← Адаб

Адаб · id 10768

زهر الآداب وثمر الألباب

الحصري القيرواني

Полный текст (1 141 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

١٦٠ صفة البلاغة والبلغاء ١٦٤ وصف النثر والشعر ١٦٥ كتاب لابن العميد ١٦٧ كتاب للصاحب بن عباد ١٦٨ أبو الفضل الميكالى ١٦٩ أبو منصور الثعالبى ١٧١ رسائل الميكالى ١٧٣ وصف أبى الفضل الميكالى ١٧٦ وصف البلاغة ١٧٦ لأبى الفتح البستى ١٧٧ للمطوعى يمدح الميكالى ١٧٨ للثعالبى يمدح الميكالى ١٧٩ للثعالبى في وصف فرس ١٧٩ للثعالبى يجيب الميكالى ١٨٠ للميكالى يجيب الثعالبى ١٨٠ الوزير المهلبى ١٨١ الحكمة ضالة المؤمن ١٨٢ وصف الكتاب للجاحظ ١٨٥ تهادى الكتب ١٨٨ أوصاف الكتب ١٩٣ المحادثة والمجالسة ١٩٣ الفهم والإفهام ١٩٥ واجب الجليس ١٩٦ الحديث المعاد ١٩٦ أنواع الأدب ١٩٨ تقسيم الأيام ١٩٩ إياس بن معاوية يحتج للاطناب - الجاحظ يرد عليه - ابن هبيرة يريد إياسا على القضاء ٢٠٠ أبو العيناء وقبنة ٢٠٠ فطنة إياس بن معاوية وفوة لسنه ٢٠٠ الفرار من الحديث المملول ٢٠١ طرف أدبية ٢٠٢ ملح الغاضرى ٢٠٣ ملح أشعب ٢٠٤ أبو نواس ٢٠٥ الجماز ٢٠٦ أبو تمام يمدح عمرو بن طوق - ويمدح الحسن بن وهب ٢٠٧ رواية الشعر والنسيب ٢٠٨ عروة بن أذينة ١٧٧ أبو السائب المخزومى ٢٠٩ عود إلى عروة بن أذينة ٢١٠ حب الأحوص ٢١١ ظرف أهل الحجاز ورقهم ١٧٩ أبو حازم ٢١٢ عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ١٨٠ فقهاء المدينة السبعة ٢١٣ لأبى نواس ١٨١ لأبى محمد بن أبى أمية ٢١٤ ظرف أهل المدينة ٢١٦ لتشبيب بأخت الحجاج ١٨٥ وصف الدنيا لابن المعتز ٢١٨ بين ابن المعتز وثعلب ٢١٩ شعر ابن المعتز ٢٢٠ وصف النار للببغاء ٢٢١ عود إلى شعر ابن المعتر ١٦١ رثاء المنصور ٢٢٣ وصاف الرجال ٢٢٥ نثر ابن المعتز

стр. 317

٢١٧ وصف الماء وما يتصل به ٢٢٩ كة الجعفرى للبحترى ١٩٩ قصور المتوكل لابن الجهم ٢٣١ وصف موضع للبحترى ٢٣٢ صنوبرى يصف موضعا في حلب ٢٣٣ الميكالى يصف بركة - لعلى بن محمد الإيادى يصف دارا بالمنصورية ٢٣٥ المياه والغدران ٢٣٧ وصف الرعد والبرق ٢٤١ الشرب في الصحو ٢٤٢ وصف شدة الشوق ٢١٠ وصف رجل حازم لابن المقفع ٢٤٣ إبراهيم بن أدهم ٢٤٤ وصف التقى والزهد لابن كناسة ٢١٢ من أخبار ابن المقفع ٢٤٥ ترجمة الأصوص ٢١٣ فهم المنصور ٢٤٦ بلية الحسد لابن المقفع ٢٤٧ ألسنة الحساد ٢١٦ وصف الحسد ٢٤٨ التلطف في الطلب ٢٤٩ من كلام على بن عبيدة الريحانى ٢٥٠ بين إبراهيم بن المهدى وأحمد بن أبى داود وبختيشوع الطبيب ٢٥١ أردشير بن بابك ٢٥٢ أخلاق الملوك ٢٥٣ أخت ملك الخزر ٢٥٤ أقوال الملوك والحكماء ٢٥٧ همة سعد بن ناشب ٢٥٨ كلام الخلفاء ٢٥٦ مقتل المتوكل ٢٦٠ وفاء البحترى ٢٦١ رثاء المتوكل للمهلبى ٢٦٢ أبو حية النميرى ٢٣٣ وصف الشباب لهارون بن يحيى ٢٦٥ فقر في وصف الشباب ٢٦٧ بين ابن مناذر وأبى حية النميرى ٢٣٦ أعباء الكهولة لعمرو بن قميئة ٢٦٨ للنمر بن تولب ٢٦٩ من شعر حميد بن ثور ٢٧٠ لمحمود الوراق - للمتنبى - للبحترى - لابن هانى ٢٧١ لابن الرومى - لأبى تمام ٢٧٢ وصف الثغر ٢٧٤ وصف الجوارى السود ٢٧٥ لتهنئة بنوأمين ٢٨٠ وصف الأفواه ٢٨٦ شعر أبى نواس ٢٨٧ طرفة أدبية ٢٨٨ تظرف الحارث بن خالد ٢٥٧ من أخبار عائشة بنت طلحة ٢٨٩ مثل من التعريض ٢٩٠ الثريا بنت على ٢٩١ عزة كثير ٢٩٢ ظرف ابن أبى عتيق ٢٩٣ كمثل الشيطان

стр. 318

٢٦١ رملة بنت عبد الله ٢٩٤ صفقة أبى غبشان الذى باع مفتاح الكعبة بزق خمر ٢٩٥ عفة ابن أبى ربيعة ٢٩٦ بين ابن جريج ومعن بن أوس ٣٠١ عائشة بنت طلحة ٣٠٢ امامة ابن الرومى ٣٠٣ سليمان بن عبد الملك وأعرابى ٣٠٤ وصف رجل ماجد ٣٠٥ البديع الهمذانى، وكيف استوحى صنع المقامات ٣٠٦ كتابه إلى أبى نصر الميكالى ٣٠٩ عتابه للميكالى ٣١١ أبيات مختارة في معان شتى ٢٨٣ أبو العيناء ٣١٥ بين أبى الصقر وابن الرومى ٣٢١ ترجمة أبى العيناء، وطرف من أخباره ٣٢٢ أحاديثه مع المتوكل ٣٢٣ المتوكل أول من أظهر الانكباب على الشهوات من العباسين.. ٣٢٤ منزلة أبى العيناء في الكتابة - من أبى العيناء لعبيد الله بن سليمان ٣٢٥ نوادره، وفكاهاته، وأجوبته ٣٢٦ إبراهيم بن المدبر ٣٢٩ صاحب الزنج ٣٣٠ عود إلى ملح أبى العيناء تمت فهرس الجزء الأول من «زهر الآداب» والحمد لله أولا وآخرا والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه

стр. 319

الجزء الثاني

стр. 320

زهر الآداب وثمر الألباب لأبى إسحاق إبراهيم بن على، الحصرى، القيروانى، المتوفى في عام ٤٥٣ من الهجر مفصل ومضبوط ومشروح بقلم المرحوم الدكتور زكى مبارك الجزء الثانى دار الجيل بيروت

