← Адаб

Адаб · id 10768

زهر الآداب وثمر الألباب

الحصري القيرواني

Полный текст (1 141 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أو ينأى عنهما رفدك «١» ؛ ولتعطفك عليهما شوابك النسب، وأواصر الرّحم «٢» فالتفت إلى الربيع، فقال: اردد عليهما ضياع أبيهما، ثم قال: كذا والله أحبّ أن تكون نساء بنى هاشم. وكان أهل المدينة لما ظهر محمد أجمعوا على حرب المنصور، ونصر محمد؛ فلما ظفر المنصور أحضر جعفر بن محمد بن على بن الحسين الصادق، فقال له: قد رأيت إطباق أهل المدينة على حربى، وقد رأيت أن أبعث إليهم من يغوّر عيونهم «٣» ، ويجمّر نخلهم «٤» . فقال له جعفر: يا أمير المؤمنين؛ إنّ سليمان أعطى فشكر، وإنّ أيوب ابتلى فصبر، وإنّ يوسف قدر فغفر؛ فاقتد بأيّهم شئت، وقد جعلك الله من نسل الذين يعفون ويصفحون، فقال أبو جعفر: إنّ أحدا لا يعلّمنا الحلم، ولا يعرّفنا العلم، وإنما قلت هممت، ولم ترنى فعلت؛ وإنك لتعلم أن قدرتى عليهم تمنعنى من الإساءة إليهم. وعزّى جعفر بن محمد رجلا، فقال: أعظم بنعمة في مصيبة جلبت أجرا وأفظع بمصيبة في نعمة أكسبت كفرا هذا كقول الطائى: قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلى الله بعض القوم بالنّعم وكان جعفر بن محمد يقول: إنّى لأملق أحيانا فأتاجر الله بالصدقة فيربحنى. وقال جعفر ﵁: من تخلّق بالخلق الجميل وله خلق سوء أصيل فتخلّقه لا محالة زائل، وهو إلى خلقه الأوّل آيل، كطلى الذهب على النحاس ينسحق وتظهر صفرته للناس. وهذا كقول العرجى: يأيها المتحلّى غير شيمته ... ومن خلائقه الإقصار والملق «٥»

стр. 107

ارجع إلى خلقك المعروف وارض به ... إنّ التخلق يأتى دونه الخلق «١» وكان يقول: ما توسّل إلىّ أحد بوسيلة هي أقرب إلىّ من يد سبقت منى إليه أتبعها أختها لتحسن ربّها وحفظها «٢» ؛ لأنّ منع الأواخر يقطع لسان الأوائل. وقيل لجعفر ﵀: إنّ أبا جعفر المنصور لا يلبس مذ صارت إليه الخلافة إلّا الخشن، ولا يأكل إلا الجشب «٣» . فقال: يا ويحه! مع ما مكّن له من السلطان، وجبى إليه من الخراج! قالوا: إنما يفعل ذلك بخلا وجمعا للمال. فقال: الحمد لله الذى حرمه من دنياه ما ترك له من دينه. انتهى. قال: ومن دعاء جعفر ﵁: اللهم إنك بما أنت أهل له من العفو أولى بما أنا أهل له من العقوبة. وكان عبد الله [بن معاوية بن عبد الله] بن جعفر عالما، ناسبا، وكان خطيبا مفوها، وشاعرا مجيدا، وكتب إلى بعض إخوانه: أما بعد، فقد عاقنى الشكّ في أمرك عن عزيمة الرّأى فيك، وذلك أنك ابتدأتنى بلطف عن غير خبرة؛ ثم أعقبتنى جفاء عن غير جريرة؛ فأطمعنى أوّلك فى إخائك، وأيأسنى آخرك عن وفائك؛ فلا أنا في غير الرجاء مجمع لك اطّراحا، ولا أنا في غد وانتظاره منك على ثقة؛ فسبحان من لو شاء كشف بإيضاح الشكّ في أمرك عن عزيمة الرأى فيك؛ فاجتمعنا على ائتلاف، أو افترقنا على اختلاف، والسلام. وهو القائل: رأيت فضيلا كان شيئا ملفّعا ... فكشّفه التمحيص حتى بدا ليا «٤»

стр. 108

فأنت أخى ما لم تكن لى حاجة ... فإن عرضت أيقنت أن لا أخاليا كلانا غنىّ عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا فلا زاد ما بينى وبينك بعد ما ... بلوتك في الحاجات إلّا تماديا فعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أنّ عين السخط تبدى المساويا والقائل أيضا: لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوما على الأحساب نتّكل نبنى كما كانت أوائلنا ... تبنى ونفعل مثل ما فعلوا وهذا كقول عامر بن الطفيل، قال أبو الحسن على بن سليمان الأخفش: أنشدنى محمد الحسن بن الحرون لعامر بن الطفيل «١» : تقول ابنة العمرىّ: مالك بعد ما ... أراك صحيحا كالسليم المعذّب «٢» فقلت لها: همّى الذى تعرفينه ... من الثّأر في حيّى زبيد وأرحب إن اغز زبيدا أغز قوما أعزّة ... مركّبهم في الحىّ خير مركب وإن أغز حيّى خثعم فدماؤهم ... شفاء وخير الثّأر للمتأوّب «٣» فما أدرك الأوتار مثل محقّق ... بأجرد طاو كالعسيب المشذّب «٤»

стр. 109

وأسمر خطىّ وأبيض باتر ... وزغف دلاص كالغدير المثوّب «١» وإنى وإن كنت ابن سيد عامر ... وفي السرّ منها والصّريح المهذّب فما سوّدتنى عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب ولكننى أحمى حماها، وأتقى ... أذاها، وأرمى من رماها بمنكب وقال أيضا يهنّىء بعض الهاشميين بإملاك «٢» : زاد الله في نعمته، وبارك فى فواضله، وجميل نوافله؛ ونسأل الله- الذى قسم لكم ما تحبّون من السرور- أن يجنّبكم ما تكرهون من المحذور، ويجعل ما أحدثه لكم زينا، ومتاعا حسنا، ورشدا ثابتا، ويجعل سبيل ما أصبحت عليه، تماما لصالح ما سموت إليه؛ من اجتماع الشّمل، وحسن موافقة الأهل؛ ألّف الله ذلك بالصلاح، وتممه بالنجاح، ومدّ لك في ثروة العدد، وطيب الولد، مع الزيادة في المال، وحسن السلامة في الحال، وقرّة العين، وصلاح ذات البين. وهجا أبو عاصم محمد بن حمزة الأسلمى المدنى الحسن بن زيد بن الحسين «٣» بن على ابن أبى طالب رحمة الله عليه، فقال: له حقّ وليس عليه حقّ ... ومهما قال فالحسن الجميل وقد كان الرسول يرى حقوقا ... عليه لغيره وهو الرسول فلما ولى الحسن المدينة أتاه متنكّرا في زى الأعراب، فقال: ستأتى مدحتى الحسن بن زيد ... وتشهد لى بصفّين القبور «٤» قبور لم تزل مذ غاب عنها ... أبو حسن تعاديها الدهور قبور لو بأحمد أو علىّ ... يلوذ مجيرها حمى المجير هما أبواك من وضعا فضعه ... وأنت برفع من رفعا جدير

стр. 110

فقال: من أنت؟ قال: أنا الأسلمى. قال: ادن حيّاك الله! وبسط له رداءه، وأجلسه عليه، وأمر له بعشرة آلاف درهم. وكان الحسن بن زيد قد عوّد داود بن سلم مولى بنى تيم أن يصله، فلما مدح داود جعفر بن سليمان بن على- وكان بينه وبين الحسن بن زيد تباعد- أغضبه ذلك «١» ، وقدم الحسن من حجّ أو عمرة، فدخل عليه داود بن سلم مهنئا، فقال: أنت القائل في جعفر بن سليمان بن على: وكنا حديثا قبل تأمير جعفر ... وكان المنى في جعفر أن يؤمّرا «٢» حوى المنبرين الطاهرين كليهما ... إذا ما خطا عن منبر أمّ منبرا «٣» كأن بنى حوّاء صفّوا أمامه ... فخيّر في أنسابهم فتخيّرا فقال داود: نعم، جعلنى الله فداك، فكنتم خيرة اختياره! وأنا القائل: لعمرى لئن عاقبت أو جدت منعما ... بعفو عن الجانى وإن كان معذرا «٤» لأنت بما قدمت أولى بمدحة ... وأكرم فخرا إن فخرت وعنصرا هو الغرة الزهراء من فرع هاشم ... ويدعو عليا ذا المعالى وجعفرا «٥» وزيد الندى والسبط سبط محمد ... وعمّك بالطّفّ الزكىّ المطهّرا وما نال منها جعفر غير مجلس ... إذا ما نفاه العزل عنه تأخرا «٦» بحقكم نالوا ذراها وأصبحوا ... يرون به عزّا عليكم ومظهرا فعادله الحسن بن زيد إلى ما كان عليه، ولم يزل يصله ويحسن إليه إلى أن مات.

