← Адаб

Адаб · id 10768

زهر الآداب وثمر الألباب

الحصري القيرواني

Полный текст (1 141 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

دنياى. وجامعا يمناى إلى يسراى، واصلا سيرى بسراى «١» ، فلو رفعتم النار بشررها، ورميتم الروم بحجرها، وأعنتمونى على غزوها مساعدة وإسعادا، ومرافدة وإرفادا، ولا شطط، فكلّ قادر على قدرته، وحسب ثروته. ولا أستكثر البدرة، ولا أردّ التمرة، وأقبل الذّرة، ولكل منى سهمان، سهم أذلّقه للقاء «٢» ، وسهم أفوّقه بالدّعاء، وأرشق به أبواب السماء، عن قوس الظلماء. قال عيسى بن هشام: فاستفزنى رائع ألفاظه، وسروت جلباب النوم، وعدوت إلى القوم، وإذا والله شيخنا أبو الفتح الإسكندرى، بسيف قد شهره، وزىّ قد نكره؛ فلما رآنى غمزنى بعينه وقال: رحم الله امرأ أحسن حدسه؛ وملك نفسه، وأغنانا بفاضل قوله، وقسم لنا من نيله! ثم أخذ ما أخذ، فقمت إليه فقلت: أنت من أولاد بنات الروم؟ فقال: أنا حالى مع الزما ... ن كحالى مع النسب نسبى فى يد الزما ... ن إذا سامه انقلب أنا أمسى من النبي ... ط وأضحى من العرب [عاقبة السؤال بلفظ حسن] قال سليمان بن عبد الملك: ما سألنى أحد قط مسألة يثقل علىّ قضاؤها، ولا يخفّ على أداؤها، بلفظ حسن يجمع له القلب فهمه إلا قضيتها، وإن كانت العزيمة نفذت فى منعه «٣» ، وكان الصواب مستقرّا فى دفعه، ضنّا بالصواب أن يردّ سائله، أو يحرم نائله. [ابن رفاعة يتحدث عن النعمان بن المنذر والحارث الغسانى] وقال أبو عبيدة: كان أبو قيس بن رفاعة يفد سنة إلى النعمان بن المنذر

стр. 1087

اللحمى وسنة إلى الحارث بن أبى شمر الغسّانى، فقال له الحارث يوما وهو عنده: يا بن رفاعة، بلغنى أنك تفضّل النعمان علىّ! قال: كيف أفضّله عليك أبيت اللعن! فوالله لقفاك أحسن من وجهه، ولأمّك أشرف من أبيه، [ولآباؤك أشرف من جميع قومه] ، ولأمسك أفضل من يومه، ولشمالك أجود من يمينه، ولحرمانك أنفع من بذله، ولقليلك أكثر من كثيره، [ولثمادك أغزر من غديره، ولكرسيّك أرفع من سريره، ولجدولك أغمر من بحوره، وليومك أفضل من شهره، ولشهرك أشرف من حوله، ولحولك خير من حقبه، ولزندك أورى من زنده، ولجندك أعزّ من جنده، ولهزلك أصوب من جدّه، وإنك لمن غسّان أرباب الملوك، وإنه لمن لحم كثيرى النوك! فعلام أفضّله عليك؟ وقد روى مثل هذا الكلام للنابغة الذبيانى مع النعمان بن المنذر] . [أربعة أبيات] وقال المفضل الضبى: دخلت على المهدى فقال قبل أن أجلس: أنشدنى أربعة أبيات لا تزد عليهنّ، وعنده عبد الله بن مالك الخزاعى، فأنشدته «١» : وأشعث قد قدّ السّفار قميصه ... يجرّ شواء بالعصا غير منضج دعوت إلى ما نابنى وأجابنى ... كريم من الفتيان غير مزلّج» فتى يملأ الشّيزى ويروى سنانه ... ويضرب فى رأس الكمى المدجّج فتى ليس بالراضى بأدنى معيشة ... ولا فى بيوت الحىّ بالمتولج فقال المهدى: هذا هو، وأشار إلى عبد الله بن مالك، فلما انصرفت بعث إلىّ بألف دينار، وبعث إلىّ عبد الله بأربعة آلاف. [أبو الأسود الدؤلى وامرأته] ننازع أبو الأسود الدؤلى وامرأته إلى زياد فى ابنهما، وأراد أبو الأسود أخذه

стр. 1088

منها فأبت، وقالت المرأة: أصلح الله الأمير، هذا ابنى، كان بطنى وعاؤه، وحجرى فناؤه، وثديى سقاؤه، أكلؤه إذا نام، وأحفظه إذا قام؛ فلم أزل بذلك سبعة أعوام، فلما استوفى فصاله، وكملت خصاله، واستوكعت أوصاله «١» ، وأمّلت نفعه، ورجوت عطفه، أراد أن يأخذه منى كرها، فآدنى أيها الأمير؛ فقد أراد قهرى، وحاول قسرى. فقال أبو الأسود: هذا ابنى حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، وأنا أقوم عليه فى أدبه، وأنظر فى تقويم أوده «٢» ، وأمنحه علمى، وألهمه حلمى، حتى يكمل عقله، ويستكمل فتله. فقالت المرأة: صدق أصلحك الله؛ حمله خفّا، وحملته ثقلا، ووضعه شهوة، ووضعته كرها. فقال زياد: اردد على المرأة ولدها؛ فهى أحقّ به منك، ودعنى من سجعك. [عظات ووصايا] قال الأصمعى: بلغنى أن بعض الحكماء كان يقول: إنى لأعظكم، وإنى لكثير الذنوب، مسرف على نفسى، غير حامد لها، ولا حاملها على المكروه فى طاعة الله. وقد بلوتها فلم أجد لها شكرا فى الرضاء، ولا صبرا على البلوى. ولو أن أحدا لا يعظ أخاه حتى يحكم أمره لترك الأمر.... ولكن محادثة الإخوان حياة القلوب وجلاء النفوس، وتذكير من النسيان، واعلموا أن الدنيا سرورها أحزان، وإقبالها إدبار، وآخر حياتها الموت، فكم من مستقبل يوما لا يستكمله، ومنتظر غدا لا يبلغه؟ ولو تنظرون الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره. جمع عبد الملك أهله وولده فقال: يا بنى أميّة، ابذلوا نداكم، وكفوا أذاكم، وأجملوا إذا طلبتم، واغفروا إذا قدرتم، ولا تلحفوا إذا سألتم، ولا تبخلوا إذا سئلتم؛ فإن العفو بعد القدرة، والثناء بعد الخبرة، وخير المال ما أفاد حمدا ونفى ذما

стр. 1089

[وصف هشام بن عبد الملك بصفته] ودخل سعيد الجعفرى على هشام بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، إنى أريد أن أصفك بصفتك، فإن انحرف كلامى فلهيبة الإمام، واجتماع الأقوام، وتصرف الأعوام، ولربّ جواد عثر فى أرسانه «١» وكبا فى ميدانه «٢» ، ورحم الله امرأ قصّر من لفظه، وألصق الأرض بلحظه، ووعى قولى بحفظه. فخاف هشام أن يتكلّم فيقصّر عن جائزة مثله، فعزم عليه فسكت. [حاتم الطائى يتحمل الديات عن عبد قيس البرجمىّ] قال عبد قيس بن خفاف البرجمىّ لحاتم الطائى وقد وفد عليه فى دماء تحملها وعجز عن البعض: إنه وقعت بينى وبين قومى دماد فتواكلوها، وإنى حملتها فى مالى وأملى، فقدّمت مالى، وكنت أملى، فإن تحملها فربّ حقّ قضيته، وهم قد كفيته، وإن حال دون ذلك حائل لم أذمم يومك، ولم أيأس من غدك. [وصف ثقيل] قال أبو على العتابى: حدثنى الحمدونى قال: بعث إلىّ أحمد بن حرب المهلبى فى غداة، السماء فيها مغيمة، فأتيته والمائدة موضوعة مغطّاة؛ وقد وافت عجاب المغنّية، فأكلنا جميعا، وجلسنا على شرابنا، فما راعنا إلا داقّ يدقّ الباب، فأتاه الغلام فقال: بالباب فلان؛ فقال لى: هو فتى من آل المهلب، ظريف، نظيف، فقلت: ما نريد غير ما نحن فيه، فأذن له، فجاء يتبختر وقدّامى قدح شراب فكسره، فإذا رجل «٣» آدم ضخم، قال: وتكلم فإذا هو أعيا الناس، فجلس بينى وبين عجاب، قال: فدعوت بدواة وكتبت إلى أحمد ابن حرب:

стр. 1090

كدّر الله عيش من كدّر العي ... ش! فقد كان صافيا مستطابا جاءنا والسماء تهطل بالغي ... ث وقد طابق السماع الشرابا كسر الكاس وهى كالكوكب الدر ... رىّ ضمّت من المدام رضابا قلت لما رميت منه بما أكره ... والدهر ما أفاد أصابا عجّل الله نقمة لابن حرب ... تدع الدار بعد شهر خرابا ودفعت الرقعة إلى أحمد، فقال: [ويحك] ألا نفست فقلت بعد حول؟ فقلت: أردت أقول بعد يوم، فخفت أن تصيبنى مضرّة ذلك، وفطن الثقيل فنهض، فقال: آذيته! فقلت: هو آذانى. [طيلسان ابن حرب] وقال الحمدونى فى طيلسان ابن حرب: ولى طيلسان إن تأمّلت شخصه ... تيقنت أنّ الدهر يفنى وينقرض تصدّع حتى قد أمنت انصداعه ... وأظهرت الأيام من عمره الغرض كأنى لإشفاقى عليه ممرّض ... أخا سقم مما تمادى به المرض فلو أنّ أصحاب الكلام يرونه ... لما روك فيه وادّعوا أنه عرض «١» [وقال فيه: لطيلسان ابن حرب نعمة سبقت ... بها تبيّن فضلى فهو متّصل قد كنت دهرا جهولا ثم حنّننى ... عليه خوفى من الأقوام إن جهلوا أظل أجتنب الإخوان من حذر ... كأنما بى جرح ليس يندمل يا طيلسانا إذا الألحاظ جلن به ... فعلن فعل سهام فيه تنتضل لئن بليت فكم أبليت من أمم ... تترى أبادتهم أيامك الأول