стр. 321

ألفاظ لأهل العصر في صفات الطعام ومقدماته، وموائده، وآلاته افرش طعامك اسم الله، وألحفه حمد الله. لا يطيب حضور الخوان، إلّا مع الإخوان. البخل بالطّعام، من أخلاق الطّغام. الكريم لا يحظر، تقديم ما يحضر. قد قامت خطباء القدور. قدور أبكار، بخواتم النّار. قدر طار عرفها، وطاب غرفها. دهماء تهدر كالفنيق «١» ، وتفوح كالمسك الفتيق. مائدة كدارة البدر، تباعد بين أنفاس الجلّاس. مائدة مثل عروس. مائدة لطيفة، محفوفة بكل طريفة. مائدة تشتمل على بدائع المأكولات، وغرائب الطيّبات. مائدة كأنما عملها صنّاع صنعاء، تجمع بين أنوار «٢» الربيع، وثمار الخريف. وقال الجماز: جاءنا فلان بمائدة كأنّها زمن البرامكة على العفاة! وذمّ آخر رجلا فقال: لا يحضر مائدته إلا أكرم الخلق وألأمهم- يريد الملائكة والذّباب. وقال ابن الحجاج لرجل دعاه وأخّر الطعام: قد جنّ أصحابك من جوعهم ... فاقرأ عليهم سورة المائده ولبعض أهل العصر يذم رجلا: خوان لا يلمّ به ضيوف ... وعرض مثل منديل الخوان رغفان كالبدور الممنطقة بالنّجوم. حمل ذهبىّ الدّثار، فضّىّ الشعار. أطيب ما يكون الحمل، إذا حلّت الشمس الحمل «٣» . جدى كأنما ندف على جبينه القزّ. زيرباجة، هى للمائدة ديباجة، تشفى السّقام، ولونها لون السقيم. سكباجة تفتق

стр. 322

الشهوة، واسفيذباجة تغذّى القرم «١» ، وطباهجة يتفكّه بها، وخبيص يختم بخير. طباهجة من شرط الملوك، كأعراف الديوك، وقليّة كالعود المطرّى. مغمومة تفرج غمّ الجائع. هريسة نفيسة، كأنها خيوط قزّ مشتبكة، كأنّ المرّى «٢» عليها عصارة المسك على سبيكة الفضة. أرزة ملبونة، فى السكر مدفونة. شواء رشراش «٣» وفالوذج رجراج «٤» . طباهجة تغذى، وفالودجة تعزى، واسفيذباجة تصفع قفا الجوع «٥» . لا فراش للنبيذ، كالحمل الحنيذ «٦» . دجاجة سميطة، لها من الفضة جسم، ومن الذهب قشرة. دجاجة ديناريّة ثمنا ولونا. وهذا محلول من قول على بن العباس الرومى يصف طعاما أكله عند أبى بكر الباقطانى: وسميطة صفراء دينارية ... ثمنا ولونا زفّها لك حزور «٧» عظمت فكادت أن تكون أوزّة ... وغلت فكاد إهابها يتفطّر طفقت تجود بذوبها جوذابة ... فأتى لباب اللّوز فيها السكر ظلنا نقشّر جلدها عن لحمها ... فكانّ تبرا عن لجين يقشر وتقدّمتها قبل ذاك ثرائد ... مثل الرّياض بمثل ذاك تصدّر ومرقّقات كلّهنّ مزخرف ... بالبيض منها ملبس ومدثّر وأتت قطائف بعد ذاك لطائف ... ترضي اللهاة بها ويرضي الحنجر ضحك الوجوه من الطبرزد فوقها ... دمع العيان من الدّهان يعصّر

стр. 323

قال البديع: حدثنى عيسى بن هشام قال: اشتهيت الأزاذ، وأنا ببغداذ «١» ، وليس معى عقد، على نقد «٢» ، فخرجت أنتهز محالّه، حتى أحلّنى الكرخ «٣» ؛ فإذا أنا بسوادىّ يحدو بالجهد حماره، ويطرّف بالعقد إزاره «٤» ؛ فقلت: ظفرنا والله بصيد، وحيّاك الله أبا زيد! من أين أقبلت؟ وأين نزلت؟ ومتى وافيت، فهلمّ إلى البيت. فقال السّوادى: لست بأبى زيد، وإنما أبو عبيد! فقلت: نعم لعن الله الشيطان، وأبعد النّسيان، أنسانى طول العهد بك، كيف أبوك، أشابّ كعهدى، أم شاب بعدى؟ «٥» قال: قد نبت المرعى على دمنته «٦» ، وأرجو أن يصيّره الله إلى جنّته، فقلت: إنّا لله، ولا قوة إلا بالله، ومددت يد البدار، إلى الصّدار «٧» أريد تمزيقه، وأحاول تخريقه «٨» فقبض السوادىّ على خصرى بجمعه «٩» ؛ وقال: نشدتك بالله لا مزّقته، فقلت: فهلم إلى البيت نصب غداء، أو إلى السوق نشترى شواء؛ والسوق أقرب، وطعامه

стр. 324

أطيب، فاستفزّته حمة القرم «١» ، وعطفته عطفة النّهم، وطمع، ولم يعلم أنه وقع، ثم أتيت شوّاء يتقاطر شواؤه عرقا، ويتسايل جوذابه مرقا «٢» ، فقلت: أبرز لأبى زيد من هذا الشواء، ثم زن له من تلك الحلواء، واختر من تلك الأطباق، ونضّد عليها أوراق الرقاق، وشيئا من ماء السّمّاق «٣» ؛ ليأكله أبو زيد هنيا. فأنحى الشّوّاء بساطوره «٤» ، على زبدة تنّوره، فجعلها كالكحل سحقا، وكالطحين دقّا، ثم جلس وجلست، ولا نبس ولا نبست، حتى استوفيناه، وقلت لصاحب الحلواء: زن لأبى زيد من اللوزينج رطلين «٥» ، فإنه أجرى في الحلوق، وأسرى في العروق، وليكن ليلىّ العمر، يومىّ النّشر «٦» ، رقيق القشر، كثيف الحشو، لؤلؤىّ الدهن، كوكبى اللون، يذوب كالصّمغ، قبل المضغ، ليأكله أبو زيد هنيّا. فوزنه، ثم قعد وقعدت، وجرّد وجرّدت «٧» ، واستوفيناه، ثم قلت: يا أبا زيد، ما أحوجنا إلى ماء يشعشع بالثلج، ليقمع هذه الصّارة «٨» ، ويفثأ هذه اللّقم الحارة «٩» ؛ اجلس أبا زيد حتى آتيك بسقّاء، يحيينا بشربة من ماء، ثم خرجت، وجلست بحيث أراه ولا يرانى، أنظر ما يصنع به. فلما أبطأت عليه قام السّوادى إلى حماره، فاعتلق الشّوّاء بإزاره.

стр. 325

وقال: أين ثمن ما أكلت؟ قال: ما أكلته إلا ضيفا! قال الشّوّاء: هاك وآك متى دعوناك؟ زن يا أخا القحبة عشرين، وإلا أكلت ثلاثا وتسعين! فجعل السوادىّ يبكى ويمسح دموعه بأردانه، ويحلّ عقده بأسنانه، ويقول: كم قلت لذلك القريد، أنا أبو عبيد، وهو يقول: أنت أبو زيد!؟ فأنشدت: اعمل لرزقك كلّ آله ... لا تقعدنّ بذلّ حاله وانهض بكلّ عزيمة ... فالمرء يعجز لا المحالة» ومن مليح ما قيل في القطائف قول علىّ بن يحيى بن أبى منصور المنجم: قطائف قد حشيت باللّوز ... والسكر الماذىّ حشو الموز «٢» يسبح في آذىّ «٣» دهن الجوز ... سررت لما وقعت في حوزى سرور عبّاس بقرب فوز «٤» ومن ألفاظ أهل العصر في الحلواء: فالوذج بلباب البرّ، ولعاب النّحل، كأنّ اللوز فيه كواكب درّ، فى سماء عقيق. ولم يقل أحد في صفة اللوزينج أحسن من قول ابن الرومى: لا يخطئنّى منك لوزينج ... إذا بدا أعجب أو عجّبا لو شاء أن يذهب في صخرة ... لسهّل الطّيب له مذهبا لم تغلق الشّهوة أبوابها ... إلّا أبت زلفاه أن يحجبا يدور بالنّفحة في جامه ... دورا ترى الدّهن له لولبا «٥»

