Полный текст (1 141 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
بعيد مثانى الهمّ يمسى وماله ... سوى الله والعضب السّريجى صاحب «١»
يروم جسيمات العلا فينالها ... فتى في جسيمات المكارم راغب
فإن يمس وحشا بابه فلربما ... تواتر أفواجا إليه المواكب «٢»
يحيّون بسّاما كأنّ جبينه ... هلال بدا وانجاب عنه السحائب
وما غائب من غاب يرجى إيابه ... ولكنه من ضمّن اللّحد غائب
وزعم الصولى أن أباحيّة إنما قالها في محمد بن سليمان بن على بن عبيد الله بن العباس.
وكان أبو حيّة جيد الطبع، مألوف الكلام، رقيق حواشى الشعر.
[مجنون بنى عامر]
وسئل الأصمعى عن قيس بن الملوح المجنون، فقال: لم يكن مجنونا، وإنما كانت به لوثة كلوثة أبى حيّة «٣» ، وهو القائل:
رمتنى وستر الله بينى وبينها ... عشية أحجار الكناس رميم
رميم التي قالت لجارات بيتها: ... ضمنت لكم ألّا يزال يهيم
ألا ربّ يوم لو رمتنى رميتها ... ولكنّ عهدى بالنضال قديم
فيا عجبا من قاتل لى أوده ... أشاط دمى شخص علىّ كريم «٤»
يرى الناس أنى قد سلوت، وإننى ... لمدنف أحناء الضلوع سقيم «٥»
وأنشدنى إسحاق بن إبراهيم الموصلى في مثله، ولم يسم قائله:
هل الأدم كالآرام والزّهر كالدمى ... معاودتى أيامهنّ الصوالح «٦»
стр. 247
زمان سلاحى بينهن شبيبتى ... لها سائف من حسنهن ورامح «١»
فأقسمن لا يسقيننى قطر مزنة ... لشيبى ولو سالت بهن الأباطح
وقال هارون بن على بن يحيى المنجّم: «٢» الغانيات عهودهنّ إلى انصرام وانقضاب
من شاب شبن له المودّة ... بالخديعة والكذاب «٣»
فانعم بهنّ وزند سنّك ... في الشبيبة غير خابى «٤»
ما دمت في روق الصّبا ... وغصونه الخضر الرّطاب «٥»
فافخر بأيام الصبا ... واخلع عذارك في التصابى
واعط الشباب نصيبه ... ما دمت تعذر بالشباب
وقال أشجع بن عمرو السلمى:
وما لى لا أعطى الشباب نصيبه ... وغصناه يهتزّان في عوده الرّطب
رأيت الليالى ينتهبن شبيبتى ... فأسرعت باللذات في ذلك النّهب
فإنّ بنات الدّهر يخلسن لذتى ... فقد جزن سلمى وانتهين إلى حربى
وقد حوّلت حالى الليالى وأسرجت ... على الرأس أمثال الفتيل من العطب
وموت الفتى خير له من حياته ... إذا كان ذا حالين يصبو ولا يصبى
وقال آخر:
ما العيش إلا أن تحب ... وأن يحبك من تحبّه
فقر تتصل بهذه الأبيات، فى وصف الشباب
أطاع الشباب وغرّته، وأجاب الصبا وشرّته. جرّ إزار الصبا، وأذال
стр. 248
ذيول الهوى «١» ، وركض «٢» فى ميدان التصابى، وجنى ثمرات الملاهى. هو في اقتبال شبابه، وحداثة أترابه «٣» ، وريعان عمره، وعنفوان أمره، هو في إبّان شبابه واعتداله وريعان إقباله واقتباله. بعثه على ذلك أشر الصبا، ولين الغصن، وشرخ الشبيبة وسكر الحداثة. فتىّ السّن، رطيب الغصن، عمره في إقباله، ونشاطه في استقباله، وشبابه في اقتباله، وماؤه بحاله. فلان في حكم الأطفال، الذين لم يعضّوا على نواجذ الرجال. هو في عنفوان شبيبة تخاف سقطاتها وهفواتها، ولا يؤمن جيحاتها ونزواتها. هو في سكرى الشباب والشراب، وبين نزوات الشبان، ونزغات الشيطان. شبابه أعمى عن الرشد، أصمّ عن العذل، قد لبّى داعى هواه، وانغمس في لجّة صباه. قد هجم بسكر الحداثة على سكرات الحوادث، يجرى إلى الصّبا جرى الصّبا. فلان غفل من سمة التّجربة، جامح في عذار الغفلة، صعب الرأس «٤» على لجام العظة. هو من سلطان الصّبا في النّوبة الأولى، قد خلع عذاره ومقوده، وألقى إلى البطالة باعه ويده. هو بين خمار الغداة وسكر العشى «٥» لا يعرف الصّحو، ولا يفارق اللهو. فلان لا يفيق، ولا يذكر التوفيق، هو بين غرر الشباب، وغرر الأحباب.
ويتعلق بهذه الألفاظ لهم في نجابة الشباب وترشحهم للمعالى
قد جمع نضارة الشباب إلى أبّهة المشيب، وهو على حدوث ميلاده وقرب إسناده شيخ قدر وهيبة، وإن لم يكن شيخ سنّ وشيبة. هو بين شباب مقتبل، وعقل مكتمل، قد لبس برد شبابه على عقل كهل، ورأى جزل، ومنطق فصل.
للدهر فيه مقاصد، وللأيام فيه مواعد، أرى له في فصل ضمان الأيام وودائع الحظوظ
стр. 249
والأقسام، تباشير نجح، ومخايل نصر وفتح، قد استكمل قوّة الفضل، ولم يتكامل له سنّ الكهل. ما زالت مخايله وليدا وناشئا، وشمائله صغيرا ويافعا، نواطق بالحسن عنه وضوامن النّجح فيه! قد سما إلى مراتب أعيان الرجال، التى لا تدرك إلا مع الكمال والاكتهال. حمدت عزائمه، قبل أن حلّت تمائمه، وشهدت مكرماته، قبل أن تدرج لداته «١» .
وقال البحترى:
لا تنظرنّ إلى العباس من صغر ... فى السّن وانظر إلى المجد الذى شادا
إنّ النجوم نجوم الأفق أصغرها ... فى العين أذهبها في الجوّ إصعادا
وقال آخر:
رأيت العقل لم يكن انتهابا ... ولم يقسم على قدر السنينا
فلو أنّ السنين تقسّمته ... حوى الآباء أنصبة البنينا
وقال الفضل بن جعفر الكاتب:
فإن خلّفته السنّ فالعقل بالغ ... به رتبة الكهل المؤهّل للمجد
فقد كان يحيى أوتى الحكم قبله ... صبيّا وعيسى كلّم الناس في المهد
[مما قيل في أثر الأيام والليالى]
وكان أبو حيّة كثير الرواية عن الفرزدق، وعمّر حتى التقى بابن مناذر فاستنشده شعره، فأنشده أبو حيّة:
ألا حىّ من أجل الحبيب المغانيا ... لبسن البلى مما لبسن اللّياليا
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة ... تقاضاه شىء لا يملّ التّقاضيا
حنتك الليالى بعد ما كنت مرة ... سوىّ العصا لو كنّ يبقين باقيا
стр. 250
فقال ابن مناذر: أو شعر هذا؟ فقال أبو حيّة: ما في شعرى عيب، غير أنك تسمعه.
وفي هذه القصيدة يقول أبو حية:
ولما أبت إلا التواء بودّها ... وتكديرها الشّرب الذى كان صافيا
شربت برنق من هواها مكدّر ... وكيف يعاف الرّنق من كان صاديا «١»
وقد قال عمرو بن قميئة «٢» فى معنى قول أبى حية:
كانت قناتى لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والإمساء
ودعوت ربى في السلامة جاهدا ... ليصحّنى فإذا السّلامة داء
وقال النّمر بن تولب «٣» :
يودّ الفتى طول السلامة والبقا ... فكيف يرى طول السلامة يفعل
يعود الفتى من بعد حسن وصحة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل «٤»
وقد روى في الحديث الشريف: «كفى بالسلامة داء» .
وقد أحسن حميد بن ثور في قوله:
أرى بصرى قد رابنى بعد صحة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما
стр. 251
ولمن يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما
وهذان البيتان من قصيدة طويلة، وهى أجود شعر حميد «١» ، ومن أجود ما فيها:
وما هاج هذا الشوق إلّا حمامة ... دعت ساق حر ترحة وترنّما
تروح عليه والها ثم تغتدى ... مولّهة تبغى له الدّهر مطعما
تؤمل منه مؤنسا لانفرادها ... وتبكى عليه إن زقا وترنّما
كأنّ على إشراقه نور خمرة ... إذا هو مدّ الجيد منه لبطعما
فلمّا اكتسى الرّيش السّحام ولم تجذ ... لها معه في ساحة الحىّ مجثما «٢»
تنحّت قريبا فوق غصن تذأبت ... به الريح صرفا أىّ وجه تيمّما «٣»
فأهوى لها صقر مسفّ فلم يدع ... لها ولدا إلا رماما وأعظما
فأوفت على غصن ضحيّا ولم تدع ... لنائحة في نوحها متلوّما
عجبت لها أنّى يكون غناؤها ... فصيحا ولم تفغر بمنطقها فما «٤»
فلم أر مثلى شاقه صوت مثلها ... ولا عربيّا شاقه صوت أعحما
ومن حبيث الهجاء قوله في هذه القصيدة يخاطب رجلين بعثهما:
وقولا إذا جاورتما أرض عامر ... وجاوزتما الحيّين نهدا وخثعما
تريعان من جرم بن زيّان أنهم ... أبوا أن يريقوا في الهزاهز محجما «٥»
وما هجيت جرم بأشدّ من هذا، يريد أنهم لذلتهم لم يتروا أحدا فيطالبهم بذحل.
стр. 252
وقال الأصمعى: قيل لبعض الصالحين: كيف حالك؛ فال: كيف حال من يفنى ببقائه، ويسقم بسلامته، ويؤتى من مأمنه وقال محمود الوراق:
يحب الفتى طول البقاء كأنّه ... على ثقة أن البقاء بقاء
إذا ما طوى يوما طوى اليوم بعضه ... ويطويه- إن جنّ المساء- مساء
زيادته في الجسم نقص حياته ... وأنى على نقص الحياة نماء «١»
جديدان لا يبقى الجميع عليهما ... ولا لهما بعد الجميع بقاء
وقال المتنبى:
زيادة شيب وهي نقص زيادتى ... وقوّة عشق وهي من قوّتى ضعف
وبيت محمود الأخير كقول البحترى:
أناة أيّها الفلك المدار ... أنهب ما تصرّف أم جبار «٢»
ستفنى مثل ما تفنى وتبلى ... كما تبلى فيدرك منك ثار
تناب النائبات إذا تناهت ... ويدمر في تصرّفه الدّمار
وما أهل المنازل غير ركب ... مطاياهم رواح وابتكار
ويقول فيها:
لنا في الدّهر آمال طوال ... نرجّيها وأعمار قصار
أما وأبى بنى حار بن كعب ... لقد طرد الزمان بهم فساروا
أصاب الدّهر دولة آل وهب ... ونال الليل منهم والنهار
أعارهم رداء العزّ حتى ... تقاضاهم فردّوا ما استعاروا
وقد كانوا وأوجههم بدور ... لمبصرها وأيديهم بحار «٣»
أخذ قوله: «ستفنى مثل ما تفنى» أبو القاسم بن هانىء فقال:
تفنى النجوم الزّهر طالعة ... والنّيّران الشّمس والقمر
стр. 253
ولئن تبدّت في مطالعها ... منظومة فلسوف تنتثر
ولئن سعى الفلك المدار بها ... فلسوف يسلمها وينفطر
وقد استقصى على بن العباس الرومى المعنى الأول فقال:
والدّهر يبلى الفتى من حيث ينشئه ... حتى تكرّ عليه ليلة القرب «١»
يغذوه في كلّ آن وهو يأكله ... ويحتسى نغبا منه على نغب «٢»
يودى بحال فحال من شبيبته ... تسرّب الماء في مستانف الكتب «٣»
حسب امرىء من خنى دهر تطاوله ... وإن أجمّ فلم ينكب ولم ينب
فى هدنة الدّهر كاف من وقائعه ... والعمر أقدح مبراة من الوصب
وقال أيضا:
يابانى الحصن أرساه وشيّده ... حرزا لشلو من الأعداء مشجون «٤»
انظر إلى الدهر هل فاتته بغيته ... فى مطمح النسر أوفى مسبح النون «٥»
ومن تحصّن منخوبا على وجل ... فإنما حصنه سجن لمسجون
أشكو إلى الله جهلا قد أضرّ بنا ... بل ليس جهلا ولكن علم مفتون
وقال الطائى:
وإن تبن حيطان عليه فإنما ... أولئك عقّالاته لا معاقله
ودخل يحيى بن خالد على الرشيد وقد ابتدأت حاله في التغيّر، فأخبر أنه مشغول، فرجع، فبعث إليه الرشيد: خنتنى فاتهمتنى، فقال: إذا انقضت المدّة كان الحتف في الحيلة، والله ما انصرفت إلا تخفيفا.
أخذه ابن الرومى فقال وقد فصده بعض الأطباء، فزعم أن الفصد زاد في علته:
غلط الطبيب علىّ غلطة مورد ... عجزت محالته عن الإصدار «٦»
стр. 254
والناس يلحون الطبيب، وإنما ... غلط الطبيب إصابة المقدار
[وصف الثغور]
وقال أبو حيّة النميرى:
سقتنى بكأس الحبّ صرفا مروّقا ... رقاق الثنايا عذبة المترنّق «١»
وخمصانة تفترّ عن متنشق ... كنور الأقاحى طيب المتذوّق «٢»
إذا امتضغت بعد امتتاع من الضحى ... أنابيب من عود الأراك المخلّق «٣»
سقت شعب السواك ماء غمامة ... فضيضا بخرطوم الرّحيق المروّق «٤»
وأنشد الثورى:
ترى الدّر منثورا إذا ما تكلّمت ... وكالدّر منظوما إذا لم تكلّم
تعبّد أحرار القلوب بدلّها ... وتملأ عين الناظر المتوسم
والبيت الأول من هذين كقول البحترى:
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه «٥»
وقد تقدّم.
قال أبو الفرج الرياشى: سمعت الأصمعى يقول: أحسن ما قيل في وصف الثغر قول ذى الرمة:
وتجلو بفرع من أراك كأنّه ... من العنبر الهندىّ والمسك يصبح «٦»
стр. 255
ذرى أقحوان واجه الليل وارتقى ... إليه النّدى من رامة المتروّح
هجان الثّنايا معرب لو تبسّمت ... لأخرس عنه كاد بالقول يفصح «١»
ومن قديم هذا المعنى وجيّده قول النابغة الذبيانى في صفة المتجرّدة امرأة النعمان بن المنذر:
تجلو بقاد متى حمامة أيكة ... بردا أسفّ لثاته بالإنمد «٢»
كالأقحوان غداة غبّ سمائه ... جفّت أعاليه وأسفله ندى
زعم الهمام بأنّ فاها بارد ... عذب مقبّله شهىّ المورد
زعم الهمام ولم أذقه أنه ... يشفى بريّاريقها العطش الصّدى
ومن قوله: «ولم أذقه» أخذ كلّ من أتى بهذا المعنى، ففتقه الناس بعده، قال المتوكل الليثى:
كأنّ مدامة صهباء صرفا ... ترقرق بين راووق ودنّ
تعلّ بها الثّنايا من سليمى ... فراسة مقلتى وصحيح ظنّى
وقال بشّار:
يا أطيب الناس ريقا غير مختبر ... إلّا شهادة أطراف المساويك
قد زرتنا مرة في الدهر واحدة ... ثنّى ولا تجعليها بيضة الدّيك
يا رحمة الله حلّى في منازلنا ... حسبى برائحة الفردوس من فيك
وقيل لبشار: يا أبا معاذ، كم بين قولك، وأنشد هذه الأبيات وبين أن تقول:
إنما عظم سليمى خلّتى ... قصب السكر لا عظم الجمل
وإذا قرّب منها بصل ... غلب المسك على ريح البصل
стр. 256
فقال: إنما الشاعر المطبوع كالبحر: مرة يقذف صدفه، ومرة يقذف جيفه «١» .
[تفضيل السواد]
وقد تناول هذا المعنى أبو الحسن علىّ بن العباس الرومى من أقرب متناول فقال وكشفه بأوضح عبارة- فى صفته لجارية أبى الفضل عبد الملك بن صالح السوداء بعد أن استوفى جميع صفاتها وكان قد اقترح عليه وصفها:
وصفت فيها الّذى هويت على ال ... وهم ولم نختبر ولم نذق
إلّا بأخبارك التي رفعت ... منك إلينا عن ظبية البرق «٢»
حاشا لسوداء منظر سكنت ... ذراك إلا عن مخبر يقق «٣»
وهذه الأبيات من قصيدة له وصف فيها السواد، واحتجّ بتفضيله على البياض، حتى أغلق فيه الباب بعده، ومنع أن يقصد فيه أحد قصده، إلّا كان مقّصر السهم عن غرض الإحسان. وقد نبّه على بن عبد الله بن العباس [المسيب على] فضائلها، وأجاد التشبيه، وكشف عن وجوه الإبداع، وضروب الاختراع وقد مدح الناس السواد والسّود فأكثروا؛ فمن جيذ ما قالوا فيه قول أبى حفص الشطرنجى:
أشبهك المسك وأشبهته ... قائمة في لونه قاعده
لا شكّ إذ لونكما واحد ... أنكما من طينة واحده
فأخذ ابن الرومى هذا المعنى، وأضاف إليه أشياء أخر توسعا واقتدارا، فقال:
يذكرك المسك والغوالى والسّكّ ذوات النسيم والعبق «٤»
стр. 257
وهذه الأشياء وإن كانت ناقصة عن المسك، فهى ممدوحة بالطيب، غير مستغنى عن ذكرها في التشبيه؛ فأما زيادته على جميع من تعاطى مدح السواد فقوله:
سوداء لم تنتسب إلى برص الشّقر ولا كلفة ولا بهق «١» والأبيض الشديد البياض معيب، وقد دلّ عليه قوله:
وبعض ما فضّل السواد به ... والحقّ ذو سلّم وذو نفق
ألّا يعيب السّواد حلكته ... وقد يعاب البياض بالبهق «٢»
قوله: «الحق ذو سلّم وذو نفق» أراد أنّ الحقّ يتصرّف في جهات، وضرب الصعود والنزول لذلك مثلا؛ ثم قصد لوصف هذه السوداء بالكمال في الصفة؛ ومن عيب السّودان أن أكفّهم عابسة «٣» متشقّقة، وأطرافهم ليست بناعمة لينة، وكذلك لا يزال الفلح في شفاههم، وهي الشقوق المذمومة الموجودة في أكثر السودان في أوساط الشفاه، وأيضا فإن الأسود مهجو بخبث العرق، فنفى هذه الصفات المذمومة الموجودة في أكثر السودان عنها، فقال:
ل يست من العبس الأكفّ ولا ال ... فلح الشّفاه الخبائث العرق
ثم عاج بخاطره على وصف هذه السوداء بأضداد تلك الصفات المذمومة، فقال:
فى لين سمّورة تخيّرها الفرّاء ... أو لين جيّد الدّلق «٤»
ومن بديع مدح السوداء قوله:
أكسبها الحبّ أنها صبغت ... صبغة حبّ القلوب والحدق
فانصرفت نحوها الضمائر وال ... أبصار يعشقن أيّما عشق
فأخبر أنّ القلوب إنما أحبتها بالمجانسة التي بينها وبين حبّ القلوب من السواد، وكذلك الحدق.
стр. 258
ومن جيّد نشبيهات أبى نواس وقد نبّه نديما للصبوح فأخبر عن حاله وقال:
فقام والليل يجلوه الصباح كما ... جلا التبسم عن غر التّليّات
ولعلى بن العباس عليه التقدم بقوله:
يفتّر ذاك السواد عن يقق ... من ثغرها كاللالىء النّسق «١»
كأنها والمزاح يضحكها ... ليل تعرّى دجاه عن فلق «٢»
وفضل هذا الكلام على ذاك أن هذا قدّم لمعناه في التشبيه مقدمة أيّدته، ووطّأت له الآذان «٣» ، وأصغت الأفهام إلى الاستحسان، وهي قوله:
يفترّ ذاك السواد عن يقق
وفي هذه السوداء يقول، وقد سأله أبو الفضل الهاشمى أن يستغرق صفات.
محاسنها الظاهرة والباطنة، فقال:
لها حر يستعير وقدته ... من قلب صبّ وصدر ذى حنق «٤»
كأنما حرّه لخابره ... ما ألهبت في حشاه من حرّق
يزداد ضيقا على المراس كما ... تزداد ضيقا أنشوطة الوهق «٥»
ثم فكّر فيما فكّر فيه النابغة، وقد أمره النعمان بوصف المتجرّدة، فوصف ما يجوز ذكره من ظاهر محاسنها، ثم كره أن يذكر من فضائلها مالا يسوغ بمثله أن يذكر منها، فردّ الإخبار عن تلك الفضائل إلى صاحبها، وهو الملك، فقال:
زعم الهمام بأن فاها بارد ... عذب إذا قبّلته قلت ازدد
فاحتذى علىّ بن العباس هذا، فقال بعد ما سأله أن يستغرق في وصف فضائلها الظاهرة والباطنة:
خذها أبا الفضل كسوة لك من ... خزّ الأماديح لا من الخرق
стр. 259
وصفت فيها التي هويت على ال ... وهم ولم نختبر ولم نذق
إلّا بأخبارك التي وقعت ... منك إلينا عن ظبية البرق
حاشا لسوداء منظر سكنت ... ذراك إلّا عن مخبر يقق
وهذا المعنى أومأ إليه النابغة إيماء خفيّا تذهب معرفته عن أكثر الناس، ولو آثر النابغة ترك الاختصار، وهمّ بكشف المعنى وإيضاحه، ما زاد على هذا الكشف الذى كشفه ابن الرومى:
وأصحاب المعانى ينشدون للفرزدق:
وجفن سلاح قد رزئت فلم أنح ... عليه ولم أبعث عليه البواكيا
وفي بطنه من دارم ذو حفيظة ... لو ان المنايا أنسأته لياليا «١»
ومعناه عندهم أنه رثى امرأة توفّيت حاملا، فقال على بن العباس وقد وصف هذه المرأة السوداء:
أخلق بها أن تقوم عن ذكر ... كالسيف يفرى مضاعف الحلق
إنّ جفون السيوف أكثرها ... أسود والحقّ غير مختلق
فهذه زيادة بينة، وعبارة واضحة، لم تحتج إلى تفاسير أصحاب المعانى، وقال مما لم ينشده المتنبى:
غصن من الآبنوس ركّب فى ... مؤتزر معجب ومنتطق
يهتزّ من ناهديه فى ثمر ... ومن دواجى ذراه في ورق
وهذا معنى قد بلغ قائله من الإجادة، فوق الإرادة، وامتثل أبو الفضل الهاشمى ما أشار به ابن الرومى، فأولدها، فأنجبت.
وفي معنى قول الفرزدق قال الطائى وأحسن وذكر ولدين توأمين ماتا لعبد الله ابن طاهر:
стр. 260
إن ترز في طرفى نهار واحد ... رزأين هاجا لوعة وبلايلا
فالثّقل ليس مضاعفا لمطيّة ... إلا إذا ما كان وهما بازلا «١»
لهفى على تلك المشاهد منهما ... لو أمهلت حتى تكون شمائلا
لغدا سكونهما حجى، وصباهما ... حكما، وتلك الأريحيّة نائلا
إن الهلال إذا رأيت نماءه ... أيقنت أن سيكون بدرا كاملا
وعلى ذكر التوأمين ألفاظ لأهل العصر في التهنئة بتوأمين
تيسّرت منحتان في وطن، وانتظمت موهبتان في قرن «٢» ، طلع في أفق الكمال نجما سعد، وشهابا عزّ، وكوكبا مجد، فتأهّلت بهما ربوع المحاسن، ووطّئت لهما أكناف المكارم، واستشرفت إليهما صدور الأسرّة والمنابر. بلغنى خبر الموهبة المشفوعة بمثلها، والنّعمة المقرونة بعد لها «٣» فى الفارسين المقبلين، رضيعى العزّ والرفعة، وقرينى المجد والمنعة، فشملنى من الاغتباط ما يوجبه ازدواج البشرى، واقتران غادية «٤» بأخرى.
والشىء يذكر بما قارب ناحية من أنحائه، وجاذب حاشية من ردائه «٥» .
[شىء من الهجاء يشتمل على تضمين]
وقال بعض أهل العصر يهجو رجلا وضمّن قول النابغة:
كالأقحوان غداة غبّ سمائه
стр. 261
وأزاحه عن بابه؛ فجاء مليحا في الطبع، مقبولا في السمع:
يا سائلى عن جعفر، عهدى به ... رطب العجان وكفّه كالجلمد «١»
كالأقحوان غداة غبّ سمائه ... جفّت أعاليه وأسفله ندى «٢»
ومن مستحسن ما روى في هذا التضمين قول الآخر وضمن بيتا لمهلهل ابن ربيعة:
وسائلة عن الحسن بن وهب ... وعمّا فيه من كرم وخير
فقلت هو المهذب، غير أنى ... أراه كثير إرخاء الستور
وأكثر ما يغنيّه فتاه ... حسين حين يخلو بالسّرور
فلولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذّكور
وهذا البيت لمهلهل مما يعدّونه من أول كذب العرب، وكانت قبل ذلك لا تكذب في أشعارها «٣» ، وكان بين الموضع الذى كانت فيه هذه الواقعة وهي بالجزيرة وبين حجر وهي قصبة باليمامة مسافة بعيدة، فأخرجه هذا الشاعر بقوة منّته، ونفاذ فطنته، إلى معنى آخر مستظرف في بابه. وهذا المذهب أحسن مذاهب
стр. 262
التضمين. ومن مليح ما في هذا الباب تضمينات الحمدونى في طيلسان أحمد بن حرب المهلبى، وسيأتى ما أختاره من ذلك في غير هذا الموضع.
[عود إلى وصف الثغور ونقائها]
وقد جاء في صفة الثغور والأفواه والرّيق شعر كثير. قال جميل:
تمنيت منها نظرة وهي واقف ... تريك نقيّا واضح الثغر أشنبا «١»
كأنّ عريضا من فضيض غمامة ... هزيم الذّرى تمرى له الريح هيدبا «٢»
يصفّق بالمسك الذكىّ رضابه ... إذا النّجم من بعد الهدو تصوّبا «٣»
وقال:
وكأن طارقها على علل الكرى ... والنجم وهنا قد بدا لتغوّر
يستاف ريح مدامة معلولة ... يرضاب مسك في ذكىّ العنبر
وقال عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى:
يمجّ ذكىّ المسك منها مفلّج ... نقىّ الثنايا دو غروب مؤشّر «٤»
يرفّ إذا تفترّ عنه كأنه ... حصى برد أو أقحوان منوّر
وقال الهذلى:
وما صهباء صافية لضبّ ... كلون الصّرف منجاب قذاها
تشجّ بنطفة من ماء مزن ... أحلّته برضراض عراها
بأطيب مشرعا من طعم فيها ... إذا ما طار عن سنة كراها
стр. 263
وقال آخر:
وشقّ عنها قناع الخزّ عن برد ... كالدّرّ لا كسس فيه ولا ثعل «١»
كأنه أقحوان بات بضربه ... طلّ من الدّجن سقّاط النّدى هطل
كأنّ صرفا كميت اللّون صافية ... شجّت بماء سماء شنّه جبل «٢»
فوها إذا ما قضت من نومها سنة ... أو اعتراها سبات النّوم والكسل
وقال الآخر:
هجان اللّون واضحة المحيّا ... قطيع الصّوت آنسة كسول «٣»
تبسّم عن أغرّ له غروب ... فرات الرّيق ليس به فلول «٤»
كأنّ صبيب غادية لصبّ ... تشجّ به شآمية شمول
على فيها إذا الجوزاء عالت ... محلّقة وأردفها رعيل «٥»
وقال ابن المعتز:
يا نديمىّ اشربا واسقيانا ... قد بدا الصبح لنا واستبانا «٦»
واقتلا همى بصرف عقار ... واتركا الدّهر فما شاء كانا
إن للمكروه لذعة شرّ ... فإذا دام على المرء هانا
وامزجا كأسى بريقة ألمى ... طاب للعطشان وردا وحانا
من فم قد غرس الدّرّ فيه ... ناصح الريق إذا الرّيق خانا «٧»
وقال ابن الرومى:
يا ربّ ريق بات بدر الدّجى ... يمجّه بين ثناياكا
стр. 264
يروى ولا ينهاك عن شربه ... والماء يرويك وينهاكا
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
وإذا سألتك رشف ريقك قلت لى: ... أخشى عقوبة مالك الأملاك
ماذا عليك؟ جعلت قبلك في الثّرى! ... من أن أكون خليفة المسواك
أيجوز عندك أن يكون متيّم ... صبّ بحبّك دون عود أراك
وهذا المعنى يجاوز الإحصاء، ويفوت الاستقصاء؛ وكلّه مأخوذ من قول امرىء القيس:
كأنّ المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر «١»
يعلّ به برد أنيابها ... إذا طرّب الطائر المستحر «٢»
فجمع ما فرّقوه، وأخذه الجعفرى فقصّر عنه:
كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى وذوب العسل
يعلّ به برد أنيابها ... إذا النّجم وسط السماء اعتدل
ويلحق بهذه المعانى من شعر أهل العصر قول أبى على محمد بن الحسين بن المظفر الحاتمى- وذكر خمرا:
من كفّ ساق أهيف حركاته ... فتن تقنّع بالملاحة واعتجر «٣»
ناولته كأسى وكسر جفونه ... يوحى إلىّ أن ارتقبهم واصطبر
فثنى لها أقلام درّ رخصة ... تهوى إلى أفراد درّ ذى أشر «٤»
فتحدّرت من كأسه في ثغره ... كالشمس تغرب في هلال من قمر
وأهدى أبو الفتح كشاجم لبعض القيان مسواكا وكتب إليها:
قد بعثناه لكى تجلو به ... واضحا كاللؤلؤ الرّطب أغرّ
стр. 265
طاب منه العرف حتّى خلته ... كان من ريقك يسقى في الشّجر «١»
وأما والله لو يعلم ما ... حظه منك لأثنى وشكر
ليتنى المهدى فيروى عطشى ... برد أنيابك في كلّ سحر «٢»
[شعر عمر بن أبى ربيعة، وشعر الحارث بن خالد]
وكان ذكر بحضرة ابن أبى عتيق شعر عمر بن أبى ربيعة والحارث بن خالد المخزوميين، فقال رجل من ولد خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة: صاحبنا الحارث أشعر، فقال ابن أبى عتيق: دع قولك يابن أخى، فلشعر ابن أبى ربيعة لوطة بالقلب «٣» ، وعلق بالنفس، ودرك للحاجة ليس لشعر الحارث؛ وما عصى الله بشعر قطّ أكثر مما عصى بشعر ابن أبى ربيعة، فخذ عنى ما أصف لك: أشعر قريش من رقّ معناه، ولطف مدخله، وسهل مخرجه، وتعطّفت حواشيه، وأنارت معانيه، وأعرب عن صاحبه، فقال الذى من ولد خالد بن العاص: صاحبنا الذى يقول:
إنى وما نحروا غداة منى ... عند الجمار تئودها العقل «٤»
لو بدّلت أعلى منازلها ... سفلا وأصبح سفلها يعلو
فيكاد يعرفها الخبير بها ... فيردّه الإقواء والمحل «٥»
لعرفت مغناها بما احتملت ... منى الضلوع لأهلها قبل
فقال ابن أبى عتيق: يابن أخى، استر على صاحبك، ولا تشاهد المحاضر بمثل هذا، أما تطيّر الحارث عليها حين قلب ربعها فجعل عاليه سافله، ما بقى إلا أن يسأل الله حجارة من سجّيل وعذابا أليما. ابن أبى ربيعة كان أحسن الناس للرّبع مخاطبة وأجمل مصاحبة إذ يقول:
стр. 266
سائلا الرّبع بالبلىّ وقولا ... هجت شوقا لى الغداة طويلا
أين أهل حلّوك إذ أنت مسرو ... ربهم آهل أراك جميلا
قال: ساروا، وأمعنوا، واستقلّوا ... وبكرهى لو استطعت سبيلا
سئمونا وما سئمنا مقاما ... واستحبّوا دماثة وسهولا «١»
وهاهنا حكاية تأخذ بطرف الحديث، دخل مزيد المدنى على مولى لبعض أهل المدينة، وهو جالس على سرير ممهّد، ورجل من ولد أبى بكر الصديق وآخر من ولد عمر- ﵄! - جالسان بين يديه على الأرض؛ فلما رأى المولى مزيدا تجهّمه، وقال: يا مزيد ما أكثر سؤالك! وأشدّ إلحافك! جئت تسألنى شيئا؟ قال: لا والله، ولكنى أردت أن أسألك عن معنى قول الحارث بن خالد:
إنّى وما نحروا غداة منى ... عند الجمار تئودها العقل
لو بدّلت أعلى منازلها ... سفلا وأصبح سفلها يعلو
فلما رأيتك ورأيت هذين بين يديك عرفت معنى الذى قال. فقال:
اعزب في غير حفظ الله! وضحك أهل المجلس.
وأخذ الحارث قوله:
لعرفت مغناها بما احتملت ... منى الضلوع لأهلها قبل
من قول امرىء القيس؛ قال على بن الصباح ورّاق بن أبى محلم قال لى أبو محلم: أتعرف لامرىء القيس أبياتا سينية قالها عند موته في قروحه والحلة المسمومة، غير قصيدته التي أولها:
стр. 267
ألمّا على الرّبع القديم بعسعسا
فقلت: لا أعرف غيرها، فقال: أنشدنى جماعة من الرّواة:
لمن طلل درست آيه ... وغيّره سالف الأحرس «١»
تنكّره العين من حادث ... ويعرفه شغف الأنفس
وقد أخذه طريح بن إسماعيل الثقفى، فقال:
تستخبر الدّمن القفار ولم تكن ... لتردّ أخبارا على مستخبر
فظللت تحكم بين قلب عارف ... مغنى أحبّته وطرف منكر
وقال الحسن بن وهب، إشارة إلى هذا المعنى:
أبليت جسمى من بعد جدّته ... فما تكاد العيون تبصره
كأنّه رسم منزل خلق ... تعرفه العين ثم تنكره
وقال يحيى بن منصور الذهلى:
أما يستفيق القلب إلا انبرى له ... تذكّر طيف من سعاد ومربع
أخادع من عرفانه العين؛ إنه ... متى تعرف الأطلال عينى تدمع
وقال آخر:
هى الدار التي تعر ... ف لم لا تعرف الدّارا
ترى منها لأحبابك ... أعلاما وآثارا
فيبدى القلب عرفانا ... وتبدى العين إنكارا
وقال أبو نواس، وتعلق أول قوله بهذا المعنى، وأنا أنشد الأبيات كلها لملاحتها؛ إذ كان الغرض في هذا التصرف هو إرادة الإفادة:
ألا لا أرى مثلى امترى اليوم في رسم ... تغضّ به عينى ويلفظه وهمى «٢»
أتت صور الأشياء بينى وبينه ... فظنّى كلا ظنّ وعلمى كلا علم
стр. 268
فطب بحديث من حبيب مساعد «١» ... وساقية بين المراهق والحلم «٢»
ضعيفة كرّ الطّرف تحسب أنّها ... قريبة عهد بالإفاقة من سقم
يفوّق مالى من طريف وتالد ... تفوّقى الصهباء من حلب الكرم «٣»
وإنى لآتى الوصل من حيث يبتغى ... وتعلم قوسى حين أنزع من أرمى «٤»
[شعر أبى نواس]
وروى أبو هفان قال: كان أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابى «٥» يطعن على أبى نواس، ويعيب شعره، ويضعّفه، ويستلينه؛ فجمعه مع بعض رواة شعر أبى نواس مجلس والشيخ لا يعرفه، فقال له صاحب أبى نواس: أتعرف- أعزّك الله! - أحسن من هذا؟ وأنشده: «ضعيفة كرّ الطّرف ... » الأبيات فقال: لا والله، فلمن هو؟ قال: للذى يقول:
رسم الكرى بين الجفون محيل ... عفّى عليه بكا عليك طويل
يا ناظرا ما أقلعت لحظاته ... حتى تشحّط بينهنّ قتيل
فطرب الشيخ، وقال: ويحك! لمن هذا؟ فو الله ما سمعت أجود منه لقديم
стр. 269
ولا لمحدث! فقال: لا أخبرك أو تكتبه؛ وكتب الأول، فقال: للذى يقول:
ركب تساقوا على الأكوار بينهم ... كأس الكرى فانتشى المسقىّ والساقى
كأنّ أرؤسهم والنّوم واضعها ... على المناكب لم تخلق بأعناق
ساروا فلم يقطعوا عقدا لراحلة ... حتى أناخوا إليكم قبل إشراقى
من كل جائلة الطرفين ناجية ... مشتاقة حملت أوصال مشتاق
فقال: لمن هذا؟ وكتبه. فقال: للذى تذمّه، وتعيب شعره، أبى على الحكمى! قال: اكتم علىّ، فو الله لا أعود لذلك أبدا.
أخذ قوله: «كأنّ أرؤسهم والنوم واضعها» أبو العباس بن المعتز، فقال يصف شربا:
كأنّ أباريق الّلجين لديهم ... ظباء بأعلى الرّقمتين قيام
وقد شربوا حتى كأن رؤوسهم ... من اللّين لم يخلق لهنّ عظام
البيت الأول من هذين من قول علقمة بن عبدة «١» :
كأنّ إبريقهم ظبى على شرف ... مفدّم بسبا الكتّان ملثوم «٢»
أراد بسبائب «٣» ، فحذف. وقد أحسن مسلم بن الوليد في قوله:
إبريقنا سلب الغزالة جيدها ... وحكى المدير بمقلتيه غزالا
يسقيك بالألحاظ كأس صبابة ... ويديرها من كفّه جريالا «٤»
стр. 270
وأنشد الحارث بن خالد أبياته:
إنى وما نحروا غداة منى......
لعبد الله بن عمر، فلما بلغ إلى قوله:
لعرفت معناها بما احتملت ... منّى الضلوع لأهلها قبل
قال له ابن عمر: قل إن شاء الله، قال: إذا يفسد الشعر يا أبا عبد الرحمن، فقال: لا خير في شىء يفسده إن شاء الله.
[تشبيب الحارث بن خالد]
وكان الحارث بن خالد أحد المجيدين في التشبيب، ولم يكن يعتقد شيئا من ذلك، وإنما يقوله تظرّفا وتخلّعا؛ وكان أكثر شعره في عائشة بنت طلحة، فلما قتل عنها مصعب بن الزبير قيل له: لو خطبتها! قال: إنى لا كره أن يتوهّم الناس علىّ أنى كنت معتقدا لما أقول فيها، وهو القائل:
يا أمّ عمران ما زالت وما برحت ... بنا الصّبابة حتى مسّنا الشّفق «١»
القلب تاق إليكم كى يلاقيكم ... كما يتوق إلى منجاته الغرق «٢»
توفيك شيئا قليلا وهي خائفة ... كما يمسّ بظهر الحيّة الفرق «٣»
أخذ هذا الطائى فحسّنه فقال:
تأبى على التّصريد إلّا نائلا ... إلّا يكن ماء قراحا يمذق «٤»
نزرا كما استكرهت عابر نفجة ... من فأرة المسك التي لم تفتق
وحجّت عائشة بنت طلحة، فوجّه إليها يستأذنها في الزيارة، فقالت: نحن حرام، فأخّر ذلك حتى نحلّ، فلما أحلت أدلجت ولم يعلم، فكتب إليها:
ما ضرّكم لو قلتم سددا ... إنّ المنيّة عاجل غدها «٥»
ولها علينا نعمة سلفت ... لسنا على الأيام نجحدها
стр. 271
لو تمّمت أسباب نعمتها ... تمّت بذلك عندنا يدها
إنى وإياها كمفتتن ... بالنار تحرقه ويعبدها
[من أخبار ابن أبى عتيق وعائشة بنت طلحة]
وابن أبى عتيق هذا هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق، ﵁! وكان من أفاضل زمانه علما وعفافا، وكان أحلى الناس فكاهة، وأظرفهم مزاحا، وله أخبار مستظرفة سيمرّ منها ما يستحسن إن شاء الله.
روى الزبير بن أبى بكر أنه دخل على عائشة- يعنى بنت طلحة، ﵄! - وهي لمابها؛ فقال: كيف أنت جعلت فداك؟ قالت: فى الموت، قال:
فلا إذا، إنما ظننت في الأمر فسحة، فضحكت، وقالت: ما تدع مزحك بحال.
وفيه يقول عمر بن أبى ربيعة القرشى:
ليت شعرى هل أقولن لركب ... بفلاة هم لديها خشوع
طالما عرّستم فاستقلّوا ... حان من نجم الثريّا طلوع
إنّ همّى قد نفى النوم عنّى ... وحديث النفس منّى يروع
قال لى فيها عتيق مقالا ... فجرت مما يقول الدموع
قال لى: ودّع سليمى ودعها ... فأجاب القلب: لا أستطيع
لا تلمنى في اشتياقى إليها ... وابك لى مما تجنّ الضّلوع
[مثل من التعريض]
قال أبو العباس محمد بن يزيد «١» قوله: «حان من نجم الثريا طلوع» كناية، وإنما
стр. 272
يريد الثريا بنت على بن عبد الله بن الحارث بن أميّة الأصغر، وكانت موصوفة بالجمال، وتزوّجها سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهرى، فنقلها إلى مصر، وفي ذلك يقول عمر، وضرب لهما المثل بالنجمين:
أيها المنكح الثريّا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان
هى شاميّة إذا ما استقلّت ... وسهيل إذا استقلّ يمانى
فمات سهيل عنها، أو طلّقها، فخرجت إلى الوليد بن عبد الملك وهو خليفة دمشق تطلب في دين عليها، فبينا هي عند أمّ البنين ابنة عبد العزيز إذ دخل الوليد فقال: من هذه عندك؟ قالت: الثريا، جاءتك تطلب في دين ارتكبها، فأقبل الوليد عليها، فقال: أتروين من شعر عمر بن أبى ربيعة شيئا؟ قالت:
نعم، أما إنه ﵀ كان عفيفا، عفيف الشعر، أروى له قوله:
ما على الرّسم بالبليين لو ب ... يّن رجع السلام أولو أجابا
فإلى قصر ذى العشيرة بالصا ... ئف أمسى من الأنيس يبابا
وبما قد أرى به حىّ صدق ... ظاهرى العيش نعمة وشبابا
وحسانا جواريا خفرات ... حافظات عند الهوى الأحسابا
لا يكثّرن بالحديث ولا يتبعن ... ينعقن بالبهام الظّرابا «١»
فلما خلا الوليد بأم البنين قال: لله درّ الثريا؛ أتدرين ما أرادت بإنشادها ما أنشدت من شعر عمر؟ قالت: لا، قال: فإنّى لما عرّضت لها بعمر عرّضت بأن أمى أعرابية؛ وأم الوليد ولّادة ابنة العباس بن جزء بن الحارث بن زهير العبسى، وهي أمّ سليمان، ولا تعلم امرأة ولدت خليفتين في الإسلام غيرها، وغير الخيزران، وهي سبيّة من خرشنة، ولدت موسى الهادى وهارون الرشيد ابنى محمد المهدى، وشاهسفرم بنت فيروز بن يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز؛ فإنها
стр. 273
ولدت للوليد بن عبد الملك يزيد بن الوليد الناقص وإبراهيم بن الوليد المخلوع؛ جلس في الخلافة بعد أخيه يزيد مدة يسيرة، ثم جاء مروان بن محمد بن مروان آخر ملوك بنى أمية فخلعه وولّى بعده.
