← Адаб

Адаб · id 10768

زهر الآداب وثمر الألباب

الحصري القيرواني

Полный текст (1 141 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وأنا أعلم أن السيد لا يخرج عن تلك الحلية، بهذه الرّقية، وأن جوابه أخشن من لقائه، فإن نشط للاجابة فلتكن المخاطبة قرأت رقعتك، فهو أخف مؤنة، وأقل تبعة. وله إلى [الشيخ] العميد: أنا- أطال الله بقاء الشيخ العميد-[مع إخوان نيسابور] فى ضيعة لا فيها أعان، ولا عنها أصان، وشيمة ليست بى تناط، ولا عنى تماط، وحرفة لا عنّى تزال، ولا فيها أدال، وهى الكدية التى علىّ تبعتها، وليس لى منفعتها، فهل للشيخ العميد أن يلطف بصنيعته لطفا يحط عنه درن العار، وشيمة التكتّب بالأشعار «١» ، ليخفّ على القلوب ظلّه، ويرتفع عن الأحرار كله «٢» ، ولا يثقل على الأجفان شخصه، بإتمام ما كان عرضه عليه من أشغاله، ليعلق بأذياله، ويستفيد من خلاله؛ فيكون قد صان العلم عن ابتذاله، والفضل عن إذلاله «٣» ، واشترى حسن الثناء بجاهه، كما يشتريه بماله، والشيخ العميد فيما يوجبه من وعد يعتمده، ووفاء يتلو ما يعده، عال رأيه إن شاء الله [عود إلى غرر المديح] وقال بعض أهل العصر، وهو أبو العباس الناشىء، يمدح سعد الدولة أبا المعالى شريف بن سيف الدولة على بن عبد الله بن حمدان: كأن مرآة فهم الدهر فى يده ... يرى بها غائب الأشياء لم يغب ما يرفع الفلك العالى سماء علا ... إلا علاها شريف كوكب العرب يا من بعين الرضا يلقى مؤمله ... والبخل يطبق أجفانا على الغضب لو يكتب الملك أسماء الملوك إذا ... أعطاك موضع بسم الله فى الكتب

стр. 1017

غرّبت فى كل يوم منك مكرمة ... فليس ذكرك فى أرض بمغترب بيته الأول كقول القائل: أطلّ على الأشياء حتى كأنما ... له من وراء الغيب مقلة شاهد [وكما قال] أبو تمام الطائى: أطلّ على كلا الأفقين حتى ... كأنّ الأرض فى عينيه دار «١» وأفرط ابن الرومى فقال: أحاط علما بكلّ خافية ... كأنما الأرض فى يديه كره وقال محمد بن وهيب: عليم بأعقاب الأمور، كأنما ... يخاطبه من كل أمر عواقبه وقال بعض شعراء بنى عبد الله بن طاهر: وقوفك تحت ظلال السيوف ... أقرّ الخلافة فى دارها كأنك مطّلع فى القلوب ... إذا ما تناجت بأسرارها وقال البحترى للفتح بن خاقان: كأنك عين فى القلوب بصيرة ... ترى ما عليه مستقيم ومائل وقال فى سليمان بن عبد الله بن طاهر: ينال بالظن ما فات اليقين به ... إذا تلبس دون الظن إيقان كأن آراءه والظن يجمعها ... تريه كل خفىّ وهو إعلان «٢» ما غاب عن عينه فالقلب يذكره ... وإن تنم عينه فالقلب يقظان وقال أبو الحسن أحمد بن محمد الكاتب يمدح عبيد الله بن سليمان [بن وهب الوزير] :

стр. 1018

إذا أبو قاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان البحر والمطر وإن أضاءت لنا أنوار غرّته ... تضاءل الأنوران الشمس والقمر وإن مضى رأيه أوحدّ عزمته ... تأخّر الماضيان السيف والقدر من لم يبت حذرا من خوف سطوته ... لم يدر ما المزعجان الخوف والحذر ينال بالظن ما يعيا العيان به ... والشاهدان عليه العين والأثر كأنه الدهر فى نعمى وفى نعم ... إذا تعاقب منه النفع والضرر كأنه وزمام الدهر فى يده ... يرى عواقب ما يأتى وما يدر وأصل هذا قول أوس بن حجر: الألمعىّ الذى يظن بك الظنّ كأن قد رأى وقد سمعا وهذا المعنى قد مرّ فى أثناء الكتاب. قال أبو الحسن جحظة البرمكى: قلت لخالد الكاتب: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت أرقّ الناس شعرا، قلت: أتعرف قول الأعرابى: فما وجد أعرابية قذفت بها ... صروف الليالى حيث لم تك ظنّت تمنّت أحاليب الرعاء، وخيمة ... بنجد، فلم يقدر لها ما تمنّت إذا ذكرت ماء العضاه وطيبه ... وريح الصبا من نحو نجد أرنّت «١» بأعظم من وجد بليلى وجدته ... غداة غدونا غدوة واطمأنّت وكانت رياح تجمل الحاج بيننا ... فقد بخلت تلك الرياح وضنّت فصاح خالد وقال: ويحك! ويلك يا جحظة! هذا والله أرقّ من شعرى.

стр. 1019

[تكاليف المجد] فصل لأبى العباس بن المعتز لن تكسب- أعزك الله- المحامد، وتستوجب الشرف، إلا بالحمل على النفس والجال «١» ، والنهوض بحمل الأثقال، وبذل الجاه والمال، ولو كانت المكارم تنال بغير مئونة لاشترك فيها السّفل والأحرار، وتساهمها الوضعاء مع ذوى الأخطار؛ ولكنّ الله تعالى خصّ الكرماء الذين جعلهم أهلها، فخفّف عليهم حملها، وسوّغهم فضلها، وحظرها على السّفلة لصغر أقدارهم عنها، وبعد طباعهم منها، ونفورها عنهم، واقشعرارها منهم. [وقال أبو الطيب المتنبى: لولا المشقّة ساد الناس كلّهم ... الجود يفقر والإقدام قتّال] وقال الطائى: والحمد شهد لا يرى مشتاره ... يجنيه إلّا من نقيع الحنظل «٢» شرّ لحامله، ويحسبه الّذى ... لم يؤذ عاتقه خفيف المحمل أخذه الطائى من قول مسلم بن الوليد، وقيل غيره: الجود أخشن مسّا يا بنى مطر ... من أن تبزّكموه كفّ مستلب ما أعلم الناس أنّ الجود مدفعة ... للذّمّ لكنّه يأتى على النّشب «٣» وقال بعض الأجواد: إنا لنجد كما يجد البخلاء، ولكنّا نصبر ولا يصبرون. [احتمال الغضب] وقال الجاحظ: قيل لأبى عبّاد وزير المأمون، وكان أسرع الناس غضبا: إنّ لقمان الحكيم قال لابنه: ما الحمل الثقيل؟ قال: الغضب. قال أبو عباد:

стр. 1020

لكنّه والله أخفّ علىّ من الريش! قيل له: إنما عنى لقمان أنّ احتمال الغضب ثقيل، فقال: لا، والله لا يقوى على احتمال الغضب من الناس إلا الجمل! وغضب يوما على بعض كتّابه، فرماه بدواة كانت بين يديه فشجّه، فقال أبو عبّاد: صدق الله تعالى فى قوله: (والذين إذا ما غضبوا هم يعقرون) . فبلغ ذلك المأمون فأحضره، وقال له: ويحك! ما تحسن تقرأ آية من كتاب الله تعالى! قال: بلى يا أمير المؤمنين، إنى لأحفظ من سورة واحدة ألف آية؛ فضحك المأمون وأمر بإخراجه. نبذة من لطائف ابن المعتز، وفضل تحققه بالبديع والاستعارات مما تتعيّن العناية بمطالعتها قال أبو بكر الصولى: اجتمعت مع جماعة من الشعراء عند أبى العباس عبد الله بن المعتز، وكان يتحقق بعلم البديع تحققا ينصر دعواه فيه لسان مذاكرته، فلم يبق مسلك من مسالك الشعراء إلا سلك بنا شعبا من شعابه، وأوردنا أحسن ما قيل فى بابه، إلى أن قال أبو العباس: ما أحسن استعارة اشتمل عليها بيت واحد من الشعر؟ قال الأسدى: قول لبيد: وغداة ريح قد كشفت وقرّة ... إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها قال أبو العباس: هذا حسن، وغيره أحمد منه، وقد أخذه من قول ثعلبة ابن صعيرة المازنى «١» : فتذاكرا ثقلا رثيدا بعد ما ... ألقت ذكاء يمينها فى كافر

стр. 1021

وقول ذى الرمة أعجب إلىّ منه: ألا طرقت مىّ هيوما بذكرها ... وأيدى الثّريا جنّح فى المغارب وقال بعضنا: بل قول لبيد أيضا: ولقد حميت الخيل تحمل شكّتى ... فرط، وشاحى- إن غدوت- لجامها قال أبو العباس: هذا حسن، ولكن نعدل عن لبيد. وقال آخر: [قول الهذلى] : ولو أننى استودعته الشمس لاهتدت ... إليه المنايا عينها ورسولها قال أبو العباس: هذا حسن، وأحسن منه «١» - فى استعارة لفظ الاستيداع- قول الحصين بن الحمام؛ لأنه جمع الاستعارة والمقابلة فى قوله: نطاردهم نستودع البيض هامهم ... ويستودعونا السمهرى المقوّما «٢» وقال آخر: بل قول ذى الرّمة: أقامت به حتى ذوى العود فى الثّرى ... وساق الثّريّا فى ملاءته الفجر قال أبو العباس: هذا لعمرى نهاية الخبرة؛ وذو الرمة أبدع الناس استعارة، وأبرعهم عبارة، إلا أنّ الصواب حتى «ذوى العود والثرى» ؛ لأن العود لا يذوى ما دام فى الثرى، وقد أنكره على ذى الرمة غير ابن المعتز. قال أبو عمرو ابن العلاء: كانت يدى فى يد الفرزدق فأنشدته هذا البيت، فقال: أرشدك أم أدعك؟ قال: فقلت: بل أرشدنى، فقال: إنّ العود لا يذوى فى الثّرى، والصواب «حتى ذوى العود والثرى» . قال الصولى: وكأنه نبه على ذى الرمة؛ فقلت: بل قوله: ولمّا رأيت الليل والشمس حيّة ... حياة الذى يقضى حشاشة نازع

стр. 1022

قال أبو العباس: اقتدحت زندك يا أبا بكر فأورى «١» ، هذا بارع جدا، وقد سبقه إلى هذه الاستعارة جرير حيث يقول: تحيى الروامس ربعها وتجدّه ... بعد البلى فتميته الأمطار «٢» وهذا بيت جمع الاستعارة والمطابقة؛ لأنه جاء بالإحياء والإماتة، والبلى والجدة، ولكن ذو الرمة قد استوفى ذكر الإحياء والإماتة فى موضع آخر فأحسن، وهو قوله: ونشوان من طول النعاس كأنه ... بحبلين فى مشطونة يترجّح «٣» إذا مات فوق الرّحل أحييت روحه ... بذكرك والعيس المراسل جنّح فما أحد من الجماعة انصرف من ذلك المجلس إلا وقد غمره من بحر أبى العباس ما غاض معه معينه، ولم ينهض حتى زوّدنا من برّه ولطفه نهاية ما اتسعت له حاله. [كتمان الحب] وقال ابن المعتز: لما رأيت الحبّ يفضحنى ... ونمت علىّ شواهد الصبّ ألقيت غيرك فى ظنونهم ... وسترت وجه الحبّ بالحبّ وقال العباس بن الأحنف فى هذا المعنى: قد جرّر الناس أذيال الظنون بنا ... وفرّق الناس فينا قولهم فرقا فكاذب قد رمى بالظّنّ غيركم ... وصادق ليس يدرى أنه صدقا [وقريب من هذا المعنى قول الفارضى رضى الله عنه، وإن لم يكن منه: تخالفت الأقوال فينا تباينا ... برجم أصول بيننا ما لها أصل «٤»

стр. 1023

فشنّع قوم بالوصال، ولم أصل ... وأرجف بالسلوان قوم ولم أسل وما صدق التشنيع عنها لشقوتى ... وقد كذبت عنى الأراجيف والنقل] «١» وقال ابن المعتز: لنا عزمة صمّاء لا تسمع الرّقى ... تبيت أنوف الحاسدين على رغم وإنا لنعطى الحقّ من غير حاكم ... علينا، ولو شئنا لملنا مع الظلم وقد أخذه أبو العباس من قول أعرابى: ألا يا شفاء النفس ليس بعالم ... بك الناس حتى يعلموا ليلة القدر سوى رجمهم بالظنّ والظنّ كاذب ... مرارا وفيهم من يصيب ولا يدرى وقال الحسين بن مطير: لقد كنت جلدا قبل أن توقد النوى ... على كبدى نارا بطيئا خمودها ولو تركت نار الهوى لتضرّمت ... ولكنّ شوقا كلّ يوم يزيدها وقد كنت أرجو أن تموت صبابتى ... إذا قدمت أيامها وعهودها فقد جعلت فى حبّة القلب والحشا ... عهاد الهوى تولى بشوق يعيدها بمرتجّة الأرداف هيف خصورها ... عذاب ثناياها عجاف نهودها وصفر تراقيها، وحمر أكفّها ... وسود نواصيها، وبيض خدودها مخصّرة الأوساط، زانت عقودها ... بأحسن مما زيّنتها عقودها يمنّيننا حتى ترفّ قلوبنا ... رفيف الخزامى بات طلّ يجودها وفيهن مقلاق الوشاح كأنها ... مهاة بتربان طويل عمودها «٢» وقال: قضى الله يا أسماء أن لست بارحا ... أحبك حتى يغمض العين مغمض

стр. 1024

فحبك بلوى غير أن لا يسرّنى ... وإن كان بلوى أننى لك مبغض «١» فواكبدا من لوعة البين كلّما ... ذكرت ومن رفض الهوى حين يرفض ومن عبرة تذرى الدموع وزفرة ... تقضقض أطراف الحشاثم تنهض «٢» فياليتنى أقرضت جلدا صبابتى ... وأقرضنى صبرا على الشوق مقرض إذا أنا رضت القلب فى حبّ غيرها ... بدا حبّها من دونه يتعرّض وكان الحسين قوىّ أسر الكلام، جزل الألفاظ، شديد العارضة، وهو القائل فى المهدى: له يوم بؤس فيه للناس أبؤس ... ويوم نعيم فيه للناس أنعم فيمطر يوم الجود من كفّه النّدى ... ويقطر يوم البؤس من كفّه الدم فلو أن يوم البؤس خلّى عقابه ... على الناس لم يصبح على الأرض مجرم ولو أن يوم الجود خلّى نواله ... على الأرض لم يصبح على الأرض معدم وأنشد أبو هفّان له: أين أهل العتاب بالدّهناء ... أين جيراننا على الأحساء جاورونا والأرض ملبسة نو ... ر الأقاحى تجاد بالأنواء «٣» كل يوم بأقحوان جديد ... تضحك الأرض من بكاء السماء أخذ هذا المعنى دعبل، ونقله إلى معنى آخر، فقال: أين الشباب؟ وأيّة سلكا؟ ... أم أين يطلب؟ ضلّ، بل هلكا لا تعجبى يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى وقال مسلم بن الوليد فى هذا المعنى: مستعبر يبكى على دمنة ... ورأسه يضحك فيه المشيب

стр. 1025

[معالى الأخلاق] وأنشد الزبير بن بكّار: أحبّ معالى الأخلاق جهدى ... وأكره أن أعيب وأن أعابا وأصفح عن سباب الناس حلما ... وشرّ الناس من حبّ السبابا وأترك قائل العوراء عمدا ... لاهلكه وما أعيا الجوابا ومن هاب الرجال تهيّبوه ... ومن حقر الرجال فلن يهابا [رياضة النفس «١» على الفراق] وعلى ذكر قوله: إذا أنا رضت القلب فى حبّ غيرها أنشد الأصمعى لغلام من بنى فزارة: وأعرض حتى يحسب الناس أنما ... بى الهجر، لا والله ما بى لها هجر [ولكن أروض النفس أنظر هل لها ... إذا فارقت يوما أحبّتها صبر] قال إسحاق الموصلى: قال لى الرشيد: ما أحسن ما قيل فى رياضة النفس على الفراق ؟ قلت: قول أعرابى: وإنى لأستحيى عيونا، وأتّقى ... كثيرا، وأستبقى المودّة بالهجر فأنذر بالهجران نفسى أروضها ... لأعلم عند الهجر هل لى من صبر [فقال الرشيد: هذا مليح، ولكنى أستملح قول اعرابى آخر: خشيت عليها العين من طول وصلها ... فهاجرتها يومين خوفا من الهجر وما كان هجرانى لها عن ملالة ... ولكننى جرّبت نفسى بالصبر] «٢»

стр. 1026

قال الصولى: قال لى المبرد: عمك إبراهيم بن العباس أحزم رأيا من خاله العباس بن الأحنف فى قوله: كان خروجى من عندكم قدرا ... وحادثا من حوادث الزمن من قبل أن أعرض الفراق على ... قلبى، وأن أستعدّ للحزن وقال عمك إبراهيم: وناجيت نفسى بالفراق أروضها ... فقالت: رويدا لا أغرّك من صبرى «١» فقلت لها: فالهجر والبين واحد ... فقالت أأمنى بالفراق وبالهجر» فقلت له: إنه نقل كلام خاله: عرضت على قلبى الفراق فقال لى ... من الآن فايأس لا أغرّك من صبرى إذا صد من أهوى رجوت وصاله ... وفرقة من أهوى أحرّ من الجمر وقال العباس بن الأحنف: أروض على الهجران نفسى لعلّها ... تماسك لى أسبابها حين أهجر وأعلم أن النفس تكذب وعدها ... إذا صدق الهجران يوما وتغدر وما عرضت لى نظرة مذعرفتها ... فأنظر إلا مثّلت حين أنظر [وقال المتنبى من المعنى: حببتك قلبى قبل حبّى من نأى ... وقد كان غدّارا فكن أنت وافيا وأعلم أنّ البين يشكيك بعدها ... فلست فؤادى إن وجدتك شاكيا] قال الحاتمى: والذى أراه وأذهب إليه أن أحسن من هذا المعنى قول أبى صحر الهذلى: ويمنعنى من بعض إنكار ظلمها ... إذا ظلمت يوما وإن كان لى عذر مخافة أنّى قد علمت لئن بدا ... لى الهجر منها ما على هجرها صبر

стр. 1027

وأنى لا أدرى إذا النفس أشرفت ... على هجرها ما يبلغنّ بى الهجر فياحبّها زدنى جوّى كلّ ليلة ... ويا سلوة الأحزان موعدك الحشر شذور من كلام أهل العصر فى مكارم الأخلاق ابن المعتز- العقل غريزة تزينها التجارب. وله: العاقل من عقل لسانه «١» ، والجاهل من جهل قدره. غيره: إذا تمّ العقل نقص الكلام. حسن الصورة الجمال الظاهر، وحسن الخلق الجمال الباطن. ما أبين وجوه الخير والشرّ فى مرآة العقل إذا لم يصدئها الهوى. العاقل لا يدعه ما ستر الله من عيوبه أن يفرح بما أظهر من محاسنه. بأيدى العقول تمسك أعنّة النفوس عن الهوى. أخر بمن كان عاقلا أن يكون عما لا يعنيه غافلا. التواضع من مصايد الشرف. من لم يتّضع عند نفسه لم يرتفع عند غيره. يحيى بن معاذ- التكبّر على المتكبر تواضع. الحلم حجاب الآفات. أحيوا الحياء بمجاورة من يستحيا منه. من كساه الحياء ثوبه، ستر عن الناس عيبه. الصبر تجرّع الغصص، وانتظار الفرص. قلوب العقلاء حصون الأسرار. انفرد بسرّك ولا تودعه حازما فيزلّ، ولا جاهلا فيخون. الأناة «٢» حسن السلامة، والعجلة مفتاح الندامة. من حسن خلقه وجب حقّه. إنما يستحق اسم الإنسانية من حسن خلقه. يكاد سيىء الخلق يعدّ من البهائم والسباع. أرسطاطاليس- المروءة استحياء المرء نفسه. المعروف حصن النعم من صروف الزمن. للحازم كنز فى الآخرة من عمله، وفى الدنيا من معروفه. لا تستحى من القليل فإنّ الحرمان أقلّ منه.

стр. 1028

أبو بكر الخوارزمى- الطّرف «١» يجرى وبه هزال، [والسيف يمضى وبه انفلال] ، والحرّ يعطى وبه إقلال «٢» . بذل الجاه أحد المالين. شفاعة اللسان أفضل زكاة الإنسان. بذل الجاه رفد للمستعين «٣» . الشفيع جناح الطالب. التقوى هى العدّة الباقية، والجنّة الواقية. ظاهر التقوى شرف الدنيا، وباطنها شرف الآخرة. من عفّت أطرافه، حسنت أوصافه. قال أبو الطيب المتنبى: ولا عفّة فى سيفه وسنانه ... ولكنها فى الكف والفرج والفم لقمان- الصّمت حكم وقليل فاعله. أربع كلمات صدرت عن أربعة ملوك كأنما رميت عن قوس واحدة؛ قال كسرى: لم أندم على ما لم أقل، وندمت على ما قلت مرارا. قيصر: أنا على ردّ ما لم أقل أقدر منى على ردّ ما قلت. ملك الصين: إذا تكلّمت بالكلمة ملكتنى، وإذا لم أتكلم بها ملكتها. ملك الهند: عجبت ممن يتكلّم بالكلمة إن رفعت ضرّته، وإن لم ترفع لم تنفعه. ما الدّخان على النار، ولا العجاج «٤» على الريح، بأدلّ من ظاهر الرجل على باطنه، وأنشد: قد يستدلّ بظاهر عن باطن ... حيث الدخان فثمّ موقد نار من أصلح ماله فقد صان الأكرمين المال والعرض. من لم يجمد فى التقدير ولم يذب فى التدبير فهو سديد التدبير «٥» . عليك بالقصد بين الطرفين، لا منع ولا إسراف، ولا بخل ولا إتراف. لا تكن رطبا فتعصر، ولا يابسا فتكسر، ولا حلوا فتسترط، ولا مرّا فتلفظ. المأمون بن الرشيد- الثناء أكثر من الاستحقاق ملق وهذر، والتقصير عىّ وحصر.

стр. 1029

إكرام الأضياف، من عادة الأشراف. وفى الخبر: لا تتكلّفوا للضيف فتبغضوه؛ فمن أبغض الضيف أبغضه الله. ينبغى لصاحب الكريم أن يصبر عليه إذا جمعتهما نبوة الزمان، فليس ينتفع بالجوهرة الكريمة من لم ينتظر نفاقها. مواعظ عقلها بعض أهل العصر تتعلق بهذا الفصل أغض على القذى، وإلا لم ترض أبدا «١» . أجمل الطلب فسيأتيك [ما قدر لك، صن عرضك] ، وإلّا أخلقت وجهك. جاور الناس بالكفّ عن مساويهم. انس رفدك، ولا تنس وعدك، كذّب أسواء الظنون بأحسنها «٢» . أغن من ولّيته عن السرقة، فليس يكفيك من لم تكفه. لا تتكلف ما كفيت فيضيع ما أوليت. ابن المعتز- لا تسرع إلى أرفع موضع فى المجلس، فالموضع الذى ترفع إليه خير من الموضع الذى تحطّ منه. لا تذكر الميت بسوء فتكون الأرض أكتم عليه منك. ينبغى للعاقل أن يدارى زمانه مداراة السابح للماء الجارى. العتابى- المداراة سياسة رفيعة تجلب المنفعة، وتدفع المضرّة، ولا يستغنى عنها ملك ولا سوقة، ولا يدع أحد منها حظه إلا غمرته صروف المكاره. [من رسائل العتابى وأدبه] وكتب العتابى إلى بعض إخوانه: لو اعتصم شوقى إليك بمثل سلوّك عنى لم أبذل وجه الرغبة إليك،

стр. 1030

ولم أتجشّم مرارة تماديك، ولكن استخفتنا صبابتنا، فاحتملنا قسوتك، لعظيم قدر مودتك، وأنت أحقّ من اقتصّ «١» لصلتنا من جفائه، ولشوقنا من إبطائه. وله: كتبت إليك ونفسى رهينة بشكرك «٢» ، ولسانى علق بالثناء عليك، والغالب على ضميرى لائمة لنفسى، واستقلال لجهدى فى مكافأتك، وأنت- أصلحك الله! - فى عزّ الغنى عنى، وأنا تحت ذلّ الفاقة إلى عطفك، وليس من أخلاقك أن تولى جانب النّبوة منك من هو عان فى الضّراعة إليك. ودخل العتابى على الرشيد فقال: تكلّم يا عتابى؛ فقال: الإيناس «٣» قبل الإبساس، لا يحمد المرء بأول صوابه، ولا يذمّ بأول خطئه؛ لأنه بين كلام زوّره، أوعىّ حصره. ومرّ العتابى بأبى نواس وهو ينشد الناس: ذكر الكرخ نازح الأوطان ... فبكى صبوة ولات أوان فلما رآه قام إليه، وسأله الجلوس، فأنى؟؟؟ وقال: أين أنا منك وأنت القائل، وقد أنصفك الزمان: قد علقنا من الخصيب حبالا ... أمّنتنا طوارق الحدثان وأنا القائل وقد جار علىّ، وأساء إلىّ: لفظتنى البلاد، وانطوت الأك ... فاء دونى، وملّنى جيرانى والتقت حلقة علىّ من الدّه ... ر فماجت بكلكل وجران نازعتنى أحداثها منية النف ... س وهدّت خطوبها أركانى خاشع للهموم معترف القل ... ب كئيب لنائبات الزمان

стр. 1031

[شعر الأعراب] قال عبد الرحمن بن أخى الأصمعى: سمعت عمّى يحدث قال: أرقت ليلة من الليالى بالبادية، وكنت نازلا عند رجل من بنى الصّيداء «١» ، وكان واسع الرّحل، كريم المحل، فأصبحت وقد عزمت على الرجوع إلى العراق، فأتيت أبا مثواى «٢» ، فقلت: إنى قد هلعت «٣» من الغربة، واشتقت إلى أهلى، ولم أفد فى قدمتى هذه كبير علم. وإنما كنت أغتفر وحشة الغربة وجفاء البادية للفائدة؛ فأظهر الجفاوة حتى أبرز غداء له فتغدّيت، وأمر بناقة مهريّة «٤» كأنها سبيكة لجين [فارتحلها] واكتفلها، ثم ركب وأردفنى، وأقبلها مطلع الشمس؛ فما سرنا كبير مسير حتى لقينا شيخ على حمار، له جمّة قد صبغها بالورس «٥» ، كأنها قنبيطة، وهو يترنّم، فسلّم عليه صاحبى، وسأله عن نسبه فاعتزى أسديا من بنى ثعلبة. قال: أتروى أم تقول؟ قال: كلّا. قال: أين تؤم؟ فأشار إلى موضع قريب من الموضع الذى نحن فيه. فأناخ الشيخ، وقال لى: خذ بيد عمك فأنزله عن حماره، ففعلت، وألقى له كساء قد اكتفل به، ثم قال: أنشدنا يرحمك الله وتصدق على هذا الغريب بأبيات يبثهن عنك، ويذكرك بهن، فأنشدنى له: لقد طال يا سوداء منك المواعد ... ودون الجدا المأمول منك الفراقد تمنّيننا بالوصل وعدا، وغيمكم ... ضباب، فلا صحو، ولا الغيم جائد إذا أنت أعطيت الغنى ثم لم تجد ... بفضل الغنى ألفيت مالك حامد وقلّ غناء عنك مال جمعته ... إذا صار ميراثا وواراك لاحد إذا أنت لم تعرك بجنبيك بعض ما ... يريب من الأدنى رماك الأباعد

стр. 1032

إذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزل ... عليك بروق جمّة ورواعد إذا العزم لم يفرج لك الشك لم تزل ... جنيبا كما استتلى الجنيبة قائد «١» إذا أنت لم تترك طعاما تحبّه ... ولا مقعدا تدعو إليه الولائد تجلّلت عارا لا يزال يشبّه ... عليك الرجال نثرهم والقصائد وأنشدنى لنفسه: تعزّ فإنّ الصبر بالحرّ أجمل ... وليس على ريب الزمان معوّل فلو كان يغنى أن يرى المرء جازعا ... لنازلة أو كان يغنى التذلّل لكان التعزّى عند كل مصيبة ... ونازلة بالحرّ أولى وأجمل فكيف وكلّ ليس يعدو حمامه ... وما لامرىء مما قضى الله مزحل فإن تكن الأيام فينا تبدّلت ... بنعمى وبؤسى والحوادث تفعل فما ليّنت منا قناة صليبة ... ولا ذلّلتنا للذى ليس يجمل ولكن رحلناها نفوسا كريمة ... تحمّل ما لا يستطاع فتحمل وقينا بحدّ العزم منا نفوسنا ... فصحّت لنا الأعراض والناس هزّل قال: فقمت إليه، وقد نسيت أهلى، وهان علىّ طول الغربة، وضنك العيش، سرورا بما سمعت، ثم قال: يا بنى؛ من لم يكن الأدب والعلم أحبّ إليه من الأهل والولد لم ينجب. [خصومة قرشية] خاصم بعض القرشيين عمر بن عثمان بن موسى بن عبيد الله بن معمر، فأسرع إليه القرشى فقال: على رسلك، فإنك لسريع الإيقاد «٢» وشيك الصريمة، وإنى والله ما أنا مكافئك دون أن تبلغ غاية التعدى، فأبلغ غاية الإعذار.

стр. 1033

[ادّعاء] قال عبد الله بن عبد العزيز، وكان من أفاضل أهل زمانه: قال لى موسى ابن عيسى: أنهى «١» إلى أمير المؤمنين، يعنى الرشيد، أنك تشتمه، وتدعو عليه، فبأىّ شىء استجزت «٢» ذلك؟ قال: أما شتمه فهو والله إذا أكرم علىّ من نفسى، وأما الدعاء عليه فوالله ما قلت «اللهم إنه أصبح عبئا ثقيلا على أكتافنا، لا تطيقه أبداننا، وقذى فى عيوننا، لا تنطبق عليه أجفاننا، وشجى فى حلوفنا، لا تسيغه أفواهنا؛ فاكفنا مؤنته، وفرّق بيننا وبينه» ! ولكنى قلت: «اللهم إن كان تسمّى الرشيد ليرشد فأرشده، أو أتى غير ذلك «٣» فراجع به، اللهم إن له فى الإسلام بالعباس حقّا على كلّ مسلم، وله بنبيك قرابة ورحما، فقرّبه من كل خير، وباعده من كل شر، وأسعدنا به، وأصلحه لنفسه ولنا» . فقال له: يغفر الله لك يا عبد العزيز، كذلك بلغنا. [عزل وال] ولما حجّ الرشيد سنة ست وثمانين ومائة دخل مكة وعديله يحيى بن خالد؛ فانبرى إليه العمرى فقال: يا أمير المؤمنين، قف حتى أكلّمك! فقال: أرسلوا زمام الناقة، فأرسلوه، فوقفت فكأنما أوتدت، فقال: [أقول؟ قال:] قل، فقال: اعزل عنا إسماعيل بن القاسم. [قال: ولم؟ قال:] لأنه يقبل الرشوة، ويطيل النّشوة، ويضرب بالعشوة، قال: قد عزلناه [عنك،] ثم التفت إلى يحيى فقال: أعندك مثل هذه البديهة؟ فقال: إنه ليجب أن يحسن إليه، قال: إذا عزلنا عنه من يريد عزله فقد كافأناه.

стр. 1034

[حرمة الكعبة] ولما وجّه عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف إلى عبد الله بن الزبير وأوصاه بما أراد أن يوصيه، قال الأسود بن الهيثم النخعى: يا أمير المؤمنين، أوص هذا الغلام [الثقفى] بالكعبة ألّا يهدم أحجارها، ولا يهتك أستارها، ولا ينفّر أطيارها، وليأخذ على ابن الزبير شعائها؟؟؟، وعقابها، وأنقابها «١» ، حتى يموت فيها جوعا، ويخرج مخلوعا. [كتاب ينصر محاربا] وكتب عبد الله بن طاهر إلى نصر بن شبيب وقد نزل به ليحاربه فى جنده، فوجده «٢» متحصنا منه، فكتب إليه: اعتصامك بالقلال قيّد عزمك عن القتال، والتجاؤك إلى الحصون «٣» ، ليس ينجيك من المنون، ولست بمفلت من أمير المؤمنين، فإما فارس مطاعن، أو راجل مستأمن. فلما قرأه حصره الرعب عن الجواب، فلم يلبث أن خرج مستأمنا. [من حكم الفرس] قال بزرجمهر بن البختكان لبعض الملوك: أنعم تشكر، وأرهب تحذر، ولا تهازل فتحقر، فجعلهن الملك نقش خاتمه بدلا من اسمه واسم أبيه. ولما قتل أنوشروان بزرجمهر وجد فى منطقته رقعة فيها مكتوب: إذا كانت الحظوظ بالجدود فما الحرص؟ وإذا كانت الأمور ليست بدائمة فما السرور؟ وإذا كانت الدنيا غرّارة فما الطمأنينة؟ [قال سقراط] : من كثر احتماله وظهر حلمه قلّ ظلمه وكثر أعوانه، ومن قلّ همّه على ما فاته استراحت نفسه وصفا ذهنه وطال عمره. وقال: من تعاهد

стр. 1035

نفسه بالمحاسبة أمن عليها المداهنة. وقال: الأمانىّ حبال الجهل، والعشرة الحسنة وقاية من الأسواء. وشتمه بعض الملوك وكان على فرس وعليه حلل وبزّة- فقال له سقراط: إنما تفخر علىّ بغير جنسك، ولكن رد كلّ جنس إلى جنسه وتعال الآن فلنتكلم. وقال سقراط: من أعطى الحكمة فلا يجزع لفقد الذهب والفضّه؛ لأن من أعطى السلامة والدّعة لا يجزع لفقد الألم والتعب؛ لأن ثمار الحكمة السلامة والدّعة، وثمار الذهب والفضة الألم والتعب؛ وقال: القنية ينبوع الأحزان؛ فأقلّوا القنية تقلّ همومكم. وقال: القنية مخدومة، ومن خدم غير نفسه فليس بحر وقال أبو الطيب: أبدا تستردّ ما تهب الدن ... يا فيا ليت جودها كان بخلا وكفت كون فرحة تورث اله ... مّ وخلّ يغادر الوجد خلّا [حكم للهند] وفى كتاب الهند: العاقل حقيق أن تسخو نفسه عن الدنيا، علما بأنه لا ينال أحد منها شيئا إلا قلّ إمتاعه به وكثر عناؤه فيه، ووباله عليه، واشتدّت مؤنته عند فراقه، وعلى العاقل أن يدوم ذكره لما بعد هذه الدار، ويتنزّه عما تسيّره إليه نفسه من هذه العاجلة، ويتنحّى عن مشاركة الكفرة والجهال فى حبّ هذه الفانية التى لا يألفها ولا ينخدع بها إلا المغترون. وفيه: لا يجدّنّ العاقل فى صحبة الأحباب والأخلاء، ولا يحرصنّ على ذلك كل الحرص. فإن صحبتهم على ما فيها من السرور كثيرة الأذى، والمؤنات، والأحزان، ثم لا يفى «١» ذلك بعاقبة الفراق. وفيه: ليس من شهوات الدنيا ولذاتها شىء إلّا وهو مولّد أذى وحزنا،

