Полный текст (1 141 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
ويعجبنى قوله:
كم من دنىّ لها قد كنت أتبعه ... ولو صحا القلب عنها كان لى تبعا
لا أستطيع نزوعا عن محبّتها ... أو يصنع الحبّ بى فوق الذى صنعا
أدعو إلى هجرها قلبى فيتبعنى ... حتى إذا قلت هذا صادق نزعا
وزادنى رغبة في الحبّ أن منعت، ... أشهى إلى المرء من دنياه ما منعا
وقوله:
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجرا من يابس الصّخر جلمدا
وما العيش إلا ما تلذّ وتشتهى ... وإن لام فيه ذو الشّنان وفنّدا
وإنى لأهواها وأهوى لقاءها ... كما يشتهى الصّادى الشراب المبرّدا
علاقة حبّ لجّ في سنن الصّبا ... فأبلى، وما يزداد إلّا تجدّدا
هذان البيتان ألحقهما العتبى وغيره بشعر الأحوص، وأنشدها أبو بكر بن دريد لأعرابى، فقال كثير: قد والله أجاد فما استقبحت من قولى؟ قالت:
قولك:
وكنت إذا ما جئت أجللن مجلسى ... وأظهرن منّى هيبة لا تجهّما
يحاذرن منّى غيرة قد عرفنها ... قديما، فلا يضحكن إلّا تبسّما
تراهنّ إلا أن يخالسن نظرة ... بمؤخر عين أو يقلّبن معصما
كواظم لا ينطقن إلا محورة ... رجيعة قول بعد أن يتفهما
وكنّ إذا ما قلن شيئا يسرّه ... أسرّ الرضا في نفسه وتحرّمّا
وقولك:
وددت وبيت الله أنك بكرة ... هجان، وأنى مصعب ثم نهرب «١»
стр. 387
كلانا به عرّ فمن يرنا يقل ... على حسنها جرباء تعدى وأجرب «١»
نكون لذى مال كثير مغفّل ... فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب
إذا ما وردنا منهلا صاح أهله ... علينا فما ننفكّ نؤذى ونضرب «٢»
ويحك! لقد أردت بى الشقاء، أفما وجدت أمنية أوطأ من هذه؟ فخرج خجلا.
[من الأمانى]
وقد تمنّى بمثل هذه الأمنية الفرزدق. وأغرب من هذا قول أبى صخر الهذلى:
تمنّيت من حبّى عليه أنّنا ... على رمث في البحر ليس لنا وفر «٣»
على دائم لا يعبر الفلك موجه ... ومن دوننا الأهوال والّلجج الخضر
فنقضى همّ النفس في غير رقبة ... ويغرق من نخشى نميمته البحر
وقيل: الأمل رفيق مؤنس؛ إن لم يبلغك فقد ألهاك.
وقال مسلم بن الوليد.
وأكثر أفعال الليالى إساءة ... وأكثر ما تلقى الأمانى كواذبا
وقال آخر:
منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلّا فقد عشنا بها زمنا رغدا
أمانىّ من ليلى حسان كأنما ... سقتنى يها ليلى على ظمإ بردا
وقال آخر
رفعت عن الدنيا المنى غير حبها ... فلا أسأل الدنيا ولا أستزيدها
وقيل لأعرابى: ما أمتع لذّات الدنيا؟ فقال: ممازحة المحب، ومحادثة الصديق،
стр. 388
وأمانىّ تقطع بها أيامك، وأنشد:
علّلينى بموعد ... وامطلى ما حييت به
ودعينى أفوز من ... ك بنجوى تطلبه
فعسى يعثر الزّما ... ن بحظّي فينتبه
[بعض أخبار كثير وعزّة]
وكان كثيّر بن عبد الرحمن بن أبى جمعة الخزاعى- ويعرف بعزّة، على حدّة خاطره، وجودة شعره- أحمق الناس.
دخل عليه نفر من قريش وهو عليل يهزءون به، قال بعضهم: فقلت له:
كيف تجدك؟ قال: بخير، هل سمعتم الناس يقولون شيئا؟ فقلت: نعم، سمعتهم يقولون: إنك الدجال. فقال: والله لئن قلت ذلك إنى لأجد في عينى اليمنى ضعفا منذ أيام.
وكان رافضيّا يدين بالرّجعة، ويقول بإمامة محمد بن الحنفية، والروافض يزعمون أنه دخل في شعب باليمن في أربعين من أصحابه، ولا بدّ من ظهوره، وفي ذلك يقول:
ألا إنّ الأئمة من قريش ... ولاة الحقّ أربعة سواء
علىّ والثّلاثة من بنيه ... هم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط إيمان وبرّ ... وسبط غيّبته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتّى ... يقود الخيل يقدمها اللّواء
تغيّب لا يرى عنهم زمانا ... برضوى عنده عسل وماء
وكان خلفاء بنى أمية يعلمون ذلك منه، ويلبسونه عليه.
دخل يوما على عبد الملك بن مروان فقال: نشدتك بحقّ على بن أبى طالب، هل رأيت أعشق منك؟ فقال: يا أمير المؤمنين؛ لو سألتنى بحقّك لأخبرتك، نعم، بينا أنا أسير في بعض الفلوات إذا أنا برجل قد نصب حبائله، فقلت له:
стр. 389
ما أجلسك هاهنا؟ قال: أهلكنى وأهلى الجوع، فنصبت حبائلى لأصيب لهم ولنفسى ما يكفينا سحابة يومنا، قلت: أرأيت إن أقمت معك فأصبنا صيدا، أتجعل لى منه جزءا؟ قال: نعم، فبينما نحن كذلك إذ وقعت ظبية، فخرجنا مبتدرين، فأسرع إليها فحلّها وأطلقها؛ فقلت: ما حملك على هذا؟ قال:
دخلتنى لها رقّة لشبهها بليلى، وأنشأ يقول:
أيا شبه ليلى لا تراعى فإنّنى ... لك اليوم من وحشيّة لصديق
أقول وقد أطلقتها من وثاقها ... لأنت- لليلى- ما حييت طليق
وروى الكلبى وابن دأب أنه لمّا حلّها قال:
اذهبى في كلاءة الرّحمن ... أنت منى في ذمّة وأمان
لا تخافى بأن تهاجى بسوء ... ما تغنّى الحمام في الأغصان
ترهبينى والجيد منك لليلى ... والحشا والبغام والعينان؟
وقال قيس بن الملوّح:
راحوا يصيدون الظّباء وإننى ... لأرى تصيّدها علىّ حراما
أشبهن منك محاجرا وسوالفا ... فأرى علىّ لها بذاك ذماما
أعزز علىّ بأن أروع شبيهها ... أو أن يذقن على يدىّ حماما
ومن جيد شعر كثيّر:
وكانت لقطع الحبل بينى وبينها ... كناذرة نذرا فأوفت وحلّت
فقلت لها: يا عزّ كلّ مصيبة ... إذا وطّنت يوما لها النّفس ذلّت
ولم يلق إنسان من الحبّ ميعه ... تعمّ ولا غمّاء إلّا تجلّت
أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها ... وحلّت تلاعا لم تكن قبل حلّت
هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت
أسيئى بنا أو أحسنى لا ملومة ... لدينا ولا مقليّة إن تقلّت
وو الله ما قاربت إلا تباعدت ... بهجر، ولا استكثرت إلّا أقلت
стр. 390
وما مرّ من يوم علىّ كيومها ... وإن عظمت أيام أخرى وجلت
فيا عجبا للقلب كيف اعترافه ... وللنفس لما وطّنت كيف ذلّت
وإنّى وتهيامى بعزّة بعد ما ... تخلّيت مما بيننا وتخلّت
لكالمرتجى ظلّ الغمامة، كلّما ... تبوّأ منها للمقيل اضمحلّت
وكان كثير قصيرا دميما، ولذلك قال:
فإن أك معروق العظام فإننى ... إذا ما وزنت القوم وازن «١»
ودخل كثير على عبد الملك بن مروان في أول خلافته، فقال: أنت كثيّر؟
فقال: نعم، فاقتحمه، وقال: تسمع بالمعيدىّ لا أن تراه «٢» ! فقال:
يا أمير المؤمنين، كلّ إنسان عند محله رحب الفناء، شامخ البناء، عالى السّناء، وأنشد يقول:
ترى الرجل النحيف فتزدريه ... وفي أثوابه أسد هصور
ويعجبك الطّرير إذا تراه ... فيخلف ظنّك الرجل الطرير «٣»
بغاث الطير أطولها رقابا ... ولم تطل البزاة ولا الصقور «٤»
خشاش الطير أكثرها فراخا ... وأمّ الباز مقلاة نزور «٥»
стр. 391
ضعاف الأسد أكثرها زئيرا ... وأصرمها اللّواتى لا تزير
وقد عظم البعير بغير لبّ ... فلم يستغن بالعظم البعير
ينوّخ ثم يضرب بالهراوى ... فلا عرف لديه ولا نكير
يقوّده الصبىّ بكلّ أرض ... ويصرعه على الجنب الصغير «١»
فما عظم الرجال لهم بزين ... ولكن زينهم حسب وخير «٢»
فقال: قاتله الله! ما أطول لسانه، وأمد عنانه، وأوسع جنانه؛ إنى لأحسبه كما وصف نفسه «٣» .