стр. 1091

وكم رآك أخ لى ثم أنشدنى: ... ودّع هريرة إن الركب مرتحل] وقال فيه «١» . يا بن حرب كسوتنى طيلسانا ... أمرضته الأوجاع فهو سقيم فإذا ما لبسته قلت: سبحا ... نك محيى العظام وهى رميم طيلسان له إذا هبّت الري ... ح عليه بمنكبىّ هميم أذكرتنى بيتا لحسّان فيه ... حرق للفؤاد حين أقوم لو يدبّ الحولىّ من ولد الذّ ... رّ عليها لأندبتها الكلوم «٢» وقال أيضا: يا قاتل الله ابن حرب لقد ... أطال إتعابى على عمد بطيلسان خلت أنّ البلى ... يطلبه بالوتر والحقد أجدّ فى رفوى له، والبلى ... يلهو به فى الهزل والجد ذكّرنى الجنة لما غدا ... أصحابها منها على حرد «٣» إن أتهم الرّفّاء فى رفوه ... مضى به التمزيق فى نجد غنيته لما مضى راحلا: ... يا واحدى تتركنى وحدى! وقال أيضا فيه: إنّ ابن حرب كسانى ... ثوبا يطيل انحرافه أظلّ أدفع عنه ... وأتّقى كلّ آفه فقد تعلمت من خش ... يتى عليه الثقافة وقال أيضا: طيلسان ما زال أقدم فى الدهر ... من الدهر ما لرفويه حيله

стр. 1092

وترى ضعفه كضعف عجوز ... رثّة الحال ذات فقر معيله غمرته الرقاع فهو كمصر ... سكنته نزّاع كلّ قبيله إن أزيّنه يابن حرب بذمى ... فجرير قد زان قبلى بجيله جرير: ابن عبد الله البجلى، وله صحبة [رضى الله عنه، وقد] قال غسان فى هجائه جريرا: لعمرى لئن كانت بجيلة زانها ... جرير لقد أخزى كليبا جريرها وقال الحمدونى فى معناه لأول «١» : يابن حرب إنى أرى فى زوايا ... بيتنا مثل ما كسوت جماعه طليلسان رفوته ورفوت الرّ ... فو منه حتى رفوت رقاعه فأطاع البلى وصار خليعا ... ليس يعطى الرفّاء فى الرفو طاعه فإذا سائل رآنى فيه ... ظنّ أنى فتى من أهل الضّياعة «٢» وقال فيه: طيلسان لابن حرب ... يتداعى لا مساسا «٣» قد طوى قرنا فقرنا ... وأناسا فأناسا لبس الأيام حتّى ... لم تدع فيه لباسا غاب تحت الحسّ حتى ... لا يرى إلا قياسا [من رسائل ابن العميد] كتب أبو الفضل بن العميد إلى أبى عبد الله الطبرى: كتابى وأنا بحال لو لم ينغّص منها الشوق إليك، ولم يرنّق صفوها النّزاع نحوك، فعددتها من الأحوال الجميلة، واعتددت حظّى منها فى النعم الجليلة؛ فقد جمعت ليها بين سلامة عامّة، ونعمة تامة، وحظيت منها فى جسمى بصلاح، وفى سعيى

стр. 1093

بنجاح، لكن ما بقى أن يصفو لى عيش مع بعدى عنك، ويخلو ذرعى مع خلوّى منك، ويسوغ لى مطعم ومشرب مع انفرادى دونك، وكيف أطمع فى ذلك وأنت جزء من نفسى، وناظم لشمل أنسى، وقد حرمت رؤيتك، وعدمت مشاهدتك، وهل تسكن نفس متشعّبة ذات انقسام، وينفع أنس متشتّت بلا نظام، وقد قرأت كتابك جعلنى الله تعالى فداءك؛ فامتلأت سرورا بملاحظة خطّك، وتأمّل تصرفك فى لفظك، وما أقرّظهما فكلّ خصالك مقرّظ عندى، وما أمدحهما فكلّ أمرك ممدوح فى ضميرى وعقدى، وأرجو أن تكون حقيقة أمرك موافقة لتقديرى فيك، فإن كان كذلك وإلا فقد غطّى هواك وما ألقى على بصرى. وله إلى عضد الدولة يهنئه بولدين: أطال الله بقاء الأمير الأجلّ عضد الدولة، دام عزّه وتأييده، وعلوّه وتمهيده، وبسطته وتوطيده، وظاهر له من كل خير مزيده، وهنّاه ما اختصّه به على قرب الميلاد، من توافر الأعداد، وتكثّر الأمداد، وتثمّر الأولاد، وأراه من النجابة فى البنين والأسباط «١» ، ما أراه من الكرم فى الآباء والأجداد، ولا أخلى عينه من قرّة، ونفسه من مسرّة، ومتجدّد نعمة، ومستأنف مكرمة، وزيادة فى عدده، وفسح فى أمده، حتى يبلغ غاية مهله، ويستغرق نهاية أمله، ويستوفى ما بعد حسن ظنّه؛ وعرفه الله السعادة فيما بشّر عبده من طلوع بدرين هما انبعثا من نوره، واستنارا من دوره، وحقّا بسريره، وجعل وفودهما متلائمين، وورودهما توأمين، بشيرين بتظاهر النعم، وتواتر القسم، ومؤذنين بترادف بنين [يغصّ] بجمعهم منخرق الفضاء، ويشرق بنورهم أفق العلاء، وينتهى بهم أمد النماء «٢» ، إلى غاية تفوت

стр. 1094

غاية الإحصاء، ولا زالت السبل عامرة، والمناهل غامرة، يصافح صادرهم بالبشر [الوارد] ، وآملهم بالنيل القاصد. وقال أبو الطيب وذكر أبا دلف وأبا الفوارس ابنى عضد الدولة: فلم أر قبله شبلى هزبر ... كشبليه، ولا فرسى رهان فعاشا عيشة القمرين يحيى ... بضوئهما ولا يتحاسدان ولا ملكا سوى ملك الأعادى ... ولا ورثا سوى من يقتلان [وكانا ابنا عدو كاثراه ... له ياءى حروف أنيسيان] دعاء كالثّناء بلا رياء ... يؤدّيه الجنان إلى الجنان وكتب أبو القاسم الإسكافى عن نوح بن نصر إلى وشمكير بن زياد فى استبطاء وتهنئة: وصل كتابك ناطقا مفتتحه بجميل العذر، فيما نقل من المكاتبة، وبعث من المطالعة، ومعربا مختتمه عن جملة خبر السلامة التى طبّقت أعمالك، والاستقامة التى عمّت أحوالك، وفهمناه، ولولا أنّ مواتاتك- أيدك الله تعالى- فيما تأتى وتذر، وترتئى وتدبّر، عادة لنا أورثتناها قرابة ما بين وفاقنا ووفاقك، وملاءمة حال ألجأتنا لحال استحقاقك؛ لكنا ربما ضايقناك فى العذر الذى اعتذرت به، وإن كان واضحا طريقه، وناقشناك فيه، وإن كان واجبا تصديقه، لفرط الأنس [يخلص إلينا] بكتابك، والارتياح بخطابك، اللّذين لا يؤدّيان إلا خبر سلامة توجب الإحماد، فنحن نأبى إلّا إجراء تلك العادة، كما عودتنا، وإلّا التجافى عما تريد فيه من الزيادة التى أردتها، ولا ندع مع ذلك أن يصل تسويفك «١» إلى الإقلال الذى اخترته بإحمادك على الكتاب إذا كتبته، توخّيا «٢» لأن تكون مؤهلا فى الحالين لخالصة

стр. 1095

التنويل، مقدما فى درج التفضيل، موفىّ حقائق الإيثار، موقىّ لواحق الاستقصار، ونستعين بالله على قضاء حقوقك، وعلى جميل النية فى أمورك؛ فإن ذلك لا يبلغ إلا بقوّته، ولا يدرك إلا بحوله، وأما بعد فقد عفّى «١» - أعزّك الله تعالى- ما أفاد كتابك بخبر السلامة من أنسه، على آثار من سبقه بخبر العلة من وحشة، فأوجبتنا مقابلة موهبة الله تعالى فى المحبوب صنع، والمكروه دفع، نستقبل به إخلاص المواهب لنا، ونستديم به أخصّ المراتب بنا، فرأيك- أعزّك الله تعالى- فى المطالعة بذكر تستمدّه فى الفوة والصحة من مزيد، والطاعة والكفاية من توفيق وتسديد، موفقا إن شاء الله تعالى. ألفاظ لأهل العصر فى ضروب التهانى وما ينخرط فى سلكها من ذلك فى النهنئة بالمولود وما يجرى مجراها من الأدعية، وما يختصّ منها بالملوك أو الرؤساء مرحبا بالفارس المصدّق للظنون، المقرّ للعيون، المقبل بالطالع السعيد، والخير العتيد، أنجب الأبناء لأكرم الآباء. أنا مستبشر بطلوع النجم الذى كنّا منه على أمل، ومن تطاول استسراره [الذى كنا منه] على وجل، إن يشأ الله يجعله مقدمة إخوة فى نسق كالفريد المتّسق «٢» . قد طلع فى أفق الحرية أسعد نجم، [ونجم «٣» ] فى حدائق المروءة أذكى نبت. يا بشراى بطلوع الفارس الميمون جدّه، المضمون سعده، عليه خاتم الفضل وطابعه، وله سهم الخير وطالعه. الحمد لله على طلوع هذا الهلال الذى نراه إن شاء الله بدرا لا يضمر السّرار بهاه، ولا يبلغ المحاق سناءه وسناه، وقد بشّرت قوابله بالإقبال وعلو الجدّ «٤» ، واقترن قدومه بالطالع السّعد. هنّاك الله تعالى بقوّة الظّهر،

