Полный текст (1 141 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
حالى عسرتك ومهانتك على أيامنا، وتعرف لنا ما يعرف غيرك من إجلالنا وإعظامنا، حتى لا ينازعك الحين عنان الطمأنينة؟ قال: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين: ولكنّ الزمان وإساءته قلبا ما كان من حسن صنيعتى، قال: فلا مرغوب فيك، ولا مأسوف عليك، وفي الله خلف منك! وأمر بقتله «١»
جملة من شعر أبى الفتح كشاجم في لأوصاف
قال يصف أجزاء من القرآن:
من يتب خشية العقاب فإنى ... تبت أنسا بهذه الأجزاء
بعثتنى على القراءة والنّس ... ك وما خلتنى من القرّاء
حين جاءت تروقنى باعتدال ... من قدود وصيغة واستواء
سبعة أشبهت لى السبعة الأن ... جم ذات الأنوار والأضواء «٢»
كسيت من أديمها الحالك اللّو ... ن «٣» غشاء أحبب به من غشاء
مشبها صبغة الشّباب ولمّا ... ت العذارى ولبسة الخطباء
ورأت أنها تحسن بالضدّ ... فتاهت بحلية بيضاء
فهى مسودّة الظهور، وفيها ... نور حقّ يجلود جى الظّلماء
مطبقات على صحائف كالرّيط ... تخيّرنّ من مسوك الظباء «٤»
وكأنّ الخطوط فيها رياض ... شاكرات صنيعة الأنواء
وكأنّ البياض والنّقط السّو ... د عبير رششته في ملاء
وكأن العشور والذّهب السا ... طع فيها كواكب في سماء
стр. 422
وهي مشكولة بعدّة أشكا ... ل ومقروءة على أنحاء
فإذا شئت كان حمزة فيها ... وإذا شئت كان فيها الكسائى
خضرة في خلال حمر وصفر ... بين تلك الأضعاف والأثناء
مثل ما أثّر الدّبيب من الذّرّ ... على جلد بضّة عذراء «١»
ضمّنت محكم الكتاب كتاب الله ... ذى المكرمات والآلاء
فحقيق علىّ أن أتلو القر ... آن فيهنّ مصبحى ومسائى
وقال يصف التخت الذى يضرب عليه حساب الهند:
وقلم مداده تراب ... فى صحف سطورها حساب
يكثر فيها المحو والإضراب ... من غير أن يسوّد الكتاب
حتى يبين الحقّ والصواب ... وليس إعجام ولا إعراب
فيه ولا شكّ ولا ارتياب
وقال يصف بركارا استهداه: «٢»
جدلى ببركارك الذى صنعت ... فيه يدا قينه «٣» الأعاجيبا
ملتئم الشّعبتين «٤» معتدل ... ماشين من جانب ولا عيبا
شخصان في شكل واحد قدرا ... وركّبا بالعقول تركييا
أشبه شيئين في اشتكالهما «٥» ... بصاحب لا يزال مصحوبا
أوثق مسماره وغيّب عن ... نواظر الناقدين تغييبا
فعين من يجتليه يحسبه ... فى قالب الإعتدال مصبوبا
قد ضمّ قطريه «٦» محكما لهما ... ضمّ محبّ إليه محبوبا
يزداد حرصا عليه مبصره ... ما زاده بالبنان تقليبا
стр. 423
ذو مقلة بصّرته مذهبه «١» ... لم تأله رقّة وتهذيبا
ينظر فيها إلى الصواب فما ... بها يزال الصواب مطلوبا
لولاه ما صحّ خطّ دائرة «٢» ... ولا وجدنا الحساب محسوبا
[الحق فيه فإن عدلت إلى ... سواه كان الحساب تقريبا]
لو عين إقليدس به بصرت ... خرّ له بالسجود مكبوبا
فابعثه واجنبه لى بمسطرة ... تلف الهوى بالثناء مجنوبا
وقال يصف بيكاتا «٣» :
روح من الماء في جسم من الصّفر ... مولّد بلطيف الحسّ والنظر
مستعبر لم يغب عن طرفه سكن ... ولم يبت من ذوى ضغن على حذر
له على الظهر أجفان محجّرة ... ومقلة دمعها جار على قدر
تنشا له حركات من أسافله ... كأنها حركات الماء في الشجر
وفي أعاليه حسبان يفصّله ... للناظرين بلا ذهن ولا فكر
إذا بكى دار فى أحشائه فلك ... خافى المسير وإن لم يبك لم يدر
مثرجم عن مواقيت يخبّرنا ... بها فيوجد فيها صادق الخبر
تقضى به الخمس في وقت الوجوب وإن ... غطّي على الشمس ستر الغيم والمطر
وإن سهرت لأوقات تؤرّقنى ... عرفت مقدار ما ألقى من السّهر
محدّد كلّ ميقات تخيّره ... ذوو التّخيّر للأسفار والحضر
ومخرج لك بالأجزاء ألطفها ... من النهار وقوس الليل والسّحر
نتيجة العلم والتفكير صورته ... يا حبّذا أبدع الأفكار في الصور
стр. 424
وقال يصف اسطرلابا:
ومستدير كجرم البدر مسطوح ... عن كلّ رافعة الأشكال مصفوح
صلب يدار على قطب يثّبته ... تمثال طرف بشكر الحذق مكبوح
ملء البنان وقد أوفت صفائحه ... على الأقاليم من أقطارها الفيح «١»
تلفى به السبعة الأفلاك محدقة ... بالماء والنار والأرضين والريح
تنبيك عن طائح الأبراج هيئته ... بالشمس طورا، وطورا بالمصابيح
وإن مضت ساعة أو بعض ثانية ... عرفت ذاك بعلم فيه مشروح
وإن تعرّض في وقت يقدره ... لك التشكك جلّاه بتصحيح
مميز في قياسات الضلوع به ... بين المشائم منها والمناجيح
له على الظهر عينا حكمة بهما ... يحوى الضياء وتنجيه من اللوح
وفي الدواوين من أشكاله حكم ... تنقّح العقل فيها أىّ تنقيح
لا يستقلّ لما فيه بمعرفة ... إلّا الحصيف اللطيف الحسّ والرّوح
حتى ترى الغيب فيه وهو مغلق ... الأبواب عمن سواه جدّ مفتوح
نتيجة الذهن والتفكير صوّره ... ذوو العقول الصحيحات المراجيح
وكان أبو شجاع فناخسرو عضد الدولة قد نكب أبا إسحاق الصابى، على تقدمه في الكتابة، ومكانه في البلاغة، واستصفى أمواله من غير إيقاع به في نفسه، فأهدى إليه في يوم مهرجان اسطرلابا في دور الدرهم، وكتب إليه:
أهدى إليك بنو الحاجات واحتشدوا ... فى مهرجان عظيم أنت تعليه
стр. 425
لكنّ عبدك إبراهيم حين رأى ... سموّ قدرك عن شىء يساميه
لم يرض بالأرض يهديها إليك، فقد ... أهدى لك الفلك الأعلى بما فيه
[من أوصاف النساء]
وقول أبى الفتح: «ملء البنان...... البيت» نظير قول على ابن العباس الرومى يصف هن امرأة «١» :
يسع السبعة الأقاليم طرّا ... وهو في أصبعين من إقليم
كضمير الفؤاد يلتهم الدنيا ... وتحويه دفّتا حيزوم
وإنما أخذه ابن الرومى من قول بعض الشعراء يذكر كاتبا
فى كفه أخرس ذو منطق ... بقافه واللام والميم
شبر إذا قيس، ولكنه ... فى فعله مثل الأقاليم
محذّف الرّأس ومسودّه ... كإبرة الرّوق من الرّيم «٢»
وهذا البيت الأخير مقلوب من قول عدى بن الرقاع العاملى، وقد وصف قرن ريم، وشبهه بقلم عليه مداد، وذكر ظبية.
ترجى أغنّ كأنّ إبرة روقه ... قلم أصاب من الدّواة مدادها
وقلب المعنى إذا تمكن الشاعر من إخفائه لا يجرى مجرى السرقة.
