← Адаб

Адаб · id 10768

زهر الآداب وثمر الألباب

الحصري القيرواني

Полный текст (1 141 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الراحة، وكيس أخلى من جوف حمار «١» ، وزى أوحش من طلعة المعلّم، بل اطلاعة الرقيب، فما حللنا إلا قصبة جواره، ولا وطئنا إلا عتبة داره؛ وهذا بعد رقعة قدّمناها، وأحوال أنس نظمناها- ونسخة الرقعة: أنا بقرب الأستاذ أطال الله بقاه كما طرب النّشوان مالت به الخمر، ومن الارتياح للقائه كما انتفض العصفور بلّله القطر، ومن الامتزاج بولائه كما التقت الصّهباء والبارد العذب، ومن الابتهاج لمزاره كما اهتزّ تحت البارح الغصن الرّطب، فكيف نشاط الأستاذ سيدى لصديق طرأ إليه ممّا بين قصبتى العراق وخراسان، بل عتبتى نيسابور وجرجان؟ وكيف اهتزازه لضيف: رثّ الشمائل مخلق الأثواب ... بكرت عليه مغيرة الأعراب وهو- أيّده الله! - ولىّ إنعامه، بإنفاذ غلامه، إلى مستقرّى، لأفضى إليه بما عندى- إن شاء الله- فلما أخذتنا عينه سقانا الدّردىّ من أوّل دنّه، وأجنانا سوء العشرة من باكورة فنّه، من طرف نظر بشطره، وقيام دفع في صدره، وصديق استهان بقدره، وضيف استخفّ بأمره؛ لكنا أقطعناه جانب أخلاقه، وولّيناه خطّة نفاقه؛ فواصلناه إذ جانب، وقاربناه إذ جاذب، وشربناه على كدورته، ولبسناه على خشونته، ورددنا الأمر في ذلك إلى زىّ استغثه، ولباس استرثّه، وكاتبناه نستمدّ وداده، ونستلين قياده، ونقيم منآده، بما هذه نسخته: الأستاذ أبو بكر، والله يطيل بقاءه، أزرى بضيفه أن وجده يضرب إليه آباط القلّة، فى أطمار الغربة، فأعمل في رتبته أعمال المصارفة، وفي الاهتزاز إليه أصناف المضايقة، من إيماء بنصف الطّرف، وإشارة بشطر الكف،

стр. 492

ودفع في صدر القيام عن التمام، ومضغ للكلام، وتكلّف لردّ السلام؛ وقد قبلت ترتيبه صعرا، واحتملته وزرا، واحتضنته نكرا، وتأبّطته شرّا، ولم آله عذرا؛ فإن المرء بالمال وثياب الجمال، ولست مع هذه الحال وفي الاسمال، أتقزّز من صفّ النعال، فلو صدقته العتاب، وناقشته الحساب، لقلت: إنّ بوادينا ثاغية صباح، وراغية رواح، وناسا يجرّون المطارف، ولا يمنعون المعارف: وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل فلو طوّحت بأبى بكر- أيّده الله- إليهم مطارح الغربة، لوجد منزل البشر رحيبا، ومحطّ الرّحل قريبا، ووجه المضيف خصيبا؛ فرأى الأستاذ أبى بكر أيده الله فى الوقوف على هذا العتاب الذى معناه ودّ، والمرّ الذى يتلوه شهد، موفق إن شاء الله. فأجاب بما نسخته: وصلت رقعة سيدى ورئيسى أطال الله بقاه إلى آخر السّكباج «١» ، وعرفت ما تضمّنه من خشن خطابه، ومؤلم عتابه، وصرفت ذلك منه إلى الضّجرة التي لا يخلو منها من مسّه عسر أو نبا به دهر؛ والحمد لله الذى جعلنى موضع أنسه، ومظنّة مشتكى ما في نفسه، أما ما شكاه سيدى ورئيسى من مضايقتى إياه في القيام، فقد وفيته حقّه- أيّده الله- سلاما وقياما، على قدر ما قدرت عليه، ووصلت إليه، ولم أرفع عليه إلا السيد أبا البركات [العلوى] أدام الله عزه، وما كنت لأرفع أحدا على من أبوه الرسول، وأمّه البتول، وشاهداه التوراة والإنجيل، وناصراه التأويل والتنزيل، والبشير به جبريل وميكائيل؛ فأما القوم الذين صدر عنهم سيدى فكما وصف: حسن عشرة، وسداد طريقة، وجمال تفصيل وجملة، ولقد جاورتهم فأحمدت المراد، ونلت المراد:

стр. 493

فإن كنت قد فارقت نجدا وأهله ... فما عهد نجد عندنا بذميم والله يعلم نيّتى للأحرار «١» كافة، ولسيدى من بينهم خاصة؛ فإن أعاننى الدهر على ما في نفسى بلغت له ما في النيّة، وجاوزت به مسافة القدر والأمنية، وإن قطع علىّ طريق عزمى بالمعارضة، وسوء المناقضة، صرفت عنانى عن طريق الاختيار، بيد الاضطرار. فما النفس إلّا نطفة بقرارة ... إذا لم تكدّر كان صفوا غديرها «٢» وبعد، فحبذا عتاب سيدى إذا استوجبنا عتبا، واقترفنا ذنبا؛ فأما أن يسلفنا العربدة فنحن نصونه عن ذلك، ونصون أنفسنا عن احتماله، ولست أسومه أن يقول: (اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ) ، ولكن أسأله أن يقول: (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) . فحين ورد الجواب وعين العذر رمدة تركناه بعرّه، وطويناه على غرّه، وعمدنا إلى ذكره فسحوناه، ومن صحيفتنا محوناه، وصرنا إلى اسمه فأخذناه ونبذناه، وتنكّبنا خطته، وتجنبنا حطّته «٣» ، فلا طرنا إليه، ولا صرنا به، ومضى على ذلك الأسبوع، ودبّت الأيام، ودرجت الليالى، وتطاولت المدّة، وتصرّم الشهر، وصرنا لا نعير الأسماع ذكره، ولا نودع الصدور حديثه؛ وجعل هذا الفاضل يستزيد، ويستعيد، بألفاظ تقطعها الأسماع من لسانه، وتؤديها إلىّ، وكلمات تحفظها الألسنة من فمه، وتعيدها علىّ؛ فكاتبناه بما هذه نسخته: أنا أرد من الأستاذ سيدى- أطال الله بقاه- شرعة ودّه وإن لم تصف، وألبس خلعة برّه وإن لم تضف، وقصاراى أن أكيله، صاعا عن مدّ؛ فإنى وإن كنت في الأدب دعىّ النّسب، ضيق المضطرب، سيىء المنقلب، أمتّ إلى عشرة أهله بنيقة، وأنزع إلى خدمة أصحابه بطريقة، ولكن بقى أن يكون الخليط منصفا في الوداد، إذا زرت زار، وإن عدت عاد، وسيدى- أبقاه الله-