стр. 111

وقوله: «وإن كان معذرا» ، لأن جعفرا أعطاه على أبياته الثلاثة ألف دينار. ولما ولى الحسن بن زيد المدينة دخل عليه إبراهيم بن على بن هرمة، فقال له الحسن: يا إبراهيم؛ لست كمن باع لك دينه رجاء مدحك، أو خوف ذمك، فقد رزقنى الله تعالى بولادة نبيه ﷺ الممادح، وجنّبنى المقابح، وإنّ من حقه علىّ ألا أغضى على تقصير في حقّ وجب؛ وأنا أقسم لئن أتيت بك سكران لأضربنك حدّا للخمر، وحدّا للسكر؛ ولأزيدنّ لموضع حرمتك بى، فليكن تركك لها لله تعن عليه، ولا تدعها للناس فتوكل إليهم. فنهض ابن هرمة، وهو يقول: نهانى ابن الرسول عن المدام ... وأدّبنى بآداب الكرام وقال لى أصطبر عنها ودعها ... لخوف الله لا خوف الأنام وكيف تصبّرى عنها وحبى ... لها حبّ تمكّن في عظامى أرى طيف الخيال علىّ خبثا ... وطيب العيش في خبث الحرام وكان إبراهيم منهوما في الخمر، وجلده خيثم بن عراك «١» صاحب شرطة المدينة لرباح بن عبد الله الحارثى في ولاية أبى العباس. ولما وفد على أبى جعفر المنصور ومدحه استحسن شعره ووصله، وقال له: سل حاجتك، قال: تكتب لى إلى عامل المدينة ألّا يحدّنى إذا أتى بى سكران فقال أبو جعفر: هذا حدّ من حدود الله تعالى لا يجوز أن أعطله، قال: فاحتل لى يا أمير المؤمنين! فكتب إلى عامل المدينة: «من أتاك بابن هرمة سكران فاجلده مائة، واجلد ابن هرمة ثمانين» . فكان الشّرط يمرّون به مطروحا في سكك المدينة، فيقولون: من يشترى مائة بثمانين؟! وقال موسى بن عبد الله «٢» بن على بن أبي طالب:

стр. 112

إذا أنا لم أقبل من الدهر كلّ ما ... تكرّهت منه طال عتبى على الدّهر إلى الله كلّ الأمر في الخلق كلهم ... وليس إلى المخلوق شىء من الأمر تعودت مسّ الضر حتى ألفته ... وأسلمنى طول البلاء إلى الصبر ووسّع صدرى للأذى الأنس بالأذى ... وإن كنت أحيانا يضيق به صدرى وصيّرنى يأسى من الناس راجيا ... لسرعة لطف الله من حيث لا أدرى وموسى بن عبد الله هو القائل: تولّت بهجة الدنيا ... فكل جديدها خلق «١» وخان الناس كلّهم ... فما أدرى بمن أثق رأيت معالم الخيرا ... ت سدّت دونها الطرق فلا حسب ولا نسب ... ولا دين ولا خلق فلست مصدّق الأقوا ... م في شىء وإن صدقوا وكان المنصور حبسه لخروجه عليه مع أخويه، ثم ضربه ألف سوط، فما نطق بحرف واحد؛ فقال الربيع: عذرت هؤلاء الفساق في صبرهم؛ فما بال هذا الفتى الذى نشأ في النعمة والدّعة؟ فقال: إنّى من القوم الذين يزيدهم ... جلدا وصبرا قسوة السلطان وولدت هند بنت أبى عبيدة بن عبد الله بن زمعة موسى، ولها ستّون سنة، ولا يعلم امرأة ولدت بنت ستين سنة إلا قرشيّة. اجتاز على بن محمد العلوى بالجسر بحدثان «٢» قتل عمر بن يحيى بن عبد الله ابن الحسين، وقاتله الحسين بن إسماعيل هناك قد جرّد رجلا للقتل، فلما رأت أمّ الرجل عليا سألته أن يشفع فيه، فمال علىّ إلى الحسين فأنشده:

стр. 113

قتلت أبرّ من ركب المطايا ... وجئتك أستلينك بالكلام وعزّ علىّ أن ألقاك إلّا ... وفيما بيننا حدّ الحسام ولكنّ الجناح إذا أصيبت ... قوادمه يرف على الإكام «١» فقال له: وما حاجتك؟ قال: العفو عن ابن هذه المرأة! فتركه. وسئل العباس بن الحسين عن رجل، فقال لجليسه: أطرب من الإبل على الحداء، ومن الثمل على الغناء. وذكر العباس رجلا فقال: ما الحمام على الأحرار، وطول السّقم في الأسفار، وعظم الدّين على الإقتار، بأشدّ من لقائه. وقال العباس بن الحسين للمأمون: يا أمير المؤمنين؛ إن لسانى ينطلق بمدحك غائبا، وقد أحببت أن يتزيّد عندك حاضرا، أفتأذن لى يا أمير المؤمنين في الكلام؟ فقال له: قل؛ فو الله إنك لتقول فتحسن، وتحضر فتزبّن، وتغيب فتؤتمن، فقال: ما بعد هذا كلام يا أمير المؤمنين! أفتأذن بالسكوت؟ قال: إذا شئت. وذكر رجلا بليغا فقال: ما شبّهت كلامه إلا بثعبان ينهال بين رمال، وماء يتغلغل بين جبال. وسمع المنتجع بن نبهان كلام العباس بن الحسين، فقال: هذا كلام يدلّ سائره على غابره «٢» وأوله على آخره. وسأل المأمون العباس بن الحسين عن رجل؟ فقال: رأيت له حلما وأناة، ولم أسمع لحنا ولا إحالة «٣» ؛ يحدّثك الحديث على مطاويه «٤» ، وينشدك الشعر على مدارجه.

стр. 114

وكان المأمون يقول: من أراد أن يسمع لهوا بلا حرج فليسمع كلام العباس والعباس بن الحسين بن أشعر الهاشميين؛ وهو يعدّ في طبقة إبراهيم ابن المهدى، وهو القائل: أتاح لك الهوى بيض حسان ... سبينك بالعيون وبالشعور «١» نظرت إلى النحور فكدت تقضى ... وأولى لو نظرت إلى الخصور «٢» وهو القائل أيضا: صادتك من بعض القصور ... بيض نواعم في الخدور حور تحور إلى صبا ... ك بأعين منهنّ حور «٣» وكأنما بثغورهنّ ... جنى الرّضاب من الخمور «٤» يصبغن تفّاح الخدو ... د بماء رمّان الصّدور وهو: العباس بن الحسين بن عبيد الله بن العباس بن على بن أبى طالب ﵁، وأم عبيد الله جدّة بنت عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب عم محمد بن على أبى الخلفاء. وكان الرشيد والمأمون يقرّبان العباس غاية التقريب؛ لنسبه وأدبه؛ قال أبو دلف: دخلت على الرشيد وهو في طارمة على طنفسة «٥» ومعه عليها شيخ جميل المنظر؛ فقال لى الرشيد: يا قاسم؛ ما خبر أرضك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، خراب يباب، أخربها الأكراد والأعراب. فقال قائل: هذا آفة الجبل، وهو أفسده، فقلت: أنا أصلحه، قال الرشيد: وكيف ذلك؟ قلت: أفسدته وأنت علىّ وأصلحه وأنت معى! قال الشيخ: إن همته لترمى به من وراء سنّه

стр. 115

مرمى بعيدا؛ فسألت عن الشيخ فقيل: العباس بن الحسين، وكان أبو دلف ذلك الوقت صغير السنّ. ولقى موسى بن جعفر «١» ﵁ محمد بن الرشيد الأمين بالمدينة وموسى على بغلة، فقال للفضل بن الربيع: عاتب هذا، فقال له الفضل: كيف لقيت أمير المؤمنين على هذه الدابة التي إن طلبت عليها لم تسبق، وإن طلبت عليها تلحق، فقال: لست أحتاج أن أطلب، ولا إلى أن أطلب؛ ولكنها دابّة تنحط عن خيلاء الخيل، وترتفع عن ذلة العير «٢» ، وخير الأمور أوسطها. أصيب على بن موسى بمصيبة، فصار إليه الحسن بن سهل، فقال: إنا لم نأتك معزّين؛ بل جئناك مقتدين؛ فالحمد لله الذى جعل حياتكم للناس رحمة، ومصائبكم لهم قدوة. وكان علىّ بن موسى الرضا ﵀ قد ولّاه المأمون عهده، وعقد له الخلافة بعده، ونزع السّواد عن بنى العباس، وأمرهم بلباس الخضرة «٣» ، ومات على بن موسى فى حياة المأمون بطوس، فشقّ [المأمون] قبر الرشيد ودفن فيه تبرّكا به، وكان الرشيد قد مات بطوس فدفن هناك «٤» ؛ ولذلك قال دعبل بن على الخزاعى: اربع بطوس على قبر الزكىّ بها ... إن كنت تربع من دين على وطر «٥» ما ينفع الرّجس من قرب الزكى، ولا ... على الزكىّ بقرب الرجس من ضرر هيهات كلّ امرىء رهن بما كسبت ... له يداه فخذ من ذاك أو فذر

