← Адаб

Адаб · id 10768

زهر الآداب وثمر الألباب

الحصري القيرواني

Полный текст (1 141 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قال عبد الحميد بن يحيى: البلاغة تقرير المعنى في الأفهام، من أقرب وجوه الكلام. ابن المعتز: البلاغة البلوغ إلى المعنى ولم يطل سفر الكلام. سهل بن هارون: البيان ترجمان العقول، وروض القلوب، وقال: العقل رائد الروح، والعلم رائد العقل، والبيان ترجمان العلم. إبراهيم بن الإمام: يكفى من البلاغة ألا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع. العتّابى: البلاغة مدّ الكلام بمعانيه إذا قصر، وحسن التأليف إذا طال. أعرابى: البلاغة إيجاز في غير عجز، وإطناب في غير خطل. [وكتب إبراهيم بن المهدى إلى كاتب له ورآه يتبع وحشىّ الكلام: إياك وتتبع الوحشى طمعا في نيل البلاغة؛ فإن ذلك العىّ الأكبر، وعليك بما سهل مع تجنبك ألفاظ السفل. وقال الصولى: وصف يحيى بن خالد رجلا فقال: أخذ بزمام الكلام، فقاده أسهل مقاد، وساقه أجمل مساق؛ فاسترجع به القلوب النافرة، واستصرف به الأبصار الطامحة. وسمع أعرابى كلام الحسن البصرى ﵀، فقال: والله إنه لفصيح إذا نطق، نصيح إذا وعظ. قال الجاحظ: ينبغى للكاتب أن يكون رقيق حواشى الكلام، عذب ينابيع اللسان؛ إذا حاور سدّد سهم الصواب إلى غرض المعنى، لا يكلم الخاصة بكلام العامة، ولا العامة بكلام الخاصة. وقال أبو العباس المبرد: قال الحسن بن سهل لسالم الحرارى: ما المنزلة التي إذا نزل بها الكاتب كان كاتبا في قوله وفعله واستحقاقه؟ قال: أن يكون مطبوعا على المعرفة، محتنكا بالتجربة، عارفا بحلال الكتاب وحرامه، وبالدهور في تصرفها

стр. 142

وأحكامها، وبالملوك في سيرها وأيامها، وأجاس الخط، وبادية الأقلام، مع تشاكل اللفظ وقرب المأخذ. قال الحسن: فليس في الدنيا إذا كاتب] . وقيل لليونانى: ما البلاغة؟ قال: تصحيح الأقسام، واختيار الكلام. وقيل للرومى: ما البلاغة؟ قال: حسن الاقتضاب عند البداهة، والغزارة يوم الإطالة. وقيل للهندى: ما البلاغة؟ قال: وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة. وقيل للفارسى: ما البلاغة؟ قال: معرفة الفصل من الوصل. وقال على بن عيسى الرّمّانى: البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ. ومن كلام أهل العصر، في صفة البلاغة والبلغاء [قال على بن عيسى الرمانى] : أبلغ الكلام ما حسن إيجازه، وقل مجازه، وكثر إعجازه، وتناسبت صدوره وأعجازه. أبلغ الكلام ما يؤنس مسمعه، ويوئس مضيّعه. البليغ من يجتنى من الألفاظ أنوارها «١» ، ومن المعانى ثمارها. ليست البلاغة أن يطال عنان القلم أو سنانه، أو يبسط رهان القول وميدانه، بل هي أن يبلغ أمد المراد بألفاظ أعيان، ومعان أفراد، من حيث لا تزيّد على الحاجة، ولا إخلال يفضى إلى الفاقة. البلاغة ميدان لا يقطع إلا بسوابق الأذهان، ولا يسلك إلا ببصائر البيان. فلان يعبث بالكلام، ويقوده بألين زمام، حتى كأنّ الألفاظ تتحاسد فى التسابق إلى خواطره، والمعانى تتغاير في الانثيال على أنامله. هذا كقول أبى تمام الطائى: تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل

стр. 143

فلان مشرفى المشرق، وصيرفىّ المنطق. البيان أصغر صفاته، والبلاغة عفو خطراته. كأنما أوحى بالتوفيق إلى صدره، وحسن الصواب بين طبعه وفكره. فلان يحزّ مفاصل الكلام، ويسبق فيها إلى درك المرام، كأنما جمع الكلام حوله حتى انتقى منه وانتخب، وتناول منه ما طلب، وترك بعد ذلك أذنابا لا رءوسا، وأجسادا لا نفوسا. فلان يرضى بعفو الطّبع، ويقنع بما خفّ على السمع، ويوجز فلا يخلّ، ويطنب فلا يملّ، لله فلان أخذ بأزمّة القول يقودها كيف أراد، ويجذبها أنّى شاء، فلا تعصيه بين الصّعب والذّلول، ولا تسلمه عند الحزونة والسّهول، كلامه يشتدّ مرّة حتى تقول الصّخر الأملس، ويلين تارة حتى تقول الماء أو أسلس، يقول فيصول، ويجيب فيصيب، ويكتب فيطبّق المفصل، أو ينسّق الدرّ المفصّل، ويرد مشارع الكلام وهي صافية لم تطرق، وجامّة لم ترنّق «١» ، خاطره البرق أو أسرع لمعا، والسّيف أو أحدّ قطعا، والماء أو أسلس جريا، والفلك أو أقوم هديا؛ هو ممن يسهل الكلام على لفظه، وتتزاحم المعانى على طبعه، فيتناول المرمى البعيد بقريب سعيه، ويستنبط المشرع العميق بيسير جريه، لسانه يفلق الصّخور، ويغيض البحور، ويسمع الصّم، ويستنزل العصم «٢» ، خطيب لا تناله حبسة، ولا ترتهنه لكنة، ولا تتمشّى في خطابه رنة، ولا تتحيّف بيانه عجمة، ولا تعترض لسانه عقدة. فلان رقيق الأسلة، عذب العذبة «٣» لو وضع لسانه على الشعر حلقه، أو

стр. 144

على الصّخر فلقه، أو على [الجمر أحرقه، أو على] الصّفا خرقه «١» ؛ قد أحسن السّفارة، واستوفى العبارة، وأدّى الألفاظ، واستغرق الأغراض، وأصاب شواكل المراد «٢» ، وطبّق مفاصل السّداد، وبسط لسان الخطاب، ومدّ أطناب الإطناب «٣» ، وطلب الأمد في الإسهاب، قال حتى قال الكلام: لو أعفيت! وكتب حتى قالت الأقلام: قد أحفيت، قد اتّسع له مشرع الإطناب، وانفرج له مسلك الإسهاب، أرسل لسانه في ميدانه، وأرخى له من عنانه، قال وأطال، وجال في بسط الكلام كلّ مجال، إذا اسحنفر فى الكلام طفح آذيّه، وسال أتيّه «٤» ، وانثال عليه الكلام كانثيال الغمام، واستجاب له الخطاب كصوب الرّباب «٥» . ألفاظ كغمزات الألحاظ، ومعان كأنها فكّ عان «٦» ! ألفاظ كما نوّرت الأشجار، ومعان كما تنفّست الأسحار، ألفاظ قد استعارت حلاوة العتاب بين الاحباب، واستلانت كتشكّى العشّاق يوم الفراق. كلام قريب شاسع «٧» ومطمع مانع، كالشمس تقرب ضياء، وتبعد علاء؛ أو كالماء يرخص موجودا، ويغلو مفقودا. كلام لا تمجّه الآذان، ولا تبليه الأزمان، كالبشرى مسموعة، أو أزاهير الرياض مجموعة، ومعان كأنفاس الرياح، تعبق بالرّيحان والراح. كلام سهل متسلسل، كالمدام بماء الغمام، يقرب إذنه على الأفهام. كلام كبرد الشّراب على الأكباد الحرار، وبرد الشباب في خلع العذار. كلام كثير العيون، سلس المتون، رقيق الحواشى، سهل النواحى.

стр. 145

كلام هو السّحر الحلال، والماء الزّلال، والبرود والحبر، والأمثال والعبر، والنعيم الحاضر، والشباب النّاضر. نظرت منه إلى صورة الظّرف بحتا، وصورة البلاغة سبكا ونحتا، ألفاظ هى خدع الدهر، وعقد السحر. كلام يسرّ المحزون، ويسهّل الحزون «١» ، ويعطل الدرّ المخزون. كلام بعيد من الكلف، نقىّ من الكلف «٢» كلام كما تنفس السّحر عن نسيمه، وتبسم الدرّ عن نظيمه. ألفاظ تأنّق الخاطر في تذهيبها، ومعان عنى الفهم بتهذيبها. ألفاظ حسبتها من رقّتها منسوخة فى صحيفة الصّبا، وظننتها من سلاستها مكتوبة في نحر الهوى. كلام كالبشرى بالولد الكريم، قرع به سمع الشيخ العقيم. كلام قرب حتى أطمع، وبعد حتى امتنع، وقرب حتى صار قاب قوسين أو أدنى، ثم [سما و] علا حتى صار بالمنزل الأعلى. رقيق المزاج، حلو السماع، نقىّ السّبك، مقبول اللّفظ. قرأت لفظا جليّا، حوى معنى خفيّا، وكلاما قريبا، رمى غرضا بعيدا. لو أنّ كلاما أذيب به صخر، أو أطفىء به جمر، أو عوفى به مريض، أو جبر به مهيض «٣» لكان كلامه الذى يقود سامعيه إلى السجود، ويجرى في القلوب كجرى الماء في العود. ألفاظه أنوار، ومعانيه ثمار. كلامه أنس المقيم الحاضر، وزاد الراحل المسافر. كلامه يصغى إليه المقبور، وينتفض له العصفور. كلام يقضى حقّ البيان، ويملك رقّ الحسن والإحسان، كلام منه يجتنى الدّر، وبه يعقد السّحر، وعنده يعتب الدهر «٤» وله ينشرح الصدر.

