Полный текст (1 141 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
وقال أشجع بن عمرو السّلمى يمدح فى هذا المعنى إبراهيم بن عثمان بن نهيك صاحب شرطة الرشيد، وكان جبارا عنيدا:
فى سيف إبراهيم خوف واقع ... بدوى النفاق، وفيه أمن المسلم
ويبيت بكلأ والعيون هواجع ... مال المصيع ومهجة المستسلم
شدّ الخطام بأنف كلّ مخالف ... حتى استقام له الذى لم يخطم
لا يصلح السلطان إلا شدة ... تغشى البرىّ بفضل ذنب المجرم
ومن الولاة مفخّم لا يتّقى ... والسيف تقطر شفرتاه من الدم «١»
منعت مهابتك النفوس حديثها ... بالأمر تكرهه وإن لم تعلم
[من كلام الأعراب]
عذلت أعرابية أباها فى الجود وإتلاف ماله، فقالت: حبس المال، أنفع للعيال، من بذل الوجه فى السؤال؛ فقد قلّ النوال، وكثر البخّال، وقد أتلفت الطارف والتّلاد، وبقيت تطلب ما فى أيدى العباد ومن لم يحفظ ما ينفعه، أوشك أن يسعى فيما يضرّه.
قال الأصمعى: سمعت أعرابية تقول: اللهم ارزقنى عمل الخائفين، وخوف العاملين، حتى أتنعم بترك التنعم، رجاء لما وعدت، وخوفا مما أوعدت.
وقال آخر: اللهم من أراد بنا سوءا فأحطه به كإحاطة القلائد، بأعناق الولائد، وأرسخه على هامته، كرسوخ السّجيل، على هام أصحاب الفيل وقال بعض الأعراب: نالنا وسمىّ، وخلفه ولىّ «٢» ؛ فالأرض كأنها وشى [عبقرىّ] ؛ ثم أتتنا غيوم جراد، بمناجل حداد؛ فخرّبت البلاد، وأهلكت العباد؛ فسبحان من يهلك القوىّ الأكول. بالضعيف المأكول.
стр. 1052
[مع الولاة والخلفاء]
وقال عمارة بن حمزة لأبى العباس السفاح- وقد أمر له بجوائز نفيسة، وكسوة وصلة، وأدنى مجلسه-: وصلك الله يا أمير المؤمنين وبرّك، فوالله لئن أردنا شكرك على كنه صلتك، فإنّ الشكر ليقصر عن نعمتك، كما قصرنا عن منزلتك، غير أنّ الله تعالى جعل لك فضلا علينا بالتقصير منا، ولم تحرمنا الزيادة منك لنقص شكرنا.
وقال أبو العباس السفاح لخالد بن صفوان: كيف علمك بأخوالى بنى الحارث ابن كعب؟ قال: يا أمير المؤمنين، هم هامة الشرف، وعرنين الكرم، وفيهم خصال ليست فى غيرهم من قومهم، هم أحسبهم أمما، وأكرمهم شيما، وأهناهم طعما، وأوفاهم ذمما، وأبعدهم همما، هم الجمرة فى الحرب، والرأس فى كلّ خطب، وغيرهم بمنزلة العجب «١» .
وعزّى خالد بن صفوان عمر بن عبد العزيز وهنّأه بالخلافة، فقال: الحمد لله الذى منّ على الخلق بك، والحمد لله الذى جعل نبوتكم رحمة، وخلافتكم عصمة، ومصائبكم أسوة، وجعلكم قدوة.
وقال خالد بن صفوان لبعض الولاة: قدمت وأعطيت كلّا بقسطه من نظرك ومجلسك، فى صوتك وعدلك، حتى كأنك من كلّ أحد، وحتى كأنك لست من أحد.
وقال رجل لخالد: إن أباك كان دميما، «٢» ولكنه كان حليما، وإنّ أمك كانت حسناء، ولكنها كانت رعناء، فيا جامع شرّ أبويه!
شذور فى المقابح ومساوى الأخلاق
على بن عبيدة الريحانى- أدنس شعار المرء جهله.
стр. 1053
ابن المعتز- نعم الجاهل، كالرياض فى المزابل. كلما حسنت نعمة الجاهل ازداد فيها قبحا. لسان الجاهل مفتاح حتفه. لا ترى الجاهل إلا مفرطا أو مفرّطا.
الجاحظ- البخل والجبن غريزة واحدة، يجمعهما سوء الظن بالله. البخل يهدم مبانى الشرف.
وقال ابن المعتر: لما عرف أهل النّقص حالهم عند ذوى الكمال، استعانوا بالكبر ليعظّم صغيرا، ويرفع حقيرا، وليس ينفع الطمع فى وثاق الذلّ.
الغضب يصدئ العقل حتى لا يرى صاحبه صورة حسن فيرتكبه، ولا صورة قبيح فيجتنبه. الغضب ينبىء عن كامن الحقد. من أطاع غضبه أضاع أدبه.
حدّة الغضب تعثر المنطق «١» ، وتقطع مادّة الحجّة، وتفرّق الفهم «٢» . غضب الجاهل فى قوله، وغضب العاقل فى فعله. عقوبة الغضب تبدأ بالغضبان: تقبّح صورته، وتثلّم دينه، وتعجّل ندمه. ما أقبح الاستطالة «٣» عند الغنى، والخضوع عند الفقر. من يهتك ستر غيره تكشّفت عورات بيته. نفاق المرء من ذلة الشرير لا يظنّ بالناس خيرا لأنه يراهم بعين طبعه. من عدّد نعمه محق كرمه.
خلف الوعد خلق الوغد، من أسرع كثر عثاره.
[من المفاخرات]
فاخر كاتب نديما، فقال الكاتب: أنا معونة، وأنت مؤنة؛ وأنا للجدّ، وأنت للهزل؛ وأنا للشدّة وأنت للّذة؛ وأنا للحرب، وأنت للسلم. فقال النديم:
أنا للنعمة، وأنت للخدمة؛ وأنا للحضرة، وأنت للمهنة؛ تقوم وأنا جالس، وتحتشم وأنا مؤانس؛ تدأب لراحتى، وتشقى لسعادتى؛ فأنا شريك، وأنت معين، كما أنك تابع، وأنا قرين.
стр. 1054
وفاخر صاحب سيف صاحب قلم، فقال صاحب القلم: أنا أقتل بلا غرر، وأنت تقتل على خطر. فقال صاحب السيف: القلم خادم السيف إن تم مراده، وإلّا فإلى السيف معاده.
قال أبو تمام:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... فى حدّه الحدّ بين الجد واللعب
إبراهيم بن المهدى:
فقد تلين ببعض القول تبذله ... والوصل فى جبل صعب مراقيه
كالخيزران منيع حين تكسره ... وقد يرى ليّنا فى كفّ لاويه
أبو الهيدام «١» عامر بن عمارة المرّى يرثى:
سأبكيك بالبيض الرّقاق وبالقنا ... فإن بها ما أدرك الواتر الوترا
ولسنا كمن يبكى أخاه بعبرة ... يعصّرها من ماء مقلته عصرا
ولكننى أشفى فؤادى بغمرة ... وألهب فى قطرى جوانبه جمرا
وإنا أناس ما تفيض دموعنا ... على هالك منّا وإن قصم الظّهرا
[من وصايا الحكماء]
لقى رجل حكيما فقال: كيف ترى الدهر؟ قال: يخلق الأبدان، ويجدّد الآمال، ويقرّب المنية، ويباعد الأمنية. قال: فما حال أهله؟ قال: من ظفر به منهم تعب، ومن فاته نصب. قال: فما الغنى عنه؟ قال: قطع الرجاء منه، قال: فأىّ الأصحاب أبرّ وأوفى؟ قال: العمل الصالح والتقوى. قال: أيهم أضر وأردى «٢» ؟ قال: النفس والهوى، قال: فأين المخرج؟ قال: سلوك المنهج. قال:
وما هو؟ قال: بذل المجهود، وترك الراحة، ومداومة الفكرة. قال: أوصنى.
قال: قد فعلت.
стр. 1055
وقال بعض الملوك لحكيم من حكمائه: عظنى بعظة تنفى عنى الخيلاء «١» ، وتزهّدنى فى الدنيا. قال: فكّر فى خلقك، واذكر مبدأك ومصيرك، فإذا فعلت ذلك صغرت عندك نفسك، وعظم بصغرها عندك عقلك؛ فإن العقل أنفعها لك عظما، والنفس أزينهما لك صغرا؛ قال الملك: فإن كان شىء يعين على الأخلاق المحمودة فصفتك هذه. قال: صفتى دليل، وفهمك محجّة، والعلم علية «٢» ، والعمل مطية، والإخلاص زمامها، فخذ لعقلك بما يزينه من العلم، وللعلم بما يصونه من العمل، وللعمل بما يحققه من الإخلاص، وأنت أنت! قال: صدقت.
