Полный текст (1 141 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وقد تراخت بهم عنّا نوى قذف ... هيهات مصبحها من بعد ممساها «١»
من أجلها أتمنّى أن يلاقينى ... من نحو بلدتها ناع فينعاها
كيما أقول: افتراق لا اجتماع له، ... وتضمر النفس يأسا ثم تسلاها
ولو تموت لراعتنى وقلت لها: ... يا بؤس للدهر ليت الدهر أبقاها
فلم يهش لذلك! فقال الآخر: أيعجبك قول العذرى:
لو حزّ بالسيف رأسى في مودّتها ... لمرّ يهوى سريعا نحوها راسى
ولو بلى تحت أطباق الثرى جسدى ... لكنت أبلى وما قلبى لكم ناسى
أو يقبض الله روحى صار ذكركم ... روحا أعيش به ما عشت في الناس
لولا نسيم لذكراكم يروّحنى ... لكنت محترقا من حرّ أنفاسى
فتحرك ثم قال: يا ويحه! أبعد ما يحز رأسه يميل إليه؟
ثم أنشأ يحدثنا، فقال: أتانى خالد الدليل، فقال: إن هندا وأترابها بموضع كذا وكذا من الصحراء أيام الربيع، فقلت: كيف الحيلة؟ فقال: تتلثم وتكتفل «٢» كانك طالب ضالة، ففعلت، فدفعت إليهن، فقلن: يا أعرابى، ما تطلب؟ قلت:
ضالة لى، فقلن: قد كللت يا أعرابى، فلو جلست فأصبت من حديثنا وأصبنا من حديثك، ولعلك تروح إلى وجود ضالتك، فنزلت؛ فلما امتد الحديث بنا حسرت هند لثامى، وقالت: أتراك خدعتنا؟ نحن والله خدعناك، وبعثنا إليك خالدا، رأينا خلاء ومنظرا فأردناك، ونظرت في درعى فأعجبنى ما رأيت، فقلت:
يا أبا الخطاب! قال عمر: فقلت: لبّيك، وفي ذلك أقول:
ألم تسأل الأطلال والمتربّعا ... ببطن حليّات دوارس بلقعا «٣»
стр. 282
إلى السّرح من وادى المغمّس بدّلت ... معالمه وبلا ونكباء زعزعا «١»
فيبخلن أو يخبرن بالعلم بعد ما ... نكأن فؤادا كان قدما موجّعا «٢»
لهند وأتراب لهند إذ الهوى ... جميع وإذ لم نخش أن يتصدّعا
وإذ لا نطيع العاذلين ولا نرى ... لواش لدينا يطلب الهجر مطمعا
وإذ نحن مثل الماء كان مزاجه ... كما صفّق الساقى الرحيق المشعشعا
تنوعتن حتى عاود القلب خبله ... وحتى تذكّرت الحبيب المودّعا
فقلت لمطريهن بالحسن: إنما ... ضررت، فهل تسطيع نفعا فتنفعا؟
وأشريت فاستشرى وقد كان قد صحا ... فؤاد بأمثال المها كان مولعا «٣»
لئن كان ما حدّثت حقّا فما أرى ... كمثل الألى أطريت في الناس أربعا «٤»
فقال: فقم فانظر، فقلت: وكيف لى ... أخاف حديثا أن يشاع فيشنعا
فقال: اكتفل ثم التثم فأت باغيا ... فسلّم ولا نكثر بأن تتورّعا
فأقبلت أهوى مثل ما قال صاحبى ... لموعده أبغى قلوصا موقّعا «٥»
فلما تواقفنا وسلّمت أقبلت ... وجوه زهاها الحسن أن تتقنّعا
تبالهن بالعرفان لمّا رأيننى ... وقلن: امرؤ باغ أكلّ وأوضعا «٦»
وقرّبن أسباب الهوى لمتيّم ... يقيس ذراعا كلما قسن إصبعا
فلما تنازعن الأحاديث قلن لى ... أخفت علينا أن نغرّ ونخدعا
стр. 283
فبالأمس أرسلنا بذلك خالدا ... إليك، وبينا له الأمر أجمعا
فما جئتنا إلّا على وفق موعد ... على ملأ منّا خرجنا له معا
رأينا خلاء من عيون ومنظرا ... دميث الربى سهل المحلة ممرعا «١»
وقلن: كريم نال وصل كرائم ... فحقّ له في اليوم أن تمتّعا
وقوله: «وجوه زهاها الحسن أن تنقنعا» يقول: هذه الوجوه مدلّة بجمالها فلا تختمر، فتستر شيئا عن الناظرين إليها. وقد أشار إلى هذا المعنى الشماخ بن ضرار «٢» يصف ناقته:
كأنّ ذراعيها ذراع مدلّة ... بعيد الشباب حاولت أن تعذّرا «٣»
من البيض أعطافا إذا اتّصلت دعت ... فراس بن غنم أو لقيط بن يعمرا
بها شرق من زعفران وعنبر ... أطارت من الحسن الرّداء المحبّرا
[من لا ترى ستر الوجه من النساء، واحتجاجها لذلك]
قال: وكانت عائشة بنت طلحة بن عبيد الله لا تستر وجهها، فلما دخلت على مصعب بن الزبير قال لها في ذلك، فقالت: إن الله تعالى وسمنى بميسم جمال، فأحببت أن يراه الناس، والله مابى وصمة أستتر لها.
وقال على بن العباس الرومى يصف قينة:
لم يعتصم عودها بزامرة ... ولا انضوى وجهها إلى الستر
وقد ردد معنى قوله: «لم يعتصم عودها بزامرة» فقال: يصف برعة الكبيرة:
غنت فلم تحوج إلى زامر ... هل تحوج الشمس إلى شمعه
стр. 284
كأنما غنّت لشمس الضحى ... فألبستها حسنها خلعه
كأنما رنّة مسموعها ... رقة شكوى سبقت دمعه
تهدى إلى قلبك ما يشتهى ... كأنها قد أطلعت طلعه
يجتمع الظرف لجلّاسها ... والحسن والإحسان في بقعه
طفّل على من حصلت عنده ... فبعض تطفيل الفتى رفعه «١»
ربيع غيث فانتجع روضه ... فلن يعاب الحرّ بالنجعه «٢»
[ستر الرأس لإخفاء الصلع]
وكان ابن الرومى لا يزال معتمّا، وكان يغضب إذا سئل عن ذلك، وسأله بعض الرؤساء: لم تعتم؟ فقال بديها:
يأيّها السائلى لأخبره ... عنّى لم لا أراك معتجرا
أستر شيئا لو كان يمكننى ... تعريفه السائلين ما سترا
وقد بين العلة التي أوجبت اهتمامه في قوله:
تعممت إحصانا لرأسى برهة ... من القرّ يوما والحرور إذا سفع
فلما دهى طول التّعمم لمّتى ... وأودى بها بعد الإطالة والفرع
عزمت على لبس العمامة حيلة ... لتستر ما جرّت علىّ من الصّلع
فيالك من جان علىّ جناية ... جعلت إليه من جنايته الفزع
وأعجب شىء كان دائى جعلته ... دوائى على عمد وأعجب بأن نفع
وهذا كقوله، وإن لم يكن في معناه، وقد رأيت من ينسبه إلى كشاجم:
طربت إلى المراة فروّعتنى ... طوالع ثيبتين ألمّتا بى
فأما شيبة ففزعت منها ... إلى المقراض حبّا للتّصابى
стр. 285
وأما شيبة فصفحت عنها ... لتشهد بالبراءة من خضابى
فأعجب بالدّليل على مشيبى ... أقمت به الدّليل على شبابى
وهو القائل في صفة رجل أصلع:
يجذب من نقرته طرّة ... إلى مدى يقصر عن ميله
فوجهه يأخذ من رأسه ... أخذ نهار الصّيف من ليله
وقال أعرابى:
قد ترك الدّهر صفاتى صفصفا ... فصار رأسى جبهة إلى القفا «١»
كأنه قد كان ربعا فعفا
[من كلام الأعراب]
قال أعرابىّ لسليمان بن عبد الملك: إنى أكلمك يا أمير المؤمنين بكلام فاحتمله، فإنّ وراءه إن قبلته ما تحبه، قال: هاته يا أعرابى؛ فنحن نجود بسعة الاحتمال على من لا نأمن غيبته، ولا نرجو نصيحته، وأنت المأمون غيبا، الناصح جيبا «٢» . قال: فإنى سأطلق لسانى بما خرست عنه الالسن، تأدية لحق الله تعالى؛ إنه قد اكتنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، وخافوك في الله ولم يخافوا الله فيك، فهم حرب للآخرة، وسلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه؛ فإنهم لم يألوا الأمانة تضييعا، والأمة كسفا وخسفا، وأنت مسئول عما اجترموا، وليسوا مسئولين عما اجترمت؛ فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك؛ فإن أعظم الناس عند الله غبنا من باع آخرته بدنيا غيره.
فقال سليمان: أما أنت يا أعرابى فقد سللت لسانك وهو سيفك، قال:
أجل يا أمير المؤمنين، لك لا عليك.