стр. 146

ومن ألفاظهم في وصف النظم والنثر والشعر والشعراء نثر كنثر الورد، نظم كنظم العقد. نثر كالسّحر أو أدقّ، ونظم كالماء أو أرقّ. رسالة كالرّوضة الأنيقة، وقصيدة كالمخدّرة الرشيقة. رسالة تقطر ظرفا، وقصيدة تمزج بماء الرّاح لطفا. نثره سحر البيان، ونظمه قطع الجمان. نثر كما تفتّح الزهر، ونظم كما تنفّس السّحر. نثر ترقّ نواحيه وحواشيه، ونظم تروق ألفاظه ومعانيه. نثر كالحديقة تفتّحت أحداق وردها، ونظم كالخريدة تورّدت أسرار خدّها «١» . رسالة تضحك عن غرر وزهر، وقصيدة تنطوى على حبر ودرر. لم ترض في برّك، بأخوات النّثرة من نثرك، حتى وصلتها ببنات الشّعرى من شعرك «٢» . كلام كما هبّ نسيم السحر، على صفحات الزّهر، ولذّ طعم الكرى بعد برح السّهر» . وشعر في نفسه شاعر، توسم به المواسم والمشاعر. كلام أنسى حلاوة الأولاد بحلاوته، وطلاوة الربيع بطلاوته، وشعر من حلّة الشباب مسروق، ومن طينة الوصال مخلوق. قصيدة، فى فنّها فريدة، هى عروس كسوتها القوافى، وحليتها المعانى. شعر يترقرق فيه ماء الطبع، ويرتفع له حجاب القلب والسمع. شعر لا مزية الإعجاز أخطأته، ولا فضيلة الإيجاز تخطّته. شعر رويته لما رأيته، وحفظته لما لحظته. أبيات لو جعلت خلعا على الزمان لتحلّى بها مكاثرا، وتجلّى فيها مفاخرا. شعر راقنى، حتى شاقنى، فإنه مع قرب لفظه بعيد المرام، ممرّ النظام «٤» ، قوى الأسر «٥» ، صافى البحر. نظم قد ألبس من البداوة فصاحتها، وغشّى من الحضارة سجاحتها «٦» ؛ فإن

стр. 147

شئت قلت عبيد ولبيد، وإن شئت حبيب والوليد «١» . قصيدته روضة تجتنى بالأفكار، ونقل يتناول بالأسماع والأبصار «٢» ، ونقل العلم والأدب، ألذّ من نقل المأكل والمشرب، وفاكهة الكلام، أطيب من فاكهة الطعام. نظم كنظم الجمان، وروض كالجنان، وأمن الفؤاد، وطيب الرّقاد. قصيدة لم أر غيرها بكرا، استوفت أقسام الحنكة، واستكملت أحكام الدربة «٣» ؛ فعليها رونق الشباب، ولها قوّة المذكيات الصّلاب «٤» ، روح الشعر، وتاج الدهر، ومقدمة عساكر السحر. كل بيت شعر خير من بيت تبر. شعر يحكم له بالإعجاز والتّبريز، ويشبّه في صفاء سبكه بالذّهب الإبريز. شعر تاتلف القلوب على درره ائتلافا، وتصير الآذان له أصدافا. لله درّه ما أحلى شعره! وأنقى درّه، وأعلى قدره، وأعجب أمره! قد أخذ برقاب القوافى، وملك رقّ المعانى، فضله برهان حق، وشعره لسان صدق. فلان يغرب بما يجلب، ويبدع فيما يصنع، حسن السبك، محكم الرّصف، بديع الوصف، مرغوب في شعره، متنافس في سحره. هو ضارب في قداح الشعر بأعلى السهام، آخذ في عيون الفضل بأوفى الأقسام، شعاره أشعاره، ودابه آدابه، هو ممن يبتده فيبتدع، طبعه يملى عليه، ما لا يملّ الاستماع إليه. قريحة غير قريحة، وطبع غير طبع «٥» ، وخيم غير وخيم، لبيد عنده بليد، وعبيد لديه من العبيد، والفرزدق عنده أقل من فرزدقة خمير «٦» ، وجرير يقاد إليه بجرير «٧» قد نسج حلالا لا يبلى جدّتها الجديدان، ولا تزداد إلا حسنا على

стр. 148

تردّد الأزمان. نظمه قد نظم حاشيتى البرّ والبحر، وأدرك ناحيتى الشرق والغرب. أشعار قد وردت المياه، وركبت الأفواه، وسارت في البلاد، ولم تسر بزاد، وطارت في الآفاق، ولم تمش على ساق. شعره أسير من الأمثال، وأسرى من الخيال، سار مسير الرياح، وطار بغير جناح. أشعاره سارت مسير الشمس، وهبّت هبوب الريح، وطبّقت تخوم الأرض، وانتظمت الشرق إلى الغرب. قد كادت الأيام تنشدها، والليالى تحفظها، والجنّ تدرسها، والطير تتغنّى بها. أبيات أسفر عنها طبع المجد، فعلمت كيف يتكسّر الزّهر على صفحات الحدائق، وكيف يغرس الدرّ في رياض المهارق «١» . شعر قد أحسن خدمته بكمال فكره، ووقف كيف شاء عند عالى أمره. شعر يعلّق في كعبة المجد، ويتوّج به مفرق الدهر. جاءت القصيدة ومعها عزّة الملك، وعليها رواء الصدق، وفيها سيماء العلم، وعندها لسان المجد، ولها صيال الحقّ، لا غرو إذا فاض بحر العلم على لسان الشّعر أن ينتج ما لا عين وقعت على مثله ولا أذن سمعت بشبهه. شعر يكتب في غرّة الدهر، ويشرح في جبهة الشمس [والبدر] . وهذه جملة من فصول أهل العصر تليق بهذا الموضع كتب أبو الفضل بن العميد إلى أبى محمد خلاد الرامهرمزى القاضى «وصل كتابك الذى وصلت جناحه بفنون صلاتك وتفقّدك، وضروب برّك وتعهّدك؛ فارتحت لكلّ ما أوليت، وابتهجت بجميع ما أهديت، وأضفت إحسانك في كلّ فصل إلى نظائره التي وكلت بها ذكرى، ووقفت عليها شكرى، وتأمّلت النظم فملكنى العجب به، وبهرنى التعجّب منه، وقد رمت أن أجرى على العادة في تشبيهه بمستحسن من زهر جنىّ، وحلل وحلىّ، وشذور الفرائد، فى نحور الخرائد.

стр. 149

والعذارى غدون في الحلل البي ... ض وقد رحن في الخطوط السّود فلم أره لشىء عدلا، ولا أرضى ما عددته له مثلا؛ والله يزيدك من فضله ولا يخليك من إحسانه، ويلهمك من برّ إخوانك ما تتمّم به صنيعك لديهم، ويربّ معه إحسانك إليهم. وكتب أبو القاسم إسماعيل بن عباد الصاحب إلى أبى سعيد الشبيبى: «قد رأى شيخ الدولتين كيف الكلف بسادتى من أهل ميكال- أيّدهم الله! - بين ودّ أضمره على البعد، وإيثار أظهره على تراخى المزار، وتقريظ يمليه علىّ الملوان «١» ، ومدح أنطق فيه بلسان الزّمان، حتى إن ذكرهم إذا جرى على لسانى اهتزّت له نفسى، وفضلهم إذا جرى على سمعى انفرج له صدرى، فتلك عصبة خير فضلها باهر، وشرفها على شرف النماء زاهر، وشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء [ناظر] ، والله يتمّم أعدادها، ولا يعدمنى ودادها، وإذا كان إكبارى لهم هذا الإكبار فكلّ منتسب إلى جنبهم أثير لدىّ «٢» ، كثير في يدىّ. وطرأ علىّ فلان منتسبا إلى جملتهم، وحبذا الجملة، ومعتزيا إلى خدمتهم، ونعمت الخدمة، ففررناه عن طبع سمح «٣» ، ولفظ عذب، وصلة نثر بنظم؛ فإن شاء قال: أنا الوليد، وإن شاء قال: أنا عبد الحميد؛ ولم أعظم بمن خرّجته تلك النعمة ونتجته تلك السّدّة أن يأخذ من كلّ حسنة بعروة، ويقدح فى كل نار بجدوة؛ وآنسنا بالمقام مدة، أكّدتها شوافع عدّة، إلى أن تذكّر معاهد رأى فيها الدّهر طلقا، والزمان غلاما، والفضل رهنا، والإفضال لزاما؛ فحنّ حنين الرّكاب، وركب عزيم الإياب «٤» . فصل [من كتاب] كتبه الأمير أبو الفضل عبيد الله بن أحد الميكالى إلى