[من المدح]
وقال ابن الرومى:
تغنون عن كل تقريظ بمجدكم ... غنى الظباء عن التكحيل بالكحل
تلوح فى دول الأيام دولتكم ... كأنها ملّة الإسلام فى الملل
وقال أيضا:
كلّ الخصال التى فيكم محاسنكم ... تشابهت منكم الأخلاق والخلق
كأنكم شجر الأترجّ طاب معا ... حملا ونورا، وطاب العود والورق
وقال البستى [فى نحو هذا] :
فتى جمع العلياء علما وعفّة ... وبأسا وجودا لا يفيق فواقا
كما جمع التفاح حسنا ونضرة ... ورائحة محبوبة ومذاقا
قال أبو العباس المبرد: حدثنى عجل بن أبى دلف قال: امتدح رجل أبى بكلمة، فوصله بخمسمائة دينار ولم يره، وهى:
стр. 1056
ما لى وما لك قد كلفتنى شططا ... حمل السلاح وقول الدّارعين قف
أمن رجال المنايا خلتنى رجلا ... أمسى وأصبح مشتاقا إلى التّلف
أرى المنايا على غيرى فأكرهها ... فكيف أمشى إليها بارز الكتف
أخلت أنّ سواد الليل غيّرنى ... وأن قلبى فى جنبى أبى دلف
قلت: هذا كحديث الذى دخل فى قوم على شراب فسقوه غير الشراب الذى يشربون، فقال:
نبيذان فى مجلس واحد ... لإيثار مثر على مقتر
فلو كنت تفعل فعل الكرام ... فعلت كفعل أبى البخترى
تتبّع إخوانه فى البلاد ... فأغنى المقلّ عن المكثر
فاتصل شعره بأبى البخترى فأعطاه ألف دينار ولم يره.
[أحمد بن أبى فنن]
والأبيات التى مدح بها أبو دلف هى لأحمد بن أبى فنن «١» ، وكان شاعرا مجيدا، وهو القائل:
ولما أبت عيناى أن تملك البكى ... وأن تحبسا سحّ الدموع السواكب «٢»
تثاءبت كى لا ينكر الدمع منكر ... ولكن قليلا ما بقاء التثاؤب «٣»
أعرّضتمانى للهوى ونممتما ... علىّ؟ لبئس الصاحبان لصاحب
وقال:
وحياة هجرك غير معتمد ... إلا لقصد الحنث فى الحلف
ما أنت أملح من رأيت ولا ... كلفى بحبّك منتهى كلفى
стр. 1057
قال الصولى: كنا بحضرة أبى العباس المبرد فأنشد هذين البيتين فاستظرفهما وأنشدنا فى ذلك:
وحياة غيرك غير معتمد به ... حنثا ولكن معظما لحياتكا «١»
ما ينقضى طمعى وإن أطمعتنى ... فى الوعد منك إلى اقتضاء عداتكا «٢»
وقال الخثعمى:
ولم أر مثل الصدّ أدعى إلى الهوى ... إذا كان ممن لا يخاف على وصل
وآلت يمينا كالزجاج رقيقة ... وما حلفت إلّا لتحنث من أجلى
وكان أحمد بن أبى فنن أسود، ولذلك قال:
أخلت أن سواد الليل غيّرنى
ولما أدخل على المعتزّ وامتدحه قال: هذا الشاعر الآدم «٣» ، قال بعض من حضر:
لا يضره سواده مع بياض أياديك عنده، قال: أجل، ووصله.
أخذ قوله:
أرى المنايا على غيرى فأكرهها
من قول أعرابى قيل له: ألا تغزو؟ قال: أنا والله أكره الموت على فراشى، فكيف أمشى إليه ركضا؟
[الاستطراد]
وهذا المذهب الذى سلكه أحمد ضرب من البديع يسمّى الاستطراد، وذلك أن الفارس يظهر أنه يستطرد لشىء ويبطن غيره، فيكرّ عليه، وكذلك هذا
стр. 1058
الشاعر يظهر أنه يذهب لمعنى فيعن له آخر فيأتى به، كأنه على غير قصد، وعليه بناه، وإليه كان معزاه «١» ، وقد أكثر المحدثون منه فأحسنوا فى ذلك.
قال الأصمعى: كنت عند الرشيد فدخل عليه إسحاق بن إبراهيم الموصلى فقال: أنشدنى من شعرك، فأنشده:
وآمرة بالبخل قلت لها: اقصرى ... فليس إلى ما تأمرين سبيل
أرى الناس خلّان الجواد، ولا أرى ... بخيلا له فى العالمين خليل
ومن خير حالات الفتى لو علمته ... إذا نال شيئا أن يكون منيل
فعالى فعال المكثرين تجمّلا ... ومالى كما قد تعلمين قليل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأى أمير المؤمنين جميل
فقال الرشيد: يا فضل؛ أعطه عشرين ألف درهم. ثم قال: لله أبيات تأتينا بها يا إسحاق ما أتقن أصولها، وأبين فصولها. وأقل فضولها! فقال: والله يا أمير المؤمنين؛ لا قبلت منها درهما واحدا. قال: ولم؟ قال: لأن كلامك، والله، خير من شعرى. فقال: يا فضل؛ ادفع إليه أربعين ألفا. قال الأصمى: فعلمت أنه أصيد لدراهم الملوك منى.
ومن ذلك «٢» قول أبى تمام يصف فرسا:
وسابح هطل التّعداء هتّان ... على الجراء أمين عير خوّان
أظمى الفصوص ولم تظمأ قوائمه ... فخلّ عينيك فى ريّان ظمآن
فلو تراه مشيحا والحصى زيم ... بين السنابك من مثنى ووحدان
أيقنت- إن لم تثبّت- أنّ حافره ... من صخر تدمر أو من وجه عثمان
وقد احتذى البحترى هذا الحذو فى حمدويه الأحول، وكان حمدويه هذا عدوا للممدوح، فقال:
стр. 1059
وأغرّ فى الزمن البهيم محجّل ... قد رحت منه على أغرّ محجّل
كالهيكل المبنىّ إلّا أنه ... فى الحسن جاء كصورة فى هيكل
ملك العيون؛ فإن بدا أعطينه ... نظر المحبّ إلى الحبيب المقبل
ما إن يعاف قذى ولو أوردته ... يوما خلائق حمدويه الأحول
وفى قصيدته هذه يحكى أن البحترى قال له أصحابه: إنك ستعاب بهذا البيت؛ لأنك سرقته من أبى تمام، قال: أعاب من أخذى من أبى «١» تمام؟! والله ما قلت شعرا قط إلا بعد أن أحضرت شعره فى فكرى، قال: وأسقط البيت بعد، فلا يوجد فى أكثر النسخ.
[سبق المتقدمين إلى الاستطراد]
وهذا معنى قد أعجب المحدثين، وتخيّلوا أنهم لم يسبقوا إليه، وقد تقدّم لمن قبلهم، قال الفرزدق:
كأن فقاح الأزد حول ابن مسمع ... إذا جلسوا أفواه بكر بن وائل
قال الحاتمى: وأنى جرير بهذا النوع فحثا «٢» فى وجه السابق إلى هذا المعنى فضلا عمن تلاه؛ فإنه استطرد فى بيت واحد، فهجا فيه ثلاثة، فقال:
لما وضعت على الفرزدق ميسمى ... وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل
وقيل هذا البيت مما يرد على الحاتمى، وهو قوله:
أعددت للشعراء كأسا مرّة ... فسقيت آخرهم بكأس الأول
قال أبو إسحاق: وأوّل من ابتكره السموءل بن عادياء اليهودى، وكل أحد تابع له فقال:
وإنّا أناس لا نرى القتل سبّة ... إذا ما رأته عامر وسلول
يقرّب حبّ الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
стр. 1060
وقد قال طرفة فى هذا المعنى:
فلو شاء ربى كنت قيس بن خالد ... ولو شاء ربى كنت عمرو بن مرثد
فأصبحت ذا مال كثير، وعادنى ... بنون كرام سادة لمسوّد
قيس بن خالد: ذو الجدّين الشيبانى. وعمرو بن مرثد: سيد بنى قيس بن ثعلبة، فدعا [عمرو] طرفة لما بلغه ذلك، فقال: أما البنون فإن الله يعطيك، ولكن لا تريم حتى تكون من أوسطنا حالا؛ وأمر بنيه وكانوا عشرة، فدفع إليه كلّ واحد منهم عشرا من الإبل؛ فانصرف بمائة ناقة.
وكان ابن عبدل منقطعا إلى عبد الله بن بشر بن مروان «١» ، فتأخر عنه برّه، وغاب أياما، ثم أتاه فسأله عن غيبته، فقال: خطبت ابنة عم لى بالسواد، فزعمت أنّ لها ديونا وأسلافا «٢» هناك، وأنى إذا جمعتها لها صارت إلى محبتى، ففعلت ذلك، فلما استنجزتها كتبت إلىّ:
سيخطئك الذى أمّلت منّى ... إذا انتقضت عليك قوى حبالى
كما أخطاك معروف ابن بشر ... وكنت تعدّ ذلك رأس مال «٣»
فقال: ما أحسن ما ألطفت بالسؤال! وأجزل صلته.
ومن بديع هذا الباب قول بشار بن برد:
خليلىّ من كعب أعينا أخاكما ... على دهره؛ إن الكريم معين
ولا تبخلا بخل ابن قزعة؛ إنه ... مخافة أن يرجى نداه حزين
إذا جئته فى حاجة سدّ بابه ... فلم تلقه إلّا وأنت كمين
فقل لأبى يحيى متى تبلغ العلا ... وفى كل معروف عليك يمين
وقال بكر بن النطاح يمدح مالك بن طوق:
стр. 1061
عرضت عليها ما أرادت من المنى ... لترضى فقالت: قم فجئنى بكوكب
فقلت لها: هذا التعنّت كله ... كمن يشتهى لحم عنقاء مغرب
سلى كلّ أمر يستقيم طلابه ... ولا تذهبى يا درّ فى كلّ مذهب
فأقسم لو أصبحت فى عزّ مالك ... وقدرته ما رام ذلك مطلبى
فتى شقيت أمواله بسماحه ... كما شقيت قيس بأرماح ثعلب
واعتذر رجل إلى رجل بحضرة عبد الأعلى بن عبد الله فلم يقبل عذره، فقال عبد الأعلى: أما والله لئن كان احتمل إثم الكذب ودنامته، وخضوع الاعتذار وذلّته، فعاقبته على الذّنب الذاهب، ولم تشكر له إنابة التائب، إنك لمن يسىء ولا يحسن.
وقال الحطيئة:
يسوسون أحلاما بعيدا أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والجدّ
أقلّوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدّوا المكان الذى سدّوا
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن وعدوا أوفوا وإن عقدوا شدّوا
وإن كانت النّعماء فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدّروها ولا كدّوا «١»
وإن قال مولاهم على جلّ حادث ... من الدهر ردوا فضل أحلامكم ردّوا
ويعذلنى أبناء سعد عليهم ... وما قلت إلا بالذى علمت سعد «٢»
[شاعر باهلى فى حضرة الرشيد]
ووصّل سعيد بن سلم إلى الرشيد شاعرا باهليّا، فأنشده قصيدة حسنة، فاسترابه الرشيد، وقال: أسمعك مستحسنا، وأنكرك متّهما «٣» ؛ فإن كنت صاحب هذا الشعر فقل فى هذين، وأشار إلى الأمين والمأمون وكانا جالسين.
стр. 1062
فقال: يا أمير المؤمنين، حملتنى على غير الجدد: هيبة الخلافة، ووحشة الغربة، وروعة المفاجأة، وجلالة المقام، وصعوبة البديهة، وشرود القوافى، على غير الرويّة، فليمهلنى أمير المؤمنين حتى يتألّف نافر القول.
فقال الرشيد: لا عليك ألّا تقول؛ قد جعلت اعتذارك عوض امتحانك.
فقال: يا أمير المؤمنين؛ نفّست الخناق، وسهّلت ميدان السباق، ثم قال:
بنيت بعبد الله بعد محمد ... ذرى قبّة الإسلام فاخضرّ عودها
هما طنباها بارك الله فيهما ... وأنت- أمير المؤمنين- عمودها
فقال الرشيد: وأنت بارك الله فيك، سل ولا تكن مسألتك دون إحسانك فقال: الهنيدة يا أمير المؤمنين «١» ! فأمر له بها، وبخلع نفيسة، وصلة جزيلة.
[كاتب الحجاج عند سليمان بن عبد الملك]
دخل يزيد بن أبى مسلم كاتب الحجاج على سليمان بن عبد الملك، فازدراه ونبت عينه عنه، فقال: ما رأت عينى كاليوم قطّ، لعن الله امرأ أجرّك رسنه، وحكّمك فى أمره. فقال: يا أمير المؤمنين، لا تقل ذلك؛ فإنك رأيتنى والأمر عنى مدبر، وعليك مقبل؛ فلو رأيتنى والأمر علىّ مقبل، وعنك مدبر، لاستعظمت منى ما استصغرت، واستكبرت ما استقللت.
قال: عزمت عليك يابن أبى مسلم لتخبرنّى عن الحجاج، أتراه يهوى فى جهنم أم قد قرّ بها؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لا تقل هذا فى الحجاج، وقد بذل لكم النصيحة، وأمّن دولتكم، وأخاف عدوّكم، وكأنى به يوم القيامة وهو عن يمين أبيك، ويسار أخيك، فاجعله حيث شئت.
فقال له سليمان: اعزب «٢» إلى لعنة الله! فخرج، فالتفت سليمان إلى جلسائه
стр. 1063
فقال: قاتله الله! ما أحسن بديهته، وترفيعه لنفسه ولصاحبه! وقد أحسن المكافأة فى الصنيعة، خلّوا عنه.
[من أدب إبراهيم بن العباس الموصلى]
قال إبراهيم بن العباس الموصلى: والله ما اتّكلت فى مكاتبة قط إلّا على ما يجلبه خاطرى، ويجيش به صدرى، إلّا قولى فى فصل: وصار ما كان يحرزهم يبرزهم، وما كان يعقلهم يعتقلهم. وقولى فى رسالة أخرى: «فأنزلوه من معقل إلى عقّال، وبدّلوه آجالا بآمال» ، فإنى ألممت فى هذا بقول الصريع «١» :
موف على مهج فى يوم ذى رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل
وفى المعنى الأول يقول أبو تمام:
فإن يبن حيطانا عليه فإنما ... أولئك عقّالاته لا معاقله
وكان يقول: ما تمنّيت كلام أحد أن يكون لى إلّا قول عبد الحميد بن يحيى:
الناس أصناف متباينون، وأطوار متفاوتون، منهم علق مضنّة لا يباع، وغل مظنّة لا يبتاع.
ورد كتاب بعض الكتاب إلى إبراهيم بن العباس بذم رجل ومدح آخر؛ فوقّع فى كتابه: إذا كان للمحسن من الجزاء ما يقنعه، وللمسىء من النّكال ما يقمعه، بذل المحسن الواجب عليه رغبة، وانقاد المسىء للحق رهبة. فوثب الناس يقبّلون يده.
ووقع لرجل متّ إليه بحرمة: تقدمت بحرمة مألوفة، ووسيلة معروفة، أقوم بواجبها، وأرعاها من جميع جوانبها.
وإبراهيم بن العباس هو القائل:
لنا إبل كوم يضبق بها الفضا ... وتغبرّ منها أرضها وسماؤها
стр. 1064
فمن دونها أن تستباح دماؤنا ... ومن دوننا أن يستذمّ دماؤها «١»
حمى وقرى فالموت دون مرامها ... وأيسر خطب يوم حقّ فناؤها
وقال الصولى: وجدت بخط عبد الله بن أبى سعيد إبراهيم بن العباس أنشده لنفسه:
وعلّمتنى كيف الهوى وجهلته ... وعلّمكم صبرى على ظلمكم ظلمى
وأعلم مالى عندكم فيردّنى ... هواى إلى جهلى فأرجع عن علمى
فقلت: أسبقك إلى هذا أحد؟ فقال: العباس بن الأحنف بقوله:
تجنّب يرتاد السلوّ فلم يجد ... له عنك فى الأرض العريضة مذهبا
فعاد إلى أن راجع الوصل صاغرا ... وعاد إلى ما تشتهين وأعتبا «٢»
قال الصولى: وأظن أنّ ابن أبى سعيد غلط فى هذه الرواية؛ لأن الأشبه بقول ابن العباس: «فعاد إلى أن راجع الوصل صاغرا» قوله:
كم قد تجرعت من غيظ ومن حزن ... إذا تجدّد حزن هوّن الماضى
وكم سخطت وما باليتم سخطى ... حتى رجعت بقلب ساخط راضى
وأنشد له:
لمن لا أرى أعرضت عن كلّ من أرى ... وصرت على قلبى رقيبا لقاتله
أدافعه عن سلوة وأردّه ... حياء إلى أوصابه وبلابله
وقال فى هذا النحو:
وأنت هوى النفس من بينهم ... وأنت الحبيب وأنت المطاع
وما بك إن بعدوا وحدة ... ولا معهم إن بعدت اجتماع
وقال الطائى:
إذا جئت لم أحزن لبعد مفارق ... وإن غبت لم أفرح بقرب مقيم
стр. 1065
فيا ليتنى أفديك من غربة النوى ... بكلّ أخ لى واصل وحميم
وأصل هذا من قول مالك بن مسمع للأحنف بن قيس: «ما أشتاق للغائب إذا حضرت، ولا أنتفع بالحاضر إذا غبت» .
وقال إبراهيم بن العباس:
تدانت بقوم عن تناء زيارة ... وشطّ بليلى عن دنوّ مزارها «١»
وإنّ مقيمات بمنعرج اللّوى ... لأقرب من ليلى وهاتيك دارها
وليلى كمثل النار ينفع ضوءها ... بعيدا نأى عنها ويحرق جارها
كأنه نظر إلى قول النّظار الفقعسىّ:
يقولون هذى أمّ عمرو قريبة ... دنت بك أرض نحوها وسماء
ألا إنما بعد الخليل وقربه ... إذا هو لم يوصل إليه سواء
وقوله: «وليلى كمثل النار» كقول العباس بن الأحنف:
أحرم منكم بما أقول وقد ... نال به العاشقون من عشقوا
صرت كأنّى ذبالة نصبت ... تضئ للنّاس وهى تحترق
وقال إبراهيم بن العباس:
أميل مع الصديق على ابن عمى ... وآخذ للصديق من الشقيق
وإن ألفيتنى حرّا مطاعا ... فإنك واجدى عبد الصّديق
أفرّق بين معروفى ومنّى ... وأجمع بين مالى والحقوق
[رثاء مصلوب]
قال العقيلى يرثى صديقا له أخذ فى خربة «٢» فقتل وصلب:
لعمرى لئن أصبحت فوق مشدّب ... طويل تعفّيك الرياح مع القظر
стр. 1066
لقد عشت مبسوط اليدين مرزّأ ... وعوفيت عند الموت من ضغطة القبر
وأفلتّ من ضيق التراب وغمّه ... ولم تفقد الدنيا؛ فهل لك من شكر
فما تشتفى عيناى من دائم البكى ... عليك، ولو أنى بكيت إلى الحشر
فطوبى لمن يبكى أخاه مجاهرا ... ولكننى أبكى لفقدك فى ستر
[كلام لا يحتمل الجواب]
وكتب محمد بن كثير إلى هارون الرشيد:
يا أمير المؤمنين؛ لولا حظ كرم الفعل فى مطالع السؤال، لألهى المطل قلوب الشاكرين، ولصرف عيون الناظرين إلى حسن المحبة، فأىّ الحالين يبعد قولك عن مجاز فعلك؟
فقال هارون الرشيد: هذا الكلام لا يحتمل الجواب؛ إذ كان الإقرار به يمنع من الاحتجاج عليه.
