Полный текст (1 141 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
[كلمات مأثورة]
قال على بن عبيدة الريحانى: المودّة تعاطف القلوب، وائتلاف الأرواح، وحنين النفوس إلى مثابة السرائر، والاسترواح بالمستكنّات في الغرائز، ووحشة الأشخاص عند تباين اللقاء، وظاهر السرور بكثرة التّزوار، وعلى حسب مشاكلة الجواهر يكون اتفاق الخصال.
وقال: العتاب حدائق المتحابّين، وثمار الأودّاء، ودليل الظنّ، وحركات الشّوق، وراحة الواجد، ولسان المشفق.
قال بعض الكتاب: العتاب علامة الوفاء، وحاصّة الجفاء، وسلاح الأكفاء.
وقال على بن عبيدة: التجنّى رسول القطيعة، وداعى القلى، وسبب السلوّ، وأوّل التجافى، ومنزل التهاجر.
وقال: الصدق ربيع القلب، وزكاة الخلق، وثمرة المروءة، وشعاع الضمير وعن جلالة القدر عبارته، وإلى اعتدال وزن العقل ينسب صاحبه، وشهادته قاطعة في الاختلاف، وإليه ترجع الحكومات.
وقال: الكذب شعار الخيانة، وتحريف العلم، وخواطر الزّور، وتسويل أضغاث النفس، واعوجاج التركيب، واختلاف البنية، وعن خمول الذكر ما يكون صاحبه.
وعلى بن عبيدة كثير الإغارة، على ما كان غيره قد استثاره.
فقر في الكذب لغير واحد
بعض الفلاسفة: الكذّاب والميّت سواء؛ لأن فضيلة الحىّ النّطق، فإذا لم يوثق بكلامه فقد بطلت حياته.
الحسن بن سهل: الكذّاب لصّ؛ لأن اللصّ يسرق مالك، والكذّاب يسرق عقلك، ولا تأمن من كذب لك أن يكذب عليك، ومن اغتاب غيرك عندك
стр. 457
فلا تأمن أن يغتابك عند غيرك.
قال إبراهيم بن العباس في هذا النحو.
إنى متى أحقد بحقدك ... لا أضرّ به سواكا
ومتى أطعتك في أخيك ... أطعت فيك غدا أخاكا
حتّى أرى متقسّما ... يومى لذا، وغدا لذاكا
حسب الكاذب بعقله سقما وبقلبه خصما
ابن المعتز: علامة الكذاب جوده باليمين لغير مستحلف، وقال:
وفي اليمين على ما أنت فاعله ... ما دلّ أنك في الميعاد متّهم
وقال: اجتنب مصاحبة الكذّاب، فإن اضطررت إليه فلا تصدّقه، ولا تعلمه أنك تكذّبه، فينتقل عن ودّه، ولا ينتقل عن طبعه. يعترى حديث الكذّاب من الاختلاف مالا يعترى الجبان من الارتعاد عند الحرب. لا تصحّ للكذّاب رؤيا؛ لأنه يخبر عن نفسه في اليقظة بما لم ير، فتريه في النوم ما لا يكون، وأنشد:
لا يكذب المرء إلا من مهانته ... أو عادة السوء، أو من قلّة الأدب
ولأهل العصر: فلان منغمس في عيبه، يكذب لذيله على جيبه، يقول بهتا، وزورا بحتا، قد ملأ قلبه رينا، وقوله مينا؛ يدين بالكذب مذهبا، ويستثير الزّور مركبا، أقاويل يتمشّى الزّور في مناكبها، ويبرز البهتان في مذاهبها.
وقال أعرابى لابنه وسمعه يكذب: يا بنى، عجبت من الكذّاب المشيد بكذبه، وإنما يدلّ على عيبه، ويتعرّض للعقاب من ربّه؛ فالآثام له عادة، والأخبار عنه متضادّة، إن قال حقا لم يصدّق، وإن أراد خيرا لم يوفّق؛ فهو الجانى على نفسه بفعاله، والدّالّ على فضيحته بمقاله. فما صحّ من صدقه نسب إلى غيره، وما صحّ من كذب غيره نسب إليه، فهو كما قال الشاعر:
حسب الكذوب من المها ... نة بعض ما يحكى عليه
ما إن سمعت بكذبة ... من غيره نسبت إليه
стр. 458
[جزاء الشكر]
كتب الحسن بن سهل إلى المأمون، بعد أن زفّت إليه بوران وتوهّم القواد أن هذا التزويج قد أنسى الحسن حاله قبل ذلك: قد تولّى أمير المؤمنين من تعظيم عبده في قبول أمته شيئا لا يتّسع له الشكر عنه إلا بمعونة أمير المؤمنين، أدام الله عزّه، فى إخراج توقيعه بتزيين حالى في العامة والخاصة، بما يراه فيه صوابا إن شاء الله.
فخرج التوقيع: الحسن بن سهل زمام على ما جمع أمور الخاصة، وكنف أسباب العامة، وأحاط بالنفقات، ونفذ بالولاة، وإليه الخراج والبريد واختيار القضاة، جزاء بمعرفته بالحال التي قرّبته منا، وإثابة لشكره إيانا على ما أولينا.
[من خطب النكاح]
قال يحيى بن أكثم: أراد المأمون أن يزوّج ابنته من الرضا فقال: يا يحيى؛ تكلم، فأجللته أن أقول: أنكحت، فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت الحاكم الأكبر، والإمام الأعظم، وأنت أولى بالكلام، فقال:
الحمد لله الذى تصاغرت الأمور بمشيئته، ولا إله إلا هو إقرارا بربوبيته، وصلى الله على محمد عند ذكره.
أما بعد، فإنّ الله قد جعل النكاح دينا، ورضيه حكما، وأنزله وحيا؛ ليكون سبب المناسبة؛ ألا وإنى قد زوّجت ابنة المأمون من علىّ بن موسى، وأمهرتها أربعمائة درهم، اقتداء بسنة رسول الله ﷺ ، وانتهاء إلى ما درج إليه السّلف، والحمد لله رب العالمين.
قال الأصمعى: كانوا يستحبّون من الخاطب إلى الرجل حرمته الإطالة؛ لتدلّ على الرغبة، ومن المخطوب إليه الإيجاز، ليدلّ على الإجابة.
وخطب رجل من بنى أمية إلى عمر بن عبد العزيز أخته، فأطال؛ فقال عمر:
стр. 459
الحمد لله ذى الكبرياء، وصلّى الله على محمد خاتم الأنبياء؛ أما بعد فإن الرغبة منك دعتك إلينا، والرغبة منا فيك أجابت، وقد زوّجناك على كتاب الله: إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان.
وخطب رجل إلى فوم فأتى بمن نحطب له، فاستفتح بحمد الله وأطال، وصلّى على النبىّ ﵇ وأطال، ثم ذكر البدء وخلق السموات والأرض، واقتصّ ذكر القرون حتى ضجر من حضر، والتفت إلى الخاطب، فقال: ما اسمك أعزّك الله؟ فقال: والله قد أنسيت اسمى من طول خطبتك، وهي طالق إن تزوجتها بهذه الخطبة؛ فضحك القوم، وعقدوا في مجلس آخر.
[الكتب والأقلام والخط]
وقال ابن المعتز: الكتاب والج الأبواب، جرىء على الحجّاب، مفهم لا يفهم، وناطق لا يتكلم، به يشخص المشتاق، إذا أقعده الفراق، والقلم مجهّز لجيوش الكلام، يخدم الإرادة، ولا يملّ الاستزادة، ويسكت واقفا، وينطق سائرا، على أرض بياضها مظلم، وسوادها مضىء، وكأنه يقبّل بساط سلطان أو يفتح نوّار بستان.
وهذا كقوله في القاسم بن عبيد الله، قال الصولى: لما عرض القاسم بن عبيد الله ليخلف أباه: قال ابن المعتز:
قلم ما أراه أم فلك يج ... رى بما شاء قاسم ويسير
خاشع في يديه يلثم قرطا ... ساكما قبّل البساط شكور
ولطيف المعنى جليل نحيف ... وكبير الأفعال وهو صغير
كم منايا وكم عطايا وكم ... حتف وعيش تضمّ تلك السّطور
نقشت بالدّجا نهارا فما أد ... رى أخطّ فيهنّ أم تصوير
هكذا من أبوه مثل عبيد الله ... ينمى إلى العلا ويصير
عظمت منّة الإله عليه ... فهناك الوزير وهو الوزير
стр. 460
وقال بعض البلغاء: صورة الخطّ في الأبصار سواد، وفي البصائر بياض.
وقال أبو الطيب المتنبى:
دعانى إليك العلم والحلم والحجى ... وهذا الكلام النّظم والنّائل النّثر
وما قلت من شعر تكاد بيوته ... إذا كتبت يبيضّ من نورها الحبر
وقال ابن المعتز في عبيد الله بن سليمان بن وهب:
عليم بأعقاب الأمور، كأنه ... بمختلسات الظنّ يسمع أو يرى
إذا أخذ القرطاس خلت يمينه ... يفتّح نورا أو ينظّم جوهرا
فاخر صاحب سيف صاحب قلم، فقال صاحب القلم: أنا أقتل بلا غرر، وأنت تقتل على خطر. فقال صاحب السيف: القلم خادم السيف، إن تمّ مراده وإلا فإلى السيف معاده؛ أما سمعت قول أبى تمام:
السيف أصدق إنباء من الكتب ... فى حدّه الحدّ بين الجدّ واللّعب
بيض الصفائح لا سود الصّحائف فى ... متونهنّ جلاء الشّكّ والرّيب
وقال أبو الطيب:
ما زلت أضحك إبلى كلّما نظرت ... إلى من احتضنت أخفافها بدم
أسيرها بين أصنام أشاهدها ... ولا أشاهد فيها عفّة الصّنم
حتى رجعت وأقلامى قوائل لى ... المجد للسّيف ليس المجد للقلم
اكتب بنا أبدا بعد الكتاب به ... فإنّما نحن للأسياف كالخدم
هذا مقلوب من قول على بن العباس النوبختى، وقد رواه أبو القاسم الزجاجى لابن الرومى، وإنما وهم لاتّفاق الاسمين:
إن يخدم القلم السيف الذى خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم
فالموت- والموت لا شىء يغالبه- ... ما زال يتبع ما يجرى به القلم
بذا قضى الله للأقلام مذبريت ... أنّ السيوف لها- مذ أرهفت- خدم
стр. 461
وقال ابن الرومى:
لعمرك ما السّيف سيف الكمىّ ... بأخوف من قلم الكاتب
له شاهد إن تأمّلته ... ظهرت على سرّه الغائب
أداة المنيّة في جانبيه ... فمن مثله رهبة الرّاهب
سنان المنية في جانب ... وحدّ المنيّة في جانب
ألم تر في صدره كالسّنان ... وفي الرّدف كالمرهف القاضب
وقال أبو الفتح البستى:
إذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم ... وعدّوه مما يكسب المجد والكرم
كفى قلم الكتّاب مجدا ورفعة ... مدى الدّهر أنّ الله أقسم بالقلم
وقد قيل: صرير الأقلام، أشدّ من صليل الحسام.