وقد ترى تكثير الشعراء من تشبيه أوراك النسوان بالرّمل والكثبان، قال الشاعر:
وبيض نضيرات الوجوه كأنما ... تازّرن دون الأزر رملات عالج
خدال الشّوى لا تحتشى غير خلقها ... إذا الرّسح لم يصبرن دون المنافج «٣»
стр. 426
يذرن مروط الخزّ ملأى كأنها ... قصار وإن طالت بأيدى النّواسج
وهذا المعنى متداول متناقل في الجاهلية والإسلام، فأغرب ذو الرمة في قلبه وأحسن، فقال يصف رملا:
ورمل كأوراك العذارى قطعته ... وقد جلّلته المظلمات الحنادس
وكذلك مدحهم ضمور الكشح، وجولان الوشح، وصموت القلب والخلخال، وامتناع الخدام من المجال؛ قال خالد بن يزيد بن معاوية، وذكر رملة بنت الزبير بن العوام:
تجول خلاخيل النساء، ولا أرى ... لرملة خلخالا يجول ولا قلبا «١»
أحبّ بنى العوّام طرّا لحبها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا
وقال النابغة:
على أنّ حجليها وإن قلت أوسعا ... صموتان من ملء وقلة منطق
وقال الطائى:
مها الوحش إلّا أنّ هاتا أوانس ... قنا الخطّ إلّا أنّ تلك ذوابل
من الهيف لو أنّ الخلاخيل صيّرت ... لها وشحا جالت عليها الخلاخل «٢»
وقال ابن أبى زرعة الدمشقى:
استكتمت خلخالها ومشت ... تحت الظلام به فما نطقا
حتى إذا ريح الصّبا نسمت ... ملأ العبير بسيرها الطّرقا
وقال المتنبى:
وخصر تثبت الأبصار فيه ... كأنّ عليه من حدق نطاقا
قلب هذا كله أبو عثمان الناجم، فقال يهجو قينة:
стр. 427
مسلولة الكلّ غير بطن ... مثقّل فهى عنكبوت
حجولها الدّهر في اصطخاب ... ووشحها كظّم صموت
وقال أبو عثمان يمدح قينة:
محسنة في كلّ ألحانها ... لا كالتى تحسن في النّدره
ثم قلبه في هجاء، فقال:
عجبت منها ويحها كيف لا ... تخطئ بالإحسان في النّدره
وهذا مأخوذ من قول محمد بن مناذر يهجو خالد بن طليق، وكان قد تقلد قضاء البصرة:
يا عجبا من خالد كيف لا ... يخطئ فينا مرّة بالصواب
كان قضاة الناس فيما مضى ... من رحمة الله، وهذا عذاب
وهذا أيضا من قلب الهجاء مديحا، والمديح هجاء؛ كما قال مسلم بن الوليد يهجو قوما:
قبحت مناظرهم فحين خبرتهم ... حسنت مناظرهم بقبح المخبر
قلبه أبو الطيب المتنبى فقال:
وأستكثر الأخبار قبل لقائه ... فلمّا التقينا صغّر الخبر الخبر
وقال أبو تمام:
عبأ الكمين له فضلّ لحينه ... وكمينه المخفى عليه كمين
قلبه البحترى فقال:
لا ييأس المرء أن ينجيه ... ما يحسب الناس أنه عطبه
وقال أبو تمام:
وحشيّة ترمى القلوب إذا غدت ... وسنى فما تصطاد غير الصّيد
قلبه البحترى فقال:
على أننى أخشى على دار أمنها ... فوارس يصطاد الفوارس صيدها
стр. 428
وقال أبو تمام:
يشنأ الغيث وهو جدّ حبيب ... ربّ حزم في بغضة الموموق
قلبه البحترى فقال:
يسرّنى الشىء قد يسوءكم ... نوّه يوما بخامل لقبه
قال أبو الفضل أحمد بن أبى طاهر: المعنى في المصراع الأول أبين منه في الثانى؛ ألا ترى أنه لو قال: إنه ليسوءك الشىء قد يسر، كان مثل ذلك المعنى مستويا، إلا أنه قلبه لحاجته.
قال ابن الرومى يهجو مغنية:
قينة ملعونة من أجلها ... رفض اللهو معا من رفضه
فإذا غنّت ترى في حلقها ... كلّ عرق مثل بيت الأرضه
فقلبه ابن المعتز فقال يصف أرضة أكلت له كتابا.
تثنى أنابيب لها فيها سبل ... مثل العروق لا ترى فيها خلل
وهذا كثير يكتفى منه باليسير.
[من المعانى ما لا ينقلب]
ومن المعانى مالا ينقلب: ألا ترى أنك تقول: نام القوم حتى كأنهم موتى، ولا يحسن أن تقول: ماتوا حتى كأنهم نيام؛ وقد أخذ على أبى نواس قوله يصف دارا وقف بها:
كأنها إذ خرست جارم ... بين يدى تفنيده مطرق
قالوا: إنما يجب أن يشبه الجارم إذا عذلوه فسكت وانقطعت حجّته بالدار الخالية التي لا تجيب.
وأخذوا عليه قوله:
كأن نيراننا في جنب حصنهم ... معصفرات على أرسان قصّار
وقد تبعه أبو تمام الطائى فقال في الأفشين لما أحرق:
ما زال سرّ الكفر بين ضلوعه ... حتى اصطلى سرّ الزّناد الوارى
نار يساور جسمه من حرّها ... لهب كما عصفرت شقّ إزاز
стр. 429
طارت له شعل يهدّم لفحها ... أركانه هدما بغير غبار
فصّلن منه كلّ مجمع مفصل ... وفعلن فاقرة بكلّ فقار
صلّى لها حيّا، وكان وقودها ... مبتا، ويدخلها مع الكفار
وكذاك أهل النار في الدنيا هم ... يوم القيامة جلّ أهل النّار
أردت البيت الثانى، قالوا: وإنما تشبه الثياب المعصفرة بالنار؛ فهذا وما أشبهه لا يتوازن انعكاسه، وتتضادّ قضاياه؛ وإنما يصح القلب فيما يتحقق تضادّه أو يتقارب.
قطعة من شعر أهل العصر في ذكر النجوم
قال أبو الفتح البستى:
قد غضّ من أملى أنى أرى عملى ... أقوى من المشترى في أوّل الحمل
وأننى راحل عمّا أحاوله ... كأننى أستدرّ الحظّ من زحل
وقال:
إذا غدا ملك باللهو مشتغلا ... فاحكم على ملكه بالويل والحرب
ألم تر الشمس في الميزان هابطة ... لما غدا برج نجم اللهو والطّرب
وقال:
وقد تدنى الملوك لدى رضاها ... وتبعد حين تحتقد احتقادا
كما المرّيخ في التثليث يعطى ... وفي التربيع يسلب ما أفادا
وقال:
ألا فثقوا بى فإنى كما ... تمدّحت فليمتحن من يحب
فما كوكبى راجعا في الوفاء ... ولا برج قلبى بالمنقلب «١»
وقال:
لئن كسفونا بلا علّة ... وفازت قداحهم بالظفر
فقد يكسف المرء من دونه ... كما يكسف الشمس جرم القمر
стр. 430
وقال:
شرف الوغد بوغد مثله ... مثل ما فيه بزيغ وخلل
ودليل الصدق فيما قلته ... شرف المرّيخ في بيت زحل
وقال:
قل للذى غرّته عزّة ملكه ... حتى أخلّ بطاعة النّصحاء
شرف الملوك بعلمهم وبرأيهم ... وكذاك أوج الشمس في الجوزاء
وقال:
وقد يفسد المرء بعد الصلاح ... فساد الأماكن، والشرّ يعدى
كما السّعد يقبل طبع النحوس ... إذا كان في موضع غير سعد
وقال:
ما أنس ظمآن بماء بارد ... من بعد طول العهد بالموارد
إلا كأنسى بكتاب وارد ... من سيد محض النّجار ماجد
كأنما استملاه من عطارد
وقال:
يا معشر الكتّاب لا تتعرضوا ... لرياسة، وتصاغروا، وتخادموا
إن الكواكب كنّ في أشرافها ... إلا عطارد حين صوّر آدم
وقال:
دعانى إلى بيته سيّد ... له الخلق الأشرف الأظرف
فلازمت بيتى ولا طفته ... بعذر هو الأظرف الأطرف
عطارد نجمى، ولا شكّ أن ... عطارد في بيته أشرف
وقال:
لئن تنقّلت من دار إلى دار ... وصرت بعد ثواء رهن أسفار
فالحرّ حرّ عزيز النفس حيث ثوى ... والشّمس في كل برج ذات أنوار
стр. 431
وقال:
لئن صدّع الدهر المشتّت شملنا ... وللدهر حكم للجميع صدوع
فللنّجم من بعد الرجوع استقامة ... وللشمس من بعد الغروب طلوع
وقال لمحبوس:
حبست ومن بعد الكسوف تبلّج ... تضىء به الآفاق للبدر والشمس
فلا تعتقد للحبس غمّا ووحشة ... فأول كون المرء في أضيق الحبس
وقال أيضا:
بامن ثولى المشترى تدبيره ... حاشاك أن تنقاد للمرّيخ
وقال:
لا تفزعن من كل شىء مفزع ... ما كلّ ندبير البروج بضائر
وقال يرثى أبا القاسم الصاحب:
فقدناه لما تمّ واعتمّ بالعلا ... كذاك كسوف البدر عند تمامه
وقال أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد بن درست لأبى الفضل الميكالى:
إذا ما غاب وجه البدر عنا ... فوجهك عندنا البدر المقيم
فإن رجعت نجوم السّعد يوما ... فوجهك نجم سعد مستقيم
وقال مسكويه الخالدى:
لا يعجبنّك حسن القصر تنزله ... فضيلة الشمس ليست في منازلها
لو زيدت الشمس في أبراجها مائة ... مازاد ذلك شيئا في فضائلها
وقال أبو بكر الخوارزمى:
رأيتك إن أيسرت خيّمت عندنا ... لزاما، وإن أعسرت زرت لماما
فما أنت إلا البدر: إن قلّ ضوءه ... أغبّ، وإن زاد الضياء أقاما
وهذا كقول إبراهيم بن العباس الصولى في محمد بن عبد الملك الزيات:
أسد ضار إذا ما نعته ... وأب برّ إذا ما قدرا
يعرف الأبعد إن أثرى، ولا ... يعرف الأدنى إذا ما افتقرا
стр. 432
وقال ابن المعتز:
إذا ما أراد الحاسدون انهدامه ... بناه إله غالب العزّ قاهره
وماذا يريد الحاسدون من امرىء ... تزينهم أخلاقه ومآثره
إذا ما هو استغنى اهتدى لافتقارهم ... ولا تهتدى يوما إليهم مفاقره
وكانوا كرام كوكبا ببصاقه ... فردّ عليهم وبله ومواطره
وهذا البيت كما قال بعض العرب في إحدى الروايات:
رمانى بأمر كنت منه ووالدى ... بريّا ومن جال الطّوىّ رمانى
الجول والجال: الناحية، والطوىّ: البئر؛ يريد رمانى بما عاد عليه، والرواية المشهورة: ومن أجل الطّوىّ، فعلى هذا تسقط المناسبة بينه وبين قول ابن المعتز.
