
أولًا: أن تتضح لدينا ولدى المسلمين حقائق المواجهة، فتكوين موقف إسلامي من الاستشراق وآثاره في المجتمعات الإسلامية يجب أن يتم في ضوء معرفة بعض الحقائق، منها أن الاستشراق ظاهرة فكرية قديمة باقية ومستمرة طالما أن الصراع بين الغرب والشرق باقٍ على مستوياته الدينية والسياسية والفكرية.
ثانيًا: أن الاستشراق قوة فكرية هائلة تتمتع بنفوذ كبير في الغرب، وأن الموقف الإسلامي من الاستشراق يجب أن يتحدَّد في ضوء سلبيات الاستشراق وإيجابياته،
стр. 290
وأن الفكر الاستشراقي يمثل كل المذاهب والأيدلوجيات المضادة للإسلام، كما أنه يمثل في المقام الأول الفكر الديني الغربي بمدرستيه اليهودية والنصرانية.
أما سبل مواجهة الآثار الفكرية الاستشراقية في المجتمعات الإسلامية فهي متعددة، نذكر منها:
١ - الدراسة العلمية الواعية المتعمقة للاستشراق.
٢ - مطالبة الإنسان المسلم عامة والمثقف خاصة بضرورة العودة إلى الدين، والتمسك بتعاليمه ومبادئه، وأداء الفروض والواجبات الدينية المطلوبة منه، وتثقيف نفسه دينيًّا، والتفقه في أمور الدين، وفي هذا كله يتحقق تحصيل الإنسان المسلم ضد الآراء المنحرفة التي ينشرها الاستشراق والتنصير.
ثالثًا: مطالبة الحكومات والمؤسسات الدينية القادرة بضرورة التحكم فيما تبثه وسائل الإعلام المرئية والمسموعة من مواد فكرية متنوعة، معادية للفكر الإسلامي، ومساعدة على تسرب الفكر الغربي المنحرف إلى المجتمعات الإسلامية.
رابعًا: تنقية الفكر الإسلامي من الأفكار المشبوهة والمشوهة التي دخلته عبر السنين بفعل الفرق والحركات الضالة.
خامسًا: ضرورة العمل على توفير الكتاب الإسلامي البديل للكتاب الاستشراقي، وبخاصة في اللغة الأجنبية.
وصلى اللهم على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 291
الدرس: ١٨ الصهيونية (١) .
стр. 292
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس الثامن عشر
(الصهيونية (١))
تعريف الصهيونية ونشأتها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وخاتم النبيين سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
الصهيونية:
تنسب إلى كلمة صهيون كما فسرها اليهود أنفسهم، وكلمة صهيون تأتي على ثلاث معانٍ:
المعنى الأول: أنها مدينة الملك الأعظم، أي: مدينة الإله ملك إسرائيل.
المعنى الثاني: أنها اسم حصن سماه الله نبي الله داود ﵇ حسبما جاء في التوراة في مدينة القدس.
المعنى الثالث: أنها اسم جبل يقع إلى الشرق من القدس، هذا هو المعنى اللغوي لكلمة صهيون.
أما مفهوم الصهيونية في معناها السياسي العصري فهي حركة سياسية عنصرية، وهي فلسفة قومية لليهود تنادي بالعودة إلى جبل صهيون، أرض الميعاد كما يسمونها. وقد أخذ اليهود تعاليمها من التوراة -كتابهم المقدس- الذي حرفوه كما أخذوا تعاليمها من التلمود -وهو شرح التوراة، ويعبر التلمود عن سيرتهم التي كتبها حاخاماتهم خلال مسيرة التغرب والشتات، وأخيرًا أخذت الصهيونية بروتوكولات حكمائها كخطة يسيرون عليها في تحقيق أهدافهم في أرجاء العالم.
ففكر التلمود ومجمل فقرات البروتوكولات هي التي سيطرت، وتسيطر على الصهاينة سيطرة كاملة؛ فلا يستطيعون أن يرفضوا لها أي طلب، أو مخطط، وهم يسيرون على نهجها دون ابتعاد؛ متناسين ما جاءت به اليهودية أصلًا، وهي الديانة التي أتى بها نبي الله موسى ﵇، ومتناسين ما جاء في كتابها المقدس التوراة الذي حرفه اليهود حسب أهوائهم، وقد جعلوا مبدأهم يقوم أصلًا على استهجان وبغض الجويم، ومعنى الجويم أي: الأغيار أي: من هو على غير دين اليهودية، وهما المصطلحان اللذان يطلقونه اليهود على غير اليهود، فيعتبرون غير اليهود دون الحيوان قيمة كما في عقيدتهم.
стр. 293
نشأة الحركة الصهيونية
وتعود نشأة الدعوة إلى الصهيونية إلى زمن بعيد قد بدأت محاولة اليهود للتكاتف منذ تهجيرهم، وتشريدهم من فلسطين على يد البابليين في القرن السادس قبل الميلاد، ثم تشتيتهم على يد القائد الروماني تيطس سنة ٧٠ بعد الميلاد، وإجلائهم عن بيت المقدس، ثم إصرار النصارى على عدم رجوعهم إلى بيت المقدس حتى بعد الفتح الإسلامي؛ بل وطلبوا ذلك من الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ﵁، وأصروا على كتابة ذلك في وثيقة العهد ...
فنشأة الدعوة إلى الصهيونية ترجع إلى زمن بعيد، لكن إنشاء منظمة تهتم بهذه الفكرة وتبرزها إلى حيز الوجود بشكلها الفلسفي السياسي والعملي الواضح الأهداف بدأ يتبلور إثر المؤتمر الصهيوني الأول، فقبل المؤتمر الصهيوني الأول لم تكن تتعدَّى فكرة الصهيونية العاطفة والحنين، لكنها بعد هذا المؤتمر الصهيوني الأول تحولت إلى الشكل السياسي والعملي، وقد عُقد هذا المؤتمر الصهيوني الأول في شهر أغسطس سنة ١٨٩٧ في مدينة بازل السويسرية؛ حيث اجتمع مائتان وأربعة من قادة اليهود المقيمين في جميع أنحاء العالم، تحت رئاسة مجموعة من المفكرين، وانتخبوا رئيسًا يتصدر المنظمة الصهيونية اليهودية، وهو الصحفي تيودور هرتزل إثر مداولات واجتماعات مكثفة؛ وقاموا بصياغة بروتوكولات حكماء صهيون السرية التي شاء الله ألا تبقى طيَّ الكتمان، ففضحها على أيدي الخونة من أهلها.
أما اليهود أهل الصهيونية فهم كتلة بشرية ضئيلة من أول أمرها في الوجود، وأجمع المؤرخون المتجردون عن الهوى أن اليهود لما كانوا يدورون على محورهم
стр. 294
الصغير في فلسطين في الزمن القديم، كانوا حتى في أيام أنبيائهم حتى في زمن داود وسليمان ﵉ حفنة قابلة أبدًا لأن تذروها الرياح بين الإمبراطوريات القديمة الكبرى في واديي النيل والفرات.
والصحيح أن هناك جذورًا لبدء الحركة الصهيونية ابتداء من سقوط الدولة اليهودية، ودخول الرومان لفلسطين، وعبورًا بالمنفى الذي امتد من بابل إلى أوربا الشرقية عند قيام مملكة الخزر، واعتنق بعض أهل تلك البلاد الديانة اليهودية، وبسبب اضطهاد الروس آنذاك تحول اليهود إلى الغرب، وذاق الناجون منهم جميع أنواع الذل والاستعباد، وكانت بوادر هذه الحركة الصهيونية تتمثل في تأسيس حركات إقليمية وتحريرية لليهود؛ لتخليص اليهود من نير واستعباد الأوروبيين مثل: حركة الاستنارة، أو ما عُرف بالماسونية التي كانت تحاول مساعدة اليهود، ولكن نتج عنها الزيادة في التوجه اللاسامي في أوربا، وتمخض عن ذلك شعور مفكري اليهود بضرورة تخليص اليهود من محنتهم هذه، واستنتاجهم الخيارات الستة التالية التي تركت الحرية لكل يهودي منهم لاختيار التوجه الذي يرغبه، وهذه الخيارات الستة هي التي ستعينهم على القيام بما يرونه مناسبًا حسب الظرف المكاني والزماني الذي يمرون به.