قال الصولى: أنشدنى طلحة بن عبيد الله:
وإذا أمرّ على المهارق كفّه ... بأنامل يحملن شختا مرهفا «١»
متقاصرا متطاولا ومفصّلا ... وموصلا ومشتّتا ومؤلّفا
ترك العداة رواجفا أحشاؤها ... وقلاعها قلعا هنالك رجّفا
كالحية الرّقشاء إلا أنه ... يستنزل الأروى إليه تلطفا
يرمى به قلما يمجّ لعابه ... فيعود سيفا صارما ومثقّفا
وقال محمود بن أحمد الأصبهانى:
أخرس ينبيك بإطراقه ... عن كل ما شئت من الأمر
يذرى على قرطاسه دمعة ... يبدى بها السرّ وما يدرى
كعاشق أخفى هواه وقد ... نمّت عليه عبرة تجرى
تبصره في كلّ أحواله ... عريان يكسو الناس أو يعرى
يرى أسيرا في دواة وقد ... أطلق أقواما من الأسر
стр. 462
أخرق لو لم تبره لم يكن ... يرشق أقواما وما يبرى
كالبحر إذا يجرى، وكالليل إذ ... يغشى، وكالصارم إذ يفرى
وقال أحمد بن جرار:
أهيف ممشوق بتحريكه ... يحلّ عقد السّرّ إعلان
له لسان مرهف حدّه ... من ريقة الكرسف ريّان
ترى بسيط الفكر في نظمه ... شخصا له حدّ وجثمان
كأنما يسحب في إثره ... ذيلا من الحكمة سحبان
لولاه ما قام منار الهدى ... ولا سما للملك ديوان
ومن أجود ما قيل في صفة القلم قول أبى تمام لمحمد بن عبد الملك الزيات:
لك القلم الأعلى الّذى بشباته ... تصاب من الأمر الكلى والمفاصل
له ريقة طلّ ولكنّ وقعها ... بآثاره في الشّرق والغرب وابل
لعاب الأفاعى القاتلات لعابه ... وأرى الجنى اشتارته أيد عواسل
له الخلوات اللاء لولا بحيّها ... لما اختلفت للملك تلك المحافل
وقال الأمير تميم بن المعز:
وذى عجب من طول صبرى على الذى ... ألاقى من الأرزاء وهو جليل
يقولون: ما تشكو؟ فقلت: متى شكا ... شبا السيف عضب الشفرتين صقيل
وإنّ امرأ يشكو إلى غير نافع ... ويسخو بما في نفسه لجهول
عذابى أن أشكو إلى الناس أننى ... عليل ومن أشكو إليه عليل
ويمنعنى الشكوى إلى الله علمه ... بجملة ما ألقاه قبل أقول
سأسكت صبرا واحتسابا فإننى ... أرى الصّبر سيفا ليس فيه فلول
وقال:
يا دهر ما أقساك من متلوّن ... فى حالتيك، وما أقلّك منصفا
أتروخ للنّكس الجهول ممهّدا ... وعلى اللبيب الحرّ سيفا مرهفا؟
стр. 463
وإذا صفوت كدرت، شيمة باخل، ... وإذا وفيت نقضت أسباب الوفا
لا أرتضيك، وإن كرمت؛ لأننى ... أدرى بأنك لا تدوم على الصّفا
زمن إذا أعطى استردّ عطاءه ... وإذا استقام بدا له فتحرّفا
ما قام خيرك يا زمان بشرّه ... أولى بنا ما قلّ منك وما كفى
[الصدق في النصيحة]
وكان أحمد بن يوسف منصرفا عن غسّان بن عباد، وجرت بينهما هنات بحضرة المأمون، فقال يوما بحضرة خاصّة أصحابه: أخبرونى عن غسّان بن عباد؛ فإنى أريده لأمر جسيم؛ وكان قد عزم على تقليده السّند مكان بشر بن داود؛ فتكلّم كلّ فريق بما عنده في مدحه؛ فقال أحمد بن يوسف: هو يا أمير المؤمنين رجل محاسنه أكثر من مساويه، لا يتطرّف به أمر إلّا تقدّم فيه، ومهما تخوّف عليه فإنه لن يأتى أمرا يعتذر منه؛ لأنه قسم أيامه بين أفعال الفضل؛ فجعل لكلّ خلق نوبة، إذا نظرت في أمره لم تدر أى حالاته أعجب؛ أما هداه إليه عقله أم ما اكتسبه بأدبه؟
فقال له المأمون: لقد مدحته على سوء رأيك فيه! قال: لأنى في أمير المؤمنين كما قال الشاعر:
كفى ثمنا لما أسديت أنى ... نصحتك في الصديق وفي عدائى
وأنى حين تندبنى لأمر ... يكون هواك أغلب من هوائى
قال الصولى: وقد روى هذا لغير أحمد، ولعلّ أحمد استعاره؛ فأعجب المأمون ذلك منه، وشكره غسان بن عبّاد له، وتأكّدت الحال بينهما.
وكان أحمد بن يوسف بن القاسم بن صبيح مولى عجل بن لجيم عالى الطبقة فى البلاغة، ولم يكن في زمانه أكتب منه، وله شعر جيد مرتفع عن أشعار الكتاب، ووزر للمأمون بعد أحمد بن أبى خالد، وكان أول ما ارتفع به أحمد أن
стр. 464
المخلوع محمد بن الرشد لما قتل أمر طاهر بن الحسين الكتّاب أن يكتبوا إلى المأمون؛ فأطالوا، فقال طاهر: أريد أخصر من هذا فوصف له أحمد بن يوسف وموضعه من البلاغة، فأحضره لذلك، فكتب: أمّا بعد فان كان المخلوع قسم أمير المؤمنين في النّسب واللّحمة، فقد فرّق بينهما حكم الكتاب في الولاية والخدمة، بمفارقته عصمة الدين، وخروجه عن الأمر الجامع للمسلمين؛ لقول الله فيما اقتص [علينا] من نبأ نوح وابنه: (إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح) ، ولا طاعة لأحد في معصية الله، ولا قطيعة ما كانت القطيعة في ذات الله؛ وكتابى إلى أمير المؤمنين وقد أنجز الله له ما كان ينتظر من سابق وعده، والحمد لله الراجع إلى أمير المؤمنين معلوم حقّه، الكائد له فيمن ختر عهده، ونقض عقده، حتى ردّ به الألفة بعد فرقتها، وجمع به الأمة بعد شتاتها، وأضاء به أعلام الدين بعد دروسا؛ وقد بعثت إليك بالدنيا وهي رأس المخلوع، وبالآخرة وهي البردة والقضيب؛ والحمد لله الآخذ لأمير المؤمنين حقّه، الراجع إليه تراث آبائه الراشدين.
وكان أحمد بن أبى خالد كثيرا ما يصف أحمد للمأمون ويحثّه عليه، فأمره المأمون بإحضاره، فلما وقف بين يديه قال: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذى استخصّك فيما استحفظك من دينه، وقلّدك من خلافته، بسوابغ نعمه، وفضائل قسمه، وعرّفك من تيسير كلّ عسير حاولك عليه متمرّد، حتى ذلّ لك ما جعله تكملة لما حباك به من موارد أموره بنجح مصادرها، حمدا ناميا زائدا لا ينقطع أولاه، ولا ينقضى أخراه، وأنا أسأل الله يا أمير المؤمنين من إتمام بلائه لديك، ومننه عليك، وكفايته ما ولّاك واسترعاك، وتحصين ما حاز لك، والتمكين من بلاد عدوّك، ما يمنع به بيضة الإسلام، ويعزّ بك أهله، ويبيح بك حمى الشّرك، ويجمع لك متباين الألفة، وينجز بك في أهل العناد والضلالة وعده؛ إنه سميع الدعاء، فعّال لما يشاء.
стр. 465
فقال المأمون: أحسنت، بووك عليك ناطقا وساكتا! ثم قال بعد أن بلاه واختبره: يا عجبا لأحمد بن يوسف! كيف استطاع أن يكتم نفسه! وكتب إلى المأمون يستجدى لزوّار على بابه: إن داعى نداك، ومنادى جدواك، جمعا ببابك الوفود، يرجون نائلك العتيد، فمنهم من يمتّ بحرمة، ومنهم من يدلى بسالف خدمة، وقد أجحف بهم المقام؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن ينعشهم بسيبه، ويحقّق ظنّهم بطوله، فعل.
فوقّع المأمون في عرض كتابه:
الخير متّبع، وأموال الملوك مظانّ لطلّاب؟؟؟؛ فاكتب أسماءهم، وبيّن مرتبة كلّ واحد منهم، ليصير إليه على قدر استحقاقه؛ ولا تكدّرن، معروفنا بالمطل والحجاب؛ فقد قال الشاعر:
فإنّك لن ترى طردا لحرّ ... كإلصاق به طرف الهوان
ولم تجلب مودّة ذى وفاء ... بمثل الودّ أو بذل اللّسان
قال أحمد بن يوسف: أمرنى المأمون أن أكتب في زيادة قناديل شهر رمضان؛ فأعيا علىّ، ولم أجد مثالا أحتذى عليه؛ فبتّ مغموما، فأتانى آت فى النوم فقال: اكتب: فإنّ فيها إضاءة للمتهجّدين، ونفيا لمكان الرّيب، وأنسا للسابلة، وتنزيها لبيوت الله من وحشة الظّلم، فأخبرت بذلك المأمون، فاستظرفه، وأمر أن تمضى الكتب عليه.