стр. 1096

واشتداد الأزر. الفارس المكثر لسواد الفضل، الموفّر لحال الأهل، المستوفى شرف الأرومة، بكرم الأبوة والأمومة، وأبقاه حتى نراه، كما رأينا جدّه وأباه. عرفت آنفا ما كثّر الله به عدده، وشدّ عضده، من طلوع الفارس الذى أضاء له الأفق، وطال به باع السعادة، فعظمت النّعمى لدىّ، وأوردت البشرى غاية المنى علىّ. مرحبا بالفارس القادم، بأعظم المغانم، سوىّ الخلق [سامى العرق] يلوح عليه سيماء المجد، وتتجاذبه أطراف الملك والحمد. وردت البشرى بالفارس الذى أوسع رباع المجد تأهيلا، ومناكب الشرف ارتفاعا، وأعضاد العزّ اشتدادا. واتتنى بشرى البشائر «١» ، والنعم المحروسة على النظائر، فى سلالة العز وسليله، وابن منبر الملك وسريره، والأمير القادم بغرّة المكارم، الناهض إلى إلى ذروة العلياء، بآباء أمراء، وملوك عظماء. مرحبا بالفارس المامول لشدّ الظهور، المرجوّ لسدّ الثغور. الحمد لله الذى شدّ أزر الدولة، ونظم قلادة الإمرة، ودعم سرير العزّة، ووطّد منابر المملكة، بالقمر السعد، وشبل الأسد الورد. قد تنسّمت المكارم والمعالى، وتباشرت الخطب والقوافى، بالفارس المأمول لشدّ أزر الملك، وسدّ ثغر المجد، وتطاول السرير شوقا إليه، واهتزّت المنابر حرصا عليه. قد افترّ جفن العالم عن العين البصيرة، واستغرب مضحكه عن اللّمعة المنيرة؛ أما الأمير فالتاج لجبينه يبهى، والركاب بقدمه تزهى «٢» ، أللهم أرنى هذا الهلال بدرا قد علا الأقدار قدرا، وبلّغه الله فيه من مناه، حتى نراه وأخاه، منيفين على ذروة المجد، آخذين من أوفر الحظوة بأعلى الجد. ولهم: والله يمتّع به، ويرزق الخير منه، ويحقّق الأمل فيه. عرف الله تعالى آثار بركة المولود المسعود، وعضّد الفضل بالزيادة فى عدده، وأقرّ عين

стр. 1097

المجد بالسّادة من ولده. عرفه الله تعالى من سيادة مقدمه، ما يجمع الأعداء تحت قدمه. عمرك الله تعالى حتى ترى هذا الهلال قمرا باهرا، وبدرا زاهرا، يكثر به عدد حفدتك، ويعظم معه غصّة حسدتك، من حيث لا تهتدى النوائب إلى أغراضكم، ولا تطمع الحوادث «١» إلى انتقاصكم، متّعك الله بالولد، وجعله من أقوى العدد، ووصله بإخوة متوافرى العدد، شادّى الأزر والعضد. هناك الله تعالى مولده، وقرن باليمن مورده، وأراك من بنيه أولادا برره [وأسباطا وحفدة، وعرفك بركة قدومه، ونجح مقدمه، وسعد طالعه، ويمن طائره، وعمّرك الله] حتى نرى؟؟؟ زيادة الله منه كما رأيتها به «٢» ، والله يبلّغك أفضل ما تقسمه السعود، وتعلو به الجدود، حتى يستغرق مع إخوته مساعى الفضل، ويشيدوا قواعد الفخر، ويزحموا صدور الدّهر، ويضبطوا أطراف الأرض؛ والله يحرسه من نواظر الأيام أن ترنو إليه «٣» ، وأطماع الليالى أن تتوجه عليه، حتى يستقلّ بأعباء الخدمة، وينهض بأثقال الدعوة، ويخف فى الدفع عن البيضة، ويسرع فى حماية الحوزة، والله يديم لمولانا من العمر أكلاه، ومن العزّ أهناه، ليطبّق العالم بفضله وعدله، ويدبّر الأرض بالنجباء من نسله. ولهم فى ذكر المولود العلوى غصن رسول الله ﷺ ، شجره أهل أن يحلو ثمره، وفرع بين الرسالة والإمامة منتماه، خليق أن يحمد بدؤه وعقباه. مرحبا بالطالع بأيمن طالع، ومن هو من أشرف المناصب والمنابع، حيث الرسالة والخلافة، والإمامة والزّعامة، أبقاه الله تعالى حتى يتهنّأ فيه صوانع المنن «٤» ، ويعد حسنه من بنى الحسن.

стр. 1098

ولهم فى التهنئة بالإملاك «١» والنفاس، وما يقترن به من الأدعية من اتصل بمولاى سببه، وشرف به منصبه، كان حقيقا بالرغبة إلى الله تعالى فى توفيره وتكثيره، وزيادته وتثميره، لتزكو منابت الفضل، وتنمى مغارس النبل والفخر، وتطيب معادن المجد. بارك الله لمولاى فى الأمر الذى عقده، وأحمده إيّاه «٢» وأسعده، وجعله موصولا بنماء العدد، وزكاء الولد، واتصال الحبل، وتكثير النسل والله تعالى يخير له فى الوصلة الكريمة، ويقرنها بالمنحة الجسيمة. قد عظّم الله بهجتى، وضاعف غبطتى، بما أتاحه من سرور ممهّد، بجمع شمل مجدّد، فلا زالت النعم به محفوفة، والمسارّ إليه مصروفة، جعل الله هذه الوصلة أكيدة العقدة، طويلة المدة، سابغة البركة والفضل، طيبة الذرية والنّسل. وصل الله هذا الاتصال السعيد، والعقد الحميد، بأكمل المواهب، وأحمد العواقب، وجعل شمل مسرّتك ملتئما، وسبب أنسك منتظما. عرّفك الله تعجيل البركات، وتوالى الخيرات، ولا أخلاك الله من هذه الوصلة [من التهانى بنجباء الأولاد، وكبت بكثرة عددك الحسّاد. هناك الله مولاى الوصلة] بكثرة العدد، ووفور الولد، وانبساط الباع واليد، عالى القدر والجد. ولهم فى التهنئة بالولاية والأعمال، وما يتصل بها من الأدعية للوزراء والقضاة والعمال عرفت أخبار البلد الذى أحسن الله إلى أهله، وعطف عليهم بفضله، إذ أضيف إلى ما يلاحظه مولاى بعين إيالته، ويشفى خلله بفضل أصالته. أنا من سرّ

стр. 1099

بالولاية يلبس مولاى ظلالها، ويسحب أذيالها، بنعم مستفادة، ورتب مستزادة، سرورى بما أعلمه بكسبه «١» الثناء فى كل عمل يدبّره، من أحدوثة جميلة، ومثوبة جزيلة، ويؤثره من إحياء عدل، وإماتة جور، وعمارة لسبل الخيرات، وإيضاح لطرق المكرمات، سيدى يوفى على الرتب التى يدعى لها بحلوله «٢» ؛ فهنيئا لها بتجمّلها بولايته، وتحلّيها بكفايته. الأعمال إن بلغت أقصى الآمال، فكفاية مولاى تتجاوزها وتتخطاها، والرتب وإن جلّت قدرا، وكبرت ذكرا، فصناعته تسبقها «٣» وتنسؤها، غير أنّ للتهانى رسما لا بدّ من إقامته، وشرطا لا سبيل إلى نقض عادته. الأعمال وإن بلغت أقصى الآمال فكفاية سيدى توفى عليها إيفاء الشمس على النجوم، وترتفع عنها ارتفاع السماء على التخوم. سيدى أرفع قدرا وأنبه ذكرا، من أن نهنّئه بولاية وإن جلّ أمرها وعظم قدرها. قد أعطيت قوس الوزارة باريها، وأضيفت إلى كفئها وكافيها، وفسخ فيها شرط الدنيا الفاسد فى إهداء حظوظها إلى أوغادها، ونقض بها حكمها الجائر فى العدول بها عن نجباء أولادها. الدنيا أعز الله الوزير مهنّأة بانحيازها «٤» إلى رأيه وتنفيذه، والممالك مغبوطة باتصالها إلى أمره وتدبيره. قد كانت الدّنيا مستشرفة لوزارته، إلى أن سدت بما كانت الأيام عنه مخبرة، وحظيت بما كانت الظنون به مبشّرة. أنا أهنّىء الوزارة بإلقائها إلى فضله مقادتها، وبلوغها فى ظلّه إرادتها، وانحيازها من إيالته إلى واضحة الفخر، وتوشحها من كفايته بعزّة سائدة على وجه الدهر. الحمد لله الذى أقرّ عين الفضل، ووطّأ مهاد المجد، وترك الحساد يتعثّرون فى ذيول الخيبة، ويتساقطون فى فضول الحسرة؛ وأرانى الوزارة وقد استكمل الشيخ إجلالها، ووفّى لها جمالها:

стр. 1100

فلم تك تصلح إلّا له ... ولم يك يصلح إلّا لها والقاضى علم العلم شرقا وغربا، ونجم الفضل غورا ونجدا، وشمس الأدب برّا وبحرا، فسبيل الأعمال أن تهنّأ إذا ردّت إلى نظره الميمون، وعصبت برأيه المأمون. [أسعد الله القاضى بما جدّ] له من رأى مولانا وارتضاه، واعتمده لأجل أمر الشريعة وأمضاه، وأسعد المسلمين والدين بما أصاره إليه، وجمع زمامه فى يديه. عرّف الله سيدى من سعادة عمله، أفضل ما ترقّاه بأمله، ولقّاه من مناجح أمره، أفضل ما انتحاه بفكره. خار الله له فيما تولّاه وتطوّقه، وبلّغه فى كل حال أمله وحققه، وعرفه من يمن ما باشره تدبيره «١» الخير [والخيرة] والبركات الحاضرة والمنتظرة، وجعل المناجح إليه أرسالا، لا تملّ تواليا واتّصالا. أسعده الله أفضل سعادة قسمت لوالى عمل، وأسهم له أخصّ بركة أسهمت لمسامى أهل «٢» ، أحضر الله السداد عزمه، والرشاد همّه، وكنقه العصمة وأيّده، وقرنه بالتوفيق ولا أفرده. هنأه الله تعالى الموهبة التى ساقها إليه، ومدّ رواقها عليه؛ إذ كانت من عقائل المواهب، مسفرة عن خصائص المراتب، وحلّت فيه محلّ الاستحباب لا الإيجاب، والاستحقاق دون الاتفاق. هنأ الله نعمته الفضل «٣» الذى الولاية أصغر آلاتها، والرياسة بعض صفاتها ولهم فى التهنئة بذكر الخلع والأجبية أهنّى سيدى مزيد الرّفعة، وجديد الخلعة، التى تخلع قلوب المنازعين، واللواء الذى يلوى أيدى المنابذين، والحظّ الذى لو امتطاه إلى الأفلاك لحازها، أو سامى به الجوزاء، لجازها. بلغنى خبر ما تطوّعت به سماء المجد، وجادت به