وهذه الخيارات الستة التي وضعوها هي:
الخيار الأول: في رأي بعض اليهود أنهم سيخلصون من مآسيهم عن طريق المسيح المنتظر، لذا لجئوا إلى التدين وانتظار هذا المسيح المنتظر، الذي يظنون سيظهر، مع أن الله بعثه من بين ظهرانيهم ومنهم في فلسطين، ولكنهم أنكروه فهم لا يعترفون بالمسيح عيسى بن مريم نبي الله عيسى الله ﵇ الذي هو منهم، بل ينكرونه، وينتظرون مسيحهم المزعوم.
стр. 295
الخيار الثاني: وهو في رأي بعض مفكري اليهود أنه يجب عليهم الذوبان في مجتمعات غير اليهود، ونسيان الذات اليهودية، والتخلص من هذه المعاناة والمحن التي يعايشونها في الغرب والشرق؛ وبهذا تختفي الهوية اليهودية وتتلاشى، ولا يبقى لليهود أثر على سطح المعمورة، وليتهم أخذوا بهذا الخيار إذًا لأراحوا البشرية من شرورهم.
الخيار الثالث: في رأي بعض المفكرين هو ترك البلدان التي يعانون فيها من ذل التفرقة والمتابعة والاضطهاد، فمثلًا الهجرة من أوربا الشرقية إلى أوربا الغربية، وبالذات إلى الدول التي لا يُعامل فيها اليهود بعنصرية، أو الهجرة إلى أمريكا الجنوبية، أو الولايات المتحدة، أو إفريقيا وفلسطين، وغير تلك البلدان.
الخيار الرابع: هو فكرة الاستيطان، ودعم هذه الفكرة من قبل رجالات المال والأثرياء من اليهود مثل: البارون موريس دهرش، والبارون روتشيلد، والذي أنشأ الجمعية اليهودية للاستعمار، ولم تكن فلسطين هي المكان الوحيد المقترح، فقد فكروا في أمريكا، والبرازيل، والأرجنتين، والهند، وأفغانستان، وأوغندا، ومرشيوس.
الخيار الخامس: وهو في رأي بعضهم بطبيعة الحال أن هناك من أراد البقاء في أوربا الشرقية، لذلك فقد رأوا من أن مصلحتهم في الانضمام إلى التيارات الثائرة متمردين على الفكر القومي اليهودي بالثورة، والمشاركة في الحركات الشعبية والسياسية والاقتصادية، ومن ثم الخروج عن هذه الحركات لاحقًا، وتحقيق أهدافهم، ووضع حد لمآسي اليهود بعد انتصار الدول التي ستساندهم من خلال دساتيرها التي أصلًا قد وضعها اليهود أو ساهموا في وضعها.
الخيار السادس: وقد ارتأى بعض المفكرين القوميين منهم أن جميع الأفكار السابقة هي حلول غير مقبولة، لذا ركزوا على تنمية الوعي العرقي والثقافي
стр. 296
السياسي بين اليهود، وعادوا إلى تعاليم التوراة والتلمود لديهم، وأنشئت المعاهد والمدارس الخاصة الخفية لتدريس التعاليم التوراتية، والعودة إلى التمسك باليهودية، والعيش أينما كانوا مع التمسك بهذه التعاليم مهما كانت التكاليف والتضحيات، حتى لو تضمنت تقديم النفس والمال مع توجيه غير اليهود لخدمة مصالح اليهود.
ويلاحظ في هذه الخيارات الستة التباين الكبير حيث لا يحتكم اليهود لمبدأ أساسي عام، ولكن فلسفتهم متأثرة حتمًا بالتجارب الشنيعة التي مروها بها خلال حقبات التاريخ هذه التجارب التي تحتوي على كمٍّ هائل من المتناقضات.
فرغم المعاناة التي تظهر جلية في عقيدة اليهود، فإن الحقد والكراهية وبغض أي شيء أصبح ملازمًا للتفكير اليهودي، وبهذا لم يجد اليهود أي متنفس أو طريقة في تفريغ هذه الأحقاد عبر الكراهية إلى حد أن اليهودي أحيانًا يكره ذاته، وبني جنسه، ولكنه يستدرك ويعود إلى حنينه إذا تذكر دينه، وما كتاب التلمود إلا تعبير عن معاناة اليهود، وتعبير عن تضارب أفكارهم.
وكذلك في هذه الخيارات الستة تبين أن الصهيونية هي حركة الشعب اليهودي في طريقه إلى فلسطين، وأن العودة إلى فلسطين في رأيهم يجب أن تسبقها عودة الشعب اليهودي إلى اليهودية، وأن الصهيونية لا تتركز، ولا يمكن تحديدها في تعريف أو وصف ذي قالب واحد، فهي مبدأ متغير حسب مصلحة معتنقيه، وبدون إطار ثابت، وجميع هذه التعاريف تدور حول الموضوع ذاته، وهو الشخصية اليهودية المتميزة عن باقي شخصيات شعوب العالم، ووضع الشعب اليهودي في مقدمة الشعوب، على الرغم من أن اليهودية دين لا يشكل شعبًا إلا أن اليهود يطلقون على أنفسهم الشعب اليهودي.
стр. 297
فالدين لم يكن يعطي مفاهيم الشعب الكاملة؛ لذا فإنه من غير المنطقي الإقرار بأن اليهود شعب، لكنهم عبارة عن جماعات اعتنقت اليهودية، وانحدرت من شعوب أصول مختلفة، منهم السفرديم، وهم اليهود ذوو الأصول الشرقية كيهود المغرب، والعراق، واليمن، وإيران، ويهود فلسطين نفسها. وكذلك منهم الأشكناز وهم ذوو الأصول الأوروبية كالبولنديين، والروس، والنمساويين، وغيرهم ممن يدخل تصنيفهم في الفترة الحالية، ومنهم آخرين.
قد رأت الصهيونية أن بإمكانها أن تخلق تجانسًا من هذه الفصائل المختلفة حتى في العقائد؛ لتكوين جماعة واحدة يمكنها فيما بعدُ أن تطلق عليهم شعبًا، وإن كان ذا أصول مختلفة وأعراق متعددة، حتى إن بعضه دخيل على اليهود، وما الأشكناز إلا أعراق غير يهودية عبرانية قد اعتنقت الديانة اليهودية في أوائل القرن الحادي عشر الميلادي، أي: قبل تسعمائة سنة تقريبًا، ولهذا فإن أفكار قادة الصهيونية آنذاك كانت منصبة على تحقيق هذه الوحدة، والعودة إلى اليهودية بأي طريقة ووسيلة، فبهذا يحققوا هدفهم مستفيدين من مبدئهم القائم على أن الغاية تبرر الوسيلة، وقد استمر الصهاينة في استعمال هذه القاعدة في جميع أعمالهم خلال مسيرة الصهيونية حتى يومنا هذا لتحقيق ما يهدفون إليه.
مراحل الحركة الصهيونية
فقد مرت الحركة الصهيونية في تاريخها بمراحل ثلاث:
أولها: المرحلة التمهيدية، ثم مرحلة مؤتمر بازل في سويسرا، ثم مرحلة ما بعد مؤتمر بازل.
ونبدأ بالحديث عن المرحلة الأولى وهي مرحلة ما قبل مؤتمر بازل، وتتمثل بظهور مفكرين وأدباء يهود ساهموا بكتاباتهم في إنضاج فكر هذه الحركة، ولقد ظهرت
стр. 298
فكرة الصهيونية العالمية إلى الوجود في منتصف القرن التاسع عشر، وساهم في الدعوة إليها مفكرون يهود منهم: الحاخام يهودا القالي، والده زعيم روحي لليهود العرب في سيراجيفو، وقضى حياته في القدس، ثم أصبح حاخام سملين، ونشر في كتابه (اسمعي يا إسرائيل) اقتراحًا بإقامة مستعمرات يهودية في فلسطين؛ لتكون نواة للخلاص المنتظر.