وأهدى إلى المأمون في يوم نوروز طبق جزع عليه ميل من ذهب، فيه اسمه منقوش، وكتب إليه:
هذا يوم جرت فيه العادة، بإلطاف العبيد السادة، وقد بعثت إلى أمير المؤمنين طبق جزع فيه ميل.
فلما قرأ المأمون الرقصة قال: أجاءت هدية أحمد بن يوسف؟ قالوا: نعم.
قال: هى في دارى أم دارى فيها؟ فلما رفع المنديل استظرف الهدّية واسترجح مهديها.
стр. 466
وأهدى إلى إبراهيم بن المهدى هدية وكتب إليه: الثقة بك قد سهّلت السبيل إليك، فأهديت هدية من لا يحتشم إلى من لا يغتنم.
وكتب إلى بنى سعيد بن سلم: لولا أنّ الله ختم نبوّته بمحمد ﷺ ، وكتبه بالقرآن، لنزّل فيكم نبىّ نقمة، وأنزل فيكم قرآن غدر؛ وما عسيت أن أقول في قوم محاسنهم مساوى السّفل، ومساويهم فضائح الأمم، وألسنتهم معقولة بالعىّ، وأيديهم معقودة بالبخل، وهم كما قال الشاعر:
لا يكبرون وإن طالت حياتهم ... ولا تبيد مخازيهم وإن بادوا
وغنّى مغنّ بحضرة أحمد بن يوسف ولم يكن محسنا، فلم ينصتوا له، وتحدّثوا مع غنائه، فغضب المغنّى؛ فقال أحمد بن يوسف: أنت عافاك الله تحمّل الأسماع ثقلا، والقلوب مللا، والأعين قباحة، والأنف نتانة، ثم تقول: اسمعوا منى، وأنصتوا إلىّ! هذا إذا كانت أفهامنا مقفلة، وآذاننا صدئة، فإما رضيت بالعفو منا، وإلا قمت مذموما عنا.
ألفاظ لأهل العصر في ذم المغنين
يترنّم فيتعب ولا يطرب. إذا غنّى عنّى، وإذا أدّى آذى.
يميت الطّرب، ويحيى الكرب. ضربه يوجب ضربه: من عجائب غنائه أنه يورد الشتاء في الصيف. ما رؤى قطّ في دار مرتين. وحضر جحظة مجلسا فيه علىّ بن بسام، فتفرّق القوم المخادّ، فقال جحظة: فما لى لم تعطونى مخدّة؟ فقال على بن بسام: غنّ فالمخادّ كلها إليك تصير! وفيه يقول ابن بسام:
يا من هجوناه فغنّانا ... أنت، وبيت الله، أهجانا
سيّان إن غنّى لنا جحظة ... أو مرّ مجنون فزنّانا
стр. 467
وكان خالد يستبرد، فبعث بعض الظرفاء غلامه يشترى له خمسة أرطال ثلج، فأتاه بخالد وقال: يا مولاى، طلبت خمسة أرطال، وهذا حمل! وتغنّى بحضرة محموم، فقال: ويحك! دعنا نعرق! وقال بعض المحدثين في قريس المغنى:
ألا فاسقنى قدحا وافرا ... يعين على البلغم الهائج
أكلنا قريسا وغنّى قريس ... فنحن على شرف الفالج
ولقى أبو العباس المبرد برد الخيار المغنّى في يوم ثلج بالجسر، فقال: أنت المبرّد وأنا برد الخيار، واليوم كما ترى، اعبر بنا لا يهلك الناس بالفالج بسببنا وقال ابن عباد الصاحب في مغنّ يعرف بابن عذاب:
أقول قولا بلا احتشام ... يعقله كلّ من يعيه
ابن عذاب إذا تغنّى ... فإننى منه في أبيه
[عود إلى أحمد بن يوسف]
ومن شعر أحمد بن يوسف:
ضمير وجد بقلب صبّ ... ترجم دمعى به فشاعا
فصار دمعى لسان وجدى ... ضيّع سرّى به فذاعا
لولا دموعى وفرط حبّى ... ما كان سرّى كذا مضاعا
وقال:
وعامل بالفجور يأمر بالبرّ ... كهاد يخوض في الظّلم
أو كطبيب قد شفّه سقم ... وهو يداوى من ذلك السّقم
يا واعظ الناس غير متّعظ ... ثوبك طهّر أولا فلا تلم
وقال:
إذا ما التقينا والعيون نواظر ... فألسننا حرب وأبصارنا سلم.
стр. 468
وقال في الحزن:
كثير هموم القلب حتى كأنما ... عليه سرور العالمين حرام
إذا قيل ما أضناك! أسبل دمعه ... فأخبر ما يلقى وليس كلام
وقال:
كريم له نفس يلين بلينها ... بيردع عن سلطانه سنن الكبر
إذا ذكّرته نفسه عظم قدرها ... دعاه إلى تسكينها عظم القدر
ووقّع في كتاب رجل يحثّه على استتمام صنائعه عنده: مستتمّ الصنيعة من عدّل زيغها، وأقام أودها، صيانة لمعروفه، ونصرة لرأيه؛ فإن أول المعروف مستخفّ، وآخره مستثقل، يكاد أول الصنيعة يكون للهوى، وآخرها للرّأى، ولذلك قيل: ربّ الصنيعة أشد من ابتدائها «١» .
وكان أبو العتاهية له صديقا «٢» قبل ارتفاع حاله، فأحسّ منه في حين وزارته تغيّرا، فكتب إليه:
أمنت إذا استغنيت من سورة الفقر ... فصرت ترى الإخوان بالنّظر الشّزر
أبا جعفر إنّ الشريف يهينه ... تتايهه دون الأخّلاء بالوفر
فإن تهت يوما بالذى نلت من غنى ... فإن غنائى بالتجمّل والصّبر
ألم تر أن الفقر يرجى له الغنى ... وأنّ الغنى يخشى عليه من الفقر
وروى أبو بكر يموت بن المزرع عن خاله الجاحظ قال: حجب أحمد بن يوسف أبا العتاهية، ثم عاد، فقيل: هو نائم، فكتب إليه:
لئن عدت بعد اليوم إنى لظالم ... سأصرف وجهى حيث تبغى المكارم
متى يظفر الغادى إليك بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم
стр. 469
وقال:
فى عداد الموتى وفي ساكنى الدنيا ... أبو جعفر أخى وخليى
ميّت مات وهو في ورق العيش ... مقيما في ظلّ عيش ظليل
لم يمت ميتة الوفاة، ولكن ... مات عن كلّ صالح وجميل
وخاصم أحمد بن يوسف رجلا بين يدى المأمون، وكان صغا المأمون إليه «١» على أحمد، ففطن لذلك، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه يستملى من عينيك ما يلقانى به، ويستبين بحركته ما تجنّه له «٢» ، وبلوغ إرادتك أحبّ إلىّ من بلوغ أملى، ولذة إجابتك أمتع عندى من لذّة ظفرى؛ وقد تركت له ما نازعنى فيه، وسلّمت له ما طالبنى به. فاستحسن ذلك المأمون.
ومن كلام أحمد بن يوسف: مجالسة البغضاء تثير الهموم، وتجلب الغموم، وتؤلم القلب، وتقدح في النّشاط، وتطوى الانبساط.
ألفاظ لأهل العصر في صفات الثقلاء
فلان ثقيل الطّلعة، بغيض التفصيل والجملة، بارد السكون والحركة؛ قد خرج عن حدّ الاعتدال، وذهب من ذات اليمين إلى ذات الشّمال. يحكى ثقل الحديث المعاد، ويمشى في القلوب والأكباد، ولا أدرى كيف لم تحمل الأمانة أرض حملته؟ وكيف احتاجت إلى الجبال بعد ما أقلّته؟ كأنّ وجهه أيام المصائب، وليالى النوائب، وكأنما قربه فقد الحبائب، وسوء العواقب.
وكأنما وصله عدم الحياة، وموت الفجأة، وكأنما هجره قوة المّنة، وريح الجنّة.
يا عجبى من جسم كالخيال، وروح كالجبال. كأنه ثقل الدّين، على وجع العين. هو ثقيل السكون، بغيض الحركة، كثير الشؤم، قليل البركة. هو بين الجفن والعين قذاة، وبين الأخمص والنّعل حصاة. ما هو إلا غداة الفراق، وكتاب الطلاق، وموت الحبيب، وطلوع الرقيب. ما هو إلّا أربعاء
стр. 470
لا تدور في صفر، والكابوس في وقت السّحر، وأثقل من خراج بلا غلّة، ودواء بلا علّة، وأبغض من مثل غير سائر، وأجمع للعيوب من بغلة أبى دلامة، وحمار طيّار، وطيلسان ابن حرب، وأير أبى حكيمة، وأنشد:
مشى فدعا من ثقله الحوت ربّه ... وقال: إلهى زيدت الأرض ثانيه «١»
وأنشد:
تحمل منه الأرض أضعاف ما ... يحمله الحوت من الأرض
وأنشد:
مشتمل بالبغض لا تنثنى ... إليه لحظا مقلة الرّامق
يظلّ في مجلسنا قاعدا ... أثقل من واش على عاشق
وقال الحمدونى:
سألتك بالله إلّا صدقت ... وعلمي بأنّك لا تصدق
أتبغض نفسك من ثقلها ... وإلا فأنت إذا أحمق
وكتب أبو عبد الرحمن العطوى إلى بعض إخوانه:
إذا أنت لم ترسل وجئت فلم أصل ... ملأت بعذر منك سمع لبيب
أتيتك مشتاقا فلم أرحاجبا ... ولا صاحبا إلا بوجه قطوب
كأنى غريم مقتض، أو كأننى ... طلوع رقيب أو نهوض حبيب
وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى يستثقل جليسا اسمه زنباع، فقال له رجل يوما: ما الزنبعة في كلام العرب؟ قال: التثاقل، ولذلك سمّى جليسنا زنباعا.
