← Адаб

Адаб · id 10768

زهر الآداب وثمر الألباب

الحصري القيرواني

Полный текст (1 141 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أنّى ولم ترها تهذى! فقلت لهم: ... إنّ الفؤاد يرى مالا يرى البصر وقال: يزهّدنى في حبّ عبدة معشر ... قلوبهم فيها مخالفة قلبى فقلت: دعوا قلبى وما اختار وارتضى ... فبالقلب لا بالعين يبصر ذو الّلبّ وما تبصر العينان في موضع الهوى ... ولا تسمع الأذنان إلا من القلب وقد قال أبو يعقوب الخريمى في هذا المعنى، وكان قد أعور ثم عمى، وقيل: إنها للخليل بن أحمد: قالت أتهز أبى غداة لقيتها ... يا للرجال لصبوة العميان فأجبتها: نفسى فداؤك إنما ... أذنى وعينى في الهوى سيّان وقريب من هذا قول الحكم بن قنبر، وإن لم يكن منه: إن كنت لست معى قالذكر منك معى ... يرعاك قلبى وإن غيّبت عن بصرى العين تبصر من تهوى وتفقده ... وناظر القلب لا يخلو من النظر وقال آخر: أما والّذى لو شاء لم يخلق الهوى ... لئن غبت عن عينى فما غبت عن قلبى ترينيك عين الوهم حتى كأننى ... أناجيك من قرب وإن لم تكن قربى «١» وقال أبو عثمان سعيد بن الحسن الناجم: لئن كان عن عينىّ أحمد غائبا ... فما هو عن عين الضمير بغائب له صورة في القلب لم يقصها النوى ... ولم تتخطّفها أكفّ النوائب

стр. 177

إذا ساءنى منه شحوط مزاره ... وضاقت بقلبى في نواه مذاهبى «١» عطفت على شخص له غير نازح ... محلّته بين الحشا والتّرائب «٢» وذكر أبو عبيدة كيسان مستمليه في بعض الأمر، فقال: ما فهم، ولو فهم لوهم «٣» . وكان كيسان يوصف بالبلادة والغفلة. قال الجاحظ: كان يكتب غير ما يسمع، ويستقنى غير ما يكتب، ويقرأ غير ما يستفتى «٤» ، ويملى غير ما يقرأ، أمليت عليه يوما: عجبت لمعشر عدلوا ... بمعتمر أبا عمر فكتب أبا بشر، وقرأ أبا حفص، واستقنى أبا زيد. قال أبو عباد: للمحدث على جليسه، السامع لحديثه، أن يجمع له باله، ويصغى إلى حديثه، ويكتم عليه سرّه، ويبسط له عذره. وقال: ينبغى للمحدث إذا أنكر عين السامع أن يستفهمه عن معنى حديثه، فإن وجده قد أخلص له الاستماع أتم له الحديث، وإن كان لاهيا عنه حرمه حسن الإقبال عليه، ونفع المؤانسة له، وعرفه بسوء الاستماع والتقصير في حق المحدث. وقال: نشاط المحدّت على قدر فهم المستمع. وكان عبد الله بن مسعود «٥» ﵁! - يقول: حدّث الناس ما حدّجوك بأسماعهم «٦» ، ولحظوك بأبصارهم، فإذا رأيت منهم فتورا فأمسك. وقال أبو الفتح البستى: إذا أحسست في لفظى فتورا ... وحفظى والبلاغة والبيان

стр. 178

فلا ترتب بفهمى إنّ رقصى ... على مقدار إيقاع الزّمان وقال عامر بن عبد قيس: الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان. وقال الحسن- وقد سمع متكلّما يعظ فلم تقع موعظته من قلبه ولم يرقّ لها-: يا هذا؛ إن بقلبك لشرّا، أو بقلبى! وقال محمد بن صبيح المعروف بابن السماك لجاريته: كيف ترين ما أعظ الناس به؟ قالت: هو حسن، إلا أنك تكرره، قال: إنما أكرّره ليفهمه من لم يكن فهمه، قالت: إلى أن يفهمه البطىء يثقل على سمع الذكى. واستعيد ابن عباس حديثا فقال: لولا أنى أخاف أن أغضّ من بهائه، وأريق من مائه، وأخلق من جدّة روائه، لأعدته. وقال أبو تمام الطائى يصف قصائده: منزّهة عن السّرق المؤدّى ... مكرّمة عن المعنى المعاد أخذه البحترى فقال: لا يعمل اللّفظ المكرّر فيه واللفظ المردّد والإطالة مملولة كما يملّ التكرير. وقد قال الحسن بن سهل: الآداب عشرة؛ فثلاثة شهرجانية، وثلاثة أنوشروانية، وثلاثة عربيّه، وواحدة أربت عليهن؛ فأما الشهرجانية فضرب العود، ولعب الشطرنج، ولعب الصّوالج. وأما الأنوشروانية فالطّب، والهندسة، والفروسية. وأما العربية فالشّعر، والنّسب، وأيام الناس. وأما الواحدة التي أربت عليهنّ: فمقطعات الحديث، والسمر، وما يتلقّاه الناس بينهم في المجالس. وكان يقال: خذ من العلوم نتفها، ومن الآداب طرفها. وكان يقال: مقطّعات الأدب، قراضات الذهب.

стр. 179

وحضر بشار بن برد مجلسا فقال: لا تجعلوا مجلسنا غناء كلّه، ولا شعرا كله، ولا سمرا كله، ولكن انتهبوه انتهابا. وقال الحسن ﵀: حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدّثور، واقدعوا «١» هذه الأنفس فإنها طلعة «٢» ؛ وإنكم إلّا تزعوها «٣» تنزع بكم إلى شرّ غاية. وقال أزدشير بن بابك: إن للأذهان كلالا، وللقلوب ملالا، ففرّقوا بين الحكمتين يكن ذلك استجماما. ويروى في حكمة آل داود: لا ينبغى للعاقل أن يخلى نفسه من أربع: عدّة لمعاده، وصلاح لمعاشه، وفكر يقف به على ما يصلحه من فساده، ولذة في غير محرّم يستعين بها على الحالات الثلاث. وما أحسن ما قال أبو الفتح بن كشاجم «٤» : عجبى ممّن تناهت حاله ... وكفاه الله ذلّات الطلب كيف لا يقسم شطرى عمره ... بين حالين نعيم وأدب؟ ساعة يمتع فيها نفسه ... من غذاء وشراب منتخب ودنوّ من دمى هنّ له ... حين يشتاق إلى اللّعب لعب «٥» فإذا ما نال من ذا حظّه ... فحديث ونشيد وكتب مرة جدّ، وأخرى راحة ... فإذا ما غسق الليل انتصب فقضى الدنيا نهارا حقّها ... وقضى لله ليلا ما وجب

стр. 180

تلك أقسام متى يعمل بها ... دهره يسعدو يرشد ويصب وقال أبو العباس محمد بن يزيد: قسّم كسرى أيامه فقال: يصلح يوم الريح للنوم، ويوم الغيم للصيد، ويوم المطر للشرب واللهو، ويوم الشمس لقضاء الحوائج. قال الحسن بن خالويه «١» : ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم، يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، ولكن نبيّنا ﷺ قد جزّأ نهاره ثلاثة أجزاء: جزء لله، وجزء لأهله، وجزء لنفسه، ثم جزء جزأه بينه وبين الناس؛ فكان يستعين بالخاصّة على العامة، وكان يقول: أبلغونى حاجة من لا يستطيع إبلاغى؛ فانه من أبلغ [ذا سلطان] حاجة من لا يستطيع إبلاغها آمنه الله تعالى يوم الفزع الأكبر. [عود إلى الإطالة والإيجاز] وقال شبيب بن شيبة «٢» : إن ابتليت بمقام لابد لك فيه من الإطالة فقدّم إحكام البلوغ في طلب السلامة من الخطل، قبل التقدّم من إحكام البلوغ في