стр. 286
وروى العتبى عن أبيه عن مولى لعمرو بن حريث قال: شخصت إلى سليمان ابن عبد الملك، فقيل لى: إنك ترد على أفصح العرب، وسيسألك عن المطر، فانظر ما تجيبه، فقلت: ما عندى من الجواب إلّا ما عند العامّة، فقيل لى: ما ذلك بمقنع عنده، فلقينى أعرابى فقلت: هل لك في درهمين؟ فقال: إنّى والله محتاج إليهما، حريص عليهما، فما شأنك؟ فقلت: لو سألك سائل عن هذا المطر بم كنت تجيبه؟ قال. أو يعيا بهذا أحد؟ قلت: نعم، سائلك! قال: أتعيا أن تقول: أصابتنا سماء، عمد لها الثّرى، واتّصل بها العرى، وقامت منها الغدر، وأتتك في مثل وجار الضّبع، فكتبت الكلام، وأعطيته درهمين؛ فكان هجّيراى على الرّاحلة «١» ؛ فإذا نزلت أقبلت عليه وأمثل نفسى كأنى واقف بين يديه، وقد سلّمت عليه بالخلافة وهو يسألنى عن المطر! فلما انتهيت إليه سألنى فاقتصصت الكلام، فكسر إحدى عينيه، وقال:
إنى لأسمع كلاما ما أنت بأبى عذرته «٢» . قلت: صدقت! وحياتك يا أمير المؤمنين اشتريته بدرهمين! فاستغرب ضحكا، ثم أحسن صلتى.
وقال أعرابى يمدح رجلا:
حليم مع التّقوى، شجاع مع الجدا ... ندحين لا يندى السّحاب سكوب
ويجل أمورا لو تصيّفن غيره ... لمات خفاتا أو لكاد يذوب
شديد مناط القلب في الموقف الذى ... به لقلوب العالمين وجيب
فتى هو من غير التخلّق ماجد ... ومن غير تأديب الرّجال أديب
وقال بعض المحدثين يمدح:
стр. 287
فتى يجعل المعروف قبل سؤاله ... ويجعل دون العذر فضل التّكرّم
أغرّ متى تقصد به فضل حظه ... تصب ومتى تطلب به الغنم تغنم
على رأيه ينضمّ منصدع الصّفا ... وبنحلّ من عقد العرى كل مبرم
له عزمة أغنى من الجيش في الوغى ... وخطرة رام كالحسام المصمّم
جملة من كلام أبى الفضل أحمد بن الحسين الهمذانى «١» بديع الزمان
وهذا اسم وافق مسمّاه، ولفظ طابق- معناه، وكلام غضّ المكاسر، أنيق الجواهر، يكاد الهواء يسرقه لطفا، والهوى يعشقه ظرفا ولما رأى أبا بكر محمد بن الحسين بن دريد الأزدى «٢» أغرب بأربعين حديثا، وذكر أنه استنبطها من ينابيع صدره، واستنخبها من معادن فكره، وأبداها للأبصار والبصائر، وأهداها للافكار والضمائر، فى معارض أعجمية، وألفاظ حوشية، فجاء أكثر ما أظهر تنبو عن قبوله الطباع، ولا ترفع له حجبها الأسماع، وتوسّع فيها؛ إذ صرّف ألفاظها ومعانيها، فى وجوه مختلفة، وضروب متصرفة، عارضها بأربعمائة مقامة في الكدية، تذوب ظرفا، وتقطر حسنا، لا مناسبة بين المقامتين لفظا ولا معنى، وعطف مساجلتها، ووقف مناقلتها، بين رجلين سمّى أحدهما عيسى بن هشام والآخر أبا الفتح الإسكندرى، وجعلهما يتهاديان الدّر، ويتنافثان السّحر، فى معان تضحك الحزين، وتحرّك الرّصين، يتطلّع منها كلّ طريفة، ويوقف منها على كلّ لطيفة، وربما أفرد أحدهما بالحكاية،
стр. 288
وخصّ أحدهما بالرواية؛ وسأذكر منها ما لا يخلّ طوله بالشرط المعقود، ولا ينافى حصوله الغرض المقصود «١» .
كتب إلى أبى نصر أحمد بن على الميكالى:
كتابى- أعز الله الأمير! - وبودّى أن أكونه، فأسعد به دونه، ولكنّ الحريص محروم، لو بلغ الرزق فاه، لولّاه قفاه. فرّق الله بين الأيام، تفريقها بين الكرام، وألهمها أن تورد بعقل، وتصدر بتمييز، وما ذلك على الله بعزيز، وأنا فى مفاتحة الأمير، بين ثقة تعد، ويد ترتعد، ولم لا يكون ذلك؟ والبحر وإن لم أره، فقد سمعت خبره، ومن رأى من السيف أثره، فقد عاين أكثره، والليث وإن لم ألقه، فلم أجهل خلقه، وماوراء ذلك من تالد أصل وحسب، وطارف فضل وأدب، وبعد همة وصيت، فمعلوم تشهد به الدفاتر، والخبر المتواتر، وتنطق به الأشعار، كما تصدق به الآثار، والعين أقلّ الحواس إدراكا، والأذن أكثرها استمساكا، وإن بعدت الدار فلا ضير؛ إنّ أيسر البعدين بعد الدارين، وخير القربين قرب القلبين.
وكتب إليه في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة:
الأمير الفاضل، والشيخ الرئيس، رفيع مناط الهمة، بعيد منال الحرمة، وفسيح مجال الفضل، رحيب منخرق الجود، رطيب مكسر العود
стр. 289
فلو نظمت الثربا ... والشّعريين قريضا
وكاهل الأرض ضربا ... وشعب رضوى عروضا
وصغت للدر ضدّا ... وللهواء نقيضا
بل لو جلوت عليه ... سود النوائب بيضا
أو ادّعيت الثريّا ... لأخمصيه حضيضا
والبحر عند لهاه ... يوم العظاء مغيضا
لما كنت إلّا في ذمة القصور، وجانب التقصير، فكيف وأنا قاعد الحالة فىّ المدح، قاصر الآلة عن الشّرح؟ ولكنى أقول: الثناء منجح أنّى سلك، والسخى جوده بما ملك، وإن لم تكن غرّة لائحة فلمحة دالة، وإن لم يكن صدّاء فماء «١» ، وإن لم يكن خمر فخلّ، وإن لم يصبها وابل فطلّ، وبذل الموجود غاية الجود، وبعض الجهد آخر المجهود، وماش خير من لاش «٢» ، ووجود ما قلّ خير من عدم ما جلّ. وقليل في الجيب خير من كثير في الغيب، وجهد المقل خير من عذر المخل، وحمار أيس خير من فرس ليس «٣» ، وكوخ في العيان خير من قصر في الوهم. وزيت «٤» خير من ليت، وما كان أجود من لو كان، وقد قيل: عصفور في الكف أجود من كركى في الجو، ولأن «٥» تقطف خير من أن تقف، ومن لم يجد الجميم رعى الهشيم «٦» ، ومن لم يحسن صهيلا نهق، ومن لم يجد ماء تيمّم؛ والأمير الرئيس- أدام الله نعماه! - لا ينظر في قوافى صنيعته إلى ركاكة ألفاظها، وبعد أغراضها، ولكن إلى كثرة جذرها «٧» ، وثقل مهرها، وقلّة
стр. 290
كفئها، وإننى منذ فارقت قصبة جرجان، ووطئت عتبة خراسان، ما زففتها إلا إليه، ولا وقفتها إلا عليه، هذا على تمرغى في أعطاف المحن، وضرورتى إلى أبناء الزمن، وإن كان الأمير الرئيس يرفع لكل لفظ حجاب سمعه، ويفسح لكل شعر فناء طبعه، فهاك من النثر ما ترى، ومن النظم ما يترى:
أدهق الكاس فعرف الفجر ... قد كاد يلوح
فهو للناس صباح ... ولذى الرأى صبوح
والذى يمرح بى في ... حلبة اللهو جموح
فاسقنيها والأمانىّ ... لها عرف يفوح
إنّ للأيام أسرارا ... بها سوف تبوح
لا يغرنّك جسم ... صادق الحس وروح
إنما نحن إلى الآجال ... نغدو ونروح
ويك هذا العمر تبريح ... وهذا الروح ريح
بينما أنت صحيح الجسم ... إذ أنت طريح
فاسقنيها مثل ما يلفظه ... الدّيك الذّبيح
قبل أن يضرب في الدّهر ... بى القدح السّنيح «١»
إنما الدّهر غرور ... ولمن أصغى نصيح
ولسان الدّهر بالوعظ ... لواعيه فصيح
نستبيح الدّهر والأيّام ... منا تستبيح
نحن لاهون وآجال ... المنايا لا تريح
يا غلام الكأس فاليأ ... س من الناس مريح
ضاع ما نحميه من أنفسنا ... وهو مبيح
стр. 291
وقنوعا فمقام الذّ ... ل بالمرء قبيح
أنا يا دهر بأبنا ... ئك شقّ وسطيح «١»
وبأبكار القوافى ... لا على كفء شحيح
يا بنى ميكال والجو ... د لعلّاتى مزيح
شرفا إن مجال الفضل ... فيكم نفسيح
وعلى قدر سنا ... الممدوح يأتيك المديح
فهناك الشرف الأر ... فع والطّرف الطّموح
والنّدى والخلق الطا ... هر والخلق الصّبيح
مرتقى مجد يحار الطّرف ... فيه ويطيح
أيّهذا الكرم الما ... ثل والخلق السّجيح «٢»
كان هذا الجود ميتا ... عاده منك المسيح
هذه- أطال الله بقاء الأمير! - هدية الوقت، وعفو الساعة، وفيض البديهة، ومسارقة القلم، ومسابقة اليد للفم، وجمرات الحدّة، وثمرات المدّة، ومجاراة الخاطر للناظر، ومباراة الطّبع للسّمع، ومجاذبة الجنان للبيان، والشعر إذا لم تقدمه روّية، ولم تنضجه نيّة، لم يفتح له السمع بابه، ولم يرفع له القلب حجابه، وإذا لبس الأمير هذه على علاتها رجوت أن يكون بعدها ما هو أفتن وأحسن وأرصن، فرأيه أيده الله في الوقوف عليها موقفا إن شاء الله.