وقد كثّر الناس في الثقلاء، وأنا أستحسن قول جحظة، وإن كان غيره قد تقدّمه في مثله:
стр. 471
يا لفظة النّعى بموت الخليل ... يا وقفة التّوديع بين الحمول
يا شربة اليارج يا أجرة ال ... منزل يا وجه العذول الثفيل
يا طلعة النّعش ويا منزلا ... أقفر من بعد الأنيس الحلول
يا نهضة المحبوب عن غضبة ... يا نعمة قد آذنت بالرّحيل
يا كتابا جاء من مخلف ... للوعد مملوءا بعذر طويل
يا بكرة الثّكلى إلى حفرة ... مستودع فيها عزيز الثكول
يا وثبة الحافظ مستعجلا ... بصرفه القينات عند الأصيل
ويا طبيبا قد أتى باكرا ... على أخى سقم بماء البقول
يا شوكة في قدم رخصة ... ليس إلى إخراجها من سبيل
يا عشرة المجذوم في رحله ... ويا صعود السّعر عند المعيل
يا ردّة الحاجب عن قسوة ... ونكسة من بعد برء العليل
وجحظة هذا هو أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك، وقال أبو الحسن على بن محمد بن مقلة الوزير: سألت جحظة من لقّبه بهذا اللقب؟ فقال: ابن المعتز، لقينى يوما، فقال لى: ما حيوان إن نكّسوه أتانا آلة للمراكب البحرية، فقلت: علق، إذا نكّس صار قلعا، قال: أحسنت يا جحظة؛ فلزمنى هذا اللقب، وكان ناتئ العينين جدّا، قبيح الوجه، ولذلك قال ابن الرومى:
نبئت جحظة يستعير جحوظه ... من فيل شطرنج ومن سرطان
يا رحمتى لمنادميه تحمّلوا ... ألم العيون للذّة الآذان
وكان طيّب الغناء، ممتدّ النفس، حسن المسموع؛ إلا أنه كان ثقيل اليد فى الضرب؛ وكان حلو النادرة، كثير الحكاية، صالح الشّعر؛ ولا تزال تندرله الأبيات الجيدة، وهو القائل:
جانبت أطيب لذّتى وشرابى ... وهجرت بعدك عامدا أصحابى
стр. 472
فإذا كتبت لكى أنزّه ناظرى ... فى حسن لفظك لم تجد بجواب
إن كنت تتكر ذلّتى وتذلّلى ... ونحول جسمى وامتداد عذابى
فانظر إلى بدنى الذى موّهته ... للناظرين بكثرة الأثواب
وقال:
وإذا جفانى صاحب ... لم أستجز ما عشت قطعه
وتركته مثل القبو ... ر أزورها في كلّ جمعه
وقال:
ضاقت علىّ وجوه الرأى في نفر ... يلقون بالجحد والكفران إحسانى
أقلّب الطرف تصعيدا ومنحدرا ... فما أقابل إنسانا بإنسانى
وقال:
لقد مات إخوانى الصالحون ... فمالى صديق ومالى عماد
إذا أقبل الصبح ولّى السرور ... وإن أقبل الليل ولّى الرقاد
وقالى يهجو رجلا:
لا تعذلونى إن هجرت طعامه ... خوفا على نفسى من المأكول
فمتى أكلت قتلته من بخله ... ومتى قتلت بالمقتول
ومن حكاياته ما حدّثنى خالد الكاتب قال: جاءنى يوما رسول إبراهيم ابن المهدى، فصرت إليه، فرأيت رجلا أسود على فرش قد غاص فيها، فاستجلسنى وقال: أنشدنى من شعرك، فأنشدته:
رأت منه عينى منظرين كما رأت ... من الشمس والبدر المنير على الأرض
عشيّة حيّانى بورد كأنه ... خدود أضيفت بعضهن إلى بعض
ونازعنى كأسا كأن حبابها ... دموعى لمّا صدّ عن مقلتى غمضى
وراح وفعل الراح في حركاته ... كفعل نسيم الريح بالغصن الغضّ
стр. 473
فزحف حتى صار في ثلثى الفراش، وقال: يا فتى، شبهوا الخدود بالورد، وأنت شبهت الورد بالخدود، زدنى فأنشدته:
عاتبت نفسى في هوا ... ك فلم أجدها تقبل
وأطعت داعيها إلي ... ك فلم أطع من يعذل
لا والذى جعل الوجو ... هـ لحسن وجهك تمثل
لا قلت إن الصبر عنك ... من التّصابى أجمل
فزحف حتى انحدر عن الفرش ثم قال لى: زدنى، فأنشدته:
عش فحبّيك سريعا قاتلى ... والضّنى إن لم تصلنى واصلى
ظفر الحبّ بقلب دنف ... فيك والسّقم بجسم ناحل
فهما بين اكتئاب وضنى ... تركانى كالقضيب الذّابل
وبكى العاذل لى من رحمة ... فبكائى لبكاء العاذل
فنعر طربا وقال: يا يلبق؛ كم معك لنفقتنا؟ قال: ثمانمائة وخمسون دينارا.
قال: اقسمها بينى وبين خالد، فدفع إلىّ نصفها وأنشد جحظة أو غيره ولم يسمّ قائله:
لا يبعد الله إخوانا لنا سلفوا ... أفناهم حدثان الدّهر والأبد
نمدّهم كلّ يوم من بقيّتنا ... ولا يؤوب إلينا منهم أحد
[السكاكين]
وكان أحمد بن يوسف جالسا بين يدى المأمون، فسأل المأمون عن السكّين فناوله أحمد السكين، وقد أمسك بنصابها، وأشار إليه بالحدّ، فنظر إليه المأمون نظر منكر؛ فقال: لعل أمير المؤمنين أنكر علىّ أخذى النّصاب؛ وإشارتى إليه بالحدّ؛ وإنما تفاءلت بذلك أن يكون له الحدّ على أعدائه، فعجب المأمون من سرعة فطنته، ولطيف جوابه.
стр. 474
وقال بعض الكتاب: السكين مسّ الأقلام يشحذها إذا كلت، ويصقلها إذا نبت، ويطلقها إذا وقفت، ويلمّها إذا شعثت، وأحسنها ما عرض صدره، وأرهف حدّه، ولم يفصل على القبضة نصابه.
وقال أبو الفتح كشاجم يرثى سكينا سرقت له:
يا قاتل الله كتّاب الدواوين ... ما يستحلّون من أخذ السكاكين
لقد دهانى لطيف منهم ختل ... فى ذات حدّ كحدّ السيف مسنون
فأقفرت بعد عمران بموقعها ... منها دواة فتى بالكتب مفتون
تبكى على مدية أودى الزمان بها ... كانت على جائر الأقلام تعدينى
كانت تقدّم أقلامى وتنحتها ... نحتا وتسخطها بريا فترضينى
وأضحك الطرس والقرطاس عن حلل ... ينوب للعين من نور البساتين
فإن قشرت بها سوداء من صحفى ... عادت كبعض خدود الخرّد العين
جزع النصاب لطيفات شعائرها ... محسّنات بأصناف التّحاسين
هيفاء مرهفة بيضاء مذهبة ... قال الإله لها سبحانه: كونى
لكن مقطّى أمسى شامتا جذلا ... وكان في ذلّة منها وفي هون
فصين حتى يضاهى في صيانته ... جاهى لصونيه عمّن لا يدانينى
ولست عنها بسال ما حييت، ولا ... بواجد عوضا منها يسلينى
ولو يردّ فداء ما فجعت به ... منها فديناه بالدنيا وبالدين
ألفاظ لأهل العصر في صفات السكاكين
سكّين كأنّ القدر سائقها، أو الأجل سابقها، مرهفة الصّدر، مخطفه الخصر، يجول عليها فرند العتق، ويموج فيها ماء الجوهر؛ كأنّ المنية تبرق من حدّها، والأجل يلمع من متنها، ركّبت في نصاب آبنوس، كأنّ الحدق نفضت
стр. 475
عليه صبغها، وحبّ القلوب كسته لباسها. أخذ لها حديدها الناصح بحظّ من الروم، وضرب لها نصابها الحالك بسهم من الزنج، فكأنها ليل من تحت نهار، أو مجمر أبدى سنا نار، ذات غرار ماض، وذباب قاض. سكين ذات منسر بازىّ، وجوهر هوائى، ونصاب زنجى، إن أرضيت أولت متنا كالدّهان، وإن أسخطت اتقّت بناب الأفعوان. سكّين أحسن من التّلاق، وأقطع من الفراق، تفعل فعل الأعداء، وتنفع نفع الأصدقاء. هى أمضى من القضاء، وأنفذ من القدر المتاح، وأقطع من ظبة السيف الحسام، وألمع من البرق في الغمام. جمعت حسن المنظر، وكرم المخبر، وتملّكت عنان القلب والبصر، ولم يحوجها عتق الجوهر إلى إمهاء الحجر «١»
[السّمر والمنادمة]
قال محمد بن أنس للقاسم بن صبيح: مازلنا في سمر نصل فصوله بتشوّقك، فيذهب ذكرك ملل السامر، ونعسة الساهر. فقال القاسم: مثلك ذكر صديقه فأطراه، واعتذر إليه فأرضاه، ولو كنتم آذنتمونى كنت أحدكم، مسرورا بما به سررتم، مفيضا فيما فيه أفضتم.
قال بعض الظرفاء: شرط المنادمة قلّة الخلاف، والمعاملة بالإنصاف، والمسامحة في الشراب، والتغافل عن ردّ الجواب، وإدمان الرضا، واطّراح ما مضى، وإسقاط التحيّات، واجتناب اقتراح الأصوات، وأكل ما حضر، وإحضار ما تيسّر، وستر العيب، وحفظ الغيب.
