Полный текст (1 141 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
أياويح نفسى كلما التحت لوحة «١» ... على شربة من ماء أحواض مارب «٢»
بقايا نطاف أودع الغيم صفوها ... مصقّلة الأرجاء زرق المشارب «٣»
ترقرق دمع المزن فيهن والتوت ... عليهن أنفاس الرياح الغرائب
وأنشد إسحاق بن إبراهيم للأبيرد اليربوعى، ورويت لمضرّس بن ربعى الأسدى:
فألقت عصا التّسيار عنها، وخيّمت ... بأرجاء عذب الماء زرق محافره
أزال القذى عن مائه وافد الصّبا ... يروح عليه ناسما ويباكره
وأول من أتى بهذا زهير بن أبى سلمى في قوله:
فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصىّ الحاضر المتخيّم «٤»
وقال ابن الرومى:
وماء جلت عن حرّ صفحته القذى ... من الريح معطار الأصائل والبكر
به عبق ممّا تسحّب فوقه ... نسيم الصبا يجرى على النّور والزّهر
[وصف الدور والقصور]
ويتعلق بهذا الباب قول البحترى يصف بركة الجعفرى «٥» وهو قصر ابتناه المتوكل في سرّ من رأى:
стр. 212
يا من رأى البركة الحسنا ورونقها ... والآنسات إذا لاحت مغانيها «١»
ما بال دجلة كالغيرى تنافسها ... فى الحسن طورا وأطوارا تباهيها!
إذا علتها الصّبا أبدت لها حبكا ... مثل الجواشن مصقولا حواشيها «٢»
فحاجب الشمس أحيانا يغازلها ... وريّق الغيث أحيانا يباكيها «٣»
إذا النجوم تراءت في جوانبها ... ليلا حسبت سماء زكّبت فيها
كأنما الفضّة البيضاء سائلة ... من السّبائك تجرى في مجاريها
تنصبّ فيها وفود الماء معجلة ... كالخيل خارجة من حبل مجريها «٤»
كأنّ جنّ سليمان الّذين ولوا ... إبداعها فأدقّوا في معانيها
فلو تمرّ بها بلقيس عن عرض ... قالت: هى الصّرح تمثيلا وتشبيها «٥»
[لا يبلغ السمك المقصور غايتها ... لبعد ما بين قاصيها ودانيها]
يعمن فيها بأوساط مجنّحة ... كالطّير تنشر في جوّ خوافيها
ولم ينفق أحد من خلفاء بنى العباس في البناء ما أنفقه المتوكل؛ وذلك أنه أنفق في أبنيته ثلاثمائة ألف ألف، وفي أبنيته يقول على بن الجهم «٦» :
стр. 213
وما زلت أسمع أنّ الملوك ... تبنى على قدر أخطارها
وأعلم أنّ عقول الرجا ... ل يقضى عليها بآثارها
صحون تسافر فيها العيون ... فتحسر من بعد أقطارها «١»
وقبّة ملك كأنّ النجو ... م تفضى إليها بأسرارها
إذا أوقدت نارها بالعراق ... أضاء الحجاز سنا نارها
لها شرفات كأنّ الربيع ... كساها الرّياض بأنوارها
فهنّ كمصطحبات خرجن ... لفصح النّصارى وإفطارها «٢»
نظمن القسىّ كنظم الحلى ... بعون النساء وأبكارها «٣»
فمن بين عاقصة شعرها ... ومصلحة عقد زنّارها «٤»
وللبحترى فيها شعر كثير منه:
أرى المتوكليّة قد تعالت ... مصانعها وأكملت التماما «٥»
قصور كالكواكب لا معات ... يكدن يضئن للسارى الظّلاما
وروض مثل برد الوشى فيه ... جنى الحوذان ينشر والخزامى «٦»
غرائب من فنون النّور فيها ... جنى الزهر الفرادى والتّؤاما
تضاحكها الضحى طورا وطورا ... عليه الغيم ينسجم انسجاما «٧»
ولو لم يستهلّ لها غمام ... بريّقه لكنت لها غماما «٨»
وقال أيضا:
قد تمّ حسن الجعفرىّ ولم يكن ... ليتمّ إلّا للخليفة جعفر
стр. 214
ملك تبوّأ خير دار أنشئت ... [فى خير مبدى للأنام ومحضر]
[فى رأس مشرفة حصاها لؤلؤ] ... وترابها مسك يشاب بعنبر «١»
مخضرّة والغيث ليس بساكب ... ومضيئة والليل ليس بمقمر
رفعت بمنحرق الرياح، وجاورت ... ظلّ الغمام الصيّب المستعبر «٢»
وبعده:
ورفعت بنبانا كأن زهاءه ... أعلام رضوى أو شواهق ضيبر «٣»
عال على لحظ العيون ن كأنما ... ينظرن منه إلى بياض المشترى «٤»
ملأت جوانبه الفضاء، وعانقت ... شرفاته قطع السحاب الممطر
وتسيل دجلة تحته ففناؤه ... من لجة فرشت وروض أخضر
شجر تلاعبه الرياح فتنثنى ... أعطافه في سائح متفجّر
أخذ أبو بكر الصنبورى «٥» قول البحترى في صفة البركة فقال يصف موضعا:
سقى حلبا سافك دمعه ... بطىء الرّقوء إذا ما سفك «٦»
ميادينه بسطهنّ الرياض ... وساحاته بينهن البرك
ترى الريح تنسج من مائه ... دروعا مضاعفة أو شبك
كأن الزجاج عليها أذيب ... وماء اللّجين بها قد سبك
هى الجوّ من رقّة غير أنّ ... مكان الطيور يطير السّمك
وقد نظم الزهر نظم النجوم ... فمفترق النّظم أو مشتبك
стр. 215
كما درّج الماء مرّ الصّبا ... ودبّج وجه السماء الحبك
يباهين أعلام قمص القيان ... ونقش عصائبها والتّكك
وأخذ قوله:
إذا النّجوم تراءت في جوانبها
فقال:
ولما تعالى البدر وامتدّ ضوءه ... بدجلة في تشرين في الطّول والعرض
وقد قابل الماء المفضض نوره ... وبعض نجوم الليل يقفو سنا بعض «١»
توهّم ذو العين البصيرة أنه ... يرى باطن الأفلاك من ظاهر الأرض
ولأهل العصر في هذا النّحو كلام كثير:
قال الأمير أبو الفضل الميكالى، يصف بركة وقع عليها شعاع الشمس فألقته على مهو مطلّ «٢» عليها يقول:
أما ترى البركة الغراء قد لبست ... نورا من الشمس في حافاتها سطعا
والمهو من فوقها يلهيك منظره ... كأنه ملك في دسته ارتفعا
والماء من تحته ألقى الشعاع على ... أعلى سماواته فارتجّ ملتمعا
كأنه السيف مصقولا تقلّبه ... كفّ الكمىّ إلى ضرب الكميّ سمى «٣»
وقال على بن محمد الإيادى يمدح المعزّ ويصف دار البحر بالمنصورية «٤» :
ولما استطال المجد واستولت البنى ... على النّجم واشتدّ الرواق المروّق «٥»
بنى قبة للملك في وسط جنّة ... لها منظر يزهى به الطّرف مونق
بمعشوقة الساحات، أمّا عراصها ... فخضر، وأمّا طيرها فهى نطّق
«٦»
стр. 216
تحفّ بقصر ذى قصور كأنما ... ترى البحر في أرجائه وهو متأق «١»
له بركة للماء ملء فضائه ... تخبّ بقصريها العيون وتعنق «٢»
لها جدول ينصبّ فيها كأنه ... حسام جلاه القين بالأرض ملصق «٣»
لها مجلس قد قام في وسط مائها ... كما قام في فيض الفرات الخورنق «٤»
كأنّ صفاء الماء فيها وحسنه ... زجاج صفت أرجاؤه فهو أزرق
إذا بثّ فيها الليل أشخاص نجمه ... رأيت وجوه الزنج بالنار تحرق
وإن صافحتها الشمس لاحت كأنها ... فرند على تاج المعزّ ورونق
كأن شرافات المقاصر حولها ... عذارى عليهنّ الملاء الممنطق
يذوب الجفاء الجعد عن وجه مائها ... كما ذاب آل الصّحصحان المرقرق «٥»
وقال عبد الكريم بن إبراهيم:
يا ربّ فتيان صدق رحت بينهم ... والشمس كالدّنف المعشوق في الأفق
مرضى أصائلها حسرى شمائلها ... تروّح الغصن الممطور في الورق
معاطيا شمس إبريق إذا مزجت ... تقلّدت عقد مرجان من النّزق
عن ماحل طافح بالماء معتلج ... كأنما نفسه صيغت من الحدق
تضمّه الرّيح أحيانا، وتفرقه ... فالماء ما بين محبوس ومنطلق
من أخضر ناضر والطّلّ يلحقه ... وأبيض تحت قيظىّ الضحى يقق «٦»
تهزّه الريح أحيانا فيمنحها ... للزّجر خفق فؤاد العاشق القلق
كأنّ خافاته نطّقن من زبد ... مناطقا رصّعت من لؤلؤ نسق
стр. 217
كأن قبّته من سندس نمط ... حسناء مجلوّة اللبّات والعنق
إذا تبلّج فجر فوق زرقته ... حسبته فرسا دهماء في بلق «١»
أو لازوردا جرى في متنه ذهب ... فلاح في شارق من مائه شرق
عشية كملت حسنا وساعدها ... ليل يمدّد أطنابا على الأفق
تجلى بغرّة وضّاح الجبين له ... ما شئت من كرم واف ومن خلق
ألفاظ لأهل المصر في وصف الماء وما يتصل به
ماء كالزّجاج الأزرق، غدير كعين الشمس، موارد كالمبارد، وماء كلسان الشمعة، فى صفاء الدّمعة، يسبح في الرّضراض، سبح النّضناض، ماء أزرق كعين السّنّور «٢» ، صاف كقضيب البلّور، ماء إذا مسّته يد النسيم حكى سلاسل الفضة، ماء إذا صافحته راحة الريح، لبس الدّرع كالمسيح، كأنّ الغدير بتراب الماء رداء مصندل، بركة كأنها مرآة السماء، بركة مفروزة بالخضرة، كانّها مرآة مجلوّة، على ديباجة خضراء، بركة ماء كأنها مرآة الصّناع «٣» ، غدير ترقرقت فيه دموع السحائب، وتواترت عليه أنفاس الرياح الغرائب، ماء زرق جمامه، طامية أرجاؤه، يبوح بأسراره صفاؤه، وتلوح في قراره حصباؤه، ماء كأنما يفقده من يشهده، يتسلسل كالزرافين «٤» ، ويرضع أولاد الرّياحين، انحلّ عقد السماء، ووهى عقد الأنواء، انحلّ سلك القطر عن درّ البحر، أسعد السحاب جفون العشّاق «٥» ، وأكفّ الأجواد، وانحلّ خيط السماء، وانقطع
стр. 218
شريان الغمام، سحابة يتجلّى عليها ماء البحر، وتفضّ علينا عقود الدّر، سحاب حكى المحبّ في انسكاب دموعه، والتهاب النار بين ضلوعه، سحابة تحدو من الغيوم جمالا، وتمدّ من الأمطار حبالا، سحابة ترسل الأمطار أمواجا، والأمواج أفواجا، تحللت عقد السماء بالدّيمة الهطلاء، غيث أجشّ «١» يروى الهصاب والآكام «٢» ، ويحيى النبات والسّوام «٣» ، غيث كغزرة فضلك، وسلاسة طبعك، وسلامة عقدك، وصفاء ودّك، وبل كالنبل، سحابة يضحك من بكائها الرّوض، وتخضرّ من سوادها الأرض، سحابة لا تجفّ جفونها ولا يخف أنينها، ديمة روّت أديم الثرى، ونبهت عيون النّور من الكرى، سحابة ركبت أعناق الرياح، وسحّت كأفواه الجراح، مطر كافواه القرب، ووحل إلى الركب، أندية منّ الله معها على البيوت بالثّبوت، وعلى السقوف بالوقوف، أقبل السّيل ينحدر انحدارا، ويحمل أحجارا وأشجارا، كأن به جنة، أو في أحشائه أجنّة.
وبعض ما مر من هذه الألفاظ محلول نظام ما تقدم إنشاده.
ولهم في مقدمات المطر
لبست السماء جلبابها، وسحبت السحائب أذيالها، قد احتجبت الشمس في سرداق الغيم، ولبس الجوّ مطرفه الأدكن، باحت الريح بأسرار النّدى، وضربت خيمة الغمام، ورش جيش النسيم، وابتل جناح الهواء، واغرورقت مقلة السماء، وبشّر النسيم بالندى، واستعدت الأرض للقطر، هبت شمائل الجنائب، لتأليف شمل السحائب. تألفت أشتات الغيوم، وأسبلت السّتور على النجوم.
стр. 219
وفي الرعد والبرق
قام خطيب الرّعد، ونبض عرق البرق، سحابة ارتجزت «١» رواعدها، وأذهبت ببروقها مطاردها، نطق لسان الرعد، وخفق قلب البرق، فالرعد ذو صخب، والبرق ذو لهب، ابتسم البرق عن قهقهة الرعد، زأرت أسد الرعد، ولمعت سيوف البرق، رعدت [سيوف] الغمائم، وبرقت، وانحلت عزالىّ السماء فطبقت، هدرت رواعدها، وقربت أباعدها، وصدقت مواعدها. كأن البرق قلب مشوق، بين التهاب وخفوق.
ويتصل بهذه الأنحاء
ما حكاه عمر بن على المطوعى قال: رأى الأمير السيد أبو الفضل عبيد الله ابن أحمد- أدام الله عزه! - أيام مقامه بجوين أن يطالع قرية من قرى ضياعه تدعى نجاب على سبيل التنزّه والتفرّج، فكنت في جملة من استصحبه إليها من أصحابه، واتّفق أنا وصلنا والسماء مصحية، والجوّ صاف لم يطرز ثوبه بعلم الغمام، والأفق فيروزج لم يعبق به كافور السحاب؛ فوقع الاختيار على ظلّ شجرة باسقة الفروع «٢» ، متّسقة الأوراق والغصون، قد سترت ما حواليها من الأرض طولا وعرضا، فنزلنا تحتها مستظلّين بسماوة أفنانها «٣» ، مستترين من وهج الشمس بستارة أغصانها، وأخذنا نتجاذب أذيال المذاكرة، ونتسالب أهداب المناشدة والمحاورة؛ فما شعرنا بالسّماء إلا وقد أرعدت وأبرقت، وأظلمت بعد ما أشرقت، ثم جادت بمطر كأفواه القرب فأجادت، وحكت أنامل الأجواد ومدامع العشاق «٤» ، بل
стр. 220
أوفت عليها وزادت، حتى كاد غيثها يعود عيثا «١» ، وهمّ وبلها أن يستحيل ويلا فصبرنا على أذاها، وقلنا: سحابة صيف عما قليل تقشّع، فإذا نحن بها قد أمطرتنا بردا كالّثغور، لكنها من ثغور العذاب، لا من الثغور العذاب، فأيقنّا بالبلاء، وسلّمنا لأسباب القضاء؛ فما مرت إلا ساعة من النهار، حتى سمعنا خرير الأنهار، ورأينا السّيل قد بلغ الزّبى»
، والماء قد غمر القيعان والرّبى «٣» ؛ فبادرنا إلى حصن القرية لائذين من السّيل بأفنيتها، وعائذين من القطر بأبنيتها، وأثوابنا قد صندل كافوريّها ماء الوبل، وغلّف طرازيّها طين الوحل، ونحن نحمد الله تعالى على سلامة الأبدان، وإن فقدنا بياض الأكمام والأردان، ونشكره على سلامة الأنفس والأرواح، شكر التاجر على بقاء رأس المال إذا فجع بالأرباح؛ فبتنا تلك الليلة في سماء تكف ولا تكفّ «٤» ، وتبكى علينا إلى الصباح بأدمع هوام «٥» ، وأربعة سجام؛ فلما سلّ سيف الصبح من غمد الظلام، وصرف بوالى الصحو عامل الغمام، رأينا صواب الرأى أن نوسع الإقامة بها رفضا، ونتخذ الارتحال عنها فرضا؛ فما زلنا نطوى الصحارى أرضا فأرضا، إلى أن وافينا المستقر ركضا؛ فلما نفضنا غبار ذلك المسير، الذى جمعنا في ربقة الأسير، وأفضينا إلى ساحة التيسير، بعد ما أصبنا بالأمر العسير، وتذاكرنا ما لقينا من التعب والمشقّة، فى قطع ذلك الطريق وطىّ تلك الشّقة، أخذ الأمير السيد- أطال الله بقاءه! - القلم فعلق هذه الأبيات ارتجالا:
دهتنا السماء غداة السّحاب ... بغيث على أفقه مسبل
فجاء برعد له رنّة ... كرنّة ثكلى ولم تثكل
стр. 221
وثنّى بوبل عدا طوره ... فعاد وبالا على الممحل «١»
وأشرف أصحابنا من أذاه ... على خطر هائل معضل
فمن لائذ بفناء الجدار ... وآو إلى نفق مهمل «٢»
ومن مستجير ينادى: الغريق ... هناك، ومن صارخ معول
وجادت علينا سماء السقوف ... بدمع من الوجد لم يهمل
كأنّ حراما لها أن ترى ... يبيسا من الأرض لم يبلل
وأقبل سيل له روعة ... فأدبر كلّ عن المقبل
يقلّع ما شاء من دوحة ... وما يلق من صخرة يحمل
كأنّ بأحشائه إذ بدا ... أجنّة حبلى ولم تحبل
فمن عامر ردّه غامرا ... ومن معلم عاد كالمجهل «٣»
كفانا بليّته ربّنا ... فقد وجب الشكر للمفضل
فقل للسماء ارعدى وابرقى ... فإنّا رجعنا إلى المنزل «٤»
أخذ المطوعى قوله: «فلما سلّ سيف الصبح من غمد الظلام» من قول أبى الفتح البستى:
رب ليل أغمد الأنوار إلّا ... نور ثغر أو مدام أو ندام
قد نعمنا بدياجيه إلى أن ... سل سيف الصبح من غمد الظلام
[وقال بعض أهل العصر، وهو أبو العباس الناشىء] :
خليلى هل للمزن مقلة عاشق ... أم النار في أحشائها وهي لا تدرى
أشارت إلى أرض العراق فأصبحت ... وكاللؤلؤ المنثور أدمعها تجرى
стр. 222
سحاب حكت ثكلى أصيبت بواحد ... فعاجت له نحو الرياض على قبر
تسّر بل وشيا من حزون تطرزت ... مطارفها طرزا من البرق كالتّبر
فوشى بلا رقم، ورقم بلا يد، ... ودمع بلا عين، وضحك بلا ثغر
وقال آخر:
أرقت لبرق شديد الوميض ... ترامى غواربه بالشّهب
كأنّ تألّقه في السماء ... سطور كتبن بماء الذهب
وقال ابن المعتز:
كأن الرّباب الجون دون سحابه ... خليع من الفتيان يسحب مئزرا «١»
إذا لحقته خيفة من رعوده ... تلفّت واستلّ الحسام المذكّرا
وقد قال حسان بن ثابت:
كأن الرّباب دوين السحاب ... نعام تعلق بالأرجل «٢»
وقال ابن المعتز:
باكية يضحك فيها برقها ... موصلة بالأرض مرخاة الطّنب
رأيت فيها برقها منذ بدا ... كمثل طرف العين أو قلب يجب «٣»
جرت بها ريح الصبا حتى بدا ... منها لى البرق كأمثال الشهب «٤»
تحسبه طورا إذا ما انصدعت ... أحشاؤها عنه شجاعا يضطرب «٥»
وتارة تحسبه كأنه ... أبلق مال جله حين وثب «٦»
стр. 223
وتارة تحسبه كأنه ... سلاسل مفصولة من الذهب
وقال الطائى:
ياسهم للبرق الذى استطارا ... صار على رغم الدّجى نهارا
آض لنا ماء وكان نارا «١»
وينشد أصحاب المعانى:
نار تجدد للعينين نضرتها ... والنار تلفح عيدانا فتحترق
وقال ابن المعتز يمدح الشّرب في الصّحو، ويذمّه في المطر:
أنا لا أشتهى سماء كبطن العير ... والشّرب تحتها في خراب «٢»
بين سقف قد صار منخل ماء ... وجدار ملقى وتلّ تراب
وبيوت يوقّع الوكف فيهنّ ... وإيقاعه بغير صواب «٣»
إنما أشتهى الصّبوح على وجه ... سماء مصقولة الجلباب
ونسيم من الصّبا يتمشّى ... فوق روض ند جديد الشّباب
وكأنّ الشمس المضيئة دينا ... ر جبته حدائد الضّرّاب
فى غداة وكأسها مثل شمس ... طلعت في ملاءة من شراب «٤»
أو عروس قد ضمّخت بخلوق ... فهى صفراء في قميص حباب
وغناء لا عذر للعود فيه ... بتندّى الأوتار والمضراب
ونقاء البساط من وضر الطّين ... ومسح الأقدام في كلّ باب
ونشاط الغلمان إن عرضت حا ... جاتنا في مجيئهم والذّهاب
وجفاف الريحان والنرّجس الغضّ ... بأيدى الخلان والأصحاب
لا تندّى أنوفهم كلما حيّوا ... بضعث ندى أنوف الكلاب
стр. 224
ذاك يوم أراه غنما وحظّا ... من عطاء المهيمن الوهّاب
وقال الصّنوبرى:
أنيس ظباء بوحش الظبا ... وصبغ حيا مثل صبغ الحيا
ويوم تكلّله الشمس من ... صفاء الهوى وصفاء الهوا
بشمس الدّنان وشمس الفيان ... وشمس الجنان وشمس السّما
وشبيه بالأبيات التي كتبها ثعلب إلى أبى العباس بن المعتز لجميل «١» قول الآخر:
وما وجد ملواح من الهيم خلّيت ... عن الورد حتى جوفها يتصلصل «٢»
تحوم وتغشاها العصىّ وحولها ... أقاطيع أنعام تعلّ وتنهل
بأكثر منّى لوعة وصبابة ... إلى الورد إلّا أنّنى أتجمّل «٣»
وقال أبو حيّة النميرى:
كفى حزنا أنّى أرى الماء معرضا ... لعينى ولكن لا سبيل إلى الورد «٤»
وما كنت أخشى أن تكون منيتى ... بكفّ أعزّ الناس كلهم عندى
[وصف رجل حازم لابن المقفع]
قال ابن المقفّع: كان لى أخ أعظم الناس في عينى «٥» ، وكان رأس ما عظّمه فى عينى صغر الدنيا في عينه، وكان خارجا من سلطان بطنه، فلا يشتهى مالا
стр. 225
يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجا من سلطان فرجه، فلا تدعوه إليه مؤنة، ولا يستخف له رأيا ولا بدنا. وكان لا يتأثر عند نعمة، ولا يستكين عند مصيبة.
وكان خارجا من سلطان لسانه، فلا يتكلّم بما لا يعلم، ولا يمارى فيما علم، وكان خارجا من سلطان الجهالة، فلا يتقدّم «١» أبدا إلا على ثقة بمنفعة، وكان أكثر دهره صامتا، فإذا قال بزّ القائلين «٢» ، وكان ضعيفا مستضعفا، فإذا جدّ الجدّ «٣» فهو اللّيث عاديا «٤» . وكان لا يدخل في دعوى، ولا يشارك في مراء «٥» ، ولا يدلى بحجّة حتى يرى قاضيا فهما «٦» وشهودا عدولا. وكان لا يلوم أحدا فيما يكون العذر في مثله حتى يعلم ما عذره.
وكان لا يشكو وجعه إلّا عند من يرجو عنده البرء، ولا يستشير صاحبا إلا أن يرجو منه النصيحة. وكان لا يتبرّم «٧» ولا يتسخّط، ولا يتشكّى ولا يتشهّى، ولا ينتقم من العدوّ، ولا يغفل عن الولىّ، ولا يخصّ نفسه بشىء دون إخوانه من اهتمامه وحيلته وقوته. فعليك بهذه الأخلاق إن أطقتها، ولن تطيق، ولكن أخذ القليل خير من ترك الجميع.
وعلى ذكر قوله: «وإن قال بزّ القائلين» قال ابن كناسة- واسمه محمد بن عبد الله، ويكنى أبا يحيى- فى إبراهيم بن أدهم «٨» الزاهد:
رأيتك لا ترضى بما دونه الرضا ... وقد كان يرضى دون ذاك ابن أدهما
стр. 226
وكان يرى الدّنيا صغيرا عظيمها ... وكان لأمر الله فيها معظّما
وأكثر ما تلقاه في الناس صامتا ... وإن قال بزّ القائلين فأفحما
يشيع الغنى في الناس إن مسّه الغنى ... وتلقى به البأساء عيسى بن مريما
أهان الهوى حتى تجنّبه الهوى ... كما اجتنب الجانى الدم الطالب الدّما
ألفاظ لأهل العصر في ذكر التقى والزهد
فلان عذب المشرب، عفّ المطلب، نقىّ الساحة من المآثم، برىء الذمة من الجرائم، إذا رضى لم يقل غير الصدق، وإذا سخط لم يتجاوز جانب الحق، يرجع إلى نفس أمّارة بالخير، بعيدة من الشر، مدلولة على سبيل البرّ؛ أعرض عن زبرج الدنيا وخدعها، وأقبل على اكتساب نعم الآخرة ومتعها.
كفّ كفّه عن زخرف الدنيا ونصرتها، وغضّ طرفه عن متاعها وزهرتها؛ وأعرض عنها وقد تعرّضت له بزينتها، وصدّ عنها وقد تصدّت له في حليتها.