стр. 326

عاون فيه منظر مخبرا ... مستحسن ساعد مستعذبا مستكثف الحشو ولكنّه ... أرقّ جلدا من نسيم الصّبا «١» كأنما قدّت جلابيبه ... من نقطة القطر إذا حبّبا «٢» يخال من رقّة خرشائه «٣» ... شارك في الأجنحة الجندبا «٤» لو أنّه صوّر من خبزه ... ثغر لكان الواضح الأشنبا «٥» من كلّ بيضاء يودّ الفتى ... أن يجعل الكفّ لها مركبا مدهونة زرقاء مدقوقة «٦» ... صهباء تحكى الأزرق الأشهبا قرة عين «٧» وفم حسّنت ... وطيّبت حتى صبا من صبا ديف له اللوز؛ فما مرّة ... مرّت على الذائق إلا أبى «٨» وانتقد السّكّر نقّاده ... وشاوروا في نقده المذهبا فلا إذا العين رأته نبت ... ولا إذا الضّرس علاه نبا لا تنكروا الإدلال من وامق ... وجّه تلقاءكم المطلبا هذه الأبيات يقولها في قصيدة طويلة يمدح فيها أبا العباس أحمد بن محمد ابن عبد الله بن بشر المرئدى، ويهنيه بابن ولده، وأولها: شمس وبدر ولدا كوكبا ... أقسمت بالله لقد أنجبا قال أبو عثمان سعيد بن محمد الناجم: دخلت على أبى الحسن وهو يعمل هذه

стр. 327

القصيدة، فقلت: لو تفاءلت فيها لأبى العباس بسبعة من الولد؛ لأن أبا العباس منكوسا سابع، لجاء المعنى ظريفا، فقال: وقد تفاءلت له زاجرا ... كنيته، لا زاجرا ثعلبا إنّى تأمّلت له كنية ... إذا بدا مقلوبها أعجبا يضوغها العكس أبا سابع ... لا كذّب الله ولا خيّبا بل ذاك فال ضامن سبعة ... مثل الصّقور استشرفت مرقبا يأتون من صلب فتى ماجد ... وذاك فأل لم يعد معطبا وقد أتانا منهم واحد ... فلننتظرهم ستّة غيّبا فى مدّة تغمرها نعمة ... يجعلها الله له ترتبا «١» حتى نراه جالسا بينهم ... أجلّ من رضوى ومن كبكبا «٢» كالبدر وافى الأرض من نوره ... بين نجوم سبعة فاحتبى «٣» وليشكر النّاجم عن هذه ... فإنّها من بعض ما بوّبا سدّى وألحمت أخ لم أزل ... أشكر ما أسدى وما سبّبا وكان ابن الرومى منهوما في المآكل، وهي التي قتلته، وكان معجبا بالسمك، فوعده أبو العباس المرثدى أن يبعث إليه كلّ يوم بوظيفة لا تنقطع، فبعث إليه يوم سبت، ثم قطعه، فقال: ما لحيتاننا جفتنا وأنّى ... أخلف الزائرون منتظريهم جاء في السّبت زورهم فأتينا ... من حفاظ عليه ما يكفيهم «٤»

стр. 328

وجعلناه يوم عيد عظيم ... فكأنّا اليهود أو نحكيهم وأراهم مصمّمين على الهجر ... فلم يسخطون من يرضيهم قد سبتنا وما أتتنا وكانوا ... يوم لا يسبتون لا تأتيهم فاتّصل ذلك بالناجم، فكتب إلى ابن الرومى: أبا حسن أنت من لا تزا ... ل نحمد في الفضل رجحانه فكم تحسن الظنّ بالمرثدىّ ... وقد قلّل الله إحسانه ألم تدر أنّ الفتى كالسّراب ... إذا وعد الوعد إخوانه فبحر السراب يفوت الطّلوب ... فقل في طلابك حيتانه وخرج ابن الرومى إلى بعض المتنزهات وقصدوا كرما رازقيّا، فشربوا هناك عامّة يومهم، وكانوا يتهمونه في شعره، فقالوا: إن كان ما تنشدنا لك فقل في هذا شيئا، فقال: لا تريموا حتى أقول فيه، وأنشدهم لوقته: ورازقىّ مخطف الخصور ... كأنه مخازن البلّور قد ضمّنت مسكا إلى الشطور ... وفي الأعالى ماء ورد جورى «١» بلا فريد وبلا شذور ... له مذاق العسل المشور «٢» وبرد مسّ الخصر المقرور ... ونكهة المسك مع الكافور «٣» ورقّة الماء على الصدور ... باكرته والطّير في الوكور بفتية من ولد المنصور ... أملأ للعين من البدور حتى أتينا خيمة النّاطور ... قبل ارتفاع الشمس للذّرور «٤»

стр. 329

فانحطّ كالطّاوى من الصّقور ... بطاعة الرّاغب لا المقهور والحرّ عبد الحلب المشطور ... حتى أتانا بضروع حور «١» مملوءة من عسل محصور ... والطّلّ مثل اللؤلؤ المنثور ثمّ جلسنا جلسة المحبور ... بين حفافى جدول مسجور «٢» أبيض مثل المهرق المنشور ... أو مثل متن المنصل المشهور «٣» ينساب مثل الحيّة المذعور ... بين سماطى شجر مسطور «٤» ناهيك للعقود من ظهور ... فنيلت الأوطار في سرور وكل ما يقضى من الأمور ... تعلّة من يومنا المنظور ومتعة من متع الغرور ألفاظ تناسب هذا النحو لأهل العصر في صفات الفواكه والثمار كرم نسلفه الماء القراح، ويقضينا أمّهات الرّاح. عنقود كالثريّا، وعنب كمخازن البلّور، وضروب النّور، وأوعية السرور. أمّهات الرحيق، فى مخازن العقيق. نخل نسلفه الماء، ويقضينا العسل. رطب كأنها شهدة بالعقيق مقنّعة، وبالعقيان مقمّعة. رمّان كأنه صرر الياقوت الأحمر. سفرجل يجمع طيبا، ومنظرا حسنا عجيبا، كأنه زئبر «٥» الخزّ الأغبر، على الديباح الأصفر. تفّاح نفّاح «٦» ، يجمع وصف العاشق الوجل، والمعشوق الخجل، له نسيم العبير، وطعم الكر، رسول المحب، وشبيه الحبيب. تين كأنه سفر مضمومة على عسل. مشمش كأنه الشّهد في بيادق الذهب.

стр. 330

[بعض ما جاء في وصف الليل] قال بعض الرواة: أنشدت أعرابيا قول جرير بن عطية بن الخطفى: أبدّل الليل لا تسرى كواكبه ... أم طال حتى حسبت النجم حيرانا فقال: هذا حسن في معناه، وأعوذ بالله من مثله؛ ولكنى أنشدك في ضدّه من قولى، وأنشدنى: وليل لم يقصّره رقاد ... وقصّر طوله وصل الحبيب نعيم الحبّ أورق فيه حتّى ... تناولنا جناه من قريب بمجلس لذّة لم نقو فيه ... على شكوى ولا عدّ الذّنوب بخلنا أن نقطّعه بلفظ ... فترجمت العيون عن القلوب فقلت له: زدنى، فما رأيت أظرف منك شعرا؛ فقال: أمّا هذا الباب فحسبك، ولكن أنشدك من غيره: وكنت إذا علقت حبال قوم ... صحبتهم وشيمتى الوفاء فأحسن حين يحسن محسنوهم ... وأجتنب الإساءة إن أساءوا أشاء سوى مشيئتهم فآتى ... مشيئتهم وأترك ما أشاء قال الأصمعى: قرأت على أبى محذر خلف بن حيّان الأحمر شعر جرير، فلما بلغت إلى قوله: ويوم كإبهام القطاة محبّب ... إلىّ صباه غالب لى باطله رزقنا به الصّيد العزيز ولم نكن ... كمن نبله محرومة وحبائله فيالك يوم خيره قبل شرّه ... تغيّب واشيه وأقصر عاذله فقال خلف: ويحه! فما ينفعه خير يؤول إلى شرّ؟ فقلت له: كذا قرأته على أبى عمرو بن العلاء، فقال لى: وكذا قال جرير، وما كان أبو عمرو ليقرئك إلّا ما سمع، قلت: فكيف كان يجب أن يكون؟ قال: الأجود أن