وقد أحسن أبو عبد الرحمن العطوى في قوله:
حقوق الكاس والنّدمان خمس ... فأوّلها التزيّن بالوقار
وثانيها مسامحة النّدامى ... فكم حمت السماحة من ذمار
وثالثها، وإن كنت ابن خير ... البريّة محتدا، ترك الفخار
стр. 476
ورابعها وللنّدمان حق ... سوى حقّ القرابة والجوار
إذا حدثته فاكس الحديث ... الّذى حدّثته ثوب اختصار
فما حثّ التبيذ بمثل حسن ال ... أغانى والأحاديث القصار
وخامسة يدلّ بها أخوها ... على كرم الطبيعة والنّجار
حديث الأمس ننساه جميعا ... فإنّ الذّنب فيه للعقار
ومن حكّمت كاسك فيه فاحكم ... له بإقالة عند العثار
وقال حسان بن ثابت:
نوّليها الملامة إن ألمنا ... إذا ما كان مغث أو لحاء «١»
وشرب اليزيدى عند المأمون فلما أخذت منه الكأس أقبل يعتزّ عليه بتعليمه إياه، وأساء مخاطبته؛ فلما أفاق من سكره عرّف ما جرى، فلبس أكفانه، ووقف بين يدى المأمون فأنشده:
أنا المذنب الخطّاء والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو
ثملت فأبدت منّى الكاس بعض ما ... كرهت وما إن يستوى السّكر والصّحو
ولا سيما إن كنت عند خليفة ... وفي مجلس ما إن يجوز به اللّغو
فإن تعف عنى ألف خطوى واسعا ... وإلا يكن عفو فقد قصر الخطو
فقال المأمون: لا تثريب عليك، فالنبيذ بساط يطوى بما عليه.
وشرب كوران المغنى عند الشريف الرضى، فافتقد رداءه، وزعم أنه سرق. فقال له الشريف: ويحك! من تتّهم منا؟ أما علمت أنّ النبيذ بساط يطوى بما عليه؟ قال: انشروا هذا البساط حتى آخذ ردائى واطووه إلى يوم القيامة! وكان أبو جعفر أحمد بن جدار كاتب العباس بن أحمد بن طولون ينقل أخبار أبى حفص عمر بن أيوب كاتب أحمد بن طولون على الشراب إلى العباس، فصار إليه أبو حفص فقال: يا أبا جعفر؛ إنما مجلس المدام مجلس حرمة، وداعية أنس،
стр. 477
ومسرح لبانة، ومذاد همّ، ومرتع لهو، ومعهد سرور، وإنما توسطته عند من لا يتّهم غيبه، ولا يخشى عتبه، وقد اتصل بى ما تنهبه إلى أميرنا أبى الفضل أعز الله أمره، من أخبار مجالستى، فلا تفعل، وأنشده:
ولقد قلت للأخلاء يوما ... قول ساع بالنّصح لو سمعره
إنما مجلس المدام بساط ... للمودات بينهم وضعوه
فإذا ما انتهوا إلى ما أرادوا ... من نعيم ولذة رفعوه
وهم أحرياء، إن كان منهم ... حافظ، ما أتوه أن يمنعوه
فاعتذر ابن جدار وحلف ما فعل، وقام من مجلسه.
وأنشد أبو حفص:
كم من أخ أو جست منه سجيّة ... فأنست بعد وداده بفراقه
لم أحمد الأيام منه خليقة ... فتركته مستمتعا بخلاقه
عوّل أبو حفص في أكثر كلامه على نقل كلام أبى العباس الناشىء في الشراب، والأبيات التي أنشد أولا له.
أبو القاسم الصاحب: قدما حملت أوزار السّكر، على ظهور الخمر، وطوى بساط الشراب، على ما فيه من خطأ أو صواب. متابعة العقار، تعذر في خلع العذار، وتغنى عن الاعتذار. متابعة الأرطال، تبطل سورة الأبطال، وتدع الشيوخ كالأطفال.
كتب إسحاق بن إبراهيم الموصلى إلى بعض الجلّة يستدعيه:
يومنا يوم ليّن الحواشى، وطىء النواحى؛ وسماؤنا قد أقبلت، ورعدت بالخير وبرقت، وأنت قطب السرور، ونظام الأمور؛ فلا تفردنا فنقلّ، ولا تنفرد عنا فنذلّ.
وكتب بعض أهل العصر- وهو السّرىّ الموصلى- إلى أخ له يستدعيه إلى مؤانسته:
стр. 478
خلالك، ما اختلّ الصديق، سحائب ... وبشرك، ما هبّت رياح، مواهب
وأنت شقيق الرّوح تؤثر وصلها ... إذا راعها بالهجر خلّ وصاحب
ونحن خلال القصف والعزف نجتنى ... ثما ملاه كلهنّ أطايب
وعندى لك الرّيحان زين بساطه ... بزهر كما زانت سماء كواكب
وجيش كما انجرّت ذيول غلائل ... مصندلة تختال فيها الكواعب
وقد أطلقت فيه الشمائل، وانثنت ... مفنّدة عن جانبيها الجنائب
وحافظة ماء الحياة لفتية ... حياتهم أن تستلذّ المشارب
نسربلها أخفى اللباس، وإنما ... يلفّ بها أفواهه والسّبائب
على جسد مثل الزّ برجد لم تزل ... تشاكله في لونه وتناسب
إذا استودعت حرّ اللّجين سبائكا ... تصوّب في أحشائها وهو ذائب
وفوق رءوس القوم غيم معلّق ... أنامل بيض للطبول تلاعب
ولا عائق يثنى عنانك عن هوى ... رغى جانب منه وأومض جانب
فبادر؛ فإن اليوم صاف من القذى، ... وبا ربّ يوم بادرته النوائب
وقال ابن المعتز:
لا شىء يسلى همّى سوى قدح ... تدمى عليه أوداج إبريق
فى غيم ندّ يزجى سحائبه ... برق ابتسام ورعد نصفيق
وقال الحسن بن محمد الكاتب يصف طئلا:
يا حبّذا يومنا نلهو بملهية ... تلهى بشىء له رأسان في جسد
قد شدّ هذا إلى هذا كأنهما ... من شدّة الشدّ مقرونان في صفد «١»
نظلّ نلطم خدّيه إذا ضربت ... بكلّ طاقتها لطما بلا حرد «٢»
فتسمع الصوت منه حين تضربه ... كأنه خارج من ما ضغى أسد
стр. 479
ومن ألفاظهم في الاستدعاء
نحن في مجلس قد أبت راحه أن تصفو لنا أو تتناولها يمناك، وأقسم غناؤه لا طاب أو تعيه أذناك، فأمّا خدود نارنجه فقد احمرّت خجلا لإبطائك، وعيون نرجسه قد حدّقت تأميلا للقائك، فبحياتى عليك إلّا تعجّلت، وما تمّهلت.
نحن بغيبتك كعقد تغيّبت واسطته، وشباب قد أخلقت جدّته؛ وإذ قد غابت شمس السماء عنّا، فلا بد أن تدنو الأرض منا. أنت من ينتظم به شمل الطرب، وبلقائه يبلغ كلّ أرب. طر إلينا طيران السّهم، واطلع علينا طلوع النّجم. ثب إلينا وثوب الغزال، واطلع علينا طلوع الهلال، فى غرّة شوّال. كن إلينا أسرع من السهم إلى ممرّه، والماء إلى مقرّه. جشم إلينا قدمك، واخلع علينا كرمك، وإن رأيت أن تحضرنا لتتّصل الواسطة بالعقد، ونحصل بقربك في جنّة الخلد، وتسهم لنا في قربك الذى هو قوت النّفس، ومادة الأنس.
ولهم في استدعاء الشراب
قد تألّف لى شمل إخوان كاد يفترق لعوز المشروب، واعتدنا فضلك المعهود، ووردنا بحرك المورود، وأنا ومن سامحنى الدهر بزيارته من إخوانى وأوليائك وقوف بحيث يقف بنا اختيارك من النشاط والفتور، ويرتضيه لنا إيثارك من الهمّ والسرور، والأمر في ذلك إليك، والاعتماد في جمع شمل المسرّة عليك؛ فإن رأيت أن تكلنى إلى أولى الظّنّين بك فعلت. ألطف المنن موقعا، وأجلّها في النفوس موضعا، ما عمر أوطان المسرّة، وطرد عوارض الهمّ والفكرة، وجمع شمل المودة والألفة. قد انتظمت في رفقة لى في سمط الثريا، فإن لم تحفظ علينا النظام بإهداء المدام عدنا كبنات نعش، والسلام.
فرأيك في إرواء غلّتنا بما ينقعها، والطّول على جماعتنا بما يجمعها.
стр. 480
ولهم في الكناية عن الشراب
قد نشط لتناول ما يستمدّ البشر، ويشرح الصّدر. قد استمطر سحابة الأنس، واستدرّ حلوبة السرور، وقدح زند اللهو، فهو يمرى دماء العناقيد، ويفصد عروق الدّنان، وينظم عقد النّدمان.
كتب الحسن بن سهل إلى الحسن بن وهب وقد اصطبح في يوم دجن لم يمطر: أما ترى تكافؤ هذا الطمع واليأس في يومنا هذا بقرب المطر وبعده، كأنه قول كثير:
وإنى وتهيامى بعزّة بعد ما ... تخلّيت مما بيننا وتخلّت
لكالمرتجى ظلّ الغمامة، كلما ... تبوّأ منها للمقيل اضمحلّت
وما أصبحت أمنيتى إلّا في لقائك، فليت حجاب النأى هتك بينى وبينك! رقعتى هذه وقد دارت زجاجات أوقعت بعقلى ولم تتحيّفه، وبعثت نشاطا حرّكنى للكتاب؛ فرأيت في إمطارى سرورا بسارّ خبرك؛ إذ حرمت السرور بمطر هذا اليوم، موفّقا إن شاء الله.
وكتب الحسن بن وهب: وصل كتاب الامير أيّده الله وفمى طاعم ويدى عاملة؛ ولذلك تأخّر الجواب قليلا، وقد رأيت تكافؤ إحسان هذا اليوم وإساءته، وما استوجب ذنبا استحق به دما؛ لأنه إذا أشمس حكى حسنك وضياءك، وإن أمطر حكى جودك وسخاءك، وإن غام أشبه ظلّك وفناءك، وسؤال الامير عنى نعمة من نعم الله أعفّى بها آثار الزمان السيىء عندى؛ وأنا كما يحبّ الأمير صرف الله الحوادث عنه، وعن حظّى منه.
وذمّ رجل رجلا فقال: دعواته ولائم، وأقداحه محاجم، وكئوسه محابر، ونوادره بوادر.