ولما كانت هذه الفكرة مخالفة لتعاليم الدين اليهودي قام بتبريرات لها فقال: بظهور المسيح الأول الذي يسبق المسيح المنتظر الذي يقود اليهود في حروب يأجوج ومأجوج لفتح فلسطين بحد السيف، وفي كتابه الثاني وضع أسس هذا الخلاص، والتي تتلخص في إقامة جمعية عامة كبرى، وصندوق قومي لشراء الأراضي، ودعا لجباية الضرائب من يهود العالم، وهذا ما تبناه هرتزل فيما بعد. وفي كتابه الثالث (الخلاص الثالث) شجع على كسب عطف السلطان العثماني ومحاولة الاستيطان الجماعي بقصد تعمير الأراضي الخراب، ودعا لإقامة شركات تأمين وسكك حديدية حتى نتوسل بقوتها إلى السلطان لاستعادة أراضي الأجداد.
ومن هذه الشخصيات أيضًا الحاخام زفي هلش كلشر، وهو حاخام بولوني، واستلم حاخام تورن أربعين سنة، وانضم إلى جمعية الاستيطان اليهودي، وألف كتابه (السعي لصهيون) سنة ألف وثمانمائة واثنتان وستين، صور فيه بأسلوب الخداع حالات العذاب والتشرد والنفي التي يتعرض لها اليهود، ودعا للهجرة لفلسطين بقصد الخلاص، وقد استجاب لدعوته جماعة من اليهود اشتروا أرضًا في ضواحي يافا سنة ألف وثمانمائة وستة وستين، وأنشئوا مدرسة زراعية سموها ميكوه إسرائيل، ومعناها: أمل إسرائيل.
وبتخطيط من الاتحاد الإسرائيلي العالمي الذي تشكل في باريس عام ألف وثمانمائة وستين، ثم أنشئت مستعمرة بتاح تيكي فاه، ومعناها بوابة الأمل، وتبعد عن
стр. 299
حيفا ثمانية أميال، ومنهم الحاخام موسي هس، وهو حاخام ألماني صهيوني من أب تاجر، وأم ابنة حاخام، قد درس العربية في كولونيا، والفلسفة والتاريخ، ودخل جامعة بون وتأثر بماركس الذي يدرس معه في نفس الجامعة، وعمل مراسلًا لصحيفة رنبشه المتطرفة، التي يرأس تحريرها ماركس، انفصل عن ماركس إثر صدور البيان الشيوعي لعدم انسجامه معه، وقد ألف هذا الحاخام موسي هس كتاب (روما والقدس) دعا فيه إلى قومية يهودية؛ لأن اليهود بنظره يعتبرون أجانب في البلاد التي يعيشون فيها، وقد دعا إلى اعتبار القدس مركزًا يهوديًّا كما تعتبر روما مركز الكنيسة المسيحية، كما يرى أنه لا مبرر لنزوح كافة اليهود لفلسطين، بل يكفي إقامة دولة يهودية في فلسطين، ويبقى معظم اليهود في أماكن استيطانهم؛ ليسيطروا على الفعاليات الاقتصادية والسياسية في دولهم لدعم الكيان الصهيوني.
ومن الحاخامات أيضًا المؤسسة للفكر الصهيوني الحاخام، والمفكر بيير بتس وهو روائي وداع لإحياء الثقافة العبرية في روسيا، وقد دعا في كتابه (المتجول في سبيل الحياة) إلى الهجرة لفلسطين، وأن الهجرة إلى سواها إنما هو في نظره تشتيت جديد، ومنهم موشي لاب، وكان عضوًا في جمعية أحباء صهيون الروسية التي تعمل لتشجيع الاستعمار الصهيوني لفلسطين، وكان من أنشط مؤيدي هرتزل، وشعاره ادفع كويك في الأسبوع للاستطيان في أرض إسرائيل.
ومنهم يهوذا لايك وهو طبيب روسي وزعيم صهيوني نشر في كتابه (التحرير الذاتي) نداء يهودي روسي إلى بني قومه، ثم تصهين وعمل على توحيد الهيئات الصهيونية التي اتخذت مقرًّا لها في قرصوفيا، وانتخب هو نفسه رئيسًا لمجلسها الأعلى، ودعا في كتابه إلى قيام دولة إسرائيل بحجة أن العالم لا يحترم شعبًا لا أرض له.
стр. 300
ثم هرتزل وهو تيودور هرتزل مؤسس الصهيونية الحديثة، واسمه بنيامين زائيف هرتزل، وقد ولد سنة ألف وثمانمائة وستين في بودابست عاصمة المجر، ثم انتقل مع أسرته إلى فيينا، ومارس فيها المحاماة، وعين مراسلًا لصحيفة المرأة الجديدة بفرنسا، وبدأ يكتب عن المسألة اليهودية، وأخرج كتابًا بعنوان (الدولة اليهودية) محاولًا إيجاد حل عنصري للمسألة اليهودي، وفي سنة ألف وثمانمائة وسبعة وتسعين ترأس اجتماعًا للحركة الصهيونية في بازل، وألف كتابه الدولة اليهودية سنة ألف وثمانمائة وستة وتسعين طالب فيه بمنح أرض فلسطين لليهود واقترح أن ينفذ مشروع الدولة.
أما الجمعيات التي أنشئت قبل مؤتمر بازل فهي جمعية رعاية الاستيطان اليهودي في فلسطين، وتأسست ١٨٦٠ في فرانكفورت، وتهدف إلى جمع المال لشراء الأراضي، وتشجيع الاستيطان جمعية الألبانز الإسرائيلي العالمية، أو الاتحاد الإسرائيلي العالمي، وتأسست في فرنسا سنة ألف وثمانمائة وستين أيضًا، وأنشأت المدرسة الزراعية قرب حيفا، وجمعية أحباء صهيون وأنشئت بعد مصرع قيصر روسيا سنة ألف وثمانمائة وإحدى وثمانين حين اكتشف الروس خداع اليهود، وتعرفوا إلى أساليبهم في امتصاص أموالهم، فتحرك الشعب الروسي للانتقام منهم مما دفعهم إلى الهجرة، وتشكيل منظمة أحباء صهيون في روسيا في هذا العام، وتهدف إلى إنشاء المستعمرات في فلسطين وتهجير اليهود الروس إليها.
والجمعية اليهودية للاستعمار، وجمعية كاديما وهي منظمة طلابية يهودية، وجمعية هالوكا في ألمانيا، وقد أنشئت لجمع التبرعات لمساعدة يهود ألمانيا وغيرها من الجمعيات.
стр. 301
مرحلة مؤتمر بازل:
وقد انعقد المؤتمر التأسيسي الأول للحركة الصهيونية في التاسع والعشرين من أغسطس سنة ألف وثمانمائة وسبعة وتسعين في بازل بسويسرا، واستطاع تيودور هرتزل أن يكون هو رئيس المؤتمر، والمؤتمرات الخمسة التي تلته حتى توفي. وبعد الترحيب بالمؤتمرين أُعلن أن أول نتائج هذا المؤتمر تحويل المسألة اليهودية إلى مسألة صهيونية، ودعا إلى كسب ثقة الحكومات في مساعدتهم لتوطين اليهود في فلسطين، وعارض مبدأ الهجرة الشاملة، وطالب بأن يبقى المنفذون في بلادهم التي استوطنوا فيها؛ لمساعدة الدولة المرتقبة فيما بعد، وقد اتخذ المؤتمر القرارات التالية:
١ - تشكيل لجنة عمل مهمتها تبني المفاوضات، وعقد الاتفاقات، وبذل المساعي لإقامة دولة صهيونية في فلسطين.
٢ - تأليف بنك استعماري يهودي برأس مال مليون جنيه تحت تصرف لجنة العمل.
أما المقررات السرية التي قررها مؤتمر بازل فهي:
١ - استعمال كافة الوسائل وتسخير الدول والشخصيات لإقامة دولة صهيون.
٢ - ربط كافة الجمعيات اليهودية مع كافة المنظمات الدولية والسياسية لاستغلالها للغرض ذاته.
٣ - التظاهر في المجتمعات التي تحتقر اليهود بالشخصية المسيحية مع الإيمان بأن المسيحية عدوة اليهودية.
٤ - تدعيم العمل السري اليهودي في كافة أنحاء العالم حتى نتمكن من السيطرة على الدول الأخرى.
