Полный текст (1 141 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
قيل لها: إنما أمر لك بشاء، فقالت: الأمير أكرم من ذلك؛ فجعلها إبلا أدما استحياء؛ وإنما كان أمر لها بشاء [أولا، والأدم أكرمها] .
وأول هذا الحديث عن رجل من بنى عامر بن صعصعة يقال له ورقاء قال:
كنت عند الحجاج فدخل الآذن «١» فقال: أصلح الله الأمير! بالباب امرأة تهدر كما يهدر البعير النادّ «٢» . قال: أدخلها، فلما دخلت نسبها فانتسبت له. فقال:
ما أتى بك يا ليلى؟ قالت: إخلاف النجوم، وقلّة الغيوم، وكلّب البرد، وشدة الجهد، وكنت لنا بعد الله الرّفد.
قال لها: أخبرينى عن الأرض. قالت: الأرض مغبرّة، والفجاج مقشعرّة، وأصابتنا سنون مجحفة مظلمة، لم تدع لنا هبعا ولاربعا، ولا عافطة ولا نافطة «٣» أهلكت الرجال، ومزّقت العيال، وأفسدت الأموال، وأنشدت الأبيات التى مضت آنفا؛ فالتفت الحجاج [إلى أصحابه] . وقال: هل تعرفون هذه؟ قالوا:
لا. قال: هذه ليلى الأخيلية التى تقول:
نحن الأخايل لا يزال غلامنا ... حتى يدبّ على العصا مذكورا
تبكى الرماح إذا فقدن أكفّنا ... حزنا وتلقانا الرّفاق؟؟؟. ورا
وفى آخر حديثها قال لها: أنشدينا بعض شعرك، فأنشدته:
لعمرك ما بالموت عار على الفتى ... إذا لم تصبه فى الحياة المعاير
ومن كان مما يحدث الدهر جازعا ... فلابدّ يوما أن يرى وهو صابر
فلا يبعدنك الله يا توب هالكا ... لدى الحرب إن دارت عليك المقادر
فكل جديد أو شباب إلى بلى ... وكل امرئ يوما إلى الله صائر
وكل قرينى ألفة لتفرّق ... شتات وإن ضنّا وطال التّعاشر
стр. 982
فأقسمت أبكى بعد توبة هالكا ... وأحفل من دارت عليه الدوائر
فقال الحجاج لصاحب له: اذهب بها فاقطع عنى لسانها، فدعا لها بالحجام ليقطع لسانها. فقالت له: ويحك! إنما قال لك الأمير: اقطع لسانى بالعطاء، فارجع إليه فاسأله، فسأله فاستشاط غيظا، وهمّ بقطع لسانه، [ثم أمر بها فأدخلت] فقالت: أيها الأمير، كاد يقطع مقولى، وأنشدته:
حجّاج أنت الذى ما فوقه أحد ... إلا الخليفة والمستغفر الصّمد
حجاج أنت شهاب الحرب إن لقحت ... وأنت للناس نور فى الدّجا يقد «١»
احتذى الحجاج فى قوله: «اقطع لسانها» قول النبى ﷺ لما أعطى المؤلفة قلوبهم يوم حنين مائة من الإبل، وأعطى العباس بن مرداس أربعين فسخطها وقال:
أتجعل نهيى ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع
وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس فى مجمع
وما كنت إلا امرأ منهم ... ومن تضع اليوم لا يرفع «٢»
العبيد: اسم فرسه، وحصن [الذى ذكره] هو أبو عيينة بن حصن بن حذيفة ابن بدر سيد فزارة، وحابس: أبو الأقرع بن حابس، وقد تقدم نسبه- فأمر النبى ﷺ بإحضاره، فقال: أنت القائل:
أتجعل نهبى ونهب العبيد ... بين الأقرع وعيينة
وكان النبى ﵊ كما قال الله : «وما علّمناه الشّعر وما ينبغى له» . فقال: قم يا على فاقطع لسانه. قال العباس: فقلت: يا علىّ؛
стр. 983
وإنك لقاطع لسانى؟ قال: إنى ممض فيك ما أمرت، فمضى بى حتى أدخلنى الحظائر، فقال: اعتدّ ما بين الأربعين إلى مائة، قلت: بأبى أنت وأمى! ما أحلمكم وأعلمكم وأعدلكم وأكرمكم! فقال: إن رسول الله ﷺ أعطاك أربعين، وجعلك من المهاجرين [فإن شئت] فخذها، وإن شئت فخذ مائة، وكن من المؤلّفة قلوبهم. فقلت: أشر علىّ. فقال: إنى آمرك أن تأخذ ما أعطاك. فأخذتها.
وكانت ليلى الأخيلية قد حاجّت النابغة الجعدى فأفحمته.
ودخلت على عبد الملك ابن مروان وقد أسنّت فقال: ما رأى توبة فيك حتى أحبك؟ قالت: رأى فىّ ما رأى الناس فيك حين ولّوك! فضحك عبد الملك حتى بدت له سن سوداء كان يخفيها.
[عود إلى رثاء شواعر العرب]
وقالت هند بنت أسد الضبابية:
لقد مات بالبيضاء من جانب الحمى ... فتى كان زينا للمواكب والشّرب
يلوذ به الجانى محافة ما جنى ... كما لاذت العصماء بالشاهق الصعب
تظلّ بنات العمّ والخال حوله ... صوادى لا يروين بالبارد العذب
وقالت أم خالد النميرية [تشبب بأثال الكلابى «١» ] :
إذا ما أتتنا الريح من نحو أرضه ... أتتنا بريّاه فطاب هبوبها «٢»
أتتنا بمسك خالط المسك عنبر ... وريح خزامى باكرتها جنوبها
أحنّ لذكراه إذا ما ذكرته ... وتنهلّ عبرات تفيض غروبها «٣»
حنين أسير نازح شدّ قيده ... وإعوال نفس غاب عنها حبيبها
стр. 984
وأنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى [ثعلب] ، لأم الضحاك المحاربية وكانت تحب رجلا من الضّباب حبا شديدا:
يأيها الراكب الغادى لطيّته ... عرّج أبثّك عن بعض الذى أجد
ما عالج الناس من وجد تضمّنهم ... إلا وجدت به فوق الذى وجدوا
حسبى رضاه وأنّى فى مسرّته ... ووده آخر الأيام أجتهد
وقالت:
هل القلب إن لاقى الضّبابىّ خاليا ... لدى الرّكن أو عند الصّفا ينحرّج
وأزعجنا قرب الفراق، وبيننا ... حديث كتنفيس المريضين مزعج
حديث لو أنّ اللحم يشوى بحره ... غريضا أتى أصحابه وهو منضج
وأنشد الزبير بن بكار لحليمة الخضرية، وقد أنشدها المبرد لنبهان العبشمى «١» وهو أشبه «٢» :
يقرّ بعينى أن أرى من مكانه ... ذرى عقدات الأجرع المتقاود
وأن أرد الماء الذى شربت به ... سليمى وإن ملّ السّرى كلّ واحد
وألصق أحشائى ببرد ترابه ... وإن كان مخلوطا بسمّ الأساود
وقالت الفارعة بنت شداد ترثى أخاها مسعودا:
يا عين بكّى لمسعود بن شدّا ... بكاء ذى عبرات شجوه بادى
من لا يذاب له شحم السّديف ولا ... يجفو العيال إذ ما ضنّ بالزاد
ولا يحلّ إذ ما حلّ منتبذا ... يخشى الرزية بين المال والنادى
قوّال محكمة، نقّاض مبرمة ... فتاح مبهمة، حبّاس أوراد
قتّال مسغبة، وثّاب مرقبة ... منّاع مغلبة، فكّاك أقياد
حلّال ممرعة، فرّاج مفظعة ... حمّال مضلعة، طلّاع أنجاد
стр. 985
حمّال ألوية، شهّاد أندية ... شدّاد أوهية، فرّاج أسداد
جمّاع كلّ خصال الخير قد علموا ... زين القرين ونكل الظالم العادى
أبا زرارة لا تبعد فكلّ فتى ... يوما رهين صفيحات وأعواد
هلا سقيتم، بنى جرم، أسيركم ... نفسى فداؤك من ذى كربة صادى
نعم الفتى، ويمين الله، قد علموا ... يخلو به الحىّ أو يغدو به الغادى
هو الفتى يحمد الجيران مشهده ... عند الشتاء وقد همّوا بإخماد
الطاعن الطعنة النّجلاء يتبعها ... مثعنجرا بعد ما تغلى بإزباد
والسابىّ الزّق للأضياف إن نزلوا ... إلى ذراه وغيث المحوج الغادى
والمحسنات من النساء كثير، وقد تفرّق لهن فى أضعاف هذا الكتاب ما اختير.