فلان ليس ممن يقف في ظلّ الطمع، فيسفّ إلى حضيض الطبع «١» ، نقىّ الصحيفة، علىّ عن الفضيحة، عفّ الإزار، طاهر من الأوزار، قد عاد لإصلاح المعاد، وإعداد الزاد.
وكان ابن المقفع من أشراف فارس، وهو من حكماء زمانه، وله مصنّفات كثيرة، ورسائل مختارة؛ وكان محجما عن قول الشعر، وقيل له: لم لا تقول الشعر؟ فقال: الذى أرضاه لا يجيئنى، والذى يجىء لا أرضاه «٢» .
стр. 227
أخذ هذا بعضهم فقال:
أبى الشعر إلّا أن يفىء رديّه ... إلىّ، ويأبى منه ما كان محكما
فيا ليتنى إذ لم أجد حوك وشيه ... ولم أك من فرسانه كنت مفحما «١»
وكان ظريفا في دينه «٢» ، وذكر أنه مرّ ببيت النار فقال:
يا بيت عاتكة الّذى أتعزّل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكّل «٣»
أصبحت أمنحك الصدود، وإننى ... قسما إليك مع الصدود لأميل «٤»
البيتان للأحوص بن محمد بن عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح الأنصارى أخى بنى عمرو بن عوف. وعاصم بن ثابت حمىّ الدّبر «٥» قتله بنولحيان من هذيل يوم الرجيع، فأرادوا أن يبعثوا برأسه إلى مكة، وكانت سلافة بنت سعد نذرت لتشربنّ في رأسه الخمر، وكان قتل بعض ولدها من طلحة بن أبى طلحة أحد بنى عبد الدار يوم أحد، فلما أرادوا أخذ رأسه حمته الدّبر- وهي النحل- فلم يجدوا إليه سبيلا، وجعلوا يقولون: إنّ الدّبر لو قد أمسى صرنا إلى حشو استه، فلما أمسوا بعث الله أتيّا فواراه منهم «٦» . وعاتكة التي ذكر هي عاتكة بنت يزيد بن معاوية.
[ألطف تعريض، وأدق فهم]
ولما دخل أبو جعفر المنصور المدينة قال للربيع: أبغنى رجلا عاقلا عالما بالمدينة ليقفنى على دورها؛ فقد بعد عهدى بديار قومى؛ فالتمس له الربيع فتى
стр. 228
من أعقل الناس وأعلمهم، فكان لا يبتدىء، بإخبار حتى يسأله المنصور فيجيبه بأحسن عبارة، وأجود بيان، وأوفى معنى، فأعجب المنصور به، وأمر له بمال، فتأخّر عنه، ودعته الضرورة إلى استنجازه، فاجتاز ببيت عاتكة، فقال: يا أمير المؤمنين؛ هذا بيت عاتكة الذى يقول فيه الأحوص: «يا بيت عاتكة الذى أتعزّل» ... البيت، ففكر المنصور في قوله، وقال: لم يخالف عادته بابتداء الإخبار دون الاستخبار إلا لأمر، وأقبل يردّد القصيدة ويتصفحها بيتا بيتا حتى انتهى إلى قوله فيها:
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق اللسان يقول ما لا يفعل «١»
فقال: يا ربيع، هل أوصلت إلى الرجل ما أمرنا له به؟ فقال: أخّرته عنه- لعلّة ذكرها الربيع- فقال: عجّله له مضاعفا، وهذا ألطف تعريض من الرجل، وحسن فهم من المنصور.
[الحسد والحساد]
ومن كلام ابن المقفع: الحاسد لا يزال زاريا على نعمة الله ولا يجد لها مزالا، ومكدّرا على نفسه ما به من النعمة فلا يجد لها طعما، ولا يزال ساخطا على من لا يترضّاه، ومتسخّطا لما [لا] ينال، فهو كظوم هلوع جزوع، ظالم أشبه شىء بمظلوم، محروم الطّلبة، منغّص العيشة، دائم التسخّط، لا بما قسم له يقنع، ولا على ما لم يقسم له يغلب، والمحسود يتقلّب في فضل نعم الله مباشرا للسرور.
ممهلا فيه إلى مدّة لا يقدر الناس لها على قطع ولا انتقاص، ولو صبر الحاسد على ما به لكان خيرا له؛ لأنه كلما أراد أن يطفىء نور الله أعلاه ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون.
стр. 229
قال الطائى:
لولا التّخوّف للعواقب لم تزل ... للحاسد النّعمى على المحسود
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
أخذه البحترى فقال:
ولن تستبين الدّهر موضع نعمة ... إذا أنت لم تدلل عليها بحاسد
ولقد أحسن القائل:
إن يحسدونى فإنى غير لائمهم ... قبلى من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لى ولهم ما بى وما بهم ... ومات أكثرنا غيظا بما يجد
أنا الذى يجدونى في صدورهم ... لا أرتقى صدرا عنها ولا أرد «١»
وقال ابن الرومى لصاعد بن مخلد:
وضدّ لكم لا زال يسفل جدّه ... ولا برحت أنفاسه تتصعّد «٢»
يرى زبرج الدنيا يزفّ إليكم ... ويغضى عن استحقاقكم فهو يفأد «٣»
ولو قاس باستحقاقكم ما منحتم ... لأطفأ نارا في الحشا تتوقّد
وآنق من عقد العقيلة جيدها ... وأحسن من سربالها المتجرّد «٤»
وقال معن بن زائدة:
إنى حسدت فزاد الله في حسدى ... لا عاش من عاش يوما غير محسود
ما يحسد المرء إلّا من فضائله ... بالعلم والظّرف، أو بالبأس والجود
стр. 230
ألفاظ لأهل العصر في ذكر الحسد
دبّت عقارب الحسدة، وكمنت أفاعيهم بكلّ مرصد. فلان معجون من طينة الحسد والمنافسة، مضروب في قالب الضّيق والمناقشة. قد وكل بى لحظا ينتضل بأسهم الحسد. فلان جسد كلّه حسد، وعقد كلّه حقد. الحاسد يعمى عن محاسن الصّبح، بعين تدرك حقائق القبح.
[التلطف في الطلب]
كتب محمد بن حماد يعرّض في حاجة له ببيتى شعر إلى الواثق يقول:
جذبت دواعى النفس عن طلب المنى ... وقلت لها كفّى عن الطّلب المزرى
فإنّ أمير المؤمنين بكفّه ... مدار رحى بالرزق دائبة تجرى
فوقّع تحتها: جذبك نفسك عن امتحانها بالمسألة دعانى إلى صونك بسعة فضلى عليك، فخذ ما طلبت هنيئا.
قال على بن عبيدة: أتيت الحسن بن سهل بفم الصلح؛ فأقمت ببابه ثلاثة أشهر لا أحظى منه بطائل، فكتبت إليه:
مدحت ابن سهل ذا الأيادى وماله ... بذاك يد عندى ولا قدم بعد
وماذنبه، والناس- إلا أقلّهم- ... عيال له، إن كان لم يك لى جدّ
سأحمده للناس حتى إذا بدا ... له فىّ رأى عاد لى ذلك الحمد
فكتب إلىّ: باب السلطان يحتاج إلى ثلاث خلال: عقل وصبر ومال، فقلت للواسطة: تؤدّى عنى؟ قال: نعم. قلت: تقول له: لو كان لى مال لاغنانى عن الطلب إليك، أو صبر لصبرت عن الذّلّ ببابك، أو عقل لا ستدللت به على النزاهة عن رفدك! فأمر لى بثلاثين ألف درهم.
стр. 231
وقال على بن عبيدة الريحانى يوما، وقد رأى جارية يهواها: لولا البقيا على الضمائر لبحنا بما تجنّه السرائر، لكن نيران الحبّ تتدارك بالإخفاء، ولا تعاجل بالإبداء؛ فإن دوامها مع إغلاق أبواب الكتمان، وزوالها في فتح مصارع الإعلان.
وقد قال محمد بن يزيد الأموى:
لا وحبّيك لا أصا ... فح بالدّمع مدمعا
من بكى حبّه استرا ... ح وإن كان موجعا
ومن كلام علىّ بن عبيدة: اجعل أنسك آخر ما تبذل من ودّك، وصن الاسترسال منك، حتى تجد له مستحقا؛ فإن الأنس لباس العرض، وتحفة الثقة، وحباء الأكفاء، وشعار الخاصّة، فلا تخلق جدّته إلا لمن يعرف قدر ما بذلت له منك.
وقال: لولا حركات من الابتهاج أجد حسّها عند رؤيتك في نفسى لا أعرف لها مثيرا من مظانّها إلّا مؤانستك لى، لأبقيت عليك من العناء، وخفّفت عنك مؤونة اللقاء؛ لكنى أجد من الزيادة بك عندى أكثر من قدر راحتك في تأخّرك عنى، فأضيق عن احتمال الخسران بالوحدة منك.