стр. 116

قبران في طوس: خير الناس كلهم ... وقبر شرّهم، هذا من العبر وكان دعبل مداحا لأهل البيت، كثير التعصّب لهم، والغلوّ فيهم. وله المرثية المشهورة، وهي من جيد شعره، وأولها: مدارس آيات عفت من تلاوة ... ومنزل وحى مقفر العرصات «١» لآل رسول الله بالخيف من منى ... وبالبيت والتّعريف والجمرات ديار علىّ والحسين وجعفر ... وحمزة والسّجّاد ذى الثّفنات قفا نسأل الدّار التي خفّ أهلها ... متى عهدها بالصّوم والصلوات وأين الأولى شطّت بهم غربة النّوى ... أفانين في الآفاق مفترقات «٢» أحبّ قصىّ الدار من أجل حبّهم ... وأهجر فيهم أسرتى وثقاتى وهي طويلة. ولما دخل المأمون بغداد أحضر دعبلا بعد أن أعطاه الأمان، وكان قد هجاه وهجا أباه، فقال: يا دعبل، من الحضيض الأوهد! فقال: يا أمير المؤمنين، قد عفوت عمن هو أشدّ جرما منى! أراد المأمون قول دعبل يهجوه: إنّى من القوم الذين سيوفهم ... قتلت أخاك وشرفتك بمقعد شادوا بذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد يفتخر عليه بقتل طاهر بن الحسين بن مصعب ذى اليمينين أخاه محمدا، وطاهر مولى لخزاعة، فاستنشده هذه القصيدة التائيّة «٣» ، فاستعفاه، فقال: لا بأس عليك، وقد رويتها، وإنما أحببت أن أسمعها منك، فأنشدها دعبل؛ فلما انتهى إلى قوله: ألم تر أنى مذ ثلاثين حجّة ... أروح وأغدو دائم الحسرات

стр. 117

أرى فيئهم في غيرهم متقسّما ... وأيديهم من فيئهم صفرات «١» إذا وتروا مدّوا إلى أهل وترهم ... أكفا عن الأوتار منقبضات وآل رسول الله نحف جسومهم ... وآل زياد غلّظ القصرات «٢» بنات زياد في القصور مصونة ... وبنت رسول الله في الفلوات بكى المأمون، وجدّد له الأمان، وأحسن له الصّلة. والشىء يستدعى ما قرع بابه، وجذب أهدابه «٣» ، قال سليمان بن قتيبة: مررت على أبيات آل محمد ... فلم أر ما عهدى بها يوم حلّت «٤» فلا يبعد الله الديار وأهلها ... وإن أصبحت من أهلها قد تخلّت «٥» وكانوا رجاء ثم عادوا رزية ... ألا عظمت تلك الرزايا وجلّت «٦» وإن قتيل الطّفّ من آل هاشم ... أذلّ رقاب المسلمين فذلّت «٧» ويشبه قوله: «وكانوا رجاء ثم عادوا رزية» قول امرأة من العرب مرّت بالجسر بجثّة جعفر بن يحيى البرمكى مصلوبا «٨» ؛ فقالت: لئن أصبحت نهاية في البلاء، لقد كنت غاية في الرجاء. ألفاظ لأهل العصر في أوصاف الأشراف لها في هذا الموضع موقع فلان من شرف العنصر الكريم، ومعدن الشرف الصميم. أصل راسخ،

стр. 118

وفرع شامخ، ومجد باذخ «١» ، وحسب شادخ. فلان كريم الطرفين، شريف الجانبين، قد ركّب الله دوحته في قرارة المجد، وغرس نبعته في محل الفضل. أصل شريف، وعرق كريم، ومغرس عظيم، ومغرز صميم. المجد لسان أوصافه، والشرف نسب أسلافه. نسب فخم، وشرف ضخم. يستوفى شرف الأرومة «٢» بكرم الأبوّة والأمومة، وشرف الخؤولة والعمومة. ما أتته المحاسن عن كلالة «٣» ولا ظفر بالهدى عن ضلالة، بل تناول المجد كابرا عن كابر، وأخذ الفخر عن أسرّة ومنابر: شرف تنقّل كابرا عن كابر ... كالرمح أنبوبا على أنوب «٤» استقى عرقه من منبع النبوة، ورضعت شجرته من ثدى الرسالة، وتهدلت أغصانه عن نبعه الإمامة، وتبحبحت أطرافه في عرصة الشّرف والسيادة «٥» ، وتفقّأت بيضته عن سلالة الطّهارة «٦» ، قد جذب القرآن بضبعه «٧» وشقّ الوحى عن بصره وسمعه، مختار من أكرم المناسب، منتخب من أشرف العناصر، مرتضى من أعلى المحاتد «٨» ، مؤثر من أعظم العشائر، قد ورث الشرف جامعا عن جامع، وشهد له نداء الصوامع، هو من مضر في سويداء قلبها، ومن هاشم في سواد طرفها، ومن الرسالة في مهبط وحيها، ومن الإمامة في موقف عزّها، ينزع إلى المحامد بنفس وعرق، ويحنّ إلى المكارم بوراثة وخلق؛ يتناسب أصله وفرعه، ويتناصف نجره وطبعه، وهو الطيّب أصله وفرعه، الزّاكى بذره وزرعه، يجمع

стр. 119

إلى عزّ النّصاب، مزيّة الآداب، لا غرو أن يجرى الجواد على عرقه، وتلوح مخايل الليث في شبله، ويكون النجيب فرعا مشيدا لأصله. له مع نباهة شرفه، نزاهة سلفه، ومع كرم أرومته وحزمه، مزية أدبه وعلمه، لن تخلف ثمرة غرس ارتيد لها من المنابت أزكاها، ومن المغارس أطيبها وأغذاها وأنماها؛ قد جمع شرف الأخلاق، إلى [شرف الأعراق، وكرم الآداب، إلى] كرم الأنساب؛ له في المجد أول وآخر، وفي الكرم تليد وطارف، وفي الفضل حديث وقديم؛ لا غرو أن يغمر فضله، وهو نجل الصّيد الأكارم، أو يغزر علمه وهو فيض البحور الخضارم «١» دوحة رسب عرقها، وسمق فرعها «٢» ، وطاب عودها، واعتدل عمودها، وتفيّأت ظلالها، وتهدّلت ثمارها، وتفرّعت أغصانها، وبرد مقيلها. مجد يلحظ الجوزاء من عال، ويطول النجم كلّ مطال. شرف تضع له الأفلاك خدودها وجباهها، وتلثم النجوم أرضه بأفواهها وشفاهها. نسب المجد به عريق، وروض الشرف به أنيق. ولسان الثناء بفضله نطوق. فلك المجد عليه يدور، ويد العلا إليه تشير. محلّه شاهق، ومجده باسق.

стр. 120

بدء الكتاب قد تمّ ما استفتحت به التأليف، وجعلته مقدمة التصنيف، مع ما اقترن به، وانضاف إليه، والتفّ به، وانعطف عليه، ورأيت أن أبتدىء مقدّمات البلاغات بغرر التحاميد وأوصافها «١» ، وما يتعلّق بأثنائها وأطرافها. وقد قال سهل بن هارون في أول كتاب عمله: يجب على كلّ مبتدىء مقالة أن يبتدىء بحمد الله قبل استفتاحها، كما بدىء بالنعمة قبل استحقاقها. ولأهل العصر: أولى ما فغر به الناطق فمه «٢» وافتتح به كلمه، حمد الله جلّ ثناؤه، وتقدّست أسماؤه. حمد الله خير ما ابتدىء به القول وختم، وافتتح به الخطاب وتمّم. وقال أبو العباس عبد الله بن المعتز بالله: إنّ الله جلّ ثناؤه لا يمثّل بنظير، ولا يغلب بظهير «٣» ، جلّ عن موقع تحصيل أدوات البشر، ولطف عن ألحاظ خطرات الفكر، لا يحمد إلا بتوفيق منه يقتضى حمدا، فمتى تحصى نعماؤه، وتكافأ آلاؤه؟ عجز أقصى الشكر عن أداء نعمته، وتضاءل ما خلق في سعة قدرته؛ قدر فقدّر، وحكم فأحكم؛ وجعل الدّين جامعا لشمل عباده، والشرائع منارا على سبيل طاعته؛ يتبعها أهل اليقين به، ويحيد عنها أهل الشك فيه. أخذ أبو العباس قوله: «ولا يحمد إلا بتوفيق منه يقتضى حمدا» من قول محمود بن الحسن الوراق: إذا كان شكرى نعمة الله نعمة ... علىّ له في مثلها يجب الشّكر فكيف بلوغ الشّكر إلّا بفضله ... وإن طالت الأيام واتّصل العمر