[تعجيل الإحسان]
وقال يحيى بن أكثم للمأمون يذكر حاجة له قد وعده بقضائها، واغفل ذلك:
أنت يا أمير المؤمنين أكرم من أن نعرّض لك بالاستنجاز، ونقابلك بالادّكار، وأنت شاهدى على وعدك، وأن تأمر بشىء لم تتقدّم أيامه، ولا يقدر زمانه، ونحن أضعف من أن يستولى علينا صبر انتظار نعمتك، وأنت الذى لا يؤوده «١» إحسان، ولا يعجزه كرم؛ فعجّل لنا يا أمير المؤمنين ما يزيدك كرما، وتزداد به نعما، ونتلقّاه بالشكر الدائم.
فاستحسن المأمون هذا الكلام، وأمر بقضاء حاجته.
قدم على المأمون رجل من أبناء الدهاقين وعظمائهم، من أهل الشام، على عدة سلفت له من المأمون «٢» ، من توليته بلده، وأن يضمّ إليه مملكته، فطال على
стр. 1067
الرجل انتظار خروج أمر أمير المؤمنين بذلك، فقصد عمرو بن مسعدة وسأله إيصال رقعة إلى المأمون من ناحيته، فقال: اكتب بما شئت فإنى موصله، قال:
فتولّ ذلك عنى، حتى تكون لك نعمتان. فكتب عمرو:
إن رأى أمير المؤمنين أن يفكّ أسر عدته من ربقة المطل، بقضاء حاجة عبده، والإذن له بالانصراف إلى بلده، فعل موفّقا.
فلما قرأ المأمون الرقعة دعا عمرا، وجعل يعجب من حسن لفظها، وإيجاز المراد فيها، فقال له عمرو: فما نتيجتها يا أمير المؤمنين؟ قال: الكتابة له فى هذا الوقت بما سأل؛ لئلا يتأخّر فضل استحساننا كلامه، وبجائزة تنفى دناءة المطل.
ومن كلام عمرو بن مسعدة: أعظم الناس أجرا، وأنبههم ذكرا، من لم يرض بحياة العدل «١» فى دولته، وظهور الحجّة فى سلطانه، وإيصال المنافع إلى رعيّته فى حياته، حتى احتال فى تخليد ذلك فى الغابرين بعده، عناية بالدين، ورحمة بالرّعية، وكفاية لهم من ذلك ما لو عنوا باستنباطه لكان يعرض أحد الأمرين، إما الإكداء «٢» عن إصابة الحق فيه لكثرة ما يعرض من الالتباس، وإما إصابة الرأى بعد طول الفكر، ومقاساة التجارب، واستغلاق كثير من الطرق إلى دركه؛ وأسعد الرّغاة من دامت سعادة الحق فى أيامه، وبعد وفاته وانقراضه.
[فضل الإيجاز]
وقال رجل لسويد بن منجوف، وقد أطال الخطبة بكلام افتتحه للصلح بين قوم من العرب:
«يا هذا؛ أتيت مرعى غير مرعاك، أفلا أدلّك عليه؟ قال: نعم. قال:
стр. 1068
قل: «أما بعد، فإنّ فى الصلح بقاء الآجال، وحفظ الأموال، والسلام» .
فلما سمع القوم هذا الكلام تعانقوا وتواهبوا التّرات «١»
[أبو مسلم]
قال عبد الله بن مسعود «٢» : لما أمر أبو مسلم بمحاربة عبد الله بن على «٣» دخلت عليه فقلت: «أيها الأمير، تريد عظيما من الأمر» ؟ قال: وما هو؟ قلت: عم أمير المؤمنين وهو شيخ قومه، مع نجدة، وبأس، وحزم، وحسن سياسة.
فقال لى: يا بن شبرمة، أنت بحديث تعلم معانيه، وشعر توضح قوافيه، أعلم منك بالحرب؛ إن هذه دولة قد اطردت أعلامها، وامتدت أيامها، فليس لمناوئها والطامع فيها يد تنيله شيئا من الوثوب عليها، فإذا ولّت أيامها فدع الوزغ بذنبه فيها.
قال بعض حكماء خراسان: لما بلغنى خروج أبى مسلم أتيت عسكره لأنظر إلى تدبيره وهيبته، فأقمت فيه أياما، فبلغنى عنه شدة عجب، وكبر ظاهر، فظننت أنه تحلّى بذلك لعىّ فيه أراد أن يستره بالصّمت، فتوصّلت إليه بحيث أسمع كلامه، وأغيب عن بصره، فسلمت فردّ ردا جميلا، وأمر بإدخال قوم يريد تنفيذهم فى وجه من الوجوه، وقد عقدوا لرجل منهم لواء، فنظر إليهم ساعة متأمّلا لهم، وقال: افهموا عنى وصيّتى إياكم؛ فإنها أجدى عليكم من أكثر تدبيركم، وبالله توفيقكم. قالوا: نعم أيها السالار، ومعناه السيد بالفارسية، فسمعته يقول، ومترجم يحكى كلامه بالفارسية لمن عبّر له منهم بالعربية: «أشعروا قلوبكم الجرأة فإنها سبب الظّفر، وأكثروا ذكر الضغائن فإنها تبعث على الإقدام، والزموا الطاعة فإنها حصن المحارب، وعليكم بعصبيّة الأشراف، ودعوا عصبية الدناءة؛ فإن الأشراف تظهر بأفعالها، والدناءة بأقوالها» .
стр. 1069
وذكر إدريس بن معقل أبا مسلم فقال: بمثل أبى مسلم يدرك ثار، وينفى عار، ويؤكد عهد، ويبرم عقد، ويسهّل وعر، ويخاض غمر، ويقلع ناب، ويفتح باب.
[حساب]
وقال رجل لأبى جعفر المنصور: أين ما تحدّث به فى أيام بنى أمية؟ إنّ الخلافة إذا لم تقابل بإنصاف المظلومين، ولم تعامل بالعدل فى الرعية، وقسمة الفىء بالسويّة، صار عاقبة أمرها بوارا، وحاق بولاتها سوء العذاب.
قال: فتنفس ثم قال: قد كان ما تقول، ولكنا يا أخى استعجلنا الفانية على الباقية، وكأن قد انقضت هذه الدار. فقال له الرجل: فانظر على أى حالة تنقضى.
وقال أبو الدوانيق وكان فصيحا بليغا: «عجبا لمن أصار علمه غرضا لسهام الخطايا، وهو عارف بسرعة المنايا، اللهم إن تقض للمسيئين «١» صفحا فاجعلنى منهم، وإن تهب للظالمين فسحا فلا تحرمنى ما يتطوّل به المولى على أخسّ عبيده» .
[من كلام الأحنف بن قيس]
سئل الأحنف بن قيس عن العقل؟ فقال: رأس الأشياء؛ فيه قوامها، وبه تمامها؛ لأنه سراج ما بطن، وملاك ما علن، وسائس الجسد «٢» ، وزينة كل أحد، لا تستقيم الحياة إلا به، ولا تدور الأمور إلا عليه.
ولما خطب زياد خطبته المشهورة قام الأحنف بن قيس، فقال: الفرس بشدّه، والسيف بحدّه، والمرء بجدّه، وقد بلغ بك جدك ما أرى، وإنما الثناء بعد البلاء، فإنا لا نثنى حتى نبلو «٣»
стр. 1070
[مما كتبه ابن الزيات]
وكتب ابن الزيات عهد الواثق على مكة بحضرة المعتصم: أما بعد، فإن أمير المؤمنين قد قلّدك مكة وزمزم، تراث أبيك الأقدم، وجدّك الأكرم، وركضة جبريل «١» ، وسقيا إسماعيل، وحفر عبد المطلب، وسقاية العباس؛ فعليك بتقوى الله تعالى، والتوسعة على أهل بيته.
وكتب: لو لم يكن من فضل الشكر إلا أنك لا تراه إلا بين نعمة مقصورة عليه، وزيادة منتظرة له، ثم قال لمحمد بن رباح: كيف ترى؟ قال: كأنهما قرطان بينهما وجه حسن، ومع ذلك ذكر ابن الزيات أمر الحرم بتعظيم وتفخيم
ألفاظ لأهل العصر فى التهنئة بالحج، وتفخيم [أمر] الحرم و [تعظيم] أمر المناسك والمشاعر، وما يتص بها من الأدعية
قصد البيت العتيق، والمطاف الكريم، والملتزم النبيه، والمستلم النزيه.
[وقف بالمعرّف العظيم، وورد زمزم والحطيم] . حرم الله الذى أوسعه للناس كرامة، وجعله لهم مثابة «٢» ، وللخليل خطّة، وللذبيح خلّة، ولمحمد ﷺ قبلة، ولأمّته كعبة، ودعا إليه حتى لبّى من كل مكان سحيق، وأسرع نحوه من كل فجّ عميق، يعود عنه من وفّق وقد قبلت توبته، وغفرت حوبته «٣» ، وسعدت سفرته، وأنجحت أوبته، وحمد سعيه، وزكا حجّه، وتقبل عجّه وثجّه «٤» . انصرف مولاى عن الحجّ الذى انتضى له عزائمه، وأنضى فيه رواحله، وأتعب نفسه بطلب راحتها، وأنفق ذخائره بشراء سعة الجنة وساحتها؛ فقد زكت إن شاء الله تعالى أفعاله وتقبّلت أعماله، وشكر سعيه، وبلغ هديه.
стр. 1071
قد أسقطت عن ظهرك الثقل العظيم، وشهدت الموقف الكريم، ومحصت عن نفسك بالسّعى من الفجّ العميق، إلى البيت العتيق. حمدا لمن سهل عليك قضاء فريضة الحج، ورؤية المشعر والمقام، وبركة الأدعية والموسم، وسعادة أفنية الحطيم وزمزم قصد أكرم المقاصد، وشهد أشرف المشاهد؛ فورد مشارع الجنة، وخيّم بمنازل الرحمة. وقد جمعت مواهب الله لديك: فالحجّ أديت فرضه، وحرم الله وطئت أرضه، والمقام الكريم قمته، والحجر الأسود استلمته، وزرت قبر النبى ﷺ مشافها لمشهده، ومشاهدا لمسجده. ومباشرا باديه ومحضره، وماشيا بين قبره ومنبره، ومصليا عليه حيث صلّى، ومتقربا إليه بالقرابة العظمى، وعدت وسعيك مشكور، وذنبك مغفور، وتجارتك رابحة، والبركات عليك غادية ورائحة. تلقّى الله دعاءك بالإجابة، واستغفارك بالرضا، وأملك بالنّجح، وجعل سعيك مشكورا، وحجّك مبرورا. عرّف الله تعالى مولاى مناهج ما نواه، وقصده وتوخّاه، ما يسعده فى دنياه، ويحمد عقباه.
[من شعر قطرى بن الفجاءة]
قال أبو حاتم: أتيت أبا عبيدة ومعى شعر عروة بن الورد، فقال لى: ما معك؟
قلت: شعر عروة، قال: شعر فقير، يحمله فقير، ليقرأه على فقير! قلت: ما معى [شعر] غيره؛ فأنشدنى أنت ما شئت، فانشدنى:
يا رب ظلّ عقاب قد وقيت به ... مهرى من الشمس والأبطال تجتلد «١»
وربّ يوم حمى أرعيت عقوته ... خيلى اقتسارا وأطراف القنا قصد «٢»
ويوم لهو لأهل الخفض ظلّ به ... لهوى اصطلاء الوغى وناره تقد
стр. 1072
مشهّرا موقفى والحرب كاشفة ... عنها القناع وبحر الموت يطّرد
ورب هاجرة تغلى مراجلها ... مخرتها بمطايا غارة تخد «١»
تجتاب أودية الأفزاع آمنة ... كأنها أسد يصطادها أسد
فإن أمت حتف أنفى لا أمت كمدا ... على الطعان وقصر العاجز الكمد «٢»
ولم أقل لم أساق الموت شاربه ... فى كأسه والمنايا شرّع ورد
ثم قال: هذا والله هو الشعر، لا ما يتعللون به من أشعار المخانيث.
والشعر لقطرى بن الفجاءة المازنى، وكان يكنى فى السلم أبا محمد، وفى الحرب أبا نعامة، وكان أطول الخوارج أياما، وأحدّهم شوكة، وكان شاعرا جوادا، وهو القائل أيضا:
لا يركنن أحد إلى الإحجام ... يوم الوغى متهيّبا لحمام
فلقد أرانى للرماح دريئة ... من عن يمينى تارة وأمامى
حتى خضبت بما تحدّر من دمى ... أكناف سرجى أو عنان لجامى
ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الإقدام
[من جيّد المديح]
وقال المسيب بن علس:
تبيت الملوك على عتبها ... وشيبان إن غضبت تعتب
وكالشهد بالراح ألفاظهم ... وأخلاقهم منهما أعذب
وكالمسك ترب مقاماتهم ... وترب أصولهم أطيب
وقال آخر:
اذكر مجالس من بنى أسد ... بعدوا فحنّ إليهم القلب
الشرق منزلهم، ومنزلنا ... غرب، وأين الشرق والغرب؟
стр. 1073
من كل أبيض جلّ زينته ... مسك أحمّ وصارم عضب «١»
ومدجّج يسعى لغارته ... وعقيرة بفنائه تخبو «٢»
آخر:
رأيتكم بقية آل حرب ... وهضبتها التى فوق الهضاب
تبارون الرياح ندى وجودا ... وتمتثلون أفعال السحاب
يذكرنى مقامى اليوم فيكم ... مقامى أمس فى ظلّ الشباب
[بين سعيد بن عبد الملك وسعيد بن حميد]
كتب سعيد بن عبد الملك إلى سعيد بن حميد:
أكره- أطال الله بقاءك! - أن أضعك ونفسى موضع العذر والقبول، فيكون أحدنا معتذرا مقصّرا، والآخر قابلا متفضّلا، ولكن أذكر ما فى التلاقى من تجديد البرّ، وفى التخلّف من قلة الصبر، وأسأل الله تعالى أن يوفّقك وإيانا لما يكون منه عقبى الشكر فاجابه: وصل كتابك- أكرمك الله تعالى! - الحاضر سروره، للطيف موقعه، الجميل صدوره ومورده، الشاهد ظاهره على صدق باطنه، ونحن- أعزّك الله- نجعل جزاءك حسن الاعتراف بفضلك، ومجاراتك التقصير دونك؛ ونرى أن لا عذر فى التخلف عنك، وإن حالت الأشغال بيننا وبينك.
وإن كنت سامحت فى العذر قبل الاعتذار، وسبقت إلى فضيلة الاغتفار، فلا زلت على كلّ خير دليلا، وإليه داعيا، وبه آمرا؛ ولقد التقينا قبل وصول كتابك لقاء أحدث وطرا، وهاج شوقا، وأرجو أن تتّسع لنا الجمعة بما ضاقت به الأيام؛ فننال حظّا من محادثتك والأنس بك
стр. 1074
[منزلة سعيد بن حميد]
ولسعيد بن حميد حلاوة فى منظومه ومنثوره، لكنه قليل الاختراع، كثير الإغارة على من سبقه؛ وكان يقال: لو رجع كلام كل أحد إلى صاحبه لبقى سعيد ابن حميد ساكتا.
وفيه يقول أبو على البصير:
رأس من يدعى البلاغة منى ... ومن الناس، كلهم فى حرامّه
وأخونا ولست أكنى سعيد ب ... ن حميد تؤرخ الكتب باسمه
هذا المعنى ينظر إلى قول منصور الفقيه وإن لم يكن منه:
تضيق به الدنيا فينهض هاربا ... إذا نحن قلنا: خيرنا الباذل السّمح
فإن قيل: من هذا الشقى؟ أقل لهم ... على شرط كتمان الحديث: هو الفتح
وكان سعيد يهوى فضل الشاعرة؛ فعزم مرة على سفر، فقالت له:
كذبتنى الودّ أن صافحت مرتحلا ... كفّ الفراق بكفّ الصبر والجلد
لا تذكرنّ الهوى والشوق لو فجعت ... بالشوق نفسك لم تصبر على البعد
وكان سعيد عند بعض إخوانه، فنهض منصرفا وأخذ بعضا دتى الباب، وأنشأ يقول:
سلام عليكم، حالت الكأس بيننا ... وولّت بنا عن كل مرأى ومسمع
فلم يبق إلا أن يصافحنى الكرى ... فيجمع سكرا بين جسمى ومضجعى
وقال [سعيد] :
أرى ألسن الشكوى إليك كليلة ... وفيهنّ عن غير الثناء فتور «١»
تقيم على العتب الذى ليس نافعا ... وليس لها إلا إليك مصير
وما أنت إلّا كالزمان تلوّنت ... نوائب من أحداثه وأمور
فإن قلّ إنصاف الزمان وجوده ... فمن ذا على جور الزمان يجير
стр. 1075
[من السرقات الشعرية]
أما قوله:
تقيم على العتب الذى ليس نافعا
فمن قول المؤمّل:
لا تغضبنّ على قوم تحبّهم ... فليس منك عليهم ينفع الغضب
يا جائرين علينا فى حكومتهم ... والجور أقبح ما يؤتى ويرتكب
لسنا إلى غيركم منكم نفرّ إذا ... جرتم، ولكن إليكم منكم الهرب
وأول من نبّه على هذا المعنى النابغة الذبيانىّ فى قوله للنعمان بن المنذر.
فإنك كالليل الذى هو مدركى ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
خطاطيف حجن فى حبال متينة ... تمدّ بها أيد إليك نوازع
سرقه أشجع السّلمى فقال لإدريس بن عبد الله بن الحسين بن على، وقد بعث إليه الرشيد من اغتاله فى المغرب:
أتظنّ يا إدريس أنك مفلت ... كيد الخلافة أو يقيك حذار
إنّ السيوف إذا انتضاها عزمه ... طالت، وتقصر دونها الأعمار
هيهات إلّا أن تحلّ ببلدة ... لا يهتدى فيها إليك نهار
وقال سلم الخاسر يعتذر إلى المهدى:
إنى أعز بخير الناس كلهم ... وأنت ذاك لما يأتى ويجتنب
وأنت كالدهر مبثوثا حبائله ... والدهر لا ملجأ منه ولا هرب
ولو ملكت عنان الريح أصرفه ... فى كل ناحية ما فاتك الطّلب
فليس إلا انتظارى منك عارفة ... فيها من الخوف منجاة ومنقلب
وقول سلم:
ولو ملكت عنان الريح أصرفه
стр. 1076
كأنه من قول الفرزدق للحجاج:
ولو حملتنى الريح ثم طلبتنى ... لكنت كمود أدركته مقادره «١»
وقول على بن جبلة لحميد الطوسى:
وما لامرئ حاولته منك مهرب ... ولو رفعته فى السماء المطالع
أخذه البحترى فقال:
سلبوا وأشرقت الدماء عليهم ... محمرة فكأنهم لم يسلبوا
فلو انّهم ركبوا الكواكب لم يكن ... ليجيرهم من حدّ بأسك مهرب
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر فى نحو قول النابغة:
وإنى وإن حدّثت نفسى بأننى ... أفوتك إنّ الرأى منى لعازب
لأنك لى مثل المكان المحيط بى ... من الأرض لولا استنهضتنى المذاهب
وأما قول سعيد: وما أنت إلا كالزمان والبيت الذى يليه، فكأنه ألمّ فيه بقول شمعل الثعلبى وإن لم يكن المعنى بنفسه:
أمن جذبة بالرجل منى تباشرت ... عداتى، ولا عتب علىّ ولا هجر
فإنّ أمير المؤمنين وفعله ... لكالدهر، لا عار بما صنع الدهر
وقال رجل من طيئ وكان رجل منهم يقال له زيد من ولد عروة بن زيد الخيل قتل رجلا اسمه زيد فأقاد منه السلطان، فقال الطائى يفتخر على الأسديين:
علا زيدنا يوم الحمى رأس زيدكم ... بأبيض مشحوذ الغرار يمانى «٢»
فإن تقتلوا زيدا بزيد فإنما ... أقادكم السلطان بعد زمان
وقول الثعلبى مأخوذ من قول النابغة، وهو أوّل من ابتكره:
وعيرتنى بنو ذبيان خشيته ... وما علىّ بأن أخشاك من عار
стр. 1077
ومن جيد شعر سعيد بن حميد:
أهاب وأستحيى وأرقب وعده ... فلا هو يبدانى ولا أنا أسأل
هو الشمس مجراها بعيد وضوءها ... قريب، وقلبى بالبعيد موكّل
وهذا المعنى وإن كان كثيرا مشهورا فما يكاد يدانى فى الإحسان فيه.
وقد قال أبو عيينة:
غزتنى جيوش الحبّ من كل جانب ... إذا حان من جند قفول غزا جند
أقول لأصحابى: هى الشمس، ضوءها ... قريب، ولكن فى تناولها بعد
وقال العباس بن الأحنف:
هى الشمس مسكنها فى السماء ... فعزّ الفؤاد عزاء جميلا
فلن تستطيع إليها الصعود ... ولن تستطيع إليك النزولا
وقال البحترى:
دنوت تواضعا وعلوت قدرا ... فشأناك انحدار وارتفاع
كذاك الشمس تبعد أن تدانى ... ويدنو الضوء منها والشعاع
وقال ابن الرومى:
وذخرته للدهر أعلم أنه ... كالدهر فيه لمن يؤول مآل
ورأيته كالشمس إن هى لم تنل ... فالنّور منها والضياء ينال
وقال المتنبى:
بيضاء تطمع فيما تحت حلّتها ... وعزّ ذلك مطلوبا لمن طلبا
كأنها الشمس يعيى كفّ قابضها ... شعاعها وتراه العين مقتربا
وقال سعيد بن حميد، ويروى لفضل الشاعرة:
стр. 1078
ما كنت أيام كنت راضية ... عنّى بذاك الرضا بمغتبط
علما بأنّ الرضا سيتبعه ... منك التجنّى وكثرة السّخط
فكلّ ما ساءنى فعن خلق ... منك وما سرّنى فعن غلط
وفى هذا المعنى يقول أبو العباس الهاشمى من ولد عبد الصمد بن على، ويعرف بأبى العبر.
أبكى إذا غضبت، حتى إذا رضيت ... بكيت عند الرضا خوفا من الغضب
فالموت إن غضبت، والموت إن رضيت ... إن لم يرحنى سلوّ عست فى تعب
وقال العباس بن الأحنف:
إذا رضيت لم يهننى ذلك الرّضا ... لصحة علمى أن سيتبعه عتب
وأبكى إذا ما أذنبت خوف عتبها ... فأسألها مرضاتها ولها الذّنب
وصالكم هجر، وقربكم قلى ... وعطفكم صدّ وسلمكم حرب
وأنتم بحمد الله فيكم فظاظة ... وكلّ ذلول من أموركم صعب «١»
وقال:
قد كنت أبكى وأنت راضية ... حذار هذا الصدود والغضب
إن تمّ ذا الهجر يا ظلوم ولا ... تمّ فمالى فى العيش من أرب «٢»
وما أحسن قول القائل:
وما فى الأرض أشقى من محبّ ... وإن وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكيا فى كل حين ... مخافة فرقة أو لاشتياق «٣»
فيبكى إن نأوا حذرا عليهم ... ويبكى إن دنوا خوف الفراق
стр. 1079
وتسخن عينه عند التنائى ... وتسخن عينه عند التلاق
[الاقتباس من القرآن الكريم]
وقال سعيد بن حميد: إذا نزعت فى كتابى «١» بآية من كتاب الله تعالى أثرت إظلامه، وزيّنت أحكامه، وأعذبت كلامه.
أمثال للعرب والعجم والعامة وما يماثلها من كتاب الله تعالى [مما هو أجل منها وأعلى] أخرجها أبو منصور عبد الملك الثعالبى قال علىّ رضى الله تعالى عنه: «القتل أنفى للقتل» ، وفى القرآن:
«وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ» .
والعرب تقول لمن يعيّر غيره بما هو فيه: «عيّر بجير بجره ونسى بجير خبره «٢» » ، وفى القرآن: «وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ» .
وفى معاودة العقوبة عند معاودة الذنب: «إن عادت العقرب عدنا لها» وفى القرآن: «وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا»
. «وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ» .
وفى ذوق الجانى وبال أمره: «يداك أو كتا، وفوك نفخ» . وفى القرآن:
«ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ» .
وفى قرب الغد من اليوم قول الشاعر
وإن غدا لناظره قريب
وفى القرآن: «أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ» .
وفى ظهور الأمر: «قد وضح الأمر لذى عينين» ، وفى القرآن: «الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ» .
وفى الإساءة إلى من لا يقبل الإحسان: «أعط أخاك تمرة، فإن أبى فجمرة» .
стр. 1080
وفى القرآن: «وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ» .
وفى فوت الأمر: «سبق السّيف العذل» ، وفى القرآن العظيم: «قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ» .
وفى الوصول إلى المراد ببذل الرغائب: «من ينكح الحسناء يعط مهرها» وفى القرآن: «لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ» .
وفى منع الرجل مراده:
وقد حيل بين العير والنّزوان «١»
وفى القرآن: «وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ» .
وفى تلافى الإساءة: «عاد غيث على ما أفسد» ، وفى القرآن: «ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا» .
وفى الاختصاص: «كل مقام بمقال «٢» » . وفى القرآن «لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ» .
العجم: «من احترق كدسه تمنى إحراق أكداس الناس «٣» » ، وفى القرآن:
«وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً» .
العامة: «من حفر لأخيه بئرا وقع فيها» ، وفى القرآن: «وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ» .
ومن الشعر:
كل امرىء يشبهه فعله ... ما يفعل المرء فهو أهله
وفى القرآن: «قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ» .
العامة: «كل البقل ولا تسأل عن المبقلة» .
وفى القرآن: «لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ» .
стр. 1081
شعر:
كم مرة حفّت بك المكاره ... خار لك الله وأنت كاره
وفى القرآن: «فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً» .
العامة: «المأمول خير من المأكول» ، وفى القرآن: «وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى»
. العامة: «لو كان فى اليوم خير ما سلّم علىّ الصياد» ، وفى القرآن:
«وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ»
. المتنبى:
مصائب قوم عند قوم فوائد
وفى القرآن: «وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها»
. عند الخنازير تنفق العذرة وفى القرآن: «الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ»
. العجم: «لم يرد الله بالنملة صلاحا إذ أنبت لها جناحا» ، وفى القرآن: «حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً»
. العامة: الكلب لا يصيد كارها، وفى القرآن: «لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ»
. العجم: «كل شاة تناط برجلها» ، وفى القرآن: «كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ» .