стр. 494

ناقشنى في القبول أولا «١» ، وصارمنى في الإقبال آخرا؛ فأما حديث الاستقبال، وأمر الإنزال والأنزال «٢» ، فنطاق الطمع ضيّق عنه، غير متسع لتوقّعه منه، وبعد فكلفة الفضل بيّنة، وفروض الودّ متعيّنة، وأرض العشرة ليّنة، وطرقها هيّنة، فلم اختار قعود التّعالى مركبا، وصعود التغالى مذهبا؛ وهلّا ذاد الطير عن شجر العشرة، وذاق الحلو من ثمرها؛ فقد علم الله أن شوقى إليه قد قدّ الفؤاد برحا إلى برح، ونكأه قرحا إلى قرح، ولكنها مرّة مرّة، ونفس حرّة، لم تقد إلا بالإعظام، ولم تلق إلا بالإجلال والإكرام، وإذا استعفانى من معاتبته، فأعفى نفسه من كلف الفضل يتجشّمها، فليس إلّا غصص الشوق أتجرّعها، وحلل الصّبر أتدرّعها، ولم أعره من نفسى، وأنا لو أعرت جناحى طائر لما طرت إلّا إليه، ولا وقعت إلا عليه: أحبك يا شمس النهار وبدره ... وإن لامنى فيك السها والفراقد وذاك لأنّ الفضل عندك باهر ... وليس لأن العيش عندك بارد فلما وردت عليه الرّقعة حشد تلاميذه وخدمه، وجشم للايجاب قدمه «٣» : وطلع علينا مع الفجر طلوعه، ونظمتنا حاشيتا دار الأمير أبى الطيب؛ فقلنا: الآن تشرق الحشمة وتنوّر، وننجد فى العشرة ونغوّر، وقصدناه شاكرين لما أتاه، وانتظرنا عادة برّه، وتوقّعنا مادّة فضله؛ فكان خلّبا شمناه، وآلا وردناه «٤» ، وصرفنا فى تأخّره وتأخّرنا عنه إلى ما قاله ابن المعتز: إنّا على البعاد والتفرّق ... لنلتقى بالذكر إن لم نلتق وأنشدنا قول ابن عصرنا «٥» : أحبك فى البتول وفى أبيها ... ولكنى أحبّك من بعيد

стр. 495

وبقينا نلتقى خيالا، ونقنع بالذكر وصالا، حتى جعلت عواصفه تهبّ، وعقاربه تدبّ. والمجلس طويل جدا. قلت: إن كنت خرجت لطول هذا الكلام عن ضبط الشرط، فلعلى أسامح فيه لفضله، وعدم مثله، وهو وإن كان فى باب الاتصال، فهو بتقدير الانفصال، لقيام كلّ رسالة بذاتها، وانفرادها بصفاتها. وكتب إلى رئيس هراة عدنان بن محمد يصف ما جرى بينه وبين الخوارزمىّ: ما ألوم هذا الفاضل على بساط شرّ طواه، وموقد حرب اجتواه، ولكنى ألومه على ما نواه؛ ثم لم يتبع هواه، ورامه، ثم لم يبلغ آثامه، وأقول: قد ضرب فأين الإيجاع؟ وأنذر فأين الإيقاع؟ وهذه بوارقه، فأين صواعقه؟ وذلك وعيده، فأين عديده؟ وتلك بنوده، فأين جنوده؟ وأنشد: هذى معاهده فأين عهوده؟ وما أهول رعده، لو أمطر بعده! اللهمّ لأكفران، ولعن الله الشيطان، فإنّه أشفق لغريب أن يظهر عواره، وإن طار طواره «١» ، وإن كان قصد هذا القصد فقد أساء إلى نفسه من حيث أحسن إلىّ، وأجحف بفضله من حيث أبقى علىّ، وأوهم الناس أنه هاب البحر أن يخوضه، والأسد أن يروضه، وشجّعنى على لقائه، بعد ما برعنى «٢» بإيمائه، فبينا كنت أنشد: إنّ جنبى على الفراش لناب إذ أنشدت: طاب ليلى وطاب فيه شرابى

стр. 496

وبينا أنا أقول: ما لقلبى كأنه ليس منى إذ قلت: أين من كان موعدا لى بأنى فلو أنّ هذا الفاضل قضى حقّنا بالزيارة عند قدومنا أو الاستزارة، لكان فى الضّرب أحسن، وفى طريق المعاشرة أذهب. لا، ولكنه وعد بالمباراة أولا، وهدّدنا بالمسائل ثانيا، وأخلف بالتخلف ثالثا؛ فأبلغ وجدى إليه، واعرض شوقى عليه، وقل له إن كنت ندمت على النضال، فلا تندم على الإفضال، فإن طويتنا حيث الجهاد، فانشرنا حيث الوداد، وإن لم تلقنا فى باب المكاشرة، فأتنا من باب المعاشرة. وله إلى الإمام أبى الطيب سهل بن محمد: قد كان الشيخ يعدنى عن هذه الحضرة عدات أشمّ لها الأنف، لا ذهابا بتلك الفواضل عنها، لكن استحالة من هذا الزمان أن يجود بها؛ فحين أسرفت على الحضرة ماجت إلىّ أمواج الشرف منها، وخلص إلىّ نسيم الكرم عنها، وأتحفنى على رسم الإجلال بمركوب شامخ، ومركب ذهب سابغ، وجنيب «١» شرف زائد؛ وسرت بحمد الله محفوفا بأعيان الكتّاب، وعيون الرجال، حتى شافهت بساط العزّ، مستقبلا ملك الشرق أدام الله علوّه، فجذب بضبعىّ عن أرض الخدمة إلى جوار ولىّ النعمة، حرس الله مكانه، فاهتزّ اهتزازا فات سمة الإكرام، وتجاوز اسم الإعظام إلى القيام، فقبلت من يمناه مفتاح الأرزاق، وفتّاح الآفاق، ولحقت منه بقاب العقاب «٢» ، وخاطبنى بمخاطبات نشدت بها ضالّة الكرام، وهلّم جرّا إلى ما تبعها من جميل الإنزال، وسنىّ الأجزال «٣» .