[الأصمعى وبعض الأعراب]
قال بعض الرواة: كنا مع أبى نصر راوية الأصمعى في رياض من المذاكرة نجتنى ثمارها، ونجتلى أنوارها، إلى أن أفضنا في ذكر أبى سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعى؛ فقال: رحم الله الأصمعىّ! إنه لمعدن حكم، وبحر علم، غير أنه لم نرقطّ مثل أعرابى وقف بنا فسلّم، فقال: أيكم الأصمعى؟ فقال:
أنا ذاك، فقال: أتأذنون بالجلوس؟ فأذنّا له، وعجبنا من حسن أدبه مع جفاء أدب الأعراب.
قال: يا أصمعى، أنت الذى يزعم هؤلاء النّفر أنك أثقبهم معرفة بالشعر والعربية، وحكايات الأعراب؟ قال الأصمعى: فيهم من هو أعلم منى، ومن هو دونى، قال: تنشدوننى من بعض شعر أهل الحضر حتى أقيسه على شعر أصحابنا؟ فأنشده شعرا لرجل امتدح به مسلمة بن عبد الملك:
أمسلم أنت البحر إن جاء وارد ... وليث إذا ما الحرب طار عقابها
وأنت كيف الهند وانىّ إن غدت ... حوادث من حرب يعبّ عبابها
وما خلقت أكرومة في امرىء له ... ولا غاية إلّا إليك مآبها
стр. 433
كأنك ديّان عليها موكّل ... بها، وعلى كفّيك يجرى حسابها
إليك رحلنا العيس إذا لم نجد لها ... أخا ثقة يرجى لديه ثوابها
قال: فتبّسم الأعرابى، وهزّ رأسه، فظننّا أنّ ذلك لاستحسانه الشعر، ثم قال: يا أصمعىّ؛ هذا شعر مهلهل خلق النّسج، خطؤه أكثر من صوابه، يغطى عيوبه حسن الرّوىّ، ورواية المنشد؛ يشبّهون الملك إذا امتدح بالأسد، والأسد أبخر شتيم المنظر «١» ، وربما طرده شرذمة من إمائنا، وتلاعب به صبياننا، ويشبّهونه بالبحر، والبحر صعب على من ركبه، مرّ على من شربه، وبالسيف وربما خان فى الحقيقة، ونبا عند الضّريبة! ألا أنشدتنى كما قال صبىّ من حيّنا! قال الأصمعى: وماذا قال صاحبكم؟ فأنشده:
إذا سألت الورى عن كل مكرمة ... لم يعز إكرامها إلا إلى الهول
فتى جواد أذاب المال نائله ... فالنّيل يشكر منه كثرة النّيل
الموت يكره أن يلقى منيّته ... فى كرّه عند لفّ الخيل بالخيل
وزاحم الشمس أبقى الشمس كاسفة ... أو زاحم الصّمّ ألجاها إلى الميل
أمضى من النجم إن نابته نائبة ... وعند أعدائه أجرى من السّيل
لا يستريح إلى الدنيا وزينتها ... ولا تراه إليها ساحب الذّيل
يقصّر المجد عنه في مكارمه ... كما يقصّر عن أفعاله قولى!
قال أبو نصر: فأبهتنا والله ما سمعنا من قوله، قال: فتأنّى الأعرابى، ثم قال للأصمعى: ألا تنشدنى شعرا ترتاح إليه النفس، ويكن إليه القلب؟
فأنشده لابن الرّقاع العاملى:
وناعمة تجلو بعود أراكة ... مؤشّرة يسبى المعانق طيبها
كأنّ بها خمرا بماء غمامة ... إذا ارتشفت بعد الرّقاد غروبها
أراك إلى نجد تحنّ، وإنما ... منى كلّ نفس حيث كان حبيبها
стр. 434
فتبسّم الأعرابى وقال: يا أصمعى، ما هذا بدون الأول، ولا فوقه، ألا أنشدتنى كما قلت؟ قال الأصمعى: وما قلت؟ جعلت فداك! فأنشده:
تعلّقتها بكرا، وعلّقت حبّها ... فقلبى عن كلّ الورى فارغ بكر
إذا احتجبت لم يكفك البدر ضوءها ... وتكفيك ضوء البدر إن حجب البدر
وما الصبر عنها، إن صبرت، وجدته ... جميلا، وهل في مثلها يحسن الصّبر؟
[وحسبك من خمر يفوتك ريقها ... ووالله ما من ريقها حسبك الخمر]
ولو أنّ جلد الذّر لامس جلدها ... لكان لمسّ الذّر في جلدها أثر
ولو لم يكن للبدر ضدّا جمالها ... وتفضله في حسنها لصفا البدر
قال أبو نصر: قال لنا الأصمعى: اكتبوا ما سمعتم ولو بأطراف المدى في رقاق الأكباد!.
قال: وأقام عندنا شهرا، فجمع له الأصمعىّ خمسمائة دينار، وكان يتعاهدنا فى الحين بعد الحين، حتى مات الأصمعى وتفرّق أصحابنا!
فقر من كلام الأعراب في ضروب مختلفة
قال الجاحظ: ليس في الأرض كلام هو أمتع، ولا أنفع، ولا آنق، ولا ألذ في الأسماع، ولا أشدّ اتّصالا بالعقول السليمة، ولا أفتق للّسان، ولا أجود تقويما البيان، من طول استماع حديث الأعراب العقلاء الفصحاء.
قال ابن المقفع، وقد جرى ذكر الشعر وفضيلته: أى حكمة تكون أبلغ، أو أحسن، أو أغرب، أو أعجب، من غلام بدوىّ لم ير ريفا، ولم يشبع من طعام؛ يستوحش من الكلام، ويفزع من البشر، ويأوى إلى القفر واليرابيع والظّباء، وقد خالط الغيلان، وأنس بالجان؛ فإذا قال الشعر وصف ما لم يره،
стр. 435
ولم يغذّ به «١» ولم يعرفه، ثم يذكر محاسن الأخلاق ومساويها، ويمدح ويهجو، ويذمّ ويعاتب، ويشبّب ويقول ما يكتب عنه، ويروى له، ويبقى عليه.
وقال بعض الأعراب:
وإنى لأهدى بالأوانس كالدّمى ... وإنى بأطراف القنا للعوب «٢»
وإنى على ما كان من عنجهيّتى ... ولوثة أعرابيتى لأديب «٣»
كأنّ الأدب غريب من الأعراب، فافتخر بما عنده منه.
وقال الطائى في فطنتهم، يستعطف مالك بن طوق على قومه بنى تغلب:
لارقة الحضر اللّطيف غذتهم ... وتباعدوا عن فطنة الأعراب
فإذا كشفتهم وجدت لديهم ... كرم النفوس وقلة الآداب
ووصف أعرابى رجلا فقال: هو أطهر من الماء، وأرقّ طباعا من الهواء، وأمضى من السيل، واهدى من النّجم.
ووصف أعرابىّ رجلا فقال: ذاك والله من ينفع سلمه، ويتواصف حلمه، ولا يستمر أظلمه.
وقال أعرابى: جلست إلى قوم من أهل بغداد فما رأيت أرجح من أحلامهم، ولا أطيش من أقلامهم.
وذكر أعرابى من بنى كلاب رجلا فقال: كان والله الفهم منه ذا أذنين، والجواب ذا لسانين؛ ولم أر أحدا أرتق لخلل رأى، ولا ابعد مسافة روّبة، ومراد طرف منه؛ إنما كان يرمى بهمّته حيث أشار إليه الكرم، وما زال يتحسّى مرارة أخلاق الإخوان، ويسقيهم عذوبة أخلاقه.
وذكر أعرابىّ رجلا فقال: والله لكأنّ القلوب والألسن ريضت له، فما تعقد إلا على ودّه، ولا تنطق إلّا بحمده.
стр. 436
وقال أعرابى: أقبح أعمال المقتدرين الانتقام، وما استنبط الصواب بمثل المشاورة، ولا اكتسبت البغضاء بمثل الكبر.
قال الأصمعى: وخطبنا أعرابى بالبادية، فقال: أيّها الناس؛ إن الدنيا دار مفرّ، والآخرة دار مقرّ؛ فخذوا من مفرّكم لمقرّكم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم.
قال المعافر بن نعيم: وقفت أنا ومعبد بن طوق العنبرى على مجلس لبنى العنبرى، وأنا على ناقة وهو على حمار، فقاموا فبدءونى فسلّموا علىّ؛ ثم انكفئوا على معبد، فقبض يده عنهم؛ وقال: لا، ولا كرامة! بدأتم بالصغير قبل الكبير، وبالمولى قبل العربىّ، وبالمفحم قبل الشاعر، فأسكت القوم، فانبرى إليه غلام، فقال: بدأنا بالكاتب قبل الأمىّ، وبالمهاجر قبل الأعرابى، وبراكب الراحلة قبل راكب الحمار.
ووصف أعرابى قومه فقال: ليوث حرب، وغيوث جدب، إن قاتلوا أبلوا، وإنّ بذلوا أغنوا.
ووصف أعرابى قوما فقال: إذا اصطفّوا سفرت ببنهم السهام، وإذا تصافحوا بالسيوف فغر فمه الحمام.
وسئل أعرابىّ عن صديق له، فقال: صفرت عياب الودّ بينى وبينه بعد امتلائها «١» ، واكفهرّت وجوه كانت بمائها.
وقال الأصمعى: وسمعت أعرابيا يقول: إنّ الآمال قطعت أعناق الرجال، كالسراب غرّ من رآه، وأخلف من رجاه، ومن كان الليل والنهار مطيّته أسرعا السير والبلوغ به.
والمرء يفرح بالأيام يقطعها ... وكلّ يوم مضى يدنى من الاجل
стр. 437
وذكر أعرابىّ مصيبة نالته، فقال: إنها والله مصيبة جعلت سود الرءوس بيضا، وبيض الوجوه سودا، وهوّنت المصائب، وشيّبت الذوائب.
وهذا كقول عبد الله بن الزّبير الأسدى:
رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا «١»
فردّ شعورهنّ السّود بيضا ... وردّ وجوههنّ البيض سودا
وإنك لو رأيت بكاء هند ... ورملة إذ تصكاّن الخدودا
بكيت بكاء معولة حزين ... أصاب الدهر واحدها الفقيدا «٢»
ونظير هذا التطابق بين السواد والبياض، وإن لم يكن من هذا المعنى، قول ابن الرومى:
يا بياض المشيب سوّدت وجهى ... عند بيض الوجوه سود القرون
فلعمرى لأخفينّك جهدى ... عن عيانى وعن عيان العيون
ولعمرى لأمنعنّك أن تضح ... ك في رأس آسف محزون
بسواد فيه ابيضاض لوجهى ... وسواد لوجهك الملعون
سأل أعرابيان رجلا، فحرمهما، فقال أحدهما لصاحبه: نزلت والله بواد غير ممطور، وأتيت رجلا بك غير مسرور، فلم تدرك ما سألت، ولا نلت ما أمّلت؛ فارتحل بندم، أو أقم على عدم.
قال الأصمعى: وسمعت أعرابيا يقول: غفلنا ولم يغفل الدهر عنا، فلم نتّعظ بغيرنا حتى وعظ غيرنا بنا، فقد أدركت السعادة من تنبّه، وأدركت الشقاوة من غفل، وكفى بالتجربة واعظا وقال أعرابى لرجل: اشكر للمنعم عليك، وأنعم على الشاكر لك، تستوجب من ربك زيادته، ومن أخيك مناصحته.
стр. 438
ومدح أعرابى رجلا فقال: ذلك والله فسيح الأدب، مستحكم السبب، من أىّ أقطاره أتيته تثنى عليه بكرم فعال، وحسن مقال.
وذمّ أعرابى رجلا فقال: أفسد آخرته بصلاح دنياه، ففارق ما أصلح غير راجع إليه، وقدم على ما أفسد غير منتقل عنه، ولو صدق رجل نفسه ما كذبته، ولو ألقى زمامه أوطأه راحلته وقال أعرابى: خرجت حين انحدرت أيدى النجوم، وشالت أرجلها، فما زلت أصدع الليل حتى انصدع الفجر.
وقال أعرابى:
وقد تعاللت ذميل العنس ... بالسّوط في ديمومة كالتّرس «١»
إذ عرّج الليل بروج الشّمس
ومن مليح الاستعارة في نحو هذا قول الحسن بن وهب: شربت البارحة على وجه الجوزاء؛ فلما انتبه الفجر نمت، فما عقلت حتى لحفنى قميص الشّمس.
وقال أعرابى لصاحبه في شىء ذكره: قل إن شاء الله، فإنها ترضي الربّ، وتسخط الشيطان، وتذهب الحنث «٢» ، وتقضى الحاجة.
وروى العتبىّ عن أبيه قال: سمعت أعرابيا يقول لأخيه في معاتبة جرت بينهما:
أما والله لربّ يوم كتنّور الطاهى، رقّاص بالحمامة، قد رميت نفسى في أجيج سمومه، أحتمل منه ما أكره لما أحبّ.
قال أبو العباس محمد بن يزيد: وأحسب العتبى صنع هذا الكلام، وأخذه من قول بشّار:
ويوم كتنّور الإماء سجرنه ... وأوقدن فيه الجزل حتى تضرّما
رميت بنفسى في أجيج سمومه ... وبالعيس حتى بضّ منخرها دما
стр. 439
أخذ هذا المعنى بعض أصحاب أبى العباس ثعلب فقال يهجو المبرد:
ويوم كتنّور الطّهاة سجرته ... على أنه منه أحرّ وأوقد
ظللت به عند المبرّد جالسا ... فمّا زلت في ألفاظه أتبرّد
قال الأصمعى: حجّت أعرابية ومعها ابن لها، فأصيبت به، فلما دفن قامت على قبره، وهي موجعة فقالت: والله يا بنىّ لقد غذوتك رضيعا، وفقدتك سريعا، وكأنه لم يكن بين الحالين مدة ألتذّ بعيشك فيها، فأصبحت بعد النّضارة والغضارة ورونق الحياة والتنسّم في طيب روائحها، تحت أطباق الثّرى جسدا هامدا، ورفاتا سحيقا، وصعيدا جرزا؛ أى بنى! لقد سحبت الدنيا عليك أذيال الفناء، وأسكنتك دار البلى، ورمتنى بعدك نكبة الرّدى، أى بنى! لقد أسفر لى وجه الدنيا عن صباح داج ظلامه.
ثم قالت: أى ربّ ومنك العدل، ومن خلقك الجور، وهبته لى قرّة عين، فلم تمتّعنى به كثيرا، بل سلبتنيه وشيكا؛ ثم أمرتنى بالصبر، ووعدتنى عليه الأجر، فصدقت وعدك، ورضيت قضاءك، فرحم الله من ترحّم على من استودعته الرّدم، ووسّدته الثّرى؛ اللهم ارحم غربته، وآنس وحشته، واستر عورته، يوم تكشف الهنات والسّوءات.
فلما أرادت الرجوع إلى أهلها وقفت على قبره، فقالت! أى بنىّ! إنى قد تزوّدت لسفرى، فليت شعرى ما زادك لبعد طريقك، ويوم معادك؟ اللهم إنى أسألك له الرضا برضائى عنه. ثم قالت: استودعتك من استود عنيك في أحشائى جنينا؛ واثكل الوالدات! ما أمضّ حرارة قلوبهن، وأقلق مصاجعهنّ، وأطول ليلهنّ، وأقصر نهارهن، وأقلّ أنسهن، وأشدّ وحشتهنّ، وأبعدهنّ من السرور، وأقربهن من الأحزان.
لم تزل تقول هذا ونحوه حتى أبكت كلّ من سمعها. وحمدت الله واسترجعت وصلت ركعات عند قبره وانطلقت.
стр. 440
وأنشد المفضّل الضبىّ لامرأة من العرب ترثى ابنا لها:
يا عمرو مالى عنك من صبر ... يا عمرو يا أسفى على عمرو
لله يا عمرو، وأىّ فتى ... كفّنت يوم وضعت في القبر؟
أحثو التراب على مفارقه ... وعلىّ غضارة وجهه النّضر «١»
حين استوى وعلا الشباب به ... وبدا منير الوجه كالبدر
ورجا أقاربه منافعه ... ورأوا شمائل سيّد غمر «٢»
وأهمّه همّى فساوره ... وغدا مع الغادين في السّفر
تغدو به شقراء سامية ... مرطى الجراء شديدة الأسر «٣»
ثبت الجنان به، ويقدمها ... فلج يقلّب مقلتى صقر «٤»
رّبيته دهرا أفتّقه ... فى اليسر أغذوه وفي العسر
حتى إذا التأميل أمكننى ... فيه قبيل تلاحق الثغر
وجعلت من شغفى أنقّله ... فى الأرض بين تنائف غبر «٥»
أدع المزارع والحصون به ... وأحلّه في المهمه القفر
ما زلت أصعده وأحدره ... من قتر موماة إلى قتر «٦»
هربا به والموت يطلبه ... حيث انتويت به ولا أدرى «٧»
حتى دفعت به لمصرعه ... سوق المعيز تساق للعتر «٨»
ما كان إلا أن هجعت له ... ورمى فأغفى مطلع الفجر
ورمى الكرى رأسى ومال به ... رمس يساور منه كالسّكر
стр. 441
إذ راعنى صوت هببت به ... وذعرت منه أيّما ذعر
وإذا منيته تساوره ... قد كدّحت في الوجه والنّحر
وإذا له علق وحشرجة ... مما يجيش به من الصّدر
والموت يقبضه ويبسطه ... كالثوب عند الطىّ والنّشر
فدعا لأنصره وكنت له ... من قبل ذلك حاضر النّصر
فعجزت عنه وهي زاهقة ... بين الوريد ومدفع السّحر
فمضى وأىّ فتى فجعت به ... جلّت مصيبته عن القدر
لو قيل تفديه بذلت له ... مالى وما جمّعت من وفر
أو كنت مقتدرا على عمرى ... آثرته بالشّطر من عمرى
قد كنت ذا فقر له، فعدا ... ورمى علىّ وقد رأى فقرى
لو شاء ربّى كان متّعنى ... بابنى وشدّ بأزره أزرى
بنيت عليك بنىّ، أحوج ما ... كنّا إليك، صفاثح الصّخر
لا يبعدنك الله يا عمرى ... إمّا مضيت فنحن بالإثر
هذى سبيل الناس كلّهم ... لا بدّ سالكها على سفر
أولا تراهم في ديارهم ... يتوقّعون وهم على ذعر
والموت يوردهم مواردهم ... قسرا؛ فقد ذلّوا على القسر
وقال أعرابى يمدح رجلا:
يمدّ نجاد السّيف حتّى كأنه ... بأعلى سنامى فالج يتطوّح
ويدلج في حاجات من هو نائم ... ويورى كريمات الندى حين يقدح
إذا اعتمّ بالبرد اليمانى حسبته ... هلالا بدا في جانب الأفق يلمح
يزيد على فضل الرجال فضيلة ... ويقصر عنه مدح من يتمدّح
стр. 442
وأنشد ابن أبى طاهر لأعرابى:
وقبلى أبكى كلّ من كان ذاهوى ... هتوف البواكى والديار البلاقع «١»
وهنّ على الأطلال من كل جانب ... نوائح ما تخضلّ منها المدامع
مزبرجة الأعناق نمر ظهورها ... مخطّمة بالدّرّ خضر روائع
ترى طرزا بين الخوافى كأنها ... حواشىّ برد زينتها الوشائع
ومن قطع الياقوت صيغت عيونها ... خواضب بالحناء منها الأصابع
ومن جيد ما قيل في الحمام قول ابن الرومى:
وقفت بمطراب العشيّات والضّحى ... فظلت أسحّ الدمع منى وأسجم
حليفة شجو هاج مابى وما بها ... تباريح شوق يشتكيها المتيّم
فباح به فوها وأخفته عينها ... وباحت به عينى وكتّمه الفم
ودخل أعرابى على الرشيد، فأنشده أرجوزة مدحه بها، وإسماعيل بن صبيح يكتب كتابا بين يديه- وكان من أحسن الناس خطّا، وأسرعهم يدا- فقال الرشيد للأعرابى: صف الكاتب فقال:
رقيق حواشى العلم حين تبوره ... يريك الهوينا والأمور تطير «٢»
له قلما بؤسى ونعمى كلاهما ... سحابته في الحالتين درور
يناجيك عما في ضميرك خطّه ... ويفتح باب النّجح وهو عسير
فقال الرشيد: قد وجب لك يا أعرابى عليه حق، كما وجب لك علينا يا غلام؛ ادفع له دية الحرّ، فقال إسماعيل: وعلى عبدك دية العبد.
وقال أعرابى من بنى عقيل:
أحنّ إلى أرض الحجاز، وحاجتى ... خيام بنجد دونها الطّرف يقصر
وما نظرى نحو الحجاز بنافعى ... فتيلا، ولكنى على ذاك أنظر
стр. 443
أفى كلّ يوم نظرة ثم عبرة ... لعينيك يجرى ماؤها يتحدّر
متى يستريح القلب إمّا مجاور ... حزين وإمّا نازح يتذكّر
وقال أعرابى:
وإنى لأغضى مقلتىّ على القذى ... وألبس ثوب الصبر أبيض أبلجا
وإنّى لأدعو الله والأمر ضيّق ... علىّ، فما ينفكّ أن يتفرّجا
وكم من فتى ضاقت عليه وجوهه ... أصاب لها من دعوة الله مخرجا
وقال آخر:
ذكرتك ذكرى هائم بك تنتهى ... إليك أمانيه وإن لم يكن وصل
وليست بذكرى ساعة بعد ساعة ... ولكنها موصولة مالها فصل
وقال آخر:
أريتك إن شطّت بك العام نيّة ... وعالك مضطاف الحمى ومرابعه
أترعين ما استودعت أم أنت كالذى ... إذا ما نأى هانت عليك ودائعه
ألا إن حسيا دونه قلّة الحمى ... منى النفس لو كانت تنال شرائعه «١»
أخذت أزد العتيك شاعرا من قيس بن ثعلبة اسمه المعذّل في دم، فأتاه البيهس بن ربيعة فحمله، وأمره أن ينجو بنفسه، وأسلم نفسه مكانه، فقال له المعذل: أخيّرك بين أن أمدحك أو أمدح قومك؛ فاختار مدح قومه فقال:
جزى الله فتيان العتيك، وإن نأت ... بى الدّار عنهم، خير ما كان جازيا
هم خلطونى بالنفوس وأحسنوا الصّ ... حابة لما حمّ ما كان آتيا
متاعهم فوضى فضا في رحالهم ... ولا يحسنون الشّر إلّا تباديا
كأن دنانيرا على قسماتهم ... إذا الموت في الأبطال كان تحاميا
وذكرت الرواة أنّ المهلب بن أبى صفرة عرض جنده بخراسان، فعرض جيش
стр. 444
بكر بن وائل، فمر به المعذّل فقال: هذا المعذل القيسى الذى يقول، وأنشد الأبيات، فقالوا: أيها الأمير؛ احسبه علينا، فانطلق مائة منهم، فجاءوا بمائة وصيف ووصيفة، فقالوا: أعطه هذا وليعذرنا.
قوله «كأنّ دنانيرا على قسماتهم» نظير قول أبى العباس الأعمى:
ليت شعرى من أين رائحة المس ... ك وما إن إخال بالخيف إنسى؟
حين غابت بنو أمية عنه ... والبهاليل من بنى عبد شمس
خطباء على المنابر، فرسا ... ن عليها، وقالة غير خرس
فى حلوم إذا الحلوم استفزّت ... ووجوه مثل الدنانير ملس
[بعض أخبار أبى نواس]
ولما خلع المأمون أخاه محمد بن زبيدة ووجّه بطاهر بن الحسين لمحاربته، كان يعمل كتبا بعيوب أخيه تقرأ على المنابر بخراسان؛ فكان مما عابه به أن قال: إنه استخلص رجلا شاعرا ماجنا كافرا، يقال له الحسن بن هانىء، واستخلصه ليشرب معه الخمر، ويرتكب المآثم، ويهتك المحارم، وهو الذى يقول:
ألا فاسقنى خمرا وقل لى هي الخمر ... ولا تسقنى سرّا إذا أمكن الجهر
وبح باسم من تهوى ودعنى عن الكنى ... فلا خير في اللّذّات من دونها ستر
ويذكر أهل العراق فيقول: أهل فسوق وخمور، وماخور وفجور؛ ويقوم رجل بين يديه فينشد أشعار أبى نواس في المجون؛ فاتصل ذلك بابن زبيدة؛ فنهى الحسن عن الخمر، وحبسة ابن أبى الفضل بن الربيع؛ ثم كلّمه فيه الفضل، فأخرجه بعد أن أخذ عليه ألّا يشرب خمرا، ولا يقول فيها شعرا، فقال:
ما من يد في الناس واحدة ... كيد أبو العباس مولاها
نام الثقات على مضاجعهم ... وسرى إلى نفسى فأحياها
قد كنت خفتك، ثم آمننى ... من أن أخافك، خوفك الله
فعفوت عنى عفو مقتدر ... وجبت له نقم فألغاها
стр. 445
ومن قوله في ترك الشراب:
أيّها الرائحان باللّوم لوما ... لا أذوق المدام إلّا شميما
نالنى بالملام فيها إمام ... لا أرى لى خلافه مستقيما
فاصرفاها إلى سواى؛ فإنّى ... لست إلّا على الحديث نديما
جلّ حظى منها إذا هي دارت ... أن أراها وأن أشمّ النسيما
فكأنى وما أزيّن منها ... قعدىّ يزيّن التحكيما
[كلّ عن حمله السلاح إلى الحر ... ب فأوصى المطيق ألّا يقيما]
القعديّة: فرقة من الخوارج، يأمرون بالخروج ولا يخرجون؛ وزعم المبرد أنه لم يسبق إلى هذا المعنى.
وقال:
عين الخليفة بى موكّلة ... عقد الحذار بطرفها طرفى
صحّت علانيتى له، وأرى ... دين الضمير له على حرف
ولئن وعدتك تركها عدة ... إنى عليك لخائف خلفى
سلبوا قناع الدّن عن رمق ... حى الحياة مشارف الحتف
فتنفّست في البيت إذ مزجت ... كتنفس الرّيحان في الأنف
أخذ قوله: «ولئن وعدتك تركها عدة» الحسن بن على بن وكيع فقال:
متى وعدتك في ترك الصّبا عدة ... فاشهد على عدتى بالزّور والكذب
أما ترى الليل قد ولّت عساكره ... وأقبل الصبح في جيش له لجب
وجدّ في أثر الجوزاء يطلبها ... فى الجوّ ركضا هلال دائم الطلب
كصولجان لجين في يدى ملك ... أدناه من كرة صيغت من الذهب
فقم بنا نصطبح صفراء صافية ... كالنار لكنها نار بلا لهب
عروس كرم أتت تختال في حلل ... صفر على رأسها تاج من الحبب
стр. 446
وقال أبو الفضل الميكالى في اقتران الهلال بالزهرة:
أما ترى الزّهرة قد لاحت لنا ... تحت هلال لونه يحكى اللهب
ككرة من فضّة مجلوّة ... وافى عليها صولجان من ذهب
وعلى قول أبى نواس:
صحّت علانيتى له، وأرى ... دين الضمير له على حرف
كتب أبو العباس بن المعتز إلى أبى الطيب القاسم بن محمد النميرى:
يأيها الجافى ويستجفى ... ليس تجنّيك من الظّرف
إنّك في الشوق إلينا كمن ... يؤمن بالله على حرف
محوت آثارك من ودّنا ... غير أساطيرك في الصّحف
فإن تحاملت لنا زورة ... يوما تحاملت على ضعف
وحدث أبو عمر الزاهد قال: ذلك بعض الزهاد المرائين جبهته بثوم وعصبها، ونام ليصبح بها كأثر السجود، فانحرفت العصابة إلى صدغه، فأخذ الأثر هناك، فقال له ابنه: ما هذا يا أبت؟ فقال: أصبح أبوك ممن يعبد الله على حرف! وقال أبو نواس في الباب الأول:
غنّنا بالطلول كيف بلينا ... واسقنا نعطك الثناء الثمينا
من سلاف كأنها كلّ شىء ... يتمنّى مخيّر أن يكونا
أكل الدّهر ما تجسّم منها ... وتبقّى لبابها المكنونا
فإذا ما اجتليتها فهباء ... يمنع الكفّ ما يبيح العيونا
ثم شجّت فاستضحكت عن لآل ... لو تجمّعن في يد لاقتنينا
فى كئوس كأنهنّ نجوم ... دائرات بروجها أيدينا
طالعات مع السّقاة علينا ... فإذا ما غربن يغربن فينا
стр. 447
لو ترى الشّرب حولها من بعيد ... قلت قوما من قرّة يصطلونا «١»
وغزال يديرها ببنان ... ناعمات يزيدها الغمز لينا
كلما شئت علّنى برضاب ... يترك القلب للسرور قرينا
ذاك عيش، لو دام لى، غير أنى ... عفته مكرها وخفت الأمينا
وقال:
أعاذل أعتيت الإمام وأعتبا ... وأعربت عمّا في الضمير وأعربا
وقلت لساقيها: أجزها فلم أكن ... ليأبى أمير المؤمنين وأشربا
فجوّزها عنى سلافا ترى لها ... لدى الشّرف الأعلى شعاعا مطنّبا
إذا عبّ فيها شارب القوم خلته ... يقبّل في داج من الليل كوكبا
ترى حيثما كانت من البيت مشرقا ... وما لم تكن فيه من البيت مغربا
يدور بها رطب البنان ترى له ... على مستدار الخدّ صدغا معقربا
سقاهم ومنّانى بعينيه منية ... فكانت إلى قلبى ألذّ وأطيبا
قال الحسين بن الضحاك الخليع: أنشدت أبا نواس قولى:
وشاطرىّ اللسان مختلق التّكريه شاب المجون بالنّسك فلما بلغت فيه:
كأنما نصب كأسه قمر ... يكرع في بعض أنجم الفلك
نعر نعرة منكرة، فقلت: ما لك، فقد رعتنى؟ قال: هذا المعنى أنا أحقّ به منك؛ ولكن سترى لمن يروى! ثم أنشد بعد أيام:
إذا عبّ فيها شارب القوم خلته ... يقبّل في داج من الليل كوكبا
فقلت: هذه مطالبة «٢» يا أبا على! فقال: أتظنّ أنه يروى لك معنى مليح وأنا في الحياة؟
وقال ابن الرومى فكان أحسن منهما
ومهفهف كملت محاسنه ... حتى تجاوز منية النفس
стр. 448
تصّبو الكؤس إلى مراشفه ... وتضجّ في يده من الحبس
أبصرتها والكأس بين فم ... منه وبين أنامل خمس
فكأنّها وكأن شاربها ... قمر يقبّل عارض الشمس
وقال أبو الفتح كشاجم:
وسحاب يجرّ في الأرض ذيلى ... مطرف زرّه على الأرض زرّا «١»
برقه لمحة، ولكن له رع ... د بطىء يكسو السامع وقرا
كخلىّ منافق للّذى يه ... واه يبكى جهرا ويضحك سرّا
قد سقتنى المدام فيها فتاة ... سحرتنى وليس تحسن سحرا
فإذا ما رأيتها تشرب الرّا ... ح أرتنى شمسا تقبّل بدرا
[من أخبار بشار]
وإنما احتذى أبو نواس في هذه الأشعار التي وصف فيها ترك الشراب وطاعته لأمر الأمين مثال بشّار بن برد، وصب على قالبه؛ وذاك أنّ بشارا لما قال:
لا يؤيسنّك من مخبّأة ... قول تغلّظه وإن جرحا
عسر النساء إلى مياسرة ... والصعب يمكن بعد ما جمحا
بلغ ذلك المهدى فغاظه؛ وقال: يحرّض النساء على الفجور، ويسهّل السبيل إليه! فقال له خاله يزيد بن منصور الحميرى: يا أمير المؤمنين؛ قد فتن النساء بشعره، وأىّ امرأة لا تصبو إلى مثل قوله:
عجبت فطمة من نعتى لها ... هل يجيد النعت مكفوف النّظر
بنت عشر وثلاث قسّمت ... بين غصن وكثيب وقمر
درّة بحريّة مكنونة ... مازها التاجر من بين الدرر
أذرت الدمع وقالت: ويلتى ... من ولوع الكفّ ركّاب الخطر
أمتى بدّد هذا لعبى ... ووشاحى حلّه حتى انتثر
стр. 449
فدعينى معه يا أمتى ... علّنا في خلوّة نقضى الوطر
أقبلت في خلوة تضربها ... واعتراها كجنون مستعر
بأبى والله ما أحسنه ... دمع عين غسّل الكحل قطر
أيها النّوّام هبّوا ويحكم ... وسلونى اليوم ما طعم السّهر
فأمره المهدى ألّا يتغزل، فقال أشعارا في ذلك، منها:
يا منظرا حسنا رأيته ... من وجه جارية فديته
لمعت إلىّ تسومنى ... ثوب الشباب وقد طويته
والله ربّ محمد ... ما إن غدرت ولا نويته
أمسكت عنك، وربما ... عرض البلاء وما ابتغيته
إنّ الخليفة قد أبى ... وإذا أبى شيئا أبيته
ويشوقنى بيت الحبي ... ب إذا غدوت، وأين بيته
قام الخليفة دونه ... فصبرت عنه وما قليته «١»
ونهانى الملك الهما ... م عن النساء فما عصيته
بل قد وفيت ولم أضع ... عهدا، ولا رأيا رأيته
وقال أيضا:
والله لولا رضا الخليفة ما ... أعطيت ضيما علىّ في شجن
قد عشت بين النّدمان والرّاح وال ... مزهر في ظل مجلس حسن
ثم نهانى المهدىّ فانصرفت ... نفسى، صنع الوفّق اللقن
وقال:
أفنيت عمرى وتقضّى الشباب ... بين الحميّا والجوارى العذاب
فالآن شفّعت إمام الهدى ... وربما طبت لحبّ وطاب
لهوت حتى راعنى داعيا ... صوت أمير المؤمنين المجاب
لبّيك لبّيك! هجرت الصّبا ... ونام عذّالى ومات العتاب
стр. 450
أبصرت رشدى وتركت المنى ... وربما ذلّت لهنّ الرّقاب
فى كلمة طويلة يقول فيها:
يا حامد القول، ولم يبله ... سبقت بالسّيل مساك السّحاب «١»
الفعل أولى بثناء الفتى ... ما جاءه من خطأ أو صواب
دع قول واء وانتظر فعله ... يثنى على اللّقحة ما في الحلاب «٢»
إذا غدا المهدىّ في جنده ... وراح في آل الرسول الغضاب
بدا لك المعروف في وجهه ... كالظّلم يجرى في الثنايا العذاب «٣»
ومن شعر بشار في الغزل:
أيها الساقيان صبّا شرابى ... واسقيانى من ريق بيضاء رود «٤»
إنّ دائى الصّدى، وإنّ شفائى ... شربة من رضاب ثغر برود
عندها الصبر عن لقائى، وعندى ... ز فرات يأكلن قلب الجليد
ولها مبسم كغر الأقاحى ... وحديث كالوشى وشى البرود
نزلت في السواد من حبة القل ... ب ونالت زيادة المستزيد
ثم قالت: نلقاك بعد ليال ... والليالى يبلين كلّ جديد
لا أبالى من ضنّ عنى بوصل ... إن قضى الله منك لى يوم جود
وقال:
تلقى بتسبيحة من حسن ما خلقت ... وتستفزّ حشا الرّائى بإرعاد
كأنما صوّرت من ماء لؤلؤة ... فكلّ جارحة وجه بمرصاد
وقال:
وهبت له على المسواك ريقا ... فطاب له بطيب ثنيّتيك
стр. 451
أقبّله على الذكرى كأنّى ... أقبّل فيه فاك ومقلتيك «١»
وقال:
لا أستطيع الهوى وهجرتها ... قلبى ضعيف وقلبها حجر
كأنّ وجدى بها وقد حجبت ... فى الرأس والعين والحشا سكر
وأنشد له أبو تمام، وكان يقول: ما رأيت شعرا أغزل منه:
زوّدينا يا عبد قبل الفراق ... بتلاق، وكيف لى بالتّلاق «٢»
أنا والله أشتهى سحر عينيك ... وأخشى مصارع العشاق
أمتى من بنى عقيل بن كعب ... موضع السّلك في طلا الأعناق
وقال:
لقد عشقت أذنى كلاما سمعته ... رخيما، وقلبى للمليحة أعشق
ولو عاينوها لم يلوموا على البكى ... كريما سقاه الخمر بدر محلّق
وكيف تناسى من كأنّ حديثه ... بأذنى وإن عنيت قرط معلّق
وقال:
وقد كنت في ذاك الشباب الذى مضى ... أزار ويدعونى الهوى فأزور
فإن فاتنى إلف ظللت كأنما ... يدير حياتى في يديه مدير
ومرتجّة الأرداف مهضومة الحشا ... تمور بسحر عينها وتدور
إذا نظرت صبّت عليك صبابة ... وكادت قلوب العالمين تطير
خلوت بها لا يخلص الماء بيننا ... إلى الصّبح دونى حاجب وستور
ومن هذا أخذ على بن الجهم قوله:
صلينى وحبل الوصل لم يتشعّب ... ولا تهجرى أفديك بالأمّ والأب
رعى الله دهرا ضمّنا بعد فرقة ... وأدنى فؤادا من فؤاد معذّب
стр. 452
عناقا وضمّا والتزاما كأنما ... يرى جسدانا جسم روح مركب
فبتنا وإنا لو تراق زجاجة ... من الخمر فيما بيننا لم تسرّب
وشعره في هذا المعنى كثير.