стр. 1101

أنواء الملك، فصن من الخلع أسناها، ومن المراكب أبهاها، [ومن السيوف أمضاها، ومن الأفراس أجراها، ومن الإقطاعات أنماها] . لبس خلعته متجلّلا منها ملابس العز، وامتطى فرسه فارعا به ذروة المجد، وتقلّد سيفه حاصدا بحد طلى أعدائه «١» وغامطى نعمائه، واعتنق طوقه متطوّقا عزّ الأبد، واعتضد بالسوارين الموديين بقوة الساعد والعضد، وساس أولياءه ولواء العزّ عليه خافق، وهو بلسان الظّفر والنّصر ناطق. قد لبس خلعته التى تعمد بها [رفعته] ، وامتطى حملانه الذى واصل به إحسانه «٢» ، تمنطق بحسامه الذى ظاهر أبواب إنعامه، وتختم بخاتميه، اللذين بسطا من يديه؛ ووقّع من دواته، التى أعلت من درجاته قد زرّرت عليه سماء الشرف عرى الخلعة، التى تتراءى صفحات العزّ على أعطافها، وتمترى مزايا المجد من أطرافها، وركب الحملان الذى نتناول قاصيتى المنى من ناصيته، والمركب الذى تستخذى «٣» حلى الثريا لحليته، والسيف والمنطقة الناطقان عن نهاية الإكرام، الناظمان قلائد الإعظام. خلع تخلع قلوب الأعداء من مقارّها «٤» ، وتعمر نفوس الأولياء بمسارّها، وسيف كالقضاء مضاء وحدّا، ولواء يخفق قلوب المنازعين إذا خفق، وحملات تصدع منكب الدّهر إذا انطلق «٥» . ولهم فى التهنئة بالقدوم من سفر أهنّى سيدى ونفسى بما يسّره الله من قدومه سالما، وأشكره على ذلك شكرا قائما؛ غيبة المكارم مقرونة بغيبتك، وأوبة النعم موصولة بأوبتك؛ فوصل الله تعالى قدومك من الكرامة، بأضعاف ما قرن به مسيرك من السلامة. وهناك أيامك، وبلّغك محابّك؛ ما زلت بالنيّة مسافرا، وباتّصال الذكر

стр. 1102

والفكر لك ملاقيا، إلى أن جمع الله شمل سرورى بأوبتك «١» ، وسكّن نافر قلبى بعودتك، فأسأل الله أن يسعدك بمقدمك سعادة تكون فيها [بالإقبال] مقابلا، وبالأمانى ظافرا، ولا أوحش منك أوطان الفضل، ورباع المجد، بمنّه وكرمه. [من أحسن الشعر] قال الهيثم بن عدى: أنشدنى مجالد بن سعيد شعرا أعجبنى، فقلت: من أنشدكه؟ قال: كنا يوما عند الشعبى فتناشدنا الشعر، فلما فرغنا قال: أيّكم يحسن أن يقول مثل هذا، وأنشدنا: خليلىّ مهلا طالما لم أقل مهلا ... وما سرفا م الآن قلت ولا جهلا «٢» وإنّ صبا ابن الأربعين سفاهة ... فكيف مع اللاتى مثلت بها مثلا يقول لى المفتى وهنّ عشية ... بمكّة يسحبن المهدّبة السّحلا «٣» تق الله لا تنظر إليهنّ يا فتى ... وما خلتنى بالحج ملتمسا وصلا فوالله لا أنسى وإن شطّت النوى ... عرانينهن الشمّ والأعين النّجلا ولا المسك فى أعرافهن ولا البرى ... جواعل فى أوساطها قصبا خدلا خليلىّ لا والله ما قلت مرحبا ... لأوّل شيبات طلعن ولا أهلا «٤» خليلىّ إن الشيب داء كرهته ... فما أحسن المرعى وما أقبح المحلا قال مجالد: فكتبت الشعر، ثم قلنا للشعبى: من يقوله؟ فسكت، فحسبنا أنه قائله. [المراثى التى قيلت على قبر عمرو بن حممة الدوسى] قال الشّرقى بن القطامى: لما مات عمرو بن حممة الدّوسى- وكان أحد من تتحاكم العرب إليه- مرّ بقبره ثلاثة نفر من أهل المدينة قادمين من الشام: الهدم ابن امرئ القيس بن الحارث بن زيد، وهو أبو كلثوم بن الهدم الذى نزل عليه

стр. 1103

النبى ﷺ ، وعتيك بن قيس بن هيشة بن أمية بن معاوية، وحاطب ابن قيس بن هيشة ابن معاوية. وحاطب بن هيشة الذى كانت بسببه حرب حاطب، فعقروا رواحلهم على قبره، وقام الهدم فقال: لقد ضمّت الأثراء منك مرزّأ ... عظيم رماد النار مشترك القدر إذا قلت لم تترك مقالا لقائل ... وإن صلت كنت الليث تحمى حمى الأجر حليما إذ ما الحلم كان حزامة ... وقوفا إذا كان الوقوف على الجمر «١» ليبكك من كانت حياتك عزّه ... وأصبح لما متّ يغضى على الصّغر سقى الأرض ذات الطّول والعرض مثجم ... أحمّ الذرى واهى العرى دائم القطر «٢» وما بى سقيا الأرض لكنّ تربة ... أضلّك فى أحشائها ملحد القبر وقام عتيك بن قيس فقال: برغم العلا والجود والمجد والنّدى ... طواك الرّدى يا خير حاف وناعل لقد غال صرف الدهر منك مرزّأ ... نهوضا بأعباء الأمور الأثاقل يضمّ العفاة الطارقين فناؤه ... كما ضمّ أمّ الرأس شعب القبائل ويسرو دجا الهيجا مضاء عزيمة ... كما كشف الصبح اطّراق الغياطل «٣» ويستهزم الجيش العرمرم باسمه ... وإن كان جرّارا كثير الصواهل فإما تصبنا الحادثات بنكبة ... رمتك بها إحدى الدواهى الضآبل «٤» فلا تبعدن إن الحتوف موارد ... وكلّ فتى من صرفها غير وائل «٥» وقام حاطب بن قيس فقال: سلام على القبر الذى ضمّ أعظما ... تحوم المعالى نحوه فتسلّم

стр. 1104

سلام عليه كلما ذرّ شارق ... وما امتدّ قطع من دجى الليل مظلم [فيا قبر عمرو جاد أرضا تعطّفت ... عليك ملثّ دائم القطر مرزم تضمّنت جسما طاب حيّا وميتا ... فأنت بما ضمّنت فى الأرض معلم فلو نطقت أرض لقال ترابها ... إلى قبر عمرو الأزد حلّ التكرم إلى مرمس قد حلّ بين ترابه ... وأحجاره بدر وأضبط ضيغم فلا يبعدنك الله حيّا وميّتا ... فقد كنت نور الخطب والخطب مظلم لعمر الذى حطّت إليه على الونا ... حدابير عوج نيّها متهمّم] لقد هدم العلياء موتك جانبا ... وكان قديما ركنها لا يهدّم [بلاغة الأعراب] قال الأصمعى: سمعت أعرابيا يذكر قومه فقال: كانوا إذا اصطفّوا تحت القتام، مطرت بينهم السّهام، بشؤبوب الحمام «١» ، وإذا تصافحوا بالسيوف، فغرت أفواهها الحتوف، فرب قرن عارم قد أحسنوا أدبه، وحرب عبوس قد أضحكتها أسنتهم، وخطب مشمئز ذلّلوا مناكبه، ويوم عماس قد كشفوا ظلمته بالصبر حتى تتجلّى. كانوا البحر لا ينكش غماره، ولا يننه؟؟؟ تيّاره. قال العتبى: سئل أعرابى عن حاله [عند موته] فقال: أجدنى مأخوذا بالنّقلة، محجوجا بالمهلة، أفارق ما جمعت، وأقدم على ما ضيّعت، فيا حيائى من كريم قدّم المعذرة، وأطال النظرة «٢» ، إن لم يتداركنى بالمغفرة، ثم قضى. وقال بعض الرواة: كان يقال: الإخوان ثلاثة: أخ يخلص لك ودّه، ويبلغ لك فى مهمّك جهده، وأخ ذو نيّة يقتصر بك على حسن نيته، دون رفده «٣» ومعونته، وأخ يجاملك بلسانه، ويشتغل عنك بشأنه، ويوسعك من كذبه بأيمانه. قال إسحاق بن إبراهيم الموصلى: وقفت علينا أعرابية فقالت: يا قوم، تعثر بنا الدهر، إذ قلّ منا الشكر، وفارقنا الغنى، وحالفنا الفقر، فرحم الله امرأ فهم