وله إليه معاتبة:
لئن ساءنى أن نلتنى بمساءة ... لقد سرّنى أنّى خطرت ببالك
الأمير الفاضل الشيخ الرئيس، أطال الله بقاءه إلى آخر الدعاء، فى حال برّه وجفائه متفضّل، وفي يومى إعاده وإدنائه متطوّل. وهنيئاله من حمانا ما يحلّه،
стр. 292
ومن عرانا ما يحله، ومن أعراضنا ما يستحلّه؛ بلغنى أنه- أدام الله عزّه! - استزاد صنيعته، وكنت أظننى مجنيّا عليه، مساء إليه، فإذا أنافى قرارة الذّنب، وبمثابة العتب، وليت شعرى أىّ محظور في العشرة حضرته، أو مفروض من الخدمة رفضته، أو واجب في الزيارة أهملته؟ وهل كنت إلا ضيفا أهداه بلد شاسع، وأدّاه أمل واسع، وحداه فضل وإن قلّ، وهداه رأى وإن ضلّ، ثم لم يلق إلّا في آل ميكال رحله، ولم يصل إلّا بهم حبله، ولم ينظم إلا فيهم شعره، ولم يقف إلا عليهم شكره؛ ثم ما بعدت صحبة إلا دنت مهانة، ولا زادت حرمة إلا نقصت صيانة، ولا تضاعفت منة إلا تراجعت منزلة، ولم تزل الضّعة بنا حتى صار وابل الإعظام قطرة، وعاد قميص القيام صدرة، وذلك التقرب أزورارا، وطويل السلام اختصارا، والاهتزاز إيماء، والعبارة إشارة؛ وحين عاتبته آمل إعتابه، وكاتبته أنتظر جوابه، وسألته أرجو إيجابه، أجاب بالسكوت، وأعتب بالقنوت، فما ازددت إلّا له ولاء، وعليه ثناء؛ لا جرم إنى اليوم أبيض وجه العهد، واضح محجّة الودّ، طويل عنان القول، رفيع حكمة العذر؛ وقد حمّلت فلانا من الرسالة ما تجافى عنه القلم؛ والأمير الرئيس أطال الله بقاءه ينعم بالإصغاء لما يورده موفقا إن شاء الله.
وله إليه في هذا الباب:
أنا في خدمة الأمير الرئيس- أطال الله بقاءه! - مترجّح بين أن أشربها رنقة ولا أسيغها، وألجلج منها مضغة ولا أجيزها، وبين أن أطويها على عرّها، ولا أرتضع أخلاف درّها.
فلا نفسى تطاوعنى لرفض ... ولا هممى توطّننى لخفض
وبقى أن أقرصه بأنامل العتب، وأحشمه بألحاظ العذل، وأعرفه أنى ما أطوى مسافة مزار إلّا متجّشما، ولا أطأ عتبة دار إلا متبرّما؛ ولست كمن يبسط يده مستجديا، أو ينقل قدمه مستعديا؛ فإن كان الأمير الرئيس- أيّده الله! - يسرح طرفه منّى في طامح أو طامع، فليعد للفراسة نظرا.
стр. 293
فما الفقر من أرض العشيرة ساقنى ... إليك، ولكنّا بقرباك ننجح
وأجدنى كلما استقزنى الشوق إلى تلك المحاسن، أطير إليها بجناحين عجلا، وأرجع بعرجاوين خجلا، ولولا أنّ الرضا بذلك ضرب من سقوط الهمّة، وأن العتاب نوع من أنواع الخدمة، لصنت مجلسه عن قلمى، كما أصونه عن قدمى، ولملت إلى أرض الدعاء فهو أنجع، وإلى جانب الثناء فهو أوسع، وسأفعل لتخفّ مؤنتى، ولا تثقل وطأتى
إذا ما عتبت فلم تعتب ... وهنت عليك فلم تعن بى «١»
سلوت، ولو كان ماء الحياة ... لعفت الورود ولم أشرب
قطعة من مفردات الأبيات لأهل العصر في معان شتى تجرى مجرى الأمثال
أبو فراس الحمدانى:
إذا كان غير الله للمرء عدّة ... أتته الرّزايا من وجوه المكاسب
وله:
عفافك عىّ، إنما عفّة الفتى ... إذا عفّ عن لذّاته وهو قادر «٢»
وقال المتنبى:
كلّ حلم أنى بغير اقتدار ... حجّة لا جىء إليها اللّئام
وله:
وإذا كانت النّفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام
стр. 294
وله:
وإذا أتتك مذمّتى من ناقص ... فهى الشّهادة لى بأنى كامل
وله:
لا يعجبنّ مضيما حسن بزّته ... وهل تروق دفينا جودة الكفن؟
وله:
من أطاق التماس شىء غلابا ... واغتصابا لم يلتمسه سؤالا
وله:
والظّلم من شيم النفوس، فإن تجد ... ذا عفّة فلعلّة لا يظلم
وله:
ماذا لقيت من الدنيا وأعجبه ... أنى بما أنا باك منه محسود
وله:
ذكر الفتى عمره الثانى، وحاجته ... ما قاته، وفضول العيش أشغال
والمتنبى أكثر المحدثين افتنانا وإحسانا في الإغراب بهذا الباب؛ والاستقصاء يخرج عن شرط الكتاب.
وقال السرى الموصلى:
خذوا من العيش فالأعمار فائتة ... والدهر منصرم والعيش منقرض
وله:
فإنك كلّما استودعت سرّا ... أنمّ من النّسيم على الرّياض
وقال أبو إسحاق الصابى:
الضبّ والنّون قد يرجى التقاؤهما ... وليس يرجى التقاء اللبّ والذّهب «١»
وقال ابن نباتة:
مثل خلعت على الزمان زداءه ... عوز الدّراهم آفة الأجواد
стр. 295
وله:
يهوى الثناء مبرز ومقصّر ... حبّ الثناء طبيعة الإنسان
وقال أبو الحسن السّلامى:
تبسّطنا على اللّذّات لمّا ... رأينا العفو من ثمر الذّنوب
وقال ابن لنكك البصرى:
وماذا أرجّى من حياة تكدّرت ... ولو قد صفت كانت كأحلام نائم
وقال أبو طالب المأمونى:
لى في ضمير الدهر سرّ كامن ... لا بدّ أن تستلّه الأقدار
وقال أبو الفضل بن العميد:
الرأى يصدأ كالحسام لعارض ... يطرا عليه وصقله التذكير
وقال أبو الفتح:
بطرتم فطرتم والعصا زجر من عصى ... وتقويم عبد الهون بالهون رادع
وله:
إذا بلغ المرء آماله ... فليس له بعدها مقترح
وقال الصاحب إسماعيل بن عباد:
إن أمّ الصقر في الود ... د لمقلاة نزور
وله:
من لم يعدنا إذا مرضنا ... إن مات لم نشهد الجنازه
وله:
حفظ اللسان راحة الإنسان ... فاحفظه حفظ الشكر للاحسان
وقال إسماعيل الناشى:
وكنت أرى أنّ التجارب عدّة ... فخانت ثقات الناس حتى التجارب
стр. 296
وقال أبو الفتح البستى:
لا ترج شيئا خالصا نفعه ... فالغيث لا يخلو من العيث «١»
وله:
ولم أر مثل الشكر جنّة غارس ... ولا مثل حسن الصبر جبّة لابس
وله:
وطول مقام الماء في مستقرّه ... يغيره ريحا ولونا ومطعما
وله:
ما استقامت قناة رأيى إلّا ... بعد ما عوّج المشيب قناتى
وقال أبو الفضل الميكالى:
هو الشوك لا يعطيك وافر منّة ... يد الدهر إلّا حين تضربه جلدا
وله:
ذو الفضل لا يسلم من قدح ... وإن غدا أقوم من قدح
وقال شمس المعالى:
وفي السماء نجوم مالها عدد ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر
هذا مأخوذ من قول الطائى:
إن الرياح إذا ما استعصفت قصفت ... عيدان نجد فلم يعبأن بالرتم
«٢» بنات نعش ونعش لا كسوف لها ... والشمس والبدر منها الدهر في الرّقم
وقال أبو الحسن على بن عبد العزيز القاضى:
الهجر أروح من وصل على حذر ... والموت أطيب من عيش على غرر
وقال أبو بكر الخوارزمى:
لا تغرّنك هذه الأوجه الغرّ ... فياربّ حيّة في رياض
стр. 297
[من تبطره النعمة لم يؤسف على زوالها عنه]
قال أبو العيناء: كان عيسى بن فرخان شاه يتيه علىّ في ولايته الوزارة، فلما صرف رهبنى، فلقينى فسلّم علىّ فأحفى. فقلت لغلامى: من هذا؟ قال:
أبو موسى؛ فدنوت منه وقلت: أعزّك الله، والله لقد كنت أقنع بإيمائك دون بيانك، وبلحظك دون لفظك، فالحمد لله على ما آلت إليه حالك، فلئن كانت أخطأت فيك النّعمة، فلقد أصابت فيك النّقمة، ولئن كانت الدنيا أبدت مقابحها بالإقبال عليك، لقد أظهرت محاسنها بالانصراف عنك، ولله المّنة إذ أغنانا عن الكذب عليك، ونزّهنا عن قول الزّور فيك، فقد والله أسأت حمل النّعم، وما شكرت حق المنعم، فقيل له: يا أبا عبد الله؛ لقد بالغت في السبّ، فما كان الذنب؟ قال: سألته حاجة أقل من قيمته، فردّ عنها بأقبح من خلقته.