وروى أنه قال: أنا أشعر الناس؛ لأنّ لى اثنى عشر ألف قصيدة، فلو اختير من كل قصيدة بيت لاستندر، ومن ندرت له اثنا عشر ألف بيت فهو أشعر الناس «١» ؛ وقد نثرت نظمه في أضعاف الكتاب استدعاء لنشاط القارىء وكراهة في إملاله.
وكان بشار أرقّ المحدثين ديباجة كلام، وسمّى أبا المحدثين؛ لأنه فتق لهم أكمام المعانى، ونهج لهم سبيل البديع، فاتّبعوه؛ وكان ابن الرومى يقدمه، ويزعم أنه أشعر من تقدّم وتأخر.
وهو يتعلق في شعره بولاء عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ويفتخر بالمضرية. قال له المهدى: فيمن تعتزى؟ قال: أمّا اللسان فعربىّ، أما الأصل فكما قلت في شعرى! قال: وما قلت؟ فأنشده:
ونبّئت قوما لهم إحنة ... يقولون من ذا وكنت العلم
ألا أيها السائلى جاهلا ... ليعرفنى أنا إلف الكرم «٢»
نمت في المكارم بى عامر ... فروعى وأصلى قريش العجم
وإنى لأغنى مقام الفتى ... وأصبى الفتاة فلا تعتصم
البيت الأول من هذه الأبيات ينظر إلى قول جميل:
إذا ما رأونى طالعا من ثنية ... يقولون من هذا وقد عرفونى
стр. 453
وفي هذه القصيدة يقول بشار:
وبيضاء يضحك ماء الشبا ... ب في وجهها لك إذ تبتسم
دوار العذارى إذا زرنها ... أطفن بحوراء مثل الصّنم
يرحن فيمسحن أركانها ... كما يمسح الحجر المستلم
أصفراء ليس الفتى صخرة ... ولكنه نصب همّ وغمّ
صببت هواك على قلبه ... فضاق وأعلن ما قد كتم
ويقال: إنه مولى لأم الظباء السّدوسية، ولذلك قال أبو حذيفة واصل بن عطاء الغزّال رئيس المعتزلة لما هجاه بشار: أما لهذا الأعمى الملحد المشنّف المكتنى بأبى معاذ من يقتله؟ والله لولا أنّ الغيلة من سجايا الغالية، لبعثت إليه من ببعج بطنه في جوف منزله، ولا يكون إلا سدوسيّا، أو عقيليّا.
وكان واصل بن عطاء أحد أعاجيب الدنيا؛ لأنه كان ألثغ في الراء، فأسقطها من جميع كلامه وخطبه؛ إذ كان إمام مذهب، وداعى نحلة، وكان محتاجا إلى جودة البيان، وفصاحة اللّسان. قال الجاحظ: فانظر كثرة ترداد الراء في هذا الكلام وكيف أسقطها؟ قال: الأعمى، ولم يقل الضرير، وقال: الملحد، ولم يقل الكافر، وقال: المشنّف، ولم يقل المرعّث، وقال: المكتنى: بأبي معاذ، ولم يقل بشارا ولا ابن برد، وقال: الغالية، ولم يقل المغيرية، ولا المنصورية، وهم الذين أراد، وقال: نبعثت، ولم يقل لأرسلت، وقال: يبعج، ولم يقل يبقر، وقال: فى جوف منزله، ولم يقل في داره، وأراد بذكر عقيل وسدوس ما ذكر من اعتزائه إليهم.
وزعم الجاحظ أن بشارا كان يدين بالرّجعة، ويكفّر جميع الأمة؛ وأنشد له أشعارا صوّب بها رأى إبليس في تقديم النار على الطين، منها قوله:
الأرض مظلمة، والنار مشرقة ... والنار معبودة مذ كانت النار
وقال داود بن رزين: أتينا بشارا، فأذن لنا والمائدة بين يديه، فلم يدعنا إلى الطعام، ثم جلسنا فحضر الظهر والعصر والمغرب فلم يصلّ، ودعا بطست فبال
стр. 454
بحضرتنا، فقلنا له: أنت أستاذنا، وقد رأينا منك أشياء أنكرناها، قال: ماهى؟
قلنا: دخلنا والطعام بين يديك فلم تدعنا، قال: إنما أذنت لتأكلوا، ولو لم نرد ذلك لم نأذن لكم، قلنا له: ودعوت بالطّست ونحن حضور، قال: أنا مكفوف، وأنتم مأمورون بغضّ الأبصار دونى، قلنا: وحضرت الصلاة فلم تصلّ! قال: الذى يقبلها تفاريق يقبلها جملة! هذا وهو القائل:
كيف يبكى لمحبس في طلول ... من سيفضى لحبس يوم طويل
إنّ في البعث والحساب لشغلا ... عن وقوف برسم دار محيل
وقال:
ذكرت بها عيشا فقلت لصاحبى: ... كأن لم يكن ما كان حين يزول
وما حاجتى لو ساعد الدهر بالمنى ... كعاب عليها لؤلؤ وشكول
بدا لى أن الدهر يقدح في الصّفا ... وأنّ بقائى إن حييت قليل
فعش خائفا للموت أو غير خائف ... على كل نفس للحمام دليل
خليلك ما قدّمت من عمل التّقى ... وليس لأيّام المنون خليل
وكان بشّار حاضر الجواب، سجّاعا، خطيبا، صاحب منثور ومزدوج ورجز ورسائل مختارة على كثير من الكلام، ودخل على عقبة بن مسلم بن قتيبة، فأنشده مديحا وعنده عقبة بن رؤبة، فأنشده أرجوزة، ثم أقبل على بشار فقال:
هذا طراز لا تحسنه يا أبا معاذ! فقال: والله لأنا أرجز منك ومن أبيك! ثم غدا على عقبة من الغد، فأنشده أرجوزته:
ياطلل الحىّ بذات الصّمد ... بالله خبّر كيف كنت بعدى
يقول فيها:
صدّت بخدّ وجلت عن خدّ ... ثم انثنت كالنّفس المرتدّ
وصاحب كالدّمّل الممدّ ... حملته في رقعة من جلدى
حتى اغتدى غير فقيد الفقد ... وما درى ما رغبتى من زهدى
стр. 455
وهذا كقول الآخر:
يودّون لو خاطوا عليك جلودهم ... ولا يدفع الموت النفوس الشحائح
وفيها يقول:
الحرّ يلحى والعصا للعبد ... وليس للملحف مثل الردّ
أسلم وحيّيت أبا الملدّ ... مفتاح باب الحدث المنسدّ
والبس طرازى غير مستردّ ... لله أيامك في معدّ
وهي طويلة، فأجزل صلته، فلما سمع ابن رؤبة ما فيها من الغريب قال:
أنا وأبى وجدّى فتحنا الغريب للناس، وإنى لخليلق أن أسدّه عليهم، فقال بشار: ارحمهم رحمك الله! قال: تستخفّ بى، وأنا شاعر ابن شاعر ابن شاعر؟
قال: إذا أنت من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا! فضحك كلّ من حضر.
ودخل على المهدى وعنده خاله يزيد بن منصور الحميرى، فأنشده قصيدة، فلما أتمّها قال له يزيد: ما صناعتك يا شيخ؟ قال: أثقب اللّؤلؤ، فقال له المهدى:
أتهزأ بخالى؟ فقال: يا أمير المؤمنين، فما يكون جوابى لمن يرى شيخا أعمى ينشد شعرا فيسأله عن صناعته؟
وقال جوارى المهدى للمهدى: لو أذنت لبشّار يدخل إلينا يؤانسنا وينشدنا فهو محجوب البصر، لا غيرة عليك منه، وأمره فدخل إليهن واستظرفنه، وقلن له: وددنا والله يا أبا معاذ أنك أبونا حتى لا نفارقك، قال: ونحن على دين كسرى «١» ! فأمر المهدى ألّا يدخل عليهن.
وكأن المتنبى نظر إلى هذا فقال:
يا أخت معتنق الفوارس في الوغى ... لأخوك ثمّ أرقّ منك وأرحم
يرنو إليك مع العفاف وعنده ... أنّ المجوس تصيب فيما تحكم
стр. 456
[كلمات مأثورة]
قال على بن عبيدة الريحانى: المودّة تعاطف القلوب، وائتلاف الأرواح، وحنين النفوس إلى مثابة السرائر، والاسترواح بالمستكنّات في الغرائز، ووحشة الأشخاص عند تباين اللقاء، وظاهر السرور بكثرة التّزوار، وعلى حسب مشاكلة الجواهر يكون اتفاق الخصال.
وقال: العتاب حدائق المتحابّين، وثمار الأودّاء، ودليل الظنّ، وحركات الشّوق، وراحة الواجد، ولسان المشفق.
قال بعض الكتاب: العتاب علامة الوفاء، وحاصّة الجفاء، وسلاح الأكفاء.
وقال على بن عبيدة: التجنّى رسول القطيعة، وداعى القلى، وسبب السلوّ، وأوّل التجافى، ومنزل التهاجر.