وشبيه بقول الثريا في باب التعريض أنه دخلت عزّة على عبد الملك بن مروان، فقال لها: أنت عزّة كثير؟ قالت: أنا أم بكر الضّمرية، قال لها:
يا عزّة؟ هل تروين من شعر كثيّر شيئا؟ قالت: ما أعرفه، ولكن سمعت الرواة ينشدون له:
قضى كلّ ذى دين فوفّى غريمه ... وعزّة ممطول معنّى غريمها
قال: فتروين قوله:
وقد زعمت أنى تغيرت بعدها ... ومن ذا الذى يا عزّ لا يتغير
تغير حالى والخليقة كالذى ... عهدت ولم يخبر بسرك مخبر
قالت: ما سمعت هذا، ولكن سمعتهم ينشدون:
كأنّى أنادى صخرة حين أعرضت ... من الصّمّ لو تمشى بها العصم زلّت «١»
غضوبا فما تلقاك إلا بخيلة ... فمن ملّ منها ذلك الوصل ملّت «٢»
[بعض أخبار عمر بن أبى ربيعة وغزله]
قال: وكلّ ما ذكر ابن أبى ربيعة في شعره من عتيق، أو أبى عتيق، فإنما هو ابن أبى عتيق، وكان عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة، واسم أبى ربيعة حذيفة، ابن المغيرة بن عبد الله [بن عمر] بن مخزوم، ويكنى أبا الخطاب، أمه أم ولد سبيّة من حضرموت، ويقال من حمير، ومن ثم أتاه الغزل؛ لأنه يقال: «عشق يمانى، ودلّ حجازى» . قال إسحاق بن إبراهيم الموصلى:
стр. 274
إن قلبى بالتلّ تلّ عزاز ... مع ظبى من الظّباء الجوازى «١»
شادن لم ير العراق وفيه ... مع ظرف العراق دلّ الحجاز
وقال الطائى وذكر نفسه:
قد ثقّفت منه الحجاز، وسهّلت ... منه العراق، ورقّقته المشرق «٢»
وهجرت الثريا عمر، فقال:
قال لى صاحبى ليعلم ما بى: ... أتحبّ القتول أخت الرّباب؟
قلت: وجدى بها كوجدك بالما ... ء إذا ما فقدت برد الشّراب
أزهقت أمّ نوفل إذ دعتها ... مهجتى، ما لقاتلى من متاب
أبرزوها مثل المهاة تهادى ... بين خمس كواعب أتراب
وهي مكنونة تحدّر منها ... فى أديم الخدّين ماء الشباب
ثم قالوا: تحبّها؟ قلت: بهرا ... عدد الرّمل والحصى والتّراب
ولما بلغ ابن أبى عتيق قوله:
من رسولى إلى الثريّا؟ فإنى ... ضقت ذرعا بهجرها والكتاب
قال: إياى أراد، وبى هتف ونوّه، لا جرم لا ذقت طعاما أو أشخص إليها، وأصلح بينهما؛ قال مولى لبنى تميم: فنهض ونهضت معه، ثم خرج إلى السوق إلى الضمرتين، فأتى قوما من بنى الديل بن بكر يكرون النجائب، فقال: بكم تكروننى راحلتين إلى مكة؟ قالوا: بكذا وكذا درهما، فقلت لبعض التجار:
استوضعوا شيئا، فقال ابن أبى عتيق: ويحك! إنّ المكاس ليس من أخلاق الناس «٣» . ثم ركب واحدة وركبت أخرى، وأجدّ السير، فقلت: ارفق بنفسك،
стр. 275
فقال: ويحك! أبادر حبل الوصل أن يتقضّبا. وما أملح الدنيا إذا تمّ الوصل بين عمر والثريا! فقدمنا مكة وأتى باب الثريا، فقالت: والله ما كنت لنا زوّارا، فقال: أجل، ولكن جئت برسالة، يقول لك ابن عمك عمر: ضقت ذرعا بهجرها والكتاب. فلامه عمر، فقال ابن أبى عتيق: إنما رأيتك مبادرا تلتمس رسولا، فخففت في حاجتك، فإنما كان ثوابى أن أشكر.
ووصف ابن أبى عتيق لعمر امرأة من قومه، وذكر جمالا رائعا، وعقلا فائقا، فرآها عمر، فشبّب بها؛ فغضب ابن أبى عتيق وقال: تشبّب بامرأة من قومى؟ فقال عمر:
لا تلمنى عتيق حسبى الّذى بى ... إنّ بى يا عتيق ما قد كفانى
إن بى مضمرا من الحب قد أب ... لى عظامى مكنونه وبرانى
لا تلمنى فأنت زيّنتها لى
فقال ابن أبى عتيق:
أنت مثل الشيطان للانسان
فقال عمر: هكذا وربّ الكعبة قلت.
فقال ابن أبى عتيق: إن شيطانك وربّ القبر ربما ألم بى! وحجّت رملة بنت عبد الله بن خلف أخت طلحة الطلحات، فقال عمر فيها:
أصبح القلب في الحبال رهينا ... مقصدا يوم فارق الظاعينا
ولقد قلت يوم مكة سرّا ... قبل وشك من بينكم نولينا
أنت أهوى العباد قربا وبعدا ... لو تواتين عاشقا محزونا
قاده الحين يوم سرنا إلى الح ... جّ جهارا ولم يخف أن يحينا
فإذا نعجة تراعى نعاجا ... ومها نجّل النواظر عينا
فسبتنى بمقلة وبجيد ... وبوجه يضىء للناظرينا
стр. 276
قلت من أنتم فصدّت وقالت ... أمبدّ سؤالك العالمينا «١»
قلت بالله ذى الجلالة لما ... أن تبلت الفؤاد أن تصدقينا
أىّ من تجمع المواسم أنتم ... فأبينى لنا ولا تكذيبنا
فرأت حرصى الفتاة، فقالت ... أخبريه بعلم ما تكتمينا
نحن من ساكنى العراق، وكنّا ... قبلها قاطنين مكة حينا
قد صدقناك إذ سألت فمن ... أنت عسى يجرّ شأن شؤونا
ونرى أنّنا عرفناك بالنعت ... ظنونا وما قتلنا يقينا
بسواد الثّنيّتين ونعت ... قد نراه لناظر مستبينا
قولها: «وكنا قبلها قاطنين مكّة حينا» أرادت إذ كانت مكة لخزاعة.
وكان آخر من نبذ مفتاح الكعبة من خزاعة أبو غبشان، فباعه من قصىّ بزقّ خمر؛ فقيل في المثل: «أخسر صفقة من أبى غبشان» . وكان أبو غبشان إذ باع المفتاح قصيّا مريضا قد يئس من نفسه، فلما أبلّ من مرضه لامه قومه، وسألوه استرجاعه، وذلك الذى هاج الحرب بين خزاعة وقريش، فظفر قصىّ واستولى على مكة، وجمع قريشا بها؛ ولذلك سمى مجمعا، قال مطرف الخزاعى:
أبوكم قصىّ كان يدعى مجمّعا ... به جمّع الله القبائل من فهر
وقال الطائى:
ولما نضا ثوب الحياة وأوقعت ... به نائبات الدهر ما يتوقّع
غدا ليس يدرى كيف يصنع معدم ... ذرى دمعه في خدّه كيف يصنع
ولم أنس سعى الجود خلف سريره ... بأكسف بال يستقلّ ويظلع «٢»
وتكبيره خمسا عليه معا لنا ... وإن كان تكبير المصلين أربع
وما كنت أدرى يعلم الله قبلها ... بأنّ النّدى في أهله يتشيّع
стр. 277
غدؤا في زوايا نعشه وكأنّما ... قريش قريش يوم مات مجمّع
وقال الشاعر في أمر قصىّ وأبى غبشان:
أبو غبشان أظلم من قصىّ ... وأظلم من بنى فهر خزاعه
فلا تلحوا قصيّا في شراه ... ولوموا شيخكم إذ كان باعه
وكان عمر أسود الثنيتين.