стр. 150

أبى القاسم الداوودى جوابا عن كتاب له ورد عليه. وأبو الفضل رئيس نيسابور وأعمالها في وقتنا هذا «١» ، وسيمرّ من كلامه ونثره ونظامه ما يغنى عن التنويه، ويكفى عن التنبيه، ويجلّ عن التشبيه، ويكون كما قال أبو الحسن الأخفش على بن سليمان: [استهدى إبراهيم بن المدبّر] أبا العباس محمد بن يزيد جليسا يجمع إلى تأديب ولده الإمتاع بإبناسه؛ فندبنى لذلك، وكتب إليه معى: قد أنفذت إليك- أعزّك الله- فلانا، وجملة أمره أنه كما قال الشاعر: إذا زرت الملوك فإن حسبى ... شفيعا عندهم أن يخبرونى وفصل أبى الفضل: وقفت على ما أتحفنى به الشيخ: من نظمه الرائق البديع، وخطّه المزرى بزهر الربيع، موشّحا بغرر ألفاظه، التى لو أعيرت حليتها لعطّلت قلائد النحور، وأبكار معانيه التي لو قسّمت حلاوتها لأعذبت موارد البحور، فسرّحت طرفى منها في رياض جادتها سحائب العلوم والحكم، وهبّ عليها نسيم الفضل والكرم، وابتسمت عنها ثغور المعالى والهمم، ولم أدر- وقد حيّرتنى أصنافها، وبهرتنى ثغورها وأوصافها، حتى كستنى اهتزازا وإعجابا، وأنشأت بينى وبين التماسك سترا وحجابا، ولم أدر «٢» أدهتنى لها نشوة راح، أم ازدهتنى نغمة ارتياح، وانتظم عندى منها عقد ثناء وقريض «٣» ، أم قرع سمعى منها غناء معبد وغريض، وكيفما كان فقد حوى رتبة الإعجاز والإبداع، وأصبح نزهة القلوب والأسماع، فما من جارحة إلا وهي تودّ لو كانت أذنا فتلتقط درره وجواهره، أو عينا تجتلى مطالعه ومناظره، أو لسانا يدرس محاسنه ومفاخره. وله فصل من كتاب إلى أبى منصور عبد الملك بن إسماعيل الثعالبى: «وصل كتاب مولاى وسيدى، أبدع الكتب هوادى وأعجازا «٤» ، وأبرعها بلاغة

стр. 151

وإعجازا، فحسبت ألفاظه درّ السحاب، أو أصفى قطرا وديمة، ومعانيه درّ السّخاب «١» ، بل أوفى قدرا وقيمة. وتأملت الأبيات فوجدتها فاثقة النّظم والرّصف، عبقة النسيم والعرف، فائزة بقداح الحسن والظّرف، مالكة لزمام القلب والطّرف؛ ولا غرو أن يصدر مثلها عن ذلك الخاطر، وهو هدف الفقر والنوادر، وصدف الدرر والجواهر، والله يمتّعه بما منحه من هذه الغرر والأوضاح، كما أطلق فيه ألسنة الثناء والامتداح. وأبو منصور هذا يعيش إلى وقتنا هذا [على طريق التخمين لا على حقيقة اليقين] وهو فريد دهره، وقريع عصره، ونسيج وحده، وله مصنفات في العلم والأدب، تشهد له بأعلى الرتب، وقد فرّقت ما اخترته منها في هذا الكتاب، مع ما تعلّق بشاكلته من الخطاب «٢» ؛ منها كتاب سماه «سحر البلاغة» قال في صدر هذا الكتاب: «أخرجت بعضه من غرر نجوم الأرض، ونكت أعيان الفضل، من بلغاء العصر، فى النثر، وحللت بعضه من نظم أمراء الشعر، الذين أوردت ملح أشعارهم في كتابى المترجم بيتيمة الدهر، فلفقت جميع ذلك وحرّرته، وسقته ونسّقته، وأنفقت عليه ما رزقته، وعملته بكدّ الناظر، وجهد الخاطر، وتعب اليمين، وعرق الجبين، وتعمّدت فيه لذّة الجدة، ورونق الحداثة، وحلاوة الطّراوة، ولم أشبه بشىء من كلام غير أهل العصر، إلا في قلائل وقلائد من ألفاظ الجاحظ وابن المعتز، تخلّلت أثناءه، وتوشّحت تضاعيفه، ولم أخل كلماته- التى هي وسائط الآداب، وصياقل الألباب، وما تستمتعه أنفس

стр. 152

الأدباء، وتلذّ أعين الكتاب- من لفظ صحيح، أو معنى صريح، أو تجنيس أنيس، أو تشبيه بلا شبيه، أو تمثيل بلا مثيل ولا عديل، أو استعارة مختارة، أو طباق، ذى رونق باق؛ فمن رافق هذا الكتاب قرب تناوله من الكتّاب، إذا وشّوا ديباجة كلامهم بما يقتبسونه من نوره، وسماحة قياده لأفراد الشعراء إذا رصّعوا عقود نظامهم بما يلتقطونه من شذوره، فأمّا المخاطبات والمحاورات، فإنها تتبرّج بغرّة من غرره، وتتوّج بدرة من درره. وقد ذكر جملة من أخرج معظم كتابه من نثرهم ونظمهم، وهم: الصابيان «١» ، والخالديّان «٢» ، وبديع الزمان، وأبو نصر بن المرزبان [وعلى بن عبد العزيز القاضى، وأبو محمد القاضى، وأبو القاسم الزعفرانى، وأبو فراس الحمدانى] ، وابن أبى العلاء الأصبهانى، وأبو الطيب المتنبى، وأبو الفتح البستى، وأبو الفضل الميكالى، وشمس المعالى، والصاحب بن عباد، وجماعة يكثر بهم التعداد، قد ذكرهم في كتابه، فكل ما مرّ أو يمر من ذكر ألفاظ أهل العصر فمن كتابه نقلت، وعليه عوّلت. وفي أبى منصور يقول أبو الفتح على بن محمد البستى: قلبى رهين بنيسابور عند أخ ... ما مثله حين تستقرى البلاد أخ له صحائف أخلاق مهذبة ... من الحجا والعلا والظّرف تنتسخ وأما الذين ذكر أسماءهم في كتابه فسأظهر من سرائر شعرهم الرصين، وأجلو من جواهر نثرهم الثمين، ما أخذ من البلاغة باليمين.

стр. 153

فصل لأبى الفضل: وصل كتاب الشيخ المبشر من خبر سلامته التي هي غرّة الزمان البهيم «١» ، وعذر الدهر المليم «٢» ، بما أشرقت له آفاق الفضل والكرم، وتمّت به نفائس الآلاء والنعم، فسرّحت طرفى من محاسن ألفاظه، فى أنوار تروق أزاهرها، وقلائد تروع دررها وجواهرها، ومبارّ يسترقّ الرّقاب باطنها وظاهرها «٣» وله إلى أبى سعيد بن خلف الهمدانى: وصل كتابك متحملا من أخبار سلامتك، وآثار نعم الله بساحتك، ما أدّى روح البرّ ونسيمه، وجمع فنون الفضل وتقاسيمه، ومجدّدا عندى من عمر مواصلته، ومعسول كلامه ومحاورته، ما ترك غصن المقة غضّا تروق أوراقه «٤» ، ووجه الثقة طلقا يتهلّل إشراقه، فكم جنيت عنه من ثمر مسرة كانت عوائق الأيام تحاذ بنيه، وحويت به من علق مضنّة قلما يجود الدهر بمثله لبنيه «٥» . وله فصل إلى بعض الحكام بجوين «٦» : وصل كتاب الحاكم وقد وشّحه بمحاسن فقره، ونتائج فكره، من لفظ شهىّ أعطته القلوب فضل المقادة، ومعنى سنىّ جاده صوب الإصابة والإجادة، وبرّ هنىّ اتّفقت على الاعتراف بفضله ألسنة الثناء والشهادة، فسرّحت طرفى فيما حواه من بدائع وطرف، قد جمعت في الحسن والإحسان بين واسطة وطرف، حتى لم تبق في البلاغة يتيمة إلا جبرتها وتمّمتها. وله إلى الأمير السيد أبيه يهنئه بالقدوم. كتبت وأنا بمنزلة من ارتدّ إليه شبابه بعد المشيب، وارتدى برداء من العمر

стр. 154

قشيب «١» ، والحمد لله رب العالمين، وصل كتاب مولاى مبشّرا من خبر عوده إلى مقرّ عزّه وشرفه، محروسا في حفظ الله وكنفه، بما لم تزل الآمال تتنسّم روائحه، وتترقّب غادى صنع الله فيه ورائحه، واثقة بأنّ عادة الله الكريمة عنده تسايره وترافقه، وتلزم جنابه فلا تفارقه، حتى تخرجه من غمرة الغماء خروج السيف من الغمد، والبدر بعد السّرار «٢» إلى الانجلاء، فعددت يوم وروده عيدا، أعاد عهد السّرور جديدا، وردّ طرف الحسود كليلا وقد كان حديدا، ولم أشبّهه في إهداء الرّوح والشفاء، وتلافى الرّوح بعد أن أشفى على المكروه كل الإشفاء» إلّا بقميص يوسف حين تلقّاه يعقوب ﵇ من البشير، وألقاه على وجهه فنظر بعين البصير، فكم أوسعته لثما واستلاما، والتقطت منه بردا وسلاما، حتى لم تبق غلّة في الصدر إلا برّدتها، ولا غمّة في النفس إلا طردتها، ولا شريعة من الأنس إلا وردتها. وله فصل من رسالة: وكان فرط التعجب مرّة وعظم الإعجاب تارة يقف بى عند أول فصل من فصوله، ويثبّطنى عن استيفاء غرره وحجوله، ويوهمنى أنّ المحاسن ما حوته قلائده، ونظمته فرائده؛ فليس في قوس إحسان وراءها منزع «٤» ، ولا لاقتراح جنان فوقها متطلّع، حتى إذا جاوزته إلى لففه وتزيينه، وأجلت فكرى فى نكته وعيونه، رأيت ما يحيّر الطّرف، ويعجز الوصف، ويعلو على الأول محلّا ومكانا، ويفوقه حسنا وإحسانا، فرتعت كيف شئت في رياضه وحدائقه، واقتبست نور الحكم من مطالعه ومشارقه، وسلّمت لمعانيه وألفاظه فضيلة السّبق

