Полный текст (1 141 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
رءوف على الأدنى غليظ على العدا ... أخى ثقة في النائبات نجيب
متى ما يقل لا يكذب القول فعله ... سريع إلى الخيرات غير قطوب
[ترجمة عاتكة بنت زيد بن عمرو زوجة عمر]
وعاتكة هذه: هى أخت سعيد بن زيد أحد العشرة الذين شهد لهم النبى ﷺ بالجنة، وكانت تحت عبد الله بن أبى بكر، فأصابه سهم في غزوة الطائف فمات منه، فتزوّجها عمر ﵁ فقتل عنها، فتزوجها الزبير ابن العوام فقتل عنها؛ فكان علىّ ﵁ يقول: من أحبّ الشهادة الحاضرة فليتزوّج بعاتكة!
ومن كلام عثمان بن عفان ﵁:
ما يزع الله بالسّلطان، أكثر مما يزع بالقرآن «١» . سيجعل الله بعد عسر يسرا، وبعد عىّ بيانا؛ وأنتم إلى إمام فعّال، أحوج منكم إلى إمام قوّال، قاله في أول خلافته وقد صعد المنبر وأرتج عليه «٢» .
وكتب إلى على ﵁ وهو محصور: أما بعد، فقد بلغ السّيل الزّبى، وجاوز الحزام الطّبيين «٣» ، وطمع فىّ من كان لا يدفع عنه نفسه، ولم يعجزك كلئيم، ولم يغلبك كمغلّب «٤» ؛ فأقبل إلىّ، معى كنت أو علىّ، على أىّ أمريك أحببت.
فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلى ... وإلّا فأدركنى ولمّا أمزّق
وهذا البيت للممزّق العبدى، وبه سمى الممزّق، واسمه شأس، وإنما تمثل به عثمان ﵁؛ وخذّاق أهل النظر يدفعون هذا، ويستشهدون على فساده بأحاديث تناقضه ليس هذا موضعها.
стр. 72
قالوا: وكان عثمان ﵁ أتقى لله أن يسعى في أمره علىّ، وعلىّ أتقى لله أن يسعى في أمر عثمان، وهذا من قوله ﵇: أشقى الناس من قتله نبى أو قتل نبيّا.
ومن كلام عثمان ﵁ وأكرم نزله، وقد تنكر له الناس: أمر هؤلاء القوم رعاع عير، تطأطأت لهم تطأطأ الدلاء وتلددت لهم تلدد المضطر، رأيتهم ألحف إخوانا، وأوهمنى الباطل لهم شيطانا. أجررت المرسون رسنه، وأبلغت الراتع مسعاته، فتفرقوا علىّ فرقا ثلاثا، فصامت صمته أنفذ من صول غيره، وشاهد أعطانى شاهده ومنعنى غائبه، ومتهافت في فتنة زيّنت في قلبه، فأنا منهم بين ألسن لداد، وقلوب شداد، عذيرى الله منهم، ألا ينهى عالم جاهلا، ولا ينذر حليم سفيها؟ والله حسبى وحسبهم يوم لا ينطقون، ولا يؤذن لهم فيعتذرون.
سئل الحكم بن هشام فقال: كان والله خيار الخيرة. أمير البررة، قتيل الفحرة، منصور النصرة، مخذول الخذلة، مقتول القتلة.
ونظير البيت الذى أنشده قول صخر الجعد:
فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلى ... فإن منايا القوم أكرم من بعض
قال المتوكل: أتيت بأسارى، فسمعت امرأة منهم تقول:
أمير المؤمنين سما إلينا ... سموّ الليث أخرجه العريف
فإن نسلم فعون الله نرجو ... وإن نقتل فقاتلنا شريف
وقد ذكر بعض أهل العلم أنه لا يعرف لعثمان شعر، وأنشد له بعضهم:
غنى النفس يغنى النفس حتى يكفّها ... وإن عضّها حتّى يضرّ بها الفقر
وما عسرة- فاصبر لها إن تتابعت- ... بباقية إلّا سيتبعها يسر
وقول عثمان ﵁ فيما روى: «ولم يغلبك كمغلّب» من قول امرىء القيس:
стр. 73
فإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلّب
وقال أبو تمام وذكر الخمر:
وضعيفة فإذا أصابت فرصة ... قتلت، كذلك قدرة الضّعفاء
ومن كلام علىّ بن أبى طالب ﵁
لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخّر التوبة لطول الأمل. ويقول فى الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل فيها بعمل الراغبين، إن أعطى منها لم يشبع، وإن منح لم يقنع، يعجز عن شكر ما أوتى.، ويبتغى الزيادة فيما بقى، ينهى ولا ينتهى، ويأمر بما لا يأتى، يحبّ الصالحين ولا يعمل أعمالهم، ويبغض المسيئين وهو منهم؛ يكره الموت لكثرة ذنوبه، ويقيم على ما يكره الموت له، إن سقم ظلّ نادما، وإن صحّ أمن لاهيا، يعجب بنفسه إذا عوفى، ويقنط إذا ابتلى، تغلبه نفسه على ما يظنّ، ولا يغلبها على ما يستيقن، ولا يثق من الرزق بما ضمن له، ولا يعمل من العمل بما فرض عليه، إن استغنى بطروفتن، وإن افتقر قنط وحزن، فهو من الذّنب والنعمة موقر «١» ، يبتغى الزيادة ولا يشكر، ويتكلّف من الناس ما لم يؤمر، ويضيع من نفسه ما هو أكثر، ويبالغ إذا سأل، ويقصّر إذا عمل، يخشى الموت، ولا يبادر الفوت، يستكثر من معصية غيره ما يستقلّ أكثره من نفسه؛ ويستكثر من طاعته ما يستقله من غيره، فهو على الناس طاعن، ولنفسه مداهن، اللّغو مع الأغنياء أحبّ إليه من الذكر مع الفقراء، يحكم على غيره لنفسه، ولا يحكم عليها لغيره، وهو يطاع ويعصى، ويستوفى ولا يوفى.
وسئل ﵁ عن مسألة فدخل مبادرا، ثم خرج في حذاء ورداء، وهو يتبسّم، فقيل له: يا أمير المؤمنين، إنك كنت إذا سئلت عن مسألة كنت فيها كالسّكة المحماة «٢» ! فقال: إنى كنت حاقنا ولا رأى لحاقن «٣» ، ثم أنشأ يقول:
стр. 74
إذا المشكلات تصدّين لى ... كشفت حقائقها بالنّظر
وإن برقت فى مخيل الصوا ... ب عمياء لا تجتليها الذكر «١»
مقنعة بأمور الغيوب ... وضعت عليها صحيح الفكر
لسانا كشقشقة الأرحبىّ ... أو كالحسام اليمانى الذّكر «٢»
وقلبا إذا استنطقته العيون ... أمرّ عليها بواهى الدرر «٣»
ولست بإمّعة في الرّجال ... أسائل عن ذا وذا ما الخبر «٤»
ولكننى ذرب الأصغرين ... أبيّن مع ما مضى ما غبر «٥»
[وصف ضرار الصدائي لمعاوية عليا]
وقال معاوية ﵁ لضرار الصّدائى: يا ضرار، صف لى عليّا، فقال:
أعفنى يا أمير المؤمنين، قال: لتصفنه، فقال: أما إذ أذنت فلا بدّ من صفته:
كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا «٦» ، ويحكم عدلا، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير الدّمعة، طويل الفكرة، يقلب كفّه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللّباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن- مع تقريبه إيّانا، وقربه منا- لا نكاد نكلمه لهيبته، ولا نبتدئه لعظمته، يعظم أهل الدين، ويحبّ المساكين، لا يطمع القوىّ في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه، قابضا على لحيته يتململ تململ السليم «٧» ، ويبكى بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا إليك
стр. 75
عنّى! غرّى غيرى، ألى نعرّضت، أم إلىّ تشوّفت؟ هيهات! قد باينتك ثلاثا، لا رجعة لى عليك؛ فعمرك قصير، وخطرك حقير، وخطبك يسير؛ آه من قله الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق! فبكى معاوية حتى أخضلت دموعه لحيته؛ وقال: رحم الله أبا الحسن! فلقد كان كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح واحدها في حجرها! وقال علىّ رضوان الله عليه: رحم الله عبدا سمع فوعى، ودعى إلى الرشاد فدنا، وأخذ بحجزة هاد فنجا «١» ، وراقب ربّه، وخاف ذنبه، وقدّم خالصا، وعمل صالحا، واكتسب مذخورا، واجتنب محذورا، ورمى غرضا، وكابر هواه، وكذّب مناه، وحذر أجلا، ودأب عملا، وجعل الصبر رغبة حياته، والتّقى عدّة وفاته، يظهر دون ما يكتم، ويكتفى بأقلّ مما يعلم، لزم الطريقة الغرّاء، والمحجّة البيضاء، واغتنم المهل، وبادر الأجل، وتزوّد من العمل.