стр. 121

إذا عمّ بالسّرّاء عم سرورها ... وإن مسّ بالضراء أعقبها الأجر فما منهما إلا له فيه نعمة ... تضيق بها الأوهام والبرّ والبحر وإنما أخذه محمود من قول أبى العتاهية: أحمد الله فهو ألهمنى الحمد ... على الحمد والمزيد لديه كم زمان بكيت فيه فلمّا ... صرت في غيره بكيت عليه وقد اضطربت الرواية في هذين البيتين وقائلهما، وهذا البيت الثانى كثير «١» ، قال إبراهيم بن العباس: كذاك أيّامنا لا شكّ نندبها ... إذا تقضّت ونحن اليوم نشكوها آخر: وما مرّ يوم أرتجى فيه راحة ... فأفقده إلّا بكيت على أمس ومحمود هو القائل أيضا: تعصى الإله وأنت تظهر حبّه ... هذا محال في القياس بديع لو كان حبّك صادقا لأطعته ... إنّ المحب لمن أحبّ مطيع وكان كثيرا ما ينقل أخبار الماضين، وحكم المتقدّمين، فيحلّى بها نظامه، ويزيّن بها كلامه، وهو القائل: إنى وهبت لظالمى ظلمى ... وشكرت ذاك له على علمى ورأيته أسدى إلىّ يدا ... لمّا أبان بجهله حلمى رجعت إساءته عليه، ولى ... فضل فعاد مضاعف الجرم فكانما الإحسان كان له ... وأنا المسىء إليه في الزّعم ما زال يظلمنى وأرحمه ... حتى رثيت له من الظلم

стр. 122

وهو القائل: أرانى إذا ما ازددت مالا وثروة ... وخيرا إلى خير تزيّدت في الشرّ فكيف بشكر الله إن كنت إنما ... أقوم مقام الشّكر لله بالكفر بأىّ اعتذار أو بأيّة حجّة ... يقول الذى يدرى من الأمر ما أدرى إذا كان وجه العذر ليس ببيّن ... فإنّ اطّراح العذر خير من العذر [البيان والبلاغة] ولابن المعتز: البيان ترجمان القلوب، وصيقل العقول، ومجلّى الشبهة، وموجب الحجة، والحاكم عند اختصام الظنون، والمفرّق بين الشّكّ واليقين، وهو من سلطان الرّسل الذى انقاد به المصعب «١» ، واستقام الأصيد «٢» ، وبهت الكافر، وسلّم الممتنع، حتى أشب الحقّ بأنصاره «٣» ، وخلا ربع الباطل من عمّارة؛ وخير البيان ما كان مصرّحا عن المعنى؛ ليسرع إلى الفهم تلقّيه، وموجزا ليخفّ على اللفظ تعاطيه. وفضل القرآن على سائر الكلام معروف غير مجهول، وظاهر غير خفىّ؛ يشهد بذلك عجز المتعاطين، ووهن المتكلّفين «٤» ، وتحيّر الكذابين، وهو المبلّغ الذى لا يمل، والجديد الذى لا يخلق «٥» ، والحق الصادع، والنور الساطع، والماحى لظلم الضلال، ولسان الصّدق النافى للكذب، ونذير قدّمته الرحمة قبل الهلاك، وناعى الدنيا المنقولة، وبشير الآخرة المخلّدة، ومفتاح الخير، ودليل الجنة. إن أوجز كان كافيا، وإن أكثر كان مذكّرا، وإن أومأ «٦» كان مقنعا، وإن أطال كان مفهما، وإن أمر فناصحا، وإن حكم فعادلا، وإن أخبر فصادقا، وإن بيّن فشافيا، سهل على الفهم، صعب على المتعاطى «٧» ، قريب المأخذ،

стр. 123

بعيد المرام، سراج تستضىء به القلوب، حلو إذا تذوّقته العقول، بحر العلوم، وديوان الحكم، وجوهر الكلم، ونزهة المتوسّمين، وروح قلوب المؤمنين، نزل به الرّوح الأمين على محمد خاتم النبيين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين، فخصم الباطل، وصدع بالحق، وتألف من النّفرة، وأنقذ من الهلكة، فوصل الله له النصر، وأضرع به خدّ الكفر «١» . [تفسير الرماني للبلاغة] قال على بن عيسى الرمانى «٢» : البلاغة ما حطّ التكلف عنه «٣» ، وبنى على التبيين، وكانت الفائدة أغلب عليه من القافية، بأن جمع مع ذلك سهولة المخرج، مع قرب المتناول؛ وعذوبة اللفظ، مع رشاقة المعنى؛ وأن يكون حسن الابتداء كحسن الانتهاء، وحسن الوصل، كحسن القطع، فى المعنى والسمع، وكانت كلّ كلمة قد وقعت في حقّها، وإلى جنب أختها، حتى لا يقال: لو كان كذا في موضع كذا لكان أولى! وحتى لا يكون فيه لفظ مختلف، ولا معنى مستكره؛ ثم ألبس بهاء الحكمة، ونور المعرفة، وشرف المعنى، وجزالة اللّفظ، وكانت حلاوته في الصدر وجلالته في النفس تفتّق الفهم، وتنثر دقائق الحكم، وكان ظاهر النفع، شريف القصد، معتدل الوزن، جميل المذهب، كريم المطلب، فصيحا في معناه، بيّنا في فحواه؛ وكلّ هذه الشروط قد حواها القرآن، ولذلك عجز عن معارضته جميع الأنام.

стр. 124

ألفاظ لأهل العصر في ذكر القرآن القرآن حبل الله الممدود، وعهده المعهود، وظلّه العميم، وصراطه المستقيم، وحجّته الكبرى، ومحجته الوسطى، وهو الواضح سبيله، الراشد دليله، الذى من استضاء بمصابيحه أبصر ونجا، ومن أعرض عنه ضلّ وهوى؛ فضائل القرآن لا تستقصى في ألف قرن، حجة الله وعهده، ووعيده ووعده، به يعلم الجاهل، ويعمل العامل، ويتنبّه الساهى، ويتذكّر اللاهى، بشير الثواب، ونذير العقاب، وشفاء الصدور، وجلاء الأمور؛ من فضائله أنه يقرأ دائما، ويكتب، ويملى، ولا يملّ. ما أهون الدنيا على من جعل القرآن [إمامه، وتصوّر الموت أمامه، طوبى لمن جعل القرآن] مصباح قلبه، ومفتاح لبّه. من حق القرآن حفظ ترتيبه، وحسن ترتيله. قال بعض الحكماء: الحكمة موقظة للقلوب من سنة «١» الغفلة، ومنقذة للبصائر من سكرة الحيرة، ومحيية لها من موت الجهالة، ومستخرجة لها من ضيق الضّلالة؛ والعلم دواء للقلوب العليلة، ومشحذ للأذهان الكليلة «٢» ، ونور في الظلمة، وأنس في الوحشة، وصاحب في الوحدة، وسمير في الخلوة، ووصلة في المجلس، ومادّة للعقل، وتلقيح للفهم، وناف للعىّ المزرى بأهل الأحساب، المقصّر بذوى الألباب؛ أنطق الله سبحانه أهله بالبيان الذى جعله صفة لكلامه في تنزيله، وأيّد به رسله إيضاحا للمشكلات، وفصلا بين الشبهات؛ شرّف به الوضيع، وأعزّ به الذليل، وسوّد به المسود، من تحلّى بغيره فهو معطّل، ومن تعطّل منه فهو مغفّل، لا تبليه الأيام، ولا تخترمه الدهور، يتجدّد على الابتذال، ويزكو على الإنفاق؛ لله على ما منّ به على عباده الحمد والشّكر.

стр. 125

[أقوال في البلاغة] [رأي عمرو بن عبيد في البلاغة] قيل لعمرو بن عبيد: ما البلاغة؟ قال: ما بلّغك الجنّة، وعدل بك عن النار، وبصّرك مواقع رشدك، وعواقب غيّك. قال السائل: ليس هذا أريد، قال: من لم يحسن أن يسكت لم يحسن أن يستمع، ومن لم يحسن الاستماع لم يحسن القول، قال: ليس هذا أريد، قال: قال النبي ﷺ : «إنّا معشر الأنبياء فينا بكء» أى قلّة كلام «١» ؛ وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله، قال السائل: ليس هذا أريد، قال: كانوا يخافون من فتنة القول ومن سقطات الكلام ما لا يخافون من فتنة السكوت، وسقطات الصّمت، قال: ليس هذا أريد، قال عمرو: يا هذا؛ فكأنت تريد تحبير اللفظ «٢» فى حسن الإفهام، قال: نعم، قال: إنّك إن أردت تقرير حجّة الله في عقول المكلّفين، وتخفيف المؤونة عن المستمعين، وتزيين تلك المعانى في قلوب المريدين، بالألفاظ المستحسنة في الآذان، المقبولة في الأذهان، رغبة في سرعة إجابتهم، ونفى الشواغل عن قلوبهم، بالموعظة الحسنة على الكتاب والسنة- كنت قد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب، واستوجبت من الله جزيل الثواب، فقيل لعبد الكريم بن روح الغفارى: من هذا الّذى صبر له عمرو هذا الصبر؟ قال: سألت عن ذلك أبا حفص الشمرى، فقال: ومن يجترىء عليه هذه الجرأة إلّا حفص بن سالم؟ وعمرو بن عبيد بن باب هو رئيس المعتزلة في وقته، وهو أوّل من تكلّم على المخلوق، واعتزل مجلس الحسن البصرى، وهو أول المعتزلة.

стр. 126

ودخل عمرو بن عبيد على أبى جعفر المنصور، فقال: عظنى، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إنّ الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منه ببعضها؛ يا أمير المؤمنين؛ إن هذا الأمر لو كان باقيا لأحد قبلك ما وصل إليك، ألم تر كيف فعل ربّك بعاد إرم ذات العماد! قال: فبكى المنصور حتى بلّ ثوبه. ثم قال: حاجتك يا أبا عثمان! وكان المنصور لمّا دخل عليه طرح عليه طيلسانا، فقال: يرفع هذا الطيلسان عنى! فرفع، فقال أبو جعفر: لا تدع إتياننا! قال: نعم، لا يضمّنى وإياك بلد إلّا دخلت إليك، ولا بدت لى حاجة إلّا سألتك، ولكن لا تعطنى حتى أسألك، ولا تدعنى حتى آتيك، قال: إذا لا تأتينا أبدا! وقد روى مثل هذا لابن السماك مع الرشيد وقوله «لو كان هذا الأمر باقيا لأحد قبلك ما وصل إليك» كقول ابن الرومى: لعمرك ما الدّنيا بدار إقامة ... إذا زال عن عين البصير غطاؤها وكيف بقاء الناس فيها وإنما ... ينال بأسباب الفناء بقاؤها؟ ووعظ شبيب بن شبة المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن الله لم يجعل فوقك أحدا، فلا تجعل فوق شكره شكرا. ودخل عمرو بن عبيد على المنصور وعنده المهدى فقال له: هذا ابن أخيك المهدى، ولىّ عهد المسلمين، فقال: سميّته اسما لم يستحقّ حمله، ويفضى إليك الأمر وأنت عنه مشغول «١» وكان عمرو بن عبيد يقول: اللهم أغنى بالافتقار إليك، ولا تفقرنى بالاستغناء عنك. وقال له المنصور: يا أبا عثمان؛ أعنّى بأصحابك: قال: يا أمير المؤمنين؛ أظهر الحقّ يتبعك أهله. وقال عمر الشمرى: كان عمرو بن عبيد لا يكاد يتكلّم، وإن تكلّم لم يكد

стр. 127

يطيل؛ وكان يقول: لا خير في المتكلّم إذا كان كلامه لمن يشهده دون قائله، وإذا طال الكلام عرضت للمتكلم أسباب التكلف، ولا خير في شىء يأتيك به التكلف «١» . [البلاغة عند أهل الهند] قال معمر بن الأشعث: قلت لبهلة الهندىّ أيام اجتلب يحيى بن خالد أطباء الهند: ما البلاغة عند أهل الهند؟ قال بهلة: عندنا في ذلك صحيفة مكتوبة، ولكننى لا أحسن ترجمتها، ولم أعالج هذه الصناعة، فأثق من نفسى بالقيام بخصائصها، ولطيف معانيها. قال ابن الأشعث: فلقيت بتلك الصحيفة التراجمة فإذا فيها: أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة، وذلك أن يكون الخطيب رابط الجأش «٢» ، ساكن الجوارح، قليل الّلحظ، متخيّر اللفظ، لا يكلّم سيد الأمّة بكلام الأمة، ولا الملوك بكلام السّوقة، ويكون في قواه فضل التصرف في كل طبقة، ولا يدقّق المعانى كلّ التدقيق، ولا ينقّح الألفاظ كلّ التنقيح، ولا يصفّيها كل التصفية، ولا يهذّبها غاية التهذيب، ولا يفعل ذلك حتى يصادف حكيما، أو فيلسوفا عليما، ومن قد تعوّد حذف فضول الكلام، وإسقاط مشتركات الألفاظ؛ وقد نظر في صناعة المنطق على جهة الصناعة والمبالغة، لا على جهة التصفح والاعتراض «٣» ، ووجه التظرّف والاستظراف. [البلاغة عند ابن المقفع] قال إسحاق بن حسان بن قوهى: لم يفسر أحد البلاغة تفسير عبد الله ابن المقفع إذ قال: البلاغة اسم لمعان تجرى في وجوه كثيرة، فمنها ما يكون فى الاستماع، ومنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الحديث، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون شعرا،

стр. 128

ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون جوابا، ومنها ما يكون سجعا، ومنها ما يكون خطبا، ومنها ما يكون رسائل؛ فغاية هذه الأبواب الوحى فيها والإشارة إلى المعنى؛ والإيجاز هو البلاغة، فأما الخطب فيما بين السّماطين «١» وفي إصلاح ذات البين، فالإكثار في غير خطل «٢» ، والإطالة في غير إملال، ولكن ليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك، كما أنّ خير أبيات الشعر البيت الذى إذا سمعت صدره عرفت قافيته (كأنه يقول فرّق بين صدر خطبة النكاح وخطبة العيد وخطبة الصلح وخطبة التّواهب، حتى يكون لكل فنّ من ذلك صدر يدل على عجزه «٣» ) فإنه لا خير في كلام لا يدلّ على معناك، ولا يشير إلى مغزاك، وإلى العمود الذى إليه قصدت، والغرض الذى إليه نزعت. فقيل له: فإن ملّ المستمع الإطالة التي ذكرت أنها أحقّ بذلك الموضع؟ قال: إذا أعطيت كلّ مقام حقّه، وقمت بالذى يجب من سياسة الكلام، وأرضيت من يعرف حقوق ذلك، فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو؛ فإنهما لا يرضيان بشىء؛ فأما الجاهل فلست منه وليس منك، ورضا جميع الناس شىء لا ينال. [الإطالة والإيجاز] وقد مدحوا الإطالة في مكانها، كما مدحوا الإيجاز في مكانه. قال أبو داود [ابن جرير] فى خطباء إياد: يرمون بالخطب الطوال، وتارة ... وحى الملاحظ خيفة الرقباء «٤» قال أبو وجزة السعدى يصف كلام رجل:

стр. 129

يكفى قليل كلامه، وكثيره ... ثبت، إذا طال النّضال، مصيب «١» وأنشد أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد «٢» ولم يسمّ قائله، وهو مولّد ولم ينقصه توليده من حظّ القديم شيئا: طبيب بداء فنون الكلام ... لم يعى يوما ولم يهذر فإن هو أطنب في خطبة ... قضى للمطيل على المنزر «٣» وإن هو أوجز في خطبة ... قضى للمقلّ على المكثر وقال آخر يصف خطيبا: فإذا تكلّم خلته متكلّما ... بجميع عدّة ألسن الخطباء فكأن آدم كان علّمه الّذى ... قد كان علّمه من الأسماء وكان أبو داود يقول: تلخيص المعانى رفق، والاستعانة بالغريب عجز، والتشدق في الإعراب نقص، والنظر في عيون الناس عيّ، ومسّ اللحية هلك، والخروج عما بنى عليه الكلام إسهاب. وقال بعضهم يهجو رجلا بالعى: ملىء ببهر والتفات وسعلة ... ومسحة عثنون وفتل الأصابع «٤» ووصف العتابى «٥» رجلا بليغا فقال: كان يظهر ما غمض من الحجّة،

стр. 130

ويصوّر الباطل في صورة الحق، ويفهمك الحاجة من غير إعادة ولا استعانة. قيل له: وما الاستعانة؟ قال: يقول عند مقاطع كلامه يا هناة، واسمع، وفهمت! وما أشبه ذلك. وهذا من أمارات العجز، ودلائل الحصر! وإنما ينقطع عليه كلامه فيحاول وصله بهذا، فيكون أشدّ لانقطاعه. وكان أبو داود يقول: رأس الخطابة الطّبع، وعمودها الدّربة، وجناحاها رواية الكلام، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخيّر اللفظ؛ والمحبة مقرونة بقلة الاستكراه. وقال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: قال بعض جهابذة الألفاظ، ونقّاد المعانى: المعانى القائمة في صدور الناس، المختلجة في نفوسهم، والمتصوّرة في أذهانهم المتصلة بخواطرهم، والحادثة عن فكرهم، مستورة خفيّة، وبعيدة وحشية، ومحجوبة مكنونة، وموجودة في معنى معدومة، لا يعرف الإنسان ضمير صاحبه، ولا حاجة أخيه وخليطه، ولا معنى شريكه والمعاون له على أمره، وعلى ما لا يبلغه من حاجات نفسه إلّا بغيره، وإنما يحيى تلك المعانى ذكرهم لها، وإخبارهم عنها، واستعمالهم إياها. وهذه الخصال هي التي تقرّبها من الفهم، وتجلّيها للعقل، وتجعل الخفىّ منها ظاهرا، والغائب شاهدا، والبعيد قريبا. وهي التي تلخّص الملتبس، وتحل المنعقد، وتجعل المهمل مقيّدا، والمقيد مطلقا، والمجهول معروفا، والوحشىّ مألوفا، [والغفل موسوما «١» ، والموسوم معلوما] ؛ وعلى قدر وضوح الدلالة، وصواب