стр. 302
٥ - السعي الحثيث لإضعاف الدول سياسيًّا بنقل أسرارها، وبذر بذور التفرقة والانشقاق بين حكامها.
٦ - على اليهود اعتبار القطعان الأخرى قطعانًا من الماشية يجب خضوعها لحكام صهيون.
٧ - اللجوء إلى التملق للحكام والتهديد واستخدام المال في إفساد الحكام والسيطرة عليهم.
٨ - العمل على السيطرة على الذهب والاقتصاد العالمي بغية السيطرة على وسائل الإعلام والثقافة لإثارة الرأي العالم.
كما تم الاتفاق على أن من يؤمن بالمبادئ التي وصفت في مؤتمر بازل يدفع اكتتابًا سنويًّا للمساهمة في بناء الدولة، وكتب مثلًا روتشيلد في صحيفته عن آثار مؤتمر بازل فقال: لو طُلب إلي أن ألخص أعمال مؤتمر بازل، فإني أقول بل أنادي على رءوس الأشهاد إنني أسست الدولة اليهودية.
وقد عُقد المؤتمر الثاني في بازل في السنة التي تليها سنة ألف وثمانمائة وثمانية وتسعين، وأسفر عن إنشاء بنك رأسماله مليونا جنيه إسترليني، ثم عُقد المؤتمر الثالث في السنة التي تليها، والمؤتمر الرابع والمؤتمر الخامس والمؤتمر السادس والسابع، وهكذا.
أنتقل للحديث عن مرحلة ما بعد المؤتمر التأسيسي، وقد تميزت هذه المرحلة بنشاط مكثف؛ لترسيخ الأسس النظرية للصهيونية العالمية، وتميزت بالنشاط الفعال لخدمة الأهداف التي تبناها المؤتمر، ونلاحظ في هذه المرحلة -مرحلة ما بعد المؤتمر التأسيسي- نشاطان: نشاط الأفراد، وقد نشط رجال الحركة الصهيونية على الصعيد العالمي؛ لتحقيق أهدافهم السرية منها والعلنية، وكان على رأسهم هرتزل الذي قابل الصدر الأعظم لشراء أرض فلسطين لقاء مبلغ
стр. 303
كبير من المال، كما قابل وزير المستعمرات البريطاني جوزيف تشمبرن، كما زار روسيا القيصرية، وكان له أثر في اتفاقية سايكس بيكو سنة ألف وتسعمائة وستة عشر، والتي بموجبها تقاسموا الوطن العربي، وحصلوا على وعد بلفور سنة ألف وتسعمائة وسبعة عشر.
وممن ساهم في هذا النشاط حاييم وايزمان وكون جوزيف، وجردبرج، وبتأثيرهم أقرت الولايات الأمم المتحدة صك الانتداب الإنجليزي على فلسطين، وعينوا هنبرت صموئيل الصهيوني أول مندوب سامي لهم في القدس؛ ليعمل على تحقيق وعد بلفور، ثم نشاط المنظمات؛ فالمؤتمر الصهيوني العالمي وهو الموجه الأعلى للمنظمة الصهيونية، ويتألف من أعضاء اللجنة التنفيذية للمجلس الصهيوني العام، ومن ممثلي المنظمات الصهيونية العالمية، ويُعقد كل أربع سنوات للإشراف على التوجيه، وينبثق عنه المجلس التنفيذي للمؤتمر، وهو مشرع الحركة، والمسئول عن تنفيذ قراراتها في القدس وخارجها، ويتألف من المكتب التنفيذ الصهيوني العالمي، ومن الوكالة اليهودية.
ثم الوكالة اليهودية وهي المسئولة عن شئون يهود فلسطين، وهي قسمان: القسم الأمريكي وتأسس سنة ألف وتسعمائة وستين، وهو يعمل في فلسطين، والقسم الإسرائيلي والذي تأسس سنة ألف وتسعمائة وستة وستين، وهو يعمل في أمريكا لجمع التبرعات وكسب الأنصار، والذي نجم عنهما إدارة الوكالة اليهودية سنة ألف وتسعمائة واثنتان وعشرين، ثم الصناديق القومية وهي المسئولة عن الإعمار والاستعمار في فلسطين سنة ألف وتسعمائة وعشرين، ثم النداء اليهودي الموحد إتش إم من يهود أمريكا، ويقود حملة الوكالة اليهودية لدعم الاستيطان، وقد تأسس سنة ألف وتسعمائة وسبعة وعشرين، ثم الجمعية اليهودية العالمية، وهي التي تقف وراء جميع المنظمات لمدها بالمال وبالرجال.
стр. 304
ركائز الحركة الصهيونية العالمية، وأهدافها
بدراسة الحركة الصهيونية العالمية ومخططاتها نلاحظ بأنها تقوم على اعتقاد الصهاينة بأربعة ركائز أساسية، يبنون عليها فلسفتهم:
أول هذه الركائز: الروابط التاريخية والدينية القديمة التي تربط اليهود بأرض فلسطين، وتربط الصهاينة بصهيون.
وثانيها: يتمثل بأن اليهود في شتى أنحاء العالم عنصرًا واحدًا ينتمي إلى أصل واحد مرجعه إلى فلسطين، ومن ثم يعتبر جميع يهود العالم أعضاء في جنسية واحدة هي الجنسية الإسرائيلية.
وثالثها: أن الأرض الموعودة أو أرض الميعاد التي وعد بها إله إسرائيل الشعب الذي جعله شعبه المختار؛ لتكون لهم وطنًا وملكًا أبديًّا هي فلسطين، وما حولها من أراض تمتد من الفرات إلى النيل.
ورابعها: أن الرب قد تعهد بأن يرقى بذرية إسرائيل في النهاية إلى السيادة على العالم، ولذلك ستكون فلسطين قاعدة إمبراطورية اليهودية العالمية المنشودة.
وللتفصيل في تحليل وفحص هذه الركائز ودراستها يجب أن نناقش كل ركيزة على حدة، ونتساءل عن صحة الحق السياسي لليهود في فلسطين، وخاصة أنهم يدَّعون هذا الحق بهتانًا وزورًا، ولا تعكس الحقيقة؛ فالعرب الكنعانيون كان لهم الأسبقية للاستقرار والسكنى بفلسطين، وهم بها قبل اليهود منذ دهور طويلة من غابر الأزمان، وبشهادة التوراة نفسها، ففي التوراة تقول: جميع أراضي بني كنعان قد مرت هذه الأرض بفترات غزو وخضوع لمحتلين بحكم موقعها، وربطها
стр. 305
بين الحضارات القديمة، وقد أتاها اليهود كغيرهم غزاة، ونزحوا إليها عابرين، وأقاموا بها فترة من الزمن، وأسسوا مملكتين زالتا كما زال غيرهما، ولم تعمران لزمن طويل، كذلك جاء الفرس والروم والصليبيين وغيرهم، ولم يدم بها مقام سوى لأهلها الأصليين وهم العرب الفلسطينيين، وقد بقيت فلسطين للعرب الذين سكنوها حتى يومنا الحاضر؛ لذا فحق اليهود فيها ليس له أي صحة، ولا يقوم عليه دليل، وهو ادعاء مبني على حنين إلى سراب في خيالهم؛ فهم يحاولون التدليس وإلباس هذا الخيال ثوب الشرعية، ولن يفلحوا؛ لأن زيفهم سينكشف عاجلًا أو لاحقًا.
أما من ناحية انتماء اليهود في شتى أنحاء العالم إلى أصل واحد فإن هذه مغالطة بينة وواضحة، حيث إن إسرائيل وسكانها الحاليين لا يمثلون اليهود الذين يرجعون إلى أصل عبراني قديم ممن ينتمون إلى أسباط إسرائيل، وإن كان منهم السفرديم وهم أقلية بسيطة وُجدت وذابت في المجتمعات الشرقية في جميع الدول، وخلال جميع العصور؛ لذا فإن اليهود الأوربيين الغربين، أو ما يسمون بالأشكناز ليس لهم أي ارتباط تاريخي أو أي علاقة جذرية بفلسطين، وما يهود الأشكناز إلا يهود بلاد الخزر ممن اعتنق اليهودية إبان قيام مملكتهم في الأراضي الروسية، التي أطاحت بها الدولة القيصرية الروسية، وأبادت أي آمال لقيام أي دولة جديدة لهم، وتشتتوا في جميع أصقاع شرق أوربا، وهم ليسو من صلب إسرائيل كما يدَّعون، وليس لهم في الساميين من نسب أو انتماء.