стр. 331

يقول: خيره دون شرّه، فاروه كذلك، فقد كانت الرواة قديما تصلح أشعار الأوائل، فقلت: والله لا أرويه بعدها إلّا كذا. ومن أجود ما قيل في قصر الليل قول إبراهيم بن العباس: وليلة من الليالى الغرّ ... قابلت فيها بدرها ببدرى لم تك غير شفق وفجر ... حتى تقضّت وهي بكر الدّهر وقال محمد بن أحمد الأصبهانى فيما يتعلق بهذا المعنى وإن كان في ذكر النهار: كيف يرجى لمقلتىّ هدوّ ... ورقادى لطرف عينى عدوّ بأبى من نعمت منه بيوم ... لم يزل للسرور فيه نموّ يوم لهو قد التقى طرفاه ... فكأنّ العشىّ فيه غدوّ إذ لشخص الرقيب فيه ثناء ... ولبدر السّماء منّى دنوّ وقال ابن المعتز: يا رب ليل سحر كلّه ... مفتضح البدر عليل النّسيم تلتقط الأنفاس برد النّدى ... فيه فنهديه لحرّ الهموم لا أعرف الإصباح لما بدا ... فى ضوئه إلا بسكر النّديم لبست فيه بالتذاذ الهوى ... ولذة الرّاح ثياب النعيم وصف منبج «١» أخذ قوله: «سحر كله» من قول عبد الملك بن صالح بن علىّ، وقد قال له الرشيد لما دخل منبج: أهذا منزلك «٢» ؟ قال: هو لك، ولى بك يا أمير المؤمنين، قال: كيف بناؤه؟ قال: دون منازل أهلى، وفوق منازل الناس، قال:

стр. 332

وكيف ذلك وقدرك فوق أقدارهم؟ قال: ذلك خلق أمير المؤمنين أتأسّى به، وأقفو أثره، وأحذو وحذوه، قال: فكيف طيب منبج؟ قال: عذبة الماء، قليلة الأدواء، قال: فكيف ليلها؟ قال: سحر كله «١» ؟ وأخذ هذا الطائى فقال: أيامنا مصقولة أطرافها ... بك، والليالى كلّها أسحار ولأهل العصر، قال أبو على محمد بن الحسين بن المظفر الحاتمى: يا ربّ ليل سرور خلته قصرا ... كعارض البرق في أفق الدّجابرقا قد كاد يعثر أولاه بآخره ... وكاد يسبق منه فجره الشّفقا كأنّما طرفاه طرف اتفق الج ... فنان منه على الإطباق وافترقا ألفاظ في هذا المعنى لأهل العصر ليلة من حسنات الدهر، هواؤها صحيح، ونسيمها عليل. ليلة كبرد الشباب، وبرد الشراب. ليلة من ليالى الشباب، فضّيّة الأديم، مسكيّة النسيم. ليلة هي لمعة العمر، وغرّة الدهر. ليلة مسكيّة الأديم، كافوريّة النجوم. ليلة رقد الدّهر عنها، وطلعت سعودها، وغابت عذّالها. ليلة كالمسك منظرها ومخبرها. ليلة هي باكورة العمر، وبكر الدهر. ليلة ظلماتها أنوار، وطوال أوقاتها قصار.

стр. 333

[سعيد بن هريم، وصلته بالفضل بن سهل] كان سبب اتصال سعيد بن هريم بذى الرياستين الفضل «١» - وسمى ذا الرياستين لأنه جمع بين رياسة القلم ورياسة التدبير للمأمون- أنه دخل عليه يوما، فقال: «الأجل آفة الأمل، والمعروف ذخر الأبد، والبرّ غنيمة الحازم، والتفريط مصيبة أخى القدرة، وإنّا لم نصن وجوهنا عن سؤالك، فصن وجهك عن ردّنا، وضعنا من إحسانك بحيث وضعنا أنفسنا من تأميلك» . فأمر أن يكتب كلامه، وسماه سعيدا الناطق، ووصله المأمون «٢» فخصّ به. فلحقته في بعض الأوقات جفوة من الفضل، فكتب إليه: «يا حافظ من يضع نفسه عنده، ويا ذاكر من نسى نصيبه منه، ليس كتابى إذا كتبت استبطاء، وما إمساكى إذا أمسكت استغناء؛ فكتبت مذكّرا لا مستقصرا فعلك» فوصله وأحسن إليه وقد روى بعض هذا الكلام المنسوب إلى سعيد بن هريم لأبى حفص الكرمانى مع ذى الرّياستين. ويقول أبو محمد عبد الله بن أيوب التميمى: لعمرك ما الأشراف في كل بلدة ... وإن عظموا للفضل إلّا صنائع ترى عظماء الناس للفضل خشّعا ... إذا ما بدا، والفضل لله خاشع تواضع لمّا زاده الله رفعة ... وكلّ جليل عنده متواضع وقال إبراهيم بن العباس: لفضل بن سهل يد ... تقاصر عنها المثل

стр. 334

فباطنها للنّدى ... وظاهرها للقبل وبسطتها للغنى ... وسطوتها للأجل أخذه ابن الرومى فقال لإبراهيم بن المدبر: اصبحت بين ضراعة وتجمّل ... والمرء بينهما يموت هزيلا فامدد إلى يدا تعوّد بطنها ... بذل النوال وظهرها التقبيلا وقال يمدح عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وزاد في هذا المعنى تشبيها ظريفا: مقبّل ظهر الكفّ وهّاب بطنها ... لها راحة فيها الحطيم وزمزم فظاهرها للناس ركن مقبّل ... وباطنها عين من العرف عيلم» وكان ذو الرياستين يقبل صواب القائلين بما في قوّته من صفاء الغريزة، وجودة النّحيزة «٢» فهو كما قال أبو الطيب: ملك منشد القريض نديه ... يضع الثّوب في يدى بزّاز وكانت مخايل فضله، ودلائل عقله، ظهرت ليحيى بن خالد وهو على دين المجوسية، فقال له: أسلم أجد السبيل إلى اصطناعك، قال: فأسلم على يد المأمون، ولم يزل في جنبته «٣» ، إلى أن رقى إلى رتبته. وذكره يحيى عند الرشيد فأجمل الثناء، فأمر بإحضاره، فلما رآه أفحم؛ فنظر الرشيد إلى يحيى كالمستفهم؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ من أدلّ دليل على فراهة المملوك أن تملك هيبة مولاه لسانه وقلبه، فقال الرشيد: لئن كنت سكتّ لكى تقول هذا فقد أحسنت، ولئن كان هذا شيئا اعتراك عند الحصر لقد أجدت؛ وزاد في إكرامه وتقريبه، وجعل لا يسأله بعد ذلك عن شىء إلا أجابه بأفصح لسان، وأجود بيان.

стр. 335

قال سهل بن هارون: ومما حفظ من كلام ذى الرياستين مما رأينا تخليده فى الكتب؛ ليؤتمّ به، وينتفع بمقول حكمته، قوله: من ترك حقّا فقد غبن حظّا: ومن قضى حقّا فقد أحرز غنما، ومن أتى فضلا فقد أوجب شكرا، ومن أحسن توكّلا لم يعدم من الله صنعا، ومن ترك لله شيئا لم يجد لما ترك فقدا، ومن التمس بمعصية الله حمدا عاد ذلك على ملتمسه ذمّا، ومن طلب بخلاف الحقّ له دركا عاد ما أدرك من ذلك له موبقا «١» ؛ وذلك أوجب الفلاح- للمحسنين، وجعل سوء العاقبة للمسيئين المقصّرين. ووقّع في رقعة ساع: نحن نرى قبول السعاية شرّا منها؛ لأنّ السّعاية دلالة، والقبول إجازة، وليس من دلّ على شىء وأخبر به كمن قبله وأجازه؛ فاتّقوا السّاعى؛ فإنّه لو كان في سعايته صادقا لكان في صدقه آثما؛ إذ لم يحفظ الحرمة، ولم يستر العورة. والشىء يقرن مع جنسه: كتب محمد بن على إلى محمد بن يحيى بن خالد، وكان واليا على أرمبنية للرشيد: إنّ قوما صاروا إلى سبيل النّصح فذكروا ضياعا بأرمينية قد عفت ودرست «٢» ، يرجع منها إلى السلطان مال عظيم، وإنى وقفت عن المطالبة حتى أعرف رأيك. فكتب إليه: قرأت هذه الرقعة المذمومة، وفهمتها، وسوق السعاية بحمد الله في أيامنا كاسدة، وألسنة السّعاة في أيامنا كليلة خاسئة؛ فإذا قرأت كتابى هذا فاحمل الناس على قانونك، وخذهم بما في ديوانك؛ فإنّا لم نولّك الناحية، لتتّبع الرسوم العافية، ولا لإحياء الأعلام الداثرة، وجنبنى وتجنّب بيت جرير يخاطب الفرزدق:

стр. 336

وكنت إذا حللت بدار قوم ... رحلت بخزية وتركت عارا وأجر أمورك على ما يكسب الدّعاء لنا لا علينا، واعلم أنها مدّة تنتهى، وأيام تنقضى، فإمّا ذكر جميل، وإما خزى طويل. وقال رجل للمهدى: عندى نصيحة يا أمير المؤمنين، فقال: لمن نصيحتك هذه؟ لنا، أم لعامّة المسلمين، أم لنفسك؟ قال: لك يا أمير المؤمنين «١» ، قال: ليس الاعى بأعظم عورة ولا أقبح حالا ممن قبل سعايته، ولا تخلو من أن تكون حاسد نعمة، فلا نشفى غيظك، أو عدوّا فلا نعاقب لك عدوّك! ثم أقبل على الناس فقال: لا ينصح لنا ناصح إلا بما فيه لله رضا، وللمسلمين صلاح؛ فإنما لنا الأبدان وليس لنا القلوب؛ ومن استتر عنّا لم نكشفه، ومن بادانا طلبنا توبته، ومن أخطأ أقلنا عثرته؛ فإنى أرى التأديب بالصّفح أبلغ منه بالعقوبة، والسلامة مع العفو أكثر منها مع المعاجلة، والقلوب لا تبقى لوال لا ينعطف إذا استعطف، ولا يعفو إذا قدر، ولا يغفر إذا ظفر، ولا يرحم إذا استرحم. ووقّع ذو الرياستين إلى تميم بن خزيمة: الأمور بتمامها، والأعمال بخواتمها، والصنائع باستدامتها، وإلى الغاية يجرى الجواد؛ فهناك كشفت الخبرة قناع الشّكّ؛ فحمد السابق، وذمّ الساقط وذو الرياستين هو القائل: أنضيت أحرف «لا» مما لفظت بها ... فحوّلى رحلها عنّا إلى نعم أو صيّريها إليها منك منعمة ... إن كنت حاولت فيها خفة الكلم «٢»

стр. 337

قستم علينا فعارضنا قياسكم ... يا أحسن الناس من قرن إلى قدم ولما قتل ذو الرياستين دخل المأمون على أمّه فقال: لا تجزعى فإنّى ابنك بعد ابنك. فقالت: أفلا أبكى على ابن أكسبنى ابنا مثلك؟ [بعض أوصاف الخيل] ووصف ابن القرّيّة «١» فرسا أهداه الحجاج إلى عبد الملك بن مروان فقال: حسن القدّ، أسيل الخدّ، يسبق الطّرف، ويستغرق الوصف. وأهدى عبد الله بن طاهر إلى المأمون فرسا وكتب إليه: قد بعثت إلى أمير المؤمنين بفرس يلحق الأرانب في الصّعداء، ويجاوز الظّباء في الاستواء، ويسبق في الحدور جرى الماء، فهو كما قال تأبّط شرا: ويسبق وفد الرّيح من حيث ينتحى ... بمنخرق من شدّه المتدارك وقال رجل لبعض النخاسين: اشتر لى فرسا جيّد القميص، حسن الفصوص، وثيق القصب، نقىّ العصب، يشير بأذنيه، ويندس برجليه «٢» ، كأنه موج في لجّة، أو سيل في حدور. جمع محمد بن الحسين «٣» هذين الكلامين وزاد فقال يصف فرسا: هو حسن القميص، جيّد الفصوص، وثيق القصب، نقىّ العصب، يبصر بأذنيه، ويتبوّع بيديه «٤» ؛ ويداخل برجليه، كأنه موج في لجّة، أو سيل في حدور، يناهب المشى قبل أن يبعث، وبلحق الأرانب في الصعداء، ويجاوز جوارى الظباء في الاستواء، ويسبق في الحدور جرى الماء، إن عطف جار، وإن أرسل طار، وإن كلّف السير أمعن وسار، وإن حبس صفن «٥» ، وإن استوقف فطن، وإن رعى أبن «٦» ؛ فهو كما قال تأبّط شرّا، وذكر البيت.

стр. 338

وأول هذه الأبيات: وإنى لمهد من ثنائى فقاصد ... به لابن عمّ الصّدق شمس بن مالك أهزّ به في ندوة الحىّ عطفه ... كما هزّ عطفى بالهجان الأوارك «١» قليل التّشكّى للملّم يصيبه ... كثيرا الهوى شتّ النّوى والمسالك يظلّ بموماة ويمسى بغيرها ... جحيشا ويعرورى ظهور المهالك «٢» ويسبق وفد الرّيح من حيث ينتحى ... بمنخرق من شده المتدارك إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزل ... له كالىء من قلب شيحان فاتك «٣» إذا طلعت أولى العدو فنفره ... إلى سلّة من صارم الغرب باتك ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى ضربة من حدّ أخلق صائك «٤» إذا هزّه في عظم قرن تهللت ... نواجذ أفواه المنايا الضّواحك يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدى ... بحيث اهتدت أمّ النجوم الشّوابك «٥» وأهدى عمرو بن العاص إلى معاوية ثلاثين فرسا من سوابق خيل مصر، فعرضت عليه، وعنده عقبة بن سنان بن يزيد الحارثى، فقال له معاوية: كيف ترى هدايانا يا أبا سعيد؟ فإن أخاك عمرا قد أطنب في وصفها، فقال: أراها يا أمير المؤمنين على ما وصف، وإنها لمخيّلة «٦» بكلّ خير؛ إنها لسامية العيون، لاحقة البطون، مصغية الآذان، قبّاء الأسنان «٧» ، ضخام الرّكبات، مشرفات

стр. 339

الحجبات «١» ، رحاب المناخر، صلاب الحوافر، وقعها تحليل، ورفعها تعليل «٢» فهذه إن طلبت سبقت، وإن طلبت لحقت. قال له معاوية: اصرفها إلى رحلك؛ فإنّ بنا عنها غنى، وبفتيانك إليها حاجة. وقال النابغة الجعدىّ: وإنّا أناس لا نعوّد خيلنا ... إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا وننكر يوم الرّوع ألوان خيلنا ... من الطعن حتى نحسب الجون أشقرا «٣» فليس بمعروف لنا أن نردّها ... صحاحا، ولا مستنكر أن تعقّرا وقال بعض العرب: ولقد شهدت الخيل يوم طرادها ... بسليم أوظفة القوائم هيكل «٤» فدعوا: نزال! فكنت أوّل نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل ووصف أعرابى فرسا فقال: لما أرسلت الخيل جاءوا بشيطان في أشطان «٥» ، فأرسلوه، فلمع لمع البرق، واستهلّ استهلال الودق «٦» ، فكان أقربهم إليه الذى يقع عينه من بعد عليه. وذكر أعرابى رجلا فقال: عنده فرس طويل العذار، أمين العثار؛ فكنت إذا رأيته عليه ظننته بازيا على مربأ، عليه رمح طويل يقصّر به الآجال. وقال بعض المحدثين في هذا التطابق: لقيناهم بأرماح طوال ... تبشّرهم بأعمار قصار

стр. 340

ووصف أعرابى خيلا لبنى يربوع فقال: خرجت علينا خيل من مستطير نقع «١» ، كأن هواديها أعلام، وآذانها أقلام، وفرسانها أسود آجام «٢» . ولما أنشد العمّانى الرشيد يصف فرسا: كأنّ أذنيه إذا تشوّفا ... قادمة أو قلما محرّفا ولحن، ففهم ذلك أكثر من حضر؛ فقال الرشيد: اجعل مكان «كأن» تخال، فعجبوا لسرعة تهدّيه. وللطائيين في هذا النوع أشعار كثيرة منعنى من اختبارها كثرة اشتهارها؛ وسأنشد بعض ذلك، قال أبو تمام: ما مقرب «٣» يختال في أشطانه ... ملآن من صلف به وتلهوق «٤» بحوافر حفر وصلت أصلت «٥» ... وأشاعر شعر «٦» وخلق أخلق ذو أولق تحت العجاج، وإنّما ... من صحة إفراط ذاك الأولق» صافى الأديم كأنما ألبسته ... من سندس بردا ومن إستبرق إمليسة إمليدة لو علّقت ... فى صهوتيه العين لم تتعلّق «٨» مسود شطر مثل ما اسودّ الدجى ... مبيضّ شطر كابيضاض المهرق «٩»