[علي ع يرثي خباب ابن الأرت]
ولما رجع ﵁ من صفّين، فدخل أوائل الكوفة إذا قبر، فقال: قبر من هذا؟ فقيل: خبّاب بن الأرتّ «٢» ، فوقف عليه، وقال:
رحم الله خبّابا! أسلم راغبا، وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا، وابتلى في جسمه أحوالا، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا.
[علي ع أمام القبور]
ومضى فإذا هو بقبور، فوقف عليها، وقال: السلام عليكم أهل الديار الموحشة، والمحال المقفرة، أنتم لنا سلف، ونحن لكم تبع، وبكم- عما قليل- لاحقون؛ اللهمّ اغفر لنا ولهم، وتجاوز عنا وعنهم بعفوك! طوبى
стр. 76
لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف. ثم التفت ﵁ إلى أصحابه، فقال: أما إنهم لو تكلّموا لقالوا: وجدنا خير الزاد التّقوى.
[علي ع يصف الدنيا]
وذمّ رجل الدنيا بحضرة علىّ ﵁، فقال: دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزوّد منها، مهبط وحى الله، ومصلّى ملائكته، ومسجد أنبيائه، ومتجر أوليائه، ربحوا فيها الرحمة، واكتسبوا فيها الجنة، فمن ذا يذمّها، وقد آذنت ببينها، ونادت بفراقها، وذكّرت بسرورها السرور، وببلائها البلاء، ترغيبا وترهيبا، فيأيّها الذامّ لها، المعلّل نفسه بغرورها، متى خدعتك الدّنيا؟ أم بماذا استذمّت إليك «١» ، أبمصرع آبائك في البلى؟ أم بمضجع أمهاتك في الثرى، كم مرّضت بكفيّك، وكم عللت بيديك، تطلب له الشفاء، وتستوصف الأطباء، غداة لا ينفعه بكاؤك، ولا يغنى دواؤك.
[من قصار كلام علي ع]
فقر من كلامه ﵁: [البشاشة فخ المودة. والصبر قبر المغبون.
والغالب بالظلم مغلوب. والحجر المغصوب بالدار رهن بخرابها. وما ظفر من ظفرت به الأيام. فسالم تسلم] . رأى الشيخ خير من مشهد الغلام «٢» . الناس أعداء ما جهلوا. بقية عمر المؤمن لا ثمن لها، يدرك بها ما أفات [ويحيى ما أمات] .
نقل هذا الكلام بعض أهل العصر، وهو أبو الفتح علىّ بن محمد البستى «٣» .
стр. 77
بقية العمر عندى ما لها ثمن ... وإن غدا وهو محبوب من الثمن
يستدرك المرء فيها ما أفات ويحيى ما أمات ويمحو السوء بالحسن الدنيا بالأموال، والآخرة بالأعمال. لا تخافنّ إلا ذنبك، ولا ترجونّ إلا ربك. وجّهوا آمالكم إلى من تحبه قلوبكم. الناس من خوف الذل في الذل.
من أيقن بالخلف جاد بالعطية. بقيّة السيف أنمى عددا، وأنجب ولدا- وقد تبينت صحّة ما قال في بنيه وبنى المهلب- إنّ من السكوت ما هو أبلغ من الجواب. الصبر مطيّة لا تكبو، وسيف لا ينبو «١» . خير المال ما أغناك، وخير منه ما كفاك، وخير إخوانك من واساك، وخير منه من كفاك شره.
وقال بعض أهل العصر ما يشاكل هذا وهو أبو الحسن محمد بن لنكك البصرىّ:
عدّيا في زماننا ... عن حديث المكارم
من كفى الناس شرّه ... فهو في جود حاتم
أبو الطيب:
إنّا لفى زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسان وإجمال
إذا قدرت على عدوّك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه. قيمة كلّ امرىء ما يحسن.
ذكر أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ هذه الكلمة في كتاب البيان فقال:
فلو لم نقف من هذا الكتاب إلّا على هذه الكلمة لوجدناها شافية، كافية، ومجزية مغنية؛ بل لوجدناها فاضلة عن الكفاية، غير مقصّرة عن الغاية؛ وأفضل الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، ومعناه ظاهرا في لفظه، وكأنّ الله قد ألبسه من ثياب الجلالة، وغشّاه من نور الحكمة، على حسب نيّة صاحبه، وتقوى قائله، فإذا كان المعنى شريفا، واللفظ بليغا، وكان صحيح الطبع،
стр. 78
بعيدا من الاستكراه، منزّها عن الاختلال، مصونا عن التكلف؛ صنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة، ومتى فصّلت الكلمة على هذه الشريطة، ونفذت من قائلها على هذه الصفة، أصحبها الله من التوفيق، ومنحها من التّأييد، ما لا يمتنع من تعظيمها به صدور الجبابرة، ولا يذهل عن فهمها معه عقول الجهلة «١» .
[دعاء علي ع في الحروب]
ومن دعائه ﵁ في حروبه: اللهم أنت أرضى للرضا، وأسخط للسّخط، وأقدر على أن تغيّر ما كرهت، وأعلم بما تقدر، لا تغلب على باطل، ولا تعجز عن حق، وما أنت بغافل عما يعمل الظالمون.
[من شعر علي ع]
وقال على ﵁:
لمن راية سوداء يخفق ظلّها ... إذا قيل قدّمها حضين تقدّما
فيموردها في الصّف حتى تردها ... حياض المنايا تقطر الموت والدّما
جزى الله قوما قاتلوا في لقائهم ... لدى الروع قوما ما أعزوأ كرما
وأطيب أخبارا وأفضل شيمة ... إذا كان أصوات الرجال تغمغما «٢»
حضين الذى ذكره هو: أبو ساسان الحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة الرقاشى وكان صاحب رايته يوم صفّين.
ويروى عنه أنه قال بعد وفاة فاطمة ﵂:
أرى علل الدنيا علىّ كثيرة ... وصاحبها حتى الممات عليل
لكلّ اجتماع من خليلين فرقة ... وإنّ الذى دون الممات قليل
وإنّ افتقادى فاطما بعد أحمد ... دليل على ألا يدوم خليل
стр. 79
ولما قتل عمرو بن عبد ودّ سقط فانكشفت عورته «١» ، فتنحّى عنه وقال:
آلى ابن عبد- حين شدّ- أليّة ... وحلفت فاستمعوا من الكذّاب «٢»
ألّا بفرّ ولا يملل فالتقى ... أسدان يضطربان كلّ ضراب «٣»
اليوم يمنعنى الفرار حفيظتى ... ومصمّم في الرّأس ليس بناب «٤»
أعرضت حين رأيته متقطّرا ... كالجذع بين دكادك وروابى «٥»
وعففت عن أثوابه ولو اننى ... كنت المقطّر بزّنى أثوابى «٦»
نصر الحجارة من سفاهة رأيه ... ونصرت دين محمد بصواب «٧»
لا تحسبنّ الله خاذل دينه ... ونبيه يا معشر الأحزاب
فى أبيات غير هذه، وبعض الرواة ينفيها عن على ﵁.
وعمرو هذا هو: ابن عبدودّ بن نضر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤى، وكان قد جزع المذاد، وهو موضع حفر فيه الخندق يوم الأحزاب، وفي ذلك يقول الشاعر:
عمرو بن ودّ كان أول فارس ... جزع المذاد وكان فارس يليل «٨»
ولما صار مع المسلمين في الخندق دعا [إلى] البراز، وقال:
ولقد بجحت من الندا ... ء بجمعهم هل من مبارز «٩»
ووقفت إذ نكل الشجا ... ع بموقف البطل المناجز «١٠»
стр. 80
إنى كذلك لم أزل ... متسرّعا نحو الهزاهز «١»
إنّ السماحة والشجا ... عة في الفتى خير الغرائز «٢»
فبرز على بن أبى طالب ﵁، فقال: يا عمرو! إنك عاهدت الله لقريش ألّا يدعوك أحد إلى خلّتين إلا أخذت إحداهما، فقال: أجل! قال:
فإنى أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام. قال: لا حاجة لى بذلك، قال:
فإنى أدعوك إلى المبارزة، فقال: يا ابن أخى ما أحبّ أن أقتلك! قال على:
لكنى والله أحبّ أن أقتلك، فحمى عمرو، فاقتحم عن فرسه وعرقبه «٣» ثم أقبل إلى على:
فتجاولا كغمامتين تكنّفت ... متنيهما ريحا صبا وشمال «٤»
فى موقف كادت نفوس كماته ... تبتز قبل تورّد الآجال «٥»
وعلت بينهما غبرة سترتهما فلم يرع المسلمين إلا التكبير؛ فعلموا أن عليّا قتله.
ولما قتل عمرو جاءت أخته فقالت: من قتله؟ فقيل: على بن أبى طالب، فقالت: كفء كريم! ثم انصرفت وهي تقول:
لو كان قاتل عمرو غير قاتله ... لكنت أبكى عليه آخر الأبد
لكنّ قاتله من لا يعاب به ... وكان يدعى قديما بيضة البلد
من هاشم في ذراها وهي صاعدة ... إلى السماء تميت الناس بالحسد
قوم أبى الله إلا أن يكون لهم ... مكارم الدّين والدّنيا بلا أمد
يا أم كلثوم بكّيه ولا تدعى ... بكاء معولة حرّى على ولد
أم كلثوم: بنت عمرو بن عبدودّ. و «بيضة البلد» تمدح به العرب
стр. 81
وتذمّ؛ فمن مدح به جعله أصلا، كما أن البيضة أصل الطائر. ومن ذم به أراد أن لا أصل له. قال الراعى يهجو عدىّ بن الرقاع العاملى «١» :
يا من توعّدنى جهلا بكثرته ... متى تهددنى بالعزّ والعدد
أنت امرؤ نال من عرضى وعزته ... كعزة العير يرعى تلعة الأسد «٢»
لو كنت من أحد يهجى هجوتكم ... يابن الرّفاع ولكن لست من أحد
تأبى قضاعة أن ترضى لكم نسبا ... وابنا نزار؛ فأنتم بيضة البلد
وقال أبو عبيدة: عاملة بن عدى بن الحارث بن مرة بن أد [بن زياد] ابن يشجب، يطعن في نسبه من قحطان، ويقال: هو عاملة بن معاوية بن قاسط ابن أهيب؛ فلذلك قال الراعى هذا. ويقال: إن جندل بن الراعى قالها وقد قال يحيى بن أبى حفصة الأموى في عاملة:
ولسنا نبالى نأى عاملة التى ... أجدّبها من نحو بصرى انحدارها
تدافعها الأحياء حتى كأنها ... ثياب بدا للمشترين عوارها
قذفنا بها لمّا نأت قذف حاذف ... بسود حصى خفّت عليه صغارها
ويشبه قول على ﵁ «وعففت عن أثوابه» قول عنترة بن شداد العبسى:
هلّا سألت الخيل يابنة مالك ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمى
يخبرك من شهد الوقيعة أننى ... أغشى الوغى وأعفّ عند المغنم
وقال حبيب بن أوس الطائى:
إنّ الأسود أسود الغاب همّتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب «٣»
стр. 82
والمجد يندب بهجته، ومهابط الوحى والرسالة تحنى ظهورها أسفا، ومآقى الإمامة والوصية والرسالة تذرى دموعها لهفا؛ وذلك أن حادث قضاء الله استأثر بفرع النبوة، وعنصر الدين والمروءة.
[رجع إلى كلام أهل البيت]
ووقع بين الحسن ومحمد بن الحنفيّة «١» لحاء، ومشى الناس بينهما بالنّمائم، فكتب إليه محمد بن الحنفية: أمّا بعد فإن أبى وأباك علىّ بن أبى طالب؛ لا تفضلنى فيه ولا أفضلك، وأمى امرأة من بنى حنيفة، وأمّك فاطمة الزّهراء بنت رسول الله ﷺ ، فلو ملئت الأرض بمثل أمى لكانت أمّك خيرا منها؛ فإذا قرأت كتابى هذا فأقدم حتى تترضّانى، فإنك أحقّ بالفضل منى.
وخطب الحسين بن علىّ رضوان الله عليهما غداة اليوم الذى استشهد فيه، فحمد الله تعالى وأثنى عليه؛ ثم قال: يا عباد الله، اتّقوا الله، وكونوا من الدنيا على حذر؛ فإنّ الدنيا لو بقيت على أحد [أو بقى عليها أحد] لكانت الأنبياء أحقّ بالبقاء، وأولى بالرّضاء، [وأرضى] بالقضاء؛ غير أنّ الله تعالى خلق الدنيا للفناء، فجديدها بال، ونعيمها مضمحلّ، وسرورها مكفهرّ «٢» ، منزل تلعة، ودار قلعة «٣» ؛ فتزوّدوا فإنّ خير الزاد التقوى، واتّقوا الله لعلكم تفلحون.
стр. 83
وكان لمعاوية بن أبى سفيان عين بالمدينة يكتب إليه بما يكون من أمور الناس وقريش، فكتب إليه: إنّ الحسين بن علىّ أعتق جارية له وتزوّجها؛ فكتب معاوية إلى الحسين: من أمير المؤمنين معاوية إلى الحسين بن علىّ.
أمّا بعد، فإنه بلغنى أنك تزوّجت جاريتك، وتركت أكفاءك من قريش، ممّن تستنجبه للولد، وتمجد به في الصّهر، فلا لنفسك نظرت، ولا لولدك انتقيت.
فكتب إليه الحسين بن على: أمّا بعد، فقد بلغنى كتابك، وتعييرك إيّاى بأنى تزوّجت مولاتى، وتركت أكفائى من قريش، فليس فوق رسول الله منتهى في شرف، ولا غاية في نسب؛ وإنما كانت ملك يمينى، خرجت عن يدى بأمر التمست فيه ثواب الله تعالى؛ ثم ارتجعتها على سنّة نبيه ﷺ ، وقد رفع الله بالإسلام الخسيسة، ووضع عنّا به النقيصة؛ فلا لوم على امرىء مسلم إلّا في أمر مأثم، وإنما اللوم لوم الجاهلية.
فلما قرأ معاوية كتابه نبذه إلى يزيد فقرأه، وقال: لشدّ ما فخر عليك الحسين! قال: لا، ولكنها ألسنة بنى هاشم الحداد التي تفلق الصّخر، وتغرف من البحر! والحسين- ﵁! - هو القائل:
لعمرك إنّنى لأحبّ دارا ... تحلّ بها سكينة والرّباب
أحبّهما وأبذل كلّ مالى ... وليس للائم عندى عتاب
سكينة: ابنته، والرباب: أمّها، وهي بنت امرىء القيس [بن الجرول] الكلبية.
وفي سكينة يقول عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى كذبا عليها «١» :
стр. 84
قالت سكينة والدموع ذوارف ... تجرى على الخدّين والجلباب
ليت المغيرىّ الذى لم أجزه ... فيما أطال تصيّدى وطلابى
كانت تردّ لنا المنى أيّامنا ... إذ لا نلام على هوى وتصاب
خبّرت ما قالت فبتّ كأنما ... يرمى الحشى بنوافذ النّشّاب
أسكين ما ماء الفرات وطيبه ... منّى على ظمأ وفقد شراب
بألذّ منك، وإن نأيت، وقلّما ... ترعى النساء أمانة الغيّاب
إن تبذلى لى نائلا أشفى به ... داء الفؤاد فقد أطلت عذابى
وعصيت فيك أقاربى وتقطعت ... بينى وبينهم عرى الأسباب
فتركتنى لا بالوصال ممتّعا ... منهم، ولا أسعفتنى بثواب
فقعدت كالمهريق فضلة مائه ... فى حرّ هاجرة للمع سراب
وكانت سكينة من أجمل نساء زمانها وأعقلهنّ، وكان مصعب بن الزبير قد جمع بينها وبين عائشة بنت طلحة بن عبيد الله؛ فلما قتل مصعب قالت سكينة:
فإن تقتلوه تقتلوا الماجد الذى ... يرى الموت إلا بالسيوف حراما
وقبلك ما خاض الحسين منيّة ... إلى القوم حتى أو ردوه حماما
وقال على بن الحسين «١» ﵀: لو كان الناس يعرفون جملة الحال فى فضل الاستبانة، وجملة الحال في فضل التبيين، لأعربوا عن كل ما بتلجلج فى صدورهم، ولوجدوا من برد اليقين ما يغنيهم عن المنازعة إلى كل حال سوى
стр. 85
حالهم، على أنّ إدراك ذلك كان لا يعدمهم في الأيام القليلة العدّة، والفكرة القصيرة المدّة، ولكنهم من بين مغمور بالجهل، ومفتون بالعجب، ومعدول بالهوى عن باب التثبّت، ومصروف بسوء العادة عن فضل التعلم.
وقال ﵁: المراء يفسد الصداقة القديمة، ويحلّ العقدة الوثيقة، وأقلّ ما فيه أن تكون به المغالبة، والمغالبة من أمتن أسباب القطيعة.
ومن دعائه: اللهم ارزقنى خوف الوعيد، وسرور رجاء الموعود، حتى لا أرجو إلا ما رجّيت، ولا أخاف [إلا] ما خوّفت.
وحجّ هشام بن عبد الملك، أو الوليد أخوه، فطاف بالبيت وأراد استلام الحجر فلم يقدر، فنصب له منبر فجلس عليه؛ فبينا هو كذلك إذ أقبل علىّ بن الحسين بن على بن أبى طالب ﵁ في إزار ورداء، وكان أحسن الناس وجها، وأعطرهم رائحة، وأكثرهم خشوعا، وبين عينيه سجّادة «١» ، كأنها ركبة عنز، وطاف بالبيت، وأتى ليستلم الحجر، فتنحّى له الناس هيبة وإجلالا، فغاظ ذلك هشاما؛ فقال رجل من أهل الشام: من الّذى أكرمه الناس هذا الإكرام، وأعظموه هذا الإعظام؟ فقال هشام: لا أعرفه، لئلا يعظم في صدور أهل الشام؛ فقال الفرزدق وكان حاضرا:
هذا ابن خير عباد الله كلّهم ... هذا النقيّ التقىّ الطاهر العلم
هذا الذى تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحلّ والحرم
إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهى الكرم
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم «٢»
стр. 86
فى كفّه خيزران ريحه عبق ... فى كفّ أروع في عرنينه شمم «١»
يغضى حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلا حين يبتسم
مشتقّة من رسول الله نبعته ... طابت عناصره والخيم والشّيم «٢»
ينمى إلى ذروة العزّ التي قصرت ... عن نيلها عرب الإسلام والعجم «٣»
ينجاب نور الهدى عن نور غرّته ... كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم «٤»
حمّال أثقال أقوام إذا اقترحوا ... حلو الشمائل تحلو عنده نعم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجدّه أنبياء الله قد ختموا
الله فضّله قدما وشرّفه ... جرى بذاك له في لوحه القلم
من جدّه دان فضل الأنبياء له ... وفضل أمته دانت له الأمم
عمّ البرية بالإحسان فانقشعت ... عنها الغيابة والإملاق والظّلم «٥»
كلتا يديه غياث عمّ نفعهما ... تستوكفان ولا يعروهما العدم «٦»
سهل الخليقة لا تخشى بوارده ... تزينه الاثنتان الحلم والكرم
لا يخلف الوعد ميمون بغرّته ... رحب الفناء أريب حين يعتزم «٧»
ما قال «لا» قطّ إلا في تشهّده ... لولا التشهّد كانت لاءه نعم
من معشر حبّهم دين، وبغضهم ... كفر، وقربهم منجى ومعتصم
يستدفع السوء والبلوى بحبهم ... ويستربّ به الإحسان والنّعم «٨»
مقدّم بعد ذكر الله ذكرهم ... فى كل بدء ومختوم به الكلم
إن عدّ أهل التّقي كانوا أئمّتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
لا يستطيع جواد بعد غايتهم ... ولا يدانيهم قوم وإن كرموا
стр. 87
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت ... الأسد أسد الشّرى والبأس محتدم «١»
يأبى لهم أن يحلّ الذّمّ ساحتهم ... خيم كريم وأيد بالنّدى هضم «٢»
لا ينقص العسر بسطا من أكفّهم ... سيّان ذلك إن أثروا وإن عدموا
أىّ الخلائق ليست في رقابهم ... لأوليّة هذا أو له نعم «٣»
من يعرف الله يعرف أوليّته ... فالدين من بيت هذا ناله الأمم
وليس قولك من هذا بضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم
وقد روى أن الحزين الكنانى وفد على عبد الله بن عبد الملك بن مروان وهو أمير على مصر فأنشده قصيدة منها:
لما وقفت عليه في الجموع ضحى ... وقد تعرّضت الحجّاب والخدم
حيبته بسلام وهو مرتفق ... وضجّة القوم عند الباب تزدحم «٤»
فى كفه خيرزان....- والبيت الذى يليه.
ويقال: إنها لداود بن سلم في قثم بن العباس بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وهو الذى يقول فيه الأخطل:
ولقد غدوت على التّجار بمسمح ... هرّت عواذله هرير الأكلب «٥»
لذّ يقبّله النعيم، كأنما ... مسحت ترائبه بماء مذهب «٦»
لبّاس أردية الملوك تروقه ... من كل مرتقب عيون الرّبرب «٧»
ينظرن من خلل السّتور إذا بدا ... نظر الهجان إلى الفنيق المصعب «٨»
стр. 88
ويقال: بل قالها في على بن الحسين اللّعين المنقرى، وسمى اللعين لأن عمر سمعه ينشد شعرا والناس يصلّون، فقال: من هذا اللعين؟ فعلق به هذا الاسم «١» وليقله من شاء، فقد أحسن ما شاد وأجاد وزاد «٢» .
وقال ذو الرمة في بلال بن أبى بردة بن أبى موسى الأشعرى:
من آل أبى موسى ترى الناس حوله ... كأنهم الكروان عاينّ بازيا «٣»
فما يعرفون الضّحك إلّا تبسّما ... ولا ينبسون القول إلا تناجيا «٤»
وما الفحش منه يرهبون، ولا الخنا ... عليه، ولكن هيبة هي ماهيا
فتى السّنّ، كهل الحلم، يسمع قوله ... يوازن أدناه الجبال الرّواسيا
ومن أجود ما للمحدثين في ذلك قول أبى عبادة البحترى في الفتح ابن خاقان:
ولما حضرنا سدّة الإذن أخّرت ... رجال عن الباب الذى أنا داخله
فأفضيت من قرب إلى ذى مهابة ... أقابل بدر التّم حين أقابله
بدا لى محمود السجيّة شمّرت ... سرابيله عنه وطالت حمائله «٥»
كما انتصب الرّمح الرّدينىّ ثقّفت ... أنابيبه واهتزّ للطعن عامله «٦»
وكالبدر وافته لتمّ سعوده ... وتمّ سناه واستهلت منازله
فسلّمت فاعتاقت جنانى هيبة ... تنازعنى القول الذى أنا قائله «٧»
стр. 89
إلى مسرف في الجود لو أنّ حاتما ... لديه لأضحى حاتم وهو عاذله
فلما تأمّلت الطّلاقة وانثنى ... إلىّ ببشر آنستنى مخايله «١»
دنوت فقبّلت النّدى من يد امرىء ... جميل محيّاه سباط أنامله «٢»
صفت مثل ما تصفو المدام خلاله ... ورقّت كما رقّ النّسيم شمائله
ووقعت حرب بالجزيرة بين بنى تغلب، فتولى الإصلاح بينهم الفتح بن خاقان فقال البحترى فيما تعلّق بعضه بذكر الهيبة:
بنى تغلب أعزز علىّ بأن أرى ... دياركم أمست وليس لها أهل «٣»
خلت دمنة من ساكنيها وأوحشت ... مرابع من سنجار يهمى بها الوبل «٤»
إذا ما التقوا يوم الهياج تحاجزوا ... وللموت فيما بينهم قسمة عدل
كفىّ من الأحياء لاقى كفيّه ... ومثل من الأقوام زاحفه مثل «٥»
إذا ما أخ جرّ الرماح انتهى له ... أخ لا بليد في الطّعان ولا وغل «٦»
تخوطهم البيض الرّقاق، وضمّر ... عتاق، وأنساب بها يدرك التّبل «٧»
بطعن يكبّ الدّارعين دراكه ... وضرب كما ترغو المخزّمة البزل «٨»
تجافى أمير المؤمنين عن التى ... علمتم، وللجانين في مثلها الثّكل «٩»
стр. 90
وكانت يد الفتح بن خاقان عندكم ... يد الغيث عند الأرض أجدبها المحل «١»
ولولاه طلّت بالعقوق دماؤكم ... فلا قود يعطى الأذلّ ولا عقل «٢»
تلافيت يا فتح الأراقم بعد ما ... سقاهم بأوحى سمّه الأرقم الصّلّ «٣»
وهبت لهم بالسّلم باقى نفوسهم ... وقد أشرفوا أن يستتمّهم القتل «٤»
أتاك وفود الشكر يثنون بالّذى ... تقدّم من نعماك عندهم قبل
فلم أر يوما كان أكثر سوددا ... من اليوم ضمّتهم إلى بابك السّبل «٥»
تراءوك من أقصى السّماط فقصّروا ... خطاهم، وقد جازوا السّتور وهم عجل «٦»
ولمّا قضوا صدر السلام تهافتوا ... على يد بسّام سجيّته البذل
إذا شرعوا في خطبة قطعتهم ... جلالة طلق الوجه جانبه سهل»
إذا نكسوا أبصارهم من مهابة ... ومالوا بلحظ خلت أنهم قبل «٨»
نصبت لهم طرفا حديدا، ومنطقا ... سديدا، ورأيا مثل ما انتضى النّصل «٩»
وسلّت سخيمات الصدور فعالك ... الكريم، وأبرا غلّها قولك الفصل «١٠»
بك التأم الشّعب الذى كان بينهم ... على حين بعد منه، واجتمع الشّمل «١١»
فما برحوا حتى تعاطت أكفّهم ... قراك، فلا ضغن لديهم ولا ذحل «١٢»
وجرّوا ذيول العصب تضفو ذيولها ... عطاء كريم ما تكاءده بخل «١٣»
стр. 91
وما عمّهم عمرو بن غنم بنسبة ... كما عمّهم بالأمس نائلك الجزل
فمهما رأوا من غبطة في اصطلاحهم ... فمنك بها النّعمى جرت ولك الفضل
عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل بن قاسط.