[عبرات المحبين]
وأنشد أحمد بن يحيى ثعلب:
ومستنجد بالحزن دمعا كأنه ... على الخد مما ليس يرقا حائر «١»
إذا ديمة منه استقلّت تهلّلت ... أوائل أخرى مالهنّ أواخر
ملا مقلتيه الدمع حتى كأنه ... لما انهلّ من عينيه فى الماء ناظر «٢»
وينظر من بين الدموع بمقلة ... رمى الشوق فى إنسانها فهو ساهر
وقال آخر- ورويت لقيس بن الملوّح:
نظرت كأنى من وراء زجاجة ... إلى الدار من ماء الصبابة أنظر
فعيناى طورا يغرقان من البكا ... فأعشى، وطورا تحسران فأبصر
وقال غيلان:
وما شنّتا خرقاء واهية الكلى ... سقى بهما ساق ولما تبلّلا
بأضيع من عينيك للدّمع كلّما ... توهمت ربعا أو توسّمت منزلا
стр. 986
وقال آخر:
ومما شجانى أنها يوم ودّعت ... تولّت وماء الجفن فى العين حائر «١»
فلما أعادت من بعيد بنظرة ... إلىّ التفاتا أسلمته المحاجر «٢»
أبو عبادة البحترى:
وقفنا والعيون مشغلّات ... يغالب طرفها نظر كليل
نهته رقبة الواشين حتى ... تعلّق لا يغيض ولا يسيل
وأنشد أبو الحسن [جحظة] :
ومن طاعتى إياه أمطر ناظرى ... إذا هو أبدى من ثناياه لى برقا
كأنّ دموعى تبصر الوصل هاربا ... فمن أجله تجرى لتدركه سبقا
أخذ البيت الأول المتنبى فقال:
يبتلّ خدّى كلما ابتسمت ... من مطر برقه ثناياها
وقال أبو الشيص، واسمه محمد بن عبيد الله، وهو ابن عم دعبل:
وقائلة وقد بصرت بدمع ... على الخدين منحدر سكوب
أتكذب فى البكاء وأنت جلد ... قديما ما جسرت على الذنوب
قميصك والدموع تجول فيه ... وقلبك ليس بالقلب الكثيب
كمثل قميص يوسف حين جاءوا ... عليه عشية بدم كذوب
[فقلت لها: فداك أبى وأمى ... رجمت بسوء ظنك فى الغيوب]
أما والله لو فتّشت قلبى ... لسرّك بالعويل وبالنحيب
دموع العاشقين إذا تلاقوا ... بظهر الغيب ألسنة القلوب
стр. 987
[من أخبار العباس بن الأحنف]
وقال بشار بن برد: ما زال فتى من بنى حنيفة يدخل نفسه فينا ويخرجها منا حتى قال:
نزف البكاء دموع عينك فاستعر ... عينا لغيرك دمعها مدرار
من ذا يعيرك عينه تبكى بها ... أرأيت عينا للبكاء تعار؟!
قال: وهذا الذى عناه بشار هو أبو الفضل العباس بن الأحنف بن طلحة ابن هرون بن كلدة بن خزيم بن شهاب [بن سالم] بن حبة بن كليب بن عدى ابن عبد الله بن حنيفة، وكان كما قال بعض من وصفه: كان أحسن خلق الله إذا حدّث حديثا، وأحسنهم إذا حدث استماعا، وأمسكهم عن ملاحاة إذا خولف، وكان ملوكى المذهب، ظاهر النّعمة، حسن الهيئة، وكانت فيه آلات الظّرف، كان جميل الوجه، فاره المركب، نظيف الثّوب، حسن الألفاظ، كثير النوادر، رطيب الحديث، باقيا على الشراب، كثير المساعدة، شديد الاحتمال، ولم يكن هجّاء، ولا مدّاحا، كان يتنزّه عن ذلك، ويشبّه من المتقدمين بعمر بن أبى ربيعة.
وسئل أبو نواس عن العباس وقد ضمّهما مجلس فقال: هو أرق من الوهم، وأحسن من الفهم.
وكان أبو الهذيل العلاف المعتزلى إذا ذكره لعنه وزنّاه لأجل قوله:
وضعت خدّى لأدنى من يطيف بكم ... حتى احتقرت وما مثلى بمحتقر «١»
إذا أردت انتصارا كان ناصركم ... قلبى، وما أنا من قلبى بمنتصر
فأكثروا أو أقلّوا من ملامكم ... فكلّ ذلك محمول على القدر
стр. 988
وقوله فى البيت الأوسط كقوله:
قلبى إلى ما ضرّنى داعى ... يكثر أسقامى وأوجاعى
لقلما أبقى على ما أرى ... يوشك أن ينعانى الناعى «١»
كيف احتراسى من عدوى إذا ... كان عدوى بين أضلاعى
وقيل [لعنان] جارية الناطفى: من أشعر الناس؟ قالت: الذى يقول
وأهجركم حتى يقولوا: لقد سلا ... ولست بسال عن هواك إلى الحشر
ولكن إذا كان المحب على الذى ... يحب شفيقا نازع الناس بالهجر
وقال [العباس] :
جرى السيل فاستبكانى السيل إذ جرى ... وفاضت له من مقلتىّ غروب
وما ذاك إلا أن تيقّنت أنه ... يمرّ بواد أنت منه قريب
يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى ... إليكم تلقّى طيبكم فيطيب
فياساكنى شرقىّ دجلة كلكم ... إلى القلب من أجل الحبيب حبيب
وقال الصولى: ناظر أبو أحمد على بن يحيى المنجم رجلا يعرف بالمتفقه الموصلى فى العباس بن الأحنف والعتّابى، فعمل علىّ فى ذلك رسالة أنفذها لعلى بن عيسى؛ لأن الكلام فى مجلسه جرى. وكان مما خاطبه به أن قال:
ما أهّل نفسه قطّ العتّابى لتقديمها على العباس فى الشعر، ولو خاطبه مخاطب لدفعه وأنكره؛ لأنه كان عالما لا يؤتى من قلة معرفة بالشعر، ولم أر أحدا من العلماء بالشعر مثل العتّابى والعباس، فضلا عن تقديم العتّابى عليه لتباينهما [فى ذلك] ، وإن العتابى متكلف، والعباس يتدفّق طبعا؛ وكلام هذا سهل عذب، وكلام ذاك متعقّد كزّ، وفى شعر هذا رقّة وحلاوة، وفى شعر ذاك غلظ وجساوة، وشعر هذا فى فنّ واحد وهو الغزل؛ وأكثر فيه وأحسن، وقد افتنّ العتّابى فلم يخرج فى شىء منه عمّا وصفناه.
стр. 989
وإن من أحسن شعر العتابى قصيدته التى مدح بها الرشيد وأولها:
يا ليلة لى فى حوران ساهرة ... حتى تكلّم فى الصبح العصافير
وقال فيها:
أفى الأماقى انقباض عن جفونهما ... أم فى الجفون عن الآماق تقصير
وهذا البيت أخذه من قول بشار الذى أحسن فيه كل الإحسان وهو قوله:
جفت عينى عن التغميض حتّى ... كأنّ جفونها عنها قصار
فمسخه العتابى، على أن بشارا أخذه من قول جميل:
كأنّ المحبّ لطول السّهاد ... قصير الجفون ولم تقصر
إلا أن بشارا أحسن فيه؛ فنازعهما إياه فأساء، وإنّ حقّ من أخذ معنى قد سبق إليه أن يصنعه أجود من صنعة السابق إليه، أو يزيد عليه، حتى يستحقه، وأما إذا قصّر عنه فهو مسىء معيب بالسرقة، مذموم على التقصير.
ولقد هاجى أبا قابوس النصرانىّ فغلّب عليه فى كثير مما جرى بينهما على ضعف منّة أبى قابوس فى الشعر، ثم قال فى هذه القصيدة:
ماذا عسى مادح يثنى عليك وقد ... ناداك بالوحى تقديس وتطهير
فتّ الممادح إلّا أنّ ألسننا ... مستعلنات بما تخفى الضمائير «١»
فختم البيت فيها بأثقل لفظة لو وقعت فى البحر لكدّرته، وهى صحيحة، وما شىء أملك بالشعر بعد صحّة المعنى من حسن صحّة اللفظ، وهذا عمل التكلف، وسوء الطبع.