وقال: الصدق ربيع القلب، وزكاة الخلق، وثمرة المروءة، وشعاع الضمير وعن جلالة القدر عبارته، وإلى اعتدال وزن العقل ينسب صاحبه، وشهادته قاطعة في الاختلاف، وإليه ترجع الحكومات.
وقال: الكذب شعار الخيانة، وتحريف العلم، وخواطر الزّور، وتسويل أضغاث النفس، واعوجاج التركيب، واختلاف البنية، وعن خمول الذكر ما يكون صاحبه.
وعلى بن عبيدة كثير الإغارة، على ما كان غيره قد استثاره.
فقر في الكذب لغير واحد
بعض الفلاسفة: الكذّاب والميّت سواء؛ لأن فضيلة الحىّ النّطق، فإذا لم يوثق بكلامه فقد بطلت حياته.
الحسن بن سهل: الكذّاب لصّ؛ لأن اللصّ يسرق مالك، والكذّاب يسرق عقلك، ولا تأمن من كذب لك أن يكذب عليك، ومن اغتاب غيرك عندك
стр. 457
فلا تأمن أن يغتابك عند غيرك.
قال إبراهيم بن العباس في هذا النحو.
إنى متى أحقد بحقدك ... لا أضرّ به سواكا
ومتى أطعتك في أخيك ... أطعت فيك غدا أخاكا
حتّى أرى متقسّما ... يومى لذا، وغدا لذاكا
حسب الكاذب بعقله سقما وبقلبه خصما
ابن المعتز: علامة الكذاب جوده باليمين لغير مستحلف، وقال:
وفي اليمين على ما أنت فاعله ... ما دلّ أنك في الميعاد متّهم
وقال: اجتنب مصاحبة الكذّاب، فإن اضطررت إليه فلا تصدّقه، ولا تعلمه أنك تكذّبه، فينتقل عن ودّه، ولا ينتقل عن طبعه. يعترى حديث الكذّاب من الاختلاف مالا يعترى الجبان من الارتعاد عند الحرب. لا تصحّ للكذّاب رؤيا؛ لأنه يخبر عن نفسه في اليقظة بما لم ير، فتريه في النوم ما لا يكون، وأنشد:
لا يكذب المرء إلا من مهانته ... أو عادة السوء، أو من قلّة الأدب
ولأهل العصر: فلان منغمس في عيبه، يكذب لذيله على جيبه، يقول بهتا، وزورا بحتا، قد ملأ قلبه رينا، وقوله مينا؛ يدين بالكذب مذهبا، ويستثير الزّور مركبا، أقاويل يتمشّى الزّور في مناكبها، ويبرز البهتان في مذاهبها.
وقال أعرابى لابنه وسمعه يكذب: يا بنى، عجبت من الكذّاب المشيد بكذبه، وإنما يدلّ على عيبه، ويتعرّض للعقاب من ربّه؛ فالآثام له عادة، والأخبار عنه متضادّة، إن قال حقا لم يصدّق، وإن أراد خيرا لم يوفّق؛ فهو الجانى على نفسه بفعاله، والدّالّ على فضيحته بمقاله. فما صحّ من صدقه نسب إلى غيره، وما صحّ من كذب غيره نسب إليه، فهو كما قال الشاعر:
حسب الكذوب من المها ... نة بعض ما يحكى عليه
ما إن سمعت بكذبة ... من غيره نسبت إليه
стр. 458
[جزاء الشكر]
كتب الحسن بن سهل إلى المأمون، بعد أن زفّت إليه بوران وتوهّم القواد أن هذا التزويج قد أنسى الحسن حاله قبل ذلك: قد تولّى أمير المؤمنين من تعظيم عبده في قبول أمته شيئا لا يتّسع له الشكر عنه إلا بمعونة أمير المؤمنين، أدام الله عزّه، فى إخراج توقيعه بتزيين حالى في العامة والخاصة، بما يراه فيه صوابا إن شاء الله.
فخرج التوقيع: الحسن بن سهل زمام على ما جمع أمور الخاصة، وكنف أسباب العامة، وأحاط بالنفقات، ونفذ بالولاة، وإليه الخراج والبريد واختيار القضاة، جزاء بمعرفته بالحال التي قرّبته منا، وإثابة لشكره إيانا على ما أولينا.
[من خطب النكاح]
قال يحيى بن أكثم: أراد المأمون أن يزوّج ابنته من الرضا فقال: يا يحيى؛ تكلم، فأجللته أن أقول: أنكحت، فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت الحاكم الأكبر، والإمام الأعظم، وأنت أولى بالكلام، فقال:
الحمد لله الذى تصاغرت الأمور بمشيئته، ولا إله إلا هو إقرارا بربوبيته، وصلى الله على محمد عند ذكره.
أما بعد، فإنّ الله قد جعل النكاح دينا، ورضيه حكما، وأنزله وحيا؛ ليكون سبب المناسبة؛ ألا وإنى قد زوّجت ابنة المأمون من علىّ بن موسى، وأمهرتها أربعمائة درهم، اقتداء بسنة رسول الله ﷺ ، وانتهاء إلى ما درج إليه السّلف، والحمد لله رب العالمين.
قال الأصمعى: كانوا يستحبّون من الخاطب إلى الرجل حرمته الإطالة؛ لتدلّ على الرغبة، ومن المخطوب إليه الإيجاز، ليدلّ على الإجابة.
وخطب رجل من بنى أمية إلى عمر بن عبد العزيز أخته، فأطال؛ فقال عمر:
стр. 459
الحمد لله ذى الكبرياء، وصلّى الله على محمد خاتم الأنبياء؛ أما بعد فإن الرغبة منك دعتك إلينا، والرغبة منا فيك أجابت، وقد زوّجناك على كتاب الله: إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان.
وخطب رجل إلى فوم فأتى بمن نحطب له، فاستفتح بحمد الله وأطال، وصلّى على النبىّ ﵇ وأطال، ثم ذكر البدء وخلق السموات والأرض، واقتصّ ذكر القرون حتى ضجر من حضر، والتفت إلى الخاطب، فقال: ما اسمك أعزّك الله؟ فقال: والله قد أنسيت اسمى من طول خطبتك، وهي طالق إن تزوجتها بهذه الخطبة؛ فضحك القوم، وعقدوا في مجلس آخر.
[الكتب والأقلام والخط]
وقال ابن المعتز: الكتاب والج الأبواب، جرىء على الحجّاب، مفهم لا يفهم، وناطق لا يتكلم، به يشخص المشتاق، إذا أقعده الفراق، والقلم مجهّز لجيوش الكلام، يخدم الإرادة، ولا يملّ الاستزادة، ويسكت واقفا، وينطق سائرا، على أرض بياضها مظلم، وسوادها مضىء، وكأنه يقبّل بساط سلطان أو يفتح نوّار بستان.
وهذا كقوله في القاسم بن عبيد الله، قال الصولى: لما عرض القاسم بن عبيد الله ليخلف أباه: قال ابن المعتز:
قلم ما أراه أم فلك يج ... رى بما شاء قاسم ويسير
خاشع في يديه يلثم قرطا ... ساكما قبّل البساط شكور
ولطيف المعنى جليل نحيف ... وكبير الأفعال وهو صغير
كم منايا وكم عطايا وكم ... حتف وعيش تضمّ تلك السّطور
نقشت بالدّجا نهارا فما أد ... رى أخطّ فيهنّ أم تصوير
هكذا من أبوه مثل عبيد الله ... ينمى إلى العلا ويصير
عظمت منّة الإله عليه ... فهناك الوزير وهو الوزير
стр. 460
وقال بعض البلغاء: صورة الخطّ في الأبصار سواد، وفي البصائر بياض.
وقال أبو الطيب المتنبى:
دعانى إليك العلم والحلم والحجى ... وهذا الكلام النّظم والنّائل النّثر
وما قلت من شعر تكاد بيوته ... إذا كتبت يبيضّ من نورها الحبر
وقال ابن المعتز في عبيد الله بن سليمان بن وهب:
عليم بأعقاب الأمور، كأنه ... بمختلسات الظنّ يسمع أو يرى
إذا أخذ القرطاس خلت يمينه ... يفتّح نورا أو ينظّم جوهرا
فاخر صاحب سيف صاحب قلم، فقال صاحب القلم: أنا أقتل بلا غرر، وأنت تقتل على خطر. فقال صاحب السيف: القلم خادم السيف، إن تمّ مراده وإلا فإلى السيف معاده؛ أما سمعت قول أبى تمام:
السيف أصدق إنباء من الكتب ... فى حدّه الحدّ بين الجدّ واللّعب
بيض الصفائح لا سود الصّحائف فى ... متونهنّ جلاء الشّكّ والرّيب
وقال أبو الطيب:
ما زلت أضحك إبلى كلّما نظرت ... إلى من احتضنت أخفافها بدم
أسيرها بين أصنام أشاهدها ... ولا أشاهد فيها عفّة الصّنم
حتى رجعت وأقلامى قوائل لى ... المجد للسّيف ليس المجد للقلم
اكتب بنا أبدا بعد الكتاب به ... فإنّما نحن للأسياف كالخدم
هذا مقلوب من قول على بن العباس النوبختى، وقد رواه أبو القاسم الزجاجى لابن الرومى، وإنما وهم لاتّفاق الاسمين:
إن يخدم القلم السيف الذى خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم
فالموت- والموت لا شىء يغالبه- ... ما زال يتبع ما يجرى به القلم
بذا قضى الله للأقلام مذبريت ... أنّ السيوف لها- مذ أرهفت- خدم
следующие страницы →