وللطائيين [أبى تمام والبحترى] فى ذلك أشعار كثيرة مختارة، منها قول البحترى يحذّر عاقبة الحرب «١» :
أما لربيعة الفرس انتهاء ... عن الزلزال فيها والحروب «٢»
وكانوا رقّعوا أيام سلم ... على تلك الضغائن والندوب «٣»
إذا ما الجرح رمّ على فساد ... تبيّن فيه تفريط الطبيب
رزيّة هالك جلبت رزايا ... وخطب بات يكشف عن خطوب
يشقّ الجيب ثمّ يجىء أمر ... يصغّر فيه تشقيق الجيوب
وقبر عن أيامن برقعيد ... إذا هي ناحرت أفق الجنوب «٤»
يسحّ ترابه أبدا عليها ... عهادا من مراق دم صبيب «٥»
فهل لابنى عدىّ من رشيد ... يردّ شريد حلمهما العزيب «٦»
أخاف عليهما إمرار مرعى ... من الكلإ الذى عقباه توبى «٧»
وأعلم أنّ حربهما خبال ... على الدّاعى إليها والمجيب
لعلّ أبا المعمّر يتّليها ... ببعد الهمّ والصّدر الرّحيب «٨»
стр. 92
فكم من سؤدد قد بات يعطى ... عطية مكثر فيها مطيب
أهيثم يابن عبد الله، دعوى ... مشير بالنصيحة أو مهيب «١»
تناس ذنوب قومك إنّ حفظ الذنوب ... إذا قد من من الذّنوب «٢»
فللسّهم السديد أحبّ غبّا ... إلى الرامى من السهم المصيب «٣»
متى أحرزت نصر بنى عبيد ... إلى إخلاص ودّ بنى حبيب
فقد أصبحت أغلب تغلبىّ ... على أيدى العشيرة والقلوب
يناسب قوله:
إذا ما الجرح رمّ على فساد
قول أبى الطيب المتنبى لعلىّ بن إبراهيم التنوخى أحد بنى القصيص:
فلا تغررك ألسنة موال ... تقلّبهن أفئدة أعادى «٤»
وكن كالموت لا يرثى لباك ... بكى منه، ويروى وهو صاد
فإنّ الجرح ينغر بعد حين ... إذا كان البناء على فساد «٥»
وفي هذه القصيدة:
كأنّ الهام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد
وقد صغت الأسنّة من هموم ... فما يخطرن إلّا في فؤاد
كأنّ البيت الأوّل من هذين ينظر إلى قول مسلم بن الوليد من طرف خفىّ
ولو أنّ قوما يخلقون منيّة ... من بأسهم كانوا بنى جبريلا
قوم إذا احمرّ الهجير من الوغى ... جعلوا الجماجم للسيوف مقيلا «٦»
стр. 93
وإنما أخذه [أبو الطيب] من قول منصور النميرى، وذكر سيفا:
ذكر، برونقه الدّماء، كأنما ... يعلو الرجال بأرجوان ناقع «١»
وترى مساقط شفرتيه كأنها ... ملح تبدّد من وراء الدّراع
وتراه معتمّا إذا جرّدته ... بدم الرّجال على الأديم الناقع «٢»
وكأنّ وقعته بجمجمة الفتى ... خدر المدامة أو نعاس الهاجع «٣»
أردت هذا البيت، وقول النميرى:
وتراه معتّما إذا جرّدته
يشير إليه قول أبى الطيب، وذكر سيفا:
يبس النّجيع عليه فهو مجرّد ... من غمده وكأنما هو مغمد «٤»
ريان لو قذف الذى أسقيته ... لجرى من المهجات بحر مزبد «٥»
وبنو عبيد، وبنو حبيب- اللذان ذكرهما البحترى- هم: بنو عبيد ابن الحارث بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، وحبيب بن الهجرس ابن تيم بن سعد بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، وفيهم حبيب بن حرقة بن تغلب بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، فلا أدرى أيهما أراد!
стр. 94
وقال البحترى:
أسيت لاخوالى ربيعة أن عفت ... مصايفها منها، وأقوت ربوعها «١»
بكرهى أن باتت خلاء ديارها ... ووحشا مغانيها، وشتّى جميعها «٢»
إذا افترقوا من وقعة جمعتهم ... دماء لأخرى ما يطلّ نجيعها «٣»
تذمّ الفتاة الرّود شيمة بعلها ... إذا بات دون الثّأر وهو ضجيعها «٤»
حميّة شعب جاهلىّ وعزّة ... كلابية أعيا الرجال خضوعها
وفرسان هيجاء تجيش صدورهم ... بأحقادها حتى تضيق دروغها
تقتّل من وتر أعزّ نفوسها ... عليها بأيد ما تكاد تطيعها «٥»
إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها ... تذكّرت القربى ففاضت دموعها
شواجر أرماح تقطّع بينها ... شواجر أرحام ملوم قطوعها «٦»
فكنت أمين الله مولى حياتها ... ومولاك فتح يوم ذاك شفيعها
وقال أبو تمام الطائى:
مهلا بنى مالك لا تجلبنّ إلى ... حىّ الأراقم ذؤلول ابنة الرقم «٧»
لم يألكم مالك صفحا ومغفرة ... لو كان ينفخ قين الحيّ في فحم «٨»
أخرجتموه بكره من سجيّته ... والنار قد تنتضى من ناضر السلم «٩»
أو طأتموه على جمر العقوق، ولو ... لم يحرج الليث لم يخرج من الأجم «١٠»
стр. 95
لولا مناشدة القربى لغادركم ... حصائد المرهفين السيف والقلم
لا تجعلوا البغى ظهرا إنه جمل ... من القطيعة يرعى وادى النّقم
وقال أيضا:
مهلا بنى عمرو بن غنم؛ إنكم ... هدف الأسنّة والقنا تتحطّم «١»
ما منكم إلا مردّى بالحجى ... أو مبشر بالأحوذيّة مؤدم «٢»
عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتّاب بن ... سعد سهمكم لا يمهم «٣»
خلقت ربيعة من لدن خلقت يدا ... جشم بن بكر كفّها والمعصم «٤»
تغزو فتغلب تغلب مثل اسمها ... وتسيح غنم في البلاد فتغنم
وستذكرون غدا صنائع مالك ... إن جلّ خطب أو تدوفع مغرم «٥»
مالى رأيت ثراكم ببسالة ... مالى أرى أطوادكم تتهدّم؟ «٦»
ما هذه القربى التي لا تصطفى ... ما هذه الرحم التي لا ترحم؟
حسد القرابة للقرابة قرحة ... أعيت عوائدها وجرح أقدم «٧»
تلكم قريش لم تكن آباؤها ... تهفو ولا أجلامها تتقسّم «٨»
حتى إذا بعث النّبىّ محمد ... فيهم غدت شحناؤهم تتضرّم «٩»
عزبت عقولهم، وما من معشر ... إلّا وهم منه ألبّ وأحزم «١٠»
لما أقام الوحى بين ظهورهم ... ورأوا رسول الله أحمد منهم
стр. 96
ومن الحزامة لو تكون حزامة ... ألّا تؤخّر من به تتقدّم «١»
ومالك هو: ابن طوق «٢» بن مالك بن عتاب بن زفر بن مرّة بن شريح ابن عبد الله بن عمرو بن كلثوم بن مالك [بن عتاب] بن سعد بن [زهير ابن] جشم بن بكر [بن وائل] بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، وفيه يقول دعبل «٣» يهجوه:
الناس كلّهم يغدو لحاجته ... من بين ذى فرح منها ومهموم
ومالك ظلّ مشغولا بنسبته ... يرمّ منها بناء غير مرموم «٤»
يبنى بيوتا خرابا لا أنيس بها ... ما بين طوق إلى عمرو ابن كلثوم
والتكثير من المعنى المعترض، يزيح عن ثغرة الغرض «٥» ، لكنى أجرى منه إلى حلبة الإجادة، وأقصد قصد الإفادة، ثم أعود حيث أريد.