стр. 131

الإشارة، وحسن الاختصار، ودقة المدخل، يكون ظهور المعنى. وكلما كانت الدلالة أوضح وأفصح، وكانت الإشارة أبين وأنور، كانت أنفع وأنجع في البيان. والدلالة الظاهرة على المعنى الخفى هو البيان الذى سمعت الله يمدحه، ويدعو إليه، ويحثّ عليه؛ بذلك نطق القرآن، وبذلك تفاخرت العرب، وتفاضلت أصناف العجم. والبيان: اسم لكل شىء كشف لك عن قناع المعنى، وهتك لك الحجب دون الضمير، حتى يفضى السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله، كائنا ما كان ذلك البيان، ومن أى جنس كان ذلك الدليل؛ لأنّ مدار الأمر والغاية التى إليها يجرى القائل والسامع إنما هو الفهم والإفهام؛ فبأىّ شىء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى فذلك هو البيان في ذلك الموضع. ثم اعلم- حفظك الله! - أنّ حكم المعانى خلاف حكم الألفاظ؛ لأنّ المعانى مبسوطة إلى غير غاية، وأسماء المعانى محصورة معدودة، ومحصّلة محدودة. وجميع أصناف الدلالات على المعانى من لفظ أو غيره خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد: أولها اللّفظ، ثم الإشارة، ثم العقد، ثم الخطّ، ثم الحال التي تسمى نصبة. والنّصبة هي الحال الدالة التي تقوم مقام تلك الأصناف، ولا تقصر عن تلك الدلالات. ولكل واحدة من هذه الدلائل الخمسة صورة بائنة «١» من صورة صاحبتها، وحلية مخالفة لحلية أختها؛ وهي التي تكشف لك عن أعيان المعانى في الجملة، وعن حقائقها في التفسير، وعن أجناسها وأقدارها، وعن خاصها وعامّها، وعن طبقاتها في السارّ والضار، وعما يكون منها لغوا بهرجا «٢» ، وساقطا مطّرحا.

стр. 132

وفي نحو قول أبى عثمان «إنّ المعانى غير مقصورة ولا محصورة» يقول أبو تمام الطائى لأبى دلف القاسم بن عيسى العجلّى: ولو كان يفنى الشعر أفنته ما قرت ... حياضك منه في العصور الذّواهب «١» ولكنه فيض العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب كما أشار إلى قول أوس بن حجر الاسدى: أقول بما صبّت على غمامتى ... وجهدى في حبل العشيرة أحطب «٢» وقال بعض البلغاء: فى اللسان عشر خصال «٣» محمودة، أداة يظهر بها البيان، وشاهد يخبر عن الضمير، وحاكم يفصل الخطاب، وواعظ ينهى عن القبيح، وناطق يردّ الجواب، وشافع تدرك به الحاجة، وواصف تعرف به الأشياء، ومعرب يشكر به الإحسان، ومعزّ تذهب به الأحزان، وحامد يذهب الضغينة ومونق يلهى الأسماع. وقال أبو العباس بن المعتز: لحظة القلب أسرع خطرة من لحظة العين، وأبعد مجالا، وهي الغائصة في أعماق أودية الفكر، والمتأمّلة لوجوه العواقب، والجامعة بين ما غاب وحضر، والميزان الشاهد على ما نفع وضرّ، والقلب كالمملى للكلام على اللسان إذا نطق، واليد إذا كتبت، والعاقل يكسو المعانى وشى الكلام في قلبه، ثم يبديها بألفاظ كواس في أحسن زينة، والجاهل يستعجل بإظهار المعانى قبل العناية بتزيين معارضها، واستكمال محاسنها. وقيل لجعفر بن يحيى البرمكى: ما البيان؟ قال: أن يكون الاسم يحيط بمعناك، ويكشف عن مغزاك، ويخرجه من الشركة، ولا يستعان عليه

стр. 133

بالفكر، ويكون سليما من التكلّف، بعيدا من الصّنعة، بريئا من التعقيد، غنيّا عن التأويل. وذكر سهل بن هارون «١» - وقيل ثمامة بن أشرس- جعفر بن يحيى فقال: قد جمع في كلامه وبلاغته الهذّ والتمهل «٢» والجزالة والحلاوة، وكان يفهم إفهاما يغنيه عن الإعادة للكلام. ولو كان يستغنى مستغن عن الإشارة بمنطقة لاستغنى عنها جعفر. كما استغنى عن الإعادة فإنه لا يتحبّس «٣» ولا يتوقّف في منطقه ولا يتلجلج، ولا يتسعّل، ولا يترقّب لفظا قد استدعاه من بعد، ولا يتلمس معنى قد عصاه بعد طلبه له. وقيل لبشّار بن برد: بم فقت أهل عمرك، وسبقت أهل عصرك، فى حسن معانى الشعر، وتهذيب ألفاظه؟ فقال: لأنى لم أقبل كلّ ما تورده علىّ قريحتى، ويناجينى به طبعى، ويبعثه فكرى، ونظرت إلى مغارس الفطن، ومعادن الحقائق، ولطائف التشبيهات، فسرت إليها بفهم جيد، وغريزة قوية، فأحكمت سبرها، وانتقيت حرها، وكشفت عن حقائقها، واحترزت من متكلّفها ولا والله ما ملك قيادى قطّ الإعجاب بشىء مما آتى به. وكان بشار بن برد خطيبا، شاعرا، راجزا، سجّاعا، صاحب منثور ومزدوج، ويلقب بالمرعّث لقوله:

стр. 134

من لظبى مرعّث ... ساحر الطرف والنظر «١» قال لى لن تنالنى ... قلت أو يغلب القدر وليس هذا موضع استقصاء ذكره، واختيار شعره، وسأستقبل ذلك إن شاء الله. [وصية أبى تمام للبحترى] وقال الوليد بن عبيد البحترى: كنت في حداثتى أروم الشّعر، وكنت أرجع فيه إلى طبع، ولم أكن أقف على تسهيل مأخذه، ووجوه اقتضابه، حتى قصدت أبا تمام، وانقطعت فيه إليه، واتّكلت في تعريفه عليه؛ فكان أول ما قال لى: يا أبا عبادة؛ تخيّر الأوقات وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم، واعلم أن العادة جرت في الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شىء أو حفظه في وقت السّحر؛ وذلك أن النّفس قد أخذت حظّها من الراحة، وقسطها من النوم، وإن أردت التشبيب فاجعل اللفظ رشيقا، والمعنى رقيقا، وأكثر فيه من بيان الصّبابة، وتوجّع الكابة، وقلق الأشواق، ولوعة الفراق، فإذا أخذت في مديح سيّد ذى أياد فأشهر مناقبه، وأظهر مناسبه، وأبن معالمه، وشرف مقامه، ونضدّ المعانى «٢» ، واحذر المجهول منها، وإيّاك أن تشين شعرك بالألفاظ الرديئة، ولتكن كأنك خيّاط يقطع الثياب على مقادير الأجساد. وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك، ولا تعمل شعرك إلّا وأنت فارغ القلب، واجعل شهوتك لقول الشعر الذّريعة «٣» إلى حسن نظمه؛ فإن الشهوة

стр. 135

نعم المعين. وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من شعر الماضين، فما استحسن العلماء فاقصده، وما تركوه فاجتنبه، ترشد إن شاء الله. قال: فأعلمت نفسى فيما قال فوقفت على السياسة «١» . وقالوا: البليغ من يحوك الكلام على حسب الأمانى، ويخيط الألفاظ على قدود المعانى. ولذكر الطائى الليل ذكر بعض أهل العصر- وهو أبو على محمد بن الحسن ابن المظفّر الحاتمى «٢» - الليل فقال: فيه تجمّ الأذهان «٣» ، وتنقطع الأشغال، ويصح النظر، وتؤلّف الحكمة، وتدرّ الخواطر، ويتّسع مجال القلب، والليل أضوأ فى مذاهب الفكر، وأخفى لعمل البر، وأعون على صدقة السر، وأصح لتلاوة الذكر، ومدبّر والأمور يختارون الليل على النهار، فيما لم تصف فيه الأناة لرياضة التدبير وسياسة التقدير، فى دفع الملّم، وإمضاء المهمّ، وإنشاء الكتب، وتصحيح المعانى، وتقويم المبانى، وإظهار الحجج، وإيضاح المنهج، وإصابة نظم الكلام، وتقريبه من الأفهام. وقال بعض رؤساء الكتّاب: ليس الكتاب في كل وقت على غير