وقال أبو الفتح كشاجم: كان عندى بعض المجّان من النبيذيّين، فسعنى
стр. 481
وأنا أحمد الله جلّ ذكره في وسط الطعام لشىء خطر ببالى من نعم الله التي لا تحصى، فنهض وقال: أعطى الله عهدا إن عاودت! وما معنى التحميد هنا؟
كأنك تعلمنا أنا قد شبعنا. ثم مال إلى الدواة والقرطاس، وكتب ارتجالا:
وحمد الله يحسن كلّ وقت ... ولكن ليس في أولى الطعام
لأنك تحشم الأضياف فيه ... وتأمرهم بإسراع القيام
وتؤذنهم، وما شبعوا، بشبع ... وذلك ليس من خلق الكرام
وكتب المريمى إلى بعض إخوانه وقد ترك النبيذ:
إن كنت تبت عن الصّهباء تشربها ... نسكا فما تبت عن برّ وإحسان
تب راشدا، واسقنا منها، وإن عذلوا ... فيما فعلت فقل ما تلب إخوانى
وقال بعض النبيذيّين، وقد ترك الشرب:
تحامونى لتركى شرب راح ... أقمت مكانها الماء القراحا
وما انفردوا بها دونى لفضل ... إذا ما كنت أكثرهم مراحا
وأرفعهم على وتر وصنج ... وأطرفهم وأظرفهم مزاحا
إذا شقّوا الجيوب شققت جيبى ... وإن صاحوا علوتهم صياحا
فقر للنبيذيين
ما جمشت الدنيا بأظرف من النبيذ، ما للعقار والوقار. إنما العيش مع الطّيش، الراح ترياق سمّ الهمّ. النبيذ ستر فانظر مع من تهتكه. اشرب النبيذ ما استبشعته، فإذا استطبته فدعه. لولا أنّ المخمور يعلم قصّته لقدّم وصيّته.
الصاحى بين السكارى كالحىّ بين الموتى: يضحك من عقلهم، ويأكل من نقلهم. أحمق ما يكون السّكران إذا تعاقل. التبذل على النبيذ ظرف، والوقار عليه سخف، حدّ السّكران أن تغرب الهموم، ويظهر السرّ المكتوم.
стр. 482
وقال الحسن بن وهب لرجل رآه يعبس عند الشراب: ما أنصفتها، تضحك فى وجهك، وتعبس في وجهها.
وقال الطائى:
إذا ذاقها، وهي الحياة، رأيته ... يعبّس تعبيس المقدّم للقتل
وقد أحسن الشيخ صدر الدين حيث قال:
وأن أقطّب وجهى حين تبسم لى ... فعند بسط الموالى يحفظ الأدب
وترك رجل النبيذ، فقيل له: لم تركته، وهو رسول السرور إلى القلب؟
قال: ولكنه رسول بأس يبعث إلى الجوف فيذهب إلى الرأس.
وقيل لبعضهم: ما أصبّك بالخمر! فقال: إنها تسرج في يدى بنورها، وفي قلبى بسرورها كأنّ الناشىء نظر إلى هذا الكلام فقال:
راح إذا علت الأكفّ كئوسها ... فكأنها من دونها في الرّاح «١»
وكأنما الكاسات مما حولها ... من نورها يسبحن في ضحضاح «٢»
لو بثّ في غسق الظلام ضياؤها ... طلع المساء بغرّة الإصباح
نفضت على الأجسام ناصع لونها ... وسرت بلذّتها إلى الأرواح
البيت الأول كقول البحترى:
يخفى الزجاجة ضوءها، فكأنها ... فى الكفّ قائمة بغير إناء «٣»
وللناشىء في هذا المعنى:
ومدامة يخفى النهار لنورها ... ونذلّ أكناف الدّجا لضيائها
صبّت فأحدق نورها بزجاجها ... فكأنها جعلت إناء إنائها
وترى إذا صبّت بدت في كأسها ... متقاصر الأرجاء عن أرجائها
وتكاد إن مزجت لرقّة لونها ... تمتاز عند مزاجها من مائها
صفراء تضحى الشمس، إن قيست بها ... فى ضوئها، كاللّيل، فى أضوائها
стр. 483
وإذا تصفّحت الهواء رأيته ... كدر الأديمة عند حسن صفائها
تزداد من كرم الطباع بقدر ما ... نودى به الأيام من أجزائها
لا شىء أعجب من تولّد برئها ... من سقمها، ودوائها من دائها
وقال:
إن رمت وصف الراح فأت بما ... فيها من الأوصاف من قرب
هى ماء ياقوت، وإن مزجت ... فى كأسها بالبارد العذب
فكأنها وحبابها ذهب ... كلّلته بالّلؤلؤ الرّطب
ولأهل العصر: الدنيا معشوقة ريقها الراح. أخذ هذا المعنى من قول ابن الرومى في صاعد بن مخلد:
فتى هاجر الدنيا وحرّم ريقها ... وهل ريقها إلّا الرحيق المورّد
ولو طمعت في عطفه ووصاله ... أباحته منها مرشفا لا يصرّد
الخمر أشبه شىء بالدنيا؛ لاجتماع اللذات والمرارة فيها. الخمر مصباح السرور، ولكنها مفتاح الشرور. لكل شىء سرّ، وسرّ الراح السرور. لا يطيب المدام الصافى، إلّا مع النديم المصافى.
ومن ألفاظهم في صفات مجالس الأنس وآلات اللهو وذكر الخمر
مجلس راحه ياقوت، ونوره ورد، ونارنجه ذهب، ونرجسه دينار ودرهم، يحملهما زبرجد. عندنا أترج كأنه من خلقك خلق، ومن شمائلك «١» سرق، ونارنج ككرات من سفن ذهّبت «٢» ، أو ثدى أبكار خلّقت. مجلس أخذت فيه الأوتار تتجاوب، والأقداح تتناوب. أعلام الأنس خافقة، وألسن الملاهى
стр. 484
ناطقة. ونحن بين بدور، وكاسات تدور، وبروق راح، وشموس أقداح. قد نشأت غمامة النّدّ، على بساط الورد. مجلس قد تفتّحت فيه عيون النرجس، وفاحت مجامير الأترجّ، وفتقت فارات النّارنج، ونطقت ألسن العيدان، وقامت خطباء الأوتار، وهبّت رياح الأقداح، وطلعت كواكب النّدمان، وامتدت سماء النّدّ. مجلس من رآه حسب الجنان قد اصطفّت عيونها، فجعلت فى قدر من الأرض، وتخيّرت فصوصها، فنقلت إلى مجلس الأنس واللهو.
قد فضّ اللهو ختامه، ونشر الأنس أعلامه. قد هبّت للأنس ريح برقها الراح، وسحابها الأقداح، ورعودها الأوتار، ورياضها الأقمار. قد فرغنا للهو والدهر عنا فى شغل.
جلّ هذا من قول بعض أهل العصر:
كم جوى مثّله رسم مثل ... ودم قد طلّ أثناء طلل
ولآل كلّل الخدّ بها ... لعب البين بربّات الكلل
حبذا عيش الليالى باللّوى ... لو تجافى الدّهر عنّا وغفل
إذ فرغنا فيه للهو وقد ... باتت الأقدار عنّا في شغل
وأدرنا ذهبا في لهب ... كلما أخمد بالماء اشتعل
قد اقتعدنا غارب الأنس، وجرينا في ميدان اللهو. عمدنا إلى أقداح اللهو فأجلناها، ولمراكب السرور فامتطيناها. قد امتطينا غوارب السرور بالأقداح. مدامة توردريح الورد، وتحكى نار إبراهيم في اللّون والبرد، ولست أدرى أشقيق أم عقيق، أم رحيق أم حريق. راح كأنّ الدّيوك صبّت أحداقها فيها. راح كأنما اشتقّت من الرّوح والراحة.
قال ابن الرومى:
والله ما ندرى لأيّة علّه ... يدعونها في الرّاح باسم الرّاح
ألريحها أم روحها تحت الحشى ... أم لارتياح نديمها المرتاح
стр. 485
راح كالنار والنّور والنّور، أصفى من البلّور، ومن دمع المهجور. روح نور لها من الكأس جسم، كأنها شمس في غلالة سراب. شراب أكاد أقول:
هو أصفى من مودّتى لك، ومن نعم الله عندى فيك، وأطيب من إسعاف الزمان بلقائك. مدامة قد سبك الدهر تبرها فصفا. كأس كأنها نور ضميره نار. راح كياقوتة في درّة، أصفى من ماء السماء، ودمع العاشقة المرهاء «١» ، أحسن من الدنيا المقبلة، والنعم المكملة. أحسن من العافية في البدن، وأطيب من الحياة في السرور. أرقّ من نسيم الصّبا، وعهد الصّبا. أرقّ من دمع محبّ، وشكوى صبّ. أرقّ من دموع العشّاق، مرتها لوعة الفراق.
مزج نار الرّاح بنور الماء. راح كأنها معصورة من وجنة الشمس، فى كأس كأنها مخروطة من فلقة البدر. كأسها ملء اليد، وريحها ملء البلد، تصبّ على الليل ثوب النهار، كأنها في الكأس معنى دقيق في ذهن لطيف.
كأنّ الراح من خدّه معصورة، وملاحة الصورة عليها مقصورة. وهذا من قول الطائى
كأنها من خدّه تعصر
وقال عبد السلام بن رغبان الملقب بديك الجن الشاعر المشهور:
معتّقة من كفّ ظبى كأنما ... تناولها من خدّه فأدارها
تمشّت الصّهباء في عظامهم، وترقّت إلى هامهم، وماست في أعطافهم، ومالت بأطرافهم. سارت فيهم الكئوس، ونالت منهم سورة الخندريس «٢» .
شربت عقولهم، وملكت قلوبهم.