[قولهم في الطول والقصر]
وأنشد أحمد بن عبيد الله لشاعر قديم:
وعاذلة هبّت بليل تلومنى ... ولم يغتمرنى قبل ذاك عذول «٤»
تقول: اتئد لا يدعك الناس مملقا ... وتزرى بمن يابن الكرام تعول
فقلت: أبت نفس علىّ كريمة ... وطارق ليل عند ذاك يقول
ألم تعلمى يا عمرك الله أننى ... كريم على حين الكرام قليل
وأنى لا أخزى إذا قيل مملق ... سخىّ، وأخزى أن يقال بخيل
فلا تتبعى النفس الغويّة وانظرى ... إلى عنصر الأحساب كيف بئول
ولا تذهبن عيناك في كل شرمح ... له قصب جوف العظام أسيل «٥»
عسى أن تمنّى عرسه أننى لها ... به، حين يشتدّ الزمان، بديل
стр. 392
إذا كنت في القوم الطوال فطلتهم «١» ... بعارفة حتى يقال طويل «٢»
ولا خير في حسن الجسوم وطولها ... إذا لم تزن حسن الجسوم عقول
فكائن رأينا من فروع طويلة ... تموت إذا لم تحيهن أصول
فإلّا يكن جسمى طويلا فإننى ... له بالفعال الصالحات وصول
ولم أر كالمعروف: أمّا مذافه ... فحلو، وأمّا وجهه فجميل
وقال ابن الرومى:
ونصيف من الرجال نحيف ... راجح الوزن عند وزن الرجال
فى أناس أوتوا حلوم العصافير ... فلم تغنهم جسوم البغال
أخذه من قول حسان بن ثابت، وقال له بنو الديان الحارثيون: قد كنّا ونحن نطول بأحسامنا على العرب حتى قلت:
دعوا التّخاجؤ وامشوا مشية سجحا ... إنّ الرجال ذوو قدّ وتذكير «٣»
لا بأس بالقوم من طول ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير
فتركتنا لا نرى أجسامنا شيئا والعرب تمدح الطول، وتثنى عليه، وقال عنترة بن شداد:
بطل كأنّ ثيابه في سرحة ... يحذى نعال السّبت ليس بتوأم
قوله «ليس بتوأم» يريد ليس ممن زوحم في الرّحم فضعف، كمال قال الشعبى، وقد دخل على عبد الملك بن مروان، فجعل ينظر إليه، وكان الشعبى قد ولد توأما مع أخيه، فكان نحيفا، فقال: يا أمير المؤمنين، إنى زوحمت في الرحم، وقال:
стр. 393
ولما التقى الصفّان واختلف القنا ... نهالا، وأسباب المنايا نهالها
تبيّن لى أن القماءة ذلة ... وأنّ أعزاء الرجال طوالها
وقال أبو نواس:
وكنا إذا ما الحائن الجدّ غرّه ... سنى برق غاد أو ضجيج رعاد
تردّى له الفضل بن يحيى بن خالد ... بماضى الظّبى يزهاه طول نجاد
أمام خميس أرجوان كأنه ... قميص محوك من قناد وجياد «١»
ومن هذا البيت أخذ أبو الطيب المتنبى قوله:
وملمومة زرد ثوبها ... ولكنّه بالقنا مخمل
[عود إلى أخبار كثير عزة]
ودخل كثيّر على عبد العزيز بن مروان وهو عليل، وأهله يتمنّون أن يتبسم، فقال: لولا أن سرورك لا يتمّ بأن تسلم وأسقم لدعوت الله أن يصرف مابك إلىّ، ولكنى أسأل الله أيها الأمير العافية لك ولى في كنفك؛ فضحك وأمر له بمال فخرح وهو يقول:
ونعود سيّدنا وسيّد غيرنا ... ليت التشكّى كان بالعوّاد
لو كان تقبل فدية لفديته ... بالمصطفى من طارفى وتلادى
قال محمد بن سلام الجمحى: قال أبى: ذاكرت مروان بن أبى حفصة شعر جرير والفرزدق وكثيّر، فذهب إلى تقديم كثيّر، وجعل يطريه ويقول: هو أمدحهم للخلفاء، فقلت: أمن جودة مدحه للخلفاء قوله لعبد الملك بن مروان:
ترى ابن أبى العاصى وقد صفّ دونه ... ثمانون ألفا قد توافت كمولها
يقلّب عينى حيّة بمفازة ... إذا أمكنته شدّة لا يقيلها
فقال هذا للخليفة ودونه ثمانون ألفا، وجعله يقلّب عينى حية.
стр. 394
وقوله:
وإن أمير المؤمنين هو الذى ... غزا كامنات الودّ منى فنالها
زعم أن أمير المؤمنين استعطفه حتى غزا كامنات صدره.
وقوله لعبد العزيز بن مروان:
وما زالت رقاك تسلّ ضغنى ... وتخرج من مكامنها ضبابى
ويرقينى لك الحاوون حتى ... أجابك حيّة تحت الحجاب
زعم أن عبد العزيز ترضّاه، واحتال له ورقاه، حتى أجابه؛ أكذا تمدح الملوك؟ فأسكته «١» .
فصول قصار
من كان له من نفسه واعظ، كان من الله عليه حافظ. العبد حرّ إذا قنع، والحرّ عبد إذا طمع. الأمانى تخدعك، وعند الحقائق تدعك. إذا كان الطمع هلاكا، كان اليأس إدراكا. ليس يعدّ حكيما، من لم يكن لنفسه خصيما. تعزّ عن الشىء إذا منعته، بقلة ما يصحبك إذا منحته. تجرّع مضض الصبر تطفىء نار الضر. الحكمة حفظ ما كلفت، وترك ما كفيت. الصّبر عن محارم الله، أيسر من الصبر على عذاب الله.
شذور لأهل الصر في معان شتّى
قطعة من كلام الأمير قابوس بن وشمكير شمس المعالى في أثناء رسائله:
بزند الشفيع تورى نار النجاح، ومن كف المفيض ينتظر فوز القداح،
стр. 395
الوسائل أقدام ذوى الحاجات، والشفاعات مفاتيح الطّلبات العفو عن المجرم من موجبات الكرم، وقبول المعذرة من محاسن الشّيم. وبالقوادم والخوافى قوّة النجاح، وبالأسنة والعوالى عمل الرماح. الدنيا دار تغرير وخداع، وملتقى ساعة لوداع، والناس متصرّفون بين كل ورد وصدر، وصائرون خبرا بعد أثر. غاية كل متحرّك إلى سكون، ونهاية كل متكون ألّا يكون، وآخر الأحياء فناء، والجزع على الأموات عناء، وإذا كان ذلك كذلك، فلم التهالك على الهالك؟. حشو الدهر أحزان وهموم، وصفوه من غير كدر معدوم. إذا سمح الدهر بالحباء، فأبشر بوشك الانقضاء، وإذا أعار، فأحسبه قد أغار. الدهر طعمان حلو ومرّ، والأيام ضربان عسر ويسر. لكل شىء غاية ومنتهى، وانقطاع وإن بلغ المدى. ترك الجواب، داعية الارتياب، والحاجة إلى الاقتضاء، كسوف في وجه الرجاء. همّ المنتظر للجواب ثقيل، والمدى فيه وإن كان قصيرا طويل.
النجيب إذا جرى لم يشقّ غباره، وإذا سرى لم تلحق آثاره. ومن أين للضباب صوب السحاب، وللغراب هوىّ العقاب، وهيهات أن تكتسب الأرض لطافة الهواء، ويصير البدر كالشمس في الضياء.
وقد ترجم عن شمس المعالى أبو منصور الثعالبى في كتاب ألّفه له؛ قال في أوله: أمّا على أثر حمد الله الذى هو أوّل كتابه، وآخر دعوى ساكنى دار ثوابه، والصلاة على خيرته من بريّته، وعلى الصّفوة من ذرّيته، فإنّ خير الكلام ما شغل بخدمة من جمع الله له عزّة الملك إلى بسطة العلم، ونور الحكمة إلى نفوذ الحكم، وجعله مميّزا على ملوك العصر، ومدبّرى الأرض وولاة الأمر، بخصائص من العدل، وجلائل من الفضل، ودقائق من الكرم المحض، لا يدخل أيسرها تحت العادات، ولا يدرك أقلّها بالعبارات؛ ومحاسن [سير] الأنام «١» ، تحرسها أسنّة الأقلام، وتدرسها ألسنة الليالى والأيام، وهذه صفة تغنى
стр. 396
عن تشبيه الموصوف لاختصاصه بمعناها، واستحقاقه إياها، واستئثاره على جميع الملوك بها، ولعلم سامعها ببديهة السّماع أنها للأمير، شمس المعالى، خالصة، وعليه مقصورة، وبه لائقة، وعن غيره نافرة؛ إذ هو- بمعاينة الآثار، وشهادة الأخيار، وإجماع الأولياء، واتفاق الأعداء- كافل المجد، وكافى الخلق، وواحد الدهر، وغرّة الدنيا، ومفزع الورى، وحسنة العالم، ونكتة الفلك الدائر؛ فبلّغه الله أقصى نهاية العمر، كما بلّغه أقصى غاية الفخر؛ وملكه أزمّة الأمر، كلما ملّكه أعنّة الفضل؛ وأدام حسن النظر للعباد والبلاد، بإدامة أيامه التي هي أعياد الدّهر، ومواسم اليمن والأمن، ومطالع الخير والسّعد، وزاد دولته شبابا
ونموّا، كما زاده في الشرف علوّا ... حتى تكون السعادات وفد بابه، والبشائر
قرى سمعه، والمسارّ غذاء نفسه، ويترامى به الإقبال إلى حيث لا يبلغه أمل، ولا يقطعه أجل.
نحافى قوله «وهذه صفة تغنى عن الموصوف» إلى قول أبى الطيب يرنى أخت سيف الدولة:
يا أخت خير أخ يا بنت خير أب ... كناية بهما عن أشرف النّسب
أجلّ قدرك أن تسمى مؤثّثة ... ومن دعاك فقد سمّاك للعرب
وفي شمس المعالى يقول الأمير أبو الفضل الميكالى:
لا تعصين شمس العلا قابوسا ... فمن عصى قابوس لاقى بوسا
وله يقول بديع الزمان في قصيدة نظمها في تضاعيف رسالة موشحة:
إنّ من كنت من مناه بمرأى ... وتعدّاك سيّىء الاقتراح
بين بشر يردّ غائض جاهى ... وقبول يعيد ريش جناحى
стр. 397
وبساط وردت مشرعة الأن ... س به وادّرعت برد النجاح
فاقض أو طارا التقت والمعالى ... فى نظام من النّهى وتصاح
ملك دونه تقطّع أبصا ... ر الليالى يوما ندى وكفاح
ملك لو يشاء مدّ على النّج ... م رواقا وردّ وفد الرّياح
تارة في خشونة الدّهر تلقا ... هـ وطورا في حسن ذات الوشاح
ملك كلّما بدا نقف الأف ... لاك عجبا به وفرط ارتياح
هكذا هكذا تكون المعالى ... طرق الجدّ غير طرق المزاح
وهي طويلة، كتبتها على طريق الاختيار.
[من رسائل بديع الزمان]
رقعة لبديع الزمان إلى شمس المعالى، وقد ورد حضرته:
لم تزل الآمال- أطال الله بقاء الأمير السيد شمس المعالى، وأدام سلطانه- تعدنى هذا اليوم، والأيام تمطلنى بألسنة صروفها، على اختلاف صنوفها، بين حلو استرقّنى، ومرّ استخفّنى، وشر صار إلىّ، وخير صرت إليه، وأنا في خلال هذه الأحوال أذرع الآفاق فأكون طورا مشرقا للمشرق الأقصى، وطورا مغربا للمغرب، ولا مطمح إلّا حضرته الرفيعة، وسدّته المريعة، ولا وسيلة إلا المنزع الشّاسع، والأمل الواسع؛ وقد صرت- أطال الله بقاء الأمير مولانا- بين أنياب النوائب، وتجشّمت هول الموارد، وركبت أكتاف المكاره، ورضعت أخلاف العوائق، ومسحت أطراف المراحل، حتى حضرت الحضرة البهيّة أو كدت، وبلغت الأمنية أو زدت، وللأمير السيد في الإصغاء إلى المجد، والبسط من عنان الفضل، بتمكين خادمه من المجلس يلقاه بقدمه، والبساط يلثمه بفمه، تفضّله، فله الرأى العالى إن شاء الله.
وله إلى بعض الرؤساء وقد وعد بحضور مجلسه بالغداة وأمره أن يزفّ إليه ما أنشأه، فبعث به وكتب إليه:
مرحبا بسلام الشيخ سيّدى ومولاى أطال الله بقاه، ولا كالمرحب
стр. 398
بطلعته؛ وقد وصلت تحيّته فشكرتها، وعدته الجميلة بالحضور غدا فانتظرتها؛ ودعوت الله أن يطوى ساعات النهار، ويزجّ الشمس في المغار، ويقرّب مسافة الفلك الدّوّار، ويرفع البركة من سيره، ويجهز الحركة إلى دوره؛ ويسرّنى بوفد الظلام وقد نزل، ثم لم يلبث إلّا ريثما رحل؛ وقد بعثت بما طلب سمعا لأمره وطاعة، والنسخة أسقم من أجفان الغضبان، والشيخ سيدى- أدام الله عزّه- يركض قلمه في إصلاحها، وحبّذا هو في غد، وقد طلع كالصبح إذا سطع، والبرق إذا لمع:
يا مرحبا بغد ويا أهلا به ... إن كان إلمام الأحبّة في غد
وله إلى أبى الطيب سهل بن محمد يسأله أن يصله بأبى إبراهيم إسماعيل بن أحمد:
لو كان للكرم عن جناب الشيخ منصرف لانصرفت، أو للأمل منحرف إلى سواه لا نحرفت، أو للنّجح باب سواه لولجت، أو للفضل خاطب غيره لزوّجت، ولكن أبى الله أن يعقد إلا عليه الخنصر، أو يتحلّى إلا بفواضله الدهر، ولا يزال كذا يتّسم المجد بسمته، ويجذب العلاء بهمّته، ويسعد الدين بنظره، والدنيا بجماله، وغلامه أنا لو استعار الدّهر لسانا، واتّخذ الريح ترجمانا، ليشيع إنعامه حق الإشاعة، لقصرت به يد الاستطاعة، فليس إلا أن يلبس مكارمه صافية سابغة، ويرد مشارعه صافية سائغة، ويحيل الجزاء على يد قصور، والشكر على لسان قصير؛ ثم إنّ حاجاتى، إذا لم يعر من قلائد المجد نحرها، ولم يعطل من حلى المجد صدرها، كبر مهرها، وعزّ كفؤها، ولم أجد لها إلا واحدا أخضر الجلدة فى بيت العرب، أو ماجدا يملأ الدّلو إلى عقد الكرب «١» . وهذه حاجة أنا أزفّها إلى الشيخ الإمام حرص الله مهجته، وأسوقها منظومة من الصّدر إلى العجز، كما يساق الماء إلى الأرض الجرز «٢» ؛ وأنا من مفتتح اليوم إلى مختتمه، ومن
стр. 399
قرن النهار إلى قدمه، قاعد كالكركىّ «١» ، أو الديك الهندى، فى هذا الأدحىّ «٢» ، يمرّ بى أولو الحلى والحلل، ويجتاز ذوو الخيل والخول «٣» ، وما أنا والنّظر إلى مالا يلينى، والسؤال عما لا يعنينى، واليوم، لما افتضضنا عذرة الصباح، ملأت جفونى من منظر ما أحوجه إلى عيب يصرف عين كماله، عن جماله، فقلت لمن حضر: من هذا؟ فأخذوا يحرّكون الرءوس استظرافا لحالى، ويتغامزون تعجّبا من سؤالى، وقالوا: هذا الشيخ الفاضل أبو إبراهيم إسماعيل بن أحمد، فقلت:
حرس الله مهجته، وأدام غبطته؛ فكيف الوصول إلى خدمته، وأنّى مأتى معرفته؟ قالوا: إن الشيخ الإمام- أدام الله تأييده- يضرب في مودّته بالقدح المعلّى، ويأخذ في معرفته بالحظّ الاعلى، فإن رأى الشيخ- أطال الله بقاه- أن تجعل عنايته حرف الصلة، وتفضّله لام المعرفة، فعل، إن شاء الله.
[من أخبار البرامكة]
قال الرشيد ليحيى بن خالد: يا أبت، إنى أردت أن أجعل الخاتم الذى في يد الفضل إلى جعفر، وقد احتشمت منه فاكفنيه.
فكتب إليه يحيى: قد أمر أمير المؤمنين- أعلى الله أمره- أن يحوّل الخاتم من يمينك إلى شمالك.
فأجاب الفضل: قد سمعت ما قاله أمير المؤمنين في أخى، وقد اطّلعت على أمره، وما انقلبت عنى نعمة صارت إليه، ولا عزبت «٤» عنى رتبة طلعت عليه.
فقال جعفر: لله أخى! ما أنفس نفسه، وأبين دلائل الفضل عليه، وأقوى منّة العقل فيه، وأوسع في البلاغة ذرعه، وأرحب بها جنابه. يوجب على نفسه ما يجب له، ويحمل بكرمه فوق طاقته.
стр. 400
وذكر جعفر بن يحيى في مجلس ثمامة بن أشرس فقال: ما رأيت أحدا من خلق الله كان أبسط لسانا، ولا ألحن بحجة، ولا أقدر على كلام، بنظم حسن، وألفاظ عذبة، ومنطق فصيح، من جعفر بن يحيى، كان لا يتوقّف، ولا يتحبّس، ولا يصل كلامه بحشو من الكلام، ولا يعبد لفظا ولا معنى، ولا يخرج من فنّ إلى غيره، حتى يبلغ آخر ما فيه؛ وكان لا يرى شيئا إلا حكاه، ولا يحكى شيئا إلا كان أكثر منه، ولا يمرّ بذهنه شىء إلا حفظه، وكان إذا شاء أضحك الثّكلى، وأذهل الزاهد، وخشّن قلب العابد.
قلت: فكيف كانت معرفته؟ قال: كان من أعلم النّاس بالخبر الباهر، والشعر النادر، والمثل السائر، والفصاحة التامة، واللسان البسيط.
قال سهل بن هارون، وذكر يحيى بن خالد وابنه جعفرا، فقال: لو كان الكلام متصوّرا درّا، ويلقيه المنطق جوهرا، لكان كلامهما، والمنتقى من ألفاظهما. ولقد غبرت معهما، وأدركت طبقة المتكلمين في أيامهما، وهم يرون البلاغة لم تستكمل إلا فيهما، ولم تكن مقصورة إلا عليهما، ولا انقادت إلا لهما. وإنهما للباب الكرم، عتق منظر، وجودة مخبر، وسهولة لفظ، وجزالة منطق، ونزاهة نفس، وكمال خصال؛ حتى لو فاخرت الدنيا بقليل أيامهما، والمأثور من خصائصها جميع أيام من سواهما من لدن آدم إلى أن ينفخ في الصور، ويبعث أهل القبور- حاشا أنبياء الله الكرام، وسلف عباده الصالحين- لما باهت إلا بهما، ولا عوّلت في الفخر إلا عليهما، ولقد كانا- مع تهذيب أخلاقهما، ومعسول مذاقهما، وسنا إشراقهما، وكمال الخير فيهما- فى محاسن المأمون كالنّقطة في البحر، والخردل في القفر ووقّع جعفر بن يحيى لرجل اعتذر عنده من ذنب: قد قدمت طاعتك، وظهرت نصيحتك، ولا تغلب سيئة حسنتين.
стр. 401
ووقّع- وقد قرأ كتابا فاستحسن خطّه-: الخطّ خيط الحكمة، ينظم فيه منثورها، ويفصّل فيه شذورها.
واختصم رجلان بحضرته، فقال لأحدهما: أنت خلىّ، وهذا شجىّ؛ فكلامك يجرى على برد العافية، وجوابه يجرى على حرّ المصيبة.
ودخل مروان بن أبى حفصة على جعفر بن يحيى فأنشده:
أبرّ فما ترجو الجياد لحاقه ... أبو الفضل سبّاق الأضاميم جعفر
وزير إذا ناب الخلافة حادث ... أشار بما عنه الخلافة تصدر
فقال جعفر: أنشدنى مرثيتك في معن بن زائدة، فأنشده:
أقمنا باليمامة أو نسينا ... مقاما ما نريد به زوالا
وقلنا: أين نذهب بعد معن ... وقد ذهب النّوال فلا نوالا؟
وكان الناس كلّهم لمعن ... إلى أن زار حفرته- عيالا
حتى فرغ من القصيدة، وجعفر يرسل دموعه على خدّيه، فقال: هل أثابك على هذه المرثية أحد من أهل بيته وولده؟ قال: لا، قال: فلو كان معن حيّا، ثم سمعها منك، كم كان يثيبك عليها؟ قال: أربعمائة دينار، قال: فإنّا كنّا نظنّ أنه لا يرضى لك بذلك، وقد أمرنا لك عن معن- ﵀ بالضّعف مما ظننته، وزدناك مثل ذلك؛ فاقبض من الخازن ألفا وستمائة دينار قبل أن تخزح، فقال مروان- يذكر جعفرا وما سمح به عن معن-:
نفحت مكافئا عن جود معن ... لنا فيما تجود به سجالا
فعجّلت العطية يابن يحيى ... لناد به ولم ترد المطالا
فكافأ عن صدى معن جواد ... بأجود راحة بذلت نوالا
بنى لك خالد وأبوك يحيى ... بناء في المكارم لن ينالا
كأنّ البرمكىّ لكلّ مال ... تجود به يداه يفيد مالا «١»
стр. 402
أخذ هذا من قول زهير:
تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنّك تعطيه الّذى أنت سائله
وهذا البيت لزهير من قصيدة يقول فيها:
وذى نعمة تمّمتها وشكرتها ... وخصم يكاد يغلب الحقّ باطله
دفعت بمعروف من الحقّ صائب ... إذا ما أضسلّ القائلين مفاصله
وذى خطل في القول يحسب أنه ... مصيب فما يلمم به فهو قائله
عبأت له حلما، وأكرمت غيره ... وأعرضت عنه وهو باد مقاتله
وأبيض فيّاض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغبّ نوافله «١»
غدوت عليه غدوة فرأيته ... قعودا لديه بالصّريم عواذله
يفدّينه طورا، وطورا يلمنه ... وأعيا فما يدرين أين مخاتله
فأعرضن عنه عن كريم مرزّا ... جموح على الأمر الذى هو فاعله
أخى ثقة لا يذهب الخمر ماله ... ولكنّه قد يذهب المال نائه
قال أبو الفرج قدامة بن جعفر، فى معنى أبيات زهير الأولى: لما كانت فضائل الناس من حيث هم ناس، لا من طريق ما هم مشتركون فيه مع سائر الحيوان، على ما عليه أهل الألباب من الاتّفاق في ذلك، إنما هي العقل والعفة والعدل والشجاعة، كان القاصد للمدح بهذه الأربعة مصيبا، وبما سواها مخطئا؛ وقد قال زهير:
أخى ثقة لا يتلف الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله
فوصفه بالعفّة لقلة إمعانه في اللذات، وأنه لا ينفد فيها ماله، وبالسّخاء لإهلاك ماله في النوال، وانحرافه إلى ذلك عن اللذات، وذلك هو العدل، ثم قال:
تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنّك تعطيه الذى أنت سائله
стр. 403
فزاد في وصف السخاء بأنه يهشّ ولا يلحقه مضض ولا تكرّه لفعله ثم قال:
فمن مثل حصن في الحروب ومثله ... لإنكار ضيم أو لأمر يحاوله
فأتى في هذا البيت بالوصف من جهة الشجاعة والعقل؛ فاستوفى ضروب المدح الأربعة، التى هي فضائل الإنسان على الحقيقة، وزاد الوفاء، وإن كان داخلا في الأربعة؛ فكثير من الناس لا يعلم وجه دخوله فيها حيث قال «أخى ثقة» فوصفه بالوفاء؛ والوفاء داخل في هذه الفضائل التي قدّ مناها.
وقد يتفنّن الشعراء فيعدّون أنواع الفضائل الأربع وأقسامها، وكلّ ذلك داخل في جملتها؛ مثل أن يذكروا ثقابة المعرفة، والحياء، والبيان، والسياسة، والصّدع بالحجّة، والعلم، والحلم عن سفاهة الجهلة؛ وغير ذلك مما يجرى هذا المجرى، وهو من أقسام العقل. وكذكرهم القناعة، وقلّة الشّره، وطهارة الإزار؛ وغير ذلك أيضا من أقسام العفّة. وكذكرهم الحماية، والأخذ بالثّار، والدفاع، والنّكاية، والمهابة، وقتل الأقران، والسير في المهامه والقفار؛ وما يشاكل ذلك، وهو من أقسام الشجاعة؛ وكذكرهم السماحة، والتغابن، والانظلام، والتبرّع بالنائل، وإجابة السائل، وقرى الأضياف؛ وما جانس هذه الأشياء، وهو من أقسام العدل.
فأمّا تركيب بعضها على بعض فتحدث منها ستة أقسام: يحدث من تركيب العقل مع الشجاعة: الصبر على الملمات، ونوازل الخطوب، والوفاء بالوعود. وعن تركيب العقل مع السخاء: إنجاز الوعد، وما أشبه ذلك. وعن تركيب العقل مع العفة: التنزه والرغبة عن المسألة، والاقتصار على أدنى معيشة، وما أشبه ذلك. وعن تركيب الشجاعة مع السخاء: الإخلاف، والإتلاف، وما أشبه ذلك. وعن تركيب الشجاعة مع العفّة: إنكار الفواحش، والغيرة على الحرم. ومن السخاء مع العفة:
стр. 404
الإسعاف بالقوت، والإيثار على النفس، وما شاكل ذلك. وكل واحدة من هذه الفضائل الأربع وسط بين طرفين مذمومين «١» وقد قال أبو جعفر محمد بن مناذر لما حجّ الرشيد مع البرامكة:
أتانا بنو الأملاك من آل برمك ... فيا طيب أخبار، ويا حسن منظر
لهم رحلة في كلّ عام إلى العدا ... وأخرى إلى البيت العتيق المشهّر
فتظلم بغداد، ويجلو لنا الدّجى ... بمكة ما حجّوا ثلاثة أقمر
إذا نزلوا بطحاء مكة اشرقت ... بيحّيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
فما خلقت إلّا لجود أكفّهم ... وأقدامهم إلّا لأعواد منبر
إذا راض يحيى الأمر ذلّت صعابه ... وحسبك من راع له ومدبّر
ترى الناس إجلالا له وكأنهم ... غرانيق ماء تحت باز مصرصر «٢»
[مثل من التجنيس]
قطعة من شعر الأمير أبى الفضل الميكالى في طرف اخذ بطرف من التجنيس مستطرف في ضروب من الغزل، قال:
لقد راعنى بدر الدّجى بصدوده ... ووكّل أجفانى يرعى كواكبه
فيا جزعى، مهلا عساه يعود لى ... ويا كبدى، صبرا على ما كواك به
وقال:
مواعيده في الفضل أحلام نائم ... أشبّهها بالقفر أو بسرابه
فمن لى بوجه لو تحيّر في الدّجى ... أخو سفر في ليل غيم سرى به
стр. 405
وقال:
صل محبّا أعياه وصف هواه ... فضناه ينوب عن ترجمانه
كلما راقه سواك تصدّت ... مقلتاه بدمعه ترجمانه
وقال:
يا ذا الذى أرسل من طرفه ... علىّ سيفا قدّنى لو فرا
شفاء نفسى منك تخميشة ... تغرس في خدّك نيلوفرا
وقال:
يا مبتلى بضناه يرجو رحمة ... من مالك يشفيه من أوصابه
[أوصاك سحر جفونه بتسهّد ... وتبلّد، فقبلت ما أوصى به]
اصبر على مضض الهوى فلربّما ... تحلو مرارة صبره أوصابه
وقال:
كتبت إليه أستهدى وصالا ... فعلّلنى بوعد في الجواب
ألا ليت الجواب يكون خيرا ... فيطفىء ما أحاط من الجوى بى
وقال:
إن كنت تأنس بالحبيب وقربه ... فاصبر على حكم الرقيب وداره
إنّ الرقيب إذا صبرت لحكمه ... بوّاك في مثوى الحبيب وداره
وقال:
شكوت إليه ما الا في فقال لى: ... رويدا، ففى حكم الهوى أنت موتلى «١»
فلو كان حقا ما ادّعيت من الهوى ... لقلّ بما تلقى إذا أن تموت لى
وقال:
نوى لى بعد إكثار السؤال ... حبيب أن يسامح بالنّوال
فلما رمت إنجازا لوعدى ... عليه أبى الوفاء بما نوى لى
وكان القرب منه شفاء نفسى ... فقد قضت النوائب بالنّوى لى
стр. 406
وقال:
سقيا لدهر مضى والوصل يجمعنا ... ونحن نحكى عناقا شكل تنوين
فصرت إذ علقت كفّى خبائلكم ... فسهم هجرك ترمى ثم تنوينى
وقال:
صدف الحبيب بوصله ... فجفا رقادى إذ صدف
ونثرت لؤلؤ أدمع ... أضحى لها جفنى صدف
وقال:
يا من يقول الشعر غير مهذّب ... ويسومنى التعذيب في تهديبه
لو أنّ كلّ النّاس فيك مساعدى ... لعجزت عن تهذيب ما تهذى به
وقال:
أراد أن يخفى هواه وقد ... نمّ بما تخفى أساريره
وكيف يخفى داءه مدنف ... قد ذاب من فرط الأسى ريره «١»
وقال:
ومهفهف تهفو بل ... بّ المرء منه شمائل
فالرّدف دعص هائل ... والقدّ غصن مائل
والخدّ نور شقائق ... تنشقّ عنه خمائل