ومن ثم فإن اعتبار جميع يهود العالم أعضاء في جنسية واحدة، وهي الجنسية الإسرائيلية؛ هو كلام هراء ليس له أي قيمة تاريخية أو علمية، بالتالي فإن اليهود ليسو شعبًا، بل هم طائفة دينية تضم جماعات مختلفة من الناس يشتركون في دين واحد، وهذا هو كل ما يجمعهم.
стр. 306
أما ما يختص بالوعود الإلهية لهم بالأرض الموعودة التي يزعمونها، ووعد إله اليهود بأن تكون إسرائيل قاعدة للإمبراطورية اليهودية العالمية المنشودة، فهو ضرب من الخيال، وكلام غير منطقي، وغير واقعي.
أهداف الصهيونية:
في أن الصهيونية أخطبوط كبير، فقد تعددت أطماعها وانتشرت في جميع الأرجاء، ولتحقيق وتمشيط هذه الأطماع والغايات والأهداف دفعت الصهيونية كل الطاقات المتواجدة لديها وسخرتها إضافة إلى كافة كوادرها، وشبابها، وأموالها، ومفكريها دفعت بكل ذلك إلى ساحة التخطيط والعمل، استطاعت بالجدية والصرامة، وبالتخطيط وإخلاص وقناعة العاملين بما ينفذون من مخططات استطاعت أن تحقق بعض هذه الأهداف المنشودة، والمرسومة بدقة. ويذكر أحد الباحثين مناقشة ومناظرة بين يهوديين: أحدهما: الصهيوني العالمي بلجمان سركين، والآخر: يهودي ناقد للصهيونية قبل إنشاء دولة إسرائيل.
فقال الأول: حسنًا، دعنا نعقد اتفاقًا نقسم بموجبه كل شيء إلى قسمين، خذ أنت كل شيء موجود بالفعل، وأنا آخذ كل شيء ليس في الوجود بعد، مثلًا إسرائيل كدولة يهودية غير موجودة إنها حصتي، الشتات اليهودي موجود خذه أنت، اللغة الشرختية -وهي لغة الأشكناز- موجودة خذها لك، اللغة العبرية لا يتحدث بها الناس في حياتهم اليومية إنها من حصتي، كل ما هو واقع وحقيقي وملموس هو من نصيبك، وكل ما تعتبره أنت مجرد أحلام فليكن من نصيبي.
وهذا يفسر مدى جديتهم وتفهمهم، بل واعتقادهم الجازم بهدفهم، فلم يكن نجاح الصهيونية بسبب جهل الأمم المستعمرة من قبل الصهيونية فحسب، ولكن
стр. 307
لضعف إمكانيات هذه الشعوب، وللخطط الماكرة التي وضعتها الصهيونية، ولدقة التنفيذ الذي يجب أن نحسدهم عليه، ونحذو حذوهم، ونعمل باستراتيجياته، وقبل أن تنطلق الصهيونية في أعمالها، ومخططاتها، وضعت الوسائل العديدة؛ لبلوغ غاياتها؛ لأنه لم يخف على مفكري الصهيونية أنهم إن أرادوا لعملهم النجاح التام، ولأهدافهم أن تتحقق بدون تلكؤ أو عرقلة، فلا بد أن تكون هناك أهداف محددة، يسيرون عليها، ويتعاملون بها مع الشعوب المحيطة بهم.
ويمكن تلخيص الأهداف الرئيسة للصهيونية في النقاط التالية:
أولًا: الدعوة للصهيونية في حواضر العالم المتمدن، وخاصة بين رجال الحكم والساسة في الدول التي بيدها مقاليد حكم أغلبية الشعوب.
ثانيًا: زرع الفكرة الصهيونية في أعماق الأفراد اليهود حيثما كانوا، وحملهم على اعتناقها والعمل بتحقيق أهدافها.
ثالثًا: إغراء الدول العظمى التي بيدها الحل والربط والعقد أن تربط مصالحها بمصالح اليهود، وتوثق علاقتها بها، خاصة العلاقات الاقتصادية من خلال إقامة دولة في فلسطين، والتحدث مع كل دولة بما يتماشى مع أحلامها القريبة والبعيدة، ومساعدة هذه الدول فيما لا يتضارب مع مصالح اليهود ومخططاتهم.
رابعًا: طمأنة العالم المسيحي على مستقبل الأماكن المقدسة بفلسطين، وإشاعة سوء استخدام العرب لها، وعدم اهتمامهم بها، وبالتالي دفع العالم، وخاصة المسيحي للتكالب عليهم، ومناصرة مطالبة اليهود بإقامة وطن لهم في فلسطين، وبمجرد الاطلاع على هذه الأهداف نجد أنها وُضعت بدقة؛ بحيث تضمن
стр. 308
هذه الجماعة من الصهاينة الدعم الشعبي من القاعدة العريضة من اليهود، والدعم العالمي من كبرى دول العالم وأصحاب النفوذ في العالم، ولأن الذهب كان وما يزال يتحكم في اقتصاد دول العالم، ويهم أصحاب النفوذ بأن يسيطروا ويتملكوا هذه المادة، فقد سيطر اليهود على اقتصاد العالم؛ لأنهم سعوا للسيطرة على الذهب والألماظ، والبترول، وكل ذي قيمة من مناجم وحقول، ونحوها من ثروات كموارد الأموال في العالم، وكل ذلك لتدعيم مصالحهم في التعامل مع دول العالم الكبرى، والتعامل مع الزعماء؛ لتحقيق أهداف الصهيونية لإنشاء دولة إسرائيل وتقويتها.
فقد وضعت الصهيونية هذه الأهداف التي يمكن أن تصل بها إلى تحقيق غاياتها، فمثلًا الدعوة للصهيونية في حواضر العالم المتمدن عن طريق الإقناع، والإغراء بالنفوذ أو المال، أو بالأساليب المؤثرة على الشخصيات العالية والمهمة في الدول الرائدة بما يضمن حقهم سلميًّا، أو عن طريق ممارسة الضغط القهري؛ لتنفيذ مخططات الصهيونية مثلًا حاول هرتزل الحصول من السلطان عبد الحميد الثاني على التنازل للصهاينة عن فلسطين مقابل خمسة ملايين ليرة ذهبية عثمانية، وهذا المبلغ يوازي آنذاك مائة مليون وخمسين إسترليني، وقرض للدولة قيمته مائة مليون ليرة ذهبية عثمانية يسددها خلال مائة سنة بدون فائدة، وكان النائب اليهودي التركي قره صو هو وسيطهم إلى السلطان، وقدموا غير ذلك من الهبات والوعود، والدعم للدولة العثمانية، ورغم ذلك رفض هذا السلطان العثماني هذا العرض السخي والمغري.
هكذا نرى أن الصهيونية ما أن تتمكن من فريسة تقع في فخها حتى تنقضَّ عليها، وتبقيها تحت سيطرتها، وفي النهاية تقتلها بعد أن تكون قد امتصت كل خيراتها لصالحها.
وصلى اللهم على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 309
الدرس: ١٩ الصهيونية (٢) .
стр. 310
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدرس التاسع عشر
(الصهيونية (٢))
وسائل الصهاينة لتحقيق أهدافهم
على أشرف المرسلين، وخاتم النبيين سيدنا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين،
أما بعد:
يمكن أن نلخص هذه الوسائل بما يلي:
أولًا: استخدام نفوذ الصهاينة المادي في اصطناع الأزمات المالية، وفي شراء الضمائر، وفي إنشاء الجمعيات السرية التي تحقق أغراضهم، وفي دعم مشاريعهم التوسعية، وجمعياتهم الإرهابية، وتشجيع الحركات القومية. وقد ورد في البروتوكول السادس من بروتوكولاتهم "سنشرع رأسًا في إقامة احتكارات ضخمة ومستودعات هائلة للثروة"، فمن الضروري في الوقت نفسه توسيع التجارة والصناعة بقوة وحيوية؛ ولا سيما المضاربة، والمضاربات هي التي تحول مالا بأسره إلى أيدينا، وآنذاك يحني الأغيار هاماتهم لنا طلبًا للحصول على حقهم في الحياة.