стр. 155

والبراعة، وتلقّيتها بواجبها من النّشر والإذاعة؛ فإنها جمعت إلى حسن الإيجاز درجة الإعجاز، وإلى فضيلة الإبداع جلالة الموقع في القلوب والأسماع. وله من فصل: وصل كتاب الشيخ فنشر عندى من جلل إفضاله وإكرامه، ومحاسن خطابه وكلامه، ما لم أشبّهه إلا بأنوار النّجود «١» ، وحبر البرود، وقلائد العقود. وذكر أبو منصور الثعالبى الأمير أبا الفضل في كتاب ألّفه، فقال في بعض فصوله: من أراد أن يسمع سرّ النظم، وسحر الشعر، ورقية الدهر، ويرى صوب العقل، وذوب الظّرف، ونتيجة الفضل؛ فليستنشد ما أسفر عنه طبع مجده، وأثمره عالى فكره، من ملح تمتزج بالنفوس لنفاستها، وتشرب بالقلوب لسلاستها: قواف إذا ما رواها المشو ... ق هزّت لها الغانيات القدودا كسون عبيدا ثياب العبيد ... وأضحى لبيد لديها بليدا وايم الله ما مرّ يوم أسعفنى فيه الزمان بمواجهة وجهه، وأسعدنى بالاقتباس من نوره والاغتراف من بحره، فشاهدت ثمار المجد والسؤود تنتثر من شمائله، ورأيت فضائل الدّهر عيالا على فضائله، وقرأت نسخة الفضل والكرم من ألحاظه، وانتهبت فضائل الفوائد من ألفاظه، إلّا تذكرت ما أنشدنيه أدام الله تأييده لابن الرّومى: لولا عجائب صنع الله ما ثبتت ... تلك الفضائل في لحم ولا عصب وقول الطائى: فلو صوّرت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطّباع

стр. 156

وقول كشاجم: ما كان أحوج ذا الكمال إلى ... عيب يوقيه من العين وربّعت بقول أبى الطيب: فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإنّ المسك بعض دم الغزال ثم استعرت فيه بيان أبى إسحاق الصابى حيث يقول للصاحب «ورّثه الله أعمارها، كما بلّغه في البلاغة أنوارها» الله حسبى فيك من كل ما ... تعوّد العبد على المولى فلا تزل ترفل في نعمة ... أنت بها من غيرك الأولى وقال في فصل منه: وما أنس لا أنس أيامى عنده بفيروزاباد إحدى قراه برستاق جوين، سقاها الله ما يحكى أخلاق صاحبها من سيل القطر، فإنها كانت- بطلعته البدرية، وعشرته العطريّة، وآدابه العلوية، وألفاظه الّلؤلؤية مع جلائل نعمه المذكورة، ودقائق كرمه المشكورة، وفوائد مجالسه المعمورة، ومحاسن أقواله وأفعاله التي يعيا بها الواصفون- أنموذجات من الجنة، التى وعد المتقون، وإذا تذكرتها في المرابع التي هي مراتع النّواظر، والمصانع التي هي مطالع العيش الناضر، والبساتين التي إذا أخذت بدائع زخارفها، ونشرت طرائف مطارفها، طوى لها الديباج الخسروانى، ونفى معها الوشى الصّنعانى، فلم تشبّه إلا بشيمه، وآثار قلمه، وأزهار كلمه، تذكرت سحرا وسيما، وخيرا عميما، وارتياحا مقيما، وروحا وريحانا ونعيما. وكثيرا ما أحكى للاخوان أنى استغرقت أربعة أشهر بحضرته، وتوفّرت على خدمته، ولازمت في أكثر أوقاتى عالى مجلسه، وتعطّرت [عند ركوبه] بغبار موكبه؛ فبالله يمينا كنت غنيّا عنها لو خفت حنثا فيها إنى ما أنكرت طرفا من أخلاقه؛ ولم أشاهد إلا مجدا وشرفا من أحواله. وما رأيته اغتاب

стр. 157

غائبا، أو سبّ حاضرا، أو حرم سائلا، أو خيّب آملا، أو أطاع سلطان الغضب في الحضر، أو تسلّى بنار الضّجر في السّفر، أو بطش بطش المتجبّر؛ ولا وجدت المآثر إلا ما يتعاطاه، والمآثم إلا ما يتخطّاه. وقال في فصل منه يصفه: وأما فنون الأدب فهو ابن بجدتها «١» ، وأخو جملتها، وأبو عذرتها «٢» ، ومالك أزمّتها، وكأنما يوحى إليه في الاستئثار بمحاسنها، والتفرّد ببدائعها، ولله هو إذا غرس الدّرّ فى [أرض] القراطيس، وطرّز بالظلام رداء النهار، وألقت بحار خواطره جواهر البلاغة على أنامله، فهناك الحسن برمّته، والحسن بكلّيته. وذكر عمر بن على المطوعى في كتاب ألّفه فى «٣» شعر أبى الفضل ومنثوره والشعراء، فقال: رأيت أهل هذه الصناعة قد تشعبوا على طرق، وانقسموا على ثلاث فرق، فمنهم من اكتسى كلامه شرف الاكتساب دون شرف الانتساب كالمكتسبين من الشعراء بالمدائح، المترشحين بها لأخذ الجوائز والمنائح، وهم الأكثرون من أهل هذه الصناعة؛ ومنهم من شرفت بنات فكره عند أهل العقول، وجلبت لديهم فضائل القبول، لشرف قائلها، لا لكثرة عقائلها، وكرم واشيها، لالرقّة حواشيها، كالعدد الكثير، والجم الغفير، من الخلفاء والأمراء والجلّة والوزراء؛ ومنهم من أخذ بحبل الجودة من طرفيه، وجمع رداء الحسن من حاشيتيه، كامرىء القيس ابن حجر الكندى في المتقدمين، وهو أمير الشعراء غير منازع، وسيدهم غير مجاذب ولا مدافع، وعبد الله بن المعتز بالله أمير المؤمنين فى المولدين، وهو أشعر أبناء الخلافة الهاشمية، وأبرع أنشاء الدولة العباسية، ومن

стр. 158

جلّ كلامه في التشبيه، عن أن يمثّل بنظير أو شبيه، وعلت أشعاره في الأوصاف. عن أن تتعاطاها ألسنة الوصّاف؛ والأمير أبى فراس بن حمدان فارس البلاغة. ورجل الفصاحة، ومن حكمت له شعراء العصر قاطبة بالسيادة، واعترفت لكلامه بالإحسان والإجادة، حتى قال أبو القاسم إسماعيل بن عباد الصاحب: بدىء الشعر بملك وختم بملك، يعنى امرأ القيس وأبا فراس؛ وهذه الطائفة أشهر الثلاثة تقدّما، وأثبتها في مواطن الفخر ومواطىء الشرف قدما، وأسبق الشعراء فى ميدان البلاغة، وأرجحهم في ميدان البراعة؛ فإنّ الكلام الصادر عن الأعيان والصدور، أقرّ للعيون وأشفى للصدور، فشرف القلائد بمن قلّدها، كما أن شرف العقائل بمن ولّدها: وخير الشّعر أكرمه رجالا ... وشرّ الشّعر ما قال العبيد وإذا اتفق من اجتمعت فيه هذه الشرائط، وانتظمت عنده هاتيك المحاسن، كان خليقا بأن تخلّد في صحائف القلوب أشعاره، وتدوّن في ضمائر النفوس آثاره، وتكتب على الأحداق والعيون أخباره، وجديرا بأن يختصّ بسرعة المجال في المجالس، وخفّة المدار في المدارس، كالأمير الجليل السيد مولانا: أبى الفضل من نال السماء بفضله ... ومن وعدته نفسه بمزيد تودّ عقود الدرّ لو كنّ لفظه ... فينظمها من توأم وفريد وهذه مقطعات لأهل العصر في وصف البلاغة قال أبو الفتح البستى: مدحتك فالتامت قلائد لم يفز ... بأمثالها الصّيد الكرام الأعاظم لأنك بحر والمعانى لآلىء ... وفكرى غوّاص وشعرى ناظم وقال أيضا: ما إن سمعت بنوّار له ثمر ... فى الوقت يمتع سمع المرء والبصرا

стр. 159

حتى أتانى كتاب منك مبتسم ... عن كل لفظ ومعنى يشبه الدّررا فكان لفظك في لألائه زهرا ... وكان معناه في أثنائه ثمرا تسابقا فأصابا القصد في طلق ... لله من ثمر قد سابق الزّهرا وقال أيضا: لمّا أتانى كتاب منك مبتسم ... عن كلّ برّ ولفظ غير محدود «١» حكت معانيه في أثناء أسطره ... آثارك البيض في أحوالى السّود كأنه ألمّ بقول الطائى: يرى أقبح الأشياء أوبة آمل ... كستها يد المأمول حلّة خائب وأحسن من نور تفتّحه الصّبا ... بياض العطايا في سواد المطالب وقال أبو الفتح البستى في أبى نصر أحمد بن على الميكالى: جمع الله في الأمير أبى نص ... ر خصالا تعلوبها الأقدار راحة برّة وصدرا فضاء ... وذكاء تبدو له الأسرار «٢» خطّه روضة، وألفاظه الأز ... هار يضحكن، والمعانى ثمار وقال عمر بن على المطوعى يمدح أبا الفضل الميكالى من قصيدة: وإلى الأمير ابن الأمير المعتلى ... بكمال سؤدده على الأمراء وطئت بى الوجناء وجنة مهمه ... متقاذف الاكناف والارجاء «٣» كيما ألاحظ منه في أفق العلا ... فلكا يدير كواكب العلياء كالبدر غير دوامه متكاملا ... كالبحر غير عذوبة وصفاء بالفضل يكنى وهو فيه كامن ... كالرّى يكمن في زلال الماء يا من إذا خطّ الكتاب يمينه ... أهدى إلينا الوشى من صنعاء