стр. 1036

كالماء المالح الذى كلما ازداد له صاحبه شربا ازداد عطشا، وكالقطعة من العسل فى أسفلها سم للذائق؛ فيه حلاوة عاجلة، وله فى أسفلها سمّ ذعاف، وكأحلام النائم التى تسرّه فى منامه، فإذا استيقظ انقطع السرور، وكالبرق الذى يضىء قليلا، ويذهب وشيكا «١» ، ويبقى صاحبه فى الظلام مقيما، وكدودة الإبريسم ما ازدادت عليه لفّا إلا ازدادت من الخروج بعدا. وفيه: صاحب الدين قد فكر؛ فعلته السكينة، وسكن فتواضع، وقنع فاستغنى، ورضى فلم يهتمّ، وخلع الدنيا فنجا من الشرور، ورفض الشهوات فصار حرّا، وطرح الحسد فظهرت له المحبّة، وسخت نفسه عن كل فان، فاستكمل العقل، وأبصر العاقبة، فأمن الندامة، ولم يؤذ الناس فيخافهم، ولم يذنب إليهم فيألهم العفو. [وصية من عتبة بن أبى سفيان] وقال سعد القصر مولى عتبة بن أبى سفيان: ولأنى عتبة أمواله بالحجاز، فلما ودّعته قال: يا سعد، تعاهد صغير مالى فيكبر، ولا تجف كبيره «٢» فيصغر؛ فإنه ليس يمنعنى كثير ما عندى، من إصلاح قليل ما فى يدى، ولا يمنعنى قليل ما عندى من كثير ما ينو بنى «٣» . قال: فقدمت الحجاز، فحدثت به رجالا من قريش، ففرّقوا به الكتب إلى الوكلاء. [يزيد بن معاوية] وقال يزيد بن معاوية لعبيد الله بن زياد: إنّ أباك كفى أخاه عظيما، وقد استكفيتك صغيرا، فلا تتّكلنّ منى على عذر، فقد اتكلت منك على كفاية، ولأن أفول لك: إياك، أحبّ إلىّ من أن أقول: إياى؛ فإنّ الظنّ إذا أخلف فيك أخلف منك، فلا ترح نفسك وأنت فى أدنى حظّك، حتى تبلغ

стр. 1037

أقصاه؛ واذكر فى يومك أخبار غدك، واستزدنى بإحسانك إلى أهل الطاعة، وإساءتك إلى أهل المعصية، أزدك إن شاء الله تعالى. [فضل العمامة] ذكرت العمامة عند أبى الأسود الدؤلى فقال: جنّة فى الحرب، ودثار فى البرد، وكنّة فى الحرّ، ووقار فى النّدى، وشرف فى الأحدوثة، وزيادة فى القامة، وهى [بعد] عادة من عادات العرب. [من رسائل ابن العميد] وكتب أبو الفضل بن العميد إلى أبى عبد الله الطبرى: وقفت على ما وصفت من برّ مولانا الأمير لك، وتوفّره بالفضل عليك، وإظهار جميل رأيه فيك، وما أنزله من عارفة «١» لديك؛ وليس العجب أن يتناهى مثله فى الكرم إلى أبعد غاية، وإنما العجب أن يقصر شىء من مساعيه عن نيل المجد كلّه، وحيازة الفضل بأجمعه؛ وقد رجوت أن يكون ما يغرسه من صنيعة عندك أجدر غرس بالزّكاء «٢» ، وأضمنه للزّيع والنّماء؛ فارع ذلك، واركب فى الخدمة طريقة تبعدك من الملال، وتوسطك فى الحضور بين الإكثار والإقلال، ولا تسترسل إلى حسن القبول كلّ الاسترسال؛ فلأن تدعى من بعيد خير من أن تقصى «٣» من قريب، وليكن كلامك جوابا تتحرّز فيه من الخطل ومن الإسهاب، ولا يعجبنّك تأتّى كلمة محمودة فيلجّ بك الإطناب توقّعا لمثلها؛ فربما هدمت ما بنته الأولى، وبضاعتك فى الشرف مزجاة، وبالعقل يزمّ اللسان، ويرام السّداد، فلا يستفزّنك طرب الكلام على ما يفسد تمييزك؛ والشفاعة لا تعرض لها فإنها مخلقة للجاه؛ فإن اضطررت إليها فلا تهجم عليها حتى تعرف موقعها. وتحصّل وزنها، وتطالع موضعها؛ فإن وجدت النفس بالإجابة سمحة، وإلى

стр. 1038

الإسعاف هشّة، فأظهر ما فى نفسك غير محقّق، ولا توهم أنّ عليك فى الرد ما يوحشك، ولا فى المنع ما يغيظك، وليكن انطلاق وجهك إذا دفعت عن حاجتك أكثر منه عند نجاحها على يدك، ليخفّ كلامك، ولا يثقل على سامعه منك. أقول ما أقول غير واعظ ولا مرشد، فقد جمّل الله خصالك، وحسّن خلالك، وفضّلك فى ذلك كله؛ لكنى أنبه تنبيه المشارك لك، وأعلم أنّ للذكرى موصعا منك لطيفا. وله أيضا: سألتنى عمن شفّنى «١» وجدى به، وشغفنى حبّى له، وزعمت أنى لو شئت لذهلت عنه ولو أردت لاعتضت منه. زعما، لعمر أبيك، ليس بمزعم. كيف أسلو عنه، وأنا أراه، وأنساه وهو لى تجاه؛ هو أغلب علىّ، وأقرب إلىّ، من أن يرخى لى عنانى، أو يخلينى واختيارى، بعد اختلاطى بملكه، وانخراطى فى سلكه، وبعد أن ناط حبّه بقلبى نائط، وساطه بدمى سائط «٢» . وهو جار مجرى الرّوح فى الأعضاء، متنسم تنسّم روح الهواء؛ إن ذهبت عنه رجعت إليه، وإن هربت منه وقعت عليه، وما أحبّ السلوّ عنه مع هناته، وما أوثر الخلوّ منه مع ملاته؛ هذا على أنه إن أقبل علىّ بهتنى إقباله، وإن أعرض عنى لم يطرقنى خياله، يبعد عنى مثاله «٣» ، ويقرب من غيرى نواله، ويردّ عينى خاسئة، ويثنى يدى خالية، وقد بسط آفات العيون المقاربة، وصدق مرامى الظنون الكاذبة، وصله ينذر بصدّه، وقربه يؤذن ببعده، يدنى عند ما ينزح، ويأسو «٤» مثل ما يجرح، محالته أحوال «٥» ، وخلّته خلال، وحكمه سجال، الحسن فى عوارفه، والجمال من منائحه، والبهاء من أصوله وصفاته، والسّناء من نعوته وسماته، اسمه مطابق لمعناه، وفحواه موافق

стр. 1039

لنجواه، يتشابه حالاه، ويتضارع قطراه، من حيث تلقاه يستنير، ومن حيث تنساه يستدير. [هرب من الوباء] وقع بالكوفة وباء، فخرج الناس وتفرّقوا بالنجف، فكتب شريح إلى صديق له خرج بخروج الناس: أما بعد، فإنك بالمكان الذى أنت فيه بعين من لا يعجزه هرب، ولا يفوته طلب؛ وإنّ المكان الذى خلّفت لا يعجّل لأحد حمامه «١» ، ولا يظلمه أيّامه، وإنا وإياك لعلى بساط واحد، وإن النجف من ذى قدرة لقريب. وهرب أعرابى ليلا على حمار حذارا من الطاعون، فبينما هو سائر إذ سمع قائلا يقول: لن يسبق الله على حمار ... ولا على ذى ميعة طيّار أو يأتى الحتف على مقدار ... قد يصبح الله أمام السارى «٢» فكرّ راجعا، وقال: إذا كان الله أمام السارى فلات حين مهرب. [قتيل الحب] قال الأصمعى: أخبرنى يونس بن حبيب قال: أتى قوم إلى ابن عباس بفتى محمول ضعفا، فقالوا: استشف لهذا الغلام، فنظر إلى فتى حلو الوجه، عارى العظام؛ فقال له: ما بك؟ فقال: بنا من جوى الشوق المبرّح لوعة ... تكاد لها نفس الشفيق تذوب «٣» ولكنما أبقى حشاشة ما نرى ... على ما به عود هناك صليب «٤» فقال ابن عبّاس: أرأيتم وجها أعتق، ولسانا أذلق، وعودا أصلب، وهوى أغلب، مما رأيتم اليوم؟ هذا قتيل الحبّ، لا قود ولادية!

стр. 1040

وكان ابن عباس رضى الله عنهما حبر قريش وبحرها، وله يقول رسول الله ﷺ : اللهم فقّهه فى الدين وعلّمه التأويل. وفيه يقول حسان ابن ثابت: إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بملتقطات لا ترى بينها فصلا شفى وكفى ما فى النفوس؛ فلم يدع ... لذى لسن فى القول جدّا ولا هزلا سموت إلى العليا بغير مشقّة ... فنلت ذراها لا دنيّا ولا وغلا [مسلم بن الوليد صريع الغوانى] وقال مسلم بن الوليد: أعاود ما قدمته من رجائها ... إذا عاودت باليأس فيها المطامع رأتنى غنىّ الطّرف عنها فأعرضت ... وهل خفت إلا أن تشير الأصابع «١» وما زيّنتها النفس لى عن لجاجة ... ولكن جرى فيها الهوى وهو طائع فأقسمت أنسى الداعيات إلى الصبا ... وقد فاجأتها العين والستر واقع «٢» فغطّت بأيديها ثمار نحورها ... كأيدى الأسارى أثقلتها الجوامع «٣» وكان مسلم أنصاريا صريحا، وشاعرا فصيحا، ولقب صريعا أيضا لقوله: سأنقاد للذّات متبع الهوى ... لأمضى همّا أو أصيب فتى مثلى هل العيش إلا أن تروح مع الصبا ... صريع حميّا الكأس والأعين النّحل واجتلب له هذا الاسم لأجل هذا البيت؛ وقد قال القطامى: صريع غوان راقهنّ ورقنه ... لدن شبّ حتى شاب سود الذّوائب ومسلم أول من لطّف البديع، وكسا المعانى حلل اللفظ الرفيع، وعليه يعوّل الطائى، وعلى أبى نواس، ومن بديع شعره الذى امتثله الطائى قوله: تساقط يمناه الندى وشماله الرّدى وعيون القول منطقه الفصل