стр. 181

شرف التّجويد؛ ثم إياك أن تعدل بالسلامة شيئا، فقليل كاف خير لك من كثير غير شاف. وكان جعفر بن يحيى يقول لكتّابه: إن استطعتم أن يكون كلامكم كلّه مثل التوقيع فافعلوا. وقال ثمامة بن أشرس: لم أرقط أنطق من جعفر بن يحيى بن خالد، وكان صاحب إيجاز. وكان أبو وائلة إياس بن معاوية- على تقدّمه في البلاغة، وفضل عقله وعلمه- بالإكثار معيبا، وإلى التطويل منسوبا، وقال له عبد الله بن شبرمة: أنا وأنت لا نتفق، أنت لا تشتهى أن تسكت، وأنا لا أشتهى أن أسمع. وقيل له: ما فيك عيب إلا كثرة كلامك، قال: أفتسمعون صوابا أم خطأ؟ قالوا: بل صوابا، قال: فالزيادة في الخير خير. قال الجاحظ: وليس كما قال، بل للكلام غاية، ولنشاط السامعين نهاية، وما فضل عن مقدار الاحتمال، ودعا إلى الاستثقال والكلال؛ فذلك هو الفضال «١» والهذر والخطل والإسهاب الذى سمعت الخطباء يعيبونه. وذكر الأصمعى أن ابن هبيرة لما أراد إياسا على القضاء قال: إنى والله لا أصلح له، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنّى دميم حديد، ولأنى عيىّ، قال ابن هبيرة: أما الحدّة فإن السّوط يقوّمك؛ وأما العىّ فقد عبّرت عما تريد؛ وأما الدّمامة فإنى لا أريد أن أحاسن بك. ولم يصفه أحد بالعىّ، وإنما كان يعاب بالإكثار، ولكنه أراد المدافعة عن نفسه والحديث ذو شجون «٢» .

стр. 182

قال أبو العيناء، ذكرت لبعض القيان فعشقتنى على السماع، فلما رأتنى استقبحتنى، فقلت: وشاطرة لما رأتنى تنكّرت ... وقالت: قبيح أحول ما له جسم فإن تنكرى منى أحولا لا فإنّنى ... أديب أريب لا عيىّ ولا فدم «١» [فاتصل بها الشعر،] فكتبت إلى: إنّا لم نرد أن نولّيك ديوان الزمام! وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كتب إلى عدى بن أرطاة «٢» : إن قبلك رجلين من مزينة- يعنى بكر بن عبد الله، وإياس بن معاوية- فولّ أحدهما قضاء البصرة؛ فأحضرهما، فقال بكر: والله ما أحسن القضاء؛ فإن كنت صادقا فما تحلّ توليتى، وإن كنت كاذبا فذلك أوجب لتركى، فقال إياس: نكم وقفتموه على شفير جهنّم، فافتدى منها بيمين يكفرها، ويستغفر الله تعالى امنها، فقال له عدىّ: أما إذ اهتديت لها فأنت أحقّ بها، فولّاه. ودخل إياس الشام وهو غلام صغير، فقدّم خصما له إلى بعض القضاة، وكان الخصم شيخا، فصال عليه إياس بالكلام، فقال له القاضى: خفّض عليك فإنه شيخ كبير، قال: الحقّ أكبر منه، قال: اسكت! قال: فمن ينطق بحجّتى؟ قال: ما أراك تقول حقّا، قال: لا إله إلا الله! فدخل القاضى على عبد الملك فأخبره؛ فقال: اقض حاجته الساعة وأخرجه من الشام لا يفسد أهلها «٣» ! وقال أحمد بن الطيب السّرخسى تلميذ يعقوب بن إسحاق الكندى «٤» :

стр. 183

كنت يوما عند العباس بن خالد، وكان ممن حبّب الله إليه أن يتحدّث، فأخذ يحدّثنى، وينتقل من حديث إلى حديث، وكنا في صحن له، فلما بلغتنا الشمس انتقلنا إلى موضع آخر، حتى صار الظلّ فيئا؛ فلما أكثر وأضجر، ومللت حسن الأدب في حسن الاستماع، وذكرت قول الأوزاعى: إن حسن الاستماع قوة للمحدث، قلت له: إذا كنت وأنا أسمع قد عييت مما لا كلفة علىّ فيه، فكيف أراك وأنت المتكلم؟ فقال: إنّ الكلام يحلّل الفضول اللّزجة الغليظة التي تعرض فى اللهوات وأصل اللسان ومنابت الأسنان، فوثبت وقلت: لا أرانى معك اليوم إلا «إيارج الفيقرا» ؛ فأنت تتغر غربى! فاجتهد في أن أجلس فلم أفعل. قال أحمد بن الطيب: كنا مرّة عند بعض إخواننا، فتكلّم وأعجبه من نفسه البيان، ومنّا حسن الاستماع، حتى أفرط، فعرض لبعض من حضر ملل، فقال: إذا بارك الله في الشىء لم يفن، وقد جعل الله تعالى في حديث أخينا البركة!. ولعبد الله بن سالم الخياط في رجل كثير الكلام: لى صاحب في حديثه البركه ... يزيد عند السكون والحركه لو قال لا في قليل أحرفها ... لردّها بالحروف مشتبكه ومن طرائف التطويل ما أنشأه البديع، وسيمرّ من كلامه ما هو آنق من زهر الربيع. [الملح] قال الأصمعى: بالعلم وصلنا، وبالملح نلنا، وقال الأصمعى أيضا: أنشدت محمد بن عمران قاضى المدينة، وكان أعقل من رأيته: يأيها السائل عن منزلى ... نزلت في الخان على نفسى

стр. 184

يغدو علىّ الخبز من خابز ... لا يقبل الرّهن ولا ينسى «١» آكل من كيسى ومن كسرتى ... حتى لقد أوجعنى ضرسى فقال: اكتب لى هذه الأبيات، فقلت: أصلحك الله! هذا لا يشبه مثلك، وإنما يروى مثل هذا الأحداث، فقال: اكتبها فالأشراف تعجبهم الملح. وقد قال أبو الدّرداء رحمه الله تعالى: إنى لأستجمّ نفسى ببعض الباطل، ليكون أقوى لها على الحقّ. [وقال ابن مسعود ﵀: القلوب تمل كما تمل الأبدان، فاطلبوا لها طرائف الحكمة] . وقال ابن الماجشون: لقد كنّا بالمدينة وإن الرجل ليحدّثنى بالحديث من الفقه فيمليه علىّ، ويذكر الخبر من الملح فأستعيده فلا يفعل، ويقول: لا أعطيك ملحى، وأهبك ظرفى وأدبى. وقال ابن الماجشون: إنى لأسمع بالكلمة المليحة ومالى إلا قميص واحد؛ فأدفعه إلى صاحبها، وأستكسى الله . وقال الزبير بن بكار «٢» : رؤى الغاضرىّ ينازع أشعب الطمع عند بعض الولاة، ويقول: أصلح الله الأمير! إنّ هذا يدخل علىّ في صناعتى، ويطلب مشاركتى في بضاعتى، وهيأته هيأة قاض، والأمير يضحك، وكانا جميعا فرسى رهان ورضيعي لبان في بيانهما؛ إلا أنّ الغاضرى [كان] لا يتخلّق بالطّمع تخلّق أشعب. وأتى الغاضرىّ يوما الحسن بن زيد فقال: جعلت فداك! إنى عصيت الله ورسوله، قال: بئس ما صنعت! وكيف ذلك؟ قال: لأن رسول الله صلى الله