стр. 497

وطرأت من الشيخ العميد على شخص يسعه الخاتم، ولا يسعه العالم، ويهتزّ عند المكارم كالغصن، ويثبت عند الشدائد كالرّكن، وسلطان يحلم حلم السيف مغمدا، ويغضب مجرّدا، فهو عند الكرم ليّن كصفحته، وعند السياسة خشن كشفرته، وملك يأتى الكرم نيّة، والفضل سجيّة، ويفعل الشرّ كلفة أو خطيّة، فهو ضرور بآلاته، نفوع بذاته، عطارد قلمه ودواته، والمريخ سيفه وقناته؛ عيبه أن لا عيب فيه، فيصرف عين الكمال عن معاليه. وصادفت من الشيخ الموفق أيّده الله ملكا يشاهد عيانا، وجبلا قد سمّى إنسانا، وحسنا قد ملىء إحسانا، وأسدا قد لقّب سلطانا، وبجرا قد أمسك عنانا، وحططت رحلى بفناء الأمير الفاضل أبى جعفر أدام الله عزّه، فوجدت حكمى في ماله أنفذ من حكمه، وقسمى من غناه أوفر من قسمه، واسمى في ذات يده مقدّما على اسمه، ويدى إلى خزانته أسرع من يده؛ وإن قصدت أن أفرد لكلّ مدحا، وأعبر الجملة شرحا، أللت هلمّ جرّا إلى ما انسخت الكتاب لأجله. ورد للخوارزمى كتاب ينقلّب فيه على جنب الحرد، ويتقلّ على جمر الضّجر، ويتأوّه من خمار الخجل، ويتعثّر فى أذيال الكلل، ويذكر أنّ الخاصة قد علمت لأينا كان «١» الفلج، فقلت: است البائن أعلم، والخوارزمى أعرف، والأخبار المتظاهرة [أعدل، والآثار الظاهرة] أصدق، وحلبة السباق أحكم، وما مضى بيننا أشهد، والعود إن نشط أحمد، ومتى استزاد زدنا، وإن عادت العقرب عدنا، وله عندى إذا ما شاء، كلّ ما شاء! وهى طويلة فيها هنات ضنت الكتاب عنها، وقد أعاد البديع معنى قوله فى صدر حكايته مع الخوارزمى، فقال فى رقعة كتبها إلى سعيد الإسماعيلى، وقد وقفت به الضرورة على تلك الصورة من سلب العرب ماله: كتابى، بل رقعتى، أطال الله بقاء الشيخ، وقد بكرت علىّ مغيرة

стр. 498

الأعراب، كمهلهل، وربيعة بن مكدّم، وعتيبة بن الحارث بن هشام، وأنا أحمد الله إلى الشيخ الفاضل، وأذمّ الدهر؛ فما ترك لى من فضّه إلّا فضّها، ولا ذهب إلا ذهب به، ولا علق إلا علقه «١» ، ولا عقار إلا عقره، ولا ضيعة إلا أضاعها، ولا مال إلا مال إليه، ولا سبد إلا استبدّ به، ولا لبد إلا لبد فيه، ولا بزّة إلا بزّها «٢» ، ولا عارية إلا ارتجعها، ولا وديعة إلا انتزعها، ولا خلعة إلا خلعها، وأنا داخل نيسابور ولا حلية إلا الجلدة، ولا برد إلا القشرة، والله ولىّ الخلف يعجّله، والفرج يسهّله، وهو حسبى ونعم الوكيل. وليس البديع بأبى عذرة هذا الخطاب، وسترى نظير هذا المعنى فى هذا الكتاب. ومن إنشائه فى مقامات أبى الفتح الإسكندرى قال: حدّثنى عيسى بن هشام قال: كنت فى بعض بلاد بنى فزارة مرتحلا نجيبة، وقائدا جنيبة، يسبحان سبحا، وأنا أهيم بالوطن، فلا الليل يثنينى بوعيده، ولا البعد يدنينى ببيده، «٣» وظللت أخبط ورق النّهار، بعصا التّسيار، وأخوض بطن الليل، بحوافر الخيل، فبينا أنا فى ليلة يضلّ بها الغطاط «٤» ، ولا يبصر بها الوطواط، أسبح ولا سانح إلا السبع، ولا بارح إلا الضّبع، إذ عنّ لى راكب تامّ الآلات، يطوى منشور الفلوات، فأخذنى منه ما يأخذ الأعزل من شاكى السلاح، لكنى تجلّدت فقلت: أرضك لا أمّ لك! فدونك شرط الحداد، وخرط القتاد، وخصم ضخم، وحمية أزديّة، وأنا سلم إن شئت، وحرب إن أردت، من أنت؟ قال: سلما أصبت، قلت: خيرا أجبت، قلت: فمن أنت؟ قال: نصيح إن شاورت، فصيح إن حاورت، ودون اسمى

стр. 499

لثام، لا تميطه الأعلام. قلت: فما الطعمة؟ قال: أجوب جيوب البلاد، حتى أقع على جفنة جواد، ولى فؤاد يخدمه لسان، وبيان يرقمه بنان، وقصاراي كريم ينفض إلىّ حقيبته، ويخفّف لى جنيبته، كابن حرّة طلع إلىّ بالأمس، طلوع الشمس «١» ، وغرب عنى بغروبها؛ لكنه غاب ولم يغب تذكاره، وودّع وشيّعتنى آثاره، ولا ينبئك عنها أقرب منها، وأومأ إلى ما كان يلبسه، فقلت: شحاذ وربّ الكعبه أخاذ، له فى الصّنعة نفاذ، بل هو فيها أستاذ، ولا بد أن ترشح له وتسحّ عليه، وقلت له: يافتى، قد أجليت عبارتك، فأين شعرك من كلامك؟ فقال: وأين كلامى من شعرى! ثم استمدّ غريزته، ورفع عقيرته، بصوت ملأ الوادى، وأنشأ يقول: وأروع أهداه لى الليل والفلا ... وخمس تمسّ الأرض لكن كلا ولا «٢» عرضت على نار المكارم عوده ... فكان معمّا فى السوابق مخولا وخادعته عن ماله فخدعته ... وساهلته فى برّه فتسهّلا ولما تجالينا وأحمد منطقى ... بلانى فى نظم القريض بمابلا «٣» فما هزّ إلا صارما حين هزّنى ... ولم يلقنى إلا إلى السّبق أوّلا فلم أره إلا أغرّ محجّبا ... وما تحته إلا أغرّ محجّلا فقلت: على رسلك يا فتى، ولك مما يصحبنى حكمك. فقال: الجنيبة، قلت: إنّ «٤» وما عليها. ثم قبضت بجمعى عليه، وقلت: لا والله الذى ألهمها لمسا، وشقّها من واحدة خمسا، لا تزايلنا أو نعلم علمك، فحدر لثامه عن وجهه، فإذا والله شيخنا أبو الفتح الإسكندرى، فما لبثت أن قلت: توشّحت أبا الفتح ... بهذا السيف مختالا