وقال أبو نواس، وهو أستاذ الناس في هذا الشأن:
صفة الطول بلاغة الفدم ... فاجعل صفاتك لابنة الكرم
تصف الطلول على السماع بها ... أفذو العيان كثابت العلم
стр. 486
وإذا وصفت الشىء متبعا ... لم تخل من غلط ومن وهم
وقال:
الكأس أهواها وإن رزأت ... بلغ المعاش وقلّلت فضلى «١»
صفراء مجّدها مرازبها ... جلّت عن النظراء والمثل
ذخرت لآدم قبل خلقته ... فتقدمته بخطوة القبل
فاعذر أخاك فإنه رجل ... مرنت مسامعه على العذل
وقال:
فتسلّيت بشرب عقار ... نشأت في حجر أمّ الزمان
فتناساها الجديدان حتى ... هى أنصاف شطور الدّنان
وافترعنا مرة الطعم بها ... نزق البكر ولين العوان
واحتسينا من رحيق عتيق ... وشديد كامل في ليان
لم يجفها مبزل القوم حتى ... نجمت مثل نجوم السنان
أو كعرق السام تنشقّ منه ... شعب مثل انفراج البنان
وقال:
وخدين لذّات معلّل صاحب ... يقتات منه فكاهة ومزاحا
قال: ابغنى المصباح، قلت له: اتّئد ... حسبى وحسبك ضوءها مصباحا
فسكبت منها في الزجاجة شربة ... كانت له حتى الصباح صباحا
وهذا كقوله:
وخمّار أنخت عليه ليلا ... قلائص قد تعبن من السّفار «٢»
فترجم والكرى في مقلتيه ... كمخمور شكا ألم الخمار
أبن لى كيف صرت إلى حريمى ... وجفن الليل مكتحل بقار
стр. 487
فقلت له: ترفّق بى؛ فإنى ... رأيت الصبح من خلل الديار
فكان جوابه أن قال: كلّا ... وما صبح سوى ضوء العقار
وقام إلى الدّنان فسدّ فاها ... فعاد الليل مسدول الإزار
وقال بعض المحدثين:
ما زال يشربها وتشرب عقله ... خبلا، وتؤذن روحه برواح
حتى انثنى متوسّدا بيمينه ... سكرا، وأسلم روحه للرّاح
وقال الصنوبرى وذكر شربا «١» :
نازعتهم كأسا تخال نسيمها ... مسكا تضوّع في الإناء عتيقا
شقّت قناع الفجر لما غادرت ... كفّ النديم قناعها مشقوقا
صبغت سواد دجاه حمرة لونها ... فكأنه سبج أعيد عقيقا
وقال أبو الشّيص:
وكأس كسا الساقى لنا بعد هجعة ... حواشيها ما مجّ من ريقة العنب
كأنّ اطّراد الماء في جنباتها ... تربّع ماء الدرّ في سبك الذّهب
سقانى بها، واللّيل قد شاب رأسه، ... غزال بحنّاء الزجاجة مختضب
وقال أبو عدى الكاتب:
ليس لها حدّ تحيط بوصفه ... لغات، ولا جسم يباشره لمس
ولكنه كالبرق أومض ماضيا ... فلم يبق منه غير ما تذكر النّفس
وقال ابن المعتز:
ألا فاسقنيها قد مشى الصبح في الدّجى ... عقارا كمثل النار حمراء قرقفا
فناولنى كأسا أضاءت بنانه ... تدفّق ياقوتا ودرّا مجوّفا
ولما أريناها المزاج تسعرّت ... وخلت سناها بارقا قد تكشفا
стр. 488
يطوف بها ظبى من الإنس شادن ... يقلّب طرفا فاسق اللّحظ مدنفا
عليم بأسرار المحبين حاذق ... بتسليم عينيه إذا ما تخوّفا
فظل يناجينى يقلّب طرفه ... بأطيب من نجوى الأمانى وألطفا
وقال:
ألا عج على دار السرور فسلّم ... وقل: أين لذّاتى وأين تكلمى؟
وقل: ما حلت بالعين بعدك لذة ... سواك، وإن لم تعلمى ذاك فاعلمى
وصفراء من صبغ المزاج برأسها، ... إذا مزجت، إكليل درّ منظم
قطعت بها عمر الدّجى وشربتها ... ظلاميّة الأحشاء نورية الدّم
[من رسائل بديع الزمان الهمذانى]
كتب أبو الفضل بديع الزمان إلى أبى عدنان بن محمد الضبى «١» يعزّيه عن بعض أقاربه:
إذا ما الدهر جرّ على أناس ... حوادثه أناخ بآخرينا
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
أحسن ما في الدهر عمومه بالنوائب، وخصوصه بالرغائب، فهو يدعو الجفلى «٢» إذا ساء، ويخصّ بالنعمة إذا شاء، فليفكّر الشامت؛ فإن كان أفلت، فله أن يشمت، ولينظر الإنسان في الدهر وصروفه، والموت وصنوفه، من فاتحة أمره، إلى خاتمة عمره؛ هل يجد لنفسه، أثرا في نفسه؟ أم لتدبيره، عونا على تصويره، أم لعمله، تقديما لأمله، أم لحيله، تأخيرا لأجله؛ كلا، بل هو العبد لم يكن شيئا مذكورا؛ خلق مقهورا، ورزق مقدورا، فهو يحيا جبرا، ويهلك صبرا، وليتأمّل المرء كيف كان قبلا؛ فإن كان العدم أصلا، والوجود فضلا، فليعلم
стр. 489
الموت عدلا؛ فالعاقل من رقّع من جوانب الدهر ما ساء بما سرّ، ليذهب ما نفع بما ضرّ؛ فإن أحبّ ألّا يحزن فلينظر يمنة، هل يرى إلا محنة، ثم ليعطف يسرة، هل يرى إلّا حسرة؟ ومثل الشيخ الرئيس- أطال الله بقاءه! - من فطن لهذه الأسرار، وعرف هذه الديار، فأعدّ لنعيمها صدرا لا يملؤه فرحا، ولبؤسها قلبا لا يطيره ترحا؛ وصحب البريّة برأى من يعلم أنّ للمتعة حدّا، وللعاريّة ردّا، ولقد نعى إلىّ أبو قبيصة قدّس الله روحه، وبرّد ضريحه، فعرضت علىّ آمالى قعودا، وأمانىّ سودا، وبكيت، والسخىّ جوده بما يملك، وضحكت، وشرّ الشدائد ما يضحك، وعضضت الأصبع حتى أدميته، وذممت الموت حتى تمنّيته؛ والموت أطال الله بقاء الشيخ الرئيس خطب قد عظم حتى هان، وأمر قد خشن حتى لان، ونكر قد عمّ حتى عاد عرفا؛ والدنيا قد تنكّرت حتى صار الموت أخفّ خطوبها، وقد خبثت حتى صار أقلّ عيوبها، ولعل هذا السهم قد صاب آخر ما في كنانتها، وأنكأ ما في خزانتها، ونحن معاشر التّبع نتعلم الأدب من اخلاقه، والجميل من أفعاله، فلا نحثّه على الجميل وهو الصبر، ولا نرغّبه في الجزيل وهو الأجر؛ فلير فيهما رأيه إن شاء الله.
وله إلى بعض إخوانه جوابا عن كتاب كتبه يهنّيه بمرض أبى بكر الخوارزمى وكانت بينهما مقارعة، ومنازعة، ومنافرة، ومهاترة؛ ولهما مجالس مستظرفة قهره البديع فيها وبهره، وبكّته حتى أسكته، ليس هذا موضعها، لكنى أذكر بعد هذه الرسالة بعض مكاتبات جرت بينهما؛ إذ كان ما لهما من الابتداء والجواب آخذا بوصل الحكمة وفصل الخطاب:
الحرّ أطال الله بقاءك- لا سيما إذا عرف الدهر معرفتى، ووصف أحواله صفتى- إذا نظر علم أنّ نعم الدّهر ما دامت معدومة فهى أمانىّ، وإن وجدت فهى عوارى، وأنّ محن الأيام وإن طالت فستنفد، وإن لم تصب فكأنّ قد، فكيف يشمت بالمحنة من لا يأمنها في نفسه، ولا يعدمها في جنسه، والشامت
стр. 490
إن أفلت فليس يفوت، وإن لم يمت فسيموت؛ وما أقبح الشماتة، بمن أمن الإماتة، فكيف بمن يتوقّعها بعد كل لحظة، وعقب كلّ لفظة، والدّهر غرثان طعمه الخيار «١» ، وظمآن شربه الأحرار، فهل يشمت المرء بأنياب آكله، أم يسرّ العاقل بسلاح قاتله؟ وهذا الفاضل شفاه الله وإن ظاهرناه بالعداوة قليلا، فقد باطنّاه ودّا جميلا، والحرّ عند الحميّة لا يصطاد، ولكنه عند الكرم ينقاد، وعند الشدائد تذهب الأحقاد، فلا تتصور حالتى إلا بصورتها من التوجّع لعلّته، والتحزّن لمرضته، وقاه والله المكروه، ووقانى سماع المحذور فيه، بمنّه وحوله، ولطفه وطوله.
قال البديع في سياقة أخباره مع أبى بكر الخوارزمى:
أولها أنا وطئنا خراسان، فما اخترنا إلّا نيسابور دارا، وإلّا جوار السادة جوارا، لا جرم أنا حططنا بها الرّحل؛ ومددنا عليها الطّنب، وقديما كنا نسمع بحديث هذا الفاضل فنتشوّقه، وبخبره على الغيب فنتعشّقه، ونقدّر أنا إذا وطئنا أرضه، ووردنا بلده، يخرج لنا في العشرة عن القشرة، وفي المودّة عن الجلدة، فقد كانت كلمة الغربة جمعتنا، ولحمة الأدب نظمتنا، وقد قال شاعر القوم غير مدافع «٢» :
أجارتنا إنّا غريبان هاهنا ... وكلّ غريب للغريب نسيب
فأخلف ذلك الظنّ كلّ الإخلاف، واختلف ذلك التقدير كلّ الاختلاف، وكان قد اتفق علينا في الطريق من العرب اتفاق، لم يوجبه استحقاق، من بزّة بزوها، وفضّة فضوها، وذهب ذهبوا به، ووردنا نيسابور براحة، أنقى من
стр. 491
الراحة، وكيس أخلى من جوف حمار «١» ، وزى أوحش من طلعة المعلّم، بل اطلاعة الرقيب، فما حللنا إلا قصبة جواره، ولا وطئنا إلا عتبة داره؛ وهذا بعد رقعة قدّمناها، وأحوال أنس نظمناها- ونسخة الرقعة: أنا بقرب الأستاذ أطال الله بقاه كما طرب النّشوان مالت به الخمر، ومن الارتياح للقائه كما انتفض العصفور بلّله القطر، ومن الامتزاج بولائه كما التقت الصّهباء والبارد العذب، ومن الابتهاج لمزاره كما اهتزّ تحت البارح الغصن الرّطب، فكيف نشاط الأستاذ سيدى لصديق طرأ إليه ممّا بين قصبتى العراق وخراسان، بل عتبتى نيسابور وجرجان؟ وكيف اهتزازه لضيف:
رثّ الشمائل مخلق الأثواب ... بكرت عليه مغيرة الأعراب
وهو- أيّده الله! - ولىّ إنعامه، بإنفاذ غلامه، إلى مستقرّى، لأفضى إليه بما عندى- إن شاء الله- فلما أخذتنا عينه سقانا الدّردىّ من أوّل دنّه، وأجنانا سوء العشرة من باكورة فنّه، من طرف نظر بشطره، وقيام دفع في صدره، وصديق استهان بقدره، وضيف استخفّ بأمره؛ لكنا أقطعناه جانب أخلاقه، وولّيناه خطّة نفاقه؛ فواصلناه إذ جانب، وقاربناه إذ جاذب، وشربناه على كدورته، ولبسناه على خشونته، ورددنا الأمر في ذلك إلى زىّ استغثه، ولباس استرثّه، وكاتبناه نستمدّ وداده، ونستلين قياده، ونقيم منآده، بما هذه نسخته:
الأستاذ أبو بكر، والله يطيل بقاءه، أزرى بضيفه أن وجده يضرب إليه آباط القلّة، فى أطمار الغربة، فأعمل في رتبته أعمال المصارفة، وفي الاهتزاز إليه أصناف المضايقة، من إيماء بنصف الطّرف، وإشارة بشطر الكف،
стр. 492
ودفع في صدر القيام عن التمام، ومضغ للكلام، وتكلّف لردّ السلام؛ وقد قبلت ترتيبه صعرا، واحتملته وزرا، واحتضنته نكرا، وتأبّطته شرّا، ولم آله عذرا؛ فإن المرء بالمال وثياب الجمال، ولست مع هذه الحال وفي الاسمال، أتقزّز من صفّ النعال، فلو صدقته العتاب، وناقشته الحساب، لقلت: إنّ بوادينا ثاغية صباح، وراغية رواح، وناسا يجرّون المطارف، ولا يمنعون المعارف:
وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل
فلو طوّحت بأبى بكر- أيّده الله- إليهم مطارح الغربة، لوجد منزل البشر رحيبا، ومحطّ الرّحل قريبا، ووجه المضيف خصيبا؛ فرأى الأستاذ أبى بكر أيده الله فى الوقوف على هذا العتاب الذى معناه ودّ، والمرّ الذى يتلوه شهد، موفق إن شاء الله.
فأجاب بما نسخته: وصلت رقعة سيدى ورئيسى أطال الله بقاه إلى آخر السّكباج «١» ، وعرفت ما تضمّنه من خشن خطابه، ومؤلم عتابه، وصرفت ذلك منه إلى الضّجرة التي لا يخلو منها من مسّه عسر أو نبا به دهر؛ والحمد لله الذى جعلنى موضع أنسه، ومظنّة مشتكى ما في نفسه، أما ما شكاه سيدى ورئيسى من مضايقتى إياه في القيام، فقد وفيته حقّه- أيّده الله- سلاما وقياما، على قدر ما قدرت عليه، ووصلت إليه، ولم أرفع عليه إلا السيد أبا البركات [العلوى] أدام الله عزه، وما كنت لأرفع أحدا على من أبوه الرسول، وأمّه البتول، وشاهداه التوراة والإنجيل، وناصراه التأويل والتنزيل، والبشير به جبريل وميكائيل؛ فأما القوم الذين صدر عنهم سيدى فكما وصف: حسن عشرة، وسداد طريقة، وجمال تفصيل وجملة، ولقد جاورتهم فأحمدت المراد، ونلت المراد:
стр. 493
فإن كنت قد فارقت نجدا وأهله ... فما عهد نجد عندنا بذميم
والله يعلم نيّتى للأحرار «١» كافة، ولسيدى من بينهم خاصة؛ فإن أعاننى الدهر على ما في نفسى بلغت له ما في النيّة، وجاوزت به مسافة القدر والأمنية، وإن قطع علىّ طريق عزمى بالمعارضة، وسوء المناقضة، صرفت عنانى عن طريق الاختيار، بيد الاضطرار.
فما النفس إلّا نطفة بقرارة ... إذا لم تكدّر كان صفوا غديرها «٢»
وبعد، فحبذا عتاب سيدى إذا استوجبنا عتبا، واقترفنا ذنبا؛ فأما أن يسلفنا العربدة فنحن نصونه عن ذلك، ونصون أنفسنا عن احتماله، ولست أسومه أن يقول: (اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ)
، ولكن أسأله أن يقول: (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) .
فحين ورد الجواب وعين العذر رمدة تركناه بعرّه، وطويناه على غرّه، وعمدنا إلى ذكره فسحوناه، ومن صحيفتنا محوناه، وصرنا إلى اسمه فأخذناه ونبذناه، وتنكّبنا خطته، وتجنبنا حطّته «٣» ، فلا طرنا إليه، ولا صرنا به، ومضى على ذلك الأسبوع، ودبّت الأيام، ودرجت الليالى، وتطاولت المدّة، وتصرّم الشهر، وصرنا لا نعير الأسماع ذكره، ولا نودع الصدور حديثه؛ وجعل هذا الفاضل يستزيد، ويستعيد، بألفاظ تقطعها الأسماع من لسانه، وتؤديها إلىّ، وكلمات تحفظها الألسنة من فمه، وتعيدها علىّ؛ فكاتبناه بما هذه نسخته:
أنا أرد من الأستاذ سيدى- أطال الله بقاه- شرعة ودّه وإن لم تصف، وألبس خلعة برّه وإن لم تضف، وقصاراى أن أكيله، صاعا عن مدّ؛ فإنى وإن كنت في الأدب دعىّ النّسب، ضيق المضطرب، سيىء المنقلب، أمتّ إلى عشرة أهله بنيقة، وأنزع إلى خدمة أصحابه بطريقة، ولكن بقى أن يكون الخليط منصفا في الوداد، إذا زرت زار، وإن عدت عاد، وسيدى- أبقاه الله-
стр. 494
ناقشنى في القبول أولا «١» ، وصارمنى في الإقبال آخرا؛ فأما حديث الاستقبال، وأمر الإنزال والأنزال «٢» ، فنطاق الطمع ضيّق عنه، غير متسع لتوقّعه منه، وبعد فكلفة الفضل بيّنة، وفروض الودّ متعيّنة، وأرض العشرة ليّنة، وطرقها هيّنة، فلم اختار قعود التّعالى مركبا، وصعود التغالى مذهبا؛ وهلّا ذاد الطير عن شجر العشرة، وذاق الحلو من ثمرها؛ فقد علم الله أن شوقى إليه قد قدّ الفؤاد برحا إلى برح، ونكأه قرحا إلى قرح، ولكنها مرّة مرّة، ونفس حرّة، لم تقد إلا بالإعظام، ولم تلق إلا بالإجلال والإكرام، وإذا استعفانى من معاتبته، فأعفى نفسه من كلف الفضل يتجشّمها، فليس إلّا غصص الشوق أتجرّعها، وحلل الصّبر أتدرّعها، ولم أعره من نفسى، وأنا لو أعرت جناحى طائر لما طرت إلّا إليه، ولا وقعت إلا عليه:
أحبك يا شمس النهار وبدره ... وإن لامنى فيك السها والفراقد
وذاك لأنّ الفضل عندك باهر ... وليس لأن العيش عندك بارد
فلما وردت عليه الرّقعة حشد تلاميذه وخدمه، وجشم للايجاب قدمه «٣» :
وطلع علينا مع الفجر طلوعه، ونظمتنا حاشيتا دار الأمير أبى الطيب؛ فقلنا:
الآن تشرق الحشمة وتنوّر، وننجد فى العشرة ونغوّر، وقصدناه شاكرين لما أتاه، وانتظرنا عادة برّه، وتوقّعنا مادّة فضله؛ فكان خلّبا شمناه، وآلا وردناه «٤» ، وصرفنا فى تأخّره وتأخّرنا عنه إلى ما قاله ابن المعتز:
إنّا على البعاد والتفرّق ... لنلتقى بالذكر إن لم نلتق
وأنشدنا قول ابن عصرنا «٥» :
أحبك فى البتول وفى أبيها ... ولكنى أحبّك من بعيد
стр. 495
وبقينا نلتقى خيالا، ونقنع بالذكر وصالا، حتى جعلت عواصفه تهبّ، وعقاربه تدبّ.
والمجلس طويل جدا.
قلت: إن كنت خرجت لطول هذا الكلام عن ضبط الشرط، فلعلى أسامح فيه لفضله، وعدم مثله، وهو وإن كان فى باب الاتصال، فهو بتقدير الانفصال، لقيام كلّ رسالة بذاتها، وانفرادها بصفاتها.
وكتب إلى رئيس هراة عدنان بن محمد يصف ما جرى بينه وبين الخوارزمىّ:
ما ألوم هذا الفاضل على بساط شرّ طواه، وموقد حرب اجتواه، ولكنى ألومه على ما نواه؛ ثم لم يتبع هواه، ورامه، ثم لم يبلغ آثامه، وأقول: قد ضرب فأين الإيجاع؟ وأنذر فأين الإيقاع؟ وهذه بوارقه، فأين صواعقه؟ وذلك وعيده، فأين عديده؟ وتلك بنوده، فأين جنوده؟ وأنشد:
هذى معاهده فأين عهوده؟
وما أهول رعده، لو أمطر بعده! اللهمّ لأكفران، ولعن الله الشيطان، فإنّه أشفق لغريب أن يظهر عواره، وإن طار طواره «١» ، وإن كان قصد هذا القصد فقد أساء إلى نفسه من حيث أحسن إلىّ، وأجحف بفضله من حيث أبقى علىّ، وأوهم الناس أنه هاب البحر أن يخوضه، والأسد أن يروضه، وشجّعنى على لقائه، بعد ما برعنى «٢» بإيمائه، فبينا كنت أنشد:
إنّ جنبى على الفراش لناب
إذ أنشدت:
طاب ليلى وطاب فيه شرابى
следующие страницы →