стр. 1105

بعقل، وأعطى من فضل، وواسى من كفاف، وأعان على عفاف. [ذل السؤال] قال أبو بكر الحنفى: حضرت مسجد الجماعة بالكوفة، وقام سائل يتكلّم عند صلاة الظهر ثم عند العصر والمغرب، فلم يعط شيئا، فقال: اللهم إنك بحاجتى عالم غير معلّم، واسع غير مكلّف، وأنت الذى لا يرزؤك نائل، ولا يحفيك «١» سائل، ولا يبلغ مدحتك قائل، أنت كما قال المثنون، وفوق ما يقولون، أسألك صبرا جميلا، وفرجا قريبا، ونصرا بالهدى، وقرّة عين فيما تحب وترضى، ثم ولّى لينصرف، فابتدره الناس يعطونه، فلم يأخذ شيئا، ثم مضى وهو يقول: ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله ... عوضا، ولو نال الغنى بسؤال وإذا السؤال مع النوال وزنته ... رجح السؤال وخفّ كلّ نوال [من مقامات بديع الزمان] ومن مقامات الإسكندرى إنشاء البديع: حدّثنا عيسى بن هشام قال: كنت فى بلاد الأهواز، وقصاراى لفظة شرود أصيدها، أو كلمة بليغة أستفيدها؛ فادّانى السير إلى رقعة [من البلاد] فسيحة، وإذا هناك قوم مجتمعون على رجل يستمعون إليه وهو يخبط الأرض بعضا على إيقاع لا يختلف، وعلمت أنّ مع الإيقاع لحنا، ولم أبعد لأنال من السماع حظّا، أو أسمع من البليغ لفظا، فما زلت بالنظّارة، أزحم هذا وأدفع ذاك، حتى وصلت إلى الرجل، وصرفت الطرف منه إلى حزقّة كالقرنب «٢» ، مكفوف فى شملة من صوف، يدور كالخذروف «٣» ، متبرنسا بأطول منه، معتمدا على عصا فيها جلاجل، يضرب الأرض بها على إيقاع غنج، ولفظ هزج، من صدر حرج، وهو يقول: يا قوم قد أثقل دينى ظهرى ... وطالبتنى طلّتى بالمهر «٤»

стр. 1106

أصبحت من بعد غنى ووفر ... ساكن قفر وحليف فقر يا قوم هل بينكم من حرّ ... يعيننى على صروف الدهر يا قوم قد عيل بفقرى صبرى ... وانكشفت عنى ذيول السّتر وفضّ ذا الدهر بأيدى البتر ... ما كان لى من فضّة وتبر آوى إلى بيت كقيد الشّبر ... خامل قدر وصغير قدر «١» لو ختم الله بخير أمرى ... أعقبنى من عسرة بيسر هل من فتى فيكم كريم النّجر ... محتسب فىّ عظيم الأجر إن لم يكن مغتنما للشكر قال عيسى بن هشام: فرقّ له والله قلبى، واغرورقت عينى، وما لبثت أن أعطيته دينارا كان معى، فأنشأ يقول: يا حسنها فاقعة صفراء ... معشوقة منقوشة قوراء يكاد أن يقطر منها الماء ... قد أثمرتها همّة علياء نفس فتى يملكه السّخاء ... يصرفه فيه كما يشاء يا ذا الذى يعنيه ذا الثناء ... ما يتقصّى قدرك الإطراء فامض على الله لك الجزاء ورحم الله من شدّها فى قرن بمثلها، وآنسها بأختها، فناله الناس ما نالوه «٢» ؛ ثم فارقهم وتبعته، وعلمت أنه متعام لسرعة ما عرف الدينار، فلما نظمتنا خلوة مددت يمناى إلى يسرى عضديه، وقلت: والله لترينّى سرّك، أو لأكشفنّ سترك؛ فكشف عن توأمتى لوز «٣» ، وحدرت لثامه، فإذا هو والله شيخنا أبو الفتح الإسكندرى، فقلت: أنت أبو الفتح؟ فقال: لا أنا أبو قلمون ... فى كلّ لون أكون

стр. 1107

اختر من الكسب دونا ... فإنّ دهرك دون زجّ الزمان بحمق ... إنّ الزمان زبون لا تخدعنّ بعقل ... ما العقل إلا الجنون [من شعر كشاجم] وقال أبو الفتح كشاجم: ما زال حرّ الشوق يغلب صبرها ... حتى تحدّر دمعها المتعلّق وجرى من الكحل السحيق بخدّها ... خطّ تؤثّره الدموع السّبّق فكأنّ مجرى الدمع حلية فضّة ... فى بعضه ذهب وبعض محرق وقال: ما لذة أكمل فى طيبها ... من قبلة فى إثرها عضّه كأنما تأثيرها لمعة ... من ذهب أجرى فى فضّه خلستها بالكره من شادن ... يعشق بعضى بالمنى بعضه وقال: ومستهجن مدحى له إن تأكّدت ... له عقد الإخلاص، والحرّ يمدح «١» ويأبى الذى فى القلب إلّا تبيّنا ... وكلّ إناء بالذى فيه يرشح وقال: وإذا افتخرت بأعظم مقبورة ... فالناس بين مكذّب ومصدّق فأقم لنفسك فى انتسابك شاهدا ... بحديث مجد للقديم محقّق وقال: يا مسدى العرف إسرارا وإعلانا ... ومتبع البرّ والإحسان إحسانا أقلع سحابك قد غرّقتنى نعما ... ما أدمن الغيث إلّا كان طوفانا «٢»

стр. 1108

هذا مولد من قول أبى نواس: لا تسدينّ إلىّ عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا البحترى: ألحّ جودا ولم تضرر سحائبه ... وربما ضرّ فى إلحاحه المطر مواهب ما تجشّمنا السؤال لها ... إن الغمام قليب ليس يحتفر «١» وقد أخذ على ذى الرمة قوله: ألا يا اسلمى يا دارمىّ على البلى ... ولا زال منهلّا بجرعائك القطر قالوا: وأحسن منه قول طرفة: فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمى وقد تحرز ذو الرمة مما تؤول عليه بالسلامة فى أول البيت. وقال كشاجم: أيا نشوان من خمر بفيه ... متى تصحو وريقك خندريس «٢» أرى بك ما أراه بذى انتشاء ... ألحّ عليه بالكاس الجليس تورّد وجنة وفتور لحظ ... تمرّضه وأعطاف تميس وقال: وما زال يبرى جملة الجسم حبّها ... وينقصه حتى نقصت عن النقص «٣» وقد ذبت حتى صرت إن أنا زرتها ... أمنت عليها أن يرى أهلها شخصى [الرجوع إلى الرئيس بعد تجربة غيره] كتب ابن مكرم إلى بعض الرؤساء: نبت بى غرّة الحداثة، فردّتنى إليك التجربة، وقادتنى الضرورة، ثقة بإسراعك إلىّ وإن أبطأت عنك،

стр. 1109

وقبولك العذر وإن قصرت عن واجبك، وإن كانت ذنوبى سدّت علىّ مسالك الصفح عنى، فراجع فىّ مجدك وسؤددك، وإنى لا أعرف موقفا أذل من موقفى، لولا أنّ المخاطبة فيه لك، ولا خطّة أدنى من خطّتى، لولا أنها فى طلب رضاك. وهذا المعنى الذى ذهب إليه من الرجوع إلى الرئيس بعد تجربة غيره قد أكثر الناس منه قديما وحديثا وسأفيض فى طرف من ذلك: وأنشد أبو عبيدة لزياد بن منقذ الحنظلى، وهو أخو [المرار العدوى، نسب إلى أمة العدوية، وهى فكيهة بنت تميم بن الدّول بن جبلة بن عدى بن] عبد مناة بن أد بن طابخة؛ فولدت لمالك بن حنظلة عديّا ويربوعا؛ فهؤلاء من ولده يقال لهم [بنو] العدويّة، وكان زياد نزل بصنعاء فاجتواها «١» ومنزله بنجد، فقال فى ذلك قصيدة يقول فيها وذكر قومه: مخدّمون ثقال فى مجالسهم ... وفى الرحال إذا صاحبتهم خدم «٢» لم ألق بعدهم حيّا فأخبرهم ... إلّا يزيدهم حبّا إلىّ هم [وأراه أول من استثار هذا المعنى. وكان ابن أبى عرادة السعدى مع سلم بن زياد بخراسان وكان له مكرما فتركه وصحب غيره فلم يخمد أمره، فرجع إليه، فقال: عتبت على سلم فلما فقدته ... وجرّبت أقواما بكيت على سلم رجعت إليه بعد تجريب غيره ... فكان كبرء بعد طول من السقم] وقال مسلم بن الوليد: حياتك يا بن سعدان بن يحيى ... حياة للمكارم والمعالى جلبت لك الثناء فجاء عفوا ... ونفس الشكر مطلقة العقال

стр. 1110

وترجعنى إليك- وإن نأت بى ... ديارى عنك- تجربة الرجال وأنشد أبو العباس محمد بن يزيد المبرد للبحترى: أخ لك عاداه الزمان فأصبحت ... مذممة فيما لديه المطالب متى ما تذوّقه التجارب صاحبا ... من الناس تردده إليك التجارب وأنشد: حياة أبى العباس زين لقومه ... لكلّ امرئ قاسى الأمور وجرّبا ونعتب أحيانا عليه ولو مضى ... لكنّا على الباقى من الناس أعتبا «١» قال الصولى: جرى ذكر المكتفى بحضرة الراضى فأطريته وأكثرت الثناء عليه، فقال لى: يا صولى؛ كنت أنشدتنى لجرير: أسليك عن زيد لتسلى، وقد أرى ... بعينيك من زيد قذى ليس يبرح فقلت: يا أمير المؤمنين، من شكر القليل كان للكثير أشدّ شكرا، وأعظم ذكرا، قال: فأين أنا لك من المكتفى؟ فأنشدته للطائى: كم من وساع الجود عندى والنّدى ... لمّا جرى وجريت كان قطوفا «٢» أحسنتما صفدى، ولكن كنت لى ... مثل الربيع حيا وكان خريفا وكلا كما اقتعد العلا فركبتها ... فى الذّروة العليا وجاء رديفا «٣» إن غاض ماء المزن فضت، وإن قست ... كبد الزمان علىّ كنت رءوفا وكان المكتفى أول من نادمه الصولى، واختلط به. ولم يل الخلافة أحد اسمه علىّ إلا علىّ بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه، وعلىّ بن المعتضد المكتفى بالله، وكان سبب اتصاله به وانقطاعه إليه أنّ رجلا يعرف بمحمد بن أحمد الماوردى نزع إلى المكتفى بالرّفة، وكان ألعب الناس