стр. 500

وما تصنع بالسيف ... إذا لم تك قتّالا؟ [فصغ ما أنت حليت ... به سيفك خلخالا] [من طرف الأدب] وعلى ذكر قوله: «إنّ وما عليها قال أبو عبيدة: وفد عبد الله بن الزّبير الأسدى على عبد الله بن الزّبير بن العوام فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ بينى وبينك رحما من قبل فلانة الكاهلية؛ هى أختنا، وقد ولدتكم، وأنا ابن فلان؛ فلانة عمّتى. فقال ابن الزبير: هذا كما ذكرت، وإن فكّرت فى هذا أصبت، الناس كلهم يرجعون إلى أب واحد، وأم واحدة. فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ نفقتى قد ذهبت. قال: ما كنت ضمنت لأهلك أنها تكفيك إلى أن ترجع إليهم. قال: يا أمير المؤمنين؛ إن ناقتى قد نقبت ودبرت «١» . فقال له: أنجد بها يبرد خفّها، وارقعها بسبت، واخصفها بهلب «٢» ، وسر عليها البريدين. قال: يا أمير المؤمنين، إنما جئتك مستحملا، ولم آتك مستوصفا «٣» لعن الله ناقة حملتنى إليك. قال ابن الزبير: إنّ وراكبها! فخرج وهو يقول: أرى الحاجات عند أبى خبيب ... نكدن، ولا أميّة فى البلاد من الاعياص أو من آل حرب ... أغرّ كغرّة الفرس الجواد ومالى حين أقطع ذات عرق ... إلى ابن الكاهلية من معاد «٤» وقلت لصحبتى أدنوا ركابى ... أفارق بطن مكّة فى سواد فبلغ شعره هذا عبد الله بن الزبير، فقال: لو علم أنّ لى أمّا أخسّ من «٥» عمته الكاهلية لنسبنى إليها، وكان ابن الزبير يكنى أبا بكر وأبا خبيب.

стр. 501

قال الصولى: أخذ المعتصم من محمد بن عبد الملك الزيات فرسا أشهب أحمّ، كان عنده مكينا، وكان به ضنينا، فقال يرثيه: قالوا: جزعت، فقلت: إنّ، مصيبة ... جلّت رزّيتها، وضاق المذهب «١» قال أبو بكر: هكذا أنشدنيه ابن المعتز على أن (إنّ) بمعنى نعم، وأنشد النحويون: قالوا: كبرت، فقلت: إن، وربما ... ذكر الكبير شبابه فتطرّبا كيف العزاء وقد مضى لسبيله ... عنّا فودّعنا الأحمّ الأشهب دبّ الوشاة فباعدوه، وربما ... بعد الفتى وهو الحبيب الأقرب لله يوم غدوت فيه ظاعنا ... وسلبت قربك، أىّ علق أسلب؟ نفسى مقسّمة أقام فريقها ... ومضى لطيّته فريق يجنب الآن إذ كملت أداتك كلها ... ودعا العيون إليك حسن معجب وغدوت طنّان اللّجام كأنما ... فى كل عضو منك صنج يضرب وكأنّ سرجك، إذ علاك، غمامة ... وكأنما تحت الغمامة كوكب أنساك؟ لا زالت إذا منسية ... نفسى، ولا برحت بمثلك تنكب أضمرت منك اليأس حين رأيتنى ... وقوى حبالى من حبالك تقضب يا صاحبىّ لمثل ذا من أمره ... صحب الفتى في دهره من يصحب إن تسعدا فصنيعة مشكورة ... أو تخذلا فصنيعة لا تذهب عوجا فقولا: مرحبا، وتزوّدا ... نظرا، وقلّ لمن تحبّ المرحب منع الرقاد جوى تضمّنه الحئى ... مما أكابده وهمّ منصب [المزاح] قال الحجاج بن يوسف لابن القرّيّة: ما زالت الحكماء تكره المزاح، وتنهى عنه، فقال: المزاح من أدنى منزلته إلى أقصاها عشرة أبواب: المزاح أوله فرح، وآخره ترح. المزاح نقائض السفهاء، كالشّعر نقائض الشعراء. والمزاح

стр. 502

يوغر صدر الصديق، وينفّر الرفيق. والمزاح يبدى السرائر؛ لأنه يظهر المعاير. والمزاح يسقط المروءة، ويبدى الخنى. لم يجرّ المزح خيرا، وكثيرا ما جرّ شرّا. الغالب بالمزاح واتر، والمغلوب به ثائر. والمزاح يجلب الشتم صغيره والحرب كبيره، وليس بعد الحرب إلا عفو بعد قدرة. فقال الحجاج: حسبك، الموت خير من عفو معه قدرة. وذكر المزاح بحضرة خالد بن صفوان فقال: ينشق أحدكم أخاه مثل الخردل، ويفرغ عليه مثل المرجل، ويرميه بمثل الجندل. ثم يقول: إنما كنت أمزح! أخذ هذا المعنى محمود بن الحسين الوراق فقال: تلقى الفتى يلقى أخاه وخدنه ... فى لحن منطقه بما لا يغفر ويقول: كنت ممازحا وملاعبا ... هيهات نارك في الحشى تتسعّر! أو ما علمت وكان جهلك غالبا ... أنّ المزاح هو السّباب الأصغر فقر في هذا النحو لأهل العصر وغيرهم المزاحة تذهب بالمهابة، وتورث الضغينة. الإفراط فى المزاح محون، والاقتصاد فيه ظرف، والتقصير عنه ندامة. أوكد أسباب القطيعة المراء والمزاح. ابن المعتز- من كثر مزاحه لم يخل من استخفاف به أو حقد عليه. قال أيوب بن القرّيّة: الناس ثلاثة: عاقل، وأحمق، وفاجر؛ فالعاقل الدّين شريعته، والحلم طبيعته، والرأى الحسن سجيّته؛ إن سئل أجاب، وإن نطق أصاب، وإن سمع العلم وعى، وإن حدّث روى. وأما الأحمق فإن تكلّم عجل، وإن حدّث وهل «١» ، وإن استنزل عن رأيه نزل، فإن حمل على القبيح حمل. وأمّا الفاجر فإن ائتمنته خانك، وإن حدّثته شانك، وإن وثقت به لم يرعك، وإن استكتم لم يكتم، وإن علم لم يعلم، وإن حدّث لم يفهم، وإن فقّه لم يفقه.

стр. 503

[الطيرة والزّجر] قال أبو حية النميرى: جرى يوم رحنا عامدين لأرضنا ... سنيح، فقال القوم: مرّ سنيح فهاب رجال منهم فتعيفوا ... فقلت لهم: جارى إلىّ ربيح عقاب بأعقاب من الدار بعد ما ... نأت نأية بالظاعنين طريح وقالوا: حمامات، فحمّ لقاؤها ... وطلح فنيلت والمطىّ طليح وقال صحابى: هدهد فوق بانة، ... هدى وبيان بالنجاح يلوح وقالوا: دم، دامت مواثيق بيننا ... ودام لنا حلوا الصفاء صريح لعيناك يوم البين أسرع واكفا ... من الفنن الممطور وهو مروح ونسوة شحشاح غيور يخفنه ... أخى ثقة يلهون وهو مشيح يقلن، وما يدرين أنّى سمعته ... وهنّ بأبواب الخيام جنوح: أهذا الذى غنّى بسمراء موهنا ... أتاح له حسن الغناء متيح إذا ما تغنّى أنّ من بعد زفرة ... كما أنّ من حرّ السلاح جريح وقائلة: يا دهم ويحك! إنه ... على ما به من عنّة لمليح «١» فلو أنّ قولا يجرح الجلد قد بدا ... بجلدى من قول الوشاة قروح وهذا من غريب الزّجر مليح التفاؤل. قال أبو العباس محمد بن يزيد: أنشدنى أعرابىّ في قصيدة ذى الرمة التي وّلها: ألا يا اسلمى يا دارمىّ على البلى ... ولا زال منهلّا بجرعائك القطر يبتين لم يروهما الرواة في ديوانه، وهما: رأيت غرابا ساقطا فوق قضبة ... من القضب لم ينبت لها ورق خضر فقلت: غراب لاغتراب، وقضبة ... لقضب النوى هذى العيافة والزّجر

стр. 504

وقال آخر: دعا صرد يوما على غصن بانة ... وصاح بذات البين منها غرابها فقلت: أتصريد وشحط وغربة؟ ... فهذا لعمرى نأيها واغترابها وقد أكثرت العرب من ذكر الطّيرة، والزّجر، وكانت تقتدى بذلك وتجرى على حكمه، حتى ورد النّهى في سنة رسول الله ﷺ فقال: لا عدوى ولا طيرة، وقد قال الأول: لعمرك ما تدرى الضّوارب بالحصى ... ولا زاجرات الطّير ما الله صانع وقال ضابئ بن الحارث البرجمى: وما عاجلات الطير، تدنى من الفتى ... نجاحا ولا عن ريثهنّ يخيب «١» ولا خير فيمن لا يوطّن نفسه ... على نائبات الدّهر حين تنوب وربّ أمور لا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشاتهنّ وجيب وقال الكميت بن زيد الأسدى: ولا أنا ممن يزجر الطير همّه ... أصاح غراب أم تعرّض ثعلب ولا السانحات البارحات عشية ... أمرّ سليم القرن أم مرّ أعضب وقال شاعر قديم: لا يمنعنّك من بغا ... ء الخير تعقاد التّمائم ولا التشاؤم بالعطا ... س ولا التّيامن بالمقاسم فلقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم «٢» فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم وكذاك لا خير ولا ... شرّ على أحد بدائم قد خطّ ذلك في الزّبو ... ر الأوّليّات القدائم

стр. 505

ولقد أحسن ابن كناسة في رثاء ولده يحيى، أنشده أبو العباس ثعلب: تيمّمت فيه الفأل حتى رزئته ... ولم أدر أن الفال فيه يفيل فسمّيته يحيى ليحيا؛ فلم يكن ... إلى ردّ أمر الله فيه سبيل وروى المدائنى قال: خرج كثيّر من الحجاز يريد مصر، فلما قرب منها نزل بمنزل، فإذا هو بغراب على شجرة بان ينتف ريشه وينعب؛ فأسرع الرحيل، ومضى لوجهه؛ فلقيه رجل من بنى نهد، فقال: يا أخا الحجاز؛ مالى أراك كاسف اللون؟ قال: ما علمت إلا خيرا، قال: فهل رأيت في طريقك شيئا أنكرته؟ قال: لا والله إلا في منزلى هذا، فإنى رأيت غرابا ينتف ريشه على بانة وينعب. قال: أما إنك تطلب حاجة لا تدركها. فقدم مصر والناس منصرفون من جنازة عزة، فقال: رأيت غرابا ساقطا فوق بانة ... ينتّف أعلى ريشه ويطايره فقلت- ولو أنى أشاء زجرته ... بنفسى- للنهدىّ: هل أنت زاجره؟ فقال: غراب لاغتراب من النوى ... وفي البان بين من حبيب تجاوره فما أعيف النهدىّ، لا درّ درّه! ... وأزجره للطير، لا عزّ ناصره ثم أتى قبر عزة فأناخ به ساعة ثم رحل، وهو يقول: أقول ونضوى واقف عند رأسها ... عليك سلام الله والعين تسفح فهذا فراق الحق لا أن تزيرنى ... بلادك فتلاء الذراعين صيدح «١» وقد كنت أبكى من فراقك حيّة ... وأنت لعمرى اليوم أنأى وأنزح وقال جرير: بان الخليط برامتين فودّعوا ... أو كلّما نعبوا لبين تجزع إن السّوانح بالضّحى هيّجننى ... فى دار زينب والحمام الوقع وقال عوف الراهب خلاف هذا: غلط الذين رأيتهم بجهالة ... يلحون كلّهم غرابا ينعق

стр. 506

ما الذنب إلّا للأباعر؛ إنها ... مما يشتّ جميعهم ويفرّق إنّ الغراب بيمنه تدنو النّوى ... وتشتّت الشمل الجميع الأينق وقد تبعه في هذا المذهب أبو الشيص فقال: ما فرّق الأحباب بعد ... الله إلّا الإبل والناس يلحون غرا ... ب البين لمّا جهلوا وما على ظهر غرا ... ب البين تطوى الرّحل ولا إذا صاح غرا ... ب في الديار احتملوا وما غراب البين إل ... لا ناقة أو جمل وما أملح ما قال القائل: زعموا بأنّ مطيهم عون النوى ... والمؤذنات بفرقة الأحباب ولو أنها حتفى لما أبغضتها ... ولها بهم سبب من الأسباب وكان على بن العباس الرومى مفرط الطّيرة، شديد الغلوّ فيها. قال علىّ بن عبد الله بن المسيب: وكان يحتجّ لها، ويقول: إن النبى ﷺ كان يحبّ الفأل، ويكره الطّيرة؛ أفتراه كان يتفاءل بالشىء، ولا يتطيّر من ضدّه؟ ويقول: إن النبى ﷺ مرّ برجل وهو يرحل ناقة ويقول: يا ملعونة، فقال لا يصحبنا ملعون، وإن عليا ﵁ كان لا يغزو غزاة والقمر في العقرب، ويزعم أنّ الطيرة موجودة في الطباع قائمة فيها، وأنّ بعض الناس هي في طباعهم أظهر منها في بعض، وأن الأكثر في الناس إذا لقى ما يكرهه قال: على وجه من أصبحت اليوم؟. فدخل علينا يوم مهرجان سنة ثمان وسبعين وقد أهدى إلىّ عدة من جوارى القيان، وكانت فيهنّ صبيّة حولاء، وعجوز في إحدى عينيها نكتة، فتطيّر من ذلك، ولم يظهر لى أمره، وأقام باقى يومه؛ فلما كان بعد مدة يسيرة سقطت ابنة لى

стр. 507

من بعض السطوح، وجفاه القاسم بن عبيد الله؛ فجعل سبب ذلك المعنيين المغنيتين، وكتب إلىّ: أيها المتحفى بحول وعور ... أين كانت عنك الوجوه الحسان قد لعمرى ركبت أمرا مهينا ... ساءنى فيك أيها الخلصان فتحك المهرجان بالحول والعو ... ر أرانا ما أعقب المهرجان كان من ذاك فقدك ابنتك الحرّة ... مصبوغة بها الاكفان وتجافى مؤمّل لى جليل ... لجّ فيه الجفاء والهجران وعزيز علىّ تقريع خلّ ... لا يدانيه عندى الخلّان غير أنى رأيت إذكاره الحز ... م وإشعاره شعارا يصان لا تهاون بطيرة أيّها ... النظار واعلم بأنها عنوان قف إذا طيرة تلقّتك وانظر ... واستمع ثمّ ما يقول الزّمان قلما غاب من أمورك عنوا ... ن مبين وللزّمان لسان لا تكن بالهوى تكذّب بالأخبار ... حتى تهين مالا يهان لا يقدك الهوى إلى نصرة الاخبار ... حتى يقدّم البرهان إن عقبى الهوى هوىّ، وعقبى ... طول تلك المهوّنات هوان لا تصدق عن النبيين إلّا ... بحديث يلوح فيه البيان خبّر الله أنّ مشأمة كا ... نت لقوم وخبّر القرآن أفزور الحديث تقبل أم ما ... قاله ذو الجلال والفرقان؟ أترى من يرى البشير بشيرا ... يمترى في النذير يا وسنان فدع الهزل والتضاحك بالطيرة ... والنصح مثمن مجّان وقد فرّق حذّاق أهل النظر في المقال، بين الطيرة والفال، فقالوا: الطيرة كانت العرب ترجع إلى ما تمضيها، وتجرى على تقضيها، وكان الذى يهمّ بهم إذا ما رأى ما يتطير منه رجع عنه؛ وفي ذلك ما يصرف عن الإحالة على المقادير

стр. 508

الجارية بيد ممضيها، النازلة على حكم قاضيها، والفأل لا يردّ المريد عما يريد إنما يقوّى منّته، ويسرّ مهجته؛ وليس هذا موضع تطويل، فى إيراد الدليل. وفي جفاء القاسم بن عبيد الله إياه يقول معاتبا: ألم ترنى أقرضتك الودّ طائعا ... ولم تر قبلى معسرا قطّ أقرضا لعمرى لقد صوّرت أبيض مشرقا ... فلم لا ترينى وجه نعماك أبيضا فيا ويح مولاك استغاث بمشرب ... فأشرق فاستشفى شفاء فأفرضا «١» ولولا اعتقادى أنك الخير كله ... لأزمعت توديعا، قضى الله ما قضى وإنى وإن دارت علىّ دوائر ... لأعرض عمّن صدّ عنى وأعرضا وما زلت عرّافا إذا الزاد رابنى ... بخبث وعيّافا إذا الماء عرمضا «٢» وهذا البيت كقول الآخر: وإنى للماء المخالط للقذى ... إذا كثرت ورّاده لعيوف وفي ابنة المسيبى يقول ابن الزومى يعزّيه: أخا ثقتى أعزز علىّ بنكبة ... مناك بها صرف القضاء المقدّر صبت، وما للمرء من حكم ربّه ... محيد، وأمر الله أعلى وأقهر وقد مات من لا يخلف الدهر مثله ... عليك من الأسلاف والحقّ يبهر تعزيت عمن أثمرتك حياته ... ووشك التعزى عن ثمارك أجدر لأن اختيال الدهر في ابن وفي ابنة ... يسير وكرّ الدهر شيخيك أعسر تعذّر أن نعتاض من أمهاتنا ... وآبائنا، والنسل لا يتعذّر

стр. 509

فلا تهلكن حزنا على ابنة جنة ... مضت وهي عند الله تحيا وتحبر لعلّ الذى أعطاك ستر حياتها ... كساها من اللّحد الذى هو أستر فكم من أخى حرية قد رأيته ... بنار ذوى الأصهار يكوى ويصهر فلا تتهم لله فيها ولاية ... ولا نظرا فالله للعبد أنظر وأنت وإن أبصرت رشدك مرة ... فذو النظر الأعلى برشدك أبصر ومن مليح تعازيه عن ابنة قوله لعلىّ بن يحيى المنجم: لا تبعدنّ كريمة أودعتها ... صهرا من الأصهار لا يخزيكا إنى لأرجو أن يكون صداقها ... من جنة الفردوس ما يرضيكا لا تيأسنّ لها فقد زوّجتها ... كفؤا وضمّنت الصّداق مليكا [الرغبة في موت البنات] وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: لكل أبى بنت يرجّى بقاؤها ... ثلاثة أصهار إذا ذكر الصّهر فبيت يغطيها، وبعل يصونها، ... وقبر يواريها، وخيرهما القبر وقال عقيل بن «١» علفة وكان أغير العرب. إنى وإن سيق إلىّ المهر ... ألف وعبدان وذود عشر أحبّ أصهارى إلىّ القبر ومنه أخذ عبيد الله، قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: دخل علينا ابن خلف البهرانى فأنشدنا: لولا أميمة لم أجزع من العدم ... ولم أجب في الليالى حندس الظلم وزادنى رغبة فى العيش معرفتى ... أنّ اليتيمة يحفوها ذوو الرّحم أحاذر الفقر يوما أن يلمّ بها ... فيهتك الستر عن لحم على وضم

стр. 510

تهوى حياتى وأهوى موتها شفقا ... والموت أكرم نزّال على الحرم وكانت أميمة بنت أخته، وكان قد تبنّاها، ثم غابت غيبة، فسألناه عنها، فأنشد: أمست أميمة مغمورا بها الرّجم ... لدى صعيد عليه التّرب مرتكم يا شقّة النفس، إنّ النفس والهة ... حرّى عليك، ودمع العين منسجم قد كنت أخشى عليها أن يؤخرها ... عنى الحمام فيبدى وجهها العدم فالآن نمت فلا همّ يؤرّقنى ... تهدا العيون إذا ما أودت الحرم فالآن نمت، فلا همّ يؤرّقنى ... بعد الهدوء؛ ولا وجد ولا حلم للموت عندى أياد لست أنكرها ... أحيا سرورا وبى مما أتى ألم [عود إلى تطير ابن الرومى] عاد ذكر ابن الرومىّ- وكان أبو الحسن علىّ بن سليمان الأخفش غلام أبى العباس المبرد في عصر ابن الرومى شابّا مترفا، ومليحا مستظرفا، وكان يعبث به، فيأتيه بسحر؛ فيقرع الباب، فيقال له: من؟ فيقول: قولوا لأبى الحسن مرّة بن حنظلة، فيتطير لقوله، ويقيم الأيام لا يخرج من داره، وذلك كان سبب هجائه إياه، فمن أول ما عاتبه به: قولوا لنحوينا أبى حسن ... إن حسامى متى ضربت مضى وإنّ نبلى إذا هممت بأن ... أرمى نصّلتها بجمر غضا لا تحسبنّ الهجاء يحفل ... بالرفع ولا خفض خافض خفضا ولا تخل عودتى كباديتى ... سأسعط السمّ من أبى الحضضا أعرف في الأشقياء بى رجلا ... لا ينتهى أو يصير لى غرضا يليح لى صفحة السلامة ... والسلم ويخفى في قلبه مرضا

стр. 511

أضحى مغيظا علىّ أن غضب ال ... لّه عليه، ونلت منه رضا وليس تجدى عليه موعظتى ... إن قدّر الله حينه وقضى كأننى بالشقىّ معتذرا ... إن القوافى أذقنه المضضا ينشدنى العهد يوم ذلك والع ... هد خضاب إذا له قبضا «١» لا يأمننّ السفيه بادرتى ... فإننى عارض لمن عرضا عندى له السوط إن تلوّم في الس ... ير وعندى اللّجام إن ركضا «٢» أسمعت إنباضتى أبا حسن ... والصفح لا شكّ نصح من محضا «٣» وهو معافى من السهاد فلا ... يحمل فيمسى فراشه قضضا «٤» أقسمت بالله لا غفرت له ... إن واحد من عروقه نبضا فاعتذر إليه، وتشفع عنده بجماعة من أهل بغداد- وكان الأخفش أكثر الناس إخوانا- فقبل عذره، ومدحه بقصيدته التي يقول فيها: ذكر الأخفش القديم فقلنا ... : إن للأخفش الحديث لفضلا وإذا ما حكمت- والروم قومى- ... فى كلام معرّب كنت عدلا أنا بين الخصوم فيه غريب ... لا أرى الزّور للمحاباة أهلا ومتى قلت باطلا لم ألقّب ... فيلسوفا ولم أسمّ هرقلا الأخفش القديم هو أبو الخطاب، وكان أستاذ سيبويه، وهو من المتقدمين فى النحو، ويعرف بالأخفش الكبير، وكان في عصر سيبويه [أيضا] أبو الحسن سعيد بن مسعدة، وهو الأخفش الصغير، وهو الذى قال: كان سيبويه يعرض ما وضع من النحو علىّ، ويرى أنى أعلم منه، وكان في وقته ذلك أعلم منى.

стр. 512

ثم عاد على بن سليمان إلى أذاه، واتصل به أنّ رجلا عرض عليه قصيدة من شعره فطعن عليها، فقال قصيدته التي يقول فيها: أعتقت عبدىّ في القريض معا ... عبدة والفحل من بنى عبده إن أنا لم أرم بالإساءة من ... زاغ عن القصد أو أبى سدده قلت لمن قال لى عرضت على ال ... أخفش ما قلته فما حمده قصرت بالشعر حين تعرضه ... على مبين العمى إذا انتقده أنشدته منطقى ليشهده ... فغاب عنه عمى وما شهده ما بلغت بى الخطوب رتبة من ... تفهم عنه الكلاب والقرده ولا أنا المفهم البهائم ... والطير سليمان قاهر المرده فإن يقل إننى حفظت فكالد ... فتر جهلا بكل ما اعتقده سأسمع الناس ذمّه أبدا ... ما سمع الله حمد من حمده عبدة بن الطبيب، وعلقمة بن عبدة الفحل، وكانا شاعرين مجيدين، وقال علقمة ابن عبدة لرجل ورأى آخر يعتذر إليه وهو معبّس في وجهه: إذا اعتذر إليك المعتذر فتلقّه بوجه مشرق، وبشر مطلق؛ لينبسط المتذلّل، ويؤمّن المتنصّل. ولابن الرومى في الأخفش إفحاش صنت الكتاب عنه. قالّ على بن إبراهيم كاتب مسروق البلخى: كنت بدارى جالسا فإذا حجارة سقطت بالقرب منى، فبادرت هاربا، وأمرت الغلام بالصعود إلى السّطح، والنظر إلى كل ناحية؛ من أين تأتينا الحجارة، فقال: امرأة من دار ابن الرومى الشاعر! قد تشوّفت وقالت: اتقوا الله فينا، واسقونا جرّة من ماء، وإلّا هلكنا، فقد مات من عندنا عطشا. فتقدمت إلى امرأة عندنا ذات عقل ومعرفة أن تصعد إليها وتخاطبها، ففعلت وبادرت بالجرّة، وأتبعتها شيئا من المأكول؛ ثم عادت إلىّ فقالت:

стр. 513

ذكرت المرأة أنّ الباب عليها مقفل من ثلاث بسبب طيرة ابن الرومى، وذلك أنه يلبس ثيابه كلّ يوم، ويتعوّذ ثم يصير إلى الباب، والمفتاح معه، فيضع عينه على ثقب في خشب الباب، فتقع عينه على جار له كان نازلا بإزائه، وكان أحدب يقعد كل يوم على بابه، فإذا نظر إليه رجع وخلع ثيابه، وقال: لا يفتح أحد الباب. فعجبت لحديثها، وبعثت بخادم كان يعرفه، فأمرته بأن يجلس بإزائه- وكانت العين تميل إليه- وتقدّمت إلى بعض أعوانى أن يدعو الجار الأحدب؛ فلما حضر عندى أرسلت وراء غلامى؛ لينهض إلى ابن الرومى، ويستدعيه الحضور؛ فإنى لجالس ومعى الأحدب إذ وافى أبو حذيفة الطّر سوسىّ ومعه برذعة الموسوس صاحب المعتضد، ودخل ابن الرومى، فلما تخطّى عتبة باب الصّحن عثر فانقطع شسع نعله، فدخل مذعورا؛ وكان إذا فاجأه الناظر رأى منه منظرا يدلّ على تغير حال؛ فدخل وهو لا يرى جاره المتطيّر منه، فقلت له: يا أبا الحسن، أيكون شىء في خروجك أحسن من مخاطبتك للخادم، ونظرك إلى وجهه الجميل؟ فقال: وقد لحقنى ما رأيت من العثرة، لأنى فكرت أنّ به عاهة! وهي قطع انثييه، قال برذعة: وشيخنا يتطيّر؟ قلت: نعم ويفرط، قال: ومن هو؟ قلت: على بن العباس، قال: الشاعر؟ قلت: نعم، فأقبل عليه وأنشده: ولما رأيت الدهر يؤذن صرفه ... بتفريق ما بينى وبين الحبائب رجعت إلى نفسى فوطّنتها على ... ركوب جميل الصّبر عند النوائب ومن صحب الدنيا على جور حكمها ... فأيامه محفوفة بالمصائب فخذ خلسة من كل يوم تعيشه ... وكن حذرا من كامنات العواقب ودع عنك ذكر الفأل والزّجر واطّرح ... تطيّر جار أو تفاؤل صاحب فبقى ابن الرومى باهتا ينظر إليه ولم أدر أنه شغل قلبه بحفظ ما أنشده، ثم قام أبو حذيفة وبرذعة معه، فحلف ابن الرومى لا يتطيّر أبدا من هذا ولا من

стр. 514

غيره، وأومأ إلى جاره، فقلت: وهذا الفكر أيضا من التطيّر، فأمسك، وعجب من جودة الشعر ومعناه، وحسن مأتاه، فقلت له: ليتنا كتبناه؟ قال: اكتبه فقد حفظته، وأملاه علىّ. ومن شدة حذره، وعظيم تطيّره، قوله لأبى العباس بن ثوابة، وقد ندبه إلى الخروج إليه وركوب دجلة: حضضت على حطبى لنارى فلا تدع ... لك الخير، تحذيرى شرور المحاطب ومن يلق مالا قيت في كلّ مجتنى ... من الشّوك يزهد في الثمار الأطايب أذا قتنى الأسفار ما كرّه الغنى ... إلىّ، وأغرانى برفض المطالب ومن نكبة لا قيتها بعد نكبة ... رهبت اعتساف الأرض ذات المناكب فصبرى على الإقتار أيسر مطلبا ... على من التّغرير بعد التّجارب لقيت من البرّ التّباريح بعد ما ... لقيت من البحر ابيضاض الذّوائب سقيت على رىّ به ألف مطرة ... شغفت لبغضيها بحبّ المجادب ولم أبغها، بل ساقها لمكيدتى ... تلاعب دهر جدّ بى كالملاعب أبى أن يغيث الأرض حتى إذا رمت ... برحلى أتاها بالغيوث السّواكب سقى الأرض من أجلى فأضحت مزلّة ... تمايل صاحيها تمايل شارب فملت إلى خان مرثّ بناؤه ... مميل غريق الثّوب لهفان لاغب فما زلت في جوع وخوف ووحشة ... وفي سهر يستغرق الليل واصب يؤرقنى سقف كأنى تحته ... من الوكف تحت المدجنات الهواضب يظلّ اذا ما الطّين أثقل متنه ... تصرّ نواحيه صرير الجنادب وكم خان سفر خان فانقضّ فوقهم ... كما انقضّ صقر الدّجن فوق الأرانب وما زال ضاحى البرّ يضرب أهله ... بسوطى عذاب جامد بعد ذائب فإن فاته قطر وثلج فإنّه ... رهين بساف تارة وبحاصب

стр. 515

فذاك بلاء البرّ عندى شاتيا ... وكم لى من صيف به ذى مثالب ألا ربّ نار بالفضاء اصطليتها ... من الضّحّ يودى لفحها بالحواجب «١» فدع عنك ذكر البرّ إنى رأيته ... لمن خاف هول البحر شرّ المهارب وما زال يبغينى الحتوف مواربا ... يحوم على قتلى وغير موارب فطورا يغادينى بلصّ مصلّت ... وطورا يمسّينى بورد الشّوارب وأمّا بلاء البحر عندى فإنه ... طوانى على روع مع الرّوح واقب «٢» ولو ئاب عقلى لم أدع ذكر بعضه ... ولكنّه من هوله غير ثائب ولم لا ولو ألقيت فيه وصخرة ... لوافيت منه القعر أوّل راسب ولم أتعلّم قطّ من ذى سباحة ... سوى الغوص والمضعوف غير مغالب وأيسر إشفاقى من الماء أنّنى ... أمرّ به في الكوز مرّ المجانب وأخشى الرّدى منه على كل شارب ... فكيف بأمنيه على نفس راكب أخذه من قول أبى نواس وقد رأى التمساح بمصر أخذ رجلا: أضمرت للنيل هجرانا ومقلية ... مذ قيل لى إنما التمساح في النيل فمن رأى النيل رأى العين عن كثب ... فما أرى النيل إلا في البراقيل «٣» رجع أظلّ إذا هزّته ريح ولألأت ... له الشمس أمواجا طوال الغوارب كأنى أرى فيهنّ فرسان بهمة ... يليحون نحوى بالسيوف القواضب «٤» فإن قلت لى قد يركب اليمّ طاميا ... ودجلة عند اليمّ بعض المذانب «٥»

стр. 516

فلا عذر فيها لامرىء هاب مثلها ... وفي اللّجّة الخضراء عذر لهائب لدجