Полный текст (1 141 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
غليظ المحزم، غليظ العكوة، غليظ الشّوى، غليظ الرّسغ، غليظ الفخذين، غليظ الحبال «١» .
فقلت: لله درّك! فما معنى قولك: رقيق الستّ؟ فقال: رقيق الجفن، رقيق السّالفة، رقيق الجحفلة، رقيق الأديم، رقيق أعلى الأذنين، رقيق الغرضين «٢» .
فقلت: أجدت، فما معنى قولك: لطيف الخمس؟ قال: لطيف الزّور، لطيف النّسر، لطيف الجبّة، لطيف العجاية، لطيف الرّكبة.
فقلت: حياك الله! فما معنى قولك: غامض الأربع؟ قال: غامض أعالى الكتفين، غامض المرفقين، غامض الحجاجين، غامض الشّظى.
قلت: فما معنى قولك: ليّن الثلاث؟ قال: ليّن المردغتين، ليّن العرف، ليّن العنان قلت: فما معنى قولك: قليل الاثنين؟ قال: قليل لحم الوجه، قليل لحم المتنين.
قلت فمن أين نبات هذا العلم؟ قال: من الثغور الأموية، وبلاد الإسكندرية.
فقلت له: أنت مع هذا الفضل، تعرّض وجهك لهذا البذل؟! فأنشأ يقول:
ساخف زمانك جدّا ... فالدهر جدّ سخيف
دع الحميّة نسيا ... وعش بخير وريف
وقل لعبدك هذا ... يجئ لنا برغيف
سقط عنا تفسيره فى «ليّن الثلاث» «٣» ، وأكثر هذا التفسير يحتاج إلى
стр. 352
تفسير، ولم يرد بما أورد إفهام العوامّ، والبلاغة لمحة دالة، وبلاغة النتر أخت بلاغة الشعر؛ وقد قال البحترى:
والشعر لمح تكفى إشارته ... وليس بالهذر طوّلت خطبه
وسأقول في شرحه بكلام وجيز زيادة في الإفادة: الوقبان: نقرتان فوق العينين. والجاعرتان من الفرس: موضع الرّقمتين من الحمار، وهما منتهى ضربه بذنبه إذا حرّكه. والغرابان: الناتئان من أعلى الوركين، وذكر النقبة هنا، وهو الذى يعرف بالمنفب، وهو من السّرّة حيث ينقب البيطار. والصّفاق: الخاصرة، وقد قيل: جلد البطن كلّه صفاق، والذى أراده الخاصرة. وأراد ببعد القامة في السباق امتداده إذا جرى مع الأرض. والأطرة هنا: طرف الابهر، وهي طفطفة غليظة. والأبهر: عرق يستبطن الظّهر، فيتّصل بالقلب، وقيل: هو الأكحل.
والعسيب: عظم الذنب. والرّسغ من الفرس: موضع القيد. والنّسا: عرق مستبطن الفخذين، وقصره محمود في جرى الفرس، ولكنه لا يسمح بالمشى. والوظيف لكل ذى أربع: ما فوق الرّسغ إلى الساق. والصّهوة: الظهر. والبلدة: ما بين عينيه. والعكوة: مغرز الذّنب. والشّوى: الأطراف. والحبال: حبلا العاتق والظّهر. والجحفلة من ذوات الحافر: كالشفة من الإنسان. والغرضان من الفرس: ما انحدر من قصبة الأنف من جانبيها والزور: الصدر. والنّسر في الحافر: لحمة يابسة أسفله يشبهها الشعراء بالنّوى. والجبّة: التى فيها الحوشب.
والحوشب: حشو الحافر. والعجاية: عصب في قوائم الفرس والبعبر مركّب فيه فصوص من عظام كأمثال الكعاب تكون عند الرّسغ. والحجاجان: العظمان المطيفان بالعين. والشّظى: عظم لاصق بالذراع. والمتنان: جانبا الظهر؛ وسقط عنّا تفسير الثّلاث من نفس المقامة «١» .
стр. 353
[قولهم في الوعد ومنزلة إنجازه]
قال الجاحظ: قال أبو القاسم بن معن المسعودى لعيسى بن موسى: أيّها الأمير؛ ما انتفعت بك منذ عرفتك، ولا إلى خير وصلت منك منذ صحبتك، فقال: ولم؟ ألم أكلّم لك أمير المؤمنين في كذا وكذا؟ قال: بلى! فهل استنجزت ما وعدت، وعاودت ما ابتدأت؟ فقال: حالت دون ذلك أمور قاطعة، وأحوال عاذرة. قال: أيّها الأمير، فما زدتنى على أن نبّهت الهمّ من رقدته، وأثرت الحزن من ربضته، إنّ الوعد إذا لم يصحبه إنجاز يحقّقه كان كلفظ لا معنى له، وجسم لا روح فيه.
وكلّم منصور بن زياد يحيى بن خالد في حاجة لرجل، فقال: عده قضاءها.
قال: فقلت: أصلحك الله! وما يدعوك إلى العدة مع وجود القدرة؟ فقال: هذا قول من لا يعرف موضع الصّنائع من القلوب، إنّ الحاجة إذا لم يتقدّمها موعد ينتظر به نجحها لم تتجاذب الأنفس سرورها؛ إنّ الوعد تطعّم والإنجاز طعام؛ وليس من فاجأه طعام كمن وجد رائحته، وتمطّق به، وتطعمّه ثم طعمه؛ فدع الحاجة تختم بالوعد؛ ليكون بها عند المصطنع حسن موقع، ولطف محلّ.
ووعد المهدىّ عيسى بن دأب جارية، ثم وهبها له، فأنشده عبد الله بن مصعب الزبيرى معرّضا يقول مضرّس الأسدى:
فلا تيأسن من صالح أن تناله ... وإن كان قدما بين أيد تبادره
فضحك المهدى، وقال: ادفعوا إلى عبد الله فلانة، لجارية أخرى؛ فقال عبد الله بن مصعب:
أنجز خير الناس قبل وعده ... أراح من مطل وطول كدّه
فقال ابن دأب: ما قلت شيئا، هلّا قلت:
стр. 354
حلاوة الفضل بوعد ينجز ... لا خير في العرف كنهب ينهز
فقال المهدى:
الوعد أحسن ما يكو ... ن إذا تقدّمه ضمان
وقد قال أبو قابوس النصرانى يمدح يحيى بن خالد:
رأيت يحيى، أتمّ الله نعمته ... عليه، يأتى الّذى لم يأته أحد
ينسى الّذى كان من معروفه أبدا ... إلى الرّجال، ولا ينسى الذى يعد
وقال أبو الطيب المتنبى:
قوم بلوغ الغلام عندهم ... طعن نحور الكماة لا الحلم
كأنما يولد النّدى معهم ... لا صغر عاذر ولا هرم
إذا تولّوا عداوة كشفوا ... وإن تولّوا صنيعة كتموا
تظنّ من فقدك اعتدادهم ... أنّهم أنعموا وما علموا «١»
ودخل أبو علىّ البصير على الفضل بن يحيى، فأنشده:
وصف الصدّ لمن أهوى فصد ... وبدا يمزح بالهجر. فجدّ
ماله يعدل عنّى وجهه ... وهو لا يعد له عندى أحد
لا تريدوا غرّة الفضل، ومن ... يطلب الغرّة في خيس الأسد «٢»
ملك ندفع ما نخشى به ... وبه نصلح منّا ما فسد
ينجز الناس إذا ما وعدوا ... وإذا ما أنجز الفضل وعد
وقال ابن الرومى في هذا المعنى:
له مواعد بالخيرات بادرة ... لكنها تسبق الميعاد بالصّفد «٣»
يعطيك في اليوم حقّ اليوم مبتدئا ... ولا يضيّع بعد اليوم حقّ غد
стр. 355
[من عرف قدر النعمة استدامها]
خطب سليمان بن عبد الملك فقال: أيها الناس، من لم يعلم أبواب مدخله فى الكرامة، وجهل طريقته التي وقعت به على النّعمة كان بعرض رجوع إلى دار هوان، وانقلاب بفادح خسران.
فقام إليه أبو وائلة السدوسى، وهو حاجبه، فقال: يا أمير المؤمنين كنا كما قال الله تعالى: (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً)
، ثم صرنا كما قال زهير:
يد الملك الجليل تناولتهم ... بإحسان فليس لها مزيل
لأنّ الخير أجمع في يديه ... وربّى بالجزاء له كفيل
فقال سليمان: هذه والله المعرفة بقدر النّعمة، والعلم بما يجب للمنعم.
ورؤى يونس بن المختار في دار المأمون، ومرتبته في أعلى مراتب بنى العباس، قاعدا على الأرض، فقال الحاجب: ارتفع يا أبا المعلّى إلى مرتبتك، قال: قد رفعنى الله إليها بأمير المؤمنين، وليس لى عمل يفى بها، فلم لا أكرمها عن القعود عنها «١» إلى أن يتهيّأ لى الشكر عليها؟ فبلغ الكلام المأمون؛ فقال:
هذا والله غاية الشكر، وبمثله تدرّ النّعم.
وقال رجل للمعلّى بن أيوب، وقد رفعه المعتصم إلى مرتبة أهل بيته:
ما يزيدك التقريب إلا تباعدا. فقال: يا هذا؛ إنى أصون تقريبه إياى بتباعدى منه؛ لئلا تفسد حرمتى عنده بقلّة الشكر على نعمته.
ولما استعان المنصور بالحارث بن حسّان قال له: يا حارث؛ إنّى قد مكّنتك من حسن رأيى فيك، فاحفظه بترك إغفال ما يجب عليك! قال: يا أمير
стр. 356
المؤمنين، من أغفل سبب حلول النعمة، ولها عن الحال التي أصارته إليها، استصحب الياس من نيل مثلها، وانقطع رجاؤه من الزيادة فيها، فقال أبو جعفر: من كانت عنده هذه المعرفة دامت النعمة له، وبقى الإحسان إليه.
ولما قال المأمون لعبد الله بن طاهر عند قدومه من مصر: ما سرّنى الله مند ولّيت الخلافة بشىء عظم موقعه عندى، بعد جميل عافية الله، هو أكثر من سرورى بقدومك، فقال عبد الله: إيذن لى يا أمير المؤمنين في تفريق أموالى من طارف وتالد. قال: ولم؟ قال: شكرا على هذه الكلمة؛ وإلا قصّر بى الحياء عن النظر إلى أمير المؤمنين، فقال المأمون لمن حضر من أهل بيته وقوّاده: ما شىء من الخلافة يفى لعبد الله ببعض شكره.
وقال أبو نواس:
قد قلت للعباس معتذرا ... عن ضعف شكريه ومعترفا
أنت امرؤ جللتنى نعما ... أوهت قوى شكرى فقد ضعفا «١»
فإليك منى اليسوم تقدمة ... تلقاك بالتّصريح منكشفا
لا تسدينّ إلىّ عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا
عارضه الناشىء واعترض معناه، فقال:
إن أنت لم تحدث إلىّ يدا ... حتى أقوم بشكر ما سلفا
لم أحظ منك بنائل أبدا ... ورجعت بالحرمان منصرفا
وقال ابن الرومى:
عاقنا أن نعود أنّك أوليت ... أمورا يضيق عنها الجزاء
غمرتنا منك الأيادى اللّواتى ... ما لمعشارها لدينا كفاء
стр. 357
فنهانا عنك الحياء طويلّا ... ثمّ قد ردّنا إليك الحياء
ولما حقّ إن قربت التّنائى ... ولما حقّ إن برزت الجفاء
غير أنّا أنضاء شكر أريحت ... وقديما أريحت الأنضاء «١»
ألفاظ لأهل العصر في العجز عن الشكر لتكاثر الإنعام والبر
عندى من برّه ما ملك الاعتذار بأزمّته، وقبض ألسنة أمراء الكلام وأئمّته. عندى له مبارّ «٢» أعجزنى شكرها، كما أعوزنى حصرها. شكره شأو بعيد له تبلغه أشواطى، ولا أتلافى التفريط في حقّه بإفراطى. إحسانه يعيد العرب عجما، والفصحاء بكما. قد زحمنى من مكارمه ما يحصر عنه المبين، ويصحبه العىّ وبئس القرين «٣» .
وقال أعرابى:
رهنت يدى بالعجز عن شكر برّه ... وما فوق شكرى للشكور مزيد
ولو كان شيئا يستطاع استطعته ... ولكنّ ما لا يستطاع شديد
وقال يحيى بن أكثم: كنت عند المأمون، فأتى برجل ترعد فرائصه «٤» ؛ فلما مثل بين يديه قال المأمون: كفرت نعمتى، ولم تشكر معروفى، فقال:
يا أمير المؤمنين؛ وأين يقع شكرى في جنب ما أنعم الله بك علىّ، فنظر إلىّ المأمون وقال متمثّلا:
ولو كان يستغنى عن الشكر ماجد ... لرفعة قدر أو علوّ مكان
لما أمر الله العباد بشكره ... فقال: اشكروا لى أيّها الثّقلان
стр. 358
ثم التفت إلى الرجل فقال: هلّا قلت كما قال أصرم بن حميد:
ملكت حمدى حتى إنّنى رجل ... كلّى بكل ثناء فيك مشتغل
خوّلت شكرى لما خوّلت من نعم ... فحرّ شكرى لما خوّلتنى خول «١»
وقال أبو الفتح البستى:
لئن عجزت عن شكر برّك قوّتى ... وأقوى الورى عن شكر برّك عاجز
فإنّ ثنائى واعتقادى وطاقتى ... لأفلاك ما أو ليتنها مراكز
وقال أبو القاسم الزعفرانى:
لى لسان كأنه لى معادى ... ليس ينبى عن كنه ما في فؤادى
حكم الله لى عليه فلو أن ... صف قلبى عرفت قدر ودادى
وقال إسماعيل بن القاسم، أبو العتاهية، يمدح عمر بن العلاء:
إنى أمنت من الزمان وريبه ... لما علقت من الأمير حبالا
لو يستطيع الناس من إجلاله ... لحذوا له حرّ الوجوه نعالا
ما كان هذا الجود حتى كنت يا ... عمر، ولو يوما تزول لزالا
إنّ المطايا تشتكيك لأنّها ... قطعت إليك سباسبا ورمالا
فإذا وردن بنا وردن مخفّة ... وإذا صدرن بنا صدرن ثقالا
وهي قصيدة سهلة الطبع، سلسلة النظام، قريبة المتناول.
وروى أنّ عمر بن العلاء وصله عليها بسبعين ألف درهم، فحسدته الشعراء، وقالوا: لنا بباب الأمير أعوام نخدم الآمال، ما وصلنا إلى بعض هذا! فاتصل ذلك به، فأمر بإحضارهم، فقال: بلغنى الذى قلتم؛ وإنّ أحدكم يأتى فيمدحنى بالقصيدة يشبّب فيها فلا يصل إلى المدح حتى تذهب لذّة حلاوته، ورائق طلاوته؛
стр. 359
وإنّ أبا العتاهية أتى فشبب بأبيات يسيرة، ثم قال: إنّ المطايا تشتكيك لأنّها ...
وأنشد الأبيات. وكان أبو العتاهية لمّا مدحه بهذا الشعر تأخّر عنه برّه قليلا، فكتب إليه يستبطئه:
أصابت علينا جودك العين يا عمر ... فنحن لها نبغى التمائم والنّشر «١»
أصابتك عين في سخائك صلبة ... ويا ربّ عين صلبة تفلق الحجر
سنرقيك بالأشعار حتى تملها ... فإن لم تفق منها رقيناك بالسّور
وقال:
يابن العلاء ويابن القرم مرداس ... إنى مدحتك في صحبى وجلّاسى «٢»
أثنى عليك ولى حال تكذّبنى ... فيما أقول فأستحيى من النّاس
حتى إذا قيل: ما أولاك من صفد ... طأطأت من سوء حالى عندها راسى «٣»
فأمر حاجبه أن يدفع إليه المال، وقال: لا تدخله علىّ، فإنى أستحيى منه.
وذكر بعض الرواة أنّ المهدى خرج متصيّدا، فسمع رجلا يتغنّى من القصيدة التى مرّت منها الأبيات في عمر بن العلاء آنفا:
يا من تفرّد بالجمال فما ترى ... عينى على أحد سواه جمالا
أكثرت في قولى عليك من الرّقى ... وضربت في شعرى لك الأمثالا
فأبيت إلّا جفوة وقطيعة ... وأبيت إلّا نخوة ودلالا
بالله قولى إن سألتك واصدقى ... أوجدت قتلى في الكتاب حلالا
أم لا، ففيم جفوتنى وظلمتنى ... وجعلتنى للعالمين نكالا
كم لائم لو كنت أسمع قوله ... قد لامنى ونهى وعدّ وقالا
стр. 360
فقال المهدىّ: علىّ به، فجاءه، فقال: لمن هذا الشعر؟ قال: لإسماعيل ابن القاسم أبى العتاهية، قال: لمن يقوله؟ قال: لعتبة جارية المهدى، قال:
كذبت، لو كانت جاريتى لوهبتها له، وكانت عتبة لريطة بنت أبى العباس السفاح، وكان أبو العتاهية قد بلغ من أمرها كل مبلغ، وكلّ ذلك فيما زعم الرواة تصنّع، وتخلّق؛ ليذكر بذلك.
[من أخبار أبى العتاهية]
قال يزيد [بن] حوراء المغنى: كلّمنى أبو العتاهية أن أكلّم المهدى في عتبة؛ فقلت: إنّ الكلام لا يمكننى، ولكن قل شعرا أغنيه إياه، فقال:
نفسى بشىء من الدنيا معلّقة ... الله والقائم المهدىّ يكفيها
إنّى لأيأس منها ثم يطمعنى ... فيها احتقارك للدنيا وما فيها
فعملت فيه لحنا وغنّيته المهدى؛ فقال: لمن هذا؟ فأخبرته خبر أبى العتاهية، فقال: ننظر في أمره، فأخبرت بذلك أبا العتاهية؛ فمكث أشهرا، ثم أتانى فقال:
هل حدث خبر؟ فقلت: لا، فقال: غنّه بهذا الشعر:
ليت شعرى ما عندكم ليت شعرى ... إنّما أخّر الجواب لأمر
ما جواب أولى بكلّ جميل ... من جواب يردّ من بعد شهر
قال يزيد: فغنّيت به المهدى، فقال: علىّ بعتبة، فأحضرت، فقال: إنّ أبا العتاهية كلّمنى فيك، وعندى لك وله ما تحبّان؛ فقالت له: قد علم مولاى أمير المؤمنين ما أوجبه من حق مولاتى، فأريد أن أذكر لها ذلك؛ قال:
فافعلى؛ فأعلمت أبا العتاهية بما جرى، ومضت الأيام؛ فسألنى معاودة المهدى، فقلت له: قد عرفت الطريق فقل ما شئت حتى أغنيه، فقال:
أشربت قلبى من رجائك ماله ... عنق إليك يخبّ بى ورسيم «١»
стр. 361
وأملت نحو سماء صوبك ناظرى ... أرعى مخايل برقها وأشيم «١»
ولقد تنسّمت الرياح لحاجتى ... وإذا لها من راحتيك نسيم
ولربما استيأست ثم أقول: لا ... إنّ الذى ضمن النجاح كريم
فغنيته بالشعر، فقال: علىّ بعتبة، فأتت؛ فقال: ما صنعت؟ قالت: ذكرت ذلك لمولاتى فأبته وكرهته، فليفعل أمير المؤمنين ما يريد، فقال: ما كنت لأفعل شيئا تكرهه، فأعلمت أبا العتاهية بذلك، فقال:
قطّعت منك حبائل الآمال ... وأرحت من حلّ ومن ترحال
ما كان اشأم إذ رجاؤك قادنى ... وبنات وعدك يعتلجن ببالى
ولئن طمعت لربّ برق خلّب ... مالت بذى طمع ولمعة آل «٢»
وقد نقلت هذه الحكاية على غير هذا الوجه، والله أعلم بالحقّ في ذلك.
وضرب المهدى أبا العتاهية مائة سوط لقوله:
ألا إنّ ظبيا للخليفة صادنى ... ومالى على ظبى الخليفة من عدوى
وقال: أبى يتمرّس «٣» ، ولحرمى يتعرّض، وبنسائى يعبث؟ ونفاه إلى الكوفة.
وفي ضربه يقول أبو دهمان:
لولا الّذى أحدث الخليفة ... للعشاق من ضربهم إذا عشقوا
لبحت باسم الذى أحبّ، ول ... كنّى امرؤ قد ثنانى الفرق «٤»
стр. 362
وكان أبو العتاهية بالكوفة لما نفى يذكر عتبة، ويكنّى باسمها، فمن ذلك قوله:
قل لمن لست أسمّى ... بأبى أنت وأمّى
بأبى أنت لقد أص ... بحت من أكبر همّى
ولقد قلت لأهلى ... إذ أذاب الحبّ لحمى
وأرادوا لى طبيبا ... فاكتفوا منّى بعلمى:
من يكن يجهل ما ألقى ... فإنّ الحبّ سقمى
إنّ روحى لببغدا ... د، وفي الكوفة جسمى
وقوله:
أمسى ببغداد ظبى لست أذكره ... إلّا بكيت إذا ما ذكره خطرا
إنّ المحبّ إذا شطّت منازله ... عن الحبيب بكى أو حنّ أو ذكرا
يا رب ليل طويل بتّ أرقبه ... حتى أضاء عمود الصّبح فانفجرا
ما كنت أحسب إلّا مذ عرفتكم ... أنّ المضاجع ممّا تنبت الإبرا
واللّيل أطول من يوم الحساب على ... عين الشّجىّ إذا ما نومه نفرا
ولما قدمت عتبة ببغداد قدم معها أبو العتاهية، وتلطّف حتى اتّصل بالرشيد في خلافة أبيه المهدى؛ وتمكّن منه، وبلغ المهدىّ خبره، فأحضره؛ فقال: يا بائس؛ أنت مستقتل، وسأله عن حاله؛ فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
أنت المقابل والمدا ... بر في المناسب والعديد
بين العمومة والخئو ... لة والأبوّة والجدود
فإذا انتميت إلى أبي ... ك فأنت في المجد المشيد
وإذا انتمى خال فما ... خال بأكرم من يزيد
стр. 363
يريد يزيد بن منصور؛ وكانت أم المهدىّ أم موسى بنت منصور الحميرى وأنشده:
علم العالم أنّ المنايا ... سامعات لك فيمن عصاكا
فإذا وجّهتها نحو طاغ ... رجعت ترعف منه قناكا «١»
ولو أنّ الريح بارتك يوما ... فى سماح قصّرت عن نداكا
وأنشده:
أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرّر أذيالها
فلم تك تصلح إلّا له ... ولم يك يصلح إلّا لها
ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها
ولو لم تطعه بنات القلوب ... لما قبل الله أعمالها
فقال له المهدى: إن شئت أدّبناك بضرب وجيع؛ لإقدامك على ما نهيت عنه، وأعطيناك ثلاثين ألف درهم جائزة على مدحك لنا. وإن شئت عفونا عنك فقط.
فقال: بل يضيف أمير المؤمنين إلى كريم عفوه جميل معروفه؛ ومكرمتان أكثر من واحدة، وأمير المؤمنين أولى من شفع نعمته وأتمّ كرمه. فأمر له بثلاثين ألف درهم وعفا عنه.
ولما قدم الرشيد الرّقّة أظهر أبو العتاهية الزّهد والتصوف وترك الغزل، فأمره الرشيد أن يتغزّل، فأبى، فحبسه، فغنّى بقوله:
خليلىّ مالى لا تزال مضرّتى ... تكون على الأقدار حتما من الحتم
كفاك بحقّ الله ما قد ظلمتنى ... فهذا مقام المستجير من الظلم
ألا في سبيل الله جسمى وقوّتى ... ألا مسعد حتى أنوح على جسمى
стр. 364
فأمر بإحضاره وقال: بالأمس ينهاك أمير المؤمنين المهدى عن الغزل، فتأبى إلّا لجاجا ومحكا؛ واليوم آمرك بالقول فتأبى جرأة علىّ وإقداما، فقال:
يا أمير المؤمنين؛ إنّ الحسنات يذهين السيئات، كنت أقول الغزل ولى شباب وجدة، وبى حراك وقوّة، وأنا اليوم شيخ ضعيف لا يحسن بمثلى تصاب؛ فردّه إلى حبسه؛ فكتب إليه:
أنا اليوم لى، والحمد لله، أشهر ... يروح علىّ الغمّ منك ويبكر
تذكّر، أمين الله، حقّى وحرمتى ... وما كنت تولينى، لعلّك تذكر
ليالى تدنى منك بالقرب مجلسى ... ووجهك من ماء البشاشة يقطر
فمن لى بالعين التي كنت مرة ... إلىّ بها من سالف الدّهر تنظر
فبعث إليه: لا بأس عليك؛ فقال:
كأنّ الخلق ركب فيه روح ... له جسد وأنت عليه راس
أمين الله إنّ الحبس بأس ... وقد وقّعت: ليس عليك باس
فأخرجه.
أخذ البيت الأول من هذين علىّ بن جبلة وزاد فيه، فقال لأبى غانم الطوسى:
دجلة تسقى وأبو غانم ... يطعم من تسقى من النّاس
والخلق جسم، وإمام الهدى ... رأس، وأنت العين في الرّاس
وكان عمر بن العلاء ممدّحا، وفيه يقول بشار بن برد:
إذا أيقظتك حروب العدى ... فنبّه لها عمرا ثمّ نم
دعانى إلى عمر جوده ... وقول العشيرة بحر خضم
стр. 365
ولولا الذى ذكروا لم أكن ... لأمدح ريحانة قبل شم
فتى لا يبيت على دمنة ... ولا يسرب الماء إلّا بدم «١»
أخذ هذا البيت أبو سعيد المخزومى «٢» ، فقال:
وما يريدون، لولا الجبن، من رجل ... بالليل مشتمل بالجمر مكتحل
لا يضرب الماء إلا من قليب دم «٣» ... ولا يبيت له جار على وجل
وقال أبو الطيب:
تعوّد ألّا تقضم الحبّ خيله ... إذا الهام لم ترفع جنوب العلائق «٤»
ولا ترد الغدران إلّا وماؤها ... من الدّم كالرّيحان تحت الشّقائق «٥»
وقال أبو القاسم بن هانىء:
стр. 366
من لم ير الميدان لم ير معركا ... أشبا، ويوما بالأسنة أكهبا «١»
وكتائبا تردى غواربها العدى ... وفوارسا تعدو صوالجها الظّبا
لا يوردون الماء سنبك سابح ... أو يكتسى بدم الفوارس طحلبا «٢»
[رجع إلى عمر بن العلاء]
قال: وبلغ عمر بن العلاء أن أبا العتاهية عاتب عليه في هنات نالها منه فى مجلس، وكان كثير الانقطاع إليه، فتخلّف عنه، فساء ذلك عمر، فكتب إليه:
قد بلغنى الذى كان من تجنّبك فيما استخفّك به سوء الأدب عن علم حقيقة منى، فصرت متردّدا من العمى في يلاميع الشبهة «٣» ؛ ولو كان معك من علمك داع إلى لقائى لكشفت لك مورد الأمر ومصدره، لترجع إلى الصّلة، فتقال أو تأبى إلا الصّريمة فتصرم؛ وقد قال الأول:
ومستعتب أبدى على الظنّ عتبه ... وأخرج منه المحفظات غليل
كشفت له عذرا فأبصر وجهه ... فعاد إلى الإنصاف وهو ذليل
فأجابه أبو العتاهية: لم أجز بعتبى الحقيقة إلى الشبهة، ولم أجد سعة مع عظيم قدرتك إلى حمل اللائمة، فقصّر بى الخوف من سخطك، على ترك معاتبتك؛ لأنّ المعاتبة لا تجتنى إلّا من المساوى، ولو رغبت عن الصلة إلى القطيعة لتقاضيتك ذلك عن طول الصّحبة، وسالف المدّة، وأنا أقول:
رضيت ببعض الذّلّ خوف جميعه ... وليس لمثلى بالملوك يدان
وكنت امرأ أخشى العقاب وأتّقى ... مغبّة ما تجنى يدى ولسانى
فهل من شفيع منك يضمن توبتى ... فإنى امرؤ أوفى بكلّ ضمان
فتراجعا إلى أحسن ما كانا عليه
стр. 367
وإنما ألم أبو العتاهية في قوله «إنّ المطايا تشتكيك ... وما يليه» بقول أبى الحجناء نصيب الأكبر:
فعاجوا فأثنوا بالذى أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
وقال أبو الطيب في أبى العشائر الحمدانى:
تنشد أثوابنا مدائحه ... بألسن مالهنّ أفواه
إذا مررنا على الأصمّ بها ... أغنته عن مسمعيه عيناه
وهذا المعنى من النّصبة «١» الدالة بذاتها التي ذكرتها عن الجاحظ في أقسام البيان.
وقال بعض الخطباء: أشهد أن في السموات والأرض آيات ودلالات، وشواهد قائمات؛ كلّ يؤدى عنك الحجّة، ويشهد لك بالربوبية.
ونظير هذا قول أبى العتاهية، وروى أنه جلس في دكان ورّاق، وأخذ كتابا فكتب على ظهره:
فواعجبا كيف يعصى الملي ... ك أم كيف يجحده الجاحد
ولله في كلّ تحريكة ... وتسكينة في الورى شاهد
وفي كلّ شىء له آية ... تدلّ على أنّه واحد
وانصرف، فاجتاز أبو نواس بالموضع فرأى الأبيات، فقال: لمن هذا؟
فلوددتها لى بجميع شعرى، فقيل: لإسماعيل بن القاسم، فوقع تحتها:
سبحان من خلق الخلق من ضعيف مهين
فصاغه من قرار ... إلى قرار مكين
يحول شيئا فشيئا ... فى الحجب دون العيون «٢»
حتى بدت حركات ... مخلوقة من سكون
стр. 368
وقال الفضل بن عيسى الرّقاشى: سل الأرض من غرس أشجارك، وشقّ أنهارك، وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا.
وهذا شبيه بقول عدىّ بن زيد، وقد نزل النعمان بن المنذر تحت سرحة «١» ؛ فقال: أتدرى ما تقول هذه السّرحة أيها الملك؟ قال: وما تقول؟ قال: تقول:
ربّ ركب قد أناخوا حولنا ... يشربون الخمر بالماء الزّلال
ثم أضحوا لعب الدّهر بهم ... وكذاك الدّهر حالا بعد حال
ويروى «عكف الدّهر بهم فثووا «٢» » . فتكدّر حال النّممان وما كان فيه من لذّة.
ألفاظ لأهل العصر في الشكر بدلالة الحال
لو سكت الشّاكر لنطقت المآثر. لو صمت المخاطب لأثنت الحقائب، ولشهدت شواهد حاله على صدق مقاله. إن جحدت ما أولانيه، وكفرت ما أعطانيه، نطقت آثار أياديه علىّ، ولمعت أعلام عوارفه «٣» لدىّ.
ولأبى الفضل الميكالى من رسالة: ورد فلان فتعاطى من شكره على نعمه التى ألبسه جمالها، وأسحبه أذيالها، ما لو لم يتحدّث به ناشرا ومثنيا، ومعيدا ومبديا، لأثنت به حاله، وشهدت به رحاله، حتى لقد امتلأت بذكره المحافل، وسارت بحبره الرّكبان والقوافل، وصارت الألسنة على الشكر والثناء لسانا، والجماعة على النّشر والدعاء أنصارا وأعوانا، على أنه وإن بالغ في هذا الباب، وجاوز حدّ الإكثار والإسهاب، نهايته القصور دون واجبه، والسقوط عن أدنى درجاته ومراتبه.
стр. 369
ومما يقترن لهم بهذا المعنى من ذكر الشكر: قال أبو الفتح البستى: الحرّ نحل الشكر، إن أجناه المرء من خيره شكرا أجناه من برّه شهدا.
غيره: الشكر ترجمان النيّة، ولسان الطّويّة، وشاهد الإخلاص، وعنوان الاختصاص. الشكر نسيم النّعم، وهو السبب إلى الزيادة، والطريق إلى السعادة. الشكر قيد النّعمة، ومفتاح المزيد، وثمن الجنة. من شكر قليلا، استحقّ جزيلا. شكر المولى، هو الأولى. الشكر قيد النّعم وشكالها، وعقالها، وهو شبيه بالوحش التي لا تقيم مع الإيحاش، ولا تريم «١» مع الإيناس.
موقع الشكر من النعمة موقع القرى من الضيف، إن وجده لم يرم، وإن فقده لم يقم. الشكر غرس إذا أودع سمع الكريم أثمر الزيادة، وحفظ العادة. الشكر تعرّض للمزيد السائغ، والنّعم السّوابغ. شكره شكر الأسير لمن أطلقه، والمملوك لمن أعتقه. أثنى عليه ثناء الرّوض الممحل، على الغيث المسبل. أثنى عليه ثناء لسان الزّهر، على راحة المطر. أثنى عليه ثناء العطشان الوارد، على الزّلال البارد. شكره شكر الأرض للدّيم «٢» ، وزهير لهرم. بسط لسان الثناء والدعاء، وبلغ عنان الشكر عنان السماء. شكره شكرا ترتاح له المكارم، وتهتزّ له المواسم. لأشكرنّه شكرا تشيع أنواعه، وتنبسط أبواعه «٣» ، ويلذ ذكره وسماعه. شكر ملأ القلب واللسان، كشكر حسّان لآل غسّان. أطال عنان الشكر، وفسح مجاله، ورفع أعمدته، ومدّ أروقته. شكر كأنفاس الأحباب، أو أنفاس الأسحار، أو أنفاس الرّياض غبّ القطار.
[من أخبار نصيب وشعره]
رجع ما انقطع:
كان سبب قول نصيب:
стр. 370
فعاجوا فأثنوا بالّذى أنت أهله
أنه كان مع الفرزدق عند سليمان بن عبد الملك، فقال سليمان بن عبد الملك: يا فرزدق؛ من أشعر الناس؟ قال: أنا يا أمير المؤمنين، قال: لماذا؟ قال بقولى:
وركب كأنّ الريح تطلب عندهم ... لهاترة من جذبها بالعصائب
سروا وسرت نكباء وهي تلفّهم ... إلى شعب الأكوارذات الحقائب «١»
إذا آنسوا نارا يقولون: ليتها، ... وقد خصرت أيديهم نار غالب
يريد أباه- وهو غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان ابن مجاشع- فأعرض عنه سليمان كالمغضب؛ لأنه إنما أراد أن ينشد مدحا فيه؛ ففهم نصيب مراده، فقال: يا أمير المؤمنين؛ قد قلت أبياتا على هذا الروىّ ليست بدونها، فقال: هاتها؛ فأنشأ نصيب يقول:
أقول لركب قافلين لقيتهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قارب «٢»
فقد أخبرونى عن سليمان أننى ... لمعروفه من آل ودّان طالب «٣»
فعاجوا فأثنوا بالّذى أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
فقالوا: تركناه وفي كلّ ليلة ... يطيف به من طالبى العرف راكب
ولو كان فوق الناس حىّ فعاله ... كفعلك أو للفعل منك يقارب
لقلنا: له شبه، ولكن تعذّرت ... سواك عن المستشفعين المطالب
هو البدرو الناس الكواكب حوله ... وهل تشبه البدر المنير الكواكب
فقال سليمان: أحسنت، والتفت إلى الفرزدق، فقال: كيف تسمع يا أبا فراس؟
قال: هو أشعر أهل جلدته، قال: وأهل جلدتك؛ فخرج الفرزدق وهو يقول:
стр. 371
وخير الشعر أكرمه رجالا ... وشرّ الشعر ما قال العبيد
[من المديح]
قال أبو العباس محمد بن يزيد: وهذا باب في المدح حسن متجاوز مبتدع لم يسبق إليه.
قول نصيب: «من أهل ودّان» . قال إسحاق بن إبراهيم الموصلى: ذكر محمد ابن كناسة والزبيدى أنّ نصيبا من أهل ودّان، وكان عبد الرجل من بنى كنانة هو وأهل بيته، وزعم أبو هفّان أنه عبد لعبد العزيز بن مروان، وكان نصيب شديد السواد، وهو القائل:
كسيت- ولم أملك- سوادا، وتحته ... قميص من القوهيّ «١» بيض بنائقه
فما ضرّ أثوابى سوادى، وإنّنى ... لكالمسك لا يسلو عن المسك ذائقه
وقال سحيم عبد بنى الحسحاس:
أشعار عبد بنى الحسحاس قمن له ... عند الفخار مقام الأصل والورق
إن كنت عبدا فنفسى حرّة كرما ... أو أسود اللّون إنى أبيض الخلق
وقال أبو الطيب المتنبى لكافور الإخشيدى:
إنّما الجلد ملبس وابيضاض الخلق خير من ابيضاض القباء وقال نصبب لبعض ملوك بنى أمية: إن لى بنات نفضت عليهن من سوادى، فقال: ما أحسن ما تلّطفت لهنّ! وأمر له بصلة.
وكان أبو تمام حبيب بن أوس لما مدح أبا جعفر محمد بن عبد الملك الزيات بقصيدته التي أولها:
لهان علينا أن نقول وتفعلا ... ونذكر بعض الفضل منك وتفضلا
وهي من أحسن شعره، وقّع له على ظهرها:
رأيتك سمح البيع سهلا، وإنما ... يغالى إذا ما ضنّ بالشىء بائعه
стр. 372
فأما إذا هانت بضائع بيعه ... فيوشك أن تبقى عليه بضائعه
هو الماء إن أجممته طاب ورده ... ويفسد منه أن تباح مشارعه
فأجابه بقصيدة طويلة، واحتجّ عليه واعتذر إليه في مدحه لغيره؛ فقال في بعض ذلك:
أمّا القوافى فقد حصّنت غرّتها ... فما يصاب دم منها ولا سلب
منعت إلّا من الأكفاء أيّمها ... وكان منك عليها العطف والحدب
ولو عضلت عن الأكفاء أيّمها ... ولم يكن لك في إظهارها أرب «١»
كانت بنات نصيب حين ضنّ بها ... على الموالى ولم تحفل بها العرب
وقد قيل إن أبا تمام أجابه بقوله:
أبا جعفر إن كنت أصبحت شاعرا ... أسامح في بيعى له من أبايعه
فقد كنت قبلى شاعرا تاجرا به ... تساهل من عادت عليك منافعه
فصرت وزيرا والوزارة مكرع ... يغصّ به بعد اللّذاذة كارعه «٢»
كم من وزير قد رأينا مسلّطا ... فعاد وقد سدّت عليه مطالعه
ولله قوس لا تطيش سهامها ... ولله سيف لا تفلّ مقاطعه
قال أبو بكر محمد بن يحيى الصولى: ويقال إن هذه الأبيات منحولة لحبيب، وليس مثل أبى جعفر في جلالة قدره واصطناعه لحبيب يعامل بمثل هذا الجواب،
стр. 373
ولا ينتهى جهل حبيب أن يقابل مأموله ومن يرتجى جليل الفائدة منه بهذه الأبياب.
وقد قيل: بل قالها، ولم ينشدها أحدا؛ وإنما ظهرت بعد موته.
وكان ابن الزيات كما قال شاعرا، ومدح الحسن بن سهل في وزارته للمأمون؛ وأعطاه عشرة آلاف درهم، فقال:
لم أمتدحك رجاء المال أطلبه ... لكن لتلبسنى التّحجيل والغررا
ما كان ذلك إلا أنّنى رجل ... لا أقرب الورد حتى أعرف الصدرا
قال الصولى: وكان السبب الذى أوجد «١» أبا جعفر على أبى تمام حتى قال «لقد رأيتك سهل البيع- الأبيات» قول أبى تمام قصيدته المشهورة في ابن أبى داود التي أولها:
سقى عهد الحمى سبل العهاد ... وروّى حاضر منه وباد «٢»
نزحت به ركىّ الدمع لما ... رأيت الدمع من خير العتاد «٣»
يقول فيها في مدحه:
هم عظم الأثافى من نزار ... وأهل الهضب منها والنّجاد «٤»
معرّس كلّ معضلة وخطب ... ومنبت كلّ مكرمة وآد «٥»
стр. 374
إذا حدث القبائل ساجلوهم ... فإنهم بنو المجد التّلاد «١»
تفرّج عنهم الغمرات بيض ... جلاد تحت قسطلة الجلاد «٢»
وحشو حوادث الأيام منهم ... معاقل مطرد وبنو طراد «٣»
لهم جهل السباع إذا المنايا ... تمشّت في الوغى وحلوم عاد
لقد أنست سلوّى كلّ دهر ... محاسن أحمد بن أبى دواد
متى تحلل به تحلل جنابا ... رضيعا للسّوارى والغوادى «٤»
وما اشتبهت سبيل المجد إلّا ... هداك لقبلة المعروف هاد
وما سافرت في الآفاق إلّا ... ومن جدواك راحلتى وزادى
مقيم الظنّ عندك والأمانى ... وإن قلقت ركابى في البلاد
وهذه النكت «٥» التى أحقدت أبا جعفر، وأعتبته على أبى تمام، وفي هذه القصيدة يقول معتذرا إليه في الذى قرف «٦» به عنده من هجاء مضر:
أتانى عائر الأنباء تسرى ... عقاربه بداهية نآد «٧»
نثا خبرا كأنّ القلب منه ... يجرّ به على شوك القتاد
بأنّى نلت من مضر وخبّت ... إليك شكيّتى خبب الجواد
стр. 375
وما ربع القطيعة لى بربع ... ولا نادى الأذى منّى بناد
وأين يجوز عن قصد لسانى ... وقلبى رائح برضاك غاد
ومما كانت الحكماء قالت: ... لسان المرء من خدم الفؤاد
وقد ما كنت معسول القوافى ... ومأدوم المعانى بالسّداد
[من أخبار ابن أبى دواد]
وكان ابن أبى دواد غاليا في التعصّب لإياد وإلحاقها بنزار، على مذهب نسّاب العدنانيين. قال: وكلّ من بالعراق من إياد دخلوا في النّخع، وإليهم ينسبون؛ ومن كان بالشام فملمّ «١» على نسبهم في نزار، وابن أبى دواد يرمى بالدعوة؛ والتكثير من أخباره يخرج إلى ما أخافه من تطويل التصرّف، فى مملول التكلّف.
وكان ابن أبى دواد عالما بضروب العلم والأدب، متصرّفا في صناعة الجدال، على مذهب أهل الاعتزال، وكانت العداوة بينه وبين ابن الزيّات بيّنة، والنفاسة فى الرياسة بينهما متمكّنة، وقال له بعض الشعراء:
أكلّ أبى دواد من إياد ... فكلّ أبى ذؤيب من هذيل
قال مسلم: ما تاه إلّا وضيع، ولا فاخر إلا سقيط، ولا تعصّب إلّا دخيل.
وقال مدنى لرجل: ممن أنت؟ فقال: من قريش، والحمد لله، قال: بأبى أنت! التحميد هاهنا ريبة! واسم أبى دواد دعمىّ، قال أبو اليقظان: وهم من قبيلة يقال لها بنو زهرة إخوة بنى جدّان، وقد ذكره الطائى في قوله:
والغيث من زهر سحابة رأفة ... والركن من شيبان طود حديد
ذكر شيبان، لأن خالد بن يزيد الشيبانى شفع له عند ابن أبى دواد فيما ينساق الحديث إليه من موجدته عليه.
قال محمود الوراق: كنت جالسا بطرف الجسر مع أصحاب لى، فمرّ بنا أبو تمام، فجلس إلينا، فقال له رجل منا: يا أبا تمّام، أىّ رجل أنت لو لم تكن من اليمن! قال: ما أحبّ أنّى بغير الموضع الذى اختاره الله لى، فممّن «٢» تحبّ أن
стр. 376
أكون؟ قال: من مضر، قال: إنما شرفت مضر بالنبىّ ﷺ ، ولولا ذلك ما قيسوا بملوكنا وأذوائنا، وفينا كذا، ومنّا كذا- يفخر؛ وذكر أشياء عاب بها مضر، ونمي الخبر إلى ابن أبى دواد وزيد فيه، فقال: ما أحبّ أن يدخل علىّ، فقال يعتذر إليه بقصيدة أولها:
سعدت غربة النّوى بسعاد ... فى طلوع الإتهام والإنجاد
يقول فيها:
بعد أن أصلت الوشاة سيوفا ... قطعت فىّ وهي غير حداد
فنفى عنك زخرف القول سمع ... لم يكن فرضه لغير السّداد
ضرب الحلم والوقار عليه ... دون عور الكلام بالأسداد
ملأتك الأحساب أىّ حياة ... وحيا أزمة وحيّة واد
عاتق معتق من الرقّ إلّا ... من مقاساة مغرم أو نجاد
للحمالات والحمائل فيه ... كلحوب الموارد الأعداد «١»
فما رضى عنه حتى تشفّع إليه بخالد بن يزيد بن مزيد الشيبانى، فقال فى قصيدة:
أسرى طريدا للحياء من التى ... زعموا، وليس لقوله بطريد «٢»
كنت الربيع، أمامه ووراءه ... قمر القبائل خالد بن يزيد
وغدا تببّن ما براءة ساحتى ... لو قد نفضت تهائمى ونجودى
لله درّك أىّ باب ملمّة ... لم يرم فيه إليك بالإقليد «٣»
стр. 377
لما أظلّتنى غمامك أصبحت ... تلك الشهود علىّ وهي شهودى
من بعد ما ظنّوا بأن سيكون لى ... يوم بزعمهم كيوم عبيد
يريد عبيد بن الأبرص الأسدى، وكان النعمان بن المنذر لقيه يوم بؤسه فقتله.
وكان ابن أبى داود كريما فصيحا جزلا. قال أبو العيناء: كنا عند ابن أبى دواد ومعنا محمود الورّاق وجماعة من أهل الأدب والعلم؛ فجاءه رسول إيتاخ فقال: إن الحاجب أبا منصور يقرأ على القاضى السلام، ويقول: القاضى يتعنّى «١» ويجىء في الأوقات؛ وقد تفاقم الأمر بينه وبين كاتب أمير المؤمنين، يريد ابن الزيات، فصار يضرّنا عند قصده القاضى، وما أحبّ أن يتعنّى إلىّ لهذا السبب؛ إذ كنت لا أصل إلى مكافأته. فقال: أجيبوه عن رسالته، فلم ندر ما نقول، ونظر بعضنا إلى بعض، فقال: أما عندكم جواب! قلنا: القاضى- أعزّه الله، أعلم بجوابه منا، فقال للرسول: اقرأ ﵇، وقل له: ما أتيتك متكثّرا بك من قلّة، ولا معتزّزا بك من ذلّة، ولا طالبا منك رتبة، ولا شاكيا إليك كربة، ولكنك رجل ساعدك زمان، وحرّكك سلطان، ولا علم يؤلف، ولا أصل يعرف؛ فإن جئتك فبسلطانك، وإن تركتك فلنفسك! فعجبنا من جوابه.
[من براعة خالد بن عبد الله القسرى]
صعد خالد بن عبد الله القسرى المنبر يوم جمعة، فخطب وهو إذ ذاك أمير على مكة، فذكر الحجّاج فأحمد طاعته، وأثنى عليه خيرا، فلما كان في الجمعة الثانية ورد عليه كتاب سليمان بن عبد الملك يأمره فيه بشتم الحجّاج وذكر
стр. 378
عيوبه، وإظهار البراءة منه، وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن إبليس كان ملكا من الملائكة، وكان يظهر من طاعة الله ما كانت الملائكة ترى له بذلك فضلا، وكان الله تعالى قد علم من غشّه ما خفى عن الملائكة، فلما أراد الله فضيحته ابتلاه «١» بالسجود لآدم؛ فظهر لهم ما كان يخفيه عنهم فلعنوه؛ وإن الحجاج كان يظهر من طاعة أمير المؤمنين ما كنّا نرى له بذلك فضلا، وكان الله أطلع أمير المؤمنين من غلّه وخبثه على ما خفى عنا، فلما أراد الله فضيحته أجرى ذلك على يدى أمير المؤمنين، فالعنوه، لعنه الله.
ثم نزل.
وكان أبو تمام قد مدح الأفشين التركى، واسمه خيذر «٢» بن كاوس، وكان من أجلّ قوّاد المعتصم، وأبلى في أمر بابك الخرّمىّ بلاء حمده له؛ فلما سخط المعتصم عليه لما نسب إليه من سوء السيرة، وقبح السريرة، وأنه يخطب درجة بابك، ويريد التحصّن بموضع يخلع فيه يده عن الطاعة، وأظهر القاضى أحمد بن أبى دواد عليه أنه على غير الإسلام، قال أبو تمام معتذرا للمعتصم من تقديمه واجتبائه، ولنفسه من مدحه وإطرائه:
ما كان لولا فحش غدرة خيذر ... ليكون في الإسلام عام فجار
هذا الرسول وكان صفوة ربّه ... من خير باد في الأنام وقار
قد خصّ من أهل النفاق عصابة ... وهم أشدّ أذى من الكفّار
واختار من سعد لعين بنى أبى ... سرح لعمر الله غير خيار
حتى استضاء بشعلة السّور التى ... رفعت له سترا من الأستار
ثم ذكر في هذه القصيدة أن قتل الأفشين لبابك لم يكن بصدق بصيرة، ولا لصحة سريرة، فقال:
стр. 379
والهاشمون المستقلة ظعنهم ... عن كربلاء بأثقل الأوزار
فشفاهم المختار منه ولم يكن ... فى دينه المختار بالمختار
[المنافقون في عهد النبى ﷺ ]
أما من ذكر من أهل النفاق، فقد كانوا يظهرون غير ما يسرّون، حتى أطلع الله نبيّه ﵇ على أخبارهم، ونشر له مطوىّ أسرارهم.
وأما ابن أبى سرح فهو عبد الله بن سعد بن أبى سرح بن الحسام بن الحارث بن حبيب بن خزيمة بن نصر بن مالك [بن حسل] بن عامر بن لؤىّ، أسلم قبل الفتح، واستكتبه النبىّ ﵇؛ فكان يكتب موضع «الغفور الرحيم» العزيز الحكيم، وأشباه ذلك؛ فأطلع الله عليه النبىّ ﵇، فهرب إلى مكة مرتدّا؛ وأنزل فيه: (ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله) . فأهدر النبى ﷺ يوم الفتح دمه، فهرب من مكّة، فاستأمن له عثمان ﵁؛ فأمّنه رسول الله ﷺ ، وهو أخو عثمان من الرّضاعة، وأسلم فحسن إسلامه، وولّى مصر سنة أربع وعشرين، فأقام عليها إلى أن حصر عثمان، ومات بقيسارية الشام، ولم يدخل في شىء من الفتن الحجازية في ذلك الوقت.
وأما المختار الذى ذكره فهو المختار بن أبى عبيد بن مسعود بن عمرو بن عمير ابن عوف بن عفدة بن عروة بن عوف بن قسىّ وهو ثقيف؛ وكانت لأبيه في الإسلام آثار جميلة، وأخت المختار صفية بنت أبى عبيد زوج ابن عمر، والمختار هو كذّاب ثقيف الذى جاء فيه الحديث، وكان يزعم أنه يوحى إليه في قتلة الحسين؛ فقتلهم بكل موضع، وقتل عبيد الله بن زياد، وله أسجاع يصنعها، وألفاظ يبتدعها، ويزعم أنها تنزل عليه، وتوحى إليه.
وقيل للأحنف بن قيس: إنّ المختار يزعم أنه يوحى إليه! فقال: صدق، وتلا: (وإنّ الشّياطين ليوحى بعضهم إلى بعض) . وأخباره كثيرة ليس هذا موضعها.
لما هزم أمية بن خالد بن أسيد لم يدر الناس كيف يقولون له، فدخل عبد الله بن الأهتم عليه، فقال: الحمد لله الذى نظر لنا أيّها الأمير عليك،
стр. 380
ولم ينظر لك علينا، فقد تعرّضت للشهادة بجهدك، إلّا أن الله علم حاجة أهل الإسلام إليك، فأبقاك لهم بخذلان من معك. فصدر الناس عن كلامه.
ويتعلق بهذه المقامة فصل في غرائب التكاتب
كتب حمدون بن نهران إلى عامل عزل عن عمله:
بلغنى أعزّك الله انصرافك عن عملك، ورجوعك إلى منزلك؛ فسررت بذلك، ولم أستفظعه وأجزع له؛ لعلمى بأنّ قدرك أجلّ وأعلى من أن يرفعك عمل تتولّاه، أو يضعك عزل عنه؛ وو الله لو لم تختر الانصراف وترد الاعتزال لكان في لطف تدبيرك، وثقوب رويّتك، وحسن تأتّيك، ما تزيل به السبب الداعى إلى عزلك، والباعث على صرفك؛ ونحن إلى أن نهنئك بهذه الحال أولى بنامن أن تعزّيك؛ إذ أردت الانصراف فأوتيته، وأحببت الاعتزال فأعطيته، فبارك الله لك في منقلبك، وهنّاك النعم بدوامها، ورزقك الشّكر الموجب لها الزائد فيها.
وكتب ابن مكرم إلى نصرانى أسلم:
أمّا بعد فالحمد لله الذى وفّقك لشكره، وعرّفك هدايته، وطهّر من الارتياب قلبك، وما زالت مخايلك ممّثلة لنا حقيقة ما وهب الله فيك، حتى كأنّك لم تزل بالإسلام موسوما، وإن كنت على غيره مقيما، وكنا مؤمّلين لما صرت إليه، مشفقين مما كنت عليه، حتى إذا كاد إشفاقنا أن يستعلى رجاءنا أنت السعادة بما لم تزل الأنفس تعدّ منك؛ فأسأل الله الذى أضاء لك سبيل رشدك أن يوفّقك لصالح العمل، وأن يؤتيك في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ويقيك عذاب النار.
قال بعض الكتاب: من الحقّ ما يستحسن تركه، ويستهجن عمله، وقد يقع من ذلك فيما يحلّه الشرع، ويكرهه الأدباء؛ وكثير ممن يغلب على طبعه هذا المعنى يراه سموّ نفس، وعلوّ همة، حتى رأينا من لا يحضر تزويج
стр. 381
كريمته، ويولّى أمرها غير نفسه، ورأينا من يجاوز ذلك إلى ألّا ينكح مستنكحا، وزاد به العلوّ إلى ترك ما ذكره أولى؛ وكنا عرفنا حال إنسان تزوّجت أمه؛ فعظم لذلك همّه، وانفرد عن أودّائه، وتوارى عن أصفيائه؛ حياء من لقائهم، وكرها لتهنئتهم له أو عزائهم، واضطرّته الوحشة إلى قصد من ظنّ به منهم المسكة في تحامى خطابه فيما اجتنب لأجله خلّانه، وفارق بسببه إخوانه، وتخيّل ذلك المقصود أنه إنما لجأ إليه ليسلّيه؛ فأفاض معه فيما قدّر أنه قصد له من المعنى الذى جعله وحيدا خوف المفاوضة.
ثم مضت الأيام واختلف الحال، ورجع إلى العشرة وأبناء المودّة؛ فكان عنده من لم يخاطبه أحظى، وفي نفسه أوفى، وعلى قلبه أخفّ، وفي نفسه أشفّ، ونقم على ذلك الصديق وعتب؛ إذ لكلّ من الناس- إلا من طاب محتده وطال سؤدده- حال من الإلف والرغبة تحسّن المساوى، ثم حال من الملل والزّهادة تقبّح المحاسن؛ واعتذر المتكلّف من التسلية بما لم يلزمه، ولم يرده صفيّه، فإنه فعل ما أوجبته الأخوّة، وحقوق الخلطة، وأسباب العشرة، وانبساط المفاوضة؛ ودبّت عقارب الظنون والوشاية، إلى أن خرجا بالملاحاة إلى المعاداة؛ فلما وقع بعض الناس بينهما من معاودة الحسنى، ومراجعة الأولى؛ جاهر هذا الماقت بقرع سنّ الأسف على تخيّل النهى والوقار من الممقوت، وظاهر الممقوت بتقريع الماقت، بتزويج أمّه الذى تجشّم من كلامه فيه فضلا، وتكلّف من خطابه عليه ما من حسرة خلا؛ فأفضى الأمر بينهما إلى الأوتار، وطلب الثّار.
فإن اضطرّ إلى القول في هذا المعنى أحد بأمر قاهر من السلطان، أو حوادث الأزمان، أو تطارح الإخوان، فليقل وليكتب ما مثّلنا إن لم يجد منه بدّا: أنت- بفضل الله عليك وإحسان تبصيره إياك- من أهل الدّين، وخلوص اليقين، فكما لا تتّبع الشهوة فى محظور تبيحه، فكذا لا تتّبع الأنفة في مباح تحظره؛ وقد اتّصل بنا اختاره الله والقضاء لذات الحقّ عليك، المنسوبة- بعد نسبك إليها- إليك،
стр. 382
مما كرهه إباؤك الدّنيوى لك ولها، [ورضيه الحلال الدينى له ولها] ، فنحن نعزّيك عن فائت محبوبك، ونهنّئك في الخيرة في اختيار القدر لك، ونسأل الله أن يجعلها أبدا معك فيما رضيت وكرهت، وأبيت وأتيت.
فهذا ونحوه أصوب وأسلم، إن اضطررت إليه، وتركه أحسن وأحزم، إن ملكت رأيك فيه؛ والتلطف للكتابة عما يستهجن ولا يستحسن التواجه به من أحسن الأشياء وأسدّها.
وكتب أبو الفضل بن العميد في بابه: الحمد لله الذى كشف عنا ستر الحيرة.
وهدانا لستر العورة، وجدع بما شرع من الحلال أنف الغيرة، ومنع من عضل الأمهات، كما منع من وأد البنات، استنزالا للنفوس الأبيّة، عن حميّة الجاهلية.
ثم عرّض للجزيل من الأجر من استسلم لمواقع قضائه؛ وعوّض جزيل الثواب لمن صبر على نازل بلائه؛ وهنّاك الله، الذى شرح للتقوى صدرك، ووسّع في البلوى صبرك، ما ألهمك من التسليم بمشيئته، والرضا بقضّيته، ووفّقك له من قضاء الواجب في أحد أبو يك، ومن عظم حقّه عليك؛ وجعل الله تعالى حدّه «١» ما تجرّعته من أنف «٢» ، وكظمته من أسف، معدودا يعظّم الله عليه أجرك، ويجزل به ذخرك؛ وقرن بالحاضر من امتعاضك لفعلها المنتظر من ارتماضك لدفنها «٣» ، وعوّضك من أسرّة فرشها أعواد نعشها؛ وجعل ما ينعم به عليك من بعدها من نعمة معرّى من نقمة، وما يوليك بعد قبضها من منحة مبرأ من محنة.
стр. 383
ألفاظ لأهل العصر في التهانى بالبنات
هنأ الله سيدى ورد الكريمة عليه، وثمّر بها أعداد النّسل الطيّب لديه؛ وجعلها مؤذنة بإخوة بررة، يعمرون أندية الفضل، ويغبرون «١» بقيّة الدّهر.
اتصل بى خبر المولودة، كرّم الله غرّتها وأنبتها نباتا حسنا، وما كان من تغيّرك بعد اتّضاح الخبر، وإنكارك ما اختاره الله لك في سابق القدر، وقد علمت أنهنّ أقرب من القلوب، وأنّ الله تعالى بدأ بهنّ في الترتيب، فقال جل من قائل: (يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ)
. وما سمّاه هبة فهو بالشكر أولى، وبحسن التقبّل أحرى. أهلا وسهلا بعقيلة النساء، وأمّ الأبناء، وجالبة الأصهار، وأولاد الأطهار، والمبشرة بإخوة يتناسقون، ونجباء يتلاحقون.
فلو كان النّساء كمثل هذى ... لفضّلت النّساء على الرّجال
فما التّأنيث لاسم الشّمس عيب ... ولا التّذكير فخر للهلال
والله يعرفك البركة في مطلعها، والسعادة في موقعها، فادّرع اغتباطا، واستأنف نشاطا. الدنيا مؤنّثة، والرجال يخدمونها. والنار مؤنثة، والذكور يعبدونها. والأرض مؤنثة، ومنها خلقت البرية، وفيها كثرت الذّرية. والسماء مؤنثة، وقد حلّيت بالكواكب، وزيّنت بالنجوم الثواقب. والنفس مؤنّثة، وهي قوام الأبدان، وملاك الحيوان. والحياة مؤنّثة، ولولاها لم تتصرّف الأجسام ولا عرف الأنام. والجنّة مؤنّثة، وبها وعد المتقون، وفيها ينعم المرسلون؛ فهنأك الله ما أوليت، وأوزعك شكر ما أعطيت، وأطال الله بفاءك ما عرف النّسل والولد، وما بقى العصر والأبد؛ إنه فعال لما يشاء.
стр. 384
[بعض مالا يمدح النساء به]
والتصرف في النساء ضيّق النطاق، شديد الخناق، وأكثر ما يمدح به الرجال ذمّ لهن، ووصم عليهن، قال ابن الرومى:
ما للحسان مسيئات بنا، ولنا ... إلى المسيئات طول الدّهر تحنان
فإن يبحن بعهد قلن: معذرة ... إنّا نسينا، وفي النسوان نسيان
لا نلزم الذّكر، إنّا لم نسمّ به ... ولا منحناه، بل للذّكر ذكران
فضل الرجال علينا أن شيمتهم ... جود وبأس وأحلام وأذهان
وأنّ منهم وفاء لا نقوم له ... وهل يكون مع النّقصان رجحان؟
وقال أبو الطيب المتنبى:
بنفسى الخيال الزّائرى بعد هجعة ... وقولته لى: بعدنا الغمض تطعم
سلام فلولا البخل والخوف عنده ... لقلنا أبو حفص علينا المسلّم
ألا ترى أنّ الجود، والوفاء بالعهود، والشجاعة والفطن، وما جرى في هذا السّنن، من فضائل الرجال، لو مدح النساء به لكان نقصا عليهن، وذمّا لهنّ؟
ولمديح النساء أبواب تفرّقت في الكتاب:
أنشد رجل زبيدة بنت جعفر بن أبى جعفر المنصور:
أزبيدة بنة جعفر ... لوبى لزائرك المثاب
تعطين من رجليك ما ... تعطى الأكفّ من الرّغاب
فوثب إليه الخدم يضربونه، فمنعتهم من ذلك، وقالت: أراد خيرا وأخطأ، وهو أحبّ إلينا ممن أراد شرا فأصاب، سمع قولهم «شمالك أندى من يمين غيرك» فظن أنه إذا قال هكذا كان أبلغ، أعطوه ما أمّل، وعرّفوه ما جهل.
وقال كثير:
ولما قضينا من منّى كلّ حاجة ... ومسّح بالأركان من هو ما سح
стр. 385
وشدّت على حدب المطايا رحالنا ... ولا يعلم الغادى الذى هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطىّ الأباطح
نقعنا قلوبا بالأحاديث واشتفت ... بذاك صدور منضجات قرائح «١»
ولم نخش ريب الدّهر في كلّ حالة ... ولا راعنا منه سنيح وبارح
وقال:
تفرّق ألّاف الحجيج على منى ... وشتّتهم شحط النوى مشى أربع
فريقان منهم سالك بطن نخلة ... وآخر منهم جازع ظهر تضرع
فلم أر دارا مثلها دار غبطة ... ولهو إذا التفّ الحجيج بمجمع
أقلّ مقيما راضيا بمكانه ... وأكثر جارا ظاعنا لم يودّع
فأصبح لا تلقى خباء عهدته ... بمضربه أوتاده لم تنزّع
فشاقوك لما وجّهوا كلّ وجهة ... فبانوا وخلّوا عن منازل بلقع
ودخل كثيّر على عزّة يوما، فقالت: ما ينبغى أن نأذن لك في الجلوس، فقال: ولم ذلك؟ قالت: لأنى رأيت الأحوص ألين جانبا عند الغوانى منك في شعره، وأضرع خدّا للنساء، وأنه الذى يقول:
يأيها اللأئمى فيها لأصرمها ... أكثرث لو كان يغنى عنك إكثار
أكثر فلست مطاعا إذ وشيت بها ... لا القلب سال ولا في حبّها عار
ويعجبنى قوله:
أدور ولولا أن أرى أمّ جعفر ... بأبياتكم مادرت حيث أدور
وما كنت زوّارا، ولكنّ ذا الهوى ... إذا لم لا يزر لا بدّ أن سيزور
لقد منعت معروفها أمّ جعفر ... وإنى إلى معروفها لفقير
стр. 386
ويعجبنى قوله:
كم من دنىّ لها قد كنت أتبعه ... ولو صحا القلب عنها كان لى تبعا
لا أستطيع نزوعا عن محبّتها ... أو يصنع الحبّ بى فوق الذى صنعا
أدعو إلى هجرها قلبى فيتبعنى ... حتى إذا قلت هذا صادق نزعا
وزادنى رغبة في الحبّ أن منعت، ... أشهى إلى المرء من دنياه ما منعا
وقوله:
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجرا من يابس الصّخر جلمدا
وما العيش إلا ما تلذّ وتشتهى ... وإن لام فيه ذو الشّنان وفنّدا
وإنى لأهواها وأهوى لقاءها ... كما يشتهى الصّادى الشراب المبرّدا
علاقة حبّ لجّ في سنن الصّبا ... فأبلى، وما يزداد إلّا تجدّدا
هذان البيتان ألحقهما العتبى وغيره بشعر الأحوص، وأنشدها أبو بكر بن دريد لأعرابى، فقال كثير: قد والله أجاد فما استقبحت من قولى؟ قالت:
قولك:
وكنت إذا ما جئت أجللن مجلسى ... وأظهرن منّى هيبة لا تجهّما
يحاذرن منّى غيرة قد عرفنها ... قديما، فلا يضحكن إلّا تبسّما
تراهنّ إلا أن يخالسن نظرة ... بمؤخر عين أو يقلّبن معصما
كواظم لا ينطقن إلا محورة ... رجيعة قول بعد أن يتفهما
وكنّ إذا ما قلن شيئا يسرّه ... أسرّ الرضا في نفسه وتحرّمّا
وقولك:
وددت وبيت الله أنك بكرة ... هجان، وأنى مصعب ثم نهرب «١»
стр. 387
كلانا به عرّ فمن يرنا يقل ... على حسنها جرباء تعدى وأجرب «١»
نكون لذى مال كثير مغفّل ... فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب
إذا ما وردنا منهلا صاح أهله ... علينا فما ننفكّ نؤذى ونضرب «٢»
ويحك! لقد أردت بى الشقاء، أفما وجدت أمنية أوطأ من هذه؟ فخرج خجلا.
[من الأمانى]
وقد تمنّى بمثل هذه الأمنية الفرزدق. وأغرب من هذا قول أبى صخر الهذلى:
تمنّيت من حبّى عليه أنّنا ... على رمث في البحر ليس لنا وفر «٣»
على دائم لا يعبر الفلك موجه ... ومن دوننا الأهوال والّلجج الخضر
فنقضى همّ النفس في غير رقبة ... ويغرق من نخشى نميمته البحر
وقيل: الأمل رفيق مؤنس؛ إن لم يبلغك فقد ألهاك.
وقال مسلم بن الوليد.
وأكثر أفعال الليالى إساءة ... وأكثر ما تلقى الأمانى كواذبا
وقال آخر:
منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلّا فقد عشنا بها زمنا رغدا
أمانىّ من ليلى حسان كأنما ... سقتنى يها ليلى على ظمإ بردا
وقال آخر
رفعت عن الدنيا المنى غير حبها ... فلا أسأل الدنيا ولا أستزيدها
وقيل لأعرابى: ما أمتع لذّات الدنيا؟ فقال: ممازحة المحب، ومحادثة الصديق،
стр. 388
وأمانىّ تقطع بها أيامك، وأنشد:
علّلينى بموعد ... وامطلى ما حييت به
ودعينى أفوز من ... ك بنجوى تطلبه
فعسى يعثر الزّما ... ن بحظّي فينتبه
[بعض أخبار كثير وعزّة]
وكان كثيّر بن عبد الرحمن بن أبى جمعة الخزاعى- ويعرف بعزّة، على حدّة خاطره، وجودة شعره- أحمق الناس.
دخل عليه نفر من قريش وهو عليل يهزءون به، قال بعضهم: فقلت له:
كيف تجدك؟ قال: بخير، هل سمعتم الناس يقولون شيئا؟ فقلت: نعم، سمعتهم يقولون: إنك الدجال. فقال: والله لئن قلت ذلك إنى لأجد في عينى اليمنى ضعفا منذ أيام.
وكان رافضيّا يدين بالرّجعة، ويقول بإمامة محمد بن الحنفية، والروافض يزعمون أنه دخل في شعب باليمن في أربعين من أصحابه، ولا بدّ من ظهوره، وفي ذلك يقول:
ألا إنّ الأئمة من قريش ... ولاة الحقّ أربعة سواء
علىّ والثّلاثة من بنيه ... هم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط إيمان وبرّ ... وسبط غيّبته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتّى ... يقود الخيل يقدمها اللّواء
تغيّب لا يرى عنهم زمانا ... برضوى عنده عسل وماء
وكان خلفاء بنى أمية يعلمون ذلك منه، ويلبسونه عليه.
دخل يوما على عبد الملك بن مروان فقال: نشدتك بحقّ على بن أبى طالب، هل رأيت أعشق منك؟ فقال: يا أمير المؤمنين؛ لو سألتنى بحقّك لأخبرتك، نعم، بينا أنا أسير في بعض الفلوات إذا أنا برجل قد نصب حبائله، فقلت له:
стр. 389
ما أجلسك هاهنا؟ قال: أهلكنى وأهلى الجوع، فنصبت حبائلى لأصيب لهم ولنفسى ما يكفينا سحابة يومنا، قلت: أرأيت إن أقمت معك فأصبنا صيدا، أتجعل لى منه جزءا؟ قال: نعم، فبينما نحن كذلك إذ وقعت ظبية، فخرجنا مبتدرين، فأسرع إليها فحلّها وأطلقها؛ فقلت: ما حملك على هذا؟ قال:
دخلتنى لها رقّة لشبهها بليلى، وأنشأ يقول:
أيا شبه ليلى لا تراعى فإنّنى ... لك اليوم من وحشيّة لصديق
أقول وقد أطلقتها من وثاقها ... لأنت- لليلى- ما حييت طليق
وروى الكلبى وابن دأب أنه لمّا حلّها قال:
اذهبى في كلاءة الرّحمن ... أنت منى في ذمّة وأمان
لا تخافى بأن تهاجى بسوء ... ما تغنّى الحمام في الأغصان
ترهبينى والجيد منك لليلى ... والحشا والبغام والعينان؟
وقال قيس بن الملوّح:
راحوا يصيدون الظّباء وإننى ... لأرى تصيّدها علىّ حراما
أشبهن منك محاجرا وسوالفا ... فأرى علىّ لها بذاك ذماما
أعزز علىّ بأن أروع شبيهها ... أو أن يذقن على يدىّ حماما
ومن جيد شعر كثيّر:
وكانت لقطع الحبل بينى وبينها ... كناذرة نذرا فأوفت وحلّت
فقلت لها: يا عزّ كلّ مصيبة ... إذا وطّنت يوما لها النّفس ذلّت
ولم يلق إنسان من الحبّ ميعه ... تعمّ ولا غمّاء إلّا تجلّت
أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها ... وحلّت تلاعا لم تكن قبل حلّت
هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت
أسيئى بنا أو أحسنى لا ملومة ... لدينا ولا مقليّة إن تقلّت
وو الله ما قاربت إلا تباعدت ... بهجر، ولا استكثرت إلّا أقلت
стр. 390
وما مرّ من يوم علىّ كيومها ... وإن عظمت أيام أخرى وجلت
فيا عجبا للقلب كيف اعترافه ... وللنفس لما وطّنت كيف ذلّت
وإنّى وتهيامى بعزّة بعد ما ... تخلّيت مما بيننا وتخلّت
لكالمرتجى ظلّ الغمامة، كلّما ... تبوّأ منها للمقيل اضمحلّت
وكان كثير قصيرا دميما، ولذلك قال:
فإن أك معروق العظام فإننى ... إذا ما وزنت القوم وازن «١»
ودخل كثير على عبد الملك بن مروان في أول خلافته، فقال: أنت كثيّر؟
فقال: نعم، فاقتحمه، وقال: تسمع بالمعيدىّ لا أن تراه «٢» ! فقال:
يا أمير المؤمنين، كلّ إنسان عند محله رحب الفناء، شامخ البناء، عالى السّناء، وأنشد يقول:
ترى الرجل النحيف فتزدريه ... وفي أثوابه أسد هصور
ويعجبك الطّرير إذا تراه ... فيخلف ظنّك الرجل الطرير «٣»
بغاث الطير أطولها رقابا ... ولم تطل البزاة ولا الصقور «٤»
خشاش الطير أكثرها فراخا ... وأمّ الباز مقلاة نزور «٥»
следующие страницы →