стр. 1041

كأنّ نعم فى فيه تجرى مكانها ... سلافة ما مجّت لأفراخها النّحل له هضبة تأوى إلى ظلّ برمك ... منوط بها الآمال، أطنابها السّبل عجول إلى أن يودع الحمد ماله ... يعدّ الندى غنما إذا اغتنم البخل «١» وقد حرم الأعراض بالبيض والندى ... فأموالهم نهب وأعراضهم بسل «٢» حبا لا يطير الجهل فى عرصاتها ... إذا هى حلت لم يفت حلّها ذحل «٣» بكبّ أبى العباس يستمطر الغنى ... وتستنزل النّعمى ويسترعف النّصل متى شئت رفّعت الستور عن الغنى ... وتستنزل النّعمى ويسترعف النّصل متى شئت رفّعت الستور عن الغنى ... إذا أنت زرت الفضل أو أذن الفضل وقوله أيضا: إذا كنت ذا نفس جواد ضميرها ... فليس يضر الجود أن كنت معدما رآنى بعين الجود فانتهز الذى ... أردت فلم أفغر إليه به فما ظلمتك إن لم أجزل الشكر بعد ما ... جعلت إلى شكرى نوالك سلما فإنك لم يترك نداك ذخيرة ... لغيرك من شكرى ولا متلوّما وقال ليزيد بن مزيد: موف على مهج فى يوم ذى رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل ينال بالرّفق ما يعيا الرجال به ... كالموت مستعجلا يأتى على مهل لا يرحل الناس إلا نحو حجرته ... كالبيت يضحى إليه ملتقى السّبل يقرى المنيّة أرواح الكماة كما ... يقرى الضيوف شحوم الكوم والبزل «٤» يكسو السيوف رءوس الناكثين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذّبل قد عوّد الطير عادات وثقن بها ... فهنّ يتبعنه فى كل مرتحل وهذا المعنى كثير.

стр. 1042

[من شعر أبى نواس] قال عمرو الوراق: سمعت ابا نواس ينشد قصيدته: أيّها المنتاب عن عفره ... لست من ليلى ولا سمرة لا أذود الطير عن شجر ... قد بلوت المرّ من ثمره فحسدته عليها، فلما بلغ إلى قوله: وإذا مجّ القنا علقا ... وتراءى الموت فى صوره راح فى ثنيى مفاضته ... أسد يدمى شبا ظفره تتأيّى الطير غزوته ... ثقة بالشّبع من جزره تحت ظل الرمح تتبعه ... فهى تتلوه على أثره فقلت: ما تركت للنابغة شيئا حيث يقول: إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدى بعصائب جوانح قد أيقنّ أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أوّل غالب فقال: اسكت، فلئن أحسن الاختراع، لما أسات الاتباع. أخذه الطائى فقال: وقد ظلّلت عقبان راياته ضحى ... بعقبان طير فى الدماء نواهل أقامت على الرايات حتى كأنها ... من الجيش إلا أنها لم تقاتل [وصف جيش] وقال المتنبى يصف جيشا: وذى لجب لا ذو الجناح أمامه ... بناج، ولا الوحش المثار بسالم تمرّ عليه الشمس وهى ضعيفة ... تطالعه من بين ريش القشاعم إذا ضوءها لا فى من الطير فرجة ... تدوّر فوق البيض مثل الدراهم

стр. 1043

[شعب بوّان] ونظير قول أبى الطيب فى هذا البيت وإن لم يكن فى معناه قوله يصف شعب بوّان، وسيأتى، وفى هذا الشّعب يقول ابو العباس المبرد: كنت مع مع الحسين بن رجاء بفارس؛ فخرجت إلى شعب برّان، فنظرت إلى تربة كأنها الكافور، ورياض كأنها الثوب الموشى، وماء ينحدر كأنه سلاسل الفضة، على حصباء كأنها حصى الدر؛ فجعلت أطوف فى حنباتها، وأدور فى عرصاتها، فإذا فى بعض جدرانها مكتوب: إذا أشرف المكروب من رأس تلعة ... على شعب بوّان أفاق من الكرب وألهاه بطن كالحرير لطافة ... ومطّرد يجرى من البارد العذب «١» وطيب رياص فى بلاد مريعة ... وأغصان أشجار جناها على قرب «٢» يدير علينا الكاس من لو لحظته ... بعينك مالمت المحبين فى الحبّ فبالله يا ريح الشمال تحمّلى ... إلى شعب بوّان سلام فتى صبّ «٣» قال أبو العباس: فأخبرت سليمان بن وهب بما رأيت، فقال: وقد رأيت تحت هذه الأبيات: ليت شعرى عن الذين تركنا ... خلفنا بالعراق هل ذكرونا؟ أم يكون المدى تطاول حتى ... قدم العهد بيننا فنسونا «٤» إن حفوا حرمة الصّفاء فإنا ... لهم فى الهوى كما عهدونا وشعر المتنبى: مغانى الشّعب طيبا فى المغانى ... بمنزلة الربيع من الزمان ولكنّ الفتى العربىّ فيها ... غريب الوجه واليد واللسان ملاعب جنّة لو سار فيها ... سليمان لسار بترجمان طبت فرساننا والخيل حتى ... خشيت وإن كرمن من الحران

стр. 1044

غدونا تنفض الأغصان فيه ... على أعرافها مثل الجمان فجئت وقد حجبن الشمس عنّى ... وجئن من الضياء بما كفانى وألقى الشرق منها فى بنانى ... دنانيرا تفرّ من البنان [ومنها: يقول بشعب بوّان حصانى ... أعن هذا يسار إلى الطعان؟ أبوكم آدم سنّ المعاصى ... علمكم مفارقة الجنان] إنما أردت هذا البيت. ومنها: لها ثمر تشير إليك منه ... بأشربة وقفن بلا أوانى ومواه يصلّ بها حصاها ... صليل الحلى فى أيدى الغوانى [رجع إلى وصف الجيش] وأول من ابتكر هذا المعنى الأول الأفوه الأودى فى قوله: وأرى الطير على آثارنا ... رأى عين ثقة أن ستمار «١» وقال حميد بن ثور وذكر ذئبا: إذا ما غدا يوما رأيت غيابة ... من الطير ينظرن الذى هو صانع «٢» فهمّ بأمر تم أزمع غيره ... وإن ضاق أمر مرة فهو واسع وقال مسلم بن الوليد: وإنى؟؟؟ لأستجيى القنوع ومذهبى ... فسيح وأقلى الشّحّ إلا على عرضى وما كان مثلى يعتريك رجاؤه ... ولكن أساءت نعمة من فتى محض وإنى وإشرافى عليك بهمّتى ... لكالمبتغى زبدا من الماء بالمخض أخذه أبو عثمان الناجم فقال: لم تحصّل بمخضك الماء إلا ... زبدا حين رمت بالجهل زبدا

стр. 1045

[وصف وسفينة] وقال مسلم أيضا يصف السفينة: كشفت أهاويل الدّجى عن مهوله ... بجارية محمولة حامل بكر إذا أقبلت راعت بقنّة قرهب ... وإن أدبرت راقت بقادمتى نسر «١» أطلّت بمجدافين يعتورانها ... وقوّمها كبح اللّجام من الدّبر كأنّ الصبا تحكى بها حين واجهت ... نسيم الصّبا مشى العروس إلى الخدر [مما قيل فى وصف الأساطيل] وقال أبو القاسم بن هانىء يصف أسطول المعز بالله: أما والجوارى المنشآت التى سرت ... لقد ظاهرتها عدّة وعديد قباب كما ترخى القباب على المها ... ولكنّ من ضمّت عليه أسود [وما راع ملك الروم إلّا اطلاعها ... تنشّر أعلام لها وبنود] ولله مما لا يرون كتائب ... مسوّمة يجرى بها وجنود أطال لها أنّ الملائك خلفها ... فمن وقفت خلف الصفوف ردود «٢» وأن الرياح الذاريات كتائب ... وأن النجوم الطالعات سعود عليها غمام مكفهرّ صبيره ... له بارقات جمّة ورعود «٣» مواخر فى طامى العباب كأنها ... لعزمك بأس أو لكفّك جود أنافت بها آطامها وسما بها ... بناء على غير العراء مشيد [من الطير إلا أنهن جوارح ... وليس لها إلا النفوس مصيد] وليس بأعلى كبكب وهو شاهق ... وليس من الصّفّاح وهو صلود من الراسيات الشّم لولا انتقالها ... فمنها قنان شمّخ وريود «٤» من القادحات النار تضرم للصّلى ... فليس لها يوم اللقاء خمود