وقد ورد في يوميات هرتزل في الصفحة التاسعة عشرة بعد الأربعمائة ما يلي: إن توسيع رأس المال الذي يخطط له الآن سيجعل من البنك اليهودي عاملًا له أهميته في العالم المالي، حتى تنمو الصهيونية؛ لتكون قوة حقيقية، وأشهر أغنياء العالم آل روتشيلد ويعقوب شيف الذي دعم الثورة الشيوعية ينتمون إلى الحركة الصهيونية.
ثانيًا: استخدام العنف والإبادة مع خصومهم ظنًّا منهم بأن الإرهاب والعنف يعطي نتائج إيجابية، فلقد شكل الإرهابي مناحم بيجين حزبه الإرهابي أرجون زفاي ليومي منذ الأربعينيات، وقام هذا الحزب الإرهابي بدوره الهمجي في مذابح دير ياسين الشهيرة بوحشيتها في سنة ١٩٤٨، كما قام في العصر الحديث بالتخطيط لمذابح صبرا وشاتيلا بمساعدة وزير حزبه الجنرال أرييل شارون، كما
стр. 311
أن أسلوبهم الوحشي مع المجاهدين في الأرض المحتلة، وهدمهم البيوت، وتهجيرهم لأصحابها، وتنكيلهم بالمسالمين لم يعد خافيًا على أحد.
ومن المؤسف أن يصبوا حقدهم في ذبح النساء والأطفال والشيوخ والمسالمين، فلقد عهد موشي ديان في أغسطس سنة ألف وتسعمائة وثلاثة وخمسين إلى إرييل شارون بقيادة الوحدة ١٠١ المكلفة بأعمال انتقامية ضد القرى العربية، ومما كتبه موسى شاريت في يومياته ما يلي: "كانت أول هجمة لشارون ورجاله على قرية قبية الفلسطينية بالأردن، وذلك في أكتوبر سنة ١٩٥٤، وذبحوا ستة وستين من الأهالي، ثلاثة أرباعهم من النساء والأطفال"، وقال مراقبو الأمم المتحدة في تقريرهم لمجلس الأمن: "إنهم عندما وصلوا القرية بعد ساعتين من المذبحة رأوا جثثًا مثخنة بالرصاص، ورأوا آثار عدد كبير من الرصاص على الأبواب والنوافذ في البيوت التي هدمت، مما يدل على أن السكان قد حيل بينهم وبين مغادرة منازلهم، فبقوا فيها حتى لقوا حتفهم حتى أنقاض المنازل المنهارة".
وذكرت صحيفة هاعولان ما يلي: "في حرب ١٩٦٧ كان الجيش الذي هاجم سيناء تحت قيادة شارون هو المسئول شخصيًّا عن مصرع مئات من الجنود المصريين؛ إذ رفض اعتبارهم أسرى حرب خلال الأيام الأخيرة للحرب؛ لأن تعاليم ديان كانت تقضي بعدم الالتجاء إلى أسر الجنود المصريين في سيناء، وتأمر بإبادتهم، وحينما ظهرت فكرة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين لم يتحمس معظم رجال الأعمال اليهود لهذا الأمر؛ لأنهم ليسوا على استعداد أن يضحوا بمكاسبهم المضمونة لقاء مستقبل مجهول، فما كان من عصابات الإجرام الصهيونية الهاجانة ودونزافي ليومي، وشتيرون، وغيرها إلا أن سارعت لتصفية اليهود المناهضين للصهيونية في المجر، وفي ألمانيا، وتشيكوسلوفاكيا، وبولندا.
стр. 312
وحُملت ألمانيا النازية مسئولية هذه المذابح، وطالبت بالتعويض الباهظ عن هذا الإجرام؛ متهمة زعماء النازية بقتل خمسة وعشرين ألف شخص في معتقلات داخاو، وبقي هذا السر غامضًا حتى كشفه الكاتب السياسي الأرجنتيني زويلو سيزوريك بعد أربعين عامًا؛ حيث نشر هذا السر في مؤلفاته عن الصهيونية حين أقدم الكوماندوز الإسرائيلي على اختطاف إخيمان من الأرجنتين، وإعدامه في إسرائيل؛ لأنه الوحيد الذي يعرف أن العصابات اليهودية هي التي قامت بمجازر القضاء على اليهود الأوروبيين، الذين قاوموا الصهيونية، وبالقضاء عليه قضوا على الشاهد الوحيد الذي يدين الصهيونية، مع أن إخيمان كان من أصدقاء رولف كسنز زعيم الحزب الصهيوني، الذي رأسه بن جوريون وجولدا مائير، وتعاون مع المنظمة الصهيونية المجرية في إنقاذ اليهود الأثرياء، وأعضاء منظمة الشباب الصهيوني.
ومن وسائلهم أيضًا ثالثًا: الهجرة والاستيطان وهو مطلب عندهم وطني لكافة الأحزاب الإسرائيلية، فبواسطته يزداد عدد اليهود في فلسطين كي يفوقوا عدد العرب الذي يتزايد بشكل ملفت للنظر ذلك بسبب ابتعادهم عن تحديد النسل، كما أن زيادة السكان اليهود يساعد على زيادة عدد الجيش الإسرائيلي، وأن اليهود القادمون من بلاد أوربا أكثرهم فنيون وتقنيون، فهم يساهمون في تطوير المهارات الفنية والتكنولوجيا فيها؛ لذلك عملوا بمخططات سرية رهيبة على هجرة اليهود السوفيت والأوربيين إلى إسرائيل، حتى وصل بهم الأمر إلى يهود أثيوبيا المتخلفين الذين هربوهم عن طريق السودان للاستفادة منهم في توفير اليد العاملة، والكوادر العسكرية القاتلة، فنشطوا في إنشاء المستوطنات الصهيونية على الرغم من معارضة الرأي العام الدولي حتى من أصدقائهم، بتدعيم من الجمعية الصهيونية الخاصة لإنشاء المستعمرات؛ لذا راحوا يسعون إليه بكافة
стр. 313
الوسائل المشروعة وغير المشروعة، وذلك بطرد المواطنين الذين يشتبهون في ولائهم لحركة المقاومة، وبهدم البيوت وباستملاك الأراضي باسم المصلحة العامة، ومضاعفة الأمن، وفرض الضرائب الباهظة التي ينوء بدفعها المواطن العربي في إسرائيل، مما يضطره لبيعها، هذا بالإضافة إلى إغرائهم بأبهظ الأثمان.
رابعًا: من وسائلهم أيضا كسب الرأي العالمي عن طريقين، أولهما: السيطرة على وسائل الإعلام العالمية، وثانيهما: تسلل اليهود إلى المراكز السياسية الكبرى في الدول العظمى لتبرير مشاريعها بواسطتهم، ولا يخفى على القارئ الكريم والمستمع النابه أثر وسائل الإعلام في توجيه الرأي العام واستغلاله.
أما أسلوبهم في ضمان تأثير هذه الصحف والمجلات: فهو ما حددته البروتوكولات بقولهم يجب ألا يرتاب الشعب أقل ريبة في هذه الإجراءات؛ لذلك فإن الصحف الدورية التي ننشرها ستظهر كأنها معارضة لنظراتنا، وآرائنا، فتوحي بذلك الثقة إلى القراء، وتعرض منظرًا جذابًا لأعدائنا الذين لا يرتابون فينا، وسيقعون في شراكنا، وسيكونون مجردين من الثقة.
ولقد تبين من إحصاء أُجري عام ألف وتسعمائة وستة وخمسين أن اليهود الذين لا يتجاوز عددهم في العالم خمسة عشر مليونًا يصدرون ثمانمائة وتسعة وتسعين جريدة ومجلة يهودية في كافة لغات العالم منها، خمسين في انجلترا، وستة وثلاثين في فرنسا، هذا عدا عن الصحف التي تسيطر عليها الصهيونية بشكل أو بآخر في السر والعلن، وقد صرَّح أحد زعماء العرب أنهم سيرمون إسرائيل في البحر، فاستغل إعلامهم هذا التصريح، وراح يستعطف به الرأي العام العالمي وحكوماته المسيرة، فلاقى تحركهم الإعلامي دعمًا دوليًّا منقطع النظير لدولتهم الناشئة.
стр. 314
أما تسللهم إلى مراكز قيادية في الدول العظمى: فقد منحهم في الماضي والحاضر فرصًا كبرى تمكنوا بسببها من تأسيس دولتهم، فوصول بلفور اليهودي إلى وزارة خارجية بريطانيا ساعد على إعطاء وعد بلفور، وعلى تعيين المندوب السامي البريطاني في فلسطين من اليهود؛ ليعمل على تسليمها لهم. أما نفوذ اليهود في أمريكا فهذا لا يحتاج إلى دليل؛ لأن المرشحين لمركز الرئاسة في أمريكا يتنافسون في خطب ودهم، والالتزام بدعم قضيتهم. أما في روسيا فيكفي أن نعلم أن الزعماء الخمسة الذين قاموا بالثورة البلشفية هم من اليهود، وهم لينين، وزينوفيف، وكارنيف، وتروتسكي، وباكوف، وسفرولوف، وغيرهم.
شك البعض في يهودية لينين المتزوج من يهودية، وأول رئيس جمهورية سوفيتية كان يهوديًّا، وكذا الرئيس الثاني، ورئيس أركان الجيش السوفيتي الذي زار بعض دول المواجهة بعد حرب الأيام الست، وكان يهوديًّا؛ وبهذا ندرك الدور الخطير الذي يطلع به اليهود في تحقيق أغراضهم. ومما تقدم في عرضنا لهذه الوسائل نلاحظ ما يلي:
أولًا: أن للصهيونية منظمات دولية يدين لها يهود العالم بالولاء تسهر على مصالح اليهود الأساسية، قد خططت لإقامة دولة إسرائيل ونجحت، وتعمل الآن على مساندتها وتقويتها، ويعمل بعض هذه المؤسسات في جمع التبرعات، والبعض الآخر في إنشاء المستوطنات، والبعض الثالث في الاتصال برجال السياسة والحكم، والبعض في الاقتصاد وهكذا يعمل الجميع بتخطيط وتنسيق.
ثانيًا: إنشاء الأغنياء اليهود مصارف خاصة بهم، رصدوا أرباحها لتحقيق أهداف الصهيونية الاستعمارية التوسعية، فهل وصل أغنياؤنا وهم لا يقلون عن أغنياء اليهود إلى الحد الأدنى من التضحية؛ كي يقدموا جزءًا يسيرًا من فائض ثرواتهم التي ينفقونها في الترف وبطر المعيشة لتحرير بلاد العروبة والإسلام.
стр. 315
ثالثًا: لقد عملت وسائل الإعلام الصهيونية على تكوين الشخصية الصهيونية في كسب الرأي العام الدولي إلى جانب قضاياه المصيرية، فهل ساهمت وسائل الإعلام العربية والإسلامية في بناء الشخصية المسلمة المجاهدة، أم إنها تساهم في تمييعها دون أن تشعر، وتشغلها عن قضاياها المصيرية بقضايا الجنس والاهتمامات الأخرى.
تلخيص لأفكار الصهيونية ومعتقداتها
فكما قلنا: إن الصهيونية تستمد فكرها من الكتب المقدسة التي حرفها اليهود، وقد صاغوها في شكل البروتوكولات، وتعتبر الصهيونية جميع يهود العالم أعضاء في جنسية واحدة هي الجنسية الإسرائيلية، كما تهدف الصهيونية إلى سيطرة اليهود على العالم كما وعدهم إلههم يهوه، وتعد المنطلق لذلك هو إقامة حكومتهم على أرض الميعاد التي تمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات، يعتقد اليهود كذلك أنهم هم العنصر الممتاز الذي يجب أن يسود، وكل الشعوب الأخرى خدم لهم.
ويرون أن أقوم السبل لحكم العالم هو إقامة الحكم على أساس التخويف والعنف، ويدعون إلى تسخير الحرية السياسية من أجل السيطرة على الجماهير، ويقولون: يجب أن نعرف كيف نقدم لهم الطعم الذي يوقعهم في شباكنا، ويقولون: لقد انتهى العهد الذي كانت فيه السلطة للدين، والسلطة اليوم للذهب وحده، فلا بد من تجميعه في قبضتنا بكل وسيلة؛ لتسهل سيطرتنا على العالم، ويرى الصهاينة أن السياسة نقيض للأخلاق، ولا بد فيها من المكر والرياء. أما الفضائل والصدق فهي في عرف السياسة رذائل. ويقول الصهاينة: إنه
стр. 316
لا بد من إغراق الأمميين في الرذائل بتدبيرنا عن طريق من نهيئهم لذلك من أساتذة وخدم، وحاضنات ونساء الملاهي، ويقولون: يجب أن نستخدم الرشوة والخديعة والخيانة دون تردد ما دامت تحقق أهدافها، ويقولون: يجب أن نعمل على بث الفزع الذي يضمن لنا الطاعة العمياء، ويكفي أن يشتهر عنا أننا أهل بأس شديد؛ ليذوب كل تمرد وعصيان.
ويقولون: يجب أن ننادي بشعارات الحرية والمساواة والإخاء؛ لينخدع بها الناس، ويهتفوا بها، وينساقوا وراء ما نريد لهم، ويقولون: لا بد من تشييد أرستقراطية تقوم على المال الذي هو في يدنا، والعلم الذي اختص به علماؤنا، ويقولون: سنعمل على دفع الزعماء إلى قبضتنا، وسيكون تعيينهم في أيدينا، واختيارهم يكون حسب وفرة أنصبتهم من الأخلاق الدنيئة، وحب الزعامة، وقلة الخبرة، ويقولون: سنسيطر على الصحافة تلك القوة الفعالة التي توجه العالم نحو ما نريد، ومن أفكارهم أيضًا أنه لا بد من توزيع الشقة بين الحكام والشعوب، وبالعكس؛ ليصبح السلطان كالأعمى الذي فقد عصاه، ويلجأ إلينا لتثبيت كرسيه.
ويقولون: لا بد من إشعال نار الخصومة الحاقدة بين كل القوى، لتتصارع وجعل السلطة هدفًا مقدسًا تتنافس كل القوى للوصول إليه، ولا بد من إشعال نار الحرب بين الدول؛ بل داخل كل دولة عند ذلك تضمحل القوى تسقط الحكومات، وتقوم حكومتنا العالمية على أنقاضها، ويقولون: سنتقدم إلى الشعوب الفقيرة المظلومة في زي محرريها ومنقذيها من الظلم، وندعوها إلى الانضمام إلى صفوف جنودنا من الاشتراكيين، والفوضويون، والشيوعيون، والماسونيين، وبسبب الجوع سنتحكم في الجماهير، ونستخدم سواعدهم لسحق كل من يعترض سبيلنا، ويقولون: لا بد أن نفتعل الأزمات الاقتصادية؛ لكي
стр. 317
يخضع لنا الجميع بفضل الذهب الذي احتكرناه. ويقولون: إننا الآن بفضل وسائلنا الخفية في وضع منيع، بحيث إذا هاجمتنا دولة نهضت أخرى للدفاع عنا. ويقولون: إن كلمة الحرية تدفع الجماهير إلى الصراع مع الله ومقاومة سنته، فلنشعلها هي وأمثالها إلى أن تصبح السلطة في أيدينا.
ويقولون: لا بد لنا أن نتبع كل الوسائل التي تتولى نقل أموال الأمميين من خزائهم إلى صنادقينا، ويقولون: سنعمل على إنشاء مجتمعات منحلة مجردة من الإنسانية والأخلاق، متحجرة المشاعر ناقمة أشد النقمة على الدين والسياسة؛ ليصبح رجاؤها الوحيد تحقيق الملذات المادية، وحينئذ يصبحون عاجزين عن أي مقاومة فيقعون تحت أيدينا صاغرين. ويقولون: سنقبض بأيدينا على كل مقاليد القوى نسيطر على جميع الوظائف تكون السياسة بأيدي رعايانا، وبذلك نستطيع في كل وقت بقوتنا محو كل معارضة مع أصحابها من الأمميين، ويقولون: يجب أن نسيطر على الصناعة والتجارة، ونعود الناس على البذخ والترف والانحلال، ونعمل على رفع الأجور، وتيسير القروض، ومضاعفة فوائدها عند ذلك سيخر الأمميون ساجدين بين أيدينا.
ويقولون: سنولي عناية كبيرة بالرأي العام إلى أن نفقده القدرة على التفكير السليم، ونشغله حتى نجعله يعتقد أن شائعاتنا حقائق ثابتة، ونجعله غير قادر على التمييز بين الوعود الممكن إنجازها، والوعود الكاذبة؛ فلا بد أن نكون هيئات يشتغل أعضاؤها بإلقاء الخطب الرنانة التي تغدق الوعود، ولا بد أن نبث في الشعوب فكرة عدم فهمهم للسياسة، وخير لهم أن يدعو السياسة لأهلها، ويقولون: سنكثر من إشاعة المتناقضات، ونلهب الشهوات، ونؤجج العواط، ويقولون: سنستعين بالانقلابات والثورات كلما رأينا فائدة لذلك إلى غير ذلك من أهدافهم، وأفكارهم الكبيرة، والكثيرة، والمتعددة.
стр. 318
البروتوكولات: تعريفها وتاريخها ونشأتها وكيفية اكتشافها
وكما قلنا: إن التوراة والتلمود تعتبران من المصادر القديمة للعقيدة والفكر اليهودي. أما البروتوكولات فهي المصدر الحديث الذي يعتمد عليه اليهود في العصر الحاضر، ويستمدون منه فكرهم وخططهم، والفرق بين التلمود والتوراة وبين البروتوكولات أن اليهود جعلوا هذه البروتوكولات مصدرًا سريًّا لا ينبغي لأحد أن يطلع عليه؛ بينما كانت التوراة والتلمود من المصادر العلنية التي يمكن لكل لأحد أن يطلع عليها.
أيضًا هناك فرق: وهو أن اليهود يعترفون بالتوراة والتلمود كمصدر لهم، بينما لا يعترفون بالبروتوكولات حين اكتشفت رغمًا عنهم، وقد أعلنوا أنهم لا يعرفون عنها شيئًا ولكن الأحداث الجارية، وتفاصيل ما جاء بهذه البروتوكولات كانت تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن هذه البروتوكولات يهودية صرفة، فلم تكن في واقع الأمر أكثر من تفصيل وتحليل لما ورد في تلمودهم الحقير، ومن هنا فإننا نضع البروتوكولات ضمن مصادر العقيدة اليهودية حتى ولو كان اليهود ينكرون صلتهم بها؛ لأنه لا يستطيع أي عاقل أن ينكر الصلة الوثيقة بين البروتوكولات وبين التلمود وكثير من نصوص التوراة المحرفة.
سوف نبدأ بالحديث عن تعريف البروتوكولات وتاريخها، وبعض الأدلة الصحيحة على نسبتها لليهود، ثم نعرض لها بالتحليل والتوضيح بإيجاز؛ مبينين أهداف اليهود من هذه البروتوكولات وعلى ضوئها، وأساليبهم التي وضعوها في هذه البروتوكولات.
стр. 319
تعريف البروتوكولات:
ومعنى كلمة بروتوكول في اللغة: القرار أو محضر الجلسة، أو المحاضرة، أو مسودة خطة العمل؛ فقد كانت هذه البروتوكولات عبارة عن مجموعة محاضرات ألقاها حكماء اليهود على أعضاء المؤتمرات اليهودية التي عقدها اليهود؛ لتجميع أنفسهم، ووضع خطة معينة للسيطرة على العالم. قد تحدثنا عن بعض هذه المؤتمرات في المحاضرة السابقة. وأما معنى كلمة بروتوكول في الاصطلاح: فهي المخطط التفصيلي للسيطرة على العالم بواسطة منظمة يهودية سرية بأساليب متنوعة.
أما تاريخ هذه البروتوكولات: فيرى بعض الباحثين أن البداية الحقيقية لهذه البروتوكولات كان في مؤتمر بال في سويسرا؛ حيث عرضت هذه البروتوكولات على المؤتمرين في صورة قرارات سرية لم يعلن عنها المؤتمر، وقد سبق أن قلنا في المحاضرة السابقة: إن هذا المؤتمر قد انعقد في مدينة بال أو بازل في سويسرا سنة ألف وثمانمائة وسبعة وتسعين، ولكن عند التحقيق نلاحظ أن تاريخ هذه البروتوكولات أقدم بكثير من هذا التاريخ، فقد أشار السيد وليم غاي كار في كتابه (أحجار على رقعة الشطرنج) إلى موجز مختصر لهذه البروتوكولات، كان قد أعده رجل المال اليهودي ماير باور، الذي اتخذ لنفسه اسمًا آخر هو روتشيلد، ومعنى كلمة روتشيلد أي: الدرع الأحمر بالألمانية، هو رمز لعلم أحمر كان يعلقه الجد الأكبر، قد كتب ماير باور على باب دكانه الذي كان يمارس فيه الصرافة والربا، هذه العبارة، وعلق عليها العمل الأحمر، وقد اتخذت الثورات والفرنسية العمل الأحمر رمزًا لها.
وقد جمع روتشيلد رجال المال اليهود، ووضع أمامهم خطة لإثارة الثورات في العالم، وحينما نقارن خطة روتشيلد بالبروتوكولات نلاحظ أنها صورة موجزة
стр. 320
منها: معروضة بنفس الترتيب، وبها تكرار بعض النصوص بعينها، مما يؤكد أن البروتوكولات ما هي إلا شرح وتوضيح لخطة روتشيلد، يقول وليم غاي كار: وأنا على اقتناع بأن الوثائق التي وُقعت سنة ١٧٠١ بحوزة البروفيسور تيروس الروسي، والتي نشرها في كتاب تحت عنوان (الخطر اليهودي) سنة ١٩٠٥ في روسيا لم تكن إلا نسخة موسعة من المؤامرة الأصلية.
وبعض الباحثين يرى أن البروتوكولات أقدم من هذا التاريخ بكثير، حتى أقدم من روتشيلد، وخاصة إذا عرفنا أن المحافل الماسونية يرتدُّ تاريخها إلى ما قبل ذلك بكثير، وأن هذه المحافل الماسونية هي التي صنعت الصهيونية، وهي التي خططت لها منذ القدم بحيث إننا نستطيع أن نقول: إن مؤتمر بازل المنعقد سنة ١٨٦٧، أو مؤتمر روتشيلد المنعقد سنة ١٧٧٣ لم يكون أكثر من نقطة الانتهاء. والإعلان عن الخطة الصهيونية التي بدأت سرية منذ أزمان بعيدة، ولا أدل على ذلك من أسلوب البروتوكولات، فكاتبها يتحدث دائمًا عن الخطة اليهودية بصفتها مخطط قديم بدءوا في تنفيذه، وأوشكوا على الانتهاء منه، وقد جاء في البروتوكول الثالث اليوم نستطيع أن نذكركم أننا قد أصبحنا قيد خطوات من هدفنا.
ومن غير المعقول أن تكون هذه البروتوكولات موضوعة في مؤتمر بال سنة ألف وثمانمائة وسبعة وتسعين، وفي نفس الوقت وصلوا إلى تحقيق هدفهم، فهذا دليل على أنها موضوعة منذ زمن بعيد، وفي نص آخر يصرح كاتب البروتوكولات بأن الخطة اليهودية الموضوعة في البروتوكولات إنما هي نتاج عمل قرون ماضية؛ حيث يقول: وبين أيدينا خطة عليها خطٌّ استراتيجي موضح، وما كنا لننحرف عن هذا الخط، وإلا كنا ماضين في تحطيم عمل قرون فهذه النصوص تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن تاريخ وضع هذه البروتوكولات أقدم بكثير من الفروض التي أشار إليها الباحثون.
следующие страницы →