стр. 185

عليه وسلم قال: لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة، وأنا أطعت امرأتى، فاشتريت غلاما فهرب. قال الحسن: فاختر واحدة من ثلاث: إن شئت فثمن الغلام، قال: بأبى أنت! قف عند هذه ولا تتجاوزها! قال: أعرض عليك الخصلتين، قال: لا، حسبى هذه. وقد روى نحو هذا عن أشعب، أنه قال له بعض إخوانه: لو صرت إلىّ العشيّة نتفرج؟ قال: أخاف أن يجىء ثقيل، قلت: ليس معنا ثالث، فمضى معى، فلمّا صلينا الظهر ودعوت بالطعام، فإذا بداقّ يدقّ الباب، قال: ترى أن قد صرنا إلى ما نكره، قلت له: إنه صديق، وفيه عشر خصال إن كرهت واحدة منهن لم آذن له، قال: هات، قلت: أولها أنه لا يأكل ولا يشرب، فقال: التسع لك! قل له يدخل! ورأى سفيان الثّورى «١» الغاضرىّ وهو يضحك الناس؛ فقال: يا شيخ أو ما علمت أن لله يوما يخسر فيه المبطلون؟ فوجم الغاضرى، وما زال ذاك يعرف فيه حتى لقى الله . وأشعب الطّمع هو أشعب بن جبير، مولى عبد الله بن الزبير، وكان أحلى الناس، قال الزبير بن أبى بكر: كان أهل المدينة يقولون: تغيّر كلّ شىء إلا ملح أشعب، وخبز أبى الغيث، ومشية برّة «٢» ؛ وكان أبو الغيث يعالج الخبز بالمدينة، وبرّة بنت سعيد بن الأسود كانت من أجمل النساء وأحسنهنّ مشية، وأشعب يضرب به المثل في الطّمع، وكان أشعب قد نشأ في حجر عائشة

стр. 186

بنت عثمان- رحمها الله! - مع أبى الزناد «١» ، قال أشعب: فلم يزل يعلو وأنحطّ حتى بلغنا الغاية. وقال أشعب: أسلمتنى أمى إلى بزّاز، فسألتنى بعد سنة، أين بلغت؟ فقلت: فى نصف العمل، قالت: وكيف؟ قلت: تعلمت النّشر وبقى الطّىّ، قالت: أنت لا تفلح. وسألته صديقة له خاتما، فقالت: أذكرك به، قال: اذكرى أنك سألتنى ومنعتك! وقيل له: كم كان أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر؟ قال: ثلاثمائة عشر درهما! ثم تنسّك في آخر عمره، وغزا ومات على خير، رحمه الله تعالى!. وقيل لأشعب: أرأيت أطمع منك؟ قال: نعم، كلبة آل فلان، رأت رجلين يمضغان علكا «٢» ، فتبعتهما فرسخين تظنّ أنهما يأكلان شيئا. وأهدى رجل من ولد عامر بن لؤى إلى إسماعيل الأعرج قالوذجة وأشعب حاضر، فقال: كل يا أشعب، فأكل منها؛ فقال: كيف تراها؟ فقال: عليه الطلاق إن لم تكن عملت قبل أن يوحى ربّك إلى النّحل! أى: ليس فيها حلاوة «٣» . وروى أبو هفان قال: دخل أبو نواس الحسن بن هانىء على يحيى بن خالد فقال له: أنشدنى بعض ما قلت، فأنشده: إنى أنا الرجل الحكيم بطبعه ... ويزيد في علمى حكاية من حكى أتتبّع الظّرفاء أكتب عنهم ... كيما أحدّث من أحبّ فيضحكا

стр. 187

فقال له يحيى [بن خالد] : إن [أول] زندك ليورى بأوّل قدحة، فقال ارتجالا في معنى قول يحيى: أما وزند أبى علىّ إنه ... زند إذا استوريت سهل قدحكا إنّ الإله لعلمه بعباده ... قد صاغ جدّك للسماح ومنحكا تأبى الصنائع همّتى وقريحتى ... من أهلها وتعاف إلّا مدحكا ووصف أبو عبد الله الجماز أبا نواس فقال: كان أظرف النّاس منطقا، وأغزرهم أدبا، وأقدرهم على الكلام، وأسرعهم جوابا، وأكثرهم حياء، وكان أبيض اللّون، جميل الوجه، مليح النغمة والإشارة، ملتفّ الأعضاء، بين الطويل والقصير، مسنون الوجه «١» ، قائم الأنف، حسن العينين والمضحك «٢» ، حلو الصّورة، لطيف الكفّ والأطراف؛ وكان فصيح اللسان، جيّد البيان، عذب الألفاظ، حلو الشمائل، كثير النوادر، وأعلم الناس كيف تكلمت العرب، راوية للأشعار، علّامة بالأخبار، كأن كلامه شعر موزون. وأقبل أبو شراعة العبسى، والجمّاز في حديثه، وكان أقبح الناس وجها، وكانت يد أبى شراعة كأنها كربة نخل «٣» ؛ فقال الجماز: فلو كانت أطرافه على أبى شراعة لتمّ حسنه؛ فغضب أبو شراعه وانصرف يشتمه. والجماز هو: أبو عبد الله محمد بن عمرو بن حماد بن عطاء بن ياسر، وكانوا يزعمون أنّهم من حمير، نالهم سباء في خلافة أبى بكر، ﵁، وهم مواليه، وسلم الخاسر عمه «٤» ، وكان الجماز من أحلى الناس حكاية، وأكثرهم نادرة. قال بعض جلساء المتوكّل: كنا نكثر عند المتوكل ذكر الجماز حتى

стр. 188

اشتاقه، فكتب في حمله إليه، فلما دخل أفحم، فقال له المتوكل: تكلّم فإنّى أريد أن أستبرئك، فقال: بحيضة أو بحيضتين يا أمير المؤمنين؟ فقال له الفتح «١» : قد كلّمت أمير المؤمنين يولّيك على القرود والكلاب! قال: أفلست سامعا مطيعا؟ فضحك المتوكل وأمر له بعشرة آلاف درهم وكان لا يدخل بيته أكثر من ثلاثة لضيقه؛ فدعا ثلاثة، فجاءه ستّة، وقرعوا الباب، ووقفوا على رجل رجل فعدّ أرجلهم من خلف الباب؛ فلما حصلوا عنده، قال: اخرجوا عنى، فإنما دعوت ناسا ولم أدع كراكيّ. وقال الطائى في عمرو بن طوق التغلبى: الجدّ شيمته، وفيه فكاهة ... سجح ولا جدّ لمن لم يلعب «٢» شرس، ويتبع ذاك لين خليقة ... لا خير في الصّهباء ما لم تقطب «٣» وقال في الحسن بن وهب: لله أيام خطبنا لينها ... فى ظلّه بالخندريس السّلسل «٤» بمدامة نغم السماع خفيرها ... لا خير في المعلول غير معلّل «٥» يغشى عليها وهو يجلو مقلتى ... باز، ويغفل وهو غير مغفّل لا طائش تهفو خلائقه، ولا ... خشن الوقار كأنّه في محفل فكه يجمّ الجدّ أحيانا، وقد ... ينضى ويهزل عيش من لم يهزل وقال فيه: ولقد رأيتك والكلام لآلىء ... توم فبكر في النّظام وثيّب «٦» وكأن قسّا في عكاظ يخطب ... وابن المقفّع في اليتيمة يسهب «٧»

стр. 189

وكأنّ ليلى الأخيلية تندب ... وكثير عزة يوم بين ينسب يكسو الوقار ويستخفّ موقرا ... طورا فيبكى سامعيه ويطرب وقال أبو الفتح البستى: أفد طبعك المكدود بالهمّ راحة ... براح، وعلّله بشىء من المزح ولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بمقدار ما نعطى الطعام من الملح [المزاح] وما زال الأشراف يمزحون، ويسمحون بما لا يقدح في أديانهم، ولا يغضّ من مروءاتهم. وقال النبى ﷺ : بعثت بالحنيفية السّمحة. وقال: إنى لأمزح ولا أقول إلا حقّا. وقيل لسعيد بن المسيّب «١» : إنّ قوما من أهل العراق لا يرون إنشاد الشعر فقال: لقد نسكوا نشكا أعجميّا. وقيل لابن سيرين: إنّ قوما يزعمون أن إنشاد الشعر ينقض الوضوء، فأنشد: لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزا ... ولو رضيت رشح استه لاستقرّت «٢» وقام يصلّى! وقيل: بل أنشد: أنبئت أنّ عجوزا جئت أخطبها ... عرقوبها مثل شهر الصّوم في الطّول [النسيب] وقيل لأبى السائب المخزومى: أترى أحدا لا يشتهى النسيب؟ فقال: أما من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا.