стр. 136

نسخة لم تحرّر بصواب؛ لأنه ليس أحد أولى بالأناة وبالرويّة من كاتب يعرض عقله، وينشر بلاغته؛ فينبغى له أن يعمل النسخ ويرويها، ويقبل عفو القريحة ولا يستكرهها، ويعمل على أن جميع الناس أعداء له، عارفون بكتابه، منتقدون عليه، متفرغون إليه. وقال آخر: إنّ لابتداء الكلام فتنة تروق، وجدة تعجب، فإذا سكنت القريحة، وعدل التأمّل، وصفت النّفس، فليعد النظر، وليكن فرحه بإحسانه، مساويا لغمّه بإساءته؛ فقد قالت الخوارج لعبد الله بن وهب الراسبى: نبايعك الساعة فقد رأينا ذلك، فقال: دعوا الرأى حتى يبلغ أناته، فإنه لا خير في الرأى الفطير، والكلام القضيب «١» . وقال معاوية بن أبى سفيان ﵀ لعبد الله بن جعفر: ما عندك في كذا وكذا؟ فقال: أريد أن أصقل عقلى بنومة القائلة «٢» ، ثم أروح فأقول بعد ما عندى قال الشاعر: إن الحديث تغرّ القوم جلوته ... حتى يغيّره بالوزن مضمار «٣» فعند ذلك تستكفى بلاغته ... أو يستمرّ به عىّ وإكثار وقالوا: كل مجر بالخلاء يسرّ «٤» ، وقال أبو الطيب المتنبى: وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطّعن وحده والنّزالا وكان قلم بن المقفع يقف كثيرا، فقيل له في ذلك، فقال: إن الكلام يزدحم فى صدرى، فيقف قلمى ليتخيّر.

стр. 137

وقالوا: الكتاب يتصفّح أكثر مما يتصفّح الخطاب؛ لأنّ الكاتب متخيّر، والمخاطب مضطرّ، ومن يرد عليه كتابك فليس يعلم أأسرعت فيه أم أبطأت؛ وإنما ينظر أأخطأت أم أصبت؛ فإبطاؤك غير قادح في إصابتك، كما إن إسراعك غير مغطّ على غلطك. ووصف بعض الكتّاب النسخ فقال: ينبغى أن يصحبها الفكر إلى استقرارها، ثم تستبرأ بإعادة النظر فيها بعد اختيارها «١» ، ويوسّع بين سطورها، ثم تحرر على ثقة بصحتها، وتتأمل بعد التحرير حرفا حرفا إلى آخرها. فقد كتب المأمون مصحفا اجتمع عليه؛ فكان أوله: بسم الله الرحيم، فأغفلوا الرحمن؛ لأنّ العين لا تعتبر ذلك؛ ثقة أنه لا يغلط فيه، حتى فطن المأمون له. وقال محمد بن عبد الملك الزيات للحسن بن وهب: حرّر هذه النسخة وبكّر بها، فتصبّح الحسن «٢» فقال له: لم تصبّحت؟ قال: حتى تصفحت! وقال أحمد بن إسماعيل بطاحة: كان بعض العلماء الأغبياء ينظر في نسخه بعد نفوذ كتبه، فقال بعض الكتاب: مستلب اللّب غوىّ الشباب ... عذّبه الهجر أشد العذاب يؤمل الصبر وأنّى له ... به وقد مكّن منه التّصاب كناظر في نسخة يبتغى ... إصلاحها بعد نفوذ الكتاب أوصاف بليغة في البلاغات على ألسنة أقوام من أهل الصناعات قال بعض من ولّد عقائل هذا المنثور، وألّف فواصل هذه الشذور: تجمّع

стр. 138

قوم من أهل الصناعات، فوصفوا بلاغاتهم، من طريق صناعاتهم «١» : فقال الجوهرى: أحسن الكلام نظاما ما ثقبته يد الفكرة، ونظمته الفطنة، ووصل جوهر معانيه في سموط «٢» ألفاظه، فاحتملته نحور الرواة. وقال العطار: أطيب الكلام ما عجن عنبر ألفاظه بمسك معانيه، ففاح نسيم نشقه، وسطعت رائحة عبقه، فتعلقت به الرّواة، وتعطّرت به السّراة. وقال الصائغ: خير الكلام ما أحميته بكير الفكر «٣» ، وسبكته بمشاعل النّظر، وخلّصته من خبث الإطناب، فبرز بروز الإبريز «٤» ، فى معنى وجيز. وقال الصيرفى «٥» : خير الكلام ما نقدته يد البصيرة، وجلته عين الرويّة، ووزنته بمعيار الفصاحة، فلا نظر يزيّفه «٦» ، ولا سماع يبهرجه «٧» وقال الحداد: أحسن الكلام ما نصبت عليه منفخة القريحة، وأشعلت عليه نار البصيرة، ثم أخرجته من فحم «٨» الإفحام، ورقّقته بفطّيس الإفهام «٩» . وقال النجار: خير الكلام ما أحكمت نجر معناه بقدوم التقدير، ونشرته بمنشار التدبير، فصار بابا لبيت البيان، وعارضة لسقف اللسان. وقال النجاد: أحسن الكلام ما لطفت رفارف ألفاظه «١٠» ، وحسنت مطارح

стр. 139

معانيه، فتنزهت في زرابىّ محاسنه عيون الناظرين» ، وأصاخت لنمارق «٢» بهجته آذان السامعين. وقال الماتح: أبين الكلام ما علقت وذم ألفاظه ببكرة معانيه «٣» ، ثم أرسلته في قليب الفطن «٤» فمتحت به سقاء يكشف الشهات، واستنبطت به معنى يروى من ظمأ المشكلات. وقال الخياط: البلاغة قميص؛ فجربّانه البيان «٥» ، وجيبه المعرفة، وكمّاه الوجازة، ودخاريصه الإفهام «٦» ، ودروزه الحلاوة «٧» ، ولابس جسده اللفظ، وروحه المعنى. وقال الصّباغ: أحسن الكلام ما لم تنض بهجة إيجازه «٨» ، ولم تكشف صبغة إعجازه، قد صقلته يد الرويّة من كمود الإشكال، فراع كواعب الآداب، وألّف عذارى الألباب. وقال الحانك: أحسن الكلام ما اتّصلت لحمة ألفاظه بسدى معانيه «٩» فخرج مفوّفا منيّرا، وموشّى محبّرا. وقال البزاز «١٠» : أحسن الكلام ما صدق رقم ألفاظه، وحسن نشر معانيه فلم يستعجم عنك نشر، ولم يستبهم عليك طىّ. وقال الرائض: خير الكلام ما لم يخرج عن حدّ التّخليع «١١» ، إلى منزلة

стр. 140

التّقريب «١» إلا بعد الرياضة، وكان كالمهر الذى أطمع أوّل رياضته في تمام ثقافته. وقال الجمّال: البليغ من أخذ بخطام كلامه، فأناخه في مبرك المعنى، ثم جعل الاختصار له عقالا، والإيجاز له مجالا، فلم يندّ عن الآذان، ولم يشذ عن الأذهان. وقال المخنّث: خير الكلام ما تكسّرت أطرافه، وتثنّت أعطافه، وكان لفظه حلّة، ومعناه حلية. وقال الخمار: أبلغ الكلام ما طبخته مراجل العلم، وصفّاه راووق الفهم، وضمّته دنان الحكمة، فتمشّت في المفاصل عذوبته، وفي الأفكار رقّته، وفي العقول حدّته. وقال الفقاعى: خير الكلام ما روّحت ألفاظه غباوة الشكّ، ورفعت رقّته فظاظة الجهل، فطاب حساء فطنته، وعذب مصّ جرعه. وقال الطبيب: خير الكلام ما إذا باشر [دواء] بيانه سقم الشّبهة استطلقت طبيعة الغباوة؛ فشفى من سوء التفهم، وأورث صحة التوهّم. وقال الكحّال: كما أن الرمد قذى الأبصار، فكذا الشبهة قذى البصائر، فاكحل عين اللكنة بميل البلاغة، واجل رمص الغفلة «٢» بمرود اليقظة. ثم قال: أجمعوا كلهم على أن أبلغ الكلام ما إذا أشرقت شمسه، انكشف لبسه، وإذا صدقت أنواؤه «٣» اخضرت أحماؤه «٤» . فقر في وصف البلاغة لغير واحد قال أعرابى: البلاغة التقرب من البعيد، والتباعد من الكلفة، والدلالة بقليل على كثير.