وقال: لوجلى من طلوع الملالة بكرّ اللّقاء أستخفّ التّجافى مع شدّة الشوق، لتبقى جدّة الحال عند من أحبّ دوامه لى؛ وردّ طرف الشوق باطنا أيسر من معاناة الجفاء مع الودّ ظاهرا.
وقال بعض المحدثين:
كم استراح إلى صبر فلم يرح ... صبّ إليكم من الأشواق في ترح
تركتم قلبه من حزن فرقتكم ... لو يرزق الوصل لم يقدر على الفرح
وقال أعرابى:
ألا قل لدار بين أكثبة الحمى ... وذات الغضى: جادت عليك الهواضب «١»
стр. 232
أجدّك لا آتيك إلّا تتابعت ... دموع، أضاعت ما حفظت، سواكب
ديار تنسّمت المنى نحو أرصها ... وطاوعنى فيها الهوى والحبائب
ليالى لا الهجران محتكم بها ... على وصل من أهوى ولا الظّن كاذب
[الأدب في مجلس الحكم]
تنازع إبراهيم بن المهدى وابن بختيشوع الطبيب بين يدى أحمد بن أبى داود فى مجلس الحكم في عقار بناحية السّواد، فأربى عليه إبراهيم وأغلظ له، فأحفظ ذلك ابن أبى داود، فقال: يا إبراهيم، إذا نازعت في مجلس الحكم بحضرتنا امرءا فلا أعلمنّ أنك رفعت عليه صوتا، ولا أشرت بيد، وليكن قصدك أمما «١» ، وريحك ساكنة، وكلامك معتدلا، مع وفاء مجالس الخليفة حقوقها من التّعظيم، والتوقير، والاستكانة، والتوجّه إلى الواجب؛ فإن ذلك أشكل بك، وأشمل لمذهبك في محتدك، وعظيم خطرك، ولا تعجلنّ، فربّ عجلة تهب ريثا، والله يعصمك من خطل القول والعمل، ويتم نعمته عليك كما أتمّها على أبو يك من قبل، إن ربك حكيم عليم.
فقال إبراهيم: أصلحك الله تعالى؛ أمرت بسداد، وحضضت على رشاد؛ ولست عائدا لما يثلم مروءتى عندك، ويسقطنى من عينك، ويخرجنى من مقدار الواجب إلى الاعتذار، فهأنا معتذر إليك من هذه البادرة اعتذار مقرّ بذنبه، معترف بجرمه، ولا يزال الغضب يستفزنى بمواده، فيردنى مثلك بحلمه، وتلك عادة الله عندك وعندنا منك؛ وقد جعلت حقّى من هذا العقار لابن بختيشوع، فليت ذلك يكون وافيا بأرش الجناية عليه «٢» ؛ ولم يتلف مال أفاده موعظة؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل «٣» .
стр. 233
[حكمة أردشير وحضه على العلم]
لما استوثق أمر أردشير بن بابك وجمع ملوك الطوائف وتمّ له ملكه، جمع الناس فخطبهم خطبة حضّ فيها على الألفة والطاعة، وحذّرهم المعصية ومفارقة الجماعة، وصفّ الناس أربعة صفوف؛ فخرّوا له سجّدا، وتكلّم متكلّمهم فقال:
لازلت أيها الملك محبوّا من الله تعالى بعزّ النصر، ودرك الأمل، ودوام العافية، وتمام النّعمة، وحسن المزيد، ولازلت تتابع لديك المكرمات، وتشفع إليك الذمامات «١» حتى تبلغ الغاية التي يؤمن زوالها، وتصل إلى دار القرار التي أعدّها الله تعالى لنظرائك من أهل الزّلفى عنده والمكانة منه، ولا زال ملكك وسلطانك باقيين بقاء الشمس والقمر، زائدين زيادة النجوم والأنهار، حتى تستوى أقطار الأرض كلها في علوّ قدرك عليها، ونفاذ أمرك فيها، فقد أشرق علينا من ضياء نورك ما عمّنا عموم ضياء الصبح، ووصل إلينا من عظيم رأفتك ما اتّصل بأنفسنا اتصال النسيم؛ فأصبحت قد جمع الله بك الآيدى بعد افتراقها، وألّف القلوب بعد توقد نيرانها، ففضلك الذى لا يدرك بوصف، ولا يحدّ بنعت.
فقال أردشير: طوبى للمدوح إذا كان للمدح مستحقّا، وللداعى إذا كان للاجابة أهلا.
وقيل لأردشير: أيّها الملك الرفيع الذى حلب العصور، وجرّب الدّهور، أى الكنوز أعظم قدرا؟ قال: العلم الذى خفّ محمله، فثقلت مفارقته، وكثرت مرافقته، وخفى مكانه، فأمن من السّرق عليه؛ فهو في الملأ جمال، وفي الوحدة أنيس، يرأّس به الخسيس، ولا يمكن حاسدك عليه انتقاله عنك.
قيل له: فالمال؟ قال: ليس كذلك. محمله ثقيل، والهمّ به طويل؛ إن كنت فى ملأ شغلك الفكر فيه، وإن كنت في خلّوة أتعبتك حراسته.
стр. 234
[أخلاق الملوك]
قال الجاحظ: حدثنى الفضل بن سهل قال: كانت رسل الملوك إذا جاءت بالهدايا يجعل اختلافهم إلىّ، فتكون المؤامرات فيما معهم من ديوانى، فكنت أسأل رجلا رجلا منهم عن سير ملوكهم، وأخبار عظمائهم، فسألت رسول ملك الروم عن سيرة ملكهم، فقال: بذل عرفه، وجرّد سيفه، فاجتمعت عليه القلوب رغبة ورهبة، لا ينظر جنده، ولا يحرج رعيّته؛ سهل النّوال، حزن النكال، الرجاء والخوف معقودان في يده.
قلت: فكيف حكمه؟ فقال: يردّ الظّلم، ويردع الظالم، ويعطى كلّ ذى حق حقّه؛ فالرعية اثنان: راض، ومغتبط.
قلت: فكيف هيبتهم له؟ قال: يتصور في القلوب، فتغضى له العيون.
قال: فنظر رسول ملك الحبشة إلى إصغائى إليه، وإقبالى عليه، فسأل الترجمان: ما الذى يقوله الرومىّ؟ قال: يذكر ملكهم، ويصف سيرته؛ فتكلّم مع الترجمان بشىء، فقال لى الترجمان: إنه يقول: إنّ ملكهم ذو أناة عند القدرة، وذو حلم عند الغضب، وذو سطوة عند المغالبة، وذو عقوبة عند الاجترام، قد كسا رعيّته جميل نعمته، وخوّفهم عسف نقمته؛ فهم يتراءونه رأى الهلال خيالا، ويخافونه مخافة الموت نكالا، وسعهم عدله، وردعتهم سطوته، فلا تمتهنه مزحة، ولا تؤمّنه غفله؛ إذا أعطى أوسع، وإذا عاقب أوجع؛ فالناس اثنان: راج وخائف، فلا الراجى خائب الأمل، ولا الخائف بعيد الأجل. قلت: فكيف هيبتهم له؟ قال: لا ترفع إليه العيون أجفانها، ولا تتبعه الأبصار إنسانها، كأنّ رعيته قطا رفرفت عليها صقور صوائد.
فحدثت المأمون بهذين الحديثين فقال: كم قيمتهما عندك؟ قلت: ألفا درهم.
قال: يا فضل؛ إن قيمتهما عندى أكثر من الخلافة، أما عرفت قول علىّ بن
стр. 235
أبى طالب كرّم الله وجهه: قيمة كلّ امرىء ما يحسن. أفتعرف أحدا من الخطباء البلغاء يحسن أن يصف أحدا من خلفاء الله الراشدين المهديين بهذه الصّفة؟
قلت: لا. قال: فقد أمرت لهما بعشرين ألف دينار، واجعل العذر مادة بينى وبينهما في الجائزة [على المعوز] ؛ فلولا حقوق الإسلام وأهله لرأيت إعطاءهما ما في بيت مال الخاصة والعامة دون ما يستحقّانه.