стр. 160

لم تجر كفّك في البياض موقّعا ... إلّا تجلّت عن يد بيضاء قرم يداه وقلبه ما منهما ... فى النظم والإعطاء إلا الطائى «١» وقال فيه أيضا: كلام الأمير النّدب في ثنى نظمه ... ينوب عن الماء الزلال لمن يظما «٢» فنروى متى نروى بدائع نظمه ... ونظما إذا لم نرو يوما له نظما وكتب إليه أيضا: أقول وقد جادت جفونى بأدمع ... كأنى قد استمليتهنّ من السّحب وقد علقت بى للنزاع نوازع ... كتبن معاناة العناء على قلبى إلى سيّد أوفى على الشّمس قدره ... وزادت معاليه ضياء على الشهب أبى الفضل من راحت فواضل كفّه ... وراحته تربى على عدد الترب «٣» سقى الله أرضا حلّ فيها سحائبا ... كنائله الفيّاض أو لفظه العذب سحائب يحدوها نسيم كخلقه ... ويقدمها برق كصارمه العضب «٤» ولا زال أفلاك السعود مطيفة ... بحضرته تنتابها وهو كالقطب وقال أبو منصور الثعالبى للأمير أبى الفضل: لك في الفضائل معجزات جمّة ... أبدا لغيرك في الورى لم تجمع بحران بحر في البلاغة شابه ... شعر الوليد وحسن لفظ الأصمعى «٥» كالنّور أو كالسّحر أو كالدّرّ أو ... كالوشى في برد عليه موشّع «٦» شكرا فكم من فقرة لك كالغنى ... وافى الكريم بعيد فقر مدقع «٧»

стр. 161

وإذا تفتّق نور شعرك ناضرا ... فالحسن بين مرصّع ومصرّع أرجلت فرسان الكلام ورضت أف ... راس البديع وأنت أمجد مبدع ونقشت في فصّ الزمان بدائعا ... تزرى بآثار الربيع الممرع «١» [وقال في وصف فرس أهداه إليه ممدوحه] : يا مهدى الطّرف الجواد كأنما ... قد أنعلوه بالرياح الأربع «٢» لا شىء أسرع منه إلّا خاطرى ... فى شكر نائلك اللطيف الموقع ولو أنّنى أنصفت في إكرامه ... لجلال مهديه الكريم الأروع «٣» أنظمته حبّ القلوب لحبّه ... وجعلت مربطه سواد المدمع وخلعت ثم قطعت غير مضيّق ... برد الشباب لجلّه والبرقع وكتب إليه في جواب كتاب ورد عليه: أنسيم الرياض حول الغدير ... مازجته ريّا الحبيب الأثير «٤» أم ورود البشير بالنّجح من ف ... كّ أسير أو يسر أمر عسير قى ملاء من الشباب جديد ... تحت أيك من التّصابى نضير «٥» أم كتاب الأمير سيدنا الفر ... د؛ فيا حبذا كتاب الأمير وثمار الصدور ما أجتنيه ... من سطور فيها شفاء الصدور نمّقتها أنامل تفتق الأن ... وار والزهر في رياض السطور كالمنى قد جمعن في النّعم الغ ... رّ مع الأمن من صروف الدهور يا أبا الفضل وابنه وأخاه ... جلّ باريك من لطيف خبير شيم يرتضعن درّ المعالى ... ويعبّرن عن نسيم العبير

стр. 162

وسجايا كأنهنّ لدى النش ... ر رضاب الحيا بأرى منشور «١» ومحيا لدى الملوك محيّا ... صادق البشر مخجل للبدور فأجابه أبو الفضل بأبيات يقول فيها في صفة أبياته: وهدىّ زفّت إلى السّمع بكر ... تتهادى في حلية وشذور «٢» عجب الناس أن بدت من سواد ... فى بياض كالمسك في الكافور نظمت في بلاغة ومعان ... مثل نظم العقود فوق النحور كم تذكّرت عندها من عهود ... للتلاقى في ظلّ عيش نضير فذممت الزمان إذ ضنّ عنا ... باجتماع يضمّ شمل السرور ولئن راعنا الزمان ببين ... ألبس الأنس ذلّة المهجور فعسى الله أن يعيد اجتماعا ... فى أمان من حادثات الدهور إنه قادر على ردّ مافا ... ت وتيسير كلّ أمر عسير وقال أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابى في الوزير المهلّبى: قل للوزير أبى محمد الّذى ... قد أعجزت كلّ الورى أوصافه لك في المجالس منطق يشفى الجوى ... ويسوغ في أذن الأذيب سلافه «٣» وكأنّ لفظك جوهر متنخّل ... وكأنما آذاننا أصدافه «٤» والمهلبى هذا هو أبو محمد الحسن بن هارون بن إبراهيم بن عبد الله بن يزيد ابن حاتم بن قبيصة بن المهلّب، وزر لأحمد بن بويه الدّيلمى، وكانت وزارته سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، وكان أبو محمد من سروات الناس وأدبائهم وأجوادهم وأعفّائهم؛ وفيه يقول أبو إسحاق الصابى:

стр. 163

نعم الله كالوحوش فما تأ ... لف إلا الأخاير النّسّاكا نفّرتها آثام قوم وصيّرن ... لها البرّ والتّقى أشراكا وكان قبل اتّصاله بالسلطان سائحا في البلاد، على طريق الفقر والتصوّف، قال أبو على الصوفى: كنت معه في بعض أوقاته، أماشيه في إحدى طرقاته، فضجر لضيق الحال، فقال: ألا موت يباع فأشتريه ... فهذا العيش مالا خير فيه ألا رحم المهيمن نفس جرّ ... تصدّق بالوفاة على أخيه ثم تصرّف بما يرضيه الدهر، وبلغ المهلى مبلغه. قال أبو على: دخلت البصرة فاجتزت بسرّ من رأى، وإذا أنا بناشطيات وحراقات وزيارب وطيّارات في عدّة وعدد، فسألت: لمن هذا؟ فقيل: للوزير المهلبى، ونعتوا لى صاحبى؛ فوصلت إليه حتى رأيته، فكتبت إليه رقعة، وتوصّلت حتى دخلت فسلّمت، وجلست حتى خلا مجلسه، فدفعت إليه الرقعة وفيها: ألا قل للوزير بلا احتشام ... مقال مذكّر ما قد نسيه أتذكر إذ تقول لضيق عيش ... «ألا موت يباع فأشتريه» فنظر إلىّ وقال: نعم، ثم نهض وأنهضنى معه إلى مجلس الأنس، وجعل يذاكرنى ما مضى، ويذكر لى كيف ترقّت حاله، وقدّم الطعام فطعمنا، وأقبل ثلاثة من الغلمان على رأس أحدهم ثلاث بدر «١» ، ومع الآخر تخوت وثياب، ومع الآخر طيب، وبخور، وأقبلت بغلة رائعة بسرج ثقيل؛ فقال: يا أبا على؛ تفضّل بقبول هذا، ولا تتخلّف عن حاجة تعرض لك، فشكرته وانصرفت، فلما هممت بالخروج من الباب استردّنى وأنشدنى بديها: رقّ الزمان لفاقتى ... ورثى لطول تحرّقى

стр. 164

وأنالنى ما أرتجى ... وأجار ممّا أتّقى فلأغفرنّ له الكث ... ير من الذنوب السّبّق إلّا جنايته التى ... فعل المشيب بمفرقى «١» قال بعض العلماء: العقول لها صور مثل صور الأجسام، فإذا أنت لم تسلك بها سبيل الأدب حارت وضلّت، وإن بعثتها في أوديتها كلّت وملّت، فاسلك بعقلك شعاب المعانى «٢» والفهم، واستبقه بالجمام للعلم «٣» ، وارتد لعقلك أفضل طبقات الأدب، وتوقّ عليه آفة العطب؛ فإنّ العقل شاهدك على الفضل، وحارسك من الجهل. واعلم أنّ مغارس العقول كمغارس الأشجار؛ فإذا طابت بقاع الأرض للشجر زكا ثمرها، وإذا كرمت النفوس للعقول طاب خيرها، فاغمر نفسك بالكرم، تسلم من الآفة والسّقم. واعلم أنّ العقل [الحسن] فى النفس اللئيمة، بمنزلة الشجرة الكريمة في الأرض الذميمة، ينتفع بثمرها على خبث المغرس؛ فاجتن ثمر العقول وإن أتاك من لئام الأنفس. [وقال النبى ﵇: «ربّ حامل فقه إلى من هو أوعى له» . وقيل: رب حامل فقه غير فقيه، ورب رمية من غير رام] . وقيل: الحكمة ضالّة المؤمن، أينما وجدها أخذها. وسمع الشّعبىّ الحجاج ابن يوسف وهو على المنبر يقول: أمّا بعد، فإنّ الله كتب على الدنيا الفناء، وعلى الآخرة البقاء، فلا فناء لما كتب عليه البقاء، ولا بقاء لما كتب عليه الفناء، فلا يغرّنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة، وأقصروا من الأمل، لقصر الأجل.