وقال علىّ بن العباس الرومى لأبى الصقر إسماعيل بن بلبل لما نكبه الموفق ابن أحمد وألمّ في بعض قوله بقول أبى العيناء:
لا زال يومك عبرة لعدك ... وبكت بشجو عين ذى حسدك
فلئن نكبت لطالما نكبت ... بك همة لجأت إلى سندك
لو تسجد الأيام ما سجدت ... إلّا ليوم فتّ في عضدك
يا نعمة ولّت غضارتها ... ما كان أقبح حسنها بيدك
فلقد غدت بردا على كبدى ... لمّا غدت حرّا على كبدك
ورأيت نعمى الله زائدة ... لما استبان النّقص في عددك
ولقد تمنّت كل صاعقة ... لو أنها صبّت على كتدك «١»
لم يبق لى مما يرى جسدى ... إلّا بقاء الرّوح في جسدك
стр. 298
وله فيه أهج كثيرة لما نكب، منها قوله:
خفض أبا الصّقر فكم طائر ... خرّ صريعا بعد تحليق
زوّجت نعمى لم تكن كفأها ... فصانها الله بتطليق
لا قدست نعمى تسربلتها ... كم حجة فيها لزنديق «١»
وكان أبو الصقر لمّا ولى الوزارة مدحه ابن الرومى بقصيدته النونية التي أولها:
أجنينك الورد أغصان وكثبان ... فيهن نوعان تفّاح ورمان
وفوق ذينك أعناب مهدّلة ... سود لهنّ من الظّلماء ألوان
وتحت هاتيك عنّاب تلوح به ... أطرافهن قلوب القوم قنوان
غصون بان عليها الزهر فاكهة ... وما الفواكه مما يحمل البان
ونرجس بات سارى الطّل يضربه ... وأقحوان منير اللّون ريّان
ألّفن من كل شىء طيّب حسن ... فهنّ فاكهة شتّى وريحان
ثمار صدق إذا عاينت ظاهرها ... لكنها حين تبلو الطّعم خطبان «٢»
ولا يدمن على عهد لمعتقد ... والغانيات كما شبّهن بستان
يميل طورا بحمل ثم يعدمه ... ويكتسى ثم يلفى وهو عريان
وهي أكثر من مائتى بيت، مرّ له فيها إحسان كثير، فأنشدها أبا الصقز، فلما سمع قوله:
قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم ... كلّا لعمرى ولكن منه شيبان
قال: هجانى، قيل له: إنّ هذا من أحسن المدح؛ ألا تسمع ما بعده:
وكم أب قد علا بابن ذرى شرف ... كما علت برسول الله عدنان
стр. 299
قال: أنا بشيبان لا شيبان بى. فقيل له فقد قال:
ولم أقصّر بشيبان التي بلغت ... بها المبالغ أعراق وأغصان
لله شيبان قوم لا يشوبهم ... روع إذا الروع شابت منه ولدان
فقال: لا والله لا أثيبه على هذا الشعر، وقد هجانى.
قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولى: كنت يوما عند عبيد الله بن عبد الله ابن طاهر، وقد ذكروا قصيدة ابن الرومى هذه النونية، فقال: هذه دار البطيخ، فاقرءوا تشبيهاتها تعلموا ذلك! فضحك جميع من حضر.
وفي هذه القصيدة يقول من المختار في النسيب:
يا ربّ حسّانة منهن قد فعلت ... سوءا، وقد يفعل الأسواء إحسان
تشكى المحبّ وتلفى الدّهر شاكية ... كالقوس تصمى الرّمايا وهي مرنان «١»
وهذا كقوله في قصيدة يصف فيها قوس البندق:
لها رنّة أولى بها من تصيبه ... وأجدر بالإعوال من كان موجعا
يقول فيها:
لا تلحيانى وإيّاها على ضرعى ... وزهوها، لجّ مفتون وفتّان
إنى ملكت فبى للرّقّ مسكنة ... وملّكت فلها بالملك طغيان
لى مذ نأت وجنة ريّا بمشربها ... من عبرتى وفم ما عشت ظمآن
وفيها في مدح بنى شيبان:
قوم سماحتهم غيث، ونجدتهم ... غوث، وآراؤهم في الخطب شهبان
تلقاهم ورماح الخطّ حولهم ... كالأسد ألبسها الآجام خفّان «٢»
صانوا النفوس عن الفحشاء وابتذلوا ... منهنّ في سبيل العلياء ما صانوا
стр. 300
المنعمون وما منّوا على أحد ... يوما بنعمى، ولو منّوا لما مانوا «١»
يقول فيها في أبى الصقر:
يفديه من فيه عن مقدار فديته ... عن المفاداة. تقصير ونقصان
قوم كأنهم موتى إذا مدحوا ... ومالهم من حبير الشعر أكفان
صاحى الطباع إذا سالت هواجسه ... وإن سألت يديه فهو نشوان
يصحيه ذهن ويأبى صحوه كرم ... مستحكم فهو صاح وهو سكران
فرد جميع يراه كل ذى بصر ... كأنه الناس طرّا وهو إنسان
وهذا كقول أبى الطيب:
ولقيت كلّ الفاضلين كأنّما ... ردّ الإله نفوسهم والأعصرا
نسقوا لنا نسق الحساب مقدّما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخّرا
وقد تقدم.
وقال:
فإن يك سيّار بن مكرم انقضى ... فإنّك ماء الورد إن ذهب الورد
مضى وبنوه وانفردت بفضلهم ... وألف إذا ما جمّعت واحد فرد
وقال البحترى:
ولم أر أمثال الرجال تفاوتا ... لدى المجد، حتى عدّ ألف بواحد
ومدحه وعاتبه بقصائد كثيرة فما أنجحت، فمن ذلك قوله في قصيدة طويلة يمدحه:
فى وجهه روضة للحسن مونقة ... ماراد في مثلها طرف ولا سرحا «٢»
طلّ الحياء عليها ساقط أبدا ... كاللؤلؤ الرّطب لو رقرقته سفحا
стр. 301
أنا الزعيم لمكحول بغرّته ... ألّا يرى بعدها بؤسا ولا ترحا
مهما أتى الناس من طول ومن كرم ... فإنما دخلوا الباب الّذى فتحا
يعطى المزاح ويعطى الجدّ حقّهما ... فالموت إن جد، والمعروف إن مزحا
وافى عطارد والمرّيخ مولده ... فأعطياه من الحظّين ما اقترحا
إن قال: لا، قالها للآمريه بها ... ولم يقلها لمن يستمنح المنحا
فى كفّه قلم ناهيك من قلم ... نبلا، وناهيك من كفّ بما اتّشحا
يمحو ويثبت أرزاق العباد به ... فما المقادير إلا ما محا ووحى «١»
كأنما القلم العلوى في يده ... يجريه في أى أنحاء البلاد نحا
لما تبسّم عنك المجد قلت له ... قهقه فلا نغلا تبدى ولا قلحا «٢»
أثنى عليك بنعماك التي عظمت ... وقد وجدت بها في القول منفسحا
أمطر بذاك جنانى تكسه زهرا ... أنت المحيّا بريّاه إذا نفحا
أنشدتها على متوالى الاختيار، وكذلك أجرى في كثير من الأشعار.