стр. 1046

إذا زفرت غيظا ترامت بمارج ... كما شبّ من نار الجحيم وقود تعانق موج البحر حتى كأنه ... سليط له فيه الذّبال عتيد «١» ترى الماء فيها وهو قان خضابه ... كما باشرت ردع الخلوق جلود «٢» فأنفاسهن الحاميات صواعق ... وأفواههن الزافرات حديد يشبّ لآل الجاثليق سعيرها ... وما هى من آل الطريد بعيد لها شعل فوق الغمار كأنها ... دماء تلقيها ملاحف سود وغير المذاكى نجرها غير أنها ... مسوّمة تحت الفوارس قود فليس لها إلا الرياح أعنّة ... وليس لها إلا العباب كديد «٣» ترى كلّ قوداء التليل كما انثنت ... سوالف غيد أعرضت وخدود «٤» رحيبة مدّ الباع وهى نضيجة ... بغير شوى عذراء وهى ولود تكبرن عن نقع يثار كأنها ... موال وجرد الصافنات عبيد لها من شفوف العبقرى ملابس ... مفوّفة فيها النّضار جسيد كما اشتملت فوق الأرائك خرّد ... أو التفعت فوق المنابر صيد لبوس تكفّ الموج وهو غطامط ... وتدرأ بأس اليمّ وهو شديد فمنه دروع فوقها وجواشن ... ومنها خفاتين لها وبرود وقال على بن محمد الإيادى يصف أسطول القائم فأجاد ما أراد: أعجب لأسطول الإمام محمد ... ولحسنه وزمانه المستغرب لبست به الأمواج أحسن منظر ... يبدو لعين الناظر المتعجّب من كل مشرفة على ما قابلت ... إشراف صدر الأجدل المتنصّب دهماء قد لبست ثياب تصنّع ... تسبى العقول على ثياب ترهّب

стр. 1047

من كل أبيض فى الهواء منشّر ... منها وأسحم فى الخليج مغيّب «١» كملاءة فى البر يقطع شدّها ... فى البحر أنفاس الرياح الشذّب محفوفة بمجاذف مصفوفة ... فى جانبين دوين صلب صلّب كقوادم النّسر المرفرف عرّيت ... من كاسيات رياشه المتهدّب تحتثّها أيدى الرجال إذا ونت ... بمصعّد منه بعيد مصوّب «٢» خرقاء تذهب إن يد لم تهدها ... فى كل أوب للرياح ومذهب جوفاء تحمل موكبا فى جوفها ... يوم الرهان وتستقلّ بموكب ولها جناح يستعار يطيرها ... طوع الرياح وراحة المتطرّب يعلو بها حدب العباب مطارة ... فى كل لج زاخر مغلولب تسمو بأجرد فى الهواء متوّج ... عريان منسوج الذؤابة شوذب «٣» يتنزّل الملّاح منه ذؤابة ... لو رام يركبها القطا لم يركب فكأنما رام استراقة مقعد ... للسمع إلا أنه لم يشهب «٤» وكأنما جنّ ابن داود هم ... ركبوا جوانبها بأعنف مركب سجروا جواحم نارها فتقاذفوا ... منها بألسن مارج متلهّب من كل مسجور الحريق إذا انترى؟؟؟ ... من سجنه انصلت انصلات الكوكب عريان يفدمه الدخان كأنه ... صبح يكرّ على الظلام الغيهب ولواحق مثل الأهلّة جنّح ... لحق المطالب فائتات المهرب يذهبن فيما بينهن لطافة ... ويجئن فعل الطائر المتغلّب كنضائض الحيات رحن لواعبا ... حتى يقعن ببرك ماء الميزب شرعوا جوانبها مجادف أتعبت ... شأو الرياح لها ولما تتعب

стр. 1048

تنصاع من كثب كما نفر القطا ... طورا، وتجتمع اجتماع الربرب «١» والبحر يجمع بينها فكأنه ... ليل يقرّب عقربا من عقرب وعلى كواكبها أسود خلافة ... تختال فى عدد السلاح المذهب فكأنما البحر استعار بزيّهم ... ثوب الجمال من الربيع المعجب [من لطائف التودّد] كتب العباس «٢» بن جرير إلى الفضل بن يحيى: لا أعلم منزلة توحشنى من الأمير ولا توحشه منى؛ لأننى فى المودة له كنفسه، وفى الطاعة كيده، وإنما ألطفه من فضله، وقد بعثت بعض ما ظننت أنه يحتاج إليه فى سفره. وذكر ما بعث. وكتب غيره فى هذا المعنى: إذا كان اللّطف دليل محبّة، وميسم قربة، كفى قليله عن كثيره، وناب يسيره عن خطيره، لا سيما إذا كان لمقصود به ذا همّة لا يستعظم نفيسا، ولا يستصغر خسسا؛ وقد حزت من هذه الصفة أجلّ فضائلها، وأرفع منازلها. وفى هذا المعنى: إن يد الأنس طويلة بكل ما بلغت، منبسطة بكل ما أدركت، من حيث يد الحشمة قصيرة عن كل ما حوت، مقبوضة دون ما أمّلت؛ لأن باب القول مطلق لذوى الخصوص «٣» ، محظور عند ذوى الهموم، ولتمكن ما بيننا عاطيتك من لطفى مالا دونه قلّة، ثقة منك بأنه يرد على ما لا فوقه كثرة.

стр. 1049

ومن ألفاظ أهل العصر فى إقامة رسم الهدية فى المهرجان والنيروز لمثل هذا اليوم الجديد والأوان السعيد سنّة، وعلى مثلى فيها أن يتحف ويلطف، وعلى مثل سيدنا، ولا مثل له، أن يقبل ويشرف. لليوم رسم إن أخلّ به الأولياء عدّ هفوة، وإن منع منه الرؤساء حسب جفوة، ومولاى يسوّغنى الدّالة فيما اقترن بالرقعة، ويكسبنى بذلك الشرف والرفعة. الهدايا تكون من الرؤساء مكاثرة بالفضل، ومن النظراء مقارضة بالمثل، ومن الأولياء ملاطفة بالقلّ «١» ، وقد سلكت فى هذا اليوم مع مولاى سبيل أهل طبقته من الأرباب، وقد حملت إلى مولاى هدية [الملاطف، لا هدية] المحتفل، والنفس له، والمال منه. ولهم فى التهنئة بالنيروز والمهرجان وفصل الربيع هذا اليوم غرّة فى أيام الدهر، وتاج على مفرق العصر. أسعد الله مولانا بنوروزه الوارد عليه، وأعاده ماشاء وكيف شاء إليه. أسعد الله تعالى سيدنا بالنوروز الطالع عليه ببركاته، وأيمن طائره فى جميع أيامه ومتصرفاته؛ ولا يزال يلبس الأيام ويبليها وهو جديد، ويقطع مسافة نحسها وسعدها وهو سعيد. أقبل النيروز إلى سيدنا ناشرا حلله التى استعارها من شيمته، ومبديا حالته «٢» التى اتخذها من سجيته، ومستصحبا من أنواره ما اكتساه من محاسن فضله وإكرامه، ومن أنظاره ما اقتبسه من جوده وإنعامه. ويوكد الوعد بطول بقائه حتى يملّ العمر، ويستغرق الدهر. سيدنا هو الربيع الذى لا يذبل شجره، [ولا يزول سحره] ولا ينقطع ثمره، ولا يقلع غمامه، ولا تتبدّل أيامه؛ فأسعده الله تعالى بهذا

стр. 1050

الربيع المتشبّه بأخلاقه، وإن لم ينل قدرها، ولم يحمل فضلها، ولم يجد بدّا من الإقرار بها. سيدنا هو الربيع الدى يتّصل مطره، من حيث يؤمن ضرره، ويدوم زهره، من حيث يتعجل ثمره؛ فلا زال آمرا ناهيا، قاهرا عاليا، تتهيّأ الأعياد بمصادفة سلطانه، وتستفيد المحاسن من رياض إحسانه. أسعد الله سيدنا بهذا النّوروز الحاضر، الجديد الناضر، سعادة تستمرّ له فى جميع أيامه على العموم دون الخصوص، لتكون متشابهات [فى اكتناف] المواهب لها، واتصال المسارّ فيها، لا يفرق إلا بمقدار يزيد التالى على الخالى، ويدرج الآنى على الماضى. عرّف الله سيدنا بركة هذا المهرجان، وأسعده فيه، وفى كل زمان وأوان، وأبقاه ما شاء فى ظلال الأمانى والأمان. هذا اليوم من محاسن الدهر المشهورة، وفضائل الأزمنة المذكورة، فلقّى الله تعالى سيدنا بركة وروده، وأجزل حظّه من أقسام سعوده، هذا اليوم من غرر الدهور، ومواسم السرور، معظّم فى الملك الفارسى، مستظرف فى الملك العربى؛ فوفر الله تعالى فيه على مولاى السعادات، وعرّفه فى أيامه البركات، على الساعات واللحظات [الصفات التى تلرم فى رجل الشرطة] وقال الحجاج بن يوسف: دلّونى على رجل للشرطة، فقيل: أى رجل تريد؟ فقال: أريد رجلا دائم العبوس، طويل الجلوس، سمين الأمانة، أعجف الخيانة «١» ، يهون عليه سبال الشريف فى الشفاعة «٢» ! فقالوا: عليك بعبد الرحمن [بن عبد الله] التميمى، فأرسل إليه يستعمله، فقال: لست أعمل لك عملا إلا أن تكفينى ولدك، وأهل بيتك، وعيالك وحاشيتك، فقال: يا غلام ناد: من طلب إليه حاجة منهم فقد برئت منه الذمة.