стр. 1111

بالشطرنج، فلما قدم عليه بغداد وهو خليفة قال: يا أمير المؤمنين، أنا أعلم الناس بهذه الصناعة، فأقطعنى ما كان للرازى الشطرنجى؛ فغاظ ذلك المكتفى، وندب له الصولى فلم ير معه الماوردى شيئا. فقال له المكتفى: صار ماء وردك بولا، قال الصولى: فأقبل المكتفى علىّ ورتّبنى فى الجلساء، فحجبت يوما عنه، واتصل بى أن خصمى شمّت بى، فكتبت قصيدة للمكتفى أقول فيها: قد ساء ظنّ الناس بى وتنكّروا ... لمّا رأونى دون غيرى أحجب إن كان غلبيه يقرّب أمره ... دونى فإنى عن قريب أغلب فضحك، وأمر لى بمائتى دينار، واندرجت فى خدمته. [فى بيعة يزيد بن معاوية] اجتمعت وفود العرب عند معاوية رحمه الله تعالى، وكان إذا أراد أن يفعل شيئا ألقى منه ذرءا إلى الناس «١» ، فإذا امتنعوا كفّ، وإن رضوا أمضى، فعرض ببيعة يزيد، فقامت خطباء معدّ فشقّقوا الكلام، وأطنبوا فى الخطاب، فوثب شاب من غسّان قابضا على قائم سيفه، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إنّ الحيف فى حكم السيف «٢» ، وبعد النسيم الهيف «٣» ؛ فإنّ هؤلاء عجزوا عن الصّيال، فعوّلوا على المقال، ونحن القاتلون إذا صلنا، والمعجبون إذا قلنا، فمن مال عن القصد أقمناه، ومن قال بغير الحق وقمناه «٤» ، فلينظر ناظر إلى موطىء قدمه، قبل أن تدحض فيهوى هوىّ الحجر من رأس النّيق «٥» ؛ فتفرّق الناس عن قوله، ونسوا ما كانوا فيه من الخطب.

стр. 1112

[فى الإقدام حياة] وقال المهلب يوما لجلسائه: أراكم تعنّفوننى فى الإقدام، قالوا له: إى والله، إنك لسقوط بنفسك فى المهالك، قال: إليكم عنى! فوالله لولا أن آتى الموت مسترسلا، لأتانى مستعجلا؛ إنى لست آتى الموت من حبّه، إنما آتيه من بغضه، ثم تمثّل بقول الحصين بن الحمام المرى: [تأخرت أستبقى الحياة فلم أجد ... لنفسى حياة مثل أن أتقدما ومن هذا أخذ أبو الطيب المتنبى قوله] : أرى كلّنا يهوى الحياة لنفسه ... حريصا عليها مستهاما بها صبّا فحبّ الجبان النفس أورده التّقى ... وحبّ الشجاع النفس أورده الحربا وقال أبو دلف: الحرب تضحك عن كرّى وإقدامى ... والخيل تعرف آثارى وأيّامى سيفى مدامى، وريحانى مثقفتى، ... وهمّتى مقة التفصيل للهام «١» وقد تجرّد لى بالحسن منفردا ... أمضى وأشجع منى يوم إقدامى «٢» سلّت لواحظه سيف السّفام على ... جسمى فأصبح جسمى ربع أسقام [من أخبار أبى دلف وشعره] وكان أبو دلف شاعرا مجيدا، وجوادا كريما. جامعا لآلات الأدب والظرف، وله شعر جيد فى كل فن، وهو القائل: أحبك يا جنان؛ فأنت منى ... محلّ الروح من جسد الجبان ولو أنى أقول: مكان روحى ... لخفت عليك بادرة الزمان

стр. 1113

لإقدامى إذ ما الخيل جالت ... وهاب كماتها حرّ الطّعان «١» وكان يتعشّق جارية ببغداد فإذا شخص إلى الحضرة زارها، فركب فى بعض قدماته إليها، فلما صار بالجسر مشى على طرف طيلسان بعض المارّين، فخرقه، فأخذ بعنانه، وقال: يا أبا دلف؛ ليست هذه كرخك، هذه مدينة السلام؛ الذئب والشاة بها فى مربع واحد! فثنى عنانه متوجّها إلى الكرخ، وكتب إلى الجارية: قطعت عن لقائك الأشغال ... وهموم أتت علىّ ثقال فى بلاد يهان فيها عزيز الق ... وم حتى تناله الأنذال حيث لا مدفع بسيف عن الضيم ... ولا للكماة فيها مجال ومقام العزيز فى بلد الهو ... ن إذا أمكن الرحيل محال فعليك السلام يا ظبية الكر ... خ أقمتم وحان منّا ارتحال ودخل أبو دلف على المأمون بعد الرّضا عنه، فسأله عن عبد الله بن طاهر، فقال: خلّفته يا أمير المؤمنين أمين غيب، نصيح جيب، أسدا عاتيا، قائما على براثنه، يسعد به وليّك، ويشقى به عدوّك، رحب الفناء لأهل طاعتك، ذا بأس شديد لمن زاغ عن قصد محجّتك، قد فقّهه الحزم، وأيقظه العزم، فقام فى نحر الأمور على ساق التشمير، يبرمها بأيده «٢» وكيده، ويفلّها بحدّه وجدّه؛ وما أشبهه فى الحرب إلا بقول العباس بن مرداس: أكرّ على الكتيبة لا أبالى ... أحتقى كان فيها أم سواها [فقال قائل: ما أفصحه على جبليّته! فقال المأمون: وإن بالجبل قوما أمجادا، كراما أنجادا، وإنهم ليوفّون السيف حظّه يوم النّزال، والكلام حقّه يوم المقال، وإن أبا دلف منهم] .

стр. 1114

[من رسائل الميكالى] فصل لأبى الفضل الميكالى من كتاب تعزية عن أبى العباس بن الإمام أبى الطيب. لئن كانت الرزيّة بمصيبة مؤلمة، وطرق العزاء والسّلوة مبهمة، لقد حلّت بساحة من لا تنتقض بأمثالها مرائره، ولا تضعف عن احتمالها بصائره، بل يتلقّاها بصدر فسيح يحمى أن يفتح الحزن بابه، وصبر مشيح يحمى أن يحبط الجزع أجره وثوابه، ولم لا وآداب الدين من عنده تلتمس، وأحكام الشرع من بنانه ولسانه تستفاد وتقتبس، والعيون ترمقه «١» فى هذه الحال لتجرى على سننه، وتأخذ بآدابه وسننه؛ فإن تعزّت القلوب فبحسن تماسكه عزاؤها، وإن حسنت الأفعال فإلى حميد أفعاله ومذاهبه اعتزاؤها. وله من تعزية إلى أبى عمرو البحترى: قدّس الله روحه، وسقى ضريحه؛ فلقد عاش نبيه الذّكر، جليل القدر، عبق الثناء والنّشر، يتجمّل به أهل بلده، ويتباهى بمكانه ذوو مودّته، ويفتخر الأثر وحاملوه بتراخى بقائه ومدّته، حتى إذا تسنّم ذروة «٢» الفضائل والمناقب، وظهرت محاسنه كالنجوم الثواقب، اختطفته يد المقدار، ومحى أثره بين الآثار، فالفضل خاشع الطّرف لفقده، والكرم خالى الرّبع من بعده، والحديث يندب حافظه ودارسه، وحسن العهد يبكى كافله وحارسه. وله: فأما الشكر الذى أعارنى رداءه، وقلّدنى طوقه وسناءه؛ فهيهات أن ينتسب إلا إلى عادات فضله وإفضاله، ولا يسير إلّا تحت رايات عرفه ونواله، وهو ثوب لا يحلّى إلا بذكره طرازه، واسم له حقيقته ولسواه مجازه، ولو أنه

стр. 1115

حين ملك رقّى بأياديه، وأعجز وسعى عن حقوق مكارمه ومساعيه، خلّى لى مذهب الشكر وميدانه، ولم يجاذبنى زمامه وعنانه، لتعلّقت عن بلوغ بعض الواجب بعروة طمع، ونهضت فيه ولو على وهن وظلع «١» ، ولكنه يأبى إلا أن يستولى على أمد الفضائل، ويتسنم ذرا الغوارب منها والكواهل؛ فلا يدع فى المجد غاية إلّا يسبق إليها فارطا، ويخلّف من سواه عنها حسيرا ساقطا؛ لتكون المعالى بأسرها مجموعة فى ملكه، منظومة فى سلكه، خالصة له من دعوى القسيم وشركه. وله فصل من كتاب إلى أبى سعيد بن خلف الهمذانى: فأما التّحفة التى شفعها بكتابه فقد وصلت، فكانت ضرّة لزهر الربيع، موفية بحسن الخطّ على الوشى الصنيع، وليس يهتدى لمثل هذه اللطائف فى مبرّة الإخوان، إلّا من يعدّ من أفراد الأقران، ولا يرضى من نفسه فى إقامة شعائر البرّ دون القران «٢» ، والله يمتّعه بما منحه من خصائص هى فى آذان الزمان شنوف «٣» ، وفى جيده عقد برصوف. [عتاب] وقال أبو يعقوب الخريمى يعاتب الوليد بن أبان: أتعجب منى إن صبرت على الأذى ... وكنت امرأ ذا إربة متجمّلا فإنّى بحمد الله لا رأى عاجز ... رأيت، ولا أخطأت للحقّ مفصلا ولكن تدبّرت الأمور؛ فلم أجد ... سوى الحلم والإغضاء خيرا وأفضلا وأقسم لولا سالف الودّ بيننا ... وعهد أبت أركانه أن تزيّلا وأيامك الغرّ اللواتى تقدّمت ... وأوليتنيها منعما متطوّلا