وقال يعاتبه ويستبطئه:
عقيد النّدى، أطلق مدائح جمّة ... حبائس حسرى قد أبت أن تسرّحا
وكنت متى تنشد مديحا ظلمته ... يرى لك أهجى ما يرى لك أمدحا
عذرتك لو كانت سماء تقشّعت ... سحائبها أو كان روض تصوّحا
ولكنها سقيا حرمت رويّها ... وعارضها ملق كلاكل جنّحا «٣»
وأكلاء معروف حرمت مريعها ... وقد عادمنها السهل والحزن مسرحا
عرضت لأورادى وبحرك زاخر ... فلمّا أردن الورد ألفين ضحضحا
فلو لم ترد أذواد غيرى غماره ... لقلت: سراب بالمتان توضّحا «٤»
стр. 302
فيالك بحرا لم أجد فيه مشربا ... وإن كان غيرى واجدا فيه مسبحا
مديحى عصا موسى، وذلك أننى ... ضربت به بحر النّدى فتضحضحا
سأمدح بعض الباخلين لعلّه ... إذا اطّرد المقياس أن يتسمّحا
فيا ليت شعرى إن ضربت به الصفا ... أيبعث لى منه جداول سيّحا
كتلك التي أبدت ثرى الأرض يابسا ... وشقّت عيونا في الحجارة سفّحا
ملكت فأسجح يا أبا الصقر إنه ... إذا ملك الأحرار مثلك أسجحا
وما ضرع إلى أحد هذه الضّراعة، ولا في طوقه هذا الاحتمال؛ وهذه الأبيات الأخيرة إنما ولّد أكثرها من قول أبى تمام الطائى لمحمد بن عبد الملك الزيات:
فلو حاردت شول عذرت لقاحها ... ولكن حرمت الدرّ والضّرع حافل
أكابرنا عطفا علينا؛ فإننا ... بنا ظمأ برح وأنتم مناهل
وفيه يقول:
هذا مقامى يا بنى وائل ... من مستجير بكم عائذ
أنشب فيه الدهر أظفاره ... وعضّه بالناب والناجذ
فأنصفوا منه أخا حرمة ... لاذ بكم منه مع اللائذ
فما أرى الدهر على جوره ... يخرج من حكمكم النافذ
وقال أيضا:
يأيها السيد الذى وهنت ... أنصار أمواله ولم يهن
فأصبحت في يد الضّعيف وذى ال ... قوّة والباقلىّ واللّسن «١»
غيرى- على أننى مؤملك ال ... أقدم- سائل بذاك وامتحن
مادح عشرين حجة كملا ... محرومها عنك غير مضطغن
فضلك أو عدلك الذى ائتمن الله ... عليه أجلّ مؤتمن
إن كنت في الشعر ناقدا فطنا ... فلتعطنى حق حصة الفطن
وإن أكن فيه ساقطا زمنا ... فلتعطنى حق حصة الزّمن
стр. 303
سم بى ديوانك الذى عدلت ... جدواه بين الصحيح والضّمن «١»
كثر بشخصى من استطعت من ال ... ناس فإن لم أزنك لم أشن
ما حقّ من لان صدره لك بال ... ود لقاء بجانب خشن
وقال أبو العباس الرومى لرجل مدحه في كلمة:
أبعد لقاى دونك كلّ قفر ... يدق الشخص فيه أن يلاقى
وإعمالى إليك به المطايا ... وقد ضرب الظلام له رواقا
ورفضى النوم إلا أن ترانى ... أعانق واسط الكور اعتناقا
تسوق بنا الحداة فليس تدرى ... أسوقا كان ذلك أم سياقا
أصادف درّة المعروف شكرى ... لديك ولا أذوق لها ذواقا «٢»
يقول فيها:
غدا يعلو الجياد وكان يعلو ... - إذا ما استقره- السّبت الرّقاقا «٣»
أعنّتها الشّسوع فإن عراها ... حفاء الكدّ أنعلها طراقا «٤»
فزوّج بعد قفر منه نعمى ... أرانى الله صبحتها الطّلاقا
[ترجمة أبى العيناء وطرف من أحياره]
قال أبو القاسم علىّ بن حمزة بن شمردل: حدثنى أبى قال: سألت أبا العيناء عن نسبه، فقال: أنا محمد بن القاسم بن خلّاد بن ياسر بن سليمان، وأصل قومى من بنى حنيفة من أهل اليمامة، ولحقهم سباء في أيام المنصور؛ فلمّا صار ياسر فى قيده أعتقه، فولاؤنا لبنى هاشم؛ وكان أبو العيناء ضرير البصر؛ ويقال:
إنّ جده الأكبر لقى على بن أبى طالب- ﵁! - فأساء مخاطبته؛ فدعا عليه وعلى ولده بالعمى، فكلّ من عمى مهم صحيح اللسب!
стр. 304
قال الصولى: حدثنى أبو العيناء، قال: لما أدخلت على المتوكل فدعوت له وكلمته استحسن كلامى، وقال لى: بلغنى أن فيك شرّا! فقلت: يا أمير المؤمنين؛ إن يكن الشرّ ذكر المحسن بإحسانه والمسىء بإساءته فقد زكّى الله تعالى وذمّ، فقال في التزكية: (نعم العبد إنّه أوّاب) ، وقال في الذم: (همّاز مشّاء بنميم منّاع للخير معتد أثيم) . وقال الشاعر:
إذا أنا لم أمدح على الخير أهله ... ولم أذمم الجبس اللئيم المذّمما «١»
ففيم عرفت الخير والشرّ باسمه ... وشقّ لى الله المسامع والفما؟
وإن كان الشر كفعل العقرب التي تلسع السّنىّ والدنىّ بطبع لا بتمييز فقد صان الله عبدك عن ذلك! فقال لى: بلغنى أنك رافضىّ، فقلت: يا أمير المؤمنين، وكيف أكون رافضيّا وبلدى البصرة ومنشئى في مسجد جامعها، وأستاذى الأصمعى، وليس يخلو القوم أن يكونوا أرادوا الدين أو الدنيا؛ فإن كانوا أرادوا الدّين فقد أجمع الناس على تقديم من أخّروا، وتأخير من قدموا، وإن كانوا أرادوا الدنيا فأنت وآباؤك أمراء المؤمنين، لا دين إلّا بك، ولا دنيا إلّا معك.
قال: كيف ترى دارى هذه؟ قال: قلت: رأيت الناس بنوا دورهم في الدنيا، وأنت بنيت الدنيا في دارك.
فقال لى: ما تقول في عبيد الله بن يحيى؟ قلت: نعم العبد لله ولك؛ مقسّم بين طاعته وخدمتك، يؤثر رضاك على كل فائدة، وما عاد بصلاح ملكك على كل لذة قال: فما تقول في صاحب البريد ميمون بن إبراهيم؟ - وكان قد علم أنّى
стр. 305
واجد عليه بتقصير وقع منه في أمرى- فقلت: يا أمير المؤمنين، يد تسرق واست تضرط! وهو مثل اليهودىّ سرق نصف جزيته، فله إقدام بما أدى، وإحجام بما أبقى، إساءته طبيعة، وإحسانه تكلّف! قال: قد أردتك لمجالستى، قلت: لا أطيق ذاك، وما أقول ذلك جهلا بمالى في هذا المجلس من الشرف، ولكنى محجوب، والمحجوب تختلف عليه الإشارة، ويخفى عليه الإيماء، ويجوز أن يتكلّم بكلام غضبان ووجهك راض أو بكلام راض ووجهك غضبان، ومتى لم أميز بين هذين هلكت، قال: صدقت، ولكن تلزمنا، قلت: لزوم الفرض الواجب اللازم، فوصلنى بعشرة آلاف درهم.
ولأبى العيناء مع المتوكّل مجالس أدخل الرواة بعضها في بعض، وسأورد مستظرفها إن شاء الله:
قال له المتوكل يوما: يا أبا العيناء؛ لا تكثر الوقيعة في الناس، قال:
إن لى في بصرى لشغلا عن الوقيعة فيهم، قال: ذلك أشد لحيفك في أهل العافية! وقال له يوما: هل رأيت طالبيا حسن الوجه قطّ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت أحدا قطّ سأل ضريرا عن هذا؟ قال: لم تكن ضريرا فيما تقدم، وإنما سألتك عما سلف، قال: نعم، رأيت منهم ببغداد منذ ثلاثين سنة فتى ما رأيت أجمل منه، قال المتوكّل: تجده كان مؤاجرا، وتجدك كنت قوّادا عليه! فقال أبو العيناء: وفرغت لهذا يا أمير المؤمنين، أترانى أدع موالىّ على كثرتهم، وأقود على الغرباء؟ قال: اسكت يا مأبون؟ قال: مولى القوم منهم! قال المتوكل:
أردت أن أشتفى به منهم فاشتفى لهم منّى.
وكان أبو العيناء أحدّ الناس خاطرا، وأحضرهم نادرة، وأسرعهم جوابا، وأبلغهم خطابا.
والمتوكل أوّل من أظهر من خلفاء بنى العباس الانهماك على شهوته، وكان أصحابه يتسخّفون ويستخفون بحضرته، وكان يهاتر الجلساء، ويفاخر الرؤساء،
стр. 306
وهو مع ذلك من قلوب الناس محبب، وإليهم مقرّب؛ إذ أمات ما أحياه الوائق من إظهار الاعتزال، وإقامة سوق الجدال.
قال محمد بن مكرم الكاتب: من زعم أن عبد الحميد أكتب من أبى العيناء إذا أحسّ بكرم، أو شرع في طمع، فقد ظلم.
كتب إلى أبى عبيد الله بن سليمان وقد نكبه وأباه المعتمد، وهما يطالبان بمال يبيعان له ما يمنكانه من عقار وأثاث وعبد وأمة، وقد أعطى بخادم أسود لعبيد الله خمسون دينارا:
قد علمت- أصلحك الله! - أن الكريم المنكوب أجرأ على الأحرار من اللئيم الموفور؛ لأنّ اللئيم يزيد مع النّعمة لؤما، والكريم لا يزيد مع المحنة إلّا كرما، هذا متّكل على رازقه، وهذا يسىء الظنّ بخالقه، وعبدك إلى ملك «كافور» فقير، وثمنه على ما اتّصل بى يسير؛ لأنه بخدمته السلطان يعرّفنى الرؤساء والإخوان؛ ولست بواجد ذلك في غيره من الغلمان؛ فإن سمحت به فتلك عادتك، وإن أمرت بأخذ ثمنه فمالك مادّتى، أدام الله دولتك، واستقبل بالنعمة نكبتك. فأمر له به.