وقال الجاحظ: حدّثنى حميد بن عطاء قال: كنت عند الفضل بن سهل، وعنده رسول ملك الخزر، وهو يحدّثنا عن أخت لملكهم، قال: أصابتنا سنة احتدم شواظها علينا بحرّ المصائب، وصنوف الآفات؛ ففزع الناس إلى الملك، فلم يدر ما يجيبهم به، فقالت أخته: أيها الملك؛ إن الخوف لله خلق لا يخلق جديده، وسبب لا يمتهن عزيزه، وهو دالّ الملك على استصلاح رعيّته، وزاجره عن استفسادها، وقد فزعت إليك رعيّتك بفضل العجز عن الالتجاء إلى من لا تزيده الإساءة إلى خلقه عزّا، ولا ينقصه العود بالإحسان إليهم ملكا، وما أحد أولى بحفظ الوصية من الموصّى، ولا بركوب الدلالة من الدّال، ولا بحسن الرعاية من الرّاعى. ولم تزل في نعمة لم تغبرها نقمة، وفي رضا لم يكدّره سخط، إلى أن جرى القدر بما عمى عنه البصر، وذهل عنه الحذر، فسلب الموهوب، والواهب هو السالب؛ فعد إليه بشكر النعم، وعذبه من فظيع النّقم، فمتى تنسه ينسك، ولا تجعلنّ الحياء من التذلل للمعزّ المذل سترا بينك وعين رعيتك، فتستحق مذموم العاقبة؛ ولكن مرهم ونفسك بصرف القلوب إلى الإقرار له بكنه القدرة، وبتذلل الألسن في الدعاء بمحض الشّكر له؛ فإن الملك ربما عاقب عبده ليرجعه عن سيّئ فعل إلى صالح عمل، أو ليبعثه على دائب شكر ليحرز به فضل أجر.
فأمرها الملك أن تقوم فيهم فتنذرهم بهذا الكلام، ففعلت، فرجع القوم وقد
стр. 236
علم الله منهم قبول الوعظ في الأمر والنهى؛ فحال عليهم الحول وما مهم مفتقد نعمة كان سلبها، وتواترت عليهم الزيادات بجميل الصّنع؛ فاعترف لها الملك بالفضل، فقلدها الملك؛ فاجتمعت الرعية لها على الطاعة في المكروه والمحبوب قال: وهذا وهم أعداء الله تعالى، وضرائر نعمته، ومستوجبو نقمته، أعاد لهم بالشكر ما أرادوا، وأعطاهم بالإقرار له بكنه قدرته ما تمنّوا، فكيف بمن يجمعه على الشكر نوران اثنان: قرآن منزل، ونبىّ مرسل، لو صدقت النيّات، واجتمعت على الافتقار إليه الطلبات؛ لكنهم أنكروا ما عرفوا، وجهلوا ما علموا، فانقلب جدهم هزلا، وسكوتهم خبلا.
قطعة صادرة من أقوال الملوك دالة على فضل كرمهم وبعد هممهم
غضب كسرى أنوشروان على بعض مرازبته، فقال: يحطّ عن مرتبته، ولا ينقص من صلته؛ فإن الملوك تؤدّب بالهجران، ولا تعاقب بالحرمان.
واصطنع أنو شروان رجلا فقيل له: إنه لا قديم له. قال: اصطناعنا إياه شرّفه.
قال معاوية ﵁: نحن الزمان، من رفعناه ارتفع، ومن وضعناه اتّضع. وكان يقول: إنى لآنف من أن يكون في الأرض جهل لا يسعه حلمي، وذنب لا يسعه عفوى، وحاجة لا يسعها جودى.
عبد الملك بن مروان- أفضل الناس من تواضع عن رفعة، وعفا عن قدرة؛ وأنصف عن قوّة.
زياد- استشفعوا لمن وراءكم؛ فليس كلّ أحد يصل إلى السلطان، ولا كلّ من وصل إليه يقدر على كلامه.
المهلب- عجبت لمن يشترى المماليك بماله، كيف لا يشترى الأحرار
стр. 237
بمعروفه! وقد روى هذا لابن المبارك. وقال لبنيه: يا بنى؛ أحسن تيابكم ما كان على غيركم.
قال أبو تمام الطائى يستهدى فروا، وعرّض بقول المهلب:
فهل أنت مهديه بمثل شكيرة ... من الشّكر يعلو مصعدا ويصوّب «١»
فأنت العليم الطّب أىّ وصية ... بها كان أوصى في الثياب المهلّب «٢»
يزيد بن المهلب- استكثروا من الحمد؛ فإنّ الذمّ قلّ من ينجو منه.
السفاح- ما أقبح ينا أن تكون الدنيا لنا وأولياؤنا خالون من أثرها.
المأمون- إنما تطلب الدنيا لتملك، فإذا ملكت فلتوهب. وقال: إنما يتكثّر بالذهب والفضة من يقلّان عنده.
الحسن بن سهل- الأطراف منازل الأشراف؛ يتناولون ما يزيدون بالقدرة، وينتابهم من يريدهم بالحاجة. وتعرض له رجل فقال له: من أنت؟ قال: أنا الذى أحسنت إلىّ يوم كذا وكذا. فقال: مرحبا بمن توسّل إلينا بنا.
ولما أراد المعتصم أن يشرّف أشناس التركى بعقب فتح الخزمية أمر أصحاب المراتب بالترجّل إليه، فترجّل إليه الحسن بن سهل، فنظر إليه حاجبه يمشى ويتعثر فى مشيه، فبكى، فقال: ما يبكيك؟ إن الملوك شرّفتنا وشرفت بنا.
ومن كلام أهل العصر
للأمير شمس المعالى قابوس بن وشمكير «٣» - من أقعدته نكاية الأيام أقامته إغاثة الكرام؛ ومن ألبسه الليل ثوب ظلماته نزعه النهار عنه بضيائه.
стр. 238
وله: ابتناء المناقب باحتمال المتاعب، وإحراز الذّكر الجميل بالسّعى في الخطب الجليل.
الصاحب بن عباد:
وقائلة: لم عزتك الهموم ... وأمرك ممتثل في الأمم؟
فقلت: ذرينى لما أشتكى ... فإنّ الهموم بقدر الهمم
أبو الطيب البستى:
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهمّ أخلاهم من الفطن
أبو الفتح البستى:
صاحب السلطان لا بدّ له ... من هموم تعتريه وغمم
والّذى يركب بحرا سيرى ... قحم الأهوال من بعد قحم «١»
ومن كلام الملوك الجارى مجرى الأمثال
أردشير- إذا رغبت الملوك عن العدل رغبت الرعيّة عن الطاعة.
أفريدون- الأيام صحائف آجالكم، فخلّدوها أحسن أعمالكم.
وقيل للإسكندر: ما بال تعظيمك لمؤدّبك أكثر من تعظيمك لأبيك؟
قال: لأنّ أبى سبب حياتى الفانية ومؤدّبى سبب حياتى الباقية.
ودخل محمد بن زياد مؤدّب الواثق على الواثق، فأظهر إكرامه، وأكثر إعظامه، فقيل له: من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال هذا أول من فتق لسانى بذكر الله، وأدنانى من رحمة الله.
وأشير على الإسكندر بتبييت الفرس «٢» ، فقال: لا أجعل غلبتى سرقة. وقيل له: لو تزوّجت بنت دارا؟ فقال: لا تغلبنى امرأة غلبت أباها.
стр. 239
انوشروان- الملك إذا كثر ماله مما يأخذ من رعيّته كان كمن يعمر سطح بيته بما يقتلعه من قواعد بنيانه.
أبرويز- أطع من [فوقك يطعك من] دونك.
السفاح- إن من أدنى الناس ووضعائهم من عدّ البخل حزما، والعفو ذلّا.
وكان يقول: إذا كان الحلم مفسدة كان العفو معجزة، والصبر حسن إلا على ما أوقع بالدّين، وأوهى السلطان؛ والأماة محمودة إلا عند إمكان الفرصة.
وقد قال ابن المعتز:
كم فرصة ذهبت فعادت غصّة ... تشجى بطول تلهّف وتندّم «١»
ولما عزم المنصور على الفتك بأبى مسلم فزع من ذلك عيسى بن موسى، فكتب إليه:
إذا كنت ذا رأى فكن ذا تدبّر ... فإن فساد الرّأى أن تتعحّلا
فأجابه المنصور:
إذا كنت ذا رأى فكن ذا عزيمة ... فإنّ فساد الرأى أن تتردّدا
ولا تمهل الأعداء يوما بغدوة ... وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا «٢»
وهذا في موضعه كقول الإمام على كرّم الله وجهه: من فكر في العواقب لم يشجع وقال سعد بن ناشب فأفرط «٣» .
стр. 240
عليكم بدارى فاهدموها؛ فإنها «١» ... تراث كريم لا يخاف العواقبا «٢»
إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه ... ونكّب عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر في رأيه غير نفسه ... ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
سأغسل عنى العار بالسيف جالبا ... علىّ قضاء الله ما كان جالبا
ويصغرفى عينى تلادى إذا انثنت ... يمينى بإدراك الذى كنت طالبا
وكان سعد من مردة العرب وشياطين الإنس، وفيه يقول الشاعر:
وكيف يفيق الدهر سعد بن ناشب ... وشيطانه عند الأهلّة يصرع
كتب مروان بن محمد الجعدىّ إلى عبد الله بن علىّ يسأله حفظ حرمه، فقال له: الحقّ لنا في دمك، وعلينا في حرمك.
وقال الرشيد لإسماعيل بن صبيح: إياك والدالّة «٣» فإنها تفسد الحرمة، ومنها أتى البرامكة.
وقال المأمون: الملوك تحتمل كلّ شىء إلّا ثلاثا: إفشاء السر، والقدح فى الملك، والتعرض للحرم.
المعتصم إذا نصر الهوى بطل الرّأى.
المنتصر- لذّة العفو أطيب من لذّة التّشفّى؛ وذلك أن لذة العفو يلحقها حمد العاقبة، ولذّة التشفى يلحقها ذمّ الندم.
стр. 241
والمنتصر يقول عن تجربة؛ لأنه قتل أباه المتوكل، والأمر في ذلك أشهر من أن يذكر، ولكنى ألمع منه باليسير:
كان المتوكّل قد عقد لولده المنتصر والمعتزّ والمؤيّد ولاية العهد، ثم تغيّر على المنتصر دون أخويه، وكان يسميّه المنتظر، ويقول له: أنت تتمنّى موتى، وتنتظر وقتى! ويأمر الندماء أن يعبثوا به، إلى أن أوغر صدره، وأقلّ صبره؛ فلما كانت ليلة الأربعاء لثلاث خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين كان المتوكّل يشرب مع الفتح في قصره المعروف بالجعفرى، ومعه جماعة من الندماء والمغنّين، وكان المنتصر معهم، فلما انصرمت ثلاث ساعات من الليل قال لزرافة التركى: ألا تسعنى ساعة حتى أشكو إليك ما يمرّ بى؟ قال: بلى، وجعل يماطله ويطاوله، وغلّق بغا الشرابىّ الأبواب كلها إلا باب الماء، ومنه دخل الذين قتلوه، فأوّل من ضربه باغر التركى ضربة قطع بها حبل عاتقه، وتلقّاه الفتح بنفسه فأكبّ عليه، فقتلا جميعا، وبويع المنتصر من ساعته، وكانت مدّة المنتصر في الخلافة مدة شيرويه ابن كسرى- حين قتل أباه- ستة أشهر.
وقال إبراهيم بن أحمد الأسدى يرثى المتوكّل:
هكذا فلتكن منايا الكرام ... بين ناى ومزهر ومدام
بين كأسين أروتاه جميعا ... كأس لذّاته وكأس الحمام
يقظ في السرور حتى أتاه ... - قدّر الله- حتفه في المنام
والمنايا مراتب يتفاضلن ... وبالمرهفات موت الكرام
لم يرر نفسه رسول المنايا ... بصنوف الأوجاع والأسقام
هابه معلنا فدبّ إليه ... فى ستور الدّجى بحدّ الحسام
أخذ هذا المعنى عبد الكريم بن إبراهيم التيمى، فقال يرثى عيسى بن خلف صاحب خراج المغرب، وكان قد تناول دواء فمات بسببه:
منايا سددت الطّرق عنها ولم تدع ... لها من ثنايا شاهق متطلّعا
стр. 242
فلما رأت سور المهابة دونها ... عليك ولما لم تجد فيك مطمعا
ترقّت بأسباب لطاف ولم تكد ... تواجه موفور الجلالة أروعا
فجاءتك في سرّ الدواء خفيّة ... على حين لم تحذر لداء توقّعا
فلم أر مالا يتّقى مثل سهمها ... ولا مثلها لم تخش كيدا فترجعا
وقد رثاه البحترى ويزيد المهلبى بمرثيتين من أجود ما قيل في معناهما، وكانا حاضرين ليلة قتله. فاختفى أحدهما في طىّ الباب، والآخر في قناة الشاذروان؛ فمن قصيدة البحترى:
تغيّر حسن الجعفرىّ وأنسه ... وقوّض بادى الجعفرىّ وحاضره
تحمّل عنه ساكنوه فجاءة ... فآضت سواء دوره ومقابره «١»
ولم أر مثل القصر إذريع سربه ... وإذ ذعرت أطلاؤه وجآذره «٢»
وإذ صيح فيه بالرّحيل فهتّكت ... على عجل أستاره وستائره
إذا نحن زرناه أجدّ لنا الأسى ... وقد كان قبل اليوم يبهج زائره
فأين عميد الناس في كل نوبة ... تنوب وناهى الدهر فيهم وآمره»
تخفّى له مغتاله تحت غرّة ... وأولى لمن يغتاله لو يجاهره
صريع تقاضاه السيوف حشاشة ... يجود بها والموت حمر أظافره
حرام علىّ الراح بعدك أو أرى ... دما بدم يجرى على الأرض مائره
وهل يرتجى أن يطلب الدم طالب ... مدى الدهر والموتور بالدم واتره «٤»
فلا ملّى الباقى تراث الذى مضى ... ولا حمّلت ذاك الدعاء منابره
стр. 243
وهي طويلة «١» ، وكان أبو العباس ثعلب يقول فيها: ما قيلت هاشمية أحسن منها، وقد صرّح فيها تصريح من أذهلته المصائب عن تخوّف العواقب.
وقد كان البحترى يرتاح في كثير من شعره إلى ذكره وذكر الفتح بن خاقان، فمن ذلك قوله لبعض من يمدحه:
تداركنى الإحسان منك، ونالنى ... على فاقة ذاك النّدى والتطوّل
ودافعت عنى حين لا الفتح يرتجى ... لدفع الأذى عنى ولا المتوكّل
وقال:
مضى جعفر والفتح بين موسّد ... وبين قتيل في الدماء مضرّج
أأطلب أنصارا على الدهر بعد ما ... ثوى منهما في الترب أوسى وخزرجى «٢»
وقال في غلام له:
عسى آيس من رجعة الوصل يوصل ... ودهر تولّى بالأحبّة يقبل
أيا سكنا فات الفراق بنفسه ... وحال التّعادى دونه والتّزيل
أتعجب لمّا لم يغل جسمى الضّنا ... ولم يخترم نفسى الحمام المعجّل
فقبلك بان الفتح منى مودّعا ... وفارقنى شفعا له المتوكّل
فما بلغ الدّمع الذى كنت أرتجى ... ولا فعل الوجد الذى خلت يفعل
وقال أبو خالد يزيد بن محمد المهلبى في قصيدة أولها:
لا وجد إلا أراه دون ما أجد ... ولا كمن فقدت عيناى مفتقد
стр. 244
يقول فيها:
لا يبعدن هالك كانت منيته ... كما هوى من عضاه الزّبية الأسد «١»
جاءت منيّته والعين هادية ... هلّا أتته المنايا والقنا قصد «٢»
فخرّ فوق سرير الملك منجد لا ... لم يحمه ملكه لمّا انقضى الأمد
لا يدفع الناس ضيما بعد ليلتهم ... إذ لا يهزّ إلى الجانى عليك يد
علنك أسياف من لا دونه أحد ... وليس فوقك إلا الواحد الصّمد
إذا بكيت فإن الدمع منهمل ... وإن رثيت فإنّ الشعر مطّرد
إنّا فقد ناك حتى لا اصطبار لنا ... ومات قبلك أقوام فما فقدوا
قد كنت أسرف في مالى فتخلفه ... فعلّمتنى الليالى كيف أقتصد
وقال فيها يذكر الأتراك، ويحضّ على اصطناع العرب:
لما اعتقدتم أناسا لا حفاظ لهم ... ضعتم وضيعتم من كان يعتقد
ولو جعلتم على الأحرار نعمتكم ... حمتكم الذّادة المنسوبة الحشد «٣»
قوم هم الأصل والأسماء تجمعكم ... والدين والمجد والأرحام والبلد
إن العبيد إذا أذللتهم صلحوا ... على الهوان وإن أكرمتهم فسدوا
وقال أبو حيّة النميرى «٤» :
رمته فتاة من ربيعة عامر ... نؤوم الصّحى في مأتم أىّ مأتم «٥»
стр. 245
فقلن لها في السرّ: نفديك لا يرح ... صحيحا وإلّا تقتليه فألممى
فألقت قناعا دونه الشمس واتّقت ... بأحسن موصولين كفّ ومعصم
وقالت فلما أفرغت في فؤاده ... وعينيه منها السحر قالت له نم
فأصبح لا يدرى أفى طلعة الضحى ... تروّح أم داج من الليل مظلم «١»
أخذ قوله: «فألقت قناعا دونه الشمس» من قول النابغة الذبيانى:
قامت تراءى بين سجفى كلّة ... كالشمس يوم طلوعها بالأسعد «٢»
سقط النّصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقّتنا باليد
وقال أبو حية يرثى سلمة بن عياش:
كأنّ أبا حفص فتى البأس لم يجب ... به الليل والبيض القلاص النجائب
إلى الغاية القصوى، ولم تهد فتية ... كراما وتخطوه الخطوب النوائب
ويعمل عتاق العيس حتى كأنها ... إذا وضعت عنها العلايا المشاجب «٣»
стр. 246
بعيد مثانى الهمّ يمسى وماله ... سوى الله والعضب السّريجى صاحب «١»
يروم جسيمات العلا فينالها ... فتى في جسيمات المكارم راغب
فإن يمس وحشا بابه فلربما ... تواتر أفواجا إليه المواكب «٢»
يحيّون بسّاما كأنّ جبينه ... هلال بدا وانجاب عنه السحائب
وما غائب من غاب يرجى إيابه ... ولكنه من ضمّن اللّحد غائب
وزعم الصولى أن أباحيّة إنما قالها في محمد بن سليمان بن على بن عبيد الله بن العباس.
وكان أبو حيّة جيد الطبع، مألوف الكلام، رقيق حواشى الشعر.
[مجنون بنى عامر]
وسئل الأصمعى عن قيس بن الملوح المجنون، فقال: لم يكن مجنونا، وإنما كانت به لوثة كلوثة أبى حيّة «٣» ، وهو القائل:
رمتنى وستر الله بينى وبينها ... عشية أحجار الكناس رميم
رميم التي قالت لجارات بيتها: ... ضمنت لكم ألّا يزال يهيم
ألا ربّ يوم لو رمتنى رميتها ... ولكنّ عهدى بالنضال قديم
فيا عجبا من قاتل لى أوده ... أشاط دمى شخص علىّ كريم «٤»
يرى الناس أنى قد سلوت، وإننى ... لمدنف أحناء الضلوع سقيم «٥»
وأنشدنى إسحاق بن إبراهيم الموصلى في مثله، ولم يسم قائله:
هل الأدم كالآرام والزّهر كالدمى ... معاودتى أيامهنّ الصوالح «٦»
стр. 247
زمان سلاحى بينهن شبيبتى ... لها سائف من حسنهن ورامح «١»
فأقسمن لا يسقيننى قطر مزنة ... لشيبى ولو سالت بهن الأباطح
وقال هارون بن على بن يحيى المنجّم: «٢» الغانيات عهودهنّ إلى انصرام وانقضاب
من شاب شبن له المودّة ... بالخديعة والكذاب «٣»
فانعم بهنّ وزند سنّك ... في الشبيبة غير خابى «٤»
ما دمت في روق الصّبا ... وغصونه الخضر الرّطاب «٥»
فافخر بأيام الصبا ... واخلع عذارك في التصابى
واعط الشباب نصيبه ... ما دمت تعذر بالشباب
وقال أشجع بن عمرو السلمى:
وما لى لا أعطى الشباب نصيبه ... وغصناه يهتزّان في عوده الرّطب
رأيت الليالى ينتهبن شبيبتى ... فأسرعت باللذات في ذلك النّهب
فإنّ بنات الدّهر يخلسن لذتى ... فقد جزن سلمى وانتهين إلى حربى
وقد حوّلت حالى الليالى وأسرجت ... على الرأس أمثال الفتيل من العطب
وموت الفتى خير له من حياته ... إذا كان ذا حالين يصبو ولا يصبى
وقال آخر:
ما العيش إلا أن تحب ... وأن يحبك من تحبّه
فقر تتصل بهذه الأبيات، فى وصف الشباب
أطاع الشباب وغرّته، وأجاب الصبا وشرّته. جرّ إزار الصبا، وأذال
стр. 248
ذيول الهوى «١» ، وركض «٢» فى ميدان التصابى، وجنى ثمرات الملاهى. هو في اقتبال شبابه، وحداثة أترابه «٣» ، وريعان عمره، وعنفوان أمره، هو في إبّان شبابه واعتداله وريعان إقباله واقتباله. بعثه على ذلك أشر الصبا، ولين الغصن، وشرخ الشبيبة وسكر الحداثة. فتىّ السّن، رطيب الغصن، عمره في إقباله، ونشاطه في استقباله، وشبابه في اقتباله، وماؤه بحاله. فلان في حكم الأطفال، الذين لم يعضّوا على نواجذ الرجال. هو في عنفوان شبيبة تخاف سقطاتها وهفواتها، ولا يؤمن جيحاتها ونزواتها. هو في سكرى الشباب والشراب، وبين نزوات الشبان، ونزغات الشيطان. شبابه أعمى عن الرشد، أصمّ عن العذل، قد لبّى داعى هواه، وانغمس في لجّة صباه. قد هجم بسكر الحداثة على سكرات الحوادث، يجرى إلى الصّبا جرى الصّبا. فلان غفل من سمة التّجربة، جامح في عذار الغفلة، صعب الرأس «٤» على لجام العظة. هو من سلطان الصّبا في النّوبة الأولى، قد خلع عذاره ومقوده، وألقى إلى البطالة باعه ويده. هو بين خمار الغداة وسكر العشى «٥» لا يعرف الصّحو، ولا يفارق اللهو. فلان لا يفيق، ولا يذكر التوفيق، هو بين غرر الشباب، وغرر الأحباب.
ويتعلق بهذه الألفاظ لهم في نجابة الشباب وترشحهم للمعالى
قد جمع نضارة الشباب إلى أبّهة المشيب، وهو على حدوث ميلاده وقرب إسناده شيخ قدر وهيبة، وإن لم يكن شيخ سنّ وشيبة. هو بين شباب مقتبل، وعقل مكتمل، قد لبس برد شبابه على عقل كهل، ورأى جزل، ومنطق فصل.
للدهر فيه مقاصد، وللأيام فيه مواعد، أرى له في فصل ضمان الأيام وودائع الحظوظ
стр. 249
والأقسام، تباشير نجح، ومخايل نصر وفتح، قد استكمل قوّة الفضل، ولم يتكامل له سنّ الكهل. ما زالت مخايله وليدا وناشئا، وشمائله صغيرا ويافعا، نواطق بالحسن عنه وضوامن النّجح فيه! قد سما إلى مراتب أعيان الرجال، التى لا تدرك إلا مع الكمال والاكتهال. حمدت عزائمه، قبل أن حلّت تمائمه، وشهدت مكرماته، قبل أن تدرج لداته «١» .
وقال البحترى:
لا تنظرنّ إلى العباس من صغر ... فى السّن وانظر إلى المجد الذى شادا
إنّ النجوم نجوم الأفق أصغرها ... فى العين أذهبها في الجوّ إصعادا
وقال آخر:
رأيت العقل لم يكن انتهابا ... ولم يقسم على قدر السنينا
فلو أنّ السنين تقسّمته ... حوى الآباء أنصبة البنينا
وقال الفضل بن جعفر الكاتب:
فإن خلّفته السنّ فالعقل بالغ ... به رتبة الكهل المؤهّل للمجد
فقد كان يحيى أوتى الحكم قبله ... صبيّا وعيسى كلّم الناس في المهد
[مما قيل في أثر الأيام والليالى]
وكان أبو حيّة كثير الرواية عن الفرزدق، وعمّر حتى التقى بابن مناذر فاستنشده شعره، فأنشده أبو حيّة:
ألا حىّ من أجل الحبيب المغانيا ... لبسن البلى مما لبسن اللّياليا
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة ... تقاضاه شىء لا يملّ التّقاضيا
حنتك الليالى بعد ما كنت مرة ... سوىّ العصا لو كنّ يبقين باقيا
стр. 250
فقال ابن مناذر: أو شعر هذا؟ فقال أبو حيّة: ما في شعرى عيب، غير أنك تسمعه.
وفي هذه القصيدة يقول أبو حية:
ولما أبت إلا التواء بودّها ... وتكديرها الشّرب الذى كان صافيا
شربت برنق من هواها مكدّر ... وكيف يعاف الرّنق من كان صاديا «١»
وقد قال عمرو بن قميئة «٢» فى معنى قول أبى حية:
كانت قناتى لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والإمساء
ودعوت ربى في السلامة جاهدا ... ليصحّنى فإذا السّلامة داء
وقال النّمر بن تولب «٣» :
يودّ الفتى طول السلامة والبقا ... فكيف يرى طول السلامة يفعل
يعود الفتى من بعد حسن وصحة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل «٤»
وقد روى في الحديث الشريف: «كفى بالسلامة داء» .
وقد أحسن حميد بن ثور في قوله:
أرى بصرى قد رابنى بعد صحة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما
следующие страницы →