стр. 165

فقال: كلام حكمة خرج من قلب خراب! وأخرج ألواحه فكتب وقد روى ذلك عن سفيان الثورى. وقد سمع إبراهيم بن هشام وهو يخطب على المنبر ويقول: إن يوما أشاب الصغير، وأسكر الكبير، ليوم شرّه مستطير! [وصف الكتب] قال الجاحظ: الكتاب وعاء ملىء علما، وظرف حشى ظرفا، وبستان يحمل في ردن «١» ، وروضة تقلّب في حجر، ينطق عن الموتى، ويترجم كلام الأحياء. وقال: من صنّف كتابا فقد استهدف «٢» ؛ فإن أحسن فقد استعطف، وإن أساء فقد استقذف «٣» . وقال: لا أعلم جارا أبرّ، ولا خليطا أنصف، ولا رفيقا أطوع، ولا معلّما أخضع، ولا صاحبا أظهر كفاية، وأقلّ جناية، ولا أقلّ إملالا وإبراما، ولا أقلّ خلافا وإجراما، ولا أقلّ غيبة، ولا أبعد من عضيهة» ولا أكثر أعجوبة وتصرّفا، ولا أقل صلفا وتكلّفا، ولا أبعد من مراء، ولا أترك لشغب، ولا أزهد فى جدال، ولا أكفّ عن قتال، من كتاب. ولا أعلم قرينا أحسن مواتاة، ولا أعجل مكافأة، ولا أحضر معونة، ولا أقلّ مئونة، ولا شجرة أطول عمرا، ولا أجمع أمرا، ولا أطيب ثمرة، ولا أقرب مجتنى، ولا أسرع إدراكا فى كل أوان، ولا أوجد في غير إبّان، من كتاب. ولا أعلم نتاجا في حداثة سنّه، وقرب ميلاده، ورخص ثمنه، وإمكان وجوده، يجمع من التدابير الحسنة، والعلوم الغريبة، ومن آثار العقول الصحيحة، ومحمود الأخبار عن القرون الماضية، والبلاد المتراخية، والأمثال السائرة، والأمم البائدة ما يجمع الكتاب.

стр. 166

ودخل الرشيد على المأمون وهو ينظر في كتاب، فقال: ما هذا؟ فقال: كتاب يشحذ الفكرة، ويحسن العشرة. فقال: الحمد لله الذى رزقنى من يرى بعين قلبه أكثر مما يرى بعين جسمه. وقيل لبعض العلماء: ما بلغ من سرورك بأدبك وكتبك؟ فقال: هى إن خلوت لذّتى، وإن اهتممت سلوتى، وإن قلت: إنّ زهر البستان، ونور الجنان، يجلوان الأبصار، ويمتعان بحسنهما الألحاظ؛ فإن بستان الكتب يجلو العقل، ويشحذ الذّهن، ويحيى القلب، ويقوّى القريحة، ويعين الطبيعة، ويبعث نتائج العقول، ويستثيرد فائن القلوب، ويمتع في الخلوة، ويؤنس في الوحشة، ويضحك بنوادره، ويسرّ بغرائبه، ويفيد ولا يستفيد، ويعطى ولا يأخذ، وتصل لذّته إلى القلب، من غير سآمة تدركك، ولا مشقة تعرض لك. وقال أبو الطيب المتنبى: وللسّرّ منّى موضع لا يناله ... نديم، ولا يفضى إليه شراب وللخود منى ساعة، ثم بيننا ... فلاة إلى غير اللقاء تجاب «١» وما العشق إلّا غرّة وطماعة ... يعرّض قلب نفسه فيصاب وغير فؤادى للغوانى رميّة ... وغير بنانى للرّخاخ ركاب «٢» تركنا لأطراف القنا كلّ لذّة ... فليس لنا إلّا بهنّ لعاب «٣» نصرّفه للطّعن فوق سوابح ... قد انقصفت فيهنّ منه كعاب «٤» أعزّ مكان في الدّنا سرج سابح ... وخير جليس في الزّمان كتاب

стр. 167

فقر في الكتب إنفاق الفضّة على كتب الآداب، يخلفك عليه ذهب الألباب. إنّ هذه الآداب شوارد، فاجعلوا الكتب لها أزمّة. كتاب الرجل عنوان عقله، ولسان فضله. ابن المعتز: من قرأ سطرا من كتاب قد خطّ عليه فقد خان كاتبه؛ لأن الخطّ يحرز ماتحته. بزرجمهر: الكتب أصداف الحكم، تنشقّ عن جواهر الكلم بعض الكتاب: إعجام الخطّ يمنع من استعجامه، وشكله يؤمن من إشكاله. كأن هذا الكاتب نحا إلى قول أبى تمام: ترى الحادث المستعجم الخطب معجما ... لديه، ومشكولا إذا كان مشكلا ما كتب قرّ، وما حفظ فرّ. الخطوط المعجمة، كالبرود المعلمة. وقال ابن المعتز يصف كتابا: وذى نكت موشّى نمقّته ... وحاكته الأنامل أىّ حوك بشكل يرفع الإشكال عنه ... كأن سطوره أغصان شوك جملة من ألفاظ أهل العصر فى صفة الكتب وتهاديها، وما يتعلق بأسمائها ومعانيها حضرة مولاى تجلّ عن أن يهدى إليها غير الكتب، التى لا يترفّع عنها كبير، ولا يمتنع منها خطير، وقد فكّرت فيما أنفذت به مقيما للرّسم في جملة الخدم، وحافظا للاسم في غمار الحشم، فلم أجد إلا الرّقّ الذى سبق ملكه له، والمال الذى منحه وخوّله، فعدلت إلى الأدب الذى تنفق سوقه بباب سيدنا ولا تكسد، وتهبّ ريحه بجانبه ولا تركد. وأنفذت كتابى هذا راجيا أن أشرّف بقبوله، ويوّقع إلىّ بحصوله؛ ولمّا وجب على ذوى الاختصاص لسيدنا إهداء ما جرت العادة بتسابق الأولياء إلى الاجتهاد في إهدائه «١» ، وجب العدول في إقامة رسم الخدمة إلى اتباع

стр. 168

ما صدر عنه من الرخصة فيما تسهل كلفته، وتجلّ عند ذوى الألباب قيمته، وتحلو ثمرته؛ وهو علم يقتنى، وأدب يجتنى. قال أبو الحسن بن طباطبا العلوى: لا تنكرن إهداءنا لك منطقا ... منك استفدنا حسنه ونظامه فالله يشكر فعل من ... يتلو عليه وحيه وكلامه وأهدى أحمد بن يوسف «١» إلى المأمون في يوم مهرجان هدية قيمتها ألف ألف درهم، وكتب: على العبد حقّ فهو لابدّ فاعله ... وإن عظم المولى وجلّت فضائله ألم ترنا نهدى إلى الله ماله ... وإن كان عند ذا غنى وهو قابله وقال أبو الفتح البستى: لا تنكرنّ إذا أهديت نحوك من ... علومك الغرّ أو آدابك النّتفا فقيّم الباغ قد يهدى لمالكه ... برسم خدمته من باغه التّحفا «٢» وكتب أبو إسحاق الصابى إلى عضد الدولة في هذا المعنى: العبيد تلاطف ولا تكاثر الموالى في هداياها، والموالى تقبل الميسور منها قبولا هو محسوب في عطاياها. ولما كان- أدام الله تعالى عزّه! - مبرّزا على ملوك الأرض في الخطر الذى قصّروا عنه شديدا، والسعى الذى وقفوا منه بعيدا، والآداب التي عجزوا عن استعلامها فضلا عن علمها، والأدوات التي نكلوا «٣» عن استفهامها فضلا عن فهمها، وجب أن يعدل عن اختياراتهم فيما تحظى به الجسوم البهيمية، إلى اختياره

стр. 169

فيما تحظى به النفوس العليّة، وعما ينفق في سوقهم العامية، إلى ما ينفق في سوقه الخاصية، إفرادا لرتبته العليا، وغايته القصوى، وتمييزا له عمن لا يجرى معه في هذا المضمار، ولا يتعلّق منه بالغبار؛ وقد حملت إلى الخزانة- عمرها الله! - شيئا من الدفاتر وآلة النجوم، فإن رأى مولانا أن يتطوّل «١» على عبده بالإذن فى عرض ذلك عليه مشرّفا له وزائدا في إحسانه إليه فعل إن شاء الله تعالى. وأهدى أبو الطيب المتنبى إلى أبى الفضل بن العميد في يوم نوروز قصيدة مدحه فيها «٢» يقول في آخرها: كثر الفكر كيف نهدى كما ته ... دى إلى ربّها الرئيس عباده والّذى عندنا من المال والخيل ... فمنه هباته وقياده فبعثنا بأربعين مهار ... كلّ مهر ميدانه إنشاده فارتبطها فإنّ قلبا نماها ... مربط تسبق الجياد جياده وفي هذه الكلمة يقول وقد احتفل فيها، واجتهد في تجويد ألفاظها ومعانيها، فعقّب عليه أبو الفضل في مواضع وقف عليها فقال «٣» : هل لعذرى إلى الهمام أبى الفضل ... قبول سواد عينى مداده أنا من شدّة الحياء عليل ... مكرمات المعلّه عوّاده «٤» ما كفانى تقصير ما قلت فيه ... عن علاه حتى ثناه انتقاده

стр. 170

ما تعوّدت أن أرى كأبى الفض ... ل، وهذا الّذى أتاه اعتياده عمرتنى فوائد شاء منها ... أن يكون الكلام ممّا أفاده ما سمعنا بمن أحبّ العطايا ... فاشتهى أن يكون منها فؤاده وقد كان مدحه بقصيدته التي أولها: باد هواك صبرت أم لم تضبرا ... وبكاك إن لم يجردمعك أو جرى وفيها معان مخترعة، وأبيات مبتدعة، يقول فيها: من مبلغ الأعراب أنّى بعدها ... جالست رسطاليس والإسكندرا ومللت نحر عشارها فأضافنى ... من ينحر البدر النّضار لمن قرى «١» وسمعت بطليموس دارس كتبه ... متملّكا متبديا متحضرا «٢» ورأيت كلّ الفاضلين كأنما ... ردّ الإله نفوسهم والأعصرا نسقوا لنا نسق الحساب مقدّما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخّرا وفيها يقول: فدعاك حسّدك الرئيس وأمسكوا ... ودعاك خالقك الرئيس الأكبرا خلفت صفاتك في العيون كلامه ... كالخطّ يملأ مسمعى من أبصرا أخذه من قول الطائى يصف قصائده: بقرب يراها من يراها بسمعه ... ويدنو إليها ذو الحجا وهو شاسع «٣» [فقر في وصف الكتب] كتاب كتب لى أمانا من الدّهر، وهنّانى في أيام العمر. كتاب أوجب من الاعتداد فوق الأعداد، وأودع بياض الوداد سواد الفؤاد. كتاب النظر فيه

стр. 171

نعيم مقيم، والظفر به فتح عظيم. كتاب ارتحت لعيانه، واهتززت لعنوانه. كتاب هو من الكتب الميامين «١» ، التى تأتى من قبل اليمين. كتاب عددته من حجول العمر وغرره «٢» ، واعتددته من فرص العيش وغرره «٣» . كتاب هو أنفس طالع، وأكرم متطلّع، وأحسن واقع، وأجلّ متوقع. كتاب لو قرىء على الحجارة لانفجرت، أو على الكواكب لانتثرت. كتاب كدت أبليه طيّا ونشرا، وقبّلته ألفا، ويد حامله عشرا. كتاب نسيت لحسنه الرّوض والزّهر، وغفرت للزمان ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر. كتاب أملته هزّة المجد على بنانك، ونطق به لسان الفضل عن لسانك. أنا ألتقط من كلّ حرف تديره أنا ملك تحفة، وآخذ من كل سطر تتجشّم تخطيطه نزهة. إذا قرأت من خطك حرفا، وجدت على قلبى خفّا «٤» ، وإذا تأمّلت من كلامك لفظا، ازددت من أنسى حظّا. كتاب كتب لى أمانا من الزمان، وتوقيع وقع مىّ موقع الماء من العطشان. كتاب هو تعلّة المسافر «٥» ، وأنسة المستوحش، وزبدة الوصال، وعقلة المستوفز «٦» . كتاب هو رقية القلب السليم «٧» ، وغرّة العيش البهيم «٨» . كتاب هو سمر بلا سهر، وصفو بلا كدر. كتاب تمتّعت منه بالنعيم الأبيض، والعيش الأخضر، واستلمته استلام الحجر الأسود «٩» ، ووكلت طرفى من سطوره بوشى مهلّل، وتاج مكلّل، وأودعت سمعى من محاسنه

стр. 172

ما أنسانى سماع الأغانى من مطربات الغوانى «١» . نشأت سحابة من لفظك، غيمها نعمة سابغة، وغيثها حكمة بالغة، سقت روضة القلب، وقد جهدتها يد الجدب «٢» ؛ فاهتزّت وربت، واكتست ما اكتسبت. كتاب حسبته ساقطا إلىّ من السماء، اهتزازا لمطلعه، وابتهاجا بحسن موقعه، تناولته كما يتناول الكتاب المرقوم، وفضضته كما يفضّ الرّحيق المختوم «٣» . كتاب كالمشترى شرف به المسير، وقميص يوسف جاء به البشير. كتاب هو من الحسن، روضة حزن، بل جنّة عدن، وفي شرح النفس وبسط الأنس برد الأكباد والقلوب، وقميص يوسف في أجفان يعقوب. قد أهديت إلىّ محاسن الدنيا مجموعة في ورقه، ومباهج الحلى والحلل محصورة في طبقه. كتاب ألصقته بالقلب والكبد، وشممته شمّ الولد. ورد منك المسك ذكيا، والزهر جنيّا، والماء مريّا «٤» ، والعيش هنيّا، والسحر بابليّا «٥» كتاب مطلعه أهلّة الأعياد، وموقعه موقع نيل المراد. كتاب وجدته قصير العمر، كليالى الوصال بعد الهجر، لم أبدأ به حتى استكمل، وقارب الآخر منه الأوّل. كتاب منتقض الأطراف، منقطع الأكتاف، أبتر الجوارح، مضطرب الجوانح، كتاب كأنه توقيع متحرّز، أو تعريض متبرز «٦» ، كاد يلتقى طرفاه، ويتقارب مفتتحه ومنتهاه. كتاب التقت طرفاه صغرا، واجتمعت حاشيتاه قصرا. ما أظننى

стр. 173

ابتدأته حتى ختمته، ولا استفتحته حتى أتممته، ولا لمحته حتى استوفيته، ولا نشرته حتى طويته، وأحسبنى لو لم أجوّد ضبطه، ولم ألزم يدىّ حفظه، لطار حتى يختلط بالجو، فلا أرى منه إلا هباء منثورا، وهواء منشورا. كتاب حسبته يطير من يدى لخفته، ويلطف عن حسّى لقلته، وعجبت كيف لم تحمله الرياح قبل وصوله إلىّ، وكيف لم يختلط بالهواء عند وصوله لدىّ. كتاب قصّ الاقتصار أجنحته، فلم يدع له قوادم ولا خوافى، وأخذ الاختصار جثته، فلم يبق ألفاظا ولا معانى. طلع كتابك كإيماء بطرف، أو وحى بكفّ. وقال أبو العباس عبد الله بن المعتز: استعرت من على بن يحيى المنجم جزءا فيه أخبار معبد بخط حماد بن إسحاق الموصلى، وكان وعدنى به، فبعث إلى بستّ ورقات لطاف، فرددتها وكتبت إليه: «إن كنت أردت بقولك جزءا الجزء الذى لا يتجزّأ فقد أصبت، وإن كنت أردت جزءا فيه فائدة للقارىء، ومتعة للسامع، فقد أحلت «١» ؛ وقد رددته عليك بعد أن طار اللّحظ عليه طيرة» . فأجابنى: إذا كان السّفر عندك منجاة فما أصنع «٢» ؟ [المحادثة والمجالسة] وقال أبو العباس: دخل رجل على الحسن بن سهل بعد أن تأخّر عنه أياما، فقال: ما ينقضى يوم من عمرى لا أراك فيه إلا علمت أنه مبتور القدر، منحوس الحظّ، مغبون الأيام. فقال الحسن: هذا لأنّك توصل إلى بحضورك سرورا لا أجده عند غيرك،

стр. 174

وأتنسّم من أرواح عشرتك ما تجد الحواسّ به بغيتها، وتستوفى منه لذّتها، فنفسك تألف منى مثل ما آلفه منك. وكان يقال: محادثة الرّجال تلقيح الألباب «١» . وقال ابن الرومى: ولقد سئمت مآربى ... فكأنّ أطيبها خبيث إلّا الحديث؛ فإنّه ... مثل اسمه أبدا حديث قال مخارق: لقينى أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم قبل نسكه، فقال: أنا والله صبّ بك، ولوع إليك، مغمور القلب «٢» بشكرك، واللسان بذكرك، متشوّف إلى رؤيتك ومفاوضتك، وقد طالت الأيام على ما أعد به نفسى من الاجتماع معك، ومن قضاء الوطر منك؛ فما عندك؟ أنا الفداء لك! وتزورنى أم أزورك؟ قلت: جعلنى الله فداك! ما يكون عند من هو منك بهذا الموضع وفي هذا المحلّ إلا الانقياد إلى أمرك، والسمع والطاعة لك، ولولا أن أسىء الأدب في أمر بدأت فيه بالفضل لقلت: إن كثير ما ابتدأت به من القول يقلّ فيما عندى من الشوق إليك، والشّعف بك، دون ما حرّك هذا القول منى، فوجبت لك به المنّة علىّ، وأنا بين يديك، فاثن عنانى إلى ما أردت، وقدنى كيف شئت، تجدنى كما قال القائل: ما تشتهيه فإنى اليوم فاعله ... والقلب صبّ فما جشّمته جشما وذكر سهل بن هارون رجلا، فقال: لم أر أحسن منه فهما لجليل، ولا تفهما لدقيق أشار إليه أبو تمام فقال: وكنت أعزّ عزّا من قنوع ... تعرّضه صفوح من ملول فصرت أذلّ من معنى دقيق ... به فقر إلى ذهن جليل «٣»