وسمع ابن مكرم رجلا يقول: من ذهب بصره قلت حيلته، قال: ما أغفلك عن أبى العيناء! وكتب أبو العيناء إلى عبيد الله بن سليمان: أنا- أعزّك الله تعالى! - وولدى وعيالى زرع من زرعك، إن سقيته راع وزكا، وإن جفوته ذبل وذوى؛ وقد مستنى منك جفاء بعد برّ، وإغفال بعد تعاهد، حتى تكلّم عدوّ، وشمت حاسد، ولعبت بى ظنون رجال كنت بهم لاعبا، ولهم مجرّسا «١» ، ولله در أبى الأسود في قوله:
لا تهنّى بعد إذا أكرمتنى ... وشديد عادة منتزعه
فوقّع فى رقعته: أنا- أسعدك الله! - على الحال التي عهدت، وميلى إليك كما
стр. 307
علمت، وليس من أنسأناه أهملناه، ولا من أخّرناه تركناه، مع اقتطاع الشغل لنا، واقتسام زماننا، وكان من حقّك علينا أن تذكّرنا بنفسك، وتعلمنا أمرك؛ وقد وقّعت لك برزق شهرين؛ لتريح غلّتك، وتعرفنى مبلغ استحقاقك، لأطلق لك باقى أرزاقك، إن شاء الله، والسلام.
وكان إذا خرج من داره يقول: اللهم إنّى أعوذ بك من الرّكب والرّكب، والآجرّ والخشب، والرّوايا والقرب.
قطعة من خطابه وجوابه:
دخل على أبى الصقر بعد ما تأخّر عنه، فقال: ما أخّرك عنا؟ قال: سرق حمارى، قال: وكيف سرق؟ قال: لم أكن مع اللص فأخبرك! قال: فلم لم تأتنا على غيره؟ قال: قعدبى عن الشراء قلّة يسارى، وكرهت ذلّة المكارى، ومنّة العوارى وزحمه رجل بالجسر على حماره، فضرب بيديه على أذنى الحمار، وقال: يا فتى، قل للحمار الذى فوقك يقول: الطّريق! ودخل على إبراهيم بن المدبر، وعنده الفضل بن اليزيدى، وهو يلقى على ابنه مسائل من النحو، فقال: فى أى باب هذا؟ قال: فى باب الفاعل والمفعول به، قال: هذا بابى وباب الوالدة حفظها الله! فغضب الفضل وانصرف؛ وكان البحترى حاضرا فكتب بعد ذلك بقصيدته إلى إبراهيم بن المدبر التي أولها:
ذكّر تنيك روحة للشمول ... أوقدت لوعتى وهاجت غليلى
أى شىء ألهاك عن سر من را ... ء وظلّ للعيش فيها ظليل «١»
وفيها يقول:
أفتصارا على أحاديث فضل ... وهو مستكره كثير الفضول
فعلام اصطفيت منكسف البا ... ل معاد المخراق نزر القبول «٢»
стр. 308
إن تزره تجده أخلق من شي ... ب الغوائى ومن تعفّى الطّلول
مسرجا ملجما وما متع الصّب ... ح ادّلاجا للشّحذ والتّطفيل «١»
غير أنّ المعلمين على حا ... ل قليلو التمييز ضعفى العقول
فإذا ما تذاكر النّاس معنى ... من متبن الأشعار والمجهول
قال: هذا لنا ونحن كشفنا ... غيبه للسؤال والمسئول
ضرب الأصمعىّ فيهم أم الأحم ... ر أم ألقحوا بأير الخليل «٢»
جلّ ما عنده التردد في الفا ... عل من والديه والمفعول
وعزّى بعض الأمراء، فقال: أيّها الأمير؛ كان العزاء لك لا بك، والفناء لنا لا لك، وإذا كنت البقيّة فالرزيّة عطية، والتعزية تهنية.
وسئل أبو العيناء عن مالك بن طوق، فقال: لو كان في زمن بنى إسرائيل ونزل ذبح البقرة ما ذبح غيره! قيل: فأخوه عمر؟ قال: كسراب بقيعة يحسبه الظّمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
وكان موسى بن عبد الملك قد اغتال نجاح بن سلمة في شراب شربه عنده، فقال المتوكّل بعد ذلك لأبى العيناء: ما تقول في نجاح بن سلمة؟ قال: ما قال الله تعالى: فوكزه موسى فقضى عليه! فاتّصل ذلك بموسى، فلقى الوزير عبيد الله ابن يحيى ابن خاقان، فقال: أيّها الوزير، أردت قتلى فلم تجد إلى ذلك سبيلا إلّا بإدخال أبى العيناء إلى أمير المؤمنين مع عداوته لى؛ فعاتب عبيد الله أبا العيناء في ذلك، فقال: والله ما استعذبت الوقيعة فيه حتى ذممت سريرته لك؛ فأمسك عنه.
ثم دخل بعد ذلك أبو العيناء على المتوكل فقال: كيف كنت بعد؟ قال:
فى أحوال مختلفة، خيرها رؤيتك وشرّها غيبتك، فقال: قد والله اشتقتك!
стр. 309
قال: إنما يشتاق العبد؛ لأنه يتعذّر عليه لقاء مولاه، وأما السيّد فمتى أراد عبده دعاه.
وقال له المتوكل: من أسخى من رأيت؟ قال: ابن أبى داود، قال المتوكّل:
تأتى إلى رجل رفضته فتنسبه إلى السخاء؟ قال: إنّ الصدق يا أمير المؤمنين ليس فى موضع من المواضع أنفق منه في مجلسك؛ وإنّ الناس يغلطون فيمن ينسبونه إلى الجود؛ لأنّ سخاء البرامكة منسوب إلى الرشيد، وسخاء الفضل والحسن ابنى سهل منسوب إلى المأمون، وجود ابن أبى داود منسوب إلى المعتصم؛ فإذا نسب الناس الفتح وعبيد الله ابنى يحيى إلى السخاء فذلك سخاؤك يا أمير المؤمنين، قال:
صدقت؛ فمن أبخل من رأيت؟ قال: موسى بن عبد الملك، قال: وما رأيت من بخله؟ قال: رأيته يخدم القريب كما يخدم البعيد، ويعتذر من الإحسان كما يعتذر من الإساءة، فقال له: قد وقعت فيه عندى مرتين، وما أحبّ لك ذلك؛ فألقه واعتذر إليه، ولا يعلم أنّى وجهت بك، قال: يا أمير المؤمنين، من يستكتمنى بحضرة ألف؟ قال: لن تخاف، قال: على الاحتراس من الخوف.
فصار إلى موسى فاعتذر كلّ واحد منهما إلى صاحبه، وافترقا عن صلح؛ فلقيه بعد ذلك بالجعفرى، فقال: يا أبا عبد الله، قد اصطلحنا، فمالك لا تأتينا؟
قال: أتريد أن تقتلنى كما قتلت نفسا بالأمس؟ فقال موسى: ما أرانا إلا كما كنا.
وقال له المتوكل: إبراهيم بن نوح النصرانى واجد عليك، قال: ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتّبع ملتهم! قال: إن جماعة من الكتاب يلومونك! فقال:
إذا رضيت عنّى كرام عشيرتى ... فلا زال غضبانا علىّ لئامها
قال المتوكل له: أكان أبوك في البلاغة مثلك؟ قال: لو رأى أمير المؤمنين أبى لرأى عبدا له لا يرضانى عبدا له.
стр. 310
وقيل لأبى العيناء: إن المتوكل قال: لولا أنّه ضرير البصر لنادمته، فقال:
إن أعفانى من رؤية الأهلّة، وقراءة نقش الفصوص، فأنا أصلح للمنادمة.
ولقيه رجل من إخوانه في السّحر، فجعل يعجب من بكوره، فقال:
أراك تشاركنى في الفعل وتفردنى بالتعجّب! ووقف به رجل من العامّة فأحس به، فقال: من هذا؟ قال: رجل من بنى آدم! قال: مرحبا بك، أطال الله بقاك! وبقيت في الدنيا، ما ظننت هذا النّسل إلا قد انقطع! ودخل على عبيد الله بن سليمان فقال: اقرب منّى يا أبا عبد الله، فقال:
أعزّ الله الوزير، تقريب الأولياء، وحرمان الأعداء، قال: تقريبك غنم، وحرمانك ظلم؛ وأنا ناظر في أمرك نظرا يصلح من حالك إن شاء الله.
وقال له يوما: اعدرنى فإنّى مشغول، فقال له: إذا فرغت من شغلك لم نحتج إليك، وأنشده:
فلا تعتذر بالشّغل عنّا؛ فإنّما ... تناط بك الأمال ما اتّصل الشّغل
ثم قال: يا سيّدى قد عذرتك، فإنه لا يصلح لشكرك من لا يصلح لعذرك.
وأقبل إليه يوما فقال: من أين يا أبا عبد الله؟ قال: من مطارح الجفاء! وقال له مرة: نحن في العطلة مرحومون، وفي الوزارة محرومون، وفي القيامة كلّ نفس بما كسبت رهينة.
وسار يوما إلى باب صاعد بن مخلد، فقيل: هو مشغول يصلّى، قال: لكلّ جديد لذّة! وكان صاعد نصرانيا قبل الوزارة.
ودخل إلى عبيد الله بن سليمان، فشكا إليه حاله، ققال: أليس قد كتبنا لك إلى إبراهيم بن المدبّر؟ فقال: كتبت إلى رجل قد قصّر من همّته طول الفقر، وذلّ الأسر، ومعاناة محن الدّهر، فأخففته في طلبتى! قال: أنت اخترته؟ قال: وما علىّ- أعزّ الله الوزير! - فى ذلك؟ قد اختار موسى قومه سبعين
стр. 311
رجلا، فما كان منهم رشيد، واختار النبىّ ﷺ ابن أبى سرح كاتبا، فرجع إلى المشركين مرتدّا، وإختار علىّ بن أبى طالب أبا موسى حاكما له فحكم عليه!
[إبراهيم بن المدبر]
وكان إبراهيم بن المدبر أسره صاحب الزّنج بالبصرة وحبسه؛ فاحتال حتى نقب السّجن وهرب، فلذلك ذكر أبو العيناء ذلّ الأسر، وكان قد ضرب فى وجهه ضربة بقى أثرها إلى أن مات؛ ولذلك قال البحترى:
ومبينة شهر المنازل وسمها ... والخيل تكبو في العجاج الكابى
كانت بوجهك دون عرضك إذ رأوا ... أنّ الوجوه تصان بالأحساب
ولئن أسرت فما الإسار على امرىء ... نصر الإسار على الفرار بعاب»
نام المضلّل عن سراك ولم تخف ... عين الرقيب وقسوة البوّاب
فركبتها هولا متى تخبر بها ... يقل الجبان: أتيت غير صواب
ما راعهم إلا استراقك مصلتا ... فى مثل برد الأرقم المنساب «٢»
تحمى أغيلمة وطائشة الخطى ... تصل التّلفّت خشية الطّلّاب
قد كان يوم ندى بطولك باهرا ... حتى أضفت إليه يوم ضراب «٣»
ذكر من البأس استعذت إلى الّذى ... أعطيت في الأخلاق والآداب
ووحيدة أنت انفردت بفضلها ... لولاك ما كتبت على الكتّاب
[حديث صاحب الزنج، ودعواه، وبطلانها]
قال أبو بكر الصولى: حدثنى محمد بن أبى الأزهر، وقد ذاكرته خبر على صاحب الزنج، قال: ادّعى أنه على بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن على
стр. 312
ابن الحسين بن على بن أبى طالب ﵃، فنظرت مولده ومولد محمد ابن أحمد الذى ادعاه فكان بينهما ثلاث سنين، وكان لمحمد بن أحمد ولد اسمه على مات بعد هذا المدعى اسمه ونسبه بزمان. ثم رجع عن هذا النسب فادّعى أنه على بن محمد بن عبد الرحيم بن رحيب بن يحيى المقتول بخراسان ابن زيد بن على.
قال أبو عبيدة محمد بن على بن حمزة: ولم يكن ليحيى ولد يقال له رحيب ولا غيره؛ لأنّه قتل ابن ثمانى عشرة سنة ولا ولد له.
قال بشر بن محمد بن السّرىّ بن عبد الرحمن بن رحيب: هو ابن عم أبى لحّا على بن محمد بن عبد الرحمن بن رحيب، ورحيب رجل من العجم من أهل ورتين من ضياع الرىّ، وهو القائل لبنى العباس:
بنى عمنا إنا وأنتم أنامل ... تضمنها من راحتيها عقودها
بنى عمّنا ولّيتم الترك أمرنا ... ونحن قديما أصلها وعمودها
فما بال عجم الترك تقسم فيئنا ... ونحن لديها في البلاد شهودها
فأقسم لاذقت القراح وإن أذق ... فبلغة عيش أو يباد عميدها «١»
وقال أيضا:
لهف نفسى على قصور ببغدا ... د وما قد حوته من كلّ عاص
وخمور هناك تشرب جهرا ... ورجال على المعاصى حراص
لست بابن الفواطم الزّهر إن لم ... أقحم الخيل بين تلك العراص
وله في هذا المعنى شعر كثير قد ناقضه البغداديون، وكانت مدّته حين نجم إلى أن قتل أربع عشرة سنة، وجملة من قتل ألف ألف وخمسمائة ألف.
стр. 313
[عود إلى ملح أبى العيناء]
وذكر أبو العيناء رجلا، فقال: ضحك كالبكاء، وتودّد كالعزاء، ونوادر كندب الموتى! وكان يهاتر ابن مكرم كثيرا، وكتب إليه ابن مكرم يوما: قد ابتعت لك غلاما من بنى ناشر، ثم من بنى ناعظ، ثم من بنى نهد. فكتب إليه: فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين.
وولد لأبى العيناء ولد، فأتى ابن مكرم فسلم عليه، ووضع حجرا بين يديه وانصرف، فأحس به، فقال: من وضع هذا؟ فقيل: ابن مكرم، قال: لعنه الله! إنما عرّض بقول النبى ﷺ : الولد للفراش وللعاهر الحجر.
وقال لابن مكرم، وقد قدم من سفر: مالك لم تهد إلينا هدية؟ قال: لم آت بشىء، وإنما قدمت في خف. قال: لو قدمت في خف لخلّفت روحك! وأتى إلى باب إبراهيم بن رياح، فحجب، فقال: إذا شغل بكأس يمناه وبحر يسراه، وانتسب إلى أب لا يعرف أباه، لا يحفل بحجاب من أتاه.
وقدّم إليه أبو عيسى بن المتوكل سكباحة، فجعل لا تقع يده إلا على عظم؛ فقال: جعلت فداك! هذه قدر أو قبر؟.
ودعا ضريرا ليعشيه، فلم يدع شيئا إلّا أكله، فقال: يا هذا، دعوتك رحمة فتركتنى رحمة.
قد تم- بحول الله وقوته، وحسن معونته- الجزء الأول من كتاب «زهر الآداب، وثمر الألباب» لأبن إسحاق الحصرى، ويليه- إن شاء الله تعالى- الجزء الثانى، مفتتحا بقول المصنف «ألفاظ لأهل العصر في صفات الطعام ومقدماته، وموائده وآلاته» نسأل الله- جلت قدرته! - أن يعين على إكماله، إنه ولى ذلك.
стр. 314
فهرست الجزء الأول من كتاب زهر الآداب
صفحة الموضوع
مقدمة الطبعة الأولى
مقدمة الطبعة الثانية
٣ مقدمة المؤلف
٤٠ إن من البيان لسحرا
٤٠ عمرو بن الأهتم والزبرقان بن بدر بين يدى رسول الله ﷺ
٤١ ترجمة عمرو بن الأهتم
- ترجمة الزبرقان بن بدر
٤٢ غلام يتكلم في حضرة عمر بن عبد العزيز
٤٣ كتاب من ابن العميد لبعض إخوانه
٤٤ السحر الحلال
٤٤ وصف رحل محبوب
٤٥ علية بنت المهدى
٤٨ قيد الأوابد
٤٩ عود إلى حلاوة الحديث
٥٥ الشعر والبيان
٥٥ تفسير حديث وضبطه
- الحطيئة وبنو أنف النافة
٥٦ بنو العجلان والنجاشى
٥٦ حكومة عمر في الشعر
٥٧ جمرات العرب
٥٧ انتقام امرأة
٥٨ تعريض قادح
صفحة الموضوع
٥٩ جواب على شعر جرير
٥٩ فضل الشعر
٦٠ شذور من كلام الرسول
٦٣ شعراء الرسول
٦٥ أبو سفيان بن الحارث
٦٥ شعر كعب بن مالك
٦٥ قصة النضر بن الحارث
٦٧ رثاء أبى بكر لرسول الله
٦٧ مناقب أبى بكر
٦٨ خطبة أبى بكر يوم مات الرسول
٦٩ رثاء فاطمة الزهراء لأبيها رسول الله
٧٠ عود إلى المختار من كلام أبى بكر
٧١ رثاء عائشة أم المؤمنين لأبيها
٧٢ عمر بن الخطاب
٧٤ بكاء عمر
٧٥ عاتكة بنت زيد
٧٥ عثمان بن عفان
٧٨ على بن أبى طالب
٨٣ عمرو بن عبدود
٨٤ بيضة البلد
٨٥ هوان قبيلة عاملة
٨٦ كلام الصحابة والتابعين
٨٦ آثار معاوية
стр. 315
٨٨ الأحنف بن قيس ومعاوية
٩٠ شعر زهير
٩١ التهنئة والتعزية