وقال ابن الخياط المكى- واسمه عبد الله بن سالم- فى باب الهيبة، فى مالك ابن أنس «٦» الفقيه، رحمة الله عليه؛ وقيل: إن هذا من قول ابن المبارك:
стр. 97
يابى الجواب فما يراجع هيبة ... والسائلون نواكس الأذقان «١»
أدب الوقار، وعزّ سلطان التّقى، ... فهو المهيب وليس ذا سلطان
وقول الفرزدق:
يكاد يمسكه عرفان راحته
قد تجاذبه جماعة من الشعراء؛ قال أشجع بن عمرو السلمى «٢» لجعفر البرمكى: لأشجع السلمى
حبّذا أنت قادما ترد الشام ... فتختال بين أرحل عيرك
إنّ أرضا تسرى إليها لو اسطاعت ... لسارت إليك من قبل سيرك
وإليه أشار أبو تمام الطائى في قوله:
ديمة سمحة القياد سكوب ... مستغيث بها الثّرى المكروب
لو سعت بقعة لإعظام نعمى ... لسعى نحوها المكان الجديب
وفى هذه القصيدة في وصف الدّيمة، ومدح محمد بن عبد الملك الزيات «٣» :
стр. 98
لذّ شؤيوبها وطاب فلو تس ... طيع قامت فعانقتها القلوب «١»
فهو ماء يجرى وماء يليه ... وعزال تنشا وأخرى تصوب «٢»
أيّها الغيث حىّ أهلا بمغدا ... ك وعند السّرى وحين تؤوب «٣»
لأبى جعفر خلائق تحكيهنّ قد يشبه النجيب النجيب وأنشدها أبا جعفر بن الزيات، فقال: يا أبا تمام؛ والله إنك لتحلّى شعرك من جواهر لفظك وبدائع معانيك، ما يزيد حسنا على بهىّ الجواهر فى أجياد الكواعب؛ وما يدّخر لك شىء من جزيل المكافأة إلّا يقصر عن شعرك في الموازنة. وكان بحضرته رجل من الفلاسفة، فقال: هذا الفتى يموت شابا! فقيل له: من أين حكمت عليه بهذا؟ فقال: رأيت فيه من الحدّة والذكاء والفطنة مع لطافة الحس ما علمت به أن النفس الروحانية تأكل عمره كما يأكل السيف المهند غمده! قال الصولى: مات وقد نيّف على الثلاثين.
وقال في أبى دلف العجلى القاسم بن محمد بن عيسى «٤» :
تكاد عطاياه يجنّ جنونها ... إذا لم يعوّذها بنغمة طالب
تكاد مغانيه تهشّ عراصها ... فتركب من شوق إلى كل راكب «٥»
стр. 99
وقال البحترى:
لو أنّ مشتاقا تكلف فوق ما ... فى وسعه لمشى إليك المنبر
وقال أبو الطيب المتنبى لبدر بن عمار:
طربت مراكبنا فخلنا أنها ... لولا حياء عاقها رقصت بنا
لو تعقل الشجر التي قابلتها ... مدّت محيية إليك الأغصنا
رجع ما انقطع
قال أعرابى لأبى جعفر محمد بن على بن الحسين «١» ﵁: هل رأيت الله حين عبدته؟ فقال: لم أكن لأعبد من لم أره، قال: فكيف رأيته؟
قال: لم تره الأبصار بمشاهدة العيان، ورأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يدرك بالحواسّ، ولا يشبّه بالناس، معروف بالآيات، منعوت بالعلامات، لا يجوز فى القضيّات، ذلك الله الذى لا إله إلا هو. فقال الأعرابى: الله أعلم حيث يجعل رسالته.
قال الجاحظ: قال محمد بن على: صلاح شأن الدنيا بحذافيرها في كلمتين؛ لأنّ صلاح شأن جميع الناس [فى التعايش و] التعاشر وهو ملء مكيال: ثلثاه فطنة، وثلثه تغافل.
قال الجاحظ: لم يجعل لغير الفطنة نصيبا من الخير، ولا حظا من الصلاح؛ لأن الإنسان لا يتغافل عن شىء إلا وقد عرفه وفطن له، قال الطائى:
ليس الغبىّ بسيد في قومه ... لكنّ سيد قومه المتغابى
وقال ابن الرومى لأبى محمد بن وهب بن عبيد الله بن سليمان:
تظلّ إذا نامت عيون ذوى العمى ... وإن حدّدوا زرقا إليك جواحظا «٢»
стр. 100
تغاضى لهم وسنان، بل متواسنا، ... وتوقظهم يقظان بل متياقظا «١»
[وأبو جعفر هذا هو الباقر] ، وكان أخوه زيد بن على ﵁ ديّنا، شجاعا، ناسكا، من أحسن بنى هاشم عبارة، وأجملهم شارة.
وكانت ملوك بنى أمية تكتب إلى صاحب العراق أن امنع أهل الكوفة من حضور زيد بن على؛ فإنّ له لسانا أقطع من ظبة السيف وأحدّ من شبا الأسنة «٢» ، وأبلغ من السحر والكهانة «٣» ، ومن كل نفث في عقدة.
وقيل لزيد بن على: الصمت خير أم الكلام؟ فقال: قبّح الله المساكتة، ما أفسدها للبيان، وأجلبها للعىّ والحصر «٤» ! والله للمماراة أسرع في هدم العىّ «٥» من النار في يبس العرفج، ومن السيل إلى الحدور «٦» .
وقال له هشام بن عبد الملك: بلغنى أنّك تروم الخلافة وأنت لا تصلح لها لأنك ابن أمة؟ قال زيد: فقد كان إسماعيل بن إبراهيم ﵉ ابن أمة، وإسحاق ابن حرّة؛ فأخرج الله من صلب إسماعيل خير ولد آدم! فقال له: قم! فقال: إذا والله لا ترانى إلّا حيث تكره! فلما خرج من الدار قال: ما أحبّ أحد الحياة قط إلّا ذلّ، فقال له سالم مولى هشام: لا يسمعنّ هذا الكلام منك أحد، وكان زيد كثيرا ما ينشد:
شرّده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد «٧»
منخرق الخفّين يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حداد «٨»
стр. 101
قد كان فى الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد
وقد رويت هذه الأبيات لمحمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين، وقد رويت لأخيه موسى.
قال عبد الرحمن بن يحيى بن سعيد: حدثنى رجل من بنى هاشم قال: كنا عند محمد بن على بن الحسين، وأخوه زيد جالس، فدخل رجل من أهل الكوفة فقال له محمد بن علىّ: إنك لتروى طرائف من نوادر الشعر، فكيف قال الأنصارى لأخيه؟ فأنشده:
لعمرك ما إن أبو مالك ... بوان ولا بضعيف قواه
ولا بألدّ له نازع ... يعادى أخاه إذا ما نهاه
ولكنّه غير مخلافة ... كريم الطبائع حلو نثاه «١»
وإن سدته سدت مطواعة ... ومهما وكلت إليه كفاه
فوضع محمد يده على كتف زيد، فقال: هذه صفتك يا أخى؛ وأعيذك بالله أن تكون قتيل أهل العراق! وكانت بين جعفر بن الحسن بن الحسين بن على وبين زيد رضوان الله عليهم منازعة في وصيّة، فكانا إذا تنازعا انثال الناس عليهما ليسمعوا محاورتهما؛ فكان الرجل يحفظ على صاحبه اللّفظة من كلام جعفر، ويحفظ الآخر اللفظة من كلام زيد. فإذا انفصلا وتفرّق الناس عنهما قال هذا لصاحبه: قال في موضع كذا وكذا، وقال الآخر: قال في موضع كذا وكذا؛ فيكتبون ما قالا، ثم يتعلّمونه كما يتعلّم الواجب من الفرض، والنادر من الشعر، والسائر من المثل! وكانا أعجوبة دهرهما وأحدوثة عصرهما.