قال مولى ابن أبى عتيق بلال: أتيت الثريّا مسلما عليها، فقالت: أنشدنى لعمر، فأنشدتها:
أصبح القلب في الحبال رهينا
فقالت الثريا: إى والله، لئن سلمت له لأردّنّ من شأوه، ولأثنينّ من عنانه، ولأعرفنّه نفسه! فمررت فيها حتى انتهيت إلى قوله:
قلت من أنتم فصدّت وقالت ... أمبدّ سؤالك العالمينا
فقالت: أو قد أجابته بهذا؟ أى وقت؟ فلما انتهيت إلى قوله:
وترى أننا عرفناك بالنّعت
قالت: جاءت النّوكاء بآخر ما عندها في موقف واحد «١» .
وسأله أخوه الحارث- وهو المعروف بالقباع، وكان من أفاضل أهل دهره- أن يترك الشعر، ورغب إليه في ذلك، ووعظه، فقال: أما ما دمت بمكة فلا أقدر، ولكنى أخرج إلى اليمن، فخرج؛ فلما سار إلى هناك لم تدعه نفسه وترك الشعر، فقال:
هيهات من أمة الوهّاب منزلنا ... إذا نزلنا بسيف البحر من عدن «٢»
واحتلّ أهلك أجيادا، وليس لنا ... إلا التذكّر أو حظّ من الحزن
بل ما نسيت غداة الخيف موقفها ... وموقفى، وكلانا ثمّ ذو شجن
стр. 278
وقولها للثريا وهي مطرقة ... والدمع منها على الخدّين ذو سنن «١»
بالله قولى له في غير معتبة ... ماذا أردت بطول المكث في اليمن
إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها ... فما أخذت بترك الحجّ من ثمن
فلما بلغ الشعر الحارث قال: قد علمنا أنه لا يفى «٢» .
وروى سفيان بن عيينة عن ابن جريج قال: لزمنى دين مرّة فضاقت ساحتى وبلادى بى، فتوجّهت إلى معن بن زائدة باليمن، فقال: ما أقدمك هذه البلدة؟ قلت: دين طردنى عن وطنى، قال: يقضى دينك، وترد إلى وطنك محبوّا محبورا، قال: فأفمت عنده، ثم رأيت الناس يرحلون إلى الحج، فحننت إلى مكة، وذكرت قول ابن أبى ربيعة، وذكر الأبيات ... فأتيت باب معن، فقلت للحاجب: استأذن لى على الأمير، فلما دخلت عليه قال: إنّ لك لحادث خبر! قلت: أستودع الله الأمير وأستحفظه عليه. قال: وما هاج هذا منك؟ فقلت: رأيت خروج الناس إلى الحج، وذكرت قول عمر؛ فحننت إلى مكّة، فقال: أنت وحنينك، وإن كنت بفراقك ضنينا، وسيتبعك ما تحتاج إليه؛ فسر مصاحبا، قال: فسرت إلى رحلى، فأتبعنى بمال وثياب ومطايا ودوابّ، وسرت إلى مكّة من فورى.
وكان عمر- على غزله، وما يذكره في شعره- عفيفا. حدّث المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: دخلت مع أبى مكة، فجاءه عمر، فسلّم عليه، وأنا غلام شابّ وعلىّ جبّة، فجعل يأخذ بخصلة من شعرى فتمتدّ في يده، ثم يرسلها فترجع، فيقول: واشباباه! فقال لى: يا بن أخى، قد سمعت قولى: «قلت لها وقالت لى» ؛ وكلّ مملوك لى حرّ إن كنت قطّ كشفت عن فرج حرام! قال: فقمت وفي
стр. 279
نفسى من يمينه شىء؛ فسألت عن رقيقه، فقيل لى: أما في هذا الحول فسبعون.
ويستحسن قول عمر في المساعدة:
وخلّ كنت عين النّصح منه ... إذا نظرت ومستمعا مطيعا
أطاف بغيّة فنهيت عنها ... وقلت له: أرى أمرا شنيعا
أردت رشاده جهدى، فلمّا ... أبى وعصى أتيناها جميعا
وهذا مأخوذ من قول دريد بن الصّمة الجشمى «١» :
أمرتهم أمرى بمنعرج اللّوى ... فلم يستبينوا الرّشد إلّا ضحا الغد
فقلت لهم: ظنّوا بألفى مدجّج ... سراتهم في الفارسىّ المسرّد «٢»
فلما عصونى كنت منهم وقد أرى ... غوايتهم وأننى غير مهتدى
وما أنا إلّا من غزيّة إن غوت ... غويت، وإن ترشد غزيّة أرشد
ومن جيد شعره:
يقولون إنى لست أصدق في الهوى ... وإنى لا أرعاك حين أغيب
فما بال طرفى عفّ عما تساقطت ... له أنفس من معشر وقلوب
عشية لا يستنكر القوم أن يروا ... سفاه حجى ممن يقال لبيب
ولا فتنة من ناسك أو مضت له ... بعين الصبا كسلى القيام لعوب «٣»
تروّح يرجو أن تحطّ ذنوبه ... فآب وقد زيدت عليه ذنوب
وما النّسك أسلانى، ولكنّ للهوى ... على العين منّى والفؤاد رقيب
ونظر عمر بن أبى ربيعة إلى فتى من قريش يكلّم امرأة في الطواف، فعاب ذلك عليه، فذكر أنها ابنة عمه، فقال: ذلك أشنع لأمرك، قال: إنى خطبتها
стр. 280
إلى عمى، وإنه زعم أنه لا يزوّجنى حتى أصدقها أربعمائة دينار، وأنا غير قادر على ذلك، وذكر من حاله وحبّه لها؛ فأتى عمر عمّه، فكلّمه في أمرها، فقال: إنه مملق، فزوّجه، وساق عمر عنه المهر.
وكان عمر حين أسنّ حلف ألّا يقول بيتا إلا أعتق رقبة، فانصرف إلى منزله يحدّث نفسه، فجعلت جاريته تكلّمه ولا يجيبها؛ فقالت: إن لك لشأنا، وأراك تريد أن تقول شعرا، فقال:
تقول وليدتى لما رأتنى ... طربت: وكنت قد أقصرت حينا
أراك اليوم قد أحدثت أمرا ... وهاج لك الهوى داء دفينا
وكنت زعمت أنك ذو عزاء ... إذا ما شئت فارقت القرينا
لعمرك هل رأيت لها سميّا ... فشاقك أم لقيت لها خدينا
فقلت: شكا إلىّ أخ محبّ ... كبعض زماننا إذ تعلمينا
فقصّ علىّ ما يلقى بهند ... فذكّر بعض ما كنا نسينا
وذو الشوق القديم وإن تعزّى ... مشوق حين يلقى العاشقينا
فكم من خلّة أعرضت عنها ... لغير قلى، وكنت بها ضنينا
أردت بعادها فصددت عنها ... وإن جنّ الفؤاد بها جنونا
ثم دعا تسعة من رقيقه فأعتقهم.