وللعباس بن الأحنف إحسان كثير، ولو لم يكن إلا قوله:
أنكر الناس ساطع المسك من دجلة ... قد أوسع المشارع طيبا
стр. 990
فهم يعجبون منه وما يد ... رون أن قد حللت منه قريبا
قاسمينى هذا البلاء، وإلّا ... فاجعلى لى من التعزّى نصيبا
إنّ بعض العتاب يدعو إلى العت ... ب، ويؤذى به المحبّ الحبيبا
وإذا ما القلوب لم تضمر العط ... ف فلن يعطف العتاب القلوبا «١»
وقوله:
قالت مرضت فعدتها فتبرّمت ... وهى الصحيحة والمريض العائد
تالله لو أنّ القلوب كقلبها ... ما رقّ للولد الصغير الوالد
إن كان ذنبى فى الزيارة فاعلمى ... إنى على كسب الذنوب لجاهد «٢»
ألقيت بين جفون عينى فرقة ... فإلى متى أنا ساهر يا راقد
يقع البلاء وينقضى عن أهله ... وبلاء حبّك كلّ يوم زائد
سمّاك لى ناس وقالوا: إنها ... لهى التى تشقى بها وتكابد
فجحدتهم ليكون غيرك ظنهم ... إنى ليعجبنى المحبّ الجاحد
وقوله:
إنى وإن كنت قد أسأت بى ال ... يوم لراج للعطف منك غدا
أستمتع الله بالرجاء وإن ... لم أر منكم ما أرتجى أبدا
وله:
أهدى له أحبابه أترجّة ... فبكى وأشفق من عيافة زاجر
متطيرا منها أتته وجسمها ... لونان باطنها خلاف الظّاهر
ولئن وفّى أبو أحمد العباس حقّه، لقد ظلم العتّابى ما كان مستحقه، من سر الكلام، وجودة رصف النظام. قال الصولى فى نسب العباس- وكان من
стр. 991
خؤولته-: هو العباس بن الأحنف بن الأسود بن قدامة بن هيمان من بنى [هفّان بن الحارث بن] ذهل بن [الديل بن] حنيفة. وله يقول الصريع يهجوه:
بنو حنيفة لا يرضى الدّعىّ بهم ... فاترك حنيفة واطلب غيرها نسبا
اذهب إلى عرب ترضى بنسبتهم ... إنى أرى لك لونا يشبه العربا
وقال [أبو أحمد: قال] العباس:
حرّ دعاه الهوى سرّا فلباه ... طوعا فأضحك مولاه وأبكاه
فشاهدت بالذى يخفى لواحظه ... وعدّلتها بفيض الدمع عيناه
جازيتنى إذ رعيت الودّ بعدك أن ... وكّلت طرفى بنجم الليل يرعاه
الله يشهد أنى لم أخنك هوى ... كفاك بيّنة أن يشهد الله
وقال:
يا من يكاتمنى تغيّر قلبه ... سأكفّ نفسى قبل أن تتبرما «١»
وأصدّ عنك وفى يدىّ بقيّة ... من حبل ودّك قبل أن يتصرّما
يا للرجال لعاشقين تواقفا ... وتخاطبا من غير أن يتكلما
حتى إذا خافا العيون وأشفقا ... جعلا الإشارة بالأنامل سلّما
وقال:
الله يعلم ما أردت بهجركم ... إلّا مساترة العدوّ الكاشح
وعلمت أن تستّرى وتباعدى ... أبقى لوصلك من دنوّ فاضح
وقال:
يهيم بحرّان الجزيرة قلبه ... وفيها غزال فاتر الطّرف ساحره
بؤازره قلبى علىّ وليس لى ... يدان بمن قلبى علىّ يؤازره «٢»
стр. 992
[العين والقلب]
وقد قال سهل بن هرون:
أعان طرفى على قلبى وأعضائى ... بنظرة وقفت جسمى على دائى
وكنت غرّا بما يجنى على بدنى ... لا علم لى أنّ بعضى بعض أعدائى
وقال النظام:
إنّ العيون على القلوب إذا جنت ... كانت بليتها على الأجساد
البحترى:
ولست أعجب من عصيان قلبك لى ... حقّا إذا كان قلبى فيك يعصينى
وقال الأصمعى: سمعت الرشيد يقول: قلب العاشق عليه مع معشوقه.
فقلت: هذا والله يا أمير المؤمنين أحسن من قول عروة بن حزام لعفراء فى أبياته التى أنشدها:
وإنّى لتعرونى لذكراك روعة ... لها بين جلدى والعظام دبيب
وما هو إلّا أن أراها فيه فجاءة ... فأبهت حتى لا أكاد أجيب «١»
وأصرف عن دائى الذى كنت أرتئى ... ويقرب منّى ذكره ويغيب
ويضمر قلبى غدرها ويعينها ... علىّ، ومالى فى الفؤاد نصيب
فقال الرشيد: من قال ذلك وهما، فقد قلته علما.
[من مأثور الحكم]
قال على بن عبيدة الريحانى: احم ودّك فإنه عرضك، وصن الأنس بك فإنه يغزر «٢» حظك، ولا تستكثر من الطمأنينة إلا بعد استحكام الثّقة؛ فإن الأنس سريرة العقل، والطمأنينة بذلة المتحابيّن، وليس لك بعدهما تحفة تمنحها صاحبك، ولا حباء توجب به الشكر على من اصطفيت.
стр. 993
وقال: ما أنصف من عاتب أخاه بالإعراض على ذنب كان منه، أو هجره لخلاف بما يكره عنده، إذا كان لا يعتدّ فى سالف أيام العشرة إلا بالرضا عنه، ومشاكلته فيما يؤنسه منه. فإن كان العاتب شكا جميع ما ستره من أخيه أولا، فلقد تتمّم الموافقة حظّ الاغتفار، وإن لم يكن وفى له بكلّ ما استحقّ منه فليقتصّ ممّا وجب منه عليه لأخيه بقدر ذنبه، ثم العودة إلى الألفة أولى من تشتّت الشّمل، وأشبه بأهل التصافى، وأكرم فى الأحدوثة عند الناس.
وقال: الحياء لباس سابغ، وحجاب واق، وستر من المساوى، وأخو العفاف، وحليف الدّين، ومصاحب بالصّنع. ورقيب من العصمة، وعين كالئة «١» تذود عن الفساد، وتنهى عن الفحشاء والأدناس.
وقال: لا يخلو أحد من صبوة إلّا أن يكون جاسى الخلقة «٢» ، منقوص البنية، أو على خلاف تركيب الاعتدال.
[الهوى]
ورأى سعيد بن سلم «٣» بن قتيبة ابنا له قد شرع فى رقيق الشعر وروايته، فأنكر عليه، فقيل له: إنه قد عشق، فقال: دعوه فإنه يلطف، وينظف، ويظرف.
وقال الفضل بن أحمد بن أبى طاهر «٤» ، واسم أبى طاهر طيفور: وصف الهوى قوم وقالوا: إنه فضيلة، وإنه ينتج الحيلة، ويشجّع قلب الجبان، ويسخّى قلب البخيل، ويصفّى ذهن الغبى، ويطلق بالشّعر لسان المفحم، ويبعث حزم العاجز الضعيف، وإنه عزيز تذل له عزّة الملوك، وتضرع فيه صولة الشجاع، وتنقاد له طاعة كل ممتنع، ويذلّل كلّ مستصعب، ويبرز كل محتجب، وهو داعية الأدب، وأول باب تفتّق به لأذهان والفطن،
стр. 994
وتستخرج به دقائق المكايد والحيل، وإليه تستريح الهمم، وتسكن نوافر الأخلاق والشّيم «١» ، يمتّع جليسه، ويؤنس أليفه، وله سرور يجول فى النفس، وفرح مستكن فى القلب، وبه يتعاطف أهل المودّة، ويتّصل أهل الألفة، وعليه تتألّف الأشكال، وله صولات على القدر، ومكايد تبطل لطائف الحيل، وظرف يظهر فى الأخلاق والخلق، وأرواح تسطع من أهلها، وتعبق من ذويها.
وقال اليمانى بن عمرو مولى ذى الرياستين: كان ذو الرياستين يبعث بى وبأحداث من أهله إلى شيخ بخراسان ويقول: تعلّموا منه الحكمة؛ فكنّا نأنيه، وإذا انصرفنا من عنده اعترضنا ذو الرياستين يسألنا عما أفادنا فنخبره؛ فسرنا إلى الشيخ يوما فقال لنا: أنتم أدباء، وقد سمعتم الحكمة، وفيكم أحداث، ولكم نعم، فهل فيكم عاشق؟ قلنا: لا، قال: اعشقوا؛ فإنّ العشق يطلق الغبىّ، ويفتح جبلّة البليد، ويسخّى كفّ البخيل، ويبعث على النظافة وحسن الهيئة، ويدعو إلى الحركة والذكاء، وشرف الهمة، وإياكم والحرام.
قال: فانصرفنا، فسألنا عما أفادنا فى يومنا؛ فهبناه أن نخبره، فعزم علينا.
فقلنا له: أمرنا بكذا وكذا، قال: صدق، أتعلمون من أين أخذ هذا الأدب؟
قلنا: لا. قال: إن بهرام جور كان له ابن رشّحه للملك من بعده، فنشأ ساقط الهمّة، خامل المروءة، دنىء النفس، سيّىء الأدب، كليل القريحة، كهام الفكر «٢» ؛ فغمّه ذلك، ووكّل به من المؤدبين والمنجّمين والحكماء من يلازمه ويعلّمه، وكان يسألهم فيحكون له ما يسوءه، إلى أن قال له بعض مؤدبيه: قد كنا نخاف سوء أدبه فحدث من أمره ما صرنا إلى اليأس منه، قال: وما ذلك؟ قال:
رأى ابنة فلان المرزبان فعشقها فغلبت عليه، فهو لا يهذى إلّا بأمرها، ولا يتشاغل إلّا بذكرها فقال بهرام جور: الآن رجوت صلاحه.
стр. 995
ثم دعا بأبى الجارية فقال: إنى مسرّ لك سرّا فلا يعدونّك «١» . فضمن له ستره فأعلمه أن ابنه قد عشق ابنته، وأنه يريد أن ينكحها إياه، وأمره أن يأخذها بإطماعه بنفسها، ومراسلته من غير أن يراها، أو تقع عينه عليها؛ فإذا استحكم طمعه فيهما تجنّت عليه، وهجرته، فإذا استعتبها أعلمته أنها لا تصلح إلّا لملك، أو من همّته همة ملك، وأن ذلك يمنعها من مواصلته، ثم ليعلمه خبرها وخبره، ولا يطلعها على ما أسرّ إليه، فقبل ذلك أبوها منه.
ثم قال للمؤدّب: خوّفه بى، وشجّعه على مراسلة الجارية، ففعل ذلك، وفعلت الجارية ما أمرها به أبوها؛ فلما انتهت إلى التجنّى عليه، وعلم الفتى السبب الذى كرهته من أجله أخذ فى الأدب، وطلب الحكمة، والعلم، والفروسية، ولعب الصّوالجة، والرّماية، حتى مهر فى ذلك، ورفع إلى أبيه أنه يحتاج من المطاعم والآلات والدوابّ والملابس والوزراء فوق الذى كان له؛ فسرّ الملك بذلك، وأمر له بما أراد، ودعا بمؤدّبه، فقال: إنّ الموضع الذى وضع ابنى نفسه فيه بحبّ هذه المرأة لا يزرى به «٢» ؛ فتقدّم إليه أن يرفع أمرها إلىّ ويسألنى أن أزوّجه إياها، ففعل، فزوّجها منه، وأمر بتعجيل نقلها إليه، وقال له: إذا اجتمعت أنت وهى فلا تحدث شيئا حتى أصير إليك. فلما اجتمعا صار إليه فقال: يا بنى، لا يضعنّ منها عندك مراسلتها إياك، وليست فى حبالك، فأنا أمرتها بذلك، وهى من أعظم الناس منّة عليك، بما دعتك إليه من طلب الحكمة، والتخلّق بأخلاق الملوك، حتى بلغت الحدّ الذى تصلح معه للملك بعدى؛ فزدها فى التشريف والإكرام بقدر ما تستحقّ منك. ففعل الفتى ذلك، وعاش مسرورا بالجارية، وأبوه مسرورا به، وزاد فى إكرام المرزبان، ورفع مرتبته وشرفه بصيانته لسره وطاعته، وأحسن جائزته وجائزة المؤدب
стр. 996
بامتثاله أمره، وعقد لابنه الملك من بعده. قال اليمانى: وكان الشيخ الحسن بن مصعب.
ثم قال ذو الرياستين: قال على بن بلال:
سيهلك فى الدنيا شفيق عليكم ... إذا غاله من حادث الدّهر غائله
ويخفى لكم حبّا شديدا ورهبة ... وللناس أشغال، وحبّك شاغله
كريم يميت السرّ حتى كأنه ... إذا استخبروه عن حديثك، جاهله
يودّ بأن يمسى عليلا لعلّها ... إذا سمعت عنه بشكوى تراسله
ويرتاح للمعروف فى طلب العلا ... لتحمد يوما عند ليلى شمائله «١»
وذكر أعرابى الهوى فقال: هو أعظم مسلكا فى القلب من الرّوح فى الحسم، وأملك بالنفس من النّفس. يظهر ويبطن، ويكثف ويلطف، فامتنع عن وصفه اللسان، وعيى عنه البيان! فهو بين السّحر والجفون، لطيف المسلك والكمون. وأنشد:
يقولون لو دبّرت بالعقل حبّها ... ولا خير فى حبّ يدبّر بالعقل
[من رسائل الميكالى]
فصل للأمير أبى الفضل الميكالى:
لا زالت الأيام تزيد رتبته ارتفاعا، وباعه اتّساعا، وعزّته غلبة وامتناعا، فلا يبقى مجد إلا شيّدته معاليه ومكارمه، ولا ملك إلّا افترعته صرائمه وصوارمه.
وله فصل: لا زالت حياة الأحرار بفضله متّسمة، ووجوه المكارم بغرر أيامه مبتسمة، وأهواء الصدور بخدمة ودّه مرتسمة، [وغنائم الشكر بين محاسن قوله وفعله مقتسمة] .
وله: الله يديم راية الأمير الجليل محفوفة بالفلج والنصر، مكنوفة «٢» بالغلبة
стр. 997
والقهر، حتى لا يزاول خطبا إلا تذلّلت به صعابه، ولا يمارس أمرا إلا تيسّرت أسبابه، ولا يروم «١» حالا إلا أذعن لهيبته وسلطانه، وخضع لسيفه وسنانه، وذلّ لمعقد لوائه، ومنثنى عنانه، إلى أن ينال من آماله أقاصيها، ويملك من باغيه أزمّتها ونواصيها [ويسامى الثريا بعلوّ همته ويناصيها] .
وله فصل: إنما أشكو إليك زمانا سلب ضعف ما وهب، وفجع بأكثر مما أمتع، وأوحش فوق ما آنس، وعنف فى نزع ما ألبس؛ فإنه لم يذقنا حلاوة الاجتماع، حتى جرّعنا مرارة الفراق، ولم يمتعنا بأنس الالتقاء، حتى غادرنا رهن التلهّف والاشتياق، والحمد لله تعالى على كل حال يسىء ويسر، ويحلو ويمر، ولا أيأس من روح الله فى إباحة صنع يجعل ربعه مناخى «٢» ، ويقصّر مدة البعاد والتراخى، فألاحظ الزمان بعين راض، ويقبل إلىّ حظّى بعد إعراض، وأستأنف بعزّته عيشا سابغ الذيول والأعطاف، رقيق المعانى والأوصاف، عذب الموارد والمناهل، مأمون الآفات والغوائل.
وله فصل: أنا أسأل الله تعالى أن يردّ على برد العيش الذى فقدته، وفسحة السرور الذى عهدته؛ فيقصر من الفراق أمده، ويعلو للالتقاء حكمه ويده، ويرجع ذلك العهد الذى رقّت غلائله، وصفت من الأقذاء مناهله، فلم أتهنّأ بعده بأنس مقيم، ولا تعلّقت يوما إلا بعيش بهيم.
فلو ترجع الأيام بينى وبينه ... بذى الأثل صيفا مثل صيفى ومربعى
أشدّ بأعناق النوى بعد هذه ... مرائر إن جاذبتها لم تقطّع
وما على الله بعزيز أن يقرّب بعيدا، ويهب طالعا سعيدا، ويسهّل عسيرا، ويفكّ من رقّ الاشتياق أسيرا.
стр. 998
وله فصل من كتاب إلى أبى منصور عبد الملك الثعالبى:
قرأت خبر سلامته، فسرى السرور فى الجوانح، واهتزّت النفس له اهتزاز الغصن تحت البارح:
أليس لأخبار الأحبّة فرحة ... ولا فرحة العطشان فاجأه القطر
يقولون: قد أوفى لوقت كتابه ... فتنتشر البشرى وبنشرح الصّدر
ثم سألت الله تعالى أن يحرس علينا سلامته سابغة الملابس والمطارف، موصولة التالد بالطّارف.
وله فصل من كتاب تعزية عن أبى العباس بن الإمام أبى الطيب:
لئن كانت الرزيّة ممضّة مؤلمة، وطرق العزاء والسلوة مبهمة، لقد حلّت بساحة من لا تنتقض بأمثالها مرائره، ولا تضعف عن احتمالها بصائره، قد يتلقّاها بصدر فسيح، يحمى أن يبيخ الحزن جنابه، وصبر مشيح، يحمى أن يحبط الجزع أجره وثوابه؛ كيف لا وآداب الدين من عنده تلتمس، وأحكام الشرع من لسانه ويده تستفاد وتقتبس، والعيون ترمقه فى هذه الحال لتجرى على سننه، وتأخذ بآدابه وسننه؛ فإن تعزّت القلوب فبحسب تماسكه عزاؤها، وإن حسنت الأفعال فإلى حميد أفعاله ومذاهبه اعتزاؤها.
[من شعر الميكالى] جملة من شعره فى تحسين القوافى والغزل قال:
عذيرى من جفون راميات ... بسهم السّحر من عينى غزال
غزانى طرفه حتى سبانى ... لأنتصرنّ منه بمن غزالى
وله أيضا:
أما حان أن يشتفى المستهام ... بزورة وصل وتأوى له «١»
стр. 999
يجمجم عن سؤله هيبة ... ويعلم؟؟؟ علمك تأويله
وقال أيضا:
شكوت إليه ما ألاقى فقال لى: ... رويدا ففى حكم الهوى أنت مؤتلى
فلو كان حقّا ما ادّعيت من الجوى ... لقلّ بما ألقى إذا أن تموت لى
وقال أيضا:
تفرّق قلبى فى هواه فعنده ... فريق وعندى شعبة وفريق
إذا ظمئت نفسى أقول لها: اسقنى ... فإن لم يكن راح لديك فريق «١»
وقال أيضا:
شافه كفّى رشأ ... بقبلة ما شفت
فقلت إذ قبّلها ... يا ليت كفّى شفتى
وقال:
يا شادنا غاب نجم الحسن لولاه ... قد كان يوسف لما مات ولّاه
ولّاه رقّى ظرف فى شمائله ... فاشتطّ فى الحكم لولا أن تولّاه
ارحم فتى مدنفا ما إن يخلّصه ... من غمرة الوجد إلا أنت والله
[الاهتزاز لقضاء حوائج الناس]
قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: حدثنى أبو الهيثم بن السندى بن شاهك قال: قلت فى أيام ولايتى الكوفة لرجل من أهلها لا يجفّ قلمه ولا تستريح يده، ولا تسكن حركته فى طلب حوائج الناس، وإدخال المنافع على الضعفاء، وكان رجلا مفوّها: أخبرنى عن الشىء الذى هوّن عليك النصب، وقوّاك على التّعب، ما هو؟
стр. 1000
قال: قد، والله، سمعت تغريد الأطيار بالأسحار على أفنان الأشجار، وسمعت [خفق] أوتار العيدان، وترجيع أصوات القيان، فما طربت من صوت قطّ طربى من ثناء حسن، على رجل قد أحسن، ومن شاكر منعم، ومن شفاعة شفيع محتسب لطالب ذاكر فقال أبو الهيثم: فقلت له: لله أبوك! لقد حشيت كرما! فبأى شىء سهلت عليك المعاودة والطلب؟ قال: لا أبلغ المجهود، ولا أسأل إلا ما يجوز، وليس صدق العذر بأكره إلىّ من إنجاز الوعد، ولست لإكراه السائل بأكره منى لإجحاف المسئول، ولا أرى الراغب أوجب حقا علىّ للذى قدم من حسن ظنه من المرغوب إليه للذى احتمل من كله. قال إبراهيم: ما سمعت كلاما قطّ أشدّ مؤالفة لموضعه، ولا أليق بمكانه، من هذا الكلام.
[بين عميلة الفزارى وأسيد بن عنقاء]
وروى أبو بكر بن شقير النحوى عن أحمد بن عبيد قال:
كان أسيد بن عنقاء الفزارى من أكبر أهل زمانه «١» ، وأشدّهم عارضة ولسانا، وطال عمره، ونكبه دهره؛ فاختلّت حاله، فخرج يتبقل «٢» لأهله؛ فمرّ عليه عميلة الفزارى، فسلم عليه، وقال: يا عم؛ ما أصارك إلى ما أرى؟ قال: بخل مثلك بماله، وصون وجهى عن مسألة الناس. قال: أما والله لئن بقيت إلى غد لأغيرنّ من حالك ما أرى، فرجع ابن عنقاء إلى أهله فأخبرهم بما قال عميلة، فقالوا له: غرّك كلام غلام جنح ظلام فكأنما ألقموا فاه حجرا؛ فبات متململا بين رجاء ويأس، فلما كان السّحر سمع رغاء الإبل، وثغاء الشاء، وصهيل الخيل، ولجب الأموال، فقال: ما هذا؟
стр. 1001
قالوا: عميلة قد ساق إليك ماله، فخرج ابن عنقاء له «١» ، فقسم ما له شطرين، وساهم عليه، فأنشأ ابن عنقاء يقول:
رآنى على ما بى عميلة فاشتكى ... إلى ماله حالى، أسرّ كما جهر
دعانى فواسانى، ولو ضنّ لم يلم ... على حين لا بدو يرجّى ولا حضر
فقلت له خيرا، وأثنيت فعله ... وأوفاك ما أوليت من ذمّ أوشكر «٢»
ولما رأى المجد استعيرت ثيابه ... تردّى بثوب سابغ الذيل واتزر «٣»
غلام رماه الله بالحسن يافعا ... له سيمياء لا تشقّ على البصر
كأنّ الثريا علّقت فى جبينه ... وفى أنفه الشّعرى وفى خدّه القمر
إذا قيلت العوراء أغضى كأنه ... ذليل بلا ذلّ، ولو شاء لانتصر
[من غرر المدائح]
وأنشد أبو حاتم عن أبى عبيدة للعرندس أحد بنى بكر بن كلاب يمدح بنى عمرو الغنويين، وكان الأصمعى يقول: هذا من «٤» المحال، كلابىّ يمدح غنويا!
هينون لينون أيسار ذوو كرم ... سوّاس مكرمة أبناء أيسار
إن يسألوا العرف يعطوه، وإن خبروا ... فى الجهد أدرك منهم طيب أخبار
لا ينطقون عن الأهواء إن نطقوا ... ولا يمارون إن ماروا بإكثار
من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التى يسرى بها السارى
منهم وفيهم يعدّ الخير متّلدا ... ولا يعدّ نثا خزى ولا عار
[صروف الدهر]
فصل لبعض الكتاب- ما تعجّبك مما لقيت من الحيف! هل ضمن الدهر أن
стр. 1002
ينصف ولا يحيف «١» ، أو يبرم فلا ينقض، أو يعافى فلا يمرض، أو يصفو فلا يكدّر، أو يفى فلا يغدر؟ قدّر أن تعذب لى مشاربه، وتلين لى جوانبه، فحكم الدنيا لا تترك حامدا لها إلّا أسكتته، ولا ضاحكا إلّا أبكته، أقوى ما كان بها ثقة، وأشد ما كان لها مقة «٢» ، وأوكد ما كان ركونا إليها، وأعظم ما كان حرصا عليها.
[من لا يوفى النعم حقّها]
وقال بعض الكتّاب يصف رجلا بالذم:
ما ظنّك بمن يعنف بالنعم عنف من ساءته مجاورتها، ويستخفّ بحقها استخفاف من ثقل عليه حملها، ويطّرح الشكر عليها اطراح من لا يعلم أن الشكر يرتبطها.
[عود إلى غرر المدائح]
وقال أبو الشيص:
يا من تمنّى على الدنيا مبالغها ... هلا سألت أبا بشر فتعطاها
ما هبّت الريح إلّا هبّ نائله ... ولا ارتقى غاية إلّا تخطّاها
غيره:
طلاب العلا إلّا عليك يسير ... وباع الأعادى عن مداك قصير
إذا عدّ أهل الفضل كنت الذى له ... وللفضل فيه أول وأخير
وقال أبو الحجناء الأصغر نصيب يصف إسحاق بن صباح:
كأنّ ابن صبّاح، وكندة حوله ... إذا ما بدا، بدر توسّط أنجما
على أنّ فى البدر المحاق، وإن ذا ... تمام فما يزداد إلا تتمما
стр. 1003
نرى المنبر الغربىّ يهتزّ تحته ... إذا ما علا أعواده وتكلّما
فأنت ابن خير الناس إلا نبوّة ... ومن قبلها كنت السنام المقدّما
ونصيب هو القائل فى البرامكة، وكان منقطعا إليهم:
عند الملوك مضرّة ومنافع ... وأرى البرامك لا تضرّ وتنفع
إن العروق إذا استسر بها الثّرى ... أثّ النبات بها وطاب المزرع «١»
فإذا جهلت من أمرىء أعراقه ... وقديمه فانظر إلى ما يصنع
أخذ هذا من قول سلم الخاسر:
لا تسأل المرء عن خلائقه ... فى وجهه شاهد من الخبر
وقال نصيب فى بنى سليمان بن علىّ:
بنى سليمان حزتم كلّ مكرمة ... وليس فوقكم فخر لمفتخر
لا تسأل المرء يوما عن خلائقه ... فى وجهه شاهد ينبيك عن خبر
حسب امرىء شرفا أن ساد أسرته ... وأنت سدت جميع الجنّ والبشر
سأل سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت رجلا حاجة، فلم يقضها، وسأل آخر، فقضاها، فقال للأول:
ذممت ولم تحمد، وأبت بحاجة ... تولّى سواكم شكرها واصطناعها
أبى لك فعل الخير رأى مقصّر ... ونفس أضاق الله بالبخل باعها
إذا ما أرادته على الخير مرّة ... عصاها، وإن همّت بشرّ أطاعها
[فعلات الأجواد]
قال رجل لهشام بن عبد الملك: قد افتقرت يا أمير المؤمنين إلى ظهور حسن رأيك، فإن رأيت إظهاره بسرور الصديق، ورغم العدو، فعلت،
стр. 1004
قال هشام: أوجزت وملحت فيما سألت؛ فلا تردّ لك طلبة، فما سأله شيئا إلا أعطاه أكثر منه.
قال حميد بن بلال: ولى عمرو بن مسعدة فارس وكرمان، فقال له بعض أصحابه: أيها الأمير، لو كان الحياء يظهر سؤالا لدعاك حيائى من كرمك فى جميع أهليك إلى الإقبال علىّ بما يكثر به حسد عدوّى، دون أن أسألك، فقال عمرو:
لا تبغ ذلك بابتذالك ماء وجهك، ونحن نغنيك عن اراقته فى خوض السؤال، فارفع ما تريده فى رقعة يصل إليك سرا، ففعل.
وقال رجل من أهل فارس: قدم على محمد بن طيفور، وهو عامل على بلاد أصبهان لبعض أهلها: كم تقدّرون صلات محمد فى كلّ سنة للشعراء والمتوسلين؟
قالوا: مائة ألف دينار، سوى الخلع والحملان «١» .
وورد عليه يوما كتاب من بعض إخوانه فى شأن رجل استماحه له فى درجه «٢» :
أنت أعزّك الله تعالى أجلّ من أن يتوسّل بغيرك إليك، وأن يستماح جودك إلّا بك، غير أنى أذكرك بكتابى فى أمر حامله، ما شرع كرمك [من الشكر] وزرع إحسانك من الأجر، قبل الصادرين والواردين؛ فهنّاك الله تعالى ذلك، ولا زالت يد الله بجميل إحسانه ونعمته متواترة عليك.
فقال محمد للرجل: احتكم لك وله؛ فأخذ منه ألف دينار، ولمن كتب له مثلها.
وقال رجل لإبراهيم بن المهدىّ: قد أوحشنى منك تردّد غليل فى صدرى أهابك عن إظهاره، واجلّك عن كشفه، فقال له إبراهيم: لكنى أكشف لك معروفى، وأطهر إحسانى؛ فإن يكن غير هذين فى خلدك، فاكتب رقعة يخرج توقيعى؟؟؟ سرا لتقف على ما تحبّ، فبلغ كلامه المهدى فقال: هذا والله غاية الكرم.
стр. 1005
وكتب محمد بن طيفور لبعض خاصته بمال كثير وصل به، فكتب الرجل إليه: قد استغرقت نعمتك وجوه الشكر لك، وغرر الحمد فيما سلف منك، ولولا فرط عجزى عن تلقّى ما يجب لك من الحمد لقبلت ما أنفذته.
فكتب إليه محمد: قد صغّر شكرك لنا ما أسلفناه إليك؛ فخذ ما أنفذناه ثوابا عن معرفتك بشكر التافه «١» عندى، وإلّا سمح شكرك بما رأيناك له أهلا إلى أن يتسع قبول مثلك ما يستحقّ به جميل الدعاء، وجزيل الثناء، إن شاء الله تعالى.
[من نوادر الرثاء]
ولما مات قرد زبيدة بنت جعفر ساءها ذلك، ونالها من الغمّ ما عرفه الصغير والكبير من خاصّتها، فكتب إليها أبو هارون العبدىّ:
أيتها السيدة الخطيرة؛ إنّ موقع الخطب بذهاب الصغير المعجب كموقع السرور بنيل الكثير المفرح، ومن جهل قدر التعزية عن التّافه الخفىّ، عمى عن التهنئة بالجليل السّنىّ، فلا نقصك الله الزائد فى سرورك، ولا حرمك أجر الذاهب من صغيرك.