стр. 1051

وقال أشجع بن عمرو السّلمى يمدح فى هذا المعنى إبراهيم بن عثمان بن نهيك صاحب شرطة الرشيد، وكان جبارا عنيدا: فى سيف إبراهيم خوف واقع ... بدوى النفاق، وفيه أمن المسلم ويبيت بكلأ والعيون هواجع ... مال المصيع ومهجة المستسلم شدّ الخطام بأنف كلّ مخالف ... حتى استقام له الذى لم يخطم لا يصلح السلطان إلا شدة ... تغشى البرىّ بفضل ذنب المجرم ومن الولاة مفخّم لا يتّقى ... والسيف تقطر شفرتاه من الدم «١» منعت مهابتك النفوس حديثها ... بالأمر تكرهه وإن لم تعلم [من كلام الأعراب] عذلت أعرابية أباها فى الجود وإتلاف ماله، فقالت: حبس المال، أنفع للعيال، من بذل الوجه فى السؤال؛ فقد قلّ النوال، وكثر البخّال، وقد أتلفت الطارف والتّلاد، وبقيت تطلب ما فى أيدى العباد ومن لم يحفظ ما ينفعه، أوشك أن يسعى فيما يضرّه. قال الأصمعى: سمعت أعرابية تقول: اللهم ارزقنى عمل الخائفين، وخوف العاملين، حتى أتنعم بترك التنعم، رجاء لما وعدت، وخوفا مما أوعدت. وقال آخر: اللهم من أراد بنا سوءا فأحطه به كإحاطة القلائد، بأعناق الولائد، وأرسخه على هامته، كرسوخ السّجيل، على هام أصحاب الفيل وقال بعض الأعراب: نالنا وسمىّ، وخلفه ولىّ «٢» ؛ فالأرض كأنها وشى [عبقرىّ] ؛ ثم أتتنا غيوم جراد، بمناجل حداد؛ فخرّبت البلاد، وأهلكت العباد؛ فسبحان من يهلك القوىّ الأكول. بالضعيف المأكول.

стр. 1052

[مع الولاة والخلفاء] وقال عمارة بن حمزة لأبى العباس السفاح- وقد أمر له بجوائز نفيسة، وكسوة وصلة، وأدنى مجلسه-: وصلك الله يا أمير المؤمنين وبرّك، فوالله لئن أردنا شكرك على كنه صلتك، فإنّ الشكر ليقصر عن نعمتك، كما قصرنا عن منزلتك، غير أنّ الله تعالى جعل لك فضلا علينا بالتقصير منا، ولم تحرمنا الزيادة منك لنقص شكرنا. وقال أبو العباس السفاح لخالد بن صفوان: كيف علمك بأخوالى بنى الحارث ابن كعب؟ قال: يا أمير المؤمنين، هم هامة الشرف، وعرنين الكرم، وفيهم خصال ليست فى غيرهم من قومهم، هم أحسبهم أمما، وأكرمهم شيما، وأهناهم طعما، وأوفاهم ذمما، وأبعدهم همما، هم الجمرة فى الحرب، والرأس فى كلّ خطب، وغيرهم بمنزلة العجب «١» . وعزّى خالد بن صفوان عمر بن عبد العزيز وهنّأه بالخلافة، فقال: الحمد لله الذى منّ على الخلق بك، والحمد لله الذى جعل نبوتكم رحمة، وخلافتكم عصمة، ومصائبكم أسوة، وجعلكم قدوة. وقال خالد بن صفوان لبعض الولاة: قدمت وأعطيت كلّا بقسطه من نظرك ومجلسك، فى صوتك وعدلك، حتى كأنك من كلّ أحد، وحتى كأنك لست من أحد. وقال رجل لخالد: إن أباك كان دميما، «٢» ولكنه كان حليما، وإنّ أمك كانت حسناء، ولكنها كانت رعناء، فيا جامع شرّ أبويه! شذور فى المقابح ومساوى الأخلاق على بن عبيدة الريحانى- أدنس شعار المرء جهله.

стр. 1053

ابن المعتز- نعم الجاهل، كالرياض فى المزابل. كلما حسنت نعمة الجاهل ازداد فيها قبحا. لسان الجاهل مفتاح حتفه. لا ترى الجاهل إلا مفرطا أو مفرّطا. الجاحظ- البخل والجبن غريزة واحدة، يجمعهما سوء الظن بالله. البخل يهدم مبانى الشرف. وقال ابن المعتر: لما عرف أهل النّقص حالهم عند ذوى الكمال، استعانوا بالكبر ليعظّم صغيرا، ويرفع حقيرا، وليس ينفع الطمع فى وثاق الذلّ. الغضب يصدئ العقل حتى لا يرى صاحبه صورة حسن فيرتكبه، ولا صورة قبيح فيجتنبه. الغضب ينبىء عن كامن الحقد. من أطاع غضبه أضاع أدبه. حدّة الغضب تعثر المنطق «١» ، وتقطع مادّة الحجّة، وتفرّق الفهم «٢» . غضب الجاهل فى قوله، وغضب العاقل فى فعله. عقوبة الغضب تبدأ بالغضبان: تقبّح صورته، وتثلّم دينه، وتعجّل ندمه. ما أقبح الاستطالة «٣» عند الغنى، والخضوع عند الفقر. من يهتك ستر غيره تكشّفت عورات بيته. نفاق المرء من ذلة الشرير لا يظنّ بالناس خيرا لأنه يراهم بعين طبعه. من عدّد نعمه محق كرمه. خلف الوعد خلق الوغد، من أسرع كثر عثاره. [من المفاخرات] فاخر كاتب نديما، فقال الكاتب: أنا معونة، وأنت مؤنة؛ وأنا للجدّ، وأنت للهزل؛ وأنا للشدّة وأنت للّذة؛ وأنا للحرب، وأنت للسلم. فقال النديم: أنا للنعمة، وأنت للخدمة؛ وأنا للحضرة، وأنت للمهنة؛ تقوم وأنا جالس، وتحتشم وأنا مؤانس؛ تدأب لراحتى، وتشقى لسعادتى؛ فأنا شريك، وأنت معين، كما أنك تابع، وأنا قرين.

стр. 1054

وفاخر صاحب سيف صاحب قلم، فقال صاحب القلم: أنا أقتل بلا غرر، وأنت تقتل على خطر. فقال صاحب السيف: القلم خادم السيف إن تم مراده، وإلّا فإلى السيف معاده. قال أبو تمام: السيف أصدق أنباء من الكتب ... فى حدّه الحدّ بين الجد واللعب إبراهيم بن المهدى: فقد تلين ببعض القول تبذله ... والوصل فى جبل صعب مراقيه كالخيزران منيع حين تكسره ... وقد يرى ليّنا فى كفّ لاويه أبو الهيدام «١» عامر بن عمارة المرّى يرثى: سأبكيك بالبيض الرّقاق وبالقنا ... فإن بها ما أدرك الواتر الوترا ولسنا كمن يبكى أخاه بعبرة ... يعصّرها من ماء مقلته عصرا ولكننى أشفى فؤادى بغمرة ... وألهب فى قطرى جوانبه جمرا وإنا أناس ما تفيض دموعنا ... على هالك منّا وإن قصم الظّهرا [من وصايا الحكماء] لقى رجل حكيما فقال: كيف ترى الدهر؟ قال: يخلق الأبدان، ويجدّد الآمال، ويقرّب المنية، ويباعد الأمنية. قال: فما حال أهله؟ قال: من ظفر به منهم تعب، ومن فاته نصب. قال: فما الغنى عنه؟ قال: قطع الرجاء منه، قال: فأىّ الأصحاب أبرّ وأوفى؟ قال: العمل الصالح والتقوى. قال: أيهم أضر وأردى «٢» ؟ قال: النفس والهوى، قال: فأين المخرج؟ قال: سلوك المنهج. قال: وما هو؟ قال: بذل المجهود، وترك الراحة، ومداومة الفكرة. قال: أوصنى. قال: قد فعلت.

стр. 1055

وقال بعض الملوك لحكيم من حكمائه: عظنى بعظة تنفى عنى الخيلاء «١» ، وتزهّدنى فى الدنيا. قال: فكّر فى خلقك، واذكر مبدأك ومصيرك، فإذا فعلت ذلك صغرت عندك نفسك، وعظم بصغرها عندك عقلك؛ فإن العقل أنفعها لك عظما، والنفس أزينهما لك صغرا؛ قال الملك: فإن كان شىء يعين على الأخلاق المحمودة فصفتك هذه. قال: صفتى دليل، وفهمك محجّة، والعلم علية «٢» ، والعمل مطية، والإخلاص زمامها، فخذ لعقلك بما يزينه من العلم، وللعلم بما يصونه من العمل، وللعمل بما يحققه من الإخلاص، وأنت أنت! قال: صدقت. [من المدح] وقال ابن الرومى: تغنون عن كل تقريظ بمجدكم ... غنى الظباء عن التكحيل بالكحل تلوح فى دول الأيام دولتكم ... كأنها ملّة الإسلام فى الملل وقال أيضا: كلّ الخصال التى فيكم محاسنكم ... تشابهت منكم الأخلاق والخلق كأنكم شجر الأترجّ طاب معا ... حملا ونورا، وطاب العود والورق وقال البستى [فى نحو هذا] : فتى جمع العلياء علما وعفّة ... وبأسا وجودا لا يفيق فواقا كما جمع التفاح حسنا ونضرة ... ورائحة محبوبة ومذاقا قال أبو العباس المبرد: حدثنى عجل بن أبى دلف قال: امتدح رجل أبى بكلمة، فوصله بخمسمائة دينار ولم يره، وهى:
следующие страницы →