стр. 1116

رحلت قلوص الهجر ثم اقتعدتها ... إلى البعد ما ألفيت فى الأرض معملا وأكرمت نفسى والكرامة حظّها ... ولم ترنى لولا الهوى متذلّلا وعارضت أطراف الصّبا أبتغى أخا ... يعين إذا ما الهمّ بالمرء أعضلا أخا كأبى عمرو، وأنّى بمثله ... إذا الحرّ بالمجد ارتدى وتسر بلا جزى الله عثمان الخريمىّ خير ما ... جزى صاحبا جزل المواهب مفضلا أخا كان إن أقبلت بالودّ زادنى ... صفاء وإن أدبرت حنّ وأقبلا أخا لم يخنّى فى الحياة ولم أبت ... يخوّفنى الأعداء منه التنقّلا إذا حاولوه بالسعاية حاولوا ... به هضبة تأبى بأن تتخلخلا يحكّمنى فى ماله ولسانه ... ويركب دونى الراعبىّ المؤللا «١» كفى جفوة الإخوان طول حياته ... وأورث مما كان أعطى وأحزلا وبات حميدا لم يكدّر صنيعه ... ولم أقله طول الحياة وماقلا وكنت أخا لو دام عهدك واصلا ... نصورا إذا ما الشرّ خبّ وهرولا فغيّرك الواشون حتى كأنما ... ترانى شجاعا بين عينيك مقبلا [من ترجمة أبى يعقوب الخريمى] وأبو يعقوب هذا إسحاق بن حسان، قال المبرد: كان أبو يعقوب جميل الشعر، مقبولا عند الكتاب، وله كلام قوى، ومذهب متوسط، وكان يرجع إلى نسب كريم فى الصّغد، وكان له ولاء فى غطفان، وكان اتصاله بمولاه أبى عثمان بن خريم المرى الذى يقال له خريم الناعم، وكان أبو عثمان هذا قائدا جليلا، وسيدا كريما. وسئل [خريم] عن لذة الدنيا، فقال: الأمن فإنه لا عيش لخائف، والعافية فإنه لا عيش لسقيم، والغنى فإنه لا عيش لفقير. وقيل له:

стр. 1117

ما بلغ من نعمتك؟ قال: لم ألبس جديدا فى صيف، ولا خلقا فى شتاء. وفى نسبه فى الصّغد يقول: أبا لصّغد باس أن تعيرنى جمل ... سفاها ومن أخلاق جارتنا البخل «١» وما ضرّنى أن لم تلدنى يحابر ... ولم تشتمل جرم علىّ ولا عكل «٢» يقول فيها: [ودون الندى فى كل قلب ثنية ... لها مصعد حزن ومنحدر سهل] وودّ الفتى فى كل نيل ينيله ... إذا ما انقضى لو أن نائله جزل وأعلم علما ليس بالظن أنه ... لكل أناس من ضرائبهم شكل وأن أخلّاء الزمان غناؤهم ... قليل إذا ما المرء زلّت به النعل تزوّد من الدنيا متاعا لغيرها ... فقد شمّرت حذّاء وانصرم الحبل «٣» وهل أنت إلا هامة اليوم أوغد ... لأمّك من إحدى طوارقها الثّكل وقال يتشوق الحسن بن التّختاخ «٤» : ألا مبلغ عنى خليلى ودونه ... مطا سفر لا يطعم النوم طالبه رسالة ثاو بالعراق وروحه ... بفسطاط مصر حيث جمّت عجائبه له كلّ يوم حنّة بعد رنّة ... يجيش بها فى الصدر شوق يغالبه إلى صاحب لا يخلق النأى عهده ... لناء ولا يشقى به من يصاقبه تخيّره حرّا نقيّا ضميره ... جميلا محيّاه كريما ضرائبه هو الشهد سلما، والذّعاف عداوة ... وبحر على الورّاد تجرى غواربه فيا حسن الحسن الذى عمّ فضله ... وتمّت أياديه وجمّت مناقبه إليك على بعد المزار تطلّعت ... نوازع شوق ما تردّ عوازبه أرى بعدك الإخوان أبناء علة ... لهم نسب فى ودّهم لا أناسبه

стр. 1118

فهل يرجعن عيشى وعيشك مرّة ... ببغداد دهر منصف لا نعاتبه ليالى أرعى فى جنابك روضة ... وآوى إلى حصن منيع مراتبه «١» وإذ أنت لى كالشهد بالرّاح صفّقا ... بماء رصاف صفقته جنائبه «٢» عسى ولعلّ الله يجمع بيننا ... كما لاءمت صدع الإناء مشاعبه فقر وفصول فى معان شتى قال العتابى: حظّ الطالبين من الدّرك، بحسب ما استصحبوا من الصّبر. بعض الحكماء: الحلم عدّة للسفيه، وجنّة من كيد العدو، وإنك لن تقابل سفيها بالإعراض عن قوله إلّا أذللت نفسه، وفللت حدّه، وسللت عليه سيوفا من شواهد حلمك عنه، فتولّوا لك الانتقام منه. وقال آخر: العجلة مكسبة للمذمّة، مجلبة للنداءة، منفّرة لأهل الثقة، مانعة من سداد الرغبة. وأتى العتابىّ وهو بالرّى رجل يودّعه فقال: أين تريد؟ قال: بغداد، قال: إنك تريد بلدا اصطلح أهله على صحّة العلانية، وسقم السريرة، كلّهم يعطيك كله، ويمنعك قله وقال يحيى بن خالد لرجل دخل عليه: ما كان خبرك مع فلان؟ قال: قد افتديت مكاشفته واشتريت مكاشرته «٣» بألف درهم، فقال يحيى: لا تبرح حتى يكتب الفضل وجعفر عنك هذا القول. قال الأصمعى: سمعت أعرابيا يدعو، ويقول: اللهم ارزقنى عمل الخائفين، وخوف العاملين، حتى أتنعم بترك التنعم، رجاء لما وعدت، وخوفا مما أوعدت. وللعتابى: أما بعد فإنه ليس بمستخلص غضارة عيش إلا من خلال مكروهه،

стр. 1119

ومن انتظر بمعاجلة الدرك مؤاجلة الاستقصاء سلبته الأيام فرصته. كتب بعض الكتاب إلى أخ له: إن رأيت أن تحدّد لى ميعادا لزيارتك، أتقوّته «١» إلى وقت رؤيتك، ويؤنسنى إلى حين لقائك، فعلت إن شاء الله فأجابه: أخاف أن أعدك وعدا يعترض دون الوفاء به مآلا أقدر على دفعه، فتكون الحسرة أعظم من الفرقة. فأجاب المبتدئ: أنا أسر بموعدك، وأكون جذلا «٢» بانتظارك، فإن عاق عن الإنجاز عائق، كنت قد ربحت السرور بالتوقّع لما أحبّه، وأصبت أجرى على الحسرة بما حرمته. وكتب أخ إلى أخ له يستدعيه: أما بعد فإنه من عانى الظّمأ بفرقتك استوجب الرىّ من رؤيتك، والسلام. وكتب آخر فى بابه: يومنا يوم طاب أوّله، وحسن مستقبله، وأتت السماء بقطارها، فحلّت الأرض بأنوارها «٣» ، وبك تطيب الشّمول، ويشفى الغليل، فإن تأخّرت عنا فرّقت شملنا، وإن تعجلت إلينا نظمت أمرنا. قال إسحاق الموصلى: قال لى ثمامة بن أشرس، وقد أصبت بمصيبة: لمصيبة فى غيرك لك ثوابها، خير من مصيبة فيك لغيرك أجرها. ومرّ عمر بن ذر بابن عياش المنتوف، وكان سفه عليه فأعرض عنه، وتعلّق بثوبه، وقال: يا هناه؛ إنا لم نجد لك جزاء إذ عصيت الله فينا، خيرا من أن نطيعه فيك. أخذه من قول عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه: ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه. وكتب بعض الكتاب إلى رئيسه: ما رجائى عدلك بزائد على تأميلى فضلك، كما أنه ليس خوفى صيالك، بأكثر من خشيتى نكالك؛ لأنك

стр. 1120

لا ترضى للمحسن بصغير المثوبة، كما لا تقنع للمسىء إلّا بموجع العقوبة. وقال آخر: ما عسيت أن أشكرك عليه من مواعد لم تشب بمطل، ومرافد لم تشن بمنّ، وعهد لم يمازجه ملق، وودّ لم يشبه مذق. وقال آخر: علقت به أسباب الجلالة غير مستشعر فيها بنخوة، وترامت له أحوال الصرامة غير مستعمل معها السطوة، هذا مع دماثة فى غير حصر، ولين جانب من غير خور «١» . فصل لابن الرومى: إنى لوليّك الذى لم تزل تنقاد لك مودته من غير طمع ولا جزع، وإن كنت لذى رغبة مطمعا، ولذى رهبة مهربا. أبو فراس الحمدانى: كذاك الوداد المحض لا يرتجى له ... ثواب، ولا يخشى عليه عقاب [بين حنيفة ونمير] غزت حنيفة نميرا فانتصفوا منهم، فقيل لرجل منهم: كيف صنع قومك؟ قال: اتبعونى وقد أحقبوا كل جمالية خيفانه «٢» ، فما زالوا يخصفون [أخفاف] المطىّ بحوافر الخيل، حتى لحقوهم؛ فجعلوا المرّان أرشية الموت، فاشتفّوا بها أرواحهم. [دعاء] ودعا أعرابى فقال: اللهم إن كان رزقى نائيا فقرّبه، أو قريبا فيسّره، أو ميسّرا فعجله، أو قليلا فكثره، أو كثيرا فثمّره. [من رسائل البلغاء] وكتب عنبسة بن إسحاق إلى المأمون وهو عامله على الرّقّة، يصف خروج الأعراب بناحية سنجار وعيثهم بها «٣» : يا أمير المؤمنين، قد قطع سبل المجتازين،