فأمرت له بجائزة.
وكتب أبو إسحاق الصابى عن ابن بقية فى أيام وزارته إلى أبى بكر بن قريعة يعزّيه عن ثور أبيض بقوله، وجلس للعزاء عنه تراقعا وتحامقا:
التعزية على المفقود أطال الله بقاء القاضى إنما تكون بحسب محلّه من فاقده، من غير أن تراعى قيمته ولا قدره، ولا ذاته ولا عينه؛ إذ كان الغرض فيها تبريد الغلّة، وإخماد اللّوعة، وتسكين الزّفرة، وتنفيس الكربة، فربّ ولد
стр. 1006
عاق، وشقيق مشاقّ، ودى رحم أصبح لها قاطعا، [ولأهله فاجعا] ، وقريب قوم قد قلّدهم عارا، وناط بهم شنارا، فلا لوم على ترك التعزية عنه، وأحر بها أن تستحيل تهنئة بالراحة منه؛ وربّ مال صامت غير ناطق، قد كان صاحبه به مستظهرا، وله مستثمرا، فالفجيعة به إذا فقد موضوعة موضعها، والتعزية عنه واقعة منه موقعها. وقد بلغنى أن القاضى أصيب بثور كان له، فجلس للعزاء عنه شاكيا، وأجهش عليه باكيا، والندم عليه والها «١» ، وحكيت عنه حكايات فى التأبين له، وإقامة النّدبة عليه، وتعديد ما كان فيه من فضائل البقر التى تفرقت فى غيره، واجتمعت فيه وحده؛ فصار كما قال أبو نواس، فى مثله من الناس:
ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم فى واحد
لأنه يكرب الأرض مغمورة «٢» ، ويثيرها مزروعة، ويرقص فى الدواليب ساقيا وفى الأرحاء طاحنا، ويحمل الغلّات مستقلا، والأثقال مستخفّا؛ فلا يؤوده عظيم، ولا يعجزه جسيم، ولا يجرى فى الحائط»
مع شقيقه، ولا فى الطريق مع رفيقه، إلا كان جلدا لا يسبق، ومبرّرا لا يلحق، وفائتا لا ينال شأوه وغايته، ولا يبلغ مداه ونهايته. ويشهد الله أنّ ما ساءه ساءنى، وما آلمه آلمنى، ولم يجز عندى فى حق ودّه استصغار خطب جلّ عنده، فأرقه وأمضّه وأقلقه، ولا تهوين صعب بلغ منه وأرمضه، وشفّه وأمرضه؛ فكتبت هذه الرقعة، قاضيا بها من الحق فى مصابه هذا بقدر ما أظهر من إكباره إياه، وأبان من إعظامه له؛ وأسأل الله تعالى أن يخصّه من المعوضة بأفضل ما خص به البشر، عن البقر، وأن يفرد هذه البهيمة العجماء بأثرة من الثواب، يضيفها إلى المكلّفين من أهل
стр. 1007
الألباب «١» ؛ فإنها وإن لم تكن منهم، فقد استحقّت ألّا تفرد عنهم، بأن مسّ القاضى سببها، وصار إليه منتسبها، حتى إذا أنجز الله ما وعد به [عباده المؤمنين] من تمحيص سيئاتهم، وتضعيف حسناتهم، والإفضاء بهم إلى الجنة التى رضيها لهم دارا، وجعلها لجماعتهم قرارا؛ وأورد القاضى- أيّده الله تعالى- موارد أهل النعيم، مع أهل الصراط المستقيم، جاء وثوره هذا مجنوب معه، مسموح له به؛ وكما أنّ الجنة لا يدخلها الخبث، ولا يكون من أهلها الحدث، ولكنه عرق يجرى من أعراضهم، كذلك يجعل الله ثور القاضى مركبا من العنبر الشّخرى، وماء الورد الجورى؛ [فيصير ثورا له طورا؛ وجونة عطر «٢» له طورا] وليس ذلك بمستبعد ولا مستنكر، ولا مستصعب ولا متعذّر؛ إذ كانت قدرة الله بذلك محيطة، ومواعيده لأمثاله ضامنة، بما أعدّه الله فى الجنة لعباده الصادقين، وأوليائه الصالحين؛ من شهوات أنفسهم وملاذّ أعينهم، وما هو سبحانه مع غامر فضله وفائض كرمه، بمانعه ذلك مع صالح مساعيه، ومحمود شيمه؛ وقلبى متعلّق بمعرفة خبره، أدام الله عزّه فيما ادّرعه من شعار الصبر، واحتفظ به من إيثار الأجر، ورفع إليه من السكون لأمر الله تعالى فى الذى طرقه، والشكر له فيما أزعجه وأقلقه، فليعرفنى القاضى من ذلك ما أكون ضار با معه بسهم المساعدة عليه، وآخذا بقسط المشاركة فيه.
فصل من جواب أبى بكر: وصل توقيع سيدنا الوزير أطال الله بقاه، وأدام تأييده ونعماه، وأكمل رفعته وعلاه، وحرس مهجته ووقاه، بالتعزية عن الثور الأبيض، الذى كان للحرث مثيرا، وللدواليب مديرا، وبالسبق إلى سائر المنافع شهيرا، وعلى شدائد الزمان مساعدا وظهيرا «٣» . لعمرك لقد كان بعمله
стр. 1008
ناهضا، ولحماقات البقر رافضا، وأنّى لنا بمثله وشرواه «١» ، ولا شروى له؛ فإنه كان من أعيان البقر، وأنفع أجناسه للبشر، مضاف ذلك إلى خلّات لولا خوفى من تجدّد الحزن عليه، وتهييج الجزع وانصرافه إليه لعددتها؛ ليعلم- أدام الله عزه- أن الحزين عليه غير ملوم. وكيف يلام امرؤ فقد من ماله قطعة يجب فى مثلها الزكاة، ومن خدم معيشته بهيمة تعين على الصوم والصلاة، وقد احتذيت ما مثّله الوزير من جميل الاحتساب، والصبر على المصاب؛ فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون قول من علم أنه أملك لنفسه وماله وأهله «٢» وأنه لا يملك شيئا دونه؛ إذ كان جلّ ثناؤه، وتقدّست أسماؤه، هو الملك الوهّاب، المرتجع ما ارتجع مما يعوض عليه نفيس الثواب. وقد وجدت- أيد الله الوزير- للبقر خاصة فضيلة على سائر بهيمة الأنعام، تشهد بها العقول والأفهام، وذكر جملة من فضائلها.
وكأنّ أبا نواس فى قوله:
ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم فى واحد
نظر فى هذا المعنى إلى قول جرير:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلّهم غضابا
[عود إلى المختار من الرثاء]
وقالت امرأة من العرب، يقال: إنها امرأة العباس عمّ النبى ﷺ ، ترثى بنيها «٣» :
رعوا من المجد أكنافا إلى أجل ... حتى إذا كملت أظماؤهم وردوا
ميت بمصر، وميت بالعراق، ... وميت بالحجاز، منايا بينهم بدد
كانت لهم همم فرّقن بينهم ... إذا القعاديد عن أمثالهم قعدوا
стр. 1009
بثّ الجميل، وتفريج الجليل، وإعطاء الجزيل الذى لم يعطه أحد وقال عبدة بن الطبيب فى قيس بن عاصم:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترّحما
تحية من ألبسته منك نعمة ... إذا زار عن شحط بلادك سلّما «١»
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدّما
وقيس بن عاصم هو القائل:
إنى امرؤ لا يعترى حسبى ... دنس يغيّره ولا أفن
من منقر فى بيت مكرمة ... والأصل ينبت حوله الغصن «٢»
خطباء حين يقول قائلهم ... بيض الوجوه أعفّة لسن «٣»
لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لحسن جواره فطن
وقالت أخت الوليد بن طريف الشيبانى ترثيه:
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
فتى لا يعدّ الزاد إلّا من التّقى ... ولا المال إلّا من قنا وسيوف
عليك سلام الله وقفا؛ لأننى ... أرى الموت وقّاعا بكل شريف
فقدناك فقدان الربيع، وليتنا ... فديناك من فتياننا بألوف
وخرج الوليد فى أيام الرشيد، فقتله يزيد بن مزيد، وفى ذلك يقول بكر ابن النطاح الحنفى:
يا بنى تغلب لقد فجعتكم ... من يزيد سيوفه بالوليد
لو سيوف سوى سيوف يزيد ... قارعته لاقت خلاف السعود
واتر بعضها يقتل بعضا ... لا يفلّ الحديد غير الحديد
стр. 1010
[من شعر بكر بن النطاح]
وكان بكر كثير التعصب لربيعة والمدح فيهم، وهو القائل:
ومن يفتقر منّا يعش بحسامه ... ومن يفتقر من سائر الناس يسأل
ونحن وصفنا دون كل قبيلة ... بشدة بأس فى الكتاب المنزّل
وإنا لنلهو بالسيوف كما لهت ... فتاة بعفد أو سخاب قرنفل «١»
يريد قول الله : «سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ»
. جاء فى بعض التفاسير أنهم بنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب.