جملة من مكاتبات [بعض] أهل العصر
أبو القاسم محمد بن على الإسكافى عن الأمير نوح بن نصر وعن ابنه عبد الملك لأبى طاهر وشمكير بن زياد يشكره على حميد سيرته:
من حمدناه- أعزّك الله تعالى- من أعيان الملّة الذين بهم افتخارها، وأعوان الدولة الذين بهم استظهارها، بخلّة ينزع فيها من خلال «١» الفضل، وخصلة يكمل بها من خصال العدل. وإنّك- أعزّك الله! - من نحمده بالارتقاء فى درج الفضائل، والاستواء فى كلّ الشواكل؛ فإنه ليس من محمدة إلا وسهمك فيها فائز، [ولا من شدة إلا ومهلك «٢» فيها بارز] ، وذلك- أعزك الله تعالى! - أمر قد أغنى صدق خبره عن العيان، وكفى بيان أثره تكلّف الامتحان، ولو أعطينا النفوس مناها،
стр. 1082
وسوّغناها هواها، لأوردنا عليك فى ذرور «١» كلّ شارق جديد شكر، وجدّدنا لك مع اعتراض كل خاطر جميل ذكر، لكنا للعادة فى ترك الهوى، والثقة بأنك مع صالح آدابك تحلّ الأدنى من الإحماد محلّ الأوفى، فيقضى لك بأنه- وإن عظم قدره- يسير العدد، وعلى ما هو- وإن تناهى لفظه- باقى الفخر مدى الأبد، وكان مما اقتضانا الآن تناولك به أخبار تواترت، وأقوال تظاهرت، بإطباق سكان الحضرة ونيسابور من أهل عملك على شكر ما يتزيّد لهم وفيهم من موادّ عدلك، وحسن فضلك، حتى لقد ظلّوا ولهم فى شكر ذلك محافل تعقد، ومشاهد تشهد، يعجب بها السامع والرائى، ويقترن بها المؤمن والداعى؛ فإن هذا- أعزّك الله- حال يطيب مسمعه، ويلذّ موقعه، حتى لقد ملأ القلوب بهجا، والصدور ثلجا، حتى استفزّها فرط الارتياح، وصدق الانشراح، إلى هذا الكتاب أن أعجلناه، وهذا الشكر أن أجزلناه. بعد ذكر لك اتصل كل الاتصال، وأجمل كل الإجمال، وتضاعف به حظّك من الرأى أضعافا، وأشرف محلك على كل المحال إشرافا، ونحن نهنيك- أعزك الله- على التوفيق الذى قسمه الله لك، والتيسير الذى وكله بك، ونبعثك على استدامتها بصالح النية، وبصادق البغية، لتدنو من العدل على ما ترعى، وتحسن الهدى فيما تتولّى. فرأيك أبقاك الله تعالى فى إحلال ذلك محله من استبشار به تستكمله، واستثمار له تعجّله [إن شاء الله تعالى] .
وكتب إليه يعزيه: «إن أحقّ من سلّم لأمر الله تعالى ورضى بقدره، حتى يمحّض مصطنعا «٢» ، ويخلص مصطبرا، وحتى يكون بحيث أمر الله من الشكر إذا وهب، والرضا إذا سلب، أنت أعزك الله تعالى؛ لمحلّك من الشكر والحجا، وحظك من الصبر والنّهى، ثم لما ترجع إليه من ثبات الجنان «٣» عند النازلة،
стр. 1083
وقوة الأركان لعزّ الدولة الفاضلة، فإنّ لك فيها وفى سهمك الفائز، ومهلك البارز، عوضا عن كل مرزوء، ودركا لكل مرجوّ، ونسأل الله أن يجعلك من الشاكرين لفضله إذا أبلى، والصابرين لحكمه إذا ابتلى «١» ، وأن يجعل لك لا بك التعزية، ويقيك فى نفسك وفى ذويك الرزيّة، بمنه وقدرته.
وله إليه: ترامى إلينا خبر مصابك بفلان؛ فخلص إلينا من الاغتمام به ما يحصل فى مثله ممّن أطاع ووفى، وخدم ووالى، وعلمنا أن لفقدك مثله لوعة، وللمصاب به لذعة؛ فآثرنا كتابنا هذا إليك فى تعزيتك، على يقيننا بأنّ عقلك يغنى عن عظتك، ويهدى إلى الأولى بشيمتك، والأزيد فى رتبتك، فليحسن- أعزك الله- صبرك على ما أخذه منك، وشكرك على ما أبقى لك، وليتمكّن فى نفسك ما وفّر لك من ثواب الصابرين، وأجزل من ذخر المحسنين، وليرد كتابك مما ألهمك الله تعالى من عزاء، وأبلاكه من جميل بلاء، إن شاء الله تعالى وله إليه جواب: وصل كتابك- أعزّك الله تعالى- مفتتحا بالتعزية عن فلان، وبوصف توجّعك للمصيبة، ونحن نحمد الله تعالى الذى ينعم فضلا، ويحكم عدلا، ويهب إحسانا، ويسلب امتحانا، على مجارى قضيّته كيف حرت آخذة ومعطية، ومواقع مشيئته كيف مضت سارّة ومسيئة، حمد عالمين أن لا حكم إلا له، ولا حول إلا به، ومستمسكين بما أمر به عند المساءة من الصبر، والمسرة من الشكر، راجين ما أعده الله من الثواب للصابرين، والمزيد للشاكرين.
وما توفيقنا إلا بالله عليه نتوكل وإليه ننيب «٢» ، وأما وحشتك- أعزك الله- للحادث على الماضى، عفا الله عنه، فمثلك من ذوى الصفاء والوفاء اختصّ بذلك واهتم له، وعرف مثله فاغتمّ به؛ فإن الطاعة نسب بين أوليائها، والنعمة سبب بين أبنائها،
стр. 1084
فلا عجب أن يمسك فى هذا العارض ما يمسّ أولى المشاركة، ويخصّك من الاهتمام ما خص ذوى المشابكة.
وله إليه أيضا فى أمر غزاة: ورد خبرك أكرمك الله تعالى بنفوذك لوجهك فيمن جمعهم الله تعالى للسّعى فى سبيله إلى جملتك؛ فامّلنا أن يكون ذلك موصولا بأعظم الخيرة، مؤدّيا إلى أحسن المغبّة. إلا أنّا أحسسنا من الغزاة الذين بهم تعتضد، وإياهم تستنجد، فتور نيّات، وفساد طويّات؛ وهذا كما علمت باب عظيم يجب الاطلاع بالفكر والرأى عليه، والاحتراس بالجدّ والجهد من الخطل فيه. [فسبيلك أن تتأمّل أمرك بعين استقصاء العورة، واستدراك الآخرة] ، فإن أنت وجدت فى عدتك تمام القدرة، وفى عدّتك مقدار الكفاية، ولم تجد نيّات أولئك الغزاة مدخولة، ولا عراهم محلولة «١» ، استخرت الله تعالى فى المسير بكلّ ما تقدر عليه من الحزم فى أمرك، ثم إن تكن الأخرى، وكان القوم على ما ذكرت من كلال البصائر، وضعف المرائر «٢» ، عملت على التلوّم لحديث يحدّثك به كتابنا هذا إن اجتليت ما ذكرته، وإن لم تبلغ بلاغة ما اخترته، فاعتلق بذيله «٣» .
[من مقامات بديع الزمان]
وهذه المقامة من إنشاء البديع، قال عيسى بن هشام: غزوت الثغر بقزوين سنة خمس وسبعين، فما اجتزنا حزنا، إلّا هبطنا بطنا، حتى وقف بنا المسير على بعض قراها، فمالت الهاجرة بنا إلى ظل أثلاث فى حجرها عين كلسان الشمعة، أصفى من الدمعة، تسيح فى الرّضراض، سيح النّضناض «٤» ؛ فنلنا من المأكل ما نلنا، ثم ملنا إلى الظل فقلنا؛ فما ملكنا النوم حتى سمعنا صوتا أنكر من صوت الحمار، ورجعا أضغف من رجع الحوار، يشفعهما صوت طبل كأنه خارج
стр. 1085
من ما صغى أسد؛ فذاد عن «١» القوم رائد النوم، وفتحت العيون إليه وقد حالت الأشجار دونه، وأصغيت فإذا هو يقول على إيقاع صوت الطّبل:
أدعو إلى الله فهل من مجيب ... إلى ذرّى رحب وعيش خصيب
وجنّة عالية ما تنى ... قطوفها دانية ما تغيب «٢»
يا قوم إنى رجل ثائب ... من بلد الكفر وأمرى عجيب «٣»
إن أك آمنت فكم ليلة ... جحدت فيها وعبدت الصّليب
يا ربّ خنزير تمشّشته ... ومسكر أحرزت منه النّصيب «٤»
ثمّ هدانى الله، وانتاشنى ... من زلّة الكفر اجتهاد المصيب «٥»
فظلت أخفى الدّين فى أسرتى ... وأعبد الله بقلب منيب
أسجد للّات حذار العدى ... ولا أجى الكعبة خوف الرقيب
وأسأل الله إذا جنّنى ... ليلى وأضنانى يوم عصيب
ربّ كما أنك أنقذتنى ... فنجّنى؛ إنى فيهم غريب
ثم اتّخذت الليل لى مركبا ... وما سوى العزم أمامى نجيب
وقدك من سيرى فى ليلة ... يكاد رأس الطفل فيها يشيب
حتى إذا ما جزت بحر العمى ... إلى حمى الدين نفضت الوجيب
وقلت إذ لاح شعار الهدى ... نصر من الله وفتح قريب
ولما بلغ هذا البيت قال: يا قوم؛ وطئت والله بلادكم بقلب لا العشق شاقه، ولا الفقر ساقه، وقد تركت وراء ظهرى حدائق وأعنابا، وكواعب أترابا، وخيلا مسوّمة، وقناطير مقنطرة، وعدّة وعديدا، ومراكب وعبيدا، وخرجت خروج الحيّة من جحره، وبرزت بروز الطائر من وكره، مؤثرا دينى على
стр. 1086
دنياى. وجامعا يمناى إلى يسراى، واصلا سيرى بسراى «١» ، فلو رفعتم النار بشررها، ورميتم الروم بحجرها، وأعنتمونى على غزوها مساعدة وإسعادا، ومرافدة وإرفادا، ولا شطط، فكلّ قادر على قدرته، وحسب ثروته.
ولا أستكثر البدرة، ولا أردّ التمرة، وأقبل الذّرة، ولكل منى سهمان، سهم أذلّقه للقاء «٢» ، وسهم أفوّقه بالدّعاء، وأرشق به أبواب السماء، عن قوس الظلماء.