стр. 175

وقال سعيد بن مسلم للمأمون: لو لم أشكر الله تعالى إلّا على حسن ما أبلانى من أمير المؤمنين من قصده إلىّ بحديثه، وإشارته إلىّ بطرفه؛ لقد كان فى ذلك أعظم الرّفعة، وأرفع ما توجبه الحرمة. فقال: يفعل أمير المؤمنين ذلك؛ لأن أمير المؤمنين يجد عندك من حسن الإفهام إذا حدّثت وحسن الفهم إذا حدّثت ما لا يجده عند أحد ممن مضى، ولا يظنّ أنه يجده عند أحد ممن بقى، فإنك لتستقصى حديثى، وتقف عند مقاطع كلامى، وتخبر بما كنت أغفلته منه. وقال المتوكل لأبى العيناء: ما تحسن؟ قال: أفهم وأفهم. وقال بعض الحكماء لتلميده، وقد ضرب الموسيقى: أفهمت؟ قال: نعم، قال: بل لم تفهم؛ لأنى لا أرى عليك سرور الفهم! وقد قيل: من نظر إلى الربيع وأنواره، والروض وأصباغه، ولم يبتهج كان عديم حسّ، أوسقيم نفس. ومر أبو تمام بايرشهر من أرض فارس، فسمع جارية تغنّى بالفارسية، فشاقه شجىّ الصوت، فقال: ومسمعة تروق السمع حسنا ... ولم تصممه، لا يصمم صداها! لوت أوتارها فشجت وشاقت ... فلو يسطيع حاسدها فداها ولم أفهم معانيها، ولكن ... ورت كبدى فلم أجهل شداها فكنت كأننى أعمى معنّى ... يحبّ الغانيات ولا يراها قال أبو الفضل أحمد بن أبى طاهر: قلت لأبى تمام: أخذت هذا المعنى من أحد؟ قال: نعم، أخذته من قول بشار بن برد: يا قوم أذنى لبعض الحىّ عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا قالوا: بمن لا ترى تهذى؟ فقلت لهم: ... الأذن كالعين توفى القلب ما كانا وقال بشار أيضا في هذا المعنى: قالت عقيل بن كعب إذ تعلّقها ... قلبى فأضحى به من حبّها أثر:

стр. 176

أنّى ولم ترها تهذى! فقلت لهم: ... إنّ الفؤاد يرى مالا يرى البصر وقال: يزهّدنى في حبّ عبدة معشر ... قلوبهم فيها مخالفة قلبى فقلت: دعوا قلبى وما اختار وارتضى ... فبالقلب لا بالعين يبصر ذو الّلبّ وما تبصر العينان في موضع الهوى ... ولا تسمع الأذنان إلا من القلب وقد قال أبو يعقوب الخريمى في هذا المعنى، وكان قد أعور ثم عمى، وقيل: إنها للخليل بن أحمد: قالت أتهز أبى غداة لقيتها ... يا للرجال لصبوة العميان فأجبتها: نفسى فداؤك إنما ... أذنى وعينى في الهوى سيّان وقريب من هذا قول الحكم بن قنبر، وإن لم يكن منه: إن كنت لست معى قالذكر منك معى ... يرعاك قلبى وإن غيّبت عن بصرى العين تبصر من تهوى وتفقده ... وناظر القلب لا يخلو من النظر وقال آخر: أما والّذى لو شاء لم يخلق الهوى ... لئن غبت عن عينى فما غبت عن قلبى ترينيك عين الوهم حتى كأننى ... أناجيك من قرب وإن لم تكن قربى «١» وقال أبو عثمان سعيد بن الحسن الناجم: لئن كان عن عينىّ أحمد غائبا ... فما هو عن عين الضمير بغائب له صورة في القلب لم يقصها النوى ... ولم تتخطّفها أكفّ النوائب

стр. 177

إذا ساءنى منه شحوط مزاره ... وضاقت بقلبى في نواه مذاهبى «١» عطفت على شخص له غير نازح ... محلّته بين الحشا والتّرائب «٢» وذكر أبو عبيدة كيسان مستمليه في بعض الأمر، فقال: ما فهم، ولو فهم لوهم «٣» . وكان كيسان يوصف بالبلادة والغفلة. قال الجاحظ: كان يكتب غير ما يسمع، ويستقنى غير ما يكتب، ويقرأ غير ما يستفتى «٤» ، ويملى غير ما يقرأ، أمليت عليه يوما: عجبت لمعشر عدلوا ... بمعتمر أبا عمر فكتب أبا بشر، وقرأ أبا حفص، واستقنى أبا زيد. قال أبو عباد: للمحدث على جليسه، السامع لحديثه، أن يجمع له باله، ويصغى إلى حديثه، ويكتم عليه سرّه، ويبسط له عذره. وقال: ينبغى للمحدث إذا أنكر عين السامع أن يستفهمه عن معنى حديثه، فإن وجده قد أخلص له الاستماع أتم له الحديث، وإن كان لاهيا عنه حرمه حسن الإقبال عليه، ونفع المؤانسة له، وعرفه بسوء الاستماع والتقصير في حق المحدث. وقال: نشاط المحدّت على قدر فهم المستمع. وكان عبد الله بن مسعود «٥» ﵁! - يقول: حدّث الناس ما حدّجوك بأسماعهم «٦» ، ولحظوك بأبصارهم، فإذا رأيت منهم فتورا فأمسك. وقال أبو الفتح البستى: إذا أحسست في لفظى فتورا ... وحفظى والبلاغة والبيان

стр. 178

فلا ترتب بفهمى إنّ رقصى ... على مقدار إيقاع الزّمان وقال عامر بن عبد قيس: الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان. وقال الحسن- وقد سمع متكلّما يعظ فلم تقع موعظته من قلبه ولم يرقّ لها-: يا هذا؛ إن بقلبك لشرّا، أو بقلبى! وقال محمد بن صبيح المعروف بابن السماك لجاريته: كيف ترين ما أعظ الناس به؟ قالت: هو حسن، إلا أنك تكرره، قال: إنما أكرّره ليفهمه من لم يكن فهمه، قالت: إلى أن يفهمه البطىء يثقل على سمع الذكى. واستعيد ابن عباس حديثا فقال: لولا أنى أخاف أن أغضّ من بهائه، وأريق من مائه، وأخلق من جدّة روائه، لأعدته. وقال أبو تمام الطائى يصف قصائده: منزّهة عن السّرق المؤدّى ... مكرّمة عن المعنى المعاد أخذه البحترى فقال: لا يعمل اللّفظ المكرّر فيه واللفظ المردّد والإطالة مملولة كما يملّ التكرير. وقد قال الحسن بن سهل: الآداب عشرة؛ فثلاثة شهرجانية، وثلاثة أنوشروانية، وثلاثة عربيّه، وواحدة أربت عليهن؛ فأما الشهرجانية فضرب العود، ولعب الشطرنج، ولعب الصّوالج. وأما الأنوشروانية فالطّب، والهندسة، والفروسية. وأما العربية فالشّعر، والنّسب، وأيام الناس. وأما الواحدة التي أربت عليهنّ: فمقطعات الحديث، والسمر، وما يتلقّاه الناس بينهم في المجالس. وكان يقال: خذ من العلوم نتفها، ومن الآداب طرفها. وكان يقال: مقطّعات الأدب، قراضات الذهب.

стр. 179

وحضر بشار بن برد مجلسا فقال: لا تجعلوا مجلسنا غناء كلّه، ولا شعرا كله، ولا سمرا كله، ولكن انتهبوه انتهابا. وقال الحسن ﵀: حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدّثور، واقدعوا «١» هذه الأنفس فإنها طلعة «٢» ؛ وإنكم إلّا تزعوها «٣» تنزع بكم إلى شرّ غاية. وقال أزدشير بن بابك: إن للأذهان كلالا، وللقلوب ملالا، ففرّقوا بين الحكمتين يكن ذلك استجماما. ويروى في حكمة آل داود: لا ينبغى للعاقل أن يخلى نفسه من أربع: عدّة لمعاده، وصلاح لمعاشه، وفكر يقف به على ما يصلحه من فساده، ولذة في غير محرّم يستعين بها على الحالات الثلاث. وما أحسن ما قال أبو الفتح بن كشاجم «٤» : عجبى ممّن تناهت حاله ... وكفاه الله ذلّات الطلب كيف لا يقسم شطرى عمره ... بين حالين نعيم وأدب؟ ساعة يمتع فيها نفسه ... من غذاء وشراب منتخب ودنوّ من دمى هنّ له ... حين يشتاق إلى اللّعب لعب «٥» فإذا ما نال من ذا حظّه ... فحديث ونشيد وكتب مرة جدّ، وأخرى راحة ... فإذا ما غسق الليل انتصب فقضى الدنيا نهارا حقّها ... وقضى لله ليلا ما وجب

стр. 180

تلك أقسام متى يعمل بها ... دهره يسعدو يرشد ويصب وقال أبو العباس محمد بن يزيد: قسّم كسرى أيامه فقال: يصلح يوم الريح للنوم، ويوم الغيم للصيد، ويوم المطر للشرب واللهو، ويوم الشمس لقضاء الحوائج. قال الحسن بن خالويه «١» : ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، ولكن نبيّنا ﷺ قد جزّأ نهاره ثلاثة أجزاء: جزء لله، وجزء لأهله، وجزء لنفسه، ثم جزء جزأه بينه وبين الناس؛ فكان يستعين بالخاصّة على العامة، وكان يقول: أبلغونى حاجة من لا يستطيع إبلاغى؛ فانه من أبلغ [ذا سلطان] حاجة من لا يستطيع إبلاغها آمنه الله تعالى يوم الفزع الأكبر. [عود إلى الإطالة والإيجاز] وقال شبيب بن شيبة «٢» : إن ابتليت بمقام لابد لك فيه من الإطالة فقدّم إحكام البلوغ في طلب السلامة من الخطل، قبل التقدّم من إحكام البلوغ في
следующие страницы →