وبكر القائل أيضا فى أبى دلف:
يا عصمة العرب الذى لو لم يكن ... حيّا لقد كانت بغير عماد
إنّ العيون إذا رأتك حدادها ... رجعت من الإجلال غير حداد
وإذا رميت الثغر منك بعزمة ... فتّحت منه مواضع الأسداد
فكأن رمحك منقع فى عصفر ... وكأنّ سيفك سلّ من فرصاد
لوصال من غضب أبو دلف على ... بيض السيوف لذبن فى الأغماد
أذكى وأوقد للعداوة والقرى ... نارين نار وغى ونار زناد
وأبو دلف هو القاسم بن عيسى بن إدريس بن معقل بن عمير بن شنج بن معاوية بن خزاعى بن عبد العزّى بن دلف بن جشم بن قيس بن سعد بن عجل ابن لجيم.
وقد رويت الأبيات التى مرت لأخت الوليد بن طريف لعبد الملك بن بجرة النميرى.
وقال أبو هفّان واسمه منصور بن بجرة، قال: أنشدنى دعبل لنفسه:
وداعك مثل وداع الربيع ... وفقدك؟؟؟ مثل افتقاد الدّيم
стр. 1011
عليك السلام فكم من وفاء ... أفارق منك وكم من كرم
فقلت: أحسنت، ولكن سرقت البيتين من ربيعيين: الأول من قول القطامى:
ما للكواعب ودّعن الحياة كما ... ودّعننى واتخذن الشيب ميعادى
والثانى من قول ابن بجرة:
فقدناك فقدان الربيع وليتنا
وأنشد البيت. فقال: بلى، والله سرق الطائى من ابن بجرة بيتا كاملا فقال:
عليك سلام الله وقفا فإننى ... رأيت الكريم الحر ليس له عمر
كذا وردت الحكاية من غير وجه، وكان يجب إذا كان من ربيعيين أن يكون «فقدناك فقلدن الربيع» لأخت الوليد.
وقد قال السموءل فى قصر العمر:
يقرب حبّ الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
وقال ابن قتيبة: أخذ النميرى قوله: «أيا شجر الخابور» من قول الجن فى عمر بن الخطاب رضى الله عنه:
أبعد قتيل بالمدينة أظلمت ... له الأرض تهتزّ العضاه باسوق
وقد أنشده أبو تمام الطائى للشماخ فى أبيات أولها:
جزى الله خيرا من أمير وباركت ... يد الله فى ذاك الأديم الممزّق
[ومن يسع أو يركب جناحى نعامة ... ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق]
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... نوافج فى أكمامها لم تفتّق «١»
وما كنت أخشى أن تكون وفاته ... بكفّى سبنتى أزرق العين مطرق
تظل الحصان البكر تلقى جنينها ... نثا خبر فوق المطىّ معلّق
стр. 1012
وقد قال بشار قريبا من قوله: [ولا المال إلا من قنا وسيوف] :
على جنبات الملك منه مهابة ... وفى الدرع عبل الساعدين قروع
إذا اختزن المال البخيل فإنمه ... خزائنهم خطّيّة ودروع
وهذا كقول أبى الطيب المتنبى فى فاتك الإخشيدى:
كنا نظن دياره مملوءة ... ذهبا فمات وكلّ دار بلقع
وإذا المكارم والصّوارم والقنا ... وبنات أعوج كلّ شىء يجمع «١»
ومن بارع هذا النحو قول عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثى:
وإنى لأرباب القبور لغابط ... لسكنى سعيد بين أهل المقابر
وإنى لمفجوع به إذ تكاثرت ... عداتى ولم أهتف سواه بناصر
وكنت كمغلوب على نصل سيفه ... وقد حزّ فيه نصل حرّان باتر
أتيناه زوّارا فأمجدنا قرّى ... من البثّ والداء الدخيل المخامر
وأبنا بزرع قد نما فى صدورنا ... من الوجد يسقى بالدموع البوادر
ولما حضرنا لاقتسام تراثه ... أصبنا عظيمات اللهى والمآثر «٢»
أى لم نصب مالا، ولكنا أصبنا فعالا.
[من كلاب الأعراب]
دخلت أعرابية على عبد الله بن أبى بكرة بالبصرة، فوقفت بين السّماطين «٣» ، فقالت: أصلح الله الأمير، وأمتع به؛ حدرتنا إليك سنة اشتدّ بلاؤها، وانكشف غطاؤها، أقود صبية صغارا، وآخرين كبارا، فى بلد شاسعة، تخفضنا خافضة، وترفعنا رافعة، لملمّات من الدهر برين عظمى، وأذهبن لحمى، وتركتنى والهة أدور بالحضيض، وقد ضاق بى البلد العريض، فسألت فى أحياء العرب: من الكاملة فضائله، المعطى سائله، المكفىّ نائله «٤» ؛
стр. 1013
فدللت عليك- أصلحك الله تعالى- وأنا امرأة من هوازن؛ وقد مات الوالد، وغاب الرّافد، وأنت بعد الله غياثى، ومنتهى أملى، فافعل بى إحدى ثلاث:
إما أن تردّنى إلى بلدى، أو تحسن صفدى «١» . أو تقيم أودى! فقال: بل أجمعها لك، فلم يزل يجرى عليها كما يجرى على عياله، حتى ماتت.
قال العتبىّ: وقف أعرابىّ بباب عبيد الله بن زياد، فقال: يأهل الغضارة «٢» ، حقب السحاب «٣» ، وانقشع الرّباب «٤» ، واستأسدت الذّئاب، وردم الثّمد، وقلّ الحفد «٥» ، ومات الولد، وكنت كثير العفاة، صخب السقاة، عظيم الدّلاة «٦» ، لا أتضاءل للزمان، ولا أحفل بالحدثان، حىّ حلال «٧» ، وعدد ومال، فتفرقنا أيدى سبا، بعد فقد الأبناء والآباء؛ وكنت حسن الشارة، خصيب الدّارة، سليم الجارة، وكان محلى حمى، وقومى أسى، وعزمى جدا؛ قضى الله ولا رجعان لما قضى، بسواف المال «٨» ، وشتات الرجال، وتغيّر الحال، فأغيثوا من شخصه شاهده، ولسانه وافده، وفقره سائقه وقائده.
[من مقامات بديع الزمان] ومن مقامات الإسكندرى من إنشاء بديع الزمان، قال:
حدثنا عيسى بن هشام، قال: دخلت البصرة وأنا من سنّى فى فتاء «٩» ، ومن الزّىّ فى حبر ووشاء «١٠» ، ومن الغنى فى بقر وشاء؛ فأتيت المربد مع رفقة تأخذهم العيون، ودخلنا غير بعيد فى بعض تلك المتنزهات، ومشينا فى تلك المتوجّهات، وملكتنا أرض فحللناها، وعمدنا لقداح اللهو فأجلناها، مطّرحين للحشمة،
стр. 1014
إذ لم يكن فينا إلا منّا، فما كان إلّا بأسرع من ارتداد الطّرف حتى عنّ لنا سواد، تخفضه وهاد، وترفعه نجاد، وعلمنا أنه يهم بنا، فأتلعنا «١» له، حتى انتهى إلينا «٢» سيره، ولقينا بتحية الإسلام، ورددنا عليه مقتضى السلام؛ ثم أجال فينا طرفه وقال: يا قوم؛ ما منكم إلّا من يلحظنى شزرا، ويوسعنى زجرا «٣» ، ولا ينبئكم عنى، بأصدق منى؛ أنا رجل من أهل الإسكندرية، من الثغور الأموية، قد وطّأ لى الفضل كنفه، ورحبت بى عبس، ونمانى بيت، ثم جعجع بى الدهر عن ثمّه ورمّه «٤» ، وأتلانى زغاليل حمر «٥» الحواصل:
كأنهم حيّات أرض محلة ... فلو يغضّون لذكىّ سمّهم
إذا نزلنا أرسلونى كاسبا ... وإن رحلنا ركبونى كلهم
ونشزت علينا البيض «٦» ، وشمست منا الصّفر، وأكلتنا السّود «٧» ، وحطمتنا الحمر، وانتابنا أبو مالك، فما تلقّانا أبو جابر إلّا عن عفر «٨» ، وهذه البصرة ماؤها هضوم، وفقيرها مهضوم، والمرء من ضرسه فى شغل، ومن نفسه فى كلّ، فكيف بمن:
يطوّف ما يطوّف ثم يأوى ... إلى زغب محدّدة العيون
كساهنّ البلى شعثا فتمسى ... جياع الناب ضامرة العيون
ولقد أصبحن اليوم وقد سرّحن الطّرف فى حىّ كميت، وفى بيت كلا بيت، وقلبن الأكفّ على ليت، فقضضن عقد الضلوع، وأفضن ماء الدموع، وتداعين باسم الجوع:
والفقر فى زمن اللثا ... م لكلّ ذى كرم علامه
стр. 1015
وقد اخترتكم يا سادة، ودلّتنى عليكم السعادة، وقلت: قسما، إن فيهم شيما، فهل من فتى يعشّيهن، أو يغشّيهن؟ وهل من حرّ يغدّيهن، أو يردّيهن؟
قال عيسى بن هشام: فوالله ما استأذن على سمعى كلام رائع أبرع مما سمعت، لاجرم أنا استمحنا الأوساط، ونفضنا الأكمام، وبحثنا الجيوب «١» ؛ وأنلته مطرفى، وأخذت الجماعة أخذى، وقلنا له: الحق بأطفالك، فأعرض عنّا بعد شكر وفّاه، ونشر ملأ به فاه.