قال عيسى بن هشام: فاستفزنى رائع ألفاظه، وسروت جلباب النوم، وعدوت إلى القوم، وإذا والله شيخنا أبو الفتح الإسكندرى، بسيف قد شهره، وزىّ قد نكره؛ فلما رآنى غمزنى بعينه وقال: رحم الله امرأ أحسن حدسه؛ وملك نفسه، وأغنانا بفاضل قوله، وقسم لنا من نيله! ثم أخذ ما أخذ، فقمت إليه فقلت: أنت من أولاد بنات الروم؟ فقال:
أنا حالى مع الزما ... ن كحالى مع النسب
نسبى فى يد الزما ... ن إذا سامه انقلب
أنا أمسى من النبي ... ط وأضحى من العرب
[عاقبة السؤال بلفظ حسن]
قال سليمان بن عبد الملك: ما سألنى أحد قط مسألة يثقل علىّ قضاؤها، ولا يخفّ على أداؤها، بلفظ حسن يجمع له القلب فهمه إلا قضيتها، وإن كانت العزيمة نفذت فى منعه «٣» ، وكان الصواب مستقرّا فى دفعه، ضنّا بالصواب أن يردّ سائله، أو يحرم نائله.
[ابن رفاعة يتحدث عن النعمان بن المنذر والحارث الغسانى]
وقال أبو عبيدة: كان أبو قيس بن رفاعة يفد سنة إلى النعمان بن المنذر
стр. 1087
اللحمى وسنة إلى الحارث بن أبى شمر الغسّانى، فقال له الحارث يوما وهو عنده:
يا بن رفاعة، بلغنى أنك تفضّل النعمان علىّ! قال: كيف أفضّله عليك أبيت اللعن! فوالله لقفاك أحسن من وجهه، ولأمّك أشرف من أبيه، [ولآباؤك أشرف من جميع قومه] ، ولأمسك أفضل من يومه، ولشمالك أجود من يمينه، ولحرمانك أنفع من بذله، ولقليلك أكثر من كثيره، [ولثمادك أغزر من غديره، ولكرسيّك أرفع من سريره، ولجدولك أغمر من بحوره، وليومك أفضل من شهره، ولشهرك أشرف من حوله، ولحولك خير من حقبه، ولزندك أورى من زنده، ولجندك أعزّ من جنده، ولهزلك أصوب من جدّه، وإنك لمن غسّان أرباب الملوك، وإنه لمن لحم كثيرى النوك! فعلام أفضّله عليك؟
وقد روى مثل هذا الكلام للنابغة الذبيانى مع النعمان بن المنذر] .
[أربعة أبيات]
وقال المفضل الضبى: دخلت على المهدى فقال قبل أن أجلس: أنشدنى أربعة أبيات لا تزد عليهنّ، وعنده عبد الله بن مالك الخزاعى، فأنشدته «١» :
وأشعث قد قدّ السّفار قميصه ... يجرّ شواء بالعصا غير منضج
دعوت إلى ما نابنى وأجابنى ... كريم من الفتيان غير مزلّج»
فتى يملأ الشّيزى ويروى سنانه ... ويضرب فى رأس الكمى المدجّج
فتى ليس بالراضى بأدنى معيشة ... ولا فى بيوت الحىّ بالمتولج
فقال المهدى: هذا هو، وأشار إلى عبد الله بن مالك، فلما انصرفت بعث إلىّ بألف دينار، وبعث إلىّ عبد الله بأربعة آلاف.
[أبو الأسود الدؤلى وامرأته]
ننازع أبو الأسود الدؤلى وامرأته إلى زياد فى ابنهما، وأراد أبو الأسود أخذه
стр. 1088
منها فأبت، وقالت المرأة: أصلح الله الأمير، هذا ابنى، كان بطنى وعاؤه، وحجرى فناؤه، وثديى سقاؤه، أكلؤه إذا نام، وأحفظه إذا قام؛ فلم أزل بذلك سبعة أعوام، فلما استوفى فصاله، وكملت خصاله، واستوكعت أوصاله «١» ، وأمّلت نفعه، ورجوت عطفه، أراد أن يأخذه منى كرها، فآدنى أيها الأمير؛ فقد أراد قهرى، وحاول قسرى.
فقال أبو الأسود: هذا ابنى حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، وأنا أقوم عليه فى أدبه، وأنظر فى تقويم أوده «٢» ، وأمنحه علمى، وألهمه حلمى، حتى يكمل عقله، ويستكمل فتله.
فقالت المرأة: صدق أصلحك الله؛ حمله خفّا، وحملته ثقلا، ووضعه شهوة، ووضعته كرها.
فقال زياد: اردد على المرأة ولدها؛ فهى أحقّ به منك، ودعنى من سجعك.
[عظات ووصايا]
قال الأصمعى: بلغنى أن بعض الحكماء كان يقول: إنى لأعظكم، وإنى لكثير الذنوب، مسرف على نفسى، غير حامد لها، ولا حاملها على المكروه فى طاعة الله. وقد بلوتها فلم أجد لها شكرا فى الرضاء، ولا صبرا على البلوى. ولو أن أحدا لا يعظ أخاه حتى يحكم أمره لترك الأمر.... ولكن محادثة الإخوان حياة القلوب وجلاء النفوس، وتذكير من النسيان، واعلموا أن الدنيا سرورها أحزان، وإقبالها إدبار، وآخر حياتها الموت، فكم من مستقبل يوما لا يستكمله، ومنتظر غدا لا يبلغه؟ ولو تنظرون الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره.
جمع عبد الملك أهله وولده فقال: يا بنى أميّة، ابذلوا نداكم، وكفوا أذاكم، وأجملوا إذا طلبتم، واغفروا إذا قدرتم، ولا تلحفوا إذا سألتم، ولا تبخلوا إذا سئلتم؛ فإن العفو بعد القدرة، والثناء بعد الخبرة، وخير المال ما أفاد حمدا ونفى ذما
стр. 1089
[وصف هشام بن عبد الملك بصفته]
ودخل سعيد الجعفرى على هشام بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، إنى أريد أن أصفك بصفتك، فإن انحرف كلامى فلهيبة الإمام، واجتماع الأقوام، وتصرف الأعوام، ولربّ جواد عثر فى أرسانه «١» وكبا فى ميدانه «٢» ، ورحم الله امرأ قصّر من لفظه، وألصق الأرض بلحظه، ووعى قولى بحفظه. فخاف هشام أن يتكلّم فيقصّر عن جائزة مثله، فعزم عليه فسكت.
[حاتم الطائى يتحمل الديات عن عبد قيس البرجمىّ]
قال عبد قيس بن خفاف البرجمىّ لحاتم الطائى وقد وفد عليه فى دماء تحملها وعجز عن البعض: إنه وقعت بينى وبين قومى دماد فتواكلوها، وإنى حملتها فى مالى وأملى، فقدّمت مالى، وكنت أملى، فإن تحملها فربّ حقّ قضيته، وهم قد كفيته، وإن حال دون ذلك حائل لم أذمم يومك، ولم أيأس من غدك.
[وصف ثقيل]
قال أبو على العتابى: حدثنى الحمدونى قال: بعث إلىّ أحمد بن حرب المهلبى فى غداة، السماء فيها مغيمة، فأتيته والمائدة موضوعة مغطّاة؛ وقد وافت عجاب المغنّية، فأكلنا جميعا، وجلسنا على شرابنا، فما راعنا إلا داقّ يدقّ الباب، فأتاه الغلام فقال: بالباب فلان؛ فقال لى: هو فتى من آل المهلب، ظريف، نظيف، فقلت: ما نريد غير ما نحن فيه، فأذن له، فجاء يتبختر وقدّامى قدح شراب فكسره، فإذا رجل «٣» آدم ضخم، قال: وتكلم فإذا هو أعيا الناس، فجلس بينى وبين عجاب، قال: فدعوت بدواة وكتبت إلى أحمد ابن حرب:
стр. 1090
كدّر الله عيش من كدّر العي ... ش! فقد كان صافيا مستطابا
جاءنا والسماء تهطل بالغي ... ث وقد طابق السماع الشرابا
كسر الكاس وهى كالكوكب الدر ... رىّ ضمّت من المدام رضابا
قلت لما رميت منه بما أكره ... والدهر ما أفاد أصابا
عجّل الله نقمة لابن حرب ... تدع الدار بعد شهر خرابا
ودفعت الرقعة إلى أحمد، فقال: [ويحك] ألا نفست فقلت بعد حول؟
فقلت: أردت أقول بعد يوم، فخفت أن تصيبنى مضرّة ذلك، وفطن الثقيل فنهض، فقال: آذيته! فقلت: هو آذانى.
[طيلسان ابن حرب]
وقال الحمدونى فى طيلسان ابن حرب:
ولى طيلسان إن تأمّلت شخصه ... تيقنت أنّ الدهر يفنى وينقرض
تصدّع حتى قد أمنت انصداعه ... وأظهرت الأيام من عمره الغرض
كأنى لإشفاقى عليه ممرّض ... أخا سقم مما تمادى به المرض
فلو أنّ أصحاب الكلام يرونه ... لما روك فيه وادّعوا أنه عرض «١»
[وقال فيه:
لطيلسان ابن حرب نعمة سبقت ... بها تبيّن فضلى فهو متّصل
قد كنت دهرا جهولا ثم حنّننى ... عليه خوفى من الأقوام إن جهلوا
أظل أجتنب الإخوان من حذر ... كأنما بى جرح ليس يندمل
يا طيلسانا إذا الألحاظ جلن به ... فعلن فعل سهام فيه تنتضل
لئن بليت فكم أبليت من أمم ... تترى أبادتهم أيامك الأول
следующие страницы →