стр. 190

وروى مصعب بن عبد الله الزبيرى «١» عن عروة بن عبيد الله بن عروة الزبيرى قال: كان عروة بن أذينة «٢» نازلا في دار أبى بالعقيق، فسمعته ينشد لنفسه: إنّ التي زعمت فؤادك ملّها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها فيك الذى زعمت بها، وكلا كما ... أبدى لصاحبه الصّبابة كلّها ولعمرها لو كان حبّك فوقها ... يوما وقد ضحيت إذن لأظلّها «٣» فإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضمير إلى الفؤاد فسلّها بيضاء باكرها النّعيم فصاغها ... بلباقة فأدقّها وأجلّها «٤» لمّا عرضت مسلّما، لى حاجة ... أخشى صعوبتها، وأرجو ذلّها «٥» منعت تحيّتها فقلت لصاحبى: ... ما كان أكثرها لنا وأقلّها فدنا وقال: لعلّها معذورة ... فى بعض رقبتها، فقلت: لعلّها «٦» قال: فأتانى أبو السائب المخزومى فقلت له بعد التّرحيب به: ألك حاجة.

стр. 191

فقال: نعم أبيات لعروة بلغنى أنك سمعته ينشدها، فأنشدته الأبيات، فلما بلغت قوله: فدنا وقال لعلّها معذورة ... البيت طرب، وقال: هذا والله الدائم الصّبابة، الصادق العهد، لا الذى يقول: إن كان أهلك يمنعونك رغبة ... عنّى فأهلى بى أضنّ وأرغب لقد عدا هذا الأعرابى طوره، وانى لأرجو أن يغفر [الله] لصاحب هذه الأبيات لحسن الظنّ بها، وطلب العذر لها؛ قال: فعرضت عليه الطعام فقال: لا والله ما كنت لأخلط بهذه الأبيات طعاما حتى الليل، وانصرف. وكان أبو السائب غزير الأدب، كثير الطّرب، وله فكاهات مذكورة، وأخبار مشهورة، وكان جدّه يكنى أبا السائب أيضا، وكان خليطا لرسول الله ﷺ ، فكان النبىّ ﷺ إذا ذكره قال: نعم الخليط كان أبو السائب! لا يشارى ولا يمارى «١» واسم أبى السائب عبد الله، وكان أشراف أهل المدينة يستظرفونه ويقدمونه لشرف منصبه، وحلاوة ظرفه. وكان عروة بن أذينة- على زهده، وورعه، وكثرة علمه وفهمه- رقيق الغزل كثيره، وهو القائل: إذا وجدت أوار الحب في كبدى ... أقبلت نحو سقاء القوم أبترد هبنى بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتقّد؟ وقد روى هذان البيتان لغيره

стр. 192

ومرّت به سكينة بنت الحسين بن علىّ بن أبى طالب- ﵃! - فقالت له: أنت الذى تزعم أنّك غير عاشق، وأنت تقول «١» : قالت وأبثثتها سرّى فبحت به ... قد كنت عندى تحبّ السّتر فاستتر ألست تبصر من حولى؟ فقلت لهم ... غطّى هواك وما ألقى على بصرى والله ما خرج هذا من قلب سليم فط. وروى الزّبير عن رجل لم يسمّه، قال: قال لى أبو السائب: أنشدنى للأحوص «٢» فأنشدته: قالت- وقلت: تحرّحى وصلى ... حبل امرىء بوصالكم صبّ-: صاحب إذن بعلى؟ فقلت لها: ... الغدر شىء ليس من ضربى «٣» شيئان لا أدنو لوصلهما ... عرس الخليل وجارة الجنب أمّا الخليل فلست فاجعه ... والجار أوصانى به ربّى عوجا كذا نذكر لغانية ... بعض الحديث مطيّكم صحبى «٤» ونقل لها: فيم الصّدود ولم ... نذنب، بل انت بدأت بالذّنب؟ إن تقبلى نقبل وننزلكم ... منّا بدار السّهل والرّحب أو تهجرى تكدر معيشتنا ... وتصدّعى متلائم الشّعب فقال: هذا والله المحبّ حقا، لا الذى يقول: وكنت إذا حبيب رام هجرى ... وجدت وراى منفسحا عريضا

стр. 193

ثم قال: اذهب، فلا صحبك الله، ولا وسّع عليك «١» ! وخرج أبو حازم يوما يرمى الجمار، فإذا هو بامرأة حاسر «٢» قد فتنت الناس بحسن وجهها، وألهتهم بجمالها، فقال لها: يا هذه، إنك بمشعر حرام، وقد فتنت الناس وشغلتهم عن مناسكهم، فاتقى الله واستترى؛ فإنّ الله يقول في كتابه العزيز: (وليضربن بخمرهنّ على جيوبهنّ) ؛ فقالت: إنى من اللاتى قيل فيهن: أماطت كساء الخزّعن حرّوجهها ... وأرخت على المتنين بردا مهلهلا من الّلاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البرىء المغفّلا «٣» الشعر للحارث بن خالد المخزومى. فقال أبو حازم لأصحابه: تعالوا ندع الله لهذه الصورة الحسنة ألّا يعذبها الله تعالى بالنار! فجعل أبو حازم يدعو وأصحابه يؤمّنون، فبلغ ذلك الشعبى، فقال: ما أرقّكم يأهل الحجاز وأظرفكم! أما والله لو كان من قرى العراق لقال اعزبى عليك لعنة الله! وكان أبو حازم من فضلاء التابعين، وله مقامات جميله من الملوك، وكلام محفوظ يدلّ على فضله وعقله، وهو القائل: كل عمل تكره من أجله الموت فاتركه، ولا يضرك متى متّ. وكان يقول: ما أحببت أن يكون معك غدا فقدّمه اليوم. وكان يقول: إنما بينى وبين الملوك يوم واحد، أما أمس فلا يجدون لذته، وأنا وإياهم من غد على وجل؛ وإنما هو اليوم، فما عسى أن يكون اليوم؟ وقال أبو العتاهية: حتى متى نحن فى الأيام نحسبها ... وإنما نحن فيها بين يومين يوم تولّى، ويوم نحن نأمله ... لعلّه أجلب اليومين للحين «٤»

стр. 194

وروى الزبير بن أبى بكر قال: قدمت امرأة من هذيل المدينة، وكانت جميلة، ومعها ابن لها صغير، وهي أيّم «١» ، فخطبها الناس وأكثروا، فقال فيها عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أحبّك حبّا لا يحبّك مثله ... قريب ولا في العالمين بعيد أحبّك حبّا لو علمت ببعضه ... لجدت ولم يصعب عليك شديد وحبك يا أم العلاء متيّمى ... شهيدى أبو بكر فذاك شهيد ويعلم وجدى القاسم بن محمد ... وعروة ما ألقى بكم وسعيد ويعلم ما أخفى سليمان كلّه ... وخارجة يبدى لنا ويعيد متى تسألى عما أقول فتخبرى ... فللحبّ عندى طارف وتليد فقال له سعيد بن المسيّب: قد أمنت أن تسألنا، ولو سألتنا ما شهدنا لك بزور. وكان عبيد الله أحد الفقهاء السبعة الذين انتهى إليهم علم المدينة، وقد ذكرهم عبيد الله في هذه الأبيات؛ وهم: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ابن المغيرة المخزومى. والقاسم بن [محمد بن] أبى بكر الصديق، وعروة بن الزبير ابن العوام، وسعيد بن المسيب بن حزن، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد ابن ثابت الأنصارى. وقيل لعبيد الله: أتقول الشعر على شرفك؟ فقال: لابد للمصدر أن ينفث «٢» ؛ وعبيد الله هو القائل: شققت القلب ثم ذررت فيه ... هواك فليم والتأم الفطور «٣» تغلغل حبّ عثمة في فؤادى ... فباديه مع الخافى يسير تغلغل حيث لم يبلغ شراب ... ولا حزن ولم يبلغ سرور