والعرف نشر حدائق ... تمّت بهنّ شمائل
والطّرف سيف ماله ... إلا العذار حمائل
ولأبى الفتح البستى في هذا المذهب:
إن لى في الهوى لسانا كتوما ... وجنانا يخفى حريق جواه
غير أنى أخاف دمعى عليه ... ستراه يفشى الذى ستراه
стр. 407
ولأبى الفتح البستى في مذهب هذا البيت الأخير:
ناظراه فيما جنى ناظراه ... أو دعانى أمت بما أودعانى
وله:
خذ العفو وأمر بعرف كما ... أمرت وأعرض عن الجاهلين
ولن في الكلام لكلّ الأنام ... فمستحسن من ذوى الجاه لين
وله:
إلى حتفى سعى قدمى ... أرى قدمى أراق دمى
فما أنفكّ من ندمى ... وليس بنافعى ندمى
وله:
إن هزّ أقلامه يوما ليعملها ... أنساك كلّ كمىّ هرّ عامله
وإن أقرّ على رقّ أنامله ... أقرّ بالرّق كتّاب الأنام له
وقال لمن استدعاه إلى مودّته:
فديتك قلّ الصديق الصّدوق ... وقلّ الخليل الحفىّ الوفى
ولى راغب فيك إمّا وفيت ... فهل راغب أنت في أن تفى
وللأمير أبى الفضل:
أهلا بظبى حواه قصر ... كجنّة قد حوت نعيما
طرقته لا أهاب سوءا ... أباحنى حبّه الحريما
فجاد من فيه لى براح ... تنفى حريقا به قديما
أفدى حريقا أباح ريقا ... لا بل حريما أباح ريما
وله:
من لى بشمل المنى والأنس أجمعه ... بشادن حلّ فيه الحسن أجمعه
стр. 408
مازال يعرض عن وصلى وأخدعه ... فالآن قد لان بعد الصدّ أخدعه «١»
وقال:
بأبى غزل نام عن وصبى به ... ومراق دمعى للنّوى وصبيبه
يا ليته يرثى على ولهى به ... لغرام قلبى في الهوى ولهيبه
وله في هذا الباب من غير هذا النمط يصف غلاما مخمورا خمش وجهه:
هبه تغيّر حائلا عن عهده ... ورمى فؤادى بالصدود فأزعجا
ما بال نرجسه تحوّل وردة ... والورد في خدّيه عاد بنفسجا
وله في هذا المعنى:
وريم على السّكر خمّشته ... بقرص بعارضه أثّرا
فأصح نرجسه وردة ... ووردة خدّيه نيلوفرا
وقال في وصف العذار:
ظبى كسا رأس الشهاب بعارض ... نمّ العذار بحافتيه فلاحا
فكأنما أهدى لعارض خدّه ... شعرى ظلاما واستعاض صباحا
وقال في غلام افتصد:
ومهفهف غرس الجما ... ل نحدّه روضا مريعا
فصد الطبيب ذراعه ... فجرى له دمعى ذريعا
وأمسّنى وقع الحديد ... بعرقه ألما وجيعا
فأريته من عبرتى ... ما سال من دمه نجيعا
فقر في ذكر العلم والعلماء
العلماء ورثة الأنبياء. والعلماء أعلام الإسلام. العلماء في الأرض كالنجوم فى السماء.
стр. 409
ابن المعتز- العلماء غرباء، لكثرة الجهل. وله: العلم جمال لا يخفى، ونسب لا يجفى. وله: زلّة العالم كانكسار سفينة تغرق ويغرق معها خلق كثير.
غيره- إذا زلّ العالم، زلّ بزلّته عالم. غيره: الملوك حكّام على الناس، والعلماء حكام على الملوك. من لم يحتمل ذلّ التعلم ساعة، بقى في ذلّ الجهل أبدا.
ماصين العلم بمثل بذله لاهله. من كتم علما فكأنه جاهله.
العلم يمنع أهله ... أن يمنعوه أهله «١»
ابو الفتح كشاجم:
لا تمنع العلم امرأ ... والعلم يمنع جانبه
أما الغبىّ فليس يفهم ... لطفه وغرائبه
وتكون حاضرة الفوا ... ئد عنده كالغائبه
وأخو الحصافة مستحقّ ... أن ينال مطالبه
فبحقّه أعطيته ... من فضل علمك واجبه
ومن رقّ وجهه عند السؤال، رقّ علمه عند الرجال. علم بلا عمل، كشجرة بلا ثمر. كما لا ينبت المطر الكثير الصّخر، كذلك لا ينفع البليد كثرة التعلم.
من ترفّع بعلمه وضعه الله بعمله. الجاهل صغير وإن كان كبيرا، والعالم كبير وإن كان صغيرا. من أكثر مذاكرة العلماء، لم ينس ما علم، واستفاد ما لم يعلم.
ابن المعتز: المتواضع في طلاب العلم أكثرهم علما، كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماء. إذا علمت فلا تذكر من دونك من الجهال، واذكر من فوقك من العلماء. النار لا ينقصها ما أخذ منها، ولكن ينقصها ألّا تجد حطبا، كذلك العلم لا يفنيه الاقتباس منه، وفقد الحاملين له سبب عدمه.
стр. 410
مات خزنة الأموال وهم أحياء، وعاش خزّان العلم وهم أموات. مثل علم لا ينفع ككنز لا ينفق منه. أزهد الناس في عالم جيرانه.
وقيل للصّلت بن عطاء، وكان مقدّما عند البرامكة: كيف غلبت عليهم وعندهم من هو آدب منك؟ قال: ليس للقرباء طرافة الغرباء، وكنت امرأ بعيد الدار، نائى المزار، غريب الاسم، قليل الجرم، كثير الالتواء، شحيحا بالإملاء؛ فرغّبهم فىّ رغبتى عنهم، وزهّدنى فيهم رغبتهم فىّ.
علم لا يعبر معك الوادى، لا يعمر بك النادى. لو سكت من لا يعلم لسقط الاختلاف. إذا ازدحم الجواب خفى الصواب. الغلط تحت اللّغط. خرق الإجماع خرق. المحجوج بكلّ شىء ينطق
استعارات فقهية تليق بهذا المكان
دخل أبو تمام الطائى على أحمد بن أبى داود في مجلس حكمه، وأنشده أبياتا يستمطر نائله، وينشر فضائله، فقال: سيأتيك ثوابها يا أبا تمام، ثم اشتغل بتوقيعات في يده؛ فأحفظ ذلك أبا تمام، فقال: احضر أيدك الله فإنك غائب، واجتمع فإنك مفترق، ثم أنشده:
إنّ حراما قبول مدحتنا ... وترك ما نرتجى من الصّفد
كما الدنانير والدراهم في ال ... صّرف حرام إلا يدا بيد
فأمر بتوفير حبائه، وتعجيل عطائه.
ولما ولى طاهر بن عبد الله بن طاهر خراسان دخل الشعراء يهنئونه، وفيهم تمام بن أبى تمام فأنشده:
هنّاك ربّ الناس هنّاكا ... مامن جزيل الملك اعطاكا
قرّت بما أعطيت يا ذا الحجى ... والبأس والإنعام عيناكا
أشرقت الأرض بما نلته ... وأورق العود بجدواكا
فاستضعف الجماعة شعره، وقالوا: يا بعد ما بينه وبين ابيه! فقال طاهر
стр. 411
لبعض الشعراء: أجبه، فقال:
حيّاك ربّ الناس حيّاكا ... إن الذى أمّلت أخطاكا
فقلت قولا فيه ما زانه ... ولو رأى مدحا لآساكا
فهاك إن شئت بها مدحة ... مثل الذى أعطيت أعطاكا
فقال تمام: أعز الله الأمير، وإنّ الشّعر بالشعر ربا، فاجعل بينهما صنجا من الدراهم، حتى يحلّ لى ولك! فضحك وقال: إلا يكن معه شعر أبيه، فمعه ظرف أبيه؛ أعطوه ثلاثة آلاف درهم! فقال عبد الله بن إسحاق: لو «١» لم يعط إلا لقول أبيه في الأمير أبى العباس- ﵀ يريد عبد الله بن طاهر:
يقول في قومس صحبى وقد أخذت ... منّا السّرى وخطا المهريّة القود:
أمطلع الشمس تبغى أن تؤمّ بنا؟ ... فقلت: كلا، ولكن مطلع الجود
فقال: ويعطى بهذا ثلاثة آلاف.
[ولاية طاهر بن عبد الله بن طاهر خراسان، وسببها]
وكان سبب ولاية طاهر خراسان بعد أبيه ما حدّث به أبو العيناء قال:
كنا عند أحمد بن دواد، فجاء الخبر أن الكتب وردت على الواثق من خراسان بوفاة عبد الله بن طاهر، وأن الواثق يعزّى عنه، وأنه قد ولّى مكانه خراسان إسحاق ابن إبراهيم، وكان عدوّا له لا نخراطه في سلك ابن الزيات؛ فلبس ثيابه ومضى، وقال: لا تبرحوا حتى أعود إليكم؛ فلبث قليلا، ثم عاد إلينا فحدّثنا أنه دخل على الواثق فعزّاه عن عبد الله وجلس، قال: فقال لى الواثق: قد ولّينا إسحاق خراسان، فما عندك؟ قلت: وفق الله أمير المؤمنين ولا نذمّه. قال: قل ما عندك فى هذا. قلت: أمر قد أمضى، فما عسيت أن أقول فيه. قال: لتفعلنّ. فقلت:
يا أمير المؤمنين، خراسان منذ ثلاثين سنة فى يد طاهر وابنه، وكلّ من بها صنائعهم، وقد خلّف عبد الله عشر بنين أكثرهم رجال، وجميع جيش خراسان
стр. 412
لهم عبيد أو موال أو صنائع، وسيقولون: أما كان فينا مصطنع؟ وكان يجب أن يجرّبنا أمير المؤمنين، فإن وفينا بما كان يفى به أبونا وجدّنا، وإلّا استبدل منا بعد عذر فينا؛ ويقدم خراسان إسحاق وهو رجل غريب فينافسه هؤلاء، ويتعصّب أهلها لهم؛ فينتقض ما أبرم، ويفسد ما أصلح قال: صدقت يا أبا عبد الله، والرأى ما قلت، اكتبوا بعهد طاهر بن عبد الله على خراسان. فكتبت كتب طاهر، وخرقت كتب إسحاق، فخرجت الزنج تطير بها، ثم لقينى إسحاق داخلا، فقلت: يا أبا الحسن، لا عدمت عداوة رجل أزال عنك ولاية خراسان بكلمة.
ومدح ابن الرومى أبا العباس بن ثوابة، فعارضه أخوه أبو الحسن بقصيدة يمدح أخاه بها، فقال ابن الرومى:
أليس القوافى بنات الفتى ... إذا صورة الحقّ لم تمسخ
فلا تقبلنّ أماديحه ... حرام نكاح بنات الأخ
ولما أنشد أبو تمام قصيدته في المعتصم:
السيف أصدق أنباء من الكتب
قال له: لقد جلوت عروسك يا أبا تمام فأحسنت جلاءها. قال: يا أمير المؤمنين، والله لو كانت من الحور العين لكان حسن إصغائك إليها من أوفى مهورها.
وقال الأمير أبو الفضل الميكالى:
أقول لشادن في الحسن أضحى ... يصيد بلحظه قلب الكمىّ
ملكت الحسن أجمع في قوام ... فأدّ زكاة منظرك البهىّ
وذلك أن تجود لمستهام ... بريق من مقبّلك الشّهىّ
فقال: أبو حنيفة لى إمام ... فعندى لا زكاة على الصّبىّ
وربما أنشد هذه الأبيات على قافية أخرى فقال:
أقول لشادن في الحسن فرد ... يصيد بلحظه قلب الجليد
стр. 413
ملكت الحسن أجمع في قوام ... فلا تمنع وجوبا عن وجود
وذلك أن تجود لمستهام ... برشف رضابك العذب البرود
فقال: أبو حنيفة لى إمام ... فعندى لا زكاة على الوليد
وقال:
بنفسى غزال صار للحسن قبلة ... يحجّ من البيت العتيق ويقصد
دعانى الهوى فيه فلبّيت طائعا ... وأحرمت بالإخلاص والسّعى يشهد
فطرفى بالتسهيد والدّمع قارن ... وقلبى عليه بالصبابة مفرد
وقال أبو الفتح كشاجم:
فديت زائرة في العيد واصلة ... والهجر في غفلة من ذلك الخبر
فلم يزل خدّها ركنا أطوف به ... والخل في خدّها يغنى عن الحجر
وينضاف إلى هذا النظم قطعة من رسالة طويلة كتبها بديع الزمان إلى أبى نصر بن المرزبان:
كتابى أطال الله بقاء الشيخ وأنا سالم، والحمد لله رب العالمين، كيف تقلّب الشيخ في درع العافية، وأحواله بتلك الناحية؛ فإنى ببعده منغّص شرعة العيش، مقصوص أجنحة الأنس. ورد كتابه المشتمل من خبر سلامته، على ما أرغب إلى الله في إدامته، وسكنت إليه بعد انزعاجى لتأخّره؛ وقد كان رسم أن أعرّفه سبب خروجى من جرجان، ووقوعى بخراسان، وسبب غضب السلطان؛ وقد كانت القصة أنى لما وردت من ذلك السلطان حضرته، التى هي كعبة المحتاج، لا كعبة الحجّاج، ومستقرّ الكرم، لا مشعر الحرم، وقبلة الصّلات، لا قبلة الصلاة، ومنى الضّيف، لا منى الخيف، وجدت بها ندماء من نبات العام «١» ، اجتمعوا
стр. 414
قيضة كلب «١» على تلفيق خطب، أزعجنى عن ذلك الفناء، وأشرف بى على الفناء، لولا ما تدارك الله بجميل صنعه، وحسن دفعه؛ ولا أعلم كيف احتالوا، ولا ما الّذى قالوا؛ وبالجملة غيّروا رأى السلطان، وأشار علىّ إخوانى، بمفارقه مكانى، وبقيت لا أعلم أيمنة أضرب أم شآمة، ونجدا أقصد أم تهامة!
ولو كنت في سلمى أجا وشعابها ... لكان لحجّاج علىّ دليل
وقد علم الشيخ أن ذلك السلطان سماء إذا تغيّم لم يرج صحوه، وماء إذا تغيّر لم يشرب صفوه، وملك إذا سخط لم ينتظر عفوه، وليس بين رضاه والسخط عوجة، كما ليس بين غضبه والسيف فرجة، وليس من وراء سخطه مجاز، كما ليس بين الحياة والموت معه حجاز؛ فهو سيّد يغضبه الجرم الخفىّ، ولا يرضيه العذر الجلى؛ وتكفيه الجناية وهي إرجاف، ثم لا تشفيه العقوبة وهي إجحاف، حتى إنه ليرى الذنب وهو أضيق من ظل الرمح، ويعمى عن العذر وهو أبين من عمود الصّبح؛ وهو ذو أذنين يسمع بهذه القول وهو بهتان، ويحجب عن هذه العذر وله برهان؛ وذو يدين يبسط إحداهما إلى السفك والسفح، ويقبض الأخرى عن العفو والصفح؛ ودو عينين يفتح إحداهما إلى الجرم، ويغمض الأخرى عن الحلم، فمزحه بين القدّ والقطع، وجده بين السيف والنّطع، ومراده بين الظهور والكمون، وأمره بين الكاف والنون؛ ثم لا يعرف من العقاب، غير ضرب الرقاب، ولا يهتدى من التأنيب إلا لإزالة النعم، ولا يعلم من التأديب غير إراقة الدم، ولا يحتمل الهنة على حجم الذرة، ودقة الشعرة، ولا يحلم عن الهفوة، كوزن الهبوة، ولا يغضى عن السقطة، كجرم النقطة؛ ثم إن النقم بين لفظه وقلمه، والأرض تحت يده وقدمه، لا يلقاه الولى إلا بفمه، ولا العدو إلا بدمه؛ والأرواح بين حبسه وإطلاقه، كما أنّ الأجسام بين حله ووثاقه؛ فنظرت فإذا أنا بين
стр. 415
جودين: إما أن أجود ببأسى، وإمّا أن أجود برأسى؛ وبين ركوبين: إمّا المفازة، وإمّا الجنازة؛ وبين طريقين: إما الغربة، وإمّا التربة؛ وبين فراقين: إمّا أن أفارق أرضى، أو أفارق عرضى؛ وبين راحلتين: إمّا ظهور الجمال، وإمّا أعناق الرجال؛ فاخترت السماح بالوطن، على السماح بالبدن؛ وأنشدت:
إذا لم يكن إلّا المنية مركب ... فلا رأى للمحمول إلا ركوبها
ولّد ما ذكر من «كعبة [المحتاج، لا كعبة] الحجّاج» ، من قول أبى تمام:
بيتان حجّههما الأنام؛ فهذه ... حجّ الغنىّ، وتلكم للمعدم
[أبو علىّ البصير وشىء من أدبه]
وشتم بعض الطالبيين أبا علىّ الفضل بن جعفر البصير، فقال أبو علىّ: والله ما نعيا عن جوابك، ولا نعجز عن مسابّك؛ ولكنّا نكون خيرا لنسبك منك، ونحفظ منه ما أضعت؛ فاشكر توفيرنا ما وفّرنا منك، ولا يغرّنّك بالجهل علينا حلمنا عنك.
وسأل أبو على البصير بعض الرؤساء حاجة ولقيه؛ فاعتذر إليه من تأخّرها؛ فقال أبو علىّ: فى شكر ما تقدّم من إحسانك شاغل من استبطاء ما تأخّر منه.
وأبو علىّ أحد من جمع له حظّ البلاغة في الموزون والمنثور، وهو القائل:
ألمّت بنا يوم الرحيل اختلاسة ... فأضرم نيران الهوى النّظر الخلس
تأبّت قليلا وهي ترعد خيفة ... كما تتأبّى حين تعتدل الشمس
فخاطبها صمتى بما أنا مضمر ... وأنبست حتى ليس يسمع لى حسّ
وولّت كما ولى الشباب لطيّة ... طوت دونها كشحا على يأسها النفس
وقال يصف بلاغة الفتح بن خاقان وشعره:
سمعنا بأشعار الملوك؛ فكلّها ... إذا عضّ متنيه الثّقاف تأوّدا
سوى ما رأينا لامرئ القيس؛ إننا ... نراه- متى لم يشعر الفتح- أوحدا
стр. 416
أقام زمانا يسمع القول صامتا ... ونحسبه إن رام أكدى وأصلدا
[فلما امتطاه راكبا ذلّ صعبه ... وسار فأضحى قد أغار وأنجدا]
والفتح بن خاقان يقول:
وإنى وإياها لكالخمر، والفتى ... متى يستطع منها الزيادة يزدد
إذا ازددت منها زاد وجدى بقربها ... فكيف احتراسى من هوى متجدّد
وكتب إلى أبى الحسن عبيد الله بن يحيى: وإن أمير المؤمنين لمّا استخلصك لنفسه، وائتمنك على رعيّته؛ فنطق بلسانك، وأخذ وأعطى بيدك، وأورد وأصدر عن رأيك، وكان تفويضه إليك بعد امتحانه إياك، وتسليطه الحقّ على الهوى فيك، وبعد أن مثّل بينك وبين الذين سموا لمرتبتك، وجروا إلى غايتك، فأسقطهم مضاؤك، وخفّوا في ميزانك، ولم يزدك- أكرمك الله- رفعة وتشريفا إلّا ازددت له هيبة وتعظيما، ولا تسليطا وتمكينا، إلا زدت نفسك عن الدنيا عزوفا وتنزيها، ولا تقريبا واختصاصا، إلا ازددت بالعامة رأفة وعليها حدبا، لا يخرجك فرط النصح له عن النظر لرعيّته، ولا إيثار حقّه عن الأخذ بحقّها عنده، ولا القيام بما هو له عن تضمين ما هو عليه، ولا يشغلك معاناة كبار الأمور عن تفقّد صغارها، ولا الجدّ في صلاح ما يصلح منها عن النظر في عواقبها؛ تمضى ما كان الرّشد في إمضائه، وترجىء ما كان الحزم في إرجائه، وتبذل ما كان الفضل في بذله، وتمنع ما كانت المصلحة في منعه، وتلين في غير تكبّر، وتخصّ في خير ميل، وتعمّ في غير تصنّع، لا يشقى بك المحقّ وإن كان عدوّا، ولا يسعد بك المبطل وإن كان وليّا؛ فالسلطان يعتدّ لك من الغناء والكفاية، والذّبّ والحياطة، والنّصح والأمانة، والعفّة والنزاهة، والنصب فيما أدّى إلى الراحة، بما يراك معه- حيث انتهى إحسانه إليك- مستوجبا للزيادة وكافة الرعية- إلا من غمط منهم النّعمة- مثنون عليك بحسن السيرة، ويمن النقيبة، ويعدّون من مآثرك أنك لم تدحض لأحد حجّة؛ ولم تدفع حقّا
стр. 417
لشبهة؛ وهذا يسير من كثير، لو قصدنا لتفصيله، لأنفدنا الزمان قبل تحصيله، ثم كان قصدنا الوقوف دون الغاية منه وله إلى عبيد الله بن يحيى: يقطعنى عن الأخذ بحظّى من لقائك، وتعريفك ما أنا عليه عن شكر إنعامك، وإفرادى إياك بالتأميل دون غيرك، نخلفى عن منزلة الخاصّة، ورغبتى عن الحلول محلّ العامة، وأنى لست معتادا للخدمة ولا الملازمة، ولا قويّا على المغاداة والمراوحة؛ فلا يمنعك ارتفاع قدرك، وعلو أمرك، وما تعانيه من جلائل الأحوال الشاغلة، من أن تتطوّل بتجديد ذكرى، والإصغاء إلى من يحضّك على وصلى وبرّى، ويزغبك في إسداء حسن الصنيعة عندى.
وله إليه آخر فصل من كتاب: وأنا أسأل الله الذى رحم العباد بك، على حين افتقار منهم إليك، أن يعيذهم من فقدك، ولا يعبدهم إلى المكاره التي استنقذتهم منها بيدك.
[بعض ما يبعث على الرحيل]
ولقى رجل رجلا خارجا من مصر يريد المغرب، فقال: يا أخى؛ أتتّبع القطر، وتدع مجرى السيول؟ فقال: أخرجنى من مصر حقّ مضاع، وشحّ مطاع، وإقتار الكريم، وحركة اللئيم، وتغيّر الصديق، بين السعة والضّيق، والهرب إلى النّزر بالعز، خير من طلب الوفر بذلّ العجز.
[من الوصايا لمن اعتزم السفر]
وأوصى بعض الحكماء صديقا له، وقد أراد سفرا، فقال: إنك تدخل بلدا لا يعرفك أهله؛ فتمسّك بوصيتى تنفق بها فيه: عليك بحسن الشمائل فإنها تدلّ على الحرية؛ ونقاء الأطراف فإنها تشهد بالملوكية؛ ونظافة البرّة فإنها تنبىء عن النّشء في النّعمة؛ وطيب الرائحة فإنها تظهر المروءة، والأدب الجميل فإنه يكسب المحبة، وليكن عقلك دون دينك، وقولك دون فعلك، ولباسك دون
стр. 418
قدرك، والزم الحياء والأنفة؛ فإنك إن استحييت من الغضاضة اجتنبت الخساسة، وإن أنفت عن الغلبة، لم يتقدمك نظير في مرتبة.
قال الأصمعى: سمعت أعرابيا يوصى آخر أراد سفرا؛ فقال: آثر بعملك معادك، ولا تدع لشهوتك رشادك، وليكن عقلك وزيرك الذى يدعوك إلى الهدى، ويجنّبك من الرّدى، واحبس هواك عن الفواحش، وأطلقه في المكارم؛ فإنك تبرّ بذلك سلفك، وتشيد به شرفك.
وأوصت أعرابية ابنها في سفر، فقالت: يا بنى؛ إنك تجاور الغرباء، وترحل عن الأصدقاء، ولعلّك لا تلقى غير الأعداء؛ فخالط الناس بجميل البشر، واتّق الله في العلانية والسرّ.
وقال بعض الملوك لحكيم وقد أراد سفرا: قفنى على أشياء من حكمتك أعمل بها في سفرى؛ فقال:
اجعل تأنيك أمام عجلتك، وحلمك رسول شدّتك، وعفوك مالك قدرتك، وأنا ضامن لك قلوب رعيّتك، مالم تحرجهم بالشدة عليهم، أو تبطرهم بالإحسان إليهم.
وقال أبان بن تغلب: شهدت أعرابية توصى ولدا لها أراد سفرا وهي تقول:
أبى بنى! اجلس أمنحك وصيتى، وبالله توفيقك، قال أبان: فوقفت مستمعا لكلامها، مستحسنا لوصيّتها، فإذا هي تقول: أى بنى! إياك والنّميمة، فإنها تزرع الضغينة، وتفرّق بين المحّبين، وإياك والتعرض للعيوب فتتّخذ غرضا، وخليق ألّا يثبت الغرض على كثرة السهام؛ وقلّما اعتورت السهام غرضا إلّا كلمته، حتى يهى ما اشتدّ من قوّته؛ وإياك والجود بدينك، والبخل بمالك؛ وإذا هززت فاهزز كريما يلن لمهزّتك؛ ولا تهزز اللئيم فإنه صخرة لا يتفجّر ماؤها، ومثّل بنفسك مثال ما استحسنت من غيرك فاعمل به، وما استقبحت من غيرك فاجتنبه؛ فإن المرء لا يرى عيب نفسه؛ ومن كانت مودّته بشره، وخالف منه ذلك فعله، كان صديقه منه على مثل الريح في تصرّفها.
стр. 419
ثم أمسكت، فدنوت منها، فقلت لها: بالله يا أعرابية، إلّا ما زدته في الوصية؛ قالت: أو قد أعجبك كلام العرب يا حضرى؟ قلت: نعم! قالت:
الغدر أقبح ما تعامل به الناس بينهم، ومن جمع الحلم والسخاء فقد أجاد الحلّة ريطتها وسربالها.
فقر في مدح السفر
أبو القاسم بن عباد الصاحب: الخبر المنقول أنّ المقبوض غريبا شهيد.
وفي الحديث: سافروا تغنموا. السفر أحد أسباب العيش التي بها قوامه، وعليها نظامه. إنّ الله لم يجمع منافع الدنيا في الأرض؛ بل فرّقها وأحوج بعضها إلى بعض. المسافر يسمع العجائب، ويكسب التجارب، ويجلب المكاسب.
الأسفار مما تزيدك علما بقدرة الله وحكمته، وتدعوك إلى شكر نعمته. ليس بينك وبين بلد نسب؛ فخير البلاد ما حملك. السفر يسفر عن أخلاق الرجال.
أوحش أهلك إذا كان في إيحاشهم أنسك، واهجر وطنك إذا نبت عنه نفسك.
ربما أسفر السفر عن الظّفر، وتعذّر في الوطن قضاء الوطر، وأنشد:
ليس ارتحالك تزتاد الغنى سفرا ... بل المقام على خسف هو السفر
وهذا كقول الطائى:
وما القفر بالبيد الفضاء، بل التى ... نبت بى وفيها ساكنوها هي القفر
أخذه المتنبى فقال:
إذا ترحّلت عن قوم وقد قدروا ... ألّا تفارقهم فالرّاحلون هم
نقيض ذلك في ذم السفر والغربة
فى الحديث إن المسافر وماله لعلى، قلت: إلّا ما وقى الله، أى على هلاك.
شيئان لا يعرفهما إلا من ابتلى بهما: السفر الشاسع، والبناء الواسع. السفر والسّقم والقتال ثلاث متقاربة؛ فالسفر سفينة الأذى، والسّقم حريق الجسد،
стр. 420
والقتال منبت المنايا. إذا كنت في غير بلدك فلا تنس نصيبك من الذّل. الغربة كربة. النّقلة مثلة. الغريب كالغرس الذى زايل أرضه، وفقد شربه؛ فهو ذاو لا يثّمر، وذابل لا ينضر الغريب كالوحش النائى عن وطنه؛ فهو لكل سبع فريسة، ولكل رام رميّة؛ وأنشد:
لقرب الدار في الإقتار خير ... من العيش الموسّع في اغتراب
وقال أبو الفتح البستى:
لا يعدم المرء شيئا يستعين به ... ومنعه بين أهليه وأصحابه
ومن نأى عنهم قلّت مهابته ... كالليث يحقر لمّا غاب عن غابه
[العزل والإبعاد والحجب بعد التقريب والمؤانسة]
كتب أبو عبيد الله إلى المهدى بعد عزله إياه عن الدواوين: لم ينكر أمير المؤمنين حالى في قرب المؤانسة وخصوص الخلطة، وحالى عنده قبل ذلك في قيامى بواجب خدمته، التى أذنتنى من نعمته، فلم أبدّل- أعزّ الله أمير المؤمنين- حال التبعيد، ويقرّب في محل الإقصاء، وما يعلم الله منى فيما قلت إلّا ما علمه أمير المؤمنين، فإن رأى أكرمه الله أن يعارض قولى بعلمه بدءا وعاقبة فعل إن شاء الله.
فلما قرأ كتابه شهد بتصديقه قلبه، فقال: ظلمنا أبا عبيد الله، فيردّ إلى حاله، ويعلم ما تجدّد له من حسن رأيى فيه.
ولما أمر المأمون أن يحجب عنه الفضل بن الربيع لسبب تألّم قلبه منه كتب إليه:
يا أمير المؤمنين! لم ينسنى التقريب حالى أيام التبعيد، ولا أغفلتنى المؤانسة عن شكر الابتداء؛ فعلى أىّ الحالين أبعد من أمير المؤمنين، ويلحقنى ذمّ التقصير في واجب خدمته؟ وأمير المؤمنين أعدل شهودى على الصّدق فيما وصفت؛ فإن رأى أمير المؤمنين ألا يكنم شهادتى فعل إن شاء الله.
وقال أبو جعفر المنصور لأبى مسلم حين أزمع قتله: هل كنت قبل قيامك بدولتنا جائز الأمر على عبدين؟ قال: لا، يا أمير المؤمنين. قال: فلم لم تعرض
стр. 421
حالى عسرتك ومهانتك على أيامنا، وتعرف لنا ما يعرف غيرك من إجلالنا وإعظامنا، حتى لا ينازعك الحين عنان الطمأنينة؟ قال: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين: ولكنّ الزمان وإساءته قلبا ما كان من حسن صنيعتى، قال: فلا مرغوب فيك، ولا مأسوف عليك، وفي الله خلف منك! وأمر بقتله «١»
جملة من شعر أبى الفتح كشاجم في لأوصاف
قال يصف أجزاء من القرآن:
من يتب خشية العقاب فإنى ... تبت أنسا بهذه الأجزاء
بعثتنى على القراءة والنّس ... ك وما خلتنى من القرّاء
حين جاءت تروقنى باعتدال ... من قدود وصيغة واستواء
سبعة أشبهت لى السبعة الأن ... جم ذات الأنوار والأضواء «٢»
كسيت من أديمها الحالك اللّو ... ن «٣» غشاء أحبب به من غشاء
مشبها صبغة الشّباب ولمّا ... ت العذارى ولبسة الخطباء
ورأت أنها تحسن بالضدّ ... فتاهت بحلية بيضاء
فهى مسودّة الظهور، وفيها ... نور حقّ يجلود جى الظّلماء
مطبقات على صحائف كالرّيط ... تخيّرنّ من مسوك الظباء «٤»
وكأنّ الخطوط فيها رياض ... شاكرات صنيعة الأنواء
وكأنّ البياض والنّقط السّو ... د عبير رششته في ملاء
وكأن العشور والذّهب السا ... طع فيها كواكب في سماء
стр. 422
وهي مشكولة بعدّة أشكا ... ل ومقروءة على أنحاء
فإذا شئت كان حمزة فيها ... وإذا شئت كان فيها الكسائى
خضرة في خلال حمر وصفر ... بين تلك الأضعاف والأثناء
مثل ما أثّر الدّبيب من الذّرّ ... على جلد بضّة عذراء «١»
ضمّنت محكم الكتاب كتاب الله ... ذى المكرمات والآلاء
فحقيق علىّ أن أتلو القر ... آن فيهنّ مصبحى ومسائى
وقال يصف التخت الذى يضرب عليه حساب الهند:
وقلم مداده تراب ... فى صحف سطورها حساب
يكثر فيها المحو والإضراب ... من غير أن يسوّد الكتاب
حتى يبين الحقّ والصواب ... وليس إعجام ولا إعراب
فيه ولا شكّ ولا ارتياب
وقال يصف بركارا استهداه: «٢»
جدلى ببركارك الذى صنعت ... فيه يدا قينه «٣» الأعاجيبا
ملتئم الشّعبتين «٤» معتدل ... ماشين من جانب ولا عيبا
شخصان في شكل واحد قدرا ... وركّبا بالعقول تركييا
أشبه شيئين في اشتكالهما «٥» ... بصاحب لا يزال مصحوبا
أوثق مسماره وغيّب عن ... نواظر الناقدين تغييبا
فعين من يجتليه يحسبه ... فى قالب الإعتدال مصبوبا
قد ضمّ قطريه «٦» محكما لهما ... ضمّ محبّ إليه محبوبا
يزداد حرصا عليه مبصره ... ما زاده بالبنان تقليبا
стр. 423
ذو مقلة بصّرته مذهبه «١» ... لم تأله رقّة وتهذيبا
ينظر فيها إلى الصواب فما ... بها يزال الصواب مطلوبا
لولاه ما صحّ خطّ دائرة «٢» ... ولا وجدنا الحساب محسوبا
[الحق فيه فإن عدلت إلى ... سواه كان الحساب تقريبا]
لو عين إقليدس به بصرت ... خرّ له بالسجود مكبوبا
فابعثه واجنبه لى بمسطرة ... تلف الهوى بالثناء مجنوبا
وقال يصف بيكاتا «٣» :
روح من الماء في جسم من الصّفر ... مولّد بلطيف الحسّ والنظر
مستعبر لم يغب عن طرفه سكن ... ولم يبت من ذوى ضغن على حذر
له على الظهر أجفان محجّرة ... ومقلة دمعها جار على قدر
تنشا له حركات من أسافله ... كأنها حركات الماء في الشجر
وفي أعاليه حسبان يفصّله ... للناظرين بلا ذهن ولا فكر
إذا بكى دار فى أحشائه فلك ... خافى المسير وإن لم يبك لم يدر
مثرجم عن مواقيت يخبّرنا ... بها فيوجد فيها صادق الخبر
تقضى به الخمس في وقت الوجوب وإن ... غطّي على الشمس ستر الغيم والمطر
وإن سهرت لأوقات تؤرّقنى ... عرفت مقدار ما ألقى من السّهر
محدّد كلّ ميقات تخيّره ... ذوو التّخيّر للأسفار والحضر
ومخرج لك بالأجزاء ألطفها ... من النهار وقوس الليل والسّحر
نتيجة العلم والتفكير صورته ... يا حبّذا أبدع الأفكار في الصور
стр. 424
وقال يصف اسطرلابا:
ومستدير كجرم البدر مسطوح ... عن كلّ رافعة الأشكال مصفوح
صلب يدار على قطب يثّبته ... تمثال طرف بشكر الحذق مكبوح
ملء البنان وقد أوفت صفائحه ... على الأقاليم من أقطارها الفيح «١»
تلفى به السبعة الأفلاك محدقة ... بالماء والنار والأرضين والريح
تنبيك عن طائح الأبراج هيئته ... بالشمس طورا، وطورا بالمصابيح
وإن مضت ساعة أو بعض ثانية ... عرفت ذاك بعلم فيه مشروح
وإن تعرّض في وقت يقدره ... لك التشكك جلّاه بتصحيح
مميز في قياسات الضلوع به ... بين المشائم منها والمناجيح
له على الظهر عينا حكمة بهما ... يحوى الضياء وتنجيه من اللوح
وفي الدواوين من أشكاله حكم ... تنقّح العقل فيها أىّ تنقيح
لا يستقلّ لما فيه بمعرفة ... إلّا الحصيف اللطيف الحسّ والرّوح
حتى ترى الغيب فيه وهو مغلق ... الأبواب عمن سواه جدّ مفتوح
نتيجة الذهن والتفكير صوّره ... ذوو العقول الصحيحات المراجيح
وكان أبو شجاع فناخسرو عضد الدولة قد نكب أبا إسحاق الصابى، على تقدمه في الكتابة، ومكانه في البلاغة، واستصفى أمواله من غير إيقاع به في نفسه، فأهدى إليه في يوم مهرجان اسطرلابا في دور الدرهم، وكتب إليه:
أهدى إليك بنو الحاجات واحتشدوا ... فى مهرجان عظيم أنت تعليه
стр. 425
لكنّ عبدك إبراهيم حين رأى ... سموّ قدرك عن شىء يساميه
لم يرض بالأرض يهديها إليك، فقد ... أهدى لك الفلك الأعلى بما فيه
[من أوصاف النساء]
وقول أبى الفتح: «ملء البنان...... البيت» نظير قول على ابن العباس الرومى يصف هن امرأة «١» :
يسع السبعة الأقاليم طرّا ... وهو في أصبعين من إقليم
كضمير الفؤاد يلتهم الدنيا ... وتحويه دفّتا حيزوم
وإنما أخذه ابن الرومى من قول بعض الشعراء يذكر كاتبا
فى كفه أخرس ذو منطق ... بقافه واللام والميم
شبر إذا قيس، ولكنه ... فى فعله مثل الأقاليم
محذّف الرّأس ومسودّه ... كإبرة الرّوق من الرّيم «٢»
وهذا البيت الأخير مقلوب من قول عدى بن الرقاع العاملى، وقد وصف قرن ريم، وشبهه بقلم عليه مداد، وذكر ظبية.
ترجى أغنّ كأنّ إبرة روقه ... قلم أصاب من الدّواة مدادها
وقلب المعنى إذا تمكن الشاعر من إخفائه لا يجرى مجرى السرقة.
وقد ترى تكثير الشعراء من تشبيه أوراك النسوان بالرّمل والكثبان، قال الشاعر:
وبيض نضيرات الوجوه كأنما ... تازّرن دون الأزر رملات عالج
خدال الشّوى لا تحتشى غير خلقها ... إذا الرّسح لم يصبرن دون المنافج «٣»
следующие страницы →