قال عثمان بن إبراهيم: حججت أنا وأصحاب لنا، فلما رجعنا من مكّة مررنا بالمدينة، فرأينا عمر بن أبى ربيعة، وقد نسك وترك قول الشعر، فقال بعضنا لبعض: هل لكم فيه؟ فملنا إليه، وسلّمنا عليه، وجلسنا وهو ساكت لا يكلمنا. فقال له بعضنا: أيعجبك قول الفرزدق:
سرت لعينك سلمى بعد مغفاها ... فبتّ مستلهيا من بعد مسراها
فقلت: أهلا وسهلا! من هداك لنا؟ ... إن كنت تمثالها أو كنت إيّاها
تأتى الرياح التي من نحو بلدتكم ... حتى نقول: دنت منا بريّاها
стр. 281
وقد تراخت بهم عنّا نوى قذف ... هيهات مصبحها من بعد ممساها «١»
من أجلها أتمنّى أن يلاقينى ... من نحو بلدتها ناع فينعاها
كيما أقول: افتراق لا اجتماع له، ... وتضمر النفس يأسا ثم تسلاها
ولو تموت لراعتنى وقلت لها: ... يا بؤس للدهر ليت الدهر أبقاها
فلم يهش لذلك! فقال الآخر: أيعجبك قول العذرى:
لو حزّ بالسيف رأسى في مودّتها ... لمرّ يهوى سريعا نحوها راسى
ولو بلى تحت أطباق الثرى جسدى ... لكنت أبلى وما قلبى لكم ناسى
أو يقبض الله روحى صار ذكركم ... روحا أعيش به ما عشت في الناس
لولا نسيم لذكراكم يروّحنى ... لكنت محترقا من حرّ أنفاسى
فتحرك ثم قال: يا ويحه! أبعد ما يحز رأسه يميل إليه؟
ثم أنشأ يحدثنا، فقال: أتانى خالد الدليل، فقال: إن هندا وأترابها بموضع كذا وكذا من الصحراء أيام الربيع، فقلت: كيف الحيلة؟ فقال: تتلثم وتكتفل «٢» كانك طالب ضالة، ففعلت، فدفعت إليهن، فقلن: يا أعرابى، ما تطلب؟ قلت:
ضالة لى، فقلن: قد كللت يا أعرابى، فلو جلست فأصبت من حديثنا وأصبنا من حديثك، ولعلك تروح إلى وجود ضالتك، فنزلت؛ فلما امتد الحديث بنا حسرت هند لثامى، وقالت: أتراك خدعتنا؟ نحن والله خدعناك، وبعثنا إليك خالدا، رأينا خلاء ومنظرا فأردناك، ونظرت في درعى فأعجبنى ما رأيت، فقلت:
يا أبا الخطاب! قال عمر: فقلت: لبّيك، وفي ذلك أقول:
ألم تسأل الأطلال والمتربّعا ... ببطن حليّات دوارس بلقعا «٣»
стр. 282
إلى السّرح من وادى المغمّس بدّلت ... معالمه وبلا ونكباء زعزعا «١»
فيبخلن أو يخبرن بالعلم بعد ما ... نكأن فؤادا كان قدما موجّعا «٢»
لهند وأتراب لهند إذ الهوى ... جميع وإذ لم نخش أن يتصدّعا
وإذ لا نطيع العاذلين ولا نرى ... لواش لدينا يطلب الهجر مطمعا
وإذ نحن مثل الماء كان مزاجه ... كما صفّق الساقى الرحيق المشعشعا
تنوعتن حتى عاود القلب خبله ... وحتى تذكّرت الحبيب المودّعا
فقلت لمطريهن بالحسن: إنما ... ضررت، فهل تسطيع نفعا فتنفعا؟
وأشريت فاستشرى وقد كان قد صحا ... فؤاد بأمثال المها كان مولعا «٣»
لئن كان ما حدّثت حقّا فما أرى ... كمثل الألى أطريت في الناس أربعا «٤»
فقال: فقم فانظر، فقلت: وكيف لى ... أخاف حديثا أن يشاع فيشنعا
فقال: اكتفل ثم التثم فأت باغيا ... فسلّم ولا نكثر بأن تتورّعا
فأقبلت أهوى مثل ما قال صاحبى ... لموعده أبغى قلوصا موقّعا «٥»
فلما تواقفنا وسلّمت أقبلت ... وجوه زهاها الحسن أن تتقنّعا
تبالهن بالعرفان لمّا رأيننى ... وقلن: امرؤ باغ أكلّ وأوضعا «٦»
وقرّبن أسباب الهوى لمتيّم ... يقيس ذراعا كلما قسن إصبعا
فلما تنازعن الأحاديث قلن لى ... أخفت علينا أن نغرّ ونخدعا
стр. 283
فبالأمس أرسلنا بذلك خالدا ... إليك، وبينا له الأمر أجمعا
فما جئتنا إلّا على وفق موعد ... على ملأ منّا خرجنا له معا
رأينا خلاء من عيون ومنظرا ... دميث الربى سهل المحلة ممرعا «١»
وقلن: كريم نال وصل كرائم ... فحقّ له في اليوم أن تمتّعا
وقوله: «وجوه زهاها الحسن أن تنقنعا» يقول: هذه الوجوه مدلّة بجمالها فلا تختمر، فتستر شيئا عن الناظرين إليها. وقد أشار إلى هذا المعنى الشماخ بن ضرار «٢» يصف ناقته:
كأنّ ذراعيها ذراع مدلّة ... بعيد الشباب حاولت أن تعذّرا «٣»
من البيض أعطافا إذا اتّصلت دعت ... فراس بن غنم أو لقيط بن يعمرا
بها شرق من زعفران وعنبر ... أطارت من الحسن الرّداء المحبّرا
[من لا ترى ستر الوجه من النساء، واحتجاجها لذلك]
قال: وكانت عائشة بنت طلحة بن عبيد الله لا تستر وجهها، فلما دخلت على مصعب بن الزبير قال لها في ذلك، فقالت: إن الله تعالى وسمنى بميسم جمال، فأحببت أن يراه الناس، والله مابى وصمة أستتر لها.
وقال على بن العباس الرومى يصف قينة:
لم يعتصم عودها بزامرة ... ولا انضوى وجهها إلى الستر
وقد ردد معنى قوله: «لم يعتصم عودها بزامرة» فقال: يصف برعة الكبيرة:
غنت فلم تحوج إلى زامر ... هل تحوج الشمس إلى شمعه
стр. 284
كأنما غنّت لشمس الضحى ... فألبستها حسنها خلعه
كأنما رنّة مسموعها ... رقة شكوى سبقت دمعه
تهدى إلى قلبك ما يشتهى ... كأنها قد أطلعت طلعه
يجتمع الظرف لجلّاسها ... والحسن والإحسان في بقعه
طفّل على من حصلت عنده ... فبعض تطفيل الفتى رفعه «١»
ربيع غيث فانتجع روضه ... فلن يعاب الحرّ بالنجعه «٢»
[ستر الرأس لإخفاء الصلع]
وكان ابن الرومى لا يزال معتمّا، وكان يغضب إذا سئل عن ذلك، وسأله بعض الرؤساء: لم تعتم؟ فقال بديها:
يأيّها السائلى لأخبره ... عنّى لم لا أراك معتجرا
أستر شيئا لو كان يمكننى ... تعريفه السائلين ما سترا
وقد بين العلة التي أوجبت اهتمامه في قوله:
تعممت إحصانا لرأسى برهة ... من القرّ يوما والحرور إذا سفع
فلما دهى طول التّعمم لمّتى ... وأودى بها بعد الإطالة والفرع
عزمت على لبس العمامة حيلة ... لتستر ما جرّت علىّ من الصّلع
فيالك من جان علىّ جناية ... جعلت إليه من جنايته الفزع
وأعجب شىء كان دائى جعلته ... دوائى على عمد وأعجب بأن نفع
وهذا كقوله، وإن لم يكن في معناه، وقد رأيت من ينسبه إلى كشاجم:
طربت إلى المراة فروّعتنى ... طوالع ثيبتين ألمّتا بى
فأما شيبة ففزعت منها ... إلى المقراض حبّا للتّصابى
стр. 285
وأما شيبة فصفحت عنها ... لتشهد بالبراءة من خضابى
فأعجب بالدّليل على مشيبى ... أقمت به الدّليل على شبابى
وهو القائل في صفة رجل أصلع:
يجذب من نقرته طرّة ... إلى مدى يقصر عن ميله
فوجهه يأخذ من رأسه ... أخذ نهار الصّيف من ليله
وقال أعرابى:
قد ترك الدّهر صفاتى صفصفا ... فصار رأسى جبهة إلى القفا «١»
كأنه قد كان ربعا فعفا
[من كلام الأعراب]
قال أعرابىّ لسليمان بن عبد الملك: إنى أكلمك يا أمير المؤمنين بكلام فاحتمله، فإنّ وراءه إن قبلته ما تحبه، قال: هاته يا أعرابى؛ فنحن نجود بسعة الاحتمال على من لا نأمن غيبته، ولا نرجو نصيحته، وأنت المأمون غيبا، الناصح جيبا «٢» . قال: فإنى سأطلق لسانى بما خرست عنه الالسن، تأدية لحق الله تعالى؛ إنه قد اكتنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، وخافوك في الله ولم يخافوا الله فيك، فهم حرب للآخرة، وسلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه؛ فإنهم لم يألوا الأمانة تضييعا، والأمة كسفا وخسفا، وأنت مسئول عما اجترموا، وليسوا مسئولين عما اجترمت؛ فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك؛ فإن أعظم الناس عند الله غبنا من باع آخرته بدنيا غيره.
فقال سليمان: أما أنت يا أعرابى فقد سللت لسانك وهو سيفك، قال:
أجل يا أمير المؤمنين، لك لا عليك.
следующие страницы →