стр. 341

وقال أبو عبادة: وأغرّ في الزّمن البهيم محجّل ... قد رحت منه على أغرّ محجّل «١» وافى الضلوع يشدّ عقد حزامه ... يوم اللقاء على معمّ مخول يهوى كما هوت العقاب إذا رأت ... صيدا وينتصب انتصاب الأجدل «٢» متوحّش بدقيقتين كأنما ... تريان من ورق عليه موصّل «٣» كالرائح النّشوان أكثر مشيه ... عرض على السّنن البعيد الأطول ويظنّ ريعان الشباب يروعه ... من نشوة أو جنّة أو أفكل «٤» هزج الصهيل كانّ في نبراته ... نغمات معبد في الثّقيل الأوّل تتوهّم الجوزاء في أرساغه ... والبدر غرة وجهه المتهلّل صافى الأديم كأنّما عنيت له ... بصفاء نقبته مداوك صيقل «٥» وكأنما كسى الخدود نواعما ... مهما تلاحظها بلحظ يخجل وكأنما نفضت عليه صبغها ... صهباء للبردان «٦» أو قطرّ بل «٧»

стр. 342

ملك العيون؛ فإن بدا أعطينه ... نظر المحب إلى الحبيب المقبل وقال إسحاق بن خلف النهروانى لأبى دلف، وكان له فرس أدهم يسميه غرابا: كم كم تجرّعه المنون ويسلم ... لو يستطيع شكا إليك له الفم من كل منبت شعرة من جلده ... خطّ ينمّقه الحسام المخذم «١» ما تدرك الأرواح أدنى جريه ... حتى يفوت الريح وهو مقدّم رجعته أطراف الأسنّة أشقرا ... واللون أدهم حين ضرّجه الدّم وكأنما عقد النّجوم بطرفه ... وكأنّه بعرى المجرّة ملجم وقال أبو الطيب: جفتنى كأنّى لست أنطق قومها ... وأطعنهم والشّهب في صور الدّهم وقال أبو الفتح كشاجم: قد راح تحت الصّبح ليل مظلم ... إذ لاح في السّرج المحلّى الأدهم ديباج ألوان الجياد، ولم يكن ... ليخصّ بالديباج إلّا الأكرم ضحك اللّجين على سواد أديمه ... وكذا الظلام تنير فيه الأنجم فكأنه ببنات نعش ملبب ... وكأنّما هو بالثريّا ملجم قلت: هذا من قول ابن المعتزّ: ألا فاسقيانى والظلام مقوّض ... ونجم الدّجى تحت المغارب يركض

стр. 343

كأنّ الثريا في أواخر ليلها ... تفتّح نور أو لجام مفضض وقال أبو الفتح: من شكّ في فضل الكميت فبينه ... فيه وبين يقينه المضمار فى منظر مستحسن محمودة ... أخباره إذ تبتلى الأخبار ماء تدفّق طاعة وسلاسة ... فإذا استدرّ الحضر فيه فنار وإذا عطفت به على ناورده ... لتديره فكأنّه بركار وصف الخلوق أديمه فكأنّما ... أهدى الخلوق لجلده عطار «١» قصرت قلادة نحره وعذاره ... والرّسغ، وهي من العتاق قصار وكأنما هاديه جذغ مشرف ... وكأنما للضبع فيه وجار «٢» يرد الضّحاضح غير ثانى سنبك ... ويرود طرفك خلفه فتحار «٣» لو لم تكن للخيل نسبة خلقه ... حاكته من أشكالها الأطيار وقال ابن المعتز: وخيل طواها القود حتى كأنّها ... أنابيب سمر من قنا الخط ذبّل صببنا عليها- ظالمين- سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل قوله: «ظالمين» من أبدع حشو جرى في بيت، وكأنّ ابن المعتز أشار إلى قول أعرابى مولد: وعود قليل الذنب عاودت ضربه ... إذا هاج شوقى من معاهدها ذكر «٤» فقلت له: ذلفاء- ويحك! - سبّبت ... لك الضّرب، فاصبر إن عادتك الصّبر «٥» وقال ابن المعتر: أراجعتى فداك بأعوجىّ ... كقدح النّبع في الرّيش الّلؤام «٦»

стр. 344

بأدهم كالظّلام أغرّ يجلو ... بغرّته دياجير الظّلام ترى أحجاله يصعدن فيه ... صعود البرق في جوّ الغمام وقال أيضا: قد أغتدى والصّبح كالمشيب ... فى أفق مثل مداك الطّيب بقارح مسوّم يعبوب ... ذى أذن كخوصة العسيب «١» أو آسة أوفت على قضيب ... يسبق شاو النظر الرّحيب أسرع من ماء إلى تصويب ... ومن رجوع لحظة المريب «٢» وقال: ربّ ركب عرّسوا ثم هبّوا ... نحو إسراج وشدّ رحال وعدونا بأعنّة خيل ... تأكل الأرض بأيد عجال زينتها غرر ضاحكات ... كبدور في وجوه ليال وقال على بن محمد الإيادى: مسح الظلام بعرفه يده ... ومشى فقبّل وجهه البدر وقال الناشىء أبو العباس عبد الله بن محمد: أحوى عليه مسائح من ليطة ... شهب تسيل على نواشر ساقه «٣» فكأنه متلفّع قبطيّة ... أئناؤها مشدودة بنطاقه فسواده كالّليل في إظلامه ... وبياضه كالصّبح في إشراقه صافى الأديم كريمة أنسابه ... أخلاقه عين على أعراقه

стр. 345

كتب أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبى إلى الأمير أبى الفضل عبد الله بن أحمد بن ميكال، وقد زاره الأمير في داره: لا زال مجدك للسّماك رسيلا ... وعلوّ جدّك بالخلود كفيلا «١» يا غرّة الزمن البهيم إذا غدا ... أهل العلا لزمانهم تحجيلا يا زائرا مدّت سحائب طوله ... ظلّا علىّ من الجمال ظليلا وأتت بصوب جواهر من لفظه ... حتى انتظمن لمفرقى إكليلا بأبى وغير أبى هلال نوره ... يستعجل التسبيح والتهليلا نقشت حوافر طرفه في عرصتى ... نقشا محوت رسومه تقبيلا ولو استطعت فرشت مسقط خطوه ... بعيون عين لا ترى التّكحيلا ونثرت روحى بعد ما ملكت يدى ... وخررت بين يدى هواه قتيلا وقال أبو القاسم بن هانىء يصف خيل المعز: له المقربات الجرد ينعلها دما ... إذا فرعت هام الكماة السّنابك يريق عليها اللؤلؤ الرطب ماءه ... ويسبك فيها ذائب التّبرسابك صقيلات أجسام البروق كأنما ... أمرّت عليها بالشموس المداوك وقال يصف فرسا لجعفر بن على بن حمدون: تهلّل مصقول النواحى كأنه ... إذا جال ماء الحسن فيه غريق من البهم ورد اللون شيب بكمتة ... كما شيب بالمسك الفتيق خلوق «٢» فلو ميز منه كلّ لون بذاته ... جرى سبج منه وذاب عقيق «٣» وقال في قصيدة يمدح بها أبا الفرج الشيبانى: فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر ... وأمدّكم فلق الصّباح المسفر