ولما قتل زيدا يوسف بن عمر «٢» وصلب جثّته بالكناسة «٣» وبعث برأسه
стр. 102
مع شبّة بن عقال، وكلّف آل أبى طالب البراءة من زيد، وقام خطباؤهم بذلك؛ فكان أول من قام عبد الله بن الحسن بن الحسين بن على رحمة الله عليه فأوجز فى كلامه ثم جلس، وقام عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب فأطنب- وكان شاعرا خطيبا لسنا ناسبا- فانصرف الناس وهم يقولون: ابن الطيار من أخطب الناس، فقيل لعبد الله بن الحسن في ذلك؛ فقال: لو شئت أن أقول لقلت، ولكن لم يكن مقام سرور، وإنما كان مقام مصيبة! وعبد الله هذا هو: أبو محمد وإبراهيم الخارجين على أبى جعفر المنصور، وهو القائل لابنه محمد أو إبراهيم: أى بنىّ! إنى مؤدّ حقّ الله في تأديبك، فأدّ إلىّ حقّ الله في الاستماع منى؛ أى بنىّ! كفّ الأذى، وارفض البذى «١» واستعن على الكلام بطول الفكر في المواطن التي تدعوك فيها نفسك إلى الكلام، فإنّ للقول ساعات يضرّ فيها الخطأ، ولا ينفع فيها الصّواب، واحذر شورة الجاهل. وإن كان ناصحا، كما تحذر مشورة العاقل إذا كان غاشّا؛ لأنه يرديك بمشورته؛ واعلم يا بنىّ أن رأيك إذا احتجت إليه وجدته نائما، ووجدت هواك يقظان، فإياك أن تستبدّ برأيك، فإنه حينئذ هواك؛ ولا تفعل فعلا إلا وأنت على يقين أنّ عاقبته لا ترديك، وأن نتيجته لا تجنى عليك.
وهو القائل: إياك ومعاداة الرجال فإنك لن تعدم مكر حليم، أو معاداة لئيم.
وكتب إلى صديق له: أوصيك بتقوى الله تعالى، فإنّ الله تعالى جعل لمن اتّقاه المخرج من حيث يكره، والرزق من حيث لا يحتسب وعبد الله هو القائل:
стр. 103
أنس حرائر ما هممن بريبة ... كظباء مكة صيدهنّ حرام «١»
يحسبن من لين الحديث دوانيا ... ويصدّهنّ عن الخنا الإسلام «٢»
قال: وهذا كما روى أنّ عبد الملك بن مروان استقبل عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى، فقال له: قد علمت قريش أنّك أطولها صبوة، وأبعدها توبة، ويحك! أمالك في نساء قريش ما يكفيك من نساء بنى عبد مناف «٣» ؟
ألست القائل:
نظرت إليها بالمحصّب من منى ... ولى نظر لولا التحرّح عارم «٤»
فقلت: أصبح أم مصابيح راهب ... بدت لك خلف السّجف أم أنت حالم «٥»
بعيدة مهوى القرط إمّا لنوفل ... أبوها وإمّا عبد شمس وهاشم «٦»
فقال: يا أمير المؤمنين، فإنّ بعد هذا:
طلبن الهوى حتى إذا ما وجدنه ... صدرن وهنّ المسلمات الكرائم «٧»
فاستحيا منه عبد الملك، وقضى حوائجه ووصله.
وقال آخر في هذا المعنى:
تعطّلن إلا من محاسن أوجه ... فهنّ حوال في الصفات عواطل «٨»
كواس عوار صامتات نواطق ... بعفّ الكلام باخلات بواذل «٩»
برزن عفافا واحتجبن تستّرا ... وشيب بحقّ القول منهنّ باطل «١٠»
стр. 104
فذو الحلم مرتاد وذو الجهل طامع ... وهنّ عن الفحشاء حيد نواكل «١»
وقال العديل بن الفرخ فيما يتطرف طرفا من هذا المعنى:
لعب النعيم بهنّ في أطلاله ... حتى لبسن زمان عيش غافل «٢»
يأخذن زينتهنّ أحسن ما ترى ... فإذا عطلن فهنّ غير عواطل
وإذا خبأن خدودهن أريننى ... حدق المها وأخذن نبل القاتل «٣»
يرميننا لا يستترن بجنّة ... إلا الصّبا وعلمن أين مقاتلى «٤»
يلبسن أردية الشباب لأهلها ... ويجرّ باطلهنّ ذيل الباطل
وتعرّض لعبد الله بن الحسن رجل بما يكره، فقال فيما أنشده ثعلب:
أظنّت سفاها من سفاهة رأيها ... أن اهجوها لما هجتنى محارب «٥»
فلا وأبيها إننى بعشيرتى ... ونفسى عن ذاك المقام لراغب «٦»
وأنشد هذين البيتين أبو العباس المبرّد لرجل لم يسمّه في رجل يعرف بابن البعير، وقبلهما:
يقولون أبناء البعير وما لهم ... سنام ولا في ذروة المجد غارب «٧»
وساير عبد الله بن الحسن أبا العباس السفاح بظهر مدينة الأنبار وهو ينظر إلى بناء قد بناه أبو العباس ويدور به، فأنشد عبد الله:
ألم تر جوشنا لما تبنّى ... بناء نفعه لبنى بقيله
يؤمّل أن يعمّر عمر نوح ... وأمر الله يحدث كلّ ليله
وكان أبو العباس له مكرما، ولحقّه معظّما؛ فتبسّم مغضبا، وقال: لو علمنا
стр. 105
لاشترطنا حقّ المسايرة! فقال عبد الله: بوادر الخواطر، وأغفال المسانح؛ والله ما قلتها عن رويّة، ولا عارضنى فيها فكر؛ وأنت أجلّ من أقال، وأولى من صفح، قال: صدقت؛ خذ في غير هذا.
ولما قتل المنصور ابنه محمدا- وكان عبد الله في السجن- بعث برأسه إليه مع الربيع حاجبه؛ فوضع بين يديه، فقال: رحمك الله أبا القاسم فقد كنت من «الّذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، والّذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل، ويخشون ربّهم ويخافون سوء الحساب» ! ثم تمثل:
فتى كان يحميه من الذلّ سيفه ... ويكفيه سوءات الأمور اجتنابها
ثم التفت إلى الربيع فقال له: قل لصاحبك قد مضى من بؤسنا مدة، ومن نعيمك مثلها؛ والموعد الله تعالى! قال الربيع: فما رأيت المنصور قطّ أكثر انكسارا منه حين أبلغته الرسالة «١» .
أخذ العباس بن الأحنف «٢» هذا المعنى، وقيل: عمارة بن عقيل بن بلال ابن جرير»
فقال:
فإن تلحظى حالى وحالك مرة ... بنظرة عين عن هوى النفس تحجب
تجد كلّ يوم مرّ من بؤس عيشتى ... يمرّ بيوم من نعيمك يحسب
ولما قتل المنصور محمد بن عبد الله اعترضته امرأة معها صبيان، فقالت:
يا أمير المؤمنين، أنا امرأة محمد بن عبد الله، وهذان ابناه، أيتمهما سيفك، وأضرعهما خوفك «٤» . فناشدتك الله يا أمير المؤمنين أن تصعّر لهما خدّك،
стр. 106
أو ينأى عنهما رفدك «١» ؛ ولتعطفك عليهما شوابك النسب، وأواصر الرّحم «٢» فالتفت إلى الربيع، فقال: اردد عليهما ضياع أبيهما، ثم قال: كذا والله أحبّ أن تكون نساء بنى هاشم.
وكان أهل المدينة لما ظهر محمد أجمعوا على حرب المنصور، ونصر محمد؛ فلما ظفر المنصور أحضر جعفر بن محمد بن على بن الحسين الصادق، فقال له:
قد رأيت إطباق أهل المدينة على حربى، وقد رأيت أن أبعث إليهم من يغوّر عيونهم «٣» ، ويجمّر نخلهم «٤» . فقال له جعفر: يا أمير المؤمنين؛ إنّ سليمان أعطى فشكر، وإنّ أيوب ابتلى فصبر، وإنّ يوسف قدر فغفر؛ فاقتد بأيّهم شئت، وقد جعلك الله من نسل الذين يعفون ويصفحون، فقال أبو جعفر:
إنّ أحدا لا يعلّمنا الحلم، ولا يعرّفنا العلم، وإنما قلت هممت، ولم ترنى فعلت؛ وإنك لتعلم أن قدرتى عليهم تمنعنى من الإساءة إليهم.
وعزّى جعفر بن محمد رجلا، فقال: أعظم بنعمة في مصيبة جلبت أجرا وأفظع بمصيبة في نعمة أكسبت كفرا هذا كقول الطائى:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلى الله بعض القوم بالنّعم
وكان جعفر بن محمد يقول: إنّى لأملق أحيانا فأتاجر الله بالصدقة فيربحنى.
وقال جعفر ﵁: من تخلّق بالخلق الجميل وله خلق سوء أصيل فتخلّقه لا محالة زائل، وهو إلى خلقه الأوّل آيل، كطلى الذهب على النحاس ينسحق وتظهر صفرته للناس.
وهذا كقول العرجى:
يأيها المتحلّى غير شيمته ... ومن خلائقه الإقصار والملق «٥»
стр. 107
ارجع إلى خلقك المعروف وارض به ... إنّ التخلق يأتى دونه الخلق «١»
وكان يقول: ما توسّل إلىّ أحد بوسيلة هي أقرب إلىّ من يد سبقت منى إليه أتبعها أختها لتحسن ربّها وحفظها «٢» ؛ لأنّ منع الأواخر يقطع لسان الأوائل.
وقيل لجعفر ﵀: إنّ أبا جعفر المنصور لا يلبس مذ صارت إليه الخلافة إلّا الخشن، ولا يأكل إلا الجشب «٣» . فقال: يا ويحه! مع ما مكّن له من السلطان، وجبى إليه من الخراج! قالوا: إنما يفعل ذلك بخلا وجمعا للمال.
فقال: الحمد لله الذى حرمه من دنياه ما ترك له من دينه. انتهى.
قال: ومن دعاء جعفر ﵁: اللهم إنك بما أنت أهل له من العفو أولى بما أنا أهل له من العقوبة.
وكان عبد الله [بن معاوية بن عبد الله] بن جعفر عالما، ناسبا، وكان خطيبا مفوها، وشاعرا مجيدا، وكتب إلى بعض إخوانه:
أما بعد، فقد عاقنى الشكّ في أمرك عن عزيمة الرّأى فيك، وذلك أنك ابتدأتنى بلطف عن غير خبرة؛ ثم أعقبتنى جفاء عن غير جريرة؛ فأطمعنى أوّلك فى إخائك، وأيأسنى آخرك عن وفائك؛ فلا أنا في غير الرجاء مجمع لك اطّراحا، ولا أنا في غد وانتظاره منك على ثقة؛ فسبحان من لو شاء كشف بإيضاح الشكّ في أمرك عن عزيمة الرأى فيك؛ فاجتمعنا على ائتلاف، أو افترقنا على اختلاف، والسلام.
وهو القائل:
رأيت فضيلا كان شيئا ملفّعا ... فكشّفه التمحيص حتى بدا ليا «٤»
стр. 108
فأنت أخى ما لم تكن لى حاجة ... فإن عرضت أيقنت أن لا أخاليا
كلانا غنىّ عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا
فلا زاد ما بينى وبينك بعد ما ... بلوتك في الحاجات إلّا تماديا
فعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أنّ عين السخط تبدى المساويا
والقائل أيضا:
لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوما على الأحساب نتّكل
نبنى كما كانت أوائلنا ... تبنى ونفعل مثل ما فعلوا
وهذا كقول عامر بن الطفيل، قال أبو الحسن على بن سليمان الأخفش:
أنشدنى محمد الحسن بن الحرون لعامر بن الطفيل «١» :
تقول ابنة العمرىّ: مالك بعد ما ... أراك صحيحا كالسليم المعذّب «٢»
فقلت لها: همّى الذى تعرفينه ... من الثّأر في حيّى زبيد وأرحب
إن اغز زبيدا أغز قوما أعزّة ... مركّبهم في الحىّ خير مركب
وإن أغز حيّى خثعم فدماؤهم ... شفاء وخير الثّأر للمتأوّب «٣»
فما أدرك الأوتار مثل محقّق ... بأجرد طاو كالعسيب المشذّب «٤»
стр. 109
وأسمر خطىّ وأبيض باتر ... وزغف دلاص كالغدير المثوّب «١»
وإنى وإن كنت ابن سيد عامر ... وفي السرّ منها والصّريح المهذّب
فما سوّدتنى عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب
ولكننى أحمى حماها، وأتقى ... أذاها، وأرمى من رماها بمنكب
وقال أيضا يهنّىء بعض الهاشميين بإملاك «٢» : زاد الله في نعمته، وبارك فى فواضله، وجميل نوافله؛ ونسأل الله- الذى قسم لكم ما تحبّون من السرور- أن يجنّبكم ما تكرهون من المحذور، ويجعل ما أحدثه لكم زينا، ومتاعا حسنا، ورشدا ثابتا، ويجعل سبيل ما أصبحت عليه، تماما لصالح ما سموت إليه؛ من اجتماع الشّمل، وحسن موافقة الأهل؛ ألّف الله ذلك بالصلاح، وتممه بالنجاح، ومدّ لك في ثروة العدد، وطيب الولد، مع الزيادة في المال، وحسن السلامة في الحال، وقرّة العين، وصلاح ذات البين.
وهجا أبو عاصم محمد بن حمزة الأسلمى المدنى الحسن بن زيد بن الحسين «٣» بن على ابن أبى طالب رحمة الله عليه، فقال:
له حقّ وليس عليه حقّ ... ومهما قال فالحسن الجميل
وقد كان الرسول يرى حقوقا ... عليه لغيره وهو الرسول
فلما ولى الحسن المدينة أتاه متنكّرا في زى الأعراب، فقال:
ستأتى مدحتى الحسن بن زيد ... وتشهد لى بصفّين القبور «٤»
قبور لم تزل مذ غاب عنها ... أبو حسن تعاديها الدهور
قبور لو بأحمد أو علىّ ... يلوذ مجيرها حمى المجير
هما أبواك من وضعا فضعه ... وأنت برفع من رفعا جدير
стр. 110
فقال: من أنت؟ قال: أنا الأسلمى. قال: ادن حيّاك الله! وبسط له رداءه، وأجلسه عليه، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
وكان الحسن بن زيد قد عوّد داود بن سلم مولى بنى تيم أن يصله، فلما مدح داود جعفر بن سليمان بن على- وكان بينه وبين الحسن بن زيد تباعد- أغضبه ذلك «١» ، وقدم الحسن من حجّ أو عمرة، فدخل عليه داود بن سلم مهنئا، فقال:
أنت القائل في جعفر بن سليمان بن على:
وكنا حديثا قبل تأمير جعفر ... وكان المنى في جعفر أن يؤمّرا «٢»
حوى المنبرين الطاهرين كليهما ... إذا ما خطا عن منبر أمّ منبرا «٣»
كأن بنى حوّاء صفّوا أمامه ... فخيّر في أنسابهم فتخيّرا
فقال داود: نعم، جعلنى الله فداك، فكنتم خيرة اختياره! وأنا القائل:
لعمرى لئن عاقبت أو جدت منعما ... بعفو عن الجانى وإن كان معذرا «٤»
لأنت بما قدمت أولى بمدحة ... وأكرم فخرا إن فخرت وعنصرا
هو الغرة الزهراء من فرع هاشم ... ويدعو عليا ذا المعالى وجعفرا «٥»
وزيد الندى والسبط سبط محمد ... وعمّك بالطّفّ الزكىّ المطهّرا
وما نال منها جعفر غير مجلس ... إذا ما نفاه العزل عنه تأخرا «٦»
بحقكم نالوا ذراها وأصبحوا ... يرون به عزّا عليكم ومظهرا
فعادله الحسن بن زيد إلى ما كان عليه، ولم يزل يصله ويحسن إليه إلى أن مات.
следующие страницы →