[من رسائل البديع]
ومن رسائله إلى بعض الرؤساء:
خلقت- أطال الله بقاء السيد وأدام تأييده- مشروح جنان الصدر، جموح عنان الحلم «٢» ، فسيح رقعة الصدر:
حمولا صبورا لو تعمّدنى الردى ... لسرت إليه مشرق الوجه راضيا
ألوفا وفيّا لو رددت إلى الصّبا ... لفارقت شيبى موجع القلب باكيا
والله لأحيلنّ السيد على الأيام، ولأكلنّ استحالة رأيه فىّ على الليالى، ولا أزال أصفيه الولاء، وأسنيه الثناء، وأفرش له من صدرى الدّهناء، وأعيره أذنا صماء، حتى يعلم أىّ علق باع، وأىّ فتى أضاع، وليقفنّ موقف اعتذار، وليعلمنّ بنصح أتّى الواشون أم بحبول «٣» ، ولا أقول: يا حالف اذكر حلّا، ولكن يا عاقد «٤» اذكر حلّا، ولست كمن يشكو إلى رسول الله ﷺ أذى رهطه، ويستاق إلى رمى يزيد لسبطه «٥» ، ولكنى أقول:
هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت
стр. 1016
وأنا أعلم أن السيد لا يخرج عن تلك الحلية، بهذه الرّقية، وأن جوابه أخشن من لقائه، فإن نشط للاجابة فلتكن المخاطبة قرأت رقعتك، فهو أخف مؤنة، وأقل تبعة.
وله إلى [الشيخ] العميد:
أنا- أطال الله بقاء الشيخ العميد-[مع إخوان نيسابور] فى ضيعة لا فيها أعان، ولا عنها أصان، وشيمة ليست بى تناط، ولا عنى تماط، وحرفة لا عنّى تزال، ولا فيها أدال، وهى الكدية التى علىّ تبعتها، وليس لى منفعتها، فهل للشيخ العميد أن يلطف بصنيعته لطفا يحط عنه درن العار، وشيمة التكتّب بالأشعار «١» ، ليخفّ على القلوب ظلّه، ويرتفع عن الأحرار كله «٢» ، ولا يثقل على الأجفان شخصه، بإتمام ما كان عرضه عليه من أشغاله، ليعلق بأذياله، ويستفيد من خلاله؛ فيكون قد صان العلم عن ابتذاله، والفضل عن إذلاله «٣» ، واشترى حسن الثناء بجاهه، كما يشتريه بماله، والشيخ العميد فيما يوجبه من وعد يعتمده، ووفاء يتلو ما يعده، عال رأيه إن شاء الله
[عود إلى غرر المديح]
وقال بعض أهل العصر، وهو أبو العباس الناشىء، يمدح سعد الدولة أبا المعالى شريف بن سيف الدولة على بن عبد الله بن حمدان:
كأن مرآة فهم الدهر فى يده ... يرى بها غائب الأشياء لم يغب
ما يرفع الفلك العالى سماء علا ... إلا علاها شريف كوكب العرب
يا من بعين الرضا يلقى مؤمله ... والبخل يطبق أجفانا على الغضب
لو يكتب الملك أسماء الملوك إذا ... أعطاك موضع بسم الله فى الكتب
стр. 1017
غرّبت فى كل يوم منك مكرمة ... فليس ذكرك فى أرض بمغترب
بيته الأول كقول القائل:
أطلّ على الأشياء حتى كأنما ... له من وراء الغيب مقلة شاهد
[وكما قال] أبو تمام الطائى:
أطلّ على كلا الأفقين حتى ... كأنّ الأرض فى عينيه دار «١»
وأفرط ابن الرومى فقال:
أحاط علما بكلّ خافية ... كأنما الأرض فى يديه كره
وقال محمد بن وهيب:
عليم بأعقاب الأمور، كأنما ... يخاطبه من كل أمر عواقبه
وقال بعض شعراء بنى عبد الله بن طاهر:
وقوفك تحت ظلال السيوف ... أقرّ الخلافة فى دارها
كأنك مطّلع فى القلوب ... إذا ما تناجت بأسرارها
وقال البحترى للفتح بن خاقان:
كأنك عين فى القلوب بصيرة ... ترى ما عليه مستقيم ومائل
وقال فى سليمان بن عبد الله بن طاهر:
ينال بالظن ما فات اليقين به ... إذا تلبس دون الظن إيقان
كأن آراءه والظن يجمعها ... تريه كل خفىّ وهو إعلان «٢»
ما غاب عن عينه فالقلب يذكره ... وإن تنم عينه فالقلب يقظان
وقال أبو الحسن أحمد بن محمد الكاتب يمدح عبيد الله بن سليمان [بن وهب الوزير] :
стр. 1018
إذا أبو قاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان البحر والمطر
وإن أضاءت لنا أنوار غرّته ... تضاءل الأنوران الشمس والقمر
وإن مضى رأيه أوحدّ عزمته ... تأخّر الماضيان السيف والقدر
من لم يبت حذرا من خوف سطوته ... لم يدر ما المزعجان الخوف والحذر
ينال بالظن ما يعيا العيان به ... والشاهدان عليه العين والأثر
كأنه الدهر فى نعمى وفى نعم ... إذا تعاقب منه النفع والضرر
كأنه وزمام الدهر فى يده ... يرى عواقب ما يأتى وما يدر
وأصل هذا قول أوس بن حجر:
الألمعىّ الذى يظن بك الظنّ كأن قد رأى وقد سمعا وهذا المعنى قد مرّ فى أثناء الكتاب.
قال أبو الحسن جحظة البرمكى: قلت لخالد الكاتب: كيف أصبحت؟
قال: أصبحت أرقّ الناس شعرا، قلت: أتعرف قول الأعرابى:
فما وجد أعرابية قذفت بها ... صروف الليالى حيث لم تك ظنّت
تمنّت أحاليب الرعاء، وخيمة ... بنجد، فلم يقدر لها ما تمنّت
إذا ذكرت ماء العضاه وطيبه ... وريح الصبا من نحو نجد أرنّت «١»
بأعظم من وجد بليلى وجدته ... غداة غدونا غدوة واطمأنّت
وكانت رياح تجمل الحاج بيننا ... فقد بخلت تلك الرياح وضنّت
فصاح خالد وقال: ويحك! ويلك يا جحظة! هذا والله أرقّ من شعرى.
стр. 1019
[تكاليف المجد]
فصل لأبى العباس بن المعتز لن تكسب- أعزك الله- المحامد، وتستوجب الشرف، إلا بالحمل على النفس والجال «١» ، والنهوض بحمل الأثقال، وبذل الجاه والمال، ولو كانت المكارم تنال بغير مئونة لاشترك فيها السّفل والأحرار، وتساهمها الوضعاء مع ذوى الأخطار؛ ولكنّ الله تعالى خصّ الكرماء الذين جعلهم أهلها، فخفّف عليهم حملها، وسوّغهم فضلها، وحظرها على السّفلة لصغر أقدارهم عنها، وبعد طباعهم منها، ونفورها عنهم، واقشعرارها منهم.
[وقال أبو الطيب المتنبى:
لولا المشقّة ساد الناس كلّهم ... الجود يفقر والإقدام قتّال]
وقال الطائى:
والحمد شهد لا يرى مشتاره ... يجنيه إلّا من نقيع الحنظل «٢»
شرّ لحامله، ويحسبه الّذى ... لم يؤذ عاتقه خفيف المحمل
أخذه الطائى من قول مسلم بن الوليد، وقيل غيره:
الجود أخشن مسّا يا بنى مطر ... من أن تبزّكموه كفّ مستلب
ما أعلم الناس أنّ الجود مدفعة ... للذّمّ لكنّه يأتى على النّشب «٣»
وقال بعض الأجواد: إنا لنجد كما يجد البخلاء، ولكنّا نصبر ولا يصبرون.
[احتمال الغضب]
وقال الجاحظ: قيل لأبى عبّاد وزير المأمون، وكان أسرع الناس غضبا:
إنّ لقمان الحكيم قال لابنه: ما الحمل الثقيل؟ قال: الغضب. قال أبو عباد:
стр. 1020
لكنّه والله أخفّ علىّ من الريش! قيل له: إنما عنى لقمان أنّ احتمال الغضب ثقيل، فقال: لا، والله لا يقوى على احتمال الغضب من الناس إلا الجمل! وغضب يوما على بعض كتّابه، فرماه بدواة كانت بين يديه فشجّه، فقال أبو عبّاد: صدق الله تعالى فى قوله: (والذين إذا ما غضبوا هم يعقرون) .
فبلغ ذلك المأمون فأحضره، وقال له: ويحك! ما تحسن تقرأ آية من كتاب الله تعالى! قال: بلى يا أمير المؤمنين، إنى لأحفظ من سورة واحدة ألف آية؛ فضحك المأمون وأمر بإخراجه.
نبذة من لطائف ابن المعتز، وفضل تحققه بالبديع والاستعارات مما تتعيّن العناية بمطالعتها
قال أبو بكر الصولى: اجتمعت مع جماعة من الشعراء عند أبى العباس عبد الله بن المعتز، وكان يتحقق بعلم البديع تحققا ينصر دعواه فيه لسان مذاكرته، فلم يبق مسلك من مسالك الشعراء إلا سلك بنا شعبا من شعابه، وأوردنا أحسن ما قيل فى بابه، إلى أن قال أبو العباس: ما أحسن استعارة اشتمل عليها بيت واحد من الشعر؟ قال الأسدى: قول لبيد:
وغداة ريح قد كشفت وقرّة ... إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها
قال أبو العباس: هذا حسن، وغيره أحمد منه، وقد أخذه من قول ثعلبة ابن صعيرة المازنى «١» :
فتذاكرا ثقلا رثيدا بعد ما ... ألقت ذكاء يمينها فى كافر
следующие страницы →