стр. 346

وجنيتم ثمر الوقائع يانعا ... بالنّصر من ورق الحديد الأخضر أبنى العوالى السّمهريّة والسيو ... ف المشرفيّة والعديد الأكثر من منكم الملك المطاع كأنّه ... تحت السّوابغ تبّع في حمير القائد الخيل العتاق شوازبا ... خزرا إلى لحظ السّنان الأخزر «١» شعث النّواصى حسرة آذانها ... قبّ الأياطل داميات الأنسر «٢» تنبو سنابكهن عن عفر الثرى ... فيطأن في خدّ العزيز الأصعر «٣» فى فتية صدأ الحديد عبيرهم ... وخلوقهم علق النّجيع الأحمر «٤» لا يأكل السّرحان شلو عقيرهم ... مما عليه من القنا المتكسّر «٥» وقال في قصيدة يمدح بها إبراهيم بن جعفر بن على: فخر لطرف أعوجى أنت فى ... صهواته والحسن والتّطهيم «٦» يبدى لعزّك نخوة، فكأنّه ... ملك تدين له الملوك عظيم هاد على الخيل العتاق، كأنّه ... بين الدّجنّة والصباح صريم «٧»

стр. 347

سامى القذال بمسمعيه عيافة ... تحت الدّجى ولطرفه تنجيم «١» أذن مؤلّلة، وقلب أصمع ... وحشا أقبّ، وكلكل ماموم «٢» فالطّود من صهواته متزلزل ... والجيش من أنفاسه مهزوم خرق العيون فضلّ عنها لونه ... وصفا فقلنا ما عليه أديم فكأنما جمدت عليه مزنة ... وابحاب عنه عارض مركوم «٣» وكأنما نحرت عليه بوارق ... وكأنما كسفت عليه نجوم وكأنّك ابن المنذر النعمان فو ... ق سراته، وكأنه اليحموم «٤» وقال على بن محمد الإيادى يصف فرس أبى عبد الله جعفر بن أبى القاسم القائم: وأقبّ من لحق الجياد، كأنه ... قصر تباعد ركنه من ركنه «٥» لبست قوائمه عصائب فضّة ... وغدت بسمر صفا المسيل ودكنه وكأنما انفجر الصّباح بوجهه ... حسنا، أو احتبس الظلام بمتنه «٦» قيد العيون إذا بصرن بشخصه ... ورضا القلوب إذا اصطلين بضغنه متسيطر بالراكبين، كأنّه ... باز تروح به الجنوب لوكنه «٧»

стр. 348

يستوقف اللحظات في خطراته ... بكمال خلقته ودقّة حسنه حلو الصّهيل تخال في لهواته ... حاد يصوغ بدائعا من لحنه «١» متجبّر ينبى بعتق نجاره ... إشراف كاهله ودقّة أذنه «٢» ذو نخوة شمخت به عن ندّه ... وشهامة طمحت به عن قرنه «٣» وكأنّه فلك إذا حرّكته ... جار على سهل البلاد وحزنه قد راح يحمل جعفر بن محمد ... حمل النسيم لوابل من مزنه وما أحسن ما قال أبو الطيب المتنبى: ويوم كلون العاشقين كمنته ... أراقب فيه الشّمس أيّان تغرب «٤» وعينى إلى أذنى أغرّ كأنه ... من الليل باق بين عينيه كوكب «٥» له فضلة عن جسمه في إهابه ... تجىء على صدر رحيب وتذهب «٦» شققت به الظّلماء، أدنى عنانه ... فيطغى، وأرخيه مرارا فيلعب «٧» وأصرع أىّ الوحش قفّيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب «٨» وما الخيل إلا كالصّديق قليلة ... وإن كثرت في عبن من لا يجرّب إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيّب «٩»

стр. 349

وينخرط في سلك هذا المعنى مقامة «١» من مقامات الإسكندرى في الكدية «٢» مما أنشأه بديع الزمان وأملاه في شهور سنة خمس وثمانين وثمانين وثلاثمائة. قال البديع: حدّثنا عيسى بن هشام قال: حضرنا مجلس سيف الدولة يوما وقد عرض عليه فرس متى ما ترقّ العين فيه تسهّل «٣» فلحظته الجماعة؛ فقال سيف الدولة: أيكم أحسن صفته، جعلته صلته؛ فكلّ جهد جهده، وبذل ما عنده؛ فقال أحد خدمه: أصلح الله الأمير! رأيت بالأمس رجلا يطأ الفصاحة بنعليه «٤» ، وتقف الأبصار عليه، يسلّى الناس، ويشفى الياس، ولو أمر الأمير بإحضاره، لفضلهم بحضاره «٥» . فقال سيف الدولة: علىّ به في هيئته، فصار الخدم في طلبه، فجاءوا للوقب به، ولم يعلموه لأىّ حال دعي به، ثمّ قرّب واستدنى، وهو في طمرين قد أكل الدهر عليهما وشرب «٦» ، وحين حضر السّماط، لثم البساط، ووقف. فقال سيف الدولة: بلغتناعنك عارضة «٧» ، فاعرضها في هذا الفرس وصفه. فقال: أصلح الله الأمير! كيف به قبل ركوبه ووثوبه، وكشف عيوبه [وغيوبه] ؟ فقال: اركبه، فركبه وأجراه، ثم قال: أصلح الله الأمير! هو طويل الأذنين،

стр. 350

قليل الاثنين، واسع المراث «١» ، ليّن الثّلاث، غليظ الأكرع «٢» ، غامض الأربع، شديد النّفس، لطيف الخمس، ضيق القلت «٣» ، رقيق السّتّ، حديد السّمع، غليظ السّبع، رقيق اللسان «٤» ، عريض الثّمان، شديد الضّلع «٥» ، قصير التّسع، واسع السّحر «٦» ، بعيد العشر، يأخذ بالسّابح، ويطلق بالرّامح، ويطلع بلائح، ويضحك عن قارح، يحزّ وجه الكديد «٧» ، بمداقّ الحديد، يحضر كالبحر إذا ماج، والسيل إذا هاج. فقال سيف الدولة: لك الفرس مباركا فيه. فقال: لا زلت تأخذ الأنفاس، وتمنح الأفراس، ثم انصرف، وتبعته، وقلت: لك علىّ ما يليق بهذا الفرس من خلعة إن فسّرت ما وصفت، فقال: سل عما أحببت فقلت: ما معنى قولك: بعيد العشر؟ فقال: بعيد النظر، والخطو، وأعالى الجنبين «٨» ، وما بين الوقبين والجاعرتين، وما بين الغرابين، والمنخرين، وما بين الرّجلين، وما بين النقبة والصّفاق، وبعيد القامة في السباق. فقلت: لا فضّ فوك! فما معنى قولك: قصير التّسع؟ قال: هاك: قصير الشّعرة، قصير الأطرة، قصير العسيب، قصير القضيب، قصير العضدين، قصير الرّسغين، قصير النّسا، قصير الظّهر، قصير الوظيف. فقلت: لله أنت! فمات معنى قولك: عريض الثّمان؟ قال: عريض الجبهة، عريض الصّهوة، عريض الكتف، عريض الجنب، عريض الورك، عريض العصب، عريض البلدة، عريض صفحة العنق. فقلت: أحسنت، فما معنى قولك: غليظ السّبع؟ قال: غليظ الذراع،

стр. 351

غليظ المحزم، غليظ العكوة، غليظ الشّوى، غليظ الرّسغ، غليظ الفخذين، غليظ الحبال «١» . فقلت: لله درّك! فما معنى قولك: رقيق الستّ؟ فقال: رقيق الجفن، رقيق السّالفة، رقيق الجحفلة، رقيق الأديم، رقيق أعلى الأذنين، رقيق الغرضين «٢» . فقلت: أجدت، فما معنى قولك: لطيف الخمس؟ قال: لطيف الزّور، لطيف النّسر، لطيف الجبّة، لطيف العجاية، لطيف الرّكبة. فقلت: حياك الله! فما معنى قولك: غامض الأربع؟ قال: غامض أعالى الكتفين، غامض المرفقين، غامض الحجاجين، غامض الشّظى. قلت: فما معنى قولك: ليّن الثلاث؟ قال: ليّن المردغتين، ليّن العرف، ليّن العنان قلت: فما معنى قولك: قليل الاثنين؟ قال: قليل لحم الوجه، قليل لحم المتنين. قلت فمن أين نبات هذا العلم؟ قال: من الثغور الأموية، وبلاد الإسكندرية. فقلت له: أنت مع هذا الفضل، تعرّض وجهك لهذا البذل؟! فأنشأ يقول: ساخف زمانك جدّا ... فالدهر جدّ سخيف دع الحميّة نسيا ... وعش بخير وريف وقل لعبدك هذا ... يجئ لنا برغيف سقط عنا تفسيره فى «ليّن الثلاث» «٣» ، وأكثر هذا التفسير يحتاج إلى

стр. 352

تفسير، ولم يرد بما أورد إفهام العوامّ، والبلاغة لمحة دالة، وبلاغة النتر أخت بلاغة الشعر؛ وقد قال البحترى: والشعر لمح تكفى إشارته ... وليس بالهذر طوّلت خطبه وسأقول في شرحه بكلام وجيز زيادة في الإفادة: الوقبان: نقرتان فوق العينين. والجاعرتان من الفرس: موضع الرّقمتين من الحمار، وهما منتهى ضربه بذنبه إذا حرّكه. والغرابان: الناتئان من أعلى الوركين، وذكر النقبة هنا، وهو الذى يعرف بالمنفب، وهو من السّرّة حيث ينقب البيطار. والصّفاق: الخاصرة، وقد قيل: جلد البطن كلّه صفاق، والذى أراده الخاصرة. وأراد ببعد القامة في السباق امتداده إذا جرى مع الأرض. والأطرة هنا: طرف الابهر، وهي طفطفة غليظة. والأبهر: عرق يستبطن الظّهر، فيتّصل بالقلب، وقيل: هو الأكحل. والعسيب: عظم الذنب. والرّسغ من الفرس: موضع القيد. والنّسا: عرق مستبطن الفخذين، وقصره محمود في جرى الفرس، ولكنه لا يسمح بالمشى. والوظيف لكل ذى أربع: ما فوق الرّسغ إلى الساق. والصّهوة: الظهر. والبلدة: ما بين عينيه. والعكوة: مغرز الذّنب. والشّوى: الأطراف. والحبال: حبلا العاتق والظّهر. والجحفلة من ذوات الحافر: كالشفة من الإنسان. والغرضان من الفرس: ما انحدر من قصبة الأنف من جانبيها والزور: الصدر. والنّسر في الحافر: لحمة يابسة أسفله يشبهها الشعراء بالنّوى. والجبّة: التى فيها الحوشب. والحوشب: حشو الحافر. والعجاية: عصب في قوائم الفرس والبعبر مركّب فيه فصوص من عظام كأمثال الكعاب تكون عند الرّسغ. والحجاجان: العظمان المطيفان بالعين. والشّظى: عظم لاصق بالذراع. والمتنان: جانبا الظهر؛ وسقط عنّا تفسير الثّلاث من نفس المقامة «١» .

стр. 353

[قولهم في الوعد ومنزلة إنجازه] قال الجاحظ: قال أبو القاسم بن معن المسعودى لعيسى بن موسى: أيّها الأمير؛ ما انتفعت بك منذ عرفتك، ولا إلى خير وصلت منك منذ صحبتك، فقال: ولم؟ ألم أكلّم لك أمير المؤمنين في كذا وكذا؟ قال: بلى! فهل استنجزت ما وعدت، وعاودت ما ابتدأت؟ فقال: حالت دون ذلك أمور قاطعة، وأحوال عاذرة. قال: أيّها الأمير، فما زدتنى على أن نبّهت الهمّ من رقدته، وأثرت الحزن من ربضته، إنّ الوعد إذا لم يصحبه إنجاز يحقّقه كان كلفظ لا معنى له، وجسم لا روح فيه. وكلّم منصور بن زياد يحيى بن خالد في حاجة لرجل، فقال: عده قضاءها. قال: فقلت: أصلحك الله! وما يدعوك إلى العدة مع وجود القدرة؟ فقال: هذا قول من لا يعرف موضع الصّنائع من القلوب، إنّ الحاجة إذا لم يتقدّمها موعد ينتظر به نجحها لم تتجاذب الأنفس سرورها؛ إنّ الوعد تطعّم والإنجاز طعام؛ وليس من فاجأه طعام كمن وجد رائحته، وتمطّق به، وتطعمّه ثم طعمه؛ فدع الحاجة تختم بالوعد؛ ليكون بها عند المصطنع حسن موقع، ولطف محلّ. ووعد المهدىّ عيسى بن دأب جارية، ثم وهبها له، فأنشده عبد الله بن مصعب الزبيرى معرّضا يقول مضرّس الأسدى: فلا تيأسن من صالح أن تناله ... وإن كان قدما بين أيد تبادره فضحك المهدى، وقال: ادفعوا إلى عبد الله فلانة، لجارية أخرى؛ فقال عبد الله بن مصعب: أنجز خير الناس قبل وعده ... أراح من مطل وطول كدّه فقال ابن دأب: ما قلت شيئا، هلّا قلت:

стр. 354

حلاوة الفضل بوعد ينجز ... لا خير في العرف كنهب ينهز فقال المهدى: الوعد أحسن ما يكو ... ن إذا تقدّمه ضمان وقد قال أبو قابوس النصرانى يمدح يحيى بن خالد: رأيت يحيى، أتمّ الله نعمته ... عليه، يأتى الّذى لم يأته أحد ينسى الّذى كان من معروفه أبدا ... إلى الرّجال، ولا ينسى الذى يعد وقال أبو الطيب المتنبى: قوم بلوغ الغلام عندهم ... طعن نحور الكماة لا الحلم كأنما يولد النّدى معهم ... لا صغر عاذر ولا هرم إذا تولّوا عداوة كشفوا ... وإن تولّوا صنيعة كتموا تظنّ من فقدك اعتدادهم ... أنّهم أنعموا وما علموا «١» ودخل أبو علىّ البصير على الفضل بن يحيى، فأنشده: وصف الصدّ لمن أهوى فصد ... وبدا يمزح بالهجر. فجدّ ماله يعدل عنّى وجهه ... وهو لا يعد له عندى أحد لا تريدوا غرّة الفضل، ومن ... يطلب الغرّة في خيس الأسد «٢» ملك ندفع ما نخشى به ... وبه نصلح منّا ما فسد ينجز الناس إذا ما وعدوا ... وإذا ما أنجز الفضل وعد وقال ابن الرومى في هذا المعنى: له مواعد بالخيرات بادرة ... لكنها تسبق الميعاد بالصّفد «٣» يعطيك في اليوم حقّ اليوم مبتدئا ... ولا يضيّع بعد اليوم حقّ غد

стр. 355

[من عرف قدر النعمة استدامها] خطب سليمان بن عبد الملك فقال: أيها الناس، من لم يعلم أبواب مدخله فى الكرامة، وجهل طريقته التي وقعت به على النّعمة كان بعرض رجوع إلى دار هوان، وانقلاب بفادح خسران. فقام إليه أبو وائلة السدوسى، وهو حاجبه، فقال: يا أمير المؤمنين كنا كما قال الله تعالى: (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً) ، ثم صرنا كما قال زهير: يد الملك الجليل تناولتهم ... بإحسان فليس لها مزيل لأنّ الخير أجمع في يديه ... وربّى بالجزاء له كفيل فقال سليمان: هذه والله المعرفة بقدر النّعمة، والعلم بما يجب للمنعم. ورؤى يونس بن المختار في دار المأمون، ومرتبته في أعلى مراتب بنى العباس، قاعدا على الأرض، فقال الحاجب: ارتفع يا أبا المعلّى إلى مرتبتك، قال: قد رفعنى الله إليها بأمير المؤمنين، وليس لى عمل يفى بها، فلم لا أكرمها عن القعود عنها «١» إلى أن يتهيّأ لى الشكر عليها؟ فبلغ الكلام المأمون؛ فقال: هذا والله غاية الشكر، وبمثله تدرّ النّعم. وقال رجل للمعلّى بن أيوب، وقد رفعه المعتصم إلى مرتبة أهل بيته: ما يزيدك التقريب إلا تباعدا. فقال: يا هذا؛ إنى أصون تقريبه إياى بتباعدى منه؛ لئلا تفسد حرمتى عنده بقلّة الشكر على نعمته. ولما استعان المنصور بالحارث بن حسّان قال له: يا حارث؛ إنّى قد مكّنتك من حسن رأيى فيك، فاحفظه بترك إغفال ما يجب عليك! قال: يا أمير
следующие страницы →