стр. 141

قال عبد الحميد بن يحيى: البلاغة تقرير المعنى في الأفهام، من أقرب وجوه الكلام. ابن المعتز: البلاغة البلوغ إلى المعنى ولم يطل سفر الكلام. سهل بن هارون: البيان ترجمان العقول، وروض القلوب، وقال: العقل رائد الروح، والعلم رائد العقل، والبيان ترجمان العلم. إبراهيم بن الإمام: يكفى من البلاغة ألا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع. العتّابى: البلاغة مدّ الكلام بمعانيه إذا قصر، وحسن التأليف إذا طال. أعرابى: البلاغة إيجاز في غير عجز، وإطناب في غير خطل. [وكتب إبراهيم بن المهدى إلى كاتب له ورآه يتبع وحشىّ الكلام: إياك وتتبع الوحشى طمعا في نيل البلاغة؛ فإن ذلك العىّ الأكبر، وعليك بما سهل مع تجنبك ألفاظ السفل. وقال الصولى: وصف يحيى بن خالد رجلا فقال: أخذ بزمام الكلام، فقاده أسهل مقاد، وساقه أجمل مساق؛ فاسترجع به القلوب النافرة، واستصرف به الأبصار الطامحة. وسمع أعرابى كلام الحسن البصرى ﵀، فقال: والله إنه لفصيح إذا نطق، نصيح إذا وعظ. قال الجاحظ: ينبغى للكاتب أن يكون رقيق حواشى الكلام، عذب ينابيع اللسان؛ إذا حاور سدّد سهم الصواب إلى غرض المعنى، لا يكلم الخاصة بكلام العامة، ولا العامة بكلام الخاصة. وقال أبو العباس المبرد: قال الحسن بن سهل لسالم الحرارى: ما المنزلة التي إذا نزل بها الكاتب كان كاتبا في قوله وفعله واستحقاقه؟ قال: أن يكون مطبوعا على المعرفة، محتنكا بالتجربة، عارفا بحلال الكتاب وحرامه، وبالدهور في تصرفها

стр. 142

وأحكامها، وبالملوك في سيرها وأيامها، وأجاس الخط، وبادية الأقلام، مع تشاكل اللفظ وقرب المأخذ. قال الحسن: فليس في الدنيا إذا كاتب] . وقيل لليونانى: ما البلاغة؟ قال: تصحيح الأقسام، واختيار الكلام. وقيل للرومى: ما البلاغة؟ قال: حسن الاقتضاب عند البداهة، والغزارة يوم الإطالة. وقيل للهندى: ما البلاغة؟ قال: وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة. وقيل للفارسى: ما البلاغة؟ قال: معرفة الفصل من الوصل. وقال على بن عيسى الرّمّانى: البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ. ومن كلام أهل العصر، في صفة البلاغة والبلغاء [قال على بن عيسى الرمانى] : أبلغ الكلام ما حسن إيجازه، وقل مجازه، وكثر إعجازه، وتناسبت صدوره وأعجازه. أبلغ الكلام ما يؤنس مسمعه، ويوئس مضيّعه. البليغ من يجتنى من الألفاظ أنوارها «١» ، ومن المعانى ثمارها. ليست البلاغة أن يطال عنان القلم أو سنانه، أو يبسط رهان القول وميدانه، بل هي أن يبلغ أمد المراد بألفاظ أعيان، ومعان أفراد، من حيث لا تزيّد على الحاجة، ولا إخلال يفضى إلى الفاقة. البلاغة ميدان لا يقطع إلا بسوابق الأذهان، ولا يسلك إلا ببصائر البيان. فلان يعبث بالكلام، ويقوده بألين زمام، حتى كأنّ الألفاظ تتحاسد فى التسابق إلى خواطره، والمعانى تتغاير في الانثيال على أنامله. هذا كقول أبى تمام الطائى: تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل

стр. 143

فلان مشرفى المشرق، وصيرفىّ المنطق. البيان أصغر صفاته، والبلاغة عفو خطراته. كأنما أوحى بالتوفيق إلى صدره، وحسن الصواب بين طبعه وفكره. فلان يحزّ مفاصل الكلام، ويسبق فيها إلى درك المرام، كأنما جمع الكلام حوله حتى انتقى منه وانتخب، وتناول منه ما طلب، وترك بعد ذلك أذنابا لا رءوسا، وأجسادا لا نفوسا. فلان يرضى بعفو الطّبع، ويقنع بما خفّ على السمع، ويوجز فلا يخلّ، ويطنب فلا يملّ، لله فلان أخذ بأزمّة القول يقودها كيف أراد، ويجذبها أنّى شاء، فلا تعصيه بين الصّعب والذّلول، ولا تسلمه عند الحزونة والسّهول، كلامه يشتدّ مرّة حتى تقول الصّخر الأملس، ويلين تارة حتى تقول الماء أو أسلس، يقول فيصول، ويجيب فيصيب، ويكتب فيطبّق المفصل، أو ينسّق الدرّ المفصّل، ويرد مشارع الكلام وهي صافية لم تطرق، وجامّة لم ترنّق «١» ، خاطره البرق أو أسرع لمعا، والسّيف أو أحدّ قطعا، والماء أو أسلس جريا، والفلك أو أقوم هديا؛ هو ممن يسهل الكلام على لفظه، وتتزاحم المعانى على طبعه، فيتناول المرمى البعيد بقريب سعيه، ويستنبط المشرع العميق بيسير جريه، لسانه يفلق الصّخور، ويغيض البحور، ويسمع الصّم، ويستنزل العصم «٢» ، خطيب لا تناله حبسة، ولا ترتهنه لكنة، ولا تتمشّى في خطابه رنة، ولا تتحيّف بيانه عجمة، ولا تعترض لسانه عقدة. فلان رقيق الأسلة، عذب العذبة «٣» لو وضع لسانه على الشعر حلقه، أو

стр. 144

على الصّخر فلقه، أو على [الجمر أحرقه، أو على] الصّفا خرقه «١» ؛ قد أحسن السّفارة، واستوفى العبارة، وأدّى الألفاظ، واستغرق الأغراض، وأصاب شواكل المراد «٢» ، وطبّق مفاصل السّداد، وبسط لسان الخطاب، ومدّ أطناب الإطناب «٣» ، وطلب الأمد في الإسهاب، قال حتى قال الكلام: لو أعفيت! وكتب حتى قالت الأقلام: قد أحفيت، قد اتّسع له مشرع الإطناب، وانفرج له مسلك الإسهاب، أرسل لسانه في ميدانه، وأرخى له من عنانه، قال وأطال، وجال في بسط الكلام كلّ مجال، إذا اسحنفر فى الكلام طفح آذيّه، وسال أتيّه «٤» ، وانثال عليه الكلام كانثيال الغمام، واستجاب له الخطاب كصوب الرّباب «٥» . ألفاظ كغمزات الألحاظ، ومعان كأنها فكّ عان «٦» ! ألفاظ كما نوّرت الأشجار، ومعان كما تنفّست الأسحار، ألفاظ قد استعارت حلاوة العتاب بين الاحباب، واستلانت كتشكّى العشّاق يوم الفراق. كلام قريب شاسع «٧» ومطمع مانع، كالشمس تقرب ضياء، وتبعد علاء؛ أو كالماء يرخص موجودا، ويغلو مفقودا. كلام لا تمجّه الآذان، ولا تبليه الأزمان، كالبشرى مسموعة، أو أزاهير الرياض مجموعة، ومعان كأنفاس الرياح، تعبق بالرّيحان والراح. كلام سهل متسلسل، كالمدام بماء الغمام، يقرب إذنه على الأفهام. كلام كبرد الشّراب على الأكباد الحرار، وبرد الشباب في خلع العذار. كلام كثير العيون، سلس المتون، رقيق الحواشى، سهل النواحى.

стр. 145

كلام هو السّحر الحلال، والماء الزّلال، والبرود والحبر، والأمثال والعبر، والنعيم الحاضر، والشباب النّاضر. نظرت منه إلى صورة الظّرف بحتا، وصورة البلاغة سبكا ونحتا، ألفاظ هى خدع الدهر، وعقد السحر. كلام يسرّ المحزون، ويسهّل الحزون «١» ، ويعطل الدرّ المخزون. كلام بعيد من الكلف، نقىّ من الكلف «٢» كلام كما تنفس السّحر عن نسيمه، وتبسم الدرّ عن نظيمه. ألفاظ تأنّق الخاطر في تذهيبها، ومعان عنى الفهم بتهذيبها. ألفاظ حسبتها من رقّتها منسوخة فى صحيفة الصّبا، وظننتها من سلاستها مكتوبة في نحر الهوى. كلام كالبشرى بالولد الكريم، قرع به سمع الشيخ العقيم. كلام قرب حتى أطمع، وبعد حتى امتنع، وقرب حتى صار قاب قوسين أو أدنى، ثم [سما و] علا حتى صار بالمنزل الأعلى. رقيق المزاج، حلو السماع، نقىّ السّبك، مقبول اللّفظ. قرأت لفظا جليّا، حوى معنى خفيّا، وكلاما قريبا، رمى غرضا بعيدا. لو أنّ كلاما أذيب به صخر، أو أطفىء به جمر، أو عوفى به مريض، أو جبر به مهيض «٣» لكان كلامه الذى يقود سامعيه إلى السجود، ويجرى في القلوب كجرى الماء في العود. ألفاظه أنوار، ومعانيه ثمار. كلامه أنس المقيم الحاضر، وزاد الراحل المسافر. كلامه يصغى إليه المقبور، وينتفض له العصفور. كلام يقضى حقّ البيان، ويملك رقّ الحسن والإحسان، كلام منه يجتنى الدّر، وبه يعقد السّحر، وعنده يعتب الدهر «٤» وله ينشرح الصدر.
следующие страницы →