стр. 1121

من المسلمين والمعاهدين، نفر من شذّاذ الأعراب الذين لا يرقبون فى مؤمن إلّا «١» ولا ذمّة، ولا يخافون من الله حدّا ولا عقوبة، ولولا ثقتى بسيف أمير المؤمنين وحصده هذه الطائفة، وبلوغه فى أعداء الله ما يردع قاصيهم ودانيهم، لأذّنت بالاستنجاد عليهم، ولا بتعثت الخيل إليهم، وأمير المؤمنين معان فى أموره بالتأييد والنصر إن شاء الله. فكتب إليه المأمون: أسمعت غير كهام السمع والبصر ... لا يقطع السيف إلا فى يد الحذر سيصبح القوم من سيفى وضاربه ... مثل الهشيم ذرته الريح بالمطر فوجّه عنبسة بالبيتين إلى الأعراب، فما بقى منهم اثنان. وكتب المطلب بن عبد الله بن مالك إلى الحسن بن سهل فى رجل توسّل به: طلب العافين الوسائل إلى الأمير- أعزّه الله- ينبىء عن شروع موارد إحسانه، ويدعو إلى معرفة فضله، وما أنصفه- أعزه الله تعالى- من توسّل إلى معروفه بغيره؛ فرأى الأمير- أعزه الله- فى التطوّل على من قصرت معرفته عن ذلك بما يريد الله تعالى فيه موفقا إن شاء الله تعالى. فكتب إليه الحسن: وصلك الله بما وصلتنى فى صاحبك من الأجر والشكر، وأراك الإحسان فى قصدك إلى بأمثاله فرضا يفيدك شكره، ويعقبك أجره، فرأيك فى إتمام ما ابتدأت به وإعلامى ذلك مشكورا. وكان المطلب ممدّحا كريما، وقد حسد دعبل شرفه وإنعامه، وغبط إحسانه وإكرامه، إذ يقول: اضرب ندى طلحة الطلحات معترفا ... بلؤم مطّلب فينا وكن حكما تخلص خزاعة من لؤم ومن كرم ... فلا تعدّ لها لؤما ولا كرما وأمر طلحة أعرف من أن يوصف.

стр. 1122

وما أبعد قول دعبل من قول البحترى لصاعد بن مخلد وأهل بيته: بنى مخلد كفوا تدفّق جودكم ... ولا تبخسونا حظنا فى المكارم ولاتنصروا مجدى قنان ومخلد ... بأن تذهبوا عنا بسمعة حاتم «١» وكان لنا اسم الجود حتى جعلتم ... تغضّون منا بالخلال الكرائم [رثاء يزيد بن مزيد] قال الزبير بن بكار: لما مات يزيد بن مزيد بأرمينية قام حبيب بن البراء خطيبا، فقال: أيها الناس، لا تقنطوا من مثله وإن كان قليل النظير، وهبوه من صالح دعائكم مثل الذى أخلص فيكم من نواله، والله ما تفعل الديمة الهطلة فى البقعة الجدبة ما عملت فينا يداه من عدله ونداه. فسرق هذا أبو لبابة [الشاعر] فقال: ما بقعة جادها غيث وقرّنها؟؟؟ ... فأزهرت بأقاحى النّبت ألوانا أبهى وأحسن مما أثّرت يده ... فى الشرق والغرب معروفا وإحسانا [وقال ابن المبارك يمدح يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبى صفرة: وإذا تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بائعها وأنت المشترى وإذا توعّرت المسالك لم يكن ... فيها السبيل إلى نداك بأوعر «٢» وإذا صنعت صنيعة أتممتها ... بيدين ليس نداهما بمكدّر وإذا هممت لمعتفيك بنائل ... قال الندى- فأطعته- لك: أكثر «٣» يا واحد العرب الذى ما إن لهم ... من معدل عنه ولا من مقصر]

стр. 1123

[من رسائل بديع الزمان] كتب البديع أبو عبد الله أحمد بن الحسين بن يحيى: أما أبو فلان فلا شك أنّ كتابى يرد منه على صدر محا اسمى من صحيفته، وقطع حظّى من وظيفته، ونسى اجتماعنا على الحديث والغزل، وتصرفنا فى الجدّ والهزل، وتقلّبنا فى أعطاف العيش، بين الوقار والطّيش، وارتضاعنا ثدى العشرة؛ إذ الزمان رقيق القشرة، وتواعدنا أن يلحق أحدنا بصاحبه، وتصافحنا من قبل ألّا نصرم الحبل، وتعاهدنا من بعد ألّا ننقض العهد، وكأنى به وقد اتخذ إخوانا فلا بأس، فإن كان للجديد لذة فللقديم حرمة، والأخوّة بردة لا تضيق بين اثنين، ولو شاء معاشرنا فى البين، وكان سألنى أن أرتاد له «١» منزلا ماؤه روىّ، ومرعاه غذى، وأكاتبه لينهض إليه راحلته؛ فهاك نيسابور «٢» ضالّته التى نشدتها وقد وجدتها، وخراسان أمنيته التى طلبتها وقد أصبتها، وهذه الدولة بغيته التى أرادها وقد وردتها، فإن صدّقنى رائدا، فليأتنى قاصدا. وله إلى بعض إخوانه يعزيه عن أبيه: وصلت رقعتك يا سيدى والمصاب لعمر الله كبير، وأنت بالجزع جدير، ولكنك بالعزاء أجدر، والصبر عن الأحبّة رشد كأنه الغىّ، وقد مات الميت فليحى الحىّ، والآن فاشدد على مالك بالخمس، فأنت اليوم غيرك بالأمس، وكان الشيخ ﵀ وكيلك، تضحك ويبكى لك، وقد موّلك ما ألّف فى سراه «٣» وسيره، وخلفك فقيرا إلى الله غنيا عن غيره، وسيعجم الشيطان عودك، فإن استلانك رماك بقوم يقولون: خير المال ما أتلف بين الشراب والشباب، وأنفق بين الحباب «٤» والأحباب، والعيش بين القداح والأقداح «٥» ، ولولا الاستعمال، ما أريد المال! فإن أطعتهم فاليوم فى الشراب، وغدا فى الخراب، واليوم واطربا للكاس، وغدا واحربا من

стр. 1124

الإفلاس، يا مولاى ذلك الخارج من العود يسمّيه الجاهل نقرا، ويسمّيه العاقل فقرا. وكذلك المسموع فى الناى، هو فى الآذان زمر، وفى الأبواب سمر، فإن لم يجد الشيطان مغمزا فى عودك من هذا الوجه، رماك بقوم يمثّلون الفقر حذاء عينيك، فتجاهد قلبك، وتحاسب بطنك، وتناقش عرسك «١» ، وتمنع نفسك، وتتوقّى دنياك بوزرك، وتراه فى الآخرة فى ميزان غيرك، لا، ولكن قصدا بين الطريقين، وميلا عن الفريقين، لا منع ولا إسراف، والبخل فقر حاضر، وضرّ عاجل، وإنما يبخل المرء خيفة ما هو فيه. ومن ينفق الساعات فى جمع ماله ... مخافة فقر فالذى صنع الفقر وليكن لله فى مالك قسم، وللمروءة قسم؛ فصل الرّحم ما استطعت، وقدّر إذا قطعت، فلأن تكون فى جانب التقدير، خير من أن تكون فى جانب التبذير. وله إلى رئيس عناية برجل: كتابى أظال الله بقاء الرئيس، والكاتب مجهول، والكتاب فضول، وبحسب الرأى موقعه، فإن كان جميلا فهو تطوّل، وإن كان شينا فهو تقوّل، وأية سلك الظنّ فله- أيّده الله تعالى- المنّ، من نيسابور عن سلامة شاملة نسأل الله تعالى ألّا يلهينا بسكرها، عن شكرها، والحمد لله رب العالمين. يقول الشيخ- أيّده الله تعالى: من هذا الرجل؟ وما هذا الكتاب؟ فأمّا الرجل فخاطب ودّ أولا، وموصل شكر ثانيا؛ وأما الكتاب فلحام أرحام الكرام؛ فإن يعن الله الكرام تتّصل الأرحام. هذا الشريف قد حاربه زمان السوء؛ فأخرجه من البيت الذى بلغ السماء مفخرا، ثم طلب فوقه مظهرا «٢» ؛ وله بعد جلالة النسب، وطهارة الأخلاق، وكرم العهد، وحضرنى فسألته عما وراءه، فأشار إلى ضالّة الأحرار، وهو الكرم مع اليسار،

стр. 1125

ونبّه على قيد الكرام، وهو البشر مع الإنعام، وحدّث عن برد الأكباد، وهو مساعدة الزمان للجواد، ودلّ على نزهة الأبصار، وهو الثّراء، ومتعه الأسماع، وهو الثناء، وقلّما اجتمعا، وعزّ ما وجدا معا. وذكر أنّ الشيخ الرئيس- أيده الله- جماع هذه الخيرات، وسألنى الشهادة له، وبذل الخط بها، ففعلت، وسألت الله إعانته على همّته؛ فرأى الشيخ- أيده الله تعالى فى الوقوف على ما كتبت، وفى الإجابة- إن نشط- الموفّق إن شاء الله وله إلى ابن أخته: وصل كتابك بما ضمّنته من تظاهر نعم الله عليك، وعلى أبويك، فسكنت إلى ذلك من حالك، وسألت الله بقاءك، وأن يرزقنى لقاءك، وذكرت مصابك بأخيك، رحمه الله تعالى، فكأنما فتتّ عضدى، وطعنت فى كبدى، فقد كنت معتضدا بمكانه، والقدر جار لشانه، وكذلك المرء يدبّر، والقضاء يدمّر، والآمال تنقسم، والآجال تبتسم، فالله يجعله لك فرطا، ولا يرينى فيك سوءا أبدا، وأنت إن شاء الله تعالى وارث عمره، وسداد ثغره، ونعم العوض بقاؤك. إنّ الأشاء إذا أصاب مشذّبا ... منه اتمهل ذرا وأثّ أسافلا «١» وأبوك سيدى أيده الله تعالى وألهمه الجميل، وهو الصبر، وأناله الجزيل، وهو الأجر، وأمتعه بك طويلا، فما سؤت بديلا، وأنت ولدى ما دمت والعلم شانك، والمدرسة مكانك، والدفتر نديمك، وإن قصّرت، ولا إخالك، فغيرى خالك. وله من كتاب إلى أبى القاسم الداودى بسجستان: كتابى- أطال الله بقاء الفقيه- كتاب من ينسى الأيام وتذكره، ويطويها
следующие страницы →