٩٤ أهل البيت
٩٥ وصف قريش وبنى هاشم
٩٧ الحسن بن على وحبيب بن مسلمة
٩٩ المصيبة بأبناء النبوة
١٠٠ بين الحسن ومحمد بن الحنفية
١٠٠ الدنيا في رأى الحسين
١٠١ معاوية والحسين
١٠٢ ابن أبى ربيعة وسكينة بنت الحسين
١٠٢ على بن الحسين زين العابدين
١٠٣ قصيدة الفرزدق في على بن الحسين
١٠٦ لذى الرمة يمدح بلال بن أبى بردة
- للبحترى يمدح الفتح بن خاقان
١٠٩ عاقبة الحرب
١١٢ للبحترى في قتال الأقارب
١١٢ لأبى تمام في المعنى
١١٤ لابن الخياط يمدح مالك بن أنس
١١٥ لأشجع السلمى
- من شعر أبى تمام
١١٧ محمد بن على بن الحسين الباقر
١١٨ مصرع زيد بن على
١٢٠ عبد الله بن الحسن
١٢١ بين عبد الملك بن مروان وعمر بن
أبى ربيعة
١٢٢ للعديل بن الفرخ
١٢٢ عود إلى عبد الله بن الحسن
١٢٣ امرأة محمد بن عبد الله
١٢٤ جعفر بن محمد
١٢٥ عبد الله بن معاوية
١٢٧ الحسن بن زيد
١٢٩ إبراهيم بن هرمة
١٣٠ موسى بن عبد الله
١٣٠ بين على بن محمد العلوى والحسين بن إسماعيل
١٣١ العباس بن الحسين الهاشمى
١٣٣ موسى بن جعفر
١٣٣ على بن موسى
١٣٤ دعبل بن على يرثى آل البيت
١٣٥ أوصاف الأشراف
١٣٨ الابتداء بحمد الله
١٣٩ من شعر محمود الوراق
١٤٠ البيان والبلاغة
١٤٠ فضل القرآن على سائر الكلام
١٤١ ماهية البلاغة لابن الرمانى
١٤٢ ألفاظ لأهل العصر في ذكر القرآن
١٤٣ أقوال في البلاغة
١٤٣ عمرو بن عبيد
١٤٥ البلاغة عند أهل الهند
١٤٥ البلاغة في رأى ابن المقفع
١٤٦ الإطالة والإيجاز
١٤٨ المعانى والألفاظ
١٥١ بشار بن برد
١٥٢ وصية أبى تمام للبحترى
١٥٣ فضل الليل للحاتمى
١٥٤ فضل التروى والأناة
١٥٥ واجب النساخ
١٥٥ صور مختلفة للبلاغة
стр. 316
١٦٠ صفة البلاغة والبلغاء
١٦٤ وصف النثر والشعر
١٦٥ كتاب لابن العميد
١٦٧ كتاب للصاحب بن عباد
١٦٨ أبو الفضل الميكالى
١٦٩ أبو منصور الثعالبى
١٧١ رسائل الميكالى
١٧٣ وصف أبى الفضل الميكالى
١٧٦ وصف البلاغة
١٧٦ لأبى الفتح البستى
١٧٧ للمطوعى يمدح الميكالى
١٧٨ للثعالبى يمدح الميكالى
١٧٩ للثعالبى في وصف فرس
١٧٩ للثعالبى يجيب الميكالى
١٨٠ للميكالى يجيب الثعالبى
١٨٠ الوزير المهلبى
١٨١ الحكمة ضالة المؤمن
١٨٢ وصف الكتاب للجاحظ
١٨٥ تهادى الكتب
١٨٨ أوصاف الكتب
١٩٣ المحادثة والمجالسة
١٩٣ الفهم والإفهام
١٩٥ واجب الجليس
١٩٦ الحديث المعاد
١٩٦ أنواع الأدب
١٩٨ تقسيم الأيام
١٩٩ إياس بن معاوية يحتج للاطناب
- الجاحظ يرد عليه
- ابن هبيرة يريد إياسا على القضاء
٢٠٠ أبو العيناء وقبنة
٢٠٠ فطنة إياس بن معاوية وفوة لسنه
٢٠٠ الفرار من الحديث المملول
٢٠١ طرف أدبية
٢٠٢ ملح الغاضرى
٢٠٣ ملح أشعب
٢٠٤ أبو نواس
٢٠٥ الجماز
٢٠٦ أبو تمام يمدح عمرو بن طوق
- ويمدح الحسن بن وهب
٢٠٧ رواية الشعر والنسيب
٢٠٨ عروة بن أذينة
١٧٧ أبو السائب المخزومى
٢٠٩ عود إلى عروة بن أذينة
٢١٠ حب الأحوص
٢١١ ظرف أهل الحجاز ورقهم
١٧٩ أبو حازم
٢١٢ عبيد الله بن عبد الله بن عتبة
١٨٠ فقهاء المدينة السبعة
٢١٣ لأبى نواس
١٨١ لأبى محمد بن أبى أمية
٢١٤ ظرف أهل المدينة
٢١٦ لتشبيب بأخت الحجاج
١٨٥ وصف الدنيا لابن المعتز
٢١٨ بين ابن المعتز وثعلب
٢١٩ شعر ابن المعتز
٢٢٠ وصف النار للببغاء
٢٢١ عود إلى شعر ابن المعتر
١٦١ رثاء المنصور
٢٢٣ وصاف الرجال
٢٢٥ نثر ابن المعتز
стр. 317
٢١٧ وصف الماء وما يتصل به
٢٢٩ كة الجعفرى للبحترى
١٩٩ قصور المتوكل لابن الجهم
٢٣١ وصف موضع للبحترى
٢٣٢ صنوبرى يصف موضعا في حلب
٢٣٣ الميكالى يصف بركة
- لعلى بن محمد الإيادى يصف دارا بالمنصورية
٢٣٥ المياه والغدران
٢٣٧ وصف الرعد والبرق
٢٤١ الشرب في الصحو
٢٤٢ وصف شدة الشوق
٢١٠ وصف رجل حازم لابن المقفع
٢٤٣ إبراهيم بن أدهم
٢٤٤ وصف التقى والزهد لابن كناسة
٢١٢ من أخبار ابن المقفع
٢٤٥ ترجمة الأصوص
٢١٣ فهم المنصور
٢٤٦ بلية الحسد لابن المقفع
٢٤٧ ألسنة الحساد
٢١٦ وصف الحسد
٢٤٨ التلطف في الطلب
٢٤٩ من كلام على بن عبيدة الريحانى
٢٥٠ بين إبراهيم بن المهدى وأحمد بن أبى داود وبختيشوع الطبيب
٢٥١ أردشير بن بابك
٢٥٢ أخلاق الملوك
٢٥٣ أخت ملك الخزر
٢٥٤ أقوال الملوك والحكماء
٢٥٧ همة سعد بن ناشب
٢٥٨ كلام الخلفاء
٢٥٦ مقتل المتوكل
٢٦٠ وفاء البحترى
٢٦١ رثاء المتوكل للمهلبى
٢٦٢ أبو حية النميرى
٢٣٣ وصف الشباب لهارون بن يحيى
٢٦٥ فقر في وصف الشباب
٢٦٧ بين ابن مناذر وأبى حية النميرى
٢٣٦ أعباء الكهولة لعمرو بن قميئة
٢٦٨ للنمر بن تولب
٢٦٩ من شعر حميد بن ثور
٢٧٠ لمحمود الوراق
- للمتنبى
- للبحترى
- لابن هانى
٢٧١ لابن الرومى
- لأبى تمام
٢٧٢ وصف الثغر
٢٧٤ وصف الجوارى السود
٢٧٥ لتهنئة بنوأمين
٢٨٠ وصف الأفواه
٢٨٦ شعر أبى نواس
٢٨٧ طرفة أدبية
٢٨٨ تظرف الحارث بن خالد
٢٥٧ من أخبار عائشة بنت طلحة
٢٨٩ مثل من التعريض
٢٩٠ الثريا بنت على
٢٩١ عزة كثير
٢٩٢ ظرف ابن أبى عتيق
٢٩٣ كمثل الشيطان
стр. 318
٢٦١ رملة بنت عبد الله
٢٩٤ صفقة أبى غبشان الذى باع مفتاح الكعبة بزق خمر
٢٩٥ عفة ابن أبى ربيعة
٢٩٦ بين ابن جريج ومعن بن أوس
٣٠١ عائشة بنت طلحة
٣٠٢ امامة ابن الرومى
٣٠٣ سليمان بن عبد الملك وأعرابى
٣٠٤ وصف رجل ماجد
٣٠٥ البديع الهمذانى، وكيف استوحى صنع المقامات
٣٠٦ كتابه إلى أبى نصر الميكالى
٣٠٩ عتابه للميكالى
٣١١ أبيات مختارة في معان شتى
٢٨٣ أبو العيناء
٣١٥ بين أبى الصقر وابن الرومى
٣٢١ ترجمة أبى العيناء، وطرف من أخباره
٣٢٢ أحاديثه مع المتوكل
٣٢٣ المتوكل أول من أظهر الانكباب على الشهوات من العباسين..
٣٢٤ منزلة أبى العيناء في الكتابة
- من أبى العيناء لعبيد الله بن سليمان
٣٢٥ نوادره، وفكاهاته، وأجوبته
٣٢٦ إبراهيم بن المدبر
٣٢٩ صاحب الزنج
٣٣٠ عود إلى ملح أبى العيناء
تمت فهرس الجزء الأول من «زهر الآداب» والحمد لله أولا وآخرا والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه
стр. 319
الجزء الثاني
стр. 320
زهر الآداب وثمر الألباب لأبى إسحاق إبراهيم بن على، الحصرى، القيروانى، المتوفى في عام ٤٥٣ من الهجر مفصل ومضبوط ومشروح بقلم المرحوم الدكتور زكى مبارك الجزء الثانى دار الجيل بيروت
следующие страницы →