стр. 195

أخذه سلم بن عمرو الخاسر فقال: سقتنى بعينيها الهوى وسقيتها ... فدبّ دبيب الخمر في كل مفصل وقال أبو نواس: أحبّ اللوم فيها ليس إلّا ... لترداد اسمها فيها ألام ويدخل حبّها في كل قلب ... مداخل لا تغلغلها المدام» ومنه قول المتنبى: وللسرّ منّى موضع لا يناله ... نديم، ولا يفّضى إليه شراب وقال بعض المحدثين: ما زلت تغوينى وتطلب خلّتى ... حتى حللت بحيث حلّ شرابى «٢» ثم انصرفت بغير جرم كان لى ... ما هكذا الأحباب للأحباب أخذ أبو نواس قوله: «أحب اللوم فيها» ... البيت من قول [أبى محمد] ابن أبى أمية: وحدّثنى عن مجلس كنت زينة ... رسول أمين، والنساء شهود فقلت له ردّ الحديث الذى مضى ... وذكرك من بين الحديث أريد أناشده بالله إلّا أعدته ... كأنى بطىء الفهم عنه بعيد وقول أبى نواس في البيت الأول كقوله: إذا غاديتنى بصبوح لوم ... فممزوجا بتسمية الحبيب فإنى لا أعدّ اللّوم فيها ... عليك، إذا فعلت، من الذنوب ولا أنا إن عمدت أرى جنانا ... وإن ضنت بمبخوس النصيب مقنعة بثوب الحسن ترعى ... بغير تكلّف ثمر القلوب وفي جنان هذه يقول أبو نواس:

стр. 196

يا ذا الذى عن جنان ظلّ يخبرنا ... بالله قل وأعد يا طيّب الخبر قالوا اشتكتك وقالت ما ابتليت به ... أراه من حيث ما أقبلت في أثرى ويرفع الطّرف نحوى إن مررت به ... حتى ليخجلنى من شدة النظر وإن وقفت له كيما يكلّمنى ... فى الموضع الخلو لم ينطق من الحصر «١» ما زال يفعل بى هذا ويدمنه ... حتى لقد صار من همّى ومن وطرى «٢» وفي جنان أيضا يقول أبو نواس، وكان بها صبّا، ولها محبّا: جنان تسبّنى ذكرت بخير ... وتزعم أننى رجل خبيث وأن مودّتى كذب ومين ... وأنى للذى تطوى بثوث «٣» وليس كذا، ولا ردّ عليها، ... ولكنّ الملول هو النّكوث ولى قلب ينازعنى إليها ... وشوق بين أضلاعى حثيث رأت كلفى بها وقديم وجدى ... فمّلتنى، كذا كان الحديث [وكانت جنان مولاة لبعض الثقفيين] . وفي معنى قول ابن أبى أمية يقول العباس بن الأحنف: وحدثتنى يا سعد عنها فزدتنى ... جنونا فزدنى من حديثك يا سعد وأهل المدينة أكثر الناس ظرفا، وأكثرهم طيبا، وأحلاهم مزاجا، وأشدّهم اهتزازا للسماع، وحسن أدب عند الاستماع. وقال عبد الله بن جعفر: إن لى عند السماع هزّة لو سئلت عندها لأعطيت، ولو قاتلت لأبليت. وروى أبو العيناء قال: قال الأصمعى: مررت بدار الزبير بالبصرة، فإذا شيخ قديم من أهل المدينة من ولد الزبير يكنى أبا ريحانة جالس بالباب عليه شملة تستره، فسلّمت عليه، وجلست إليه؛ فبينما أنا كذلك إذ طلعت علينا سويداء

стр. 197

تحمل قربة، فلما نظر إليها لم يتمالك أن قام إليها، فقال لها: بالله غنّى صوتا. فقالت: إن موالىّ أعجلونى، فقال: لا بدّ من ذلك، قالت: أما والقربة على كتفى فلا، قال: فأنا أحملها، فأخذ القربة منها، فاندفعت تغنّى: فؤادى أسير لا يفكّ، ومهجتى ... تفيض، وأحزانى عليك تطول ولى مقلة قرحى لطول اشتياقها ... إليك، وأجفانى عليك همول فديتك، أعدائى كثير، وشقّتى ... بعيد، وأشياعى لديك قليل «١» فطرب وصرخ صرخة، وضرب بالقربة إلى الأرض فشقّها؛ فقامت الجارية تبكى، وقالت: ما هذا بجزائى منك؛ أسعفتك بحاجتك فعرّضتنى لما أكره من موالىّ. قال: لا تغتمى فإنّ المصيبة علىّ حصلت، ونزع الشّملة ووضع يدا من خلف ويدا من قدّام، وباع الشّملة وابتاع لها قربة جديدة، وقعد بتلك الحال؛ فاجتاز به رجل من ولد علىّ بن أبى طالب- رضي الله تعالى عنه! - فعرف حاله، فقال: يا أبا ريحانة! أحسبك من الذين قال الله تعالى فيهم: (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ) . قال: لا يابن رسول الله، ولكنى من الذين قال الله تعالى فيهم: (فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) فضحك، وأمر له بألف درهم. ومرّ بالأوقص المخزومى، وهو قاضى المدينة، سكران [وهو] يتغنّى بليل، فأشرف عليه، وقال: يا هذا، شربت حراما، وأيقظت نياما، وغنّيت خطأ؛ خذه عنى، وأصلح له الغناء. وسمع سعيد بن المسيب منشدا ينشد: فلم تر عينى مثل سرب رأيته ... خرجن من التنعيم معتمرات «٢»

стр. 198

مررن بفخ، ثم رحن عشيّة ... يلبّين للرّحمن مؤتجرات «١» ولما رأت ركب النميرى أعرضت ... وكنّ من أن يلقينه حذرات دعت نسوة شمّ العرانين بزّلا ... نواعم، لا شعثا ولا غبرات «٢» فأبرزن لما قمن يحجبن دونها ... حجابا من القسّىّ والحبرات «٣» تضوّع طيبا بطن نعمان إذ مشت ... به زينب في نسوة عطرات يخبّئن أطراف البنان من التّقى ... ويخرجن شطر الليل معتجرات «٤» فقال سعيد: هذا والله مما يلذّ استماعه، ثم قال: وليست كأخرى وسّعت جيب درعها ... وأبدت بنان الكفّ للجمرات وغالت ببان المسك وحفا مرجّلا ... على مثل بدر لاح في الظّلمات «٥» وقامت تراءى بين جمع فأفتنت ... برؤيتها من راح من عرفات قال: فكانوا يرون أنّ الشعر الثانى له، والأول لمحمد بن عبد الله بن نمير الثقفى يقوله في زينب بنت يوسف أخت الحجاج؛ [وطلبه الحجاج] حتى ظفر به فقال: أنت القائل ما قلت؟ قال: وهل قلت أصلح الله الأمير إلّا: يخبّئن أطراف البنان من التقى ... ويخرجن شطر الليل معتجرات قال له: كم كنتم إذ تقول: ولما رأت ركب النميرى أعرضت

стр. 199

قال: والله ما كنت إلا أنا وصاحب لى على حمار هزيل! فضحك وعفا عنه، وهو القائل: أهاجتك الظّعائن يوم بانوا ... بذى الزّىّ الجميل من الأثاث «١» ظعائن أسلكت في بطن قوّ ... تحثّ إذا رنت أى احتثاث كأنّ على الهوادج يوم بانوا ... نعاجا ترتعى بقل البراث «٢» يهيّجك الحمام إذا تغنّى ... كما سجع النّوادب بالمراثى [من أدب ابن المعتز] وقال ابن المعتز: وعد الدنيا إلى خلف، وبقاؤها إلى تلف، وبعد عطائها المنع، وبعد أمانها الفجع، طوّاحة طرّاحة، آسية جرّاحة، كم راقد في ظلّها قد أيقظته، وواثق بها قد خانته، حتى يلفظ نفسه، ويودّع دنياه، ويسكن رمسه، وينقطع عن أمله، ويشرف على عمله، وقد رجح الموت بحياته «٣» ، ونقض قوى حركاته، وطمس البلى جمال بهجته، وقطع نظام صورته، وصار كخطّ من رماد تحت صفائح أنضاد «٤» ؛ وقد أسامه الأحباب، وافترش التّراب، فى بيت نجرته المعاول «٥» ، وفرشت فيه الجنادل، ما زال مضطربا في أمله، حتى استقرّ فى أجله، ومحت الأيام ذكره، واعتادت الألحاظ فقده. وكتب وهو معتقل إلى أستاذه أبى العباس أحمد بن يحيى ثعلب «٦» يتشوّقه: ما وجد صاد بالحبال موثق ... بماء مزن بارد مصفّق «٧» .

стр. 200

بالرّيح لم يكدر ولم يرنّق ... جادت به أخلاف دجن مطبق «١» بصخرة إن تر شمسا تبرق ... ماد عليها كالزّجاج الأزرق «٢» صريح غيث خالص لم يمذق ... إلّا كوجدى بك، لكن أتقى «٣» يا فاتحا لكل باب مغلق ... وصيرفيا ناقدا للمنطق «٤» إن قال هذا بهرج لم ينفق ... إنّا على البعاد والتفرّق لنلتقى بالذكر إن لم نلتق فأجابه: أخذت أطال الله بقاءك أول هذه الأبيات مما أمليته عليك من قول جميل «٥» : وما صاديات حمن يوما وليلة ... على الماء يخشين العصىّ حوانى كواعب لم يصدرن عنه لوجهة ... ولا هنّ من برد الحياض دوانى يرين حباب الماء والموت دونه ... فهنّ لأصوات السّقاة روانى بأكثر منى غلّة وصبابة ... إليك، ولكنّ العدوّ عرانى وأخذت آخرها من قول رؤبة بن العجاج «٦» :

стр. 201

إنّى وإن لم ترنى فإنّنى ... أخوك والرّاعى إذا استرعيتنى أراك بالودّ وإن لم ترنى قال: فاستخفّنى في ذلك ونسب إلىّ سوء الأدب. وكان أبو العباس عبد الله بن المعتز في المنصب العالى من الشعر والنثر، وفي النهاية في إشراق ديباجة البيان، والغاية من رقّة حاشية اللسان. وكان كما قال ابن المرزبان: إذا انصرف من بديع الشعر إلى رقيق النّثر أتى بحلال السحر، وليس بعد ذى الرّمة «١» أكثر افتنانا وأكبر تصرّفا وإحسانا في التشبيه منه. وإنما فرقت جملة ما اخترت من شعره ونثره في جملة هذا الكتاب؛ لئلّا أخرج عما تقدّم به الشرط في البسط، وآتى ههنا ببعض ما أختاره له، قال: وفتيان سروا والليل داج ... وضوء الصبح متّهم الطّلوع كأن بزاتهم أمراء جيش ... على أكتافهم صدأ الدروع وقال أيضا: فى ليلة أكل المحاق هلالها ... حتى تبدّى مثل وقف العاج «٢» والصبح يتلو المشترى فكأنّه ... عريان يمشى في الدّجا بسراج «٣» وقال أيضا يصف فرسا: ولقد غدوت على طمرّ سابح ... عقدت سنابكه عجاجة قسطل «٤»

стр. 202

متلثّم لجم الحديد يلوكها ... لوك الفتاة مساوكا من إسحل «١» ومحجّل غير اليمين كأنّه ... متبختر يمشى بكمّ مسبل وقال: قد أغتدى بقارح ... مسوّم يعبوب «٢» ينفى الحصى بحافر ... كالقدح المكبوب قد ضحكت غرّته ... فى موضع التّقطيب «٣» وقال أيضا: ولقد وطئت الغيث يحملنى ... طرف كلون الصبح حين وفد حمّاع أطراف الصّوار فما الأخ ... رى عليه إذا جرى بأشد «٤» يمشى فيعرض في العنان كما ... صدف المعشّق ذو الدّلال وصد فكأنه موج يذوب إذا ... أطلقته فإذا حبست جمد وقال أيضا يصف سيفا: ولى صارم فيه المنايا كوامن ... فما ينتضى إلّا لسفك دماء ترى فوق متنيه الفرند كأنه ... بقية غيم رقّ دون سماء وقال يصف نارا: مشهّرة لا يحجب النخل ضوءها ... كأنّ سيوفا بين عيدانها تجلى يفرّج أغصان الوقود اضطرامها ... كما شقّت الشقراء عن متنهاجلّا «٥»

стр. 203

وقال بعض أهل العصر، وهو السّرى الموصلىّ «١» : يوم رذاذ ممسّك الحجب ... يضحك فيه السرور من كثب «٢» ومجلس أسبلت ستائره ... على شموس البهاء والحسب وقد جرت خيل راحنا خببا ... فى حليها أو هممن بالخبب «٣» والتهبت نارنا فمنظرها ... يغنيك عن كل منظر عجب إذا ارتمت بالشرار فاطّردت ... على ذراها مطارد اللهب رأيت ياقوتة مشبكة ... تطير عنها قراضة الذهب فانهض إلى المجلس الذى ابتسمت ... فيه رياض الجمال والأدب وقال بعض أهل العصر، وهو أبو الفرج الببغا «٤» : فحما قدّم الغلام فأهدى ... فى كوانينه حياة النّفوس كان كالآبنوس غير محلّى ... فغدا وهو مذهب الآبنوس لقى النار في ثياب حداد ... فكسته مصبّغات عروس وقال أبو الفضل الميكالى: كأن الشّرار على نارنا ... وقد راق منظرها كلّ عين سحالة تبر إذا ما علا فإمّا هوى ففتات اللّجين «٥» وقال ابن المعتز يصف سحابة:

стр. 204

وموقرة بثقل الماء جاءت ... تهادى فوق أعناق الرّياح «١» فباتت ليلها سحّا ووبلا ... وهطلا مثل أفواه الجراح كأن سماءها لما تجلّت ... خلال نجومها عند الصباح رياض بنفسج خضل ثراه ... تفتّح بينه نور الأقاح «٢» وقال: ولجّة للمنايا خضت غمرتها ... بصارم ذكر صمصامة خذم «٣» وقارح صبغ الخيلان دهمته ... بشهبة كاختلاط الصّبح بالظّلم «٤» وقال: وليل ككحل العين خضت ظلامه ... بأزرق لمّاع وأبيض صارم ومضبورة الأعضاد حرف كأنها ... تصافح رضراض الحصى بمناسم «٥» وقال يصف حيّة: نعتّ رقطاء لا تحيا لديغتها ... لو قدّها السّيف لم يعلق به بلل «٦» تلقى إذا انسلخت في الأرض جلدتها ... كأنها كمّ درع قدّه بطل وقال أيضا: وأسأر منى الدّهر عضبا مهنّدا ... يفلّ شبا حظّى، وقلبا مشيّعا «٧» ورأيا كمرآة الصّناع أرى به ... سرائر غيب الدهر من حيث ما سعى

стр. 205

أخذه من قول المنصور لابنه المهدى: لا تبرمنّ أمرا حتى تفكّر فيه؛ فإن فكرة العاقل مرآته، تريه قبحه وحسنه. ولما دفن المنصور وقف الربيع على قبره فقال: رحمك الله يا أمير المؤمنين، وغفر لك! فقد كان لك حمي من العقل لا يطير به الجهل، وكنت ترى باطن الأمر بمرآة من الرأى، كما ترى ظاهره. ثم التفت إلى يحيى بن محمد أخى المنصور فقال: هذا كما قال أبو دهبل الجمحى «١» : عقم النساء فما يلدن شبيهه ... إنّ النساء بمثله عقم «٢» وبعده «٣» : متهلل بنعم، بلا متباعد ... سيّان منه الوفر والعدم «٤» نزر الكلام من الحياء تخاله ... ضمنا، وليس بجسمه سقم «٥» أخذ البيت الأخير من قول ليلى الأخيلية «٦» : لا تقربنّ الدّهر آل مطرّف ... إن ظالما يوما وإن مظلوما

стр. 206

قوم رباط الخيل حول بيوتهم ... وأسنة زرق يخلن نجوما وممزّق عنه القميص تخاله ... وسط البيوت من الحياء سقيما حتى إذا رفع اللواء رأيته ... يوم الهياج على الخميس زعيما «١» وقال: يشبّهون ملوكا في تجلتهم ... وطول أنصبة الأعناق واللّمم «٢» إذا بدا المسك يجرى في مفارقهم ... راحوا كأنهم مرضى من الكرم وقال أبو على الحاتمى: وما أحسن أبياتا أنشدها أبو عمر المطرز غلام ثعلب يعترض في أثنائها هذا المعنى: تخالهم للحلم صمّا عن الخنا ... وخرسا عن الفحشاء عند التّهاتر «٣» ومرضى إذا لاقوا حياء وعفّة ... وعند الحروب كالليوث الخوادر «٤» لهم عزّ إنصاف وذلّ تواضع ... بهم ولهم ذلّت رقاب العشائر كأنّ بهم وصما يخافون عاره ... وليس بهم إلّا اتقاء المعاير «٥» وأنشد: أحلام عاد لا يخاف جليسهم ... - وإن نطق العوراء- عيب لسان إذا حدّثوا لم يخش سوء استماعهم ... وإن حدّثوا أدّوا بحسن بيان

стр. 207

وقال ابن المعتز: وعاقد زنّار على غصن الآس ... دقيق المعانى مخطف الخصر ميّاس «١» سقانى عقارا صبّ فيها مزاجها ... فأضحك عن ثغر الحباب فم الكاس وقال: يا ليلة نسى الزمان بها ... أحداثه، كونى بلا فجر فاح المساء ببدرها، ووشت ... فيها الصّبا بمواقع القطر ثم انقضت والقلب يتبعها ... فى حيث ما سقطت من الدّهر «٢» وقال: يا ربّ إخوان صحبتهم ... لا يملكون لسلوة قلبا لو تستطيع قلوبهم نفرت ... أجسامهم فتعانقت حبّا «٣» هذا كقول ابن الرومى: أعانقه والنفس بعد مشوقة ... إليه، وهل بعد العناق تدانى؟ وألثم فاه كى تزول حرارتى ... فيشتدّ ما ألقى من الهيمان ولم يك مقدار الذى بى من الهوى ... ليرويه ما ترشف الشّفتان كأنّ فؤادى ليس يشفى غليله ... سوى أن يرى الروحان يمتزجان ومن منثوره: لا يزال الإخوان يسافرون في المودّة، حتى يبلغوا الشّقة، فإذا بلغوها ألقوا عصا التّسيار، واطمأنّت بهم الدار، وأقبلت وفود النصائح، وأمنت خبايا الضمائر، فحلّوا عقد التحفّظ، ونزعوا ملابس التّخلّق. وله: سار فلان في جيوش عليهم أردية السيوف، وأقمصة الحديد،

стр. 208

وكأنّ رماحهم قرون الوعول «١» ، وكأنّ دروعهم زبد السيول، على خيل تاكل الأرض بحوافرها، وتمدّ بالنّقع سرادقها «٢» ، قد نشرت في وجوهها غرر كأنها صحائف الرّق «٣» ، وأمسكها تحجيل كأنه أسورة اللّجين «٤» ، وقرّطت عذرا كأنها الشّنف «٥» ، تتلقّف الأعداء أوائله ولم تنهض أواخره، قد صبّ عليهم وقار الصبر، وهبّت معهم ريح النّصر. وله في عليل: آذن الله في شفائك، وتلقّى داءك بدوائك، ومسح بيد العافية عليك، ووجّه وفد السلامة إليك، وجعل علّتك ماجية لذنوبك، مضاعفة لثوابك. وكتب إلى عبيد الله بن سليمان بن وهب «٦» فى يوم عيد: أخّرتنى العلّة عن الوزير أعزّه الله، فحضرت بالدعاء في كتابى لينوب عنى، ويعمر ما أخلته العوائق منى، وأنا أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العيد أعظم الأعياد السالفة بركة على الوزير، ودون الأعياد المستقبلة فيما يحبّ ويحبّ له، ويقبل ما توسل به إلى مرضاته، ويضاعف الإحسان إليه، على الإحسان منه، ويمتّعه بصحبة النعمة ولباس العافية، ولا يريه في مسرّة نقصا، ولا يقطع عنه مزيدا، ويجعلنى من كل سوء فداء، ويصرف عيون الغير عنه، وعن حظّي منه.

стр. 209

وله إلى بعض الرؤساء: لا تشن حسن الظّفر بقبح الانتقام، وتجاوز عن كل مذنب لم يسلك من الإعذار طريقا «١» حتى اتّخذ من رجاء عفوك رفيقا. وله اعتذار إلى القاسم بن عبيد الله: ترفّع عن ظلمى إن كنت بريئا، وتفضّل بالعفو إن كنت مسيئا، فو الله إنى لأطلب عفو ذنب لم أجنه، وألتمس الإقالة مما لا أعرفه؛ لتزداد تطوّلا، وأزداد تذلّلا؛ وأنا أعيذ حالى عندك بكرمك من واش يكيدها، وأحرسها بوفائك من باغ يحاول إفسادها، وأسأل الله تعالى أن يجعل حظّى منك، بقدر ودّى لك؛ ومحلّى من رجائك، بحيث أستحقّ منك. وله إليه: لو كان في الصّمت موضع يسع حالى لخففت عن سمع الوزير ونظره، ولم أشغل وجها من فكره، وما زالت الشكوى، تعرب عن لسان البلوى، ومن اختلّت حالته، كان في الصّمت هلكته، وقد كان الصبر ينصرنى على ستر أمرى حتى خذلنى. وهذا كقول أحمد بن إسماعيل: فصاحة الشكوى، على قدر البلوى، إلا أن يكون بالشاكى انقباض، وبالمشكوّ إليه إعراض. [وصف الماء وما يتصل به] وقد أحسن أبو العباس بن المعتز في صفة الماء في أرجوزته التي أنشدتها آنفا، وقد قال في قصيدة له وذكر إبلا: فتبدّى لهنّ بالنّجف المد ... بر ماء صافى الجمام عرىّ «٢»

стр. 210

يتمشّى على حصى يسلب الما ... ء قذاه فمتنه مجلىّ «١» وإذا داخلته درّة شمس ... خلته كسّرت عليه الحلىّ وقال «٢» : لا مثل منزلة الدّويرة منزل ... يا دار جادك وابل وسقاك «٣» بؤسا لدهر غيّرتك صروفه ... لم يمح من قلبى الهوى ومحاك لم يحل للعينين بعدك منظر ... ذمّ المنازل كلّهنّ سواك أىّ المعاهد منك أندب طيبه ... ممساك بالآصال أم ممداك أم برد ظلّك ذى الغصون وذى الجنى ... أم أرضك الميثاء أم ريّاك «٤» وكأنما سطعت مجامر عنبر ... أو فتّ فأر المسك فوق ثراك «٥» وكأنما حصباء أرضك جوهر ... وكأنّ ماء الورد دمع نداك [وكأنما أيدى الربيع ضحيّة ... نشرت ثياب الوشى فوق رباك] «٦» وكأن درعا مفرغا من فضّة ... ماء الغدير جرت عليه صباك «٧» وعشقت عاتكة المرية ابن عمّ لها فراودها عن نفسها فقالت: فما طعم ماء أىّ ماء تقوله ... تحدّر عن غرّ طوال الذوائب بمنعرج من بطن واد تقابلت ... عليه رياح الصيف من كل جانب نفت جرية الماء القذى عن متونه ... فما إن به عيب تراه لشارب بأطيب ممن يقصر الطّرف دونه ... تقى الله واستحياء بعض العواقب وأنشد الأصمعى قال: أنشدنى أبو عمرو بن العلاء لجابر بن الأرق، وقال: هو أحسن ما قيل في معناه:

стр. 211

أياويح نفسى كلما التحت لوحة «١» ... على شربة من ماء أحواض مارب «٢» بقايا نطاف أودع الغيم صفوها ... مصقّلة الأرجاء زرق المشارب «٣» ترقرق دمع المزن فيهن والتوت ... عليهن أنفاس الرياح الغرائب وأنشد إسحاق بن إبراهيم للأبيرد اليربوعى، ورويت لمضرّس بن ربعى الأسدى: فألقت عصا التّسيار عنها، وخيّمت ... بأرجاء عذب الماء زرق محافره أزال القذى عن مائه وافد الصّبا ... يروح عليه ناسما ويباكره وأول من أتى بهذا زهير بن أبى سلمى في قوله: فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصىّ الحاضر المتخيّم «٤» وقال ابن الرومى: وماء جلت عن حرّ صفحته القذى ... من الريح معطار الأصائل والبكر به عبق ممّا تسحّب فوقه ... نسيم الصبا يجرى على النّور والزّهر [وصف الدور والقصور] ويتعلق بهذا الباب قول البحترى يصف بركة الجعفرى «٥» وهو قصر ابتناه المتوكل في سرّ من رأى:

стр. 212

يا من رأى البركة الحسنا ورونقها ... والآنسات إذا لاحت مغانيها «١» ما بال دجلة كالغيرى تنافسها ... فى الحسن طورا وأطوارا تباهيها! إذا علتها الصّبا أبدت لها حبكا ... مثل الجواشن مصقولا حواشيها «٢» فحاجب الشمس أحيانا يغازلها ... وريّق الغيث أحيانا يباكيها «٣» إذا النجوم تراءت في جوانبها ... ليلا حسبت سماء زكّبت فيها كأنما الفضّة البيضاء سائلة ... من السّبائك تجرى في مجاريها تنصبّ فيها وفود الماء معجلة ... كالخيل خارجة من حبل مجريها «٤» كأنّ جنّ سليمان الّذين ولوا ... إبداعها فأدقّوا في معانيها فلو تمرّ بها بلقيس عن عرض ... قالت: هى الصّرح تمثيلا وتشبيها «٥» [لا يبلغ السمك المقصور غايتها ... لبعد ما بين قاصيها ودانيها] يعمن فيها بأوساط مجنّحة ... كالطّير تنشر في جوّ خوافيها ولم ينفق أحد من خلفاء بنى العباس في البناء ما أنفقه المتوكل؛ وذلك أنه أنفق في أبنيته ثلاثمائة ألف ألف، وفي أبنيته يقول على بن الجهم «٦» :

стр. 213

وما زلت أسمع أنّ الملوك ... تبنى على قدر أخطارها وأعلم أنّ عقول الرجا ... ل يقضى عليها بآثارها صحون تسافر فيها العيون ... فتحسر من بعد أقطارها «١» وقبّة ملك كأنّ النجو ... م تفضى إليها بأسرارها إذا أوقدت نارها بالعراق ... أضاء الحجاز سنا نارها لها شرفات كأنّ الربيع ... كساها الرّياض بأنوارها فهنّ كمصطحبات خرجن ... لفصح النّصارى وإفطارها «٢» نظمن القسىّ كنظم الحلى ... بعون النساء وأبكارها «٣» فمن بين عاقصة شعرها ... ومصلحة عقد زنّارها «٤» وللبحترى فيها شعر كثير منه: أرى المتوكليّة قد تعالت ... مصانعها وأكملت التماما «٥» قصور كالكواكب لا معات ... يكدن يضئن للسارى الظّلاما وروض مثل برد الوشى فيه ... جنى الحوذان ينشر والخزامى «٦» غرائب من فنون النّور فيها ... جنى الزهر الفرادى والتّؤاما تضاحكها الضحى طورا وطورا ... عليه الغيم ينسجم انسجاما «٧» ولو لم يستهلّ لها غمام ... بريّقه لكنت لها غماما «٨» وقال أيضا: قد تمّ حسن الجعفرىّ ولم يكن ... ليتمّ إلّا للخليفة جعفر

стр. 214

ملك تبوّأ خير دار أنشئت ... [فى خير مبدى للأنام ومحضر] [فى رأس مشرفة حصاها لؤلؤ] ... وترابها مسك يشاب بعنبر «١» مخضرّة والغيث ليس بساكب ... ومضيئة والليل ليس بمقمر رفعت بمنحرق الرياح، وجاورت ... ظلّ الغمام الصيّب المستعبر «٢» وبعده: ورفعت بنبانا كأن زهاءه ... أعلام رضوى أو شواهق ضيبر «٣» عال على لحظ العيون ن كأنما ... ينظرن منه إلى بياض المشترى «٤» ملأت جوانبه الفضاء، وعانقت ... شرفاته قطع السحاب الممطر وتسيل دجلة تحته ففناؤه ... من لجة فرشت وروض أخضر شجر تلاعبه الرياح فتنثنى ... أعطافه في سائح متفجّر أخذ أبو بكر الصنبورى «٥» قول البحترى في صفة البركة فقال يصف موضعا: سقى حلبا سافك دمعه ... بطىء الرّقوء إذا ما سفك «٦» ميادينه بسطهنّ الرياض ... وساحاته بينهن البرك ترى الريح تنسج من مائه ... دروعا مضاعفة أو شبك كأن الزجاج عليها أذيب ... وماء اللّجين بها قد سبك هى الجوّ من رقّة غير أنّ ... مكان الطيور يطير السّمك وقد نظم الزهر نظم النجوم ... فمفترق النّظم أو مشتبك

стр. 215

كما درّج الماء مرّ الصّبا ... ودبّج وجه السماء الحبك يباهين أعلام قمص القيان ... ونقش عصائبها والتّكك وأخذ قوله: إذا النّجوم تراءت في جوانبها فقال: ولما تعالى البدر وامتدّ ضوءه ... بدجلة في تشرين في الطّول والعرض وقد قابل الماء المفضض نوره ... وبعض نجوم الليل يقفو سنا بعض «١» توهّم ذو العين البصيرة أنه ... يرى باطن الأفلاك من ظاهر الأرض ولأهل العصر في هذا النّحو كلام كثير: قال الأمير أبو الفضل الميكالى، يصف بركة وقع عليها شعاع الشمس فألقته على مهو مطلّ «٢» عليها يقول: أما ترى البركة الغراء قد لبست ... نورا من الشمس في حافاتها سطعا والمهو من فوقها يلهيك منظره ... كأنه ملك في دسته ارتفعا والماء من تحته ألقى الشعاع على ... أعلى سماواته فارتجّ ملتمعا كأنه السيف مصقولا تقلّبه ... كفّ الكمىّ إلى ضرب الكميّ سمى «٣» وقال على بن محمد الإيادى يمدح المعزّ ويصف دار البحر بالمنصورية «٤» : ولما استطال المجد واستولت البنى ... على النّجم واشتدّ الرواق المروّق «٥» بنى قبة للملك في وسط جنّة ... لها منظر يزهى به الطّرف مونق بمعشوقة الساحات، أمّا عراصها ... فخضر، وأمّا طيرها فهى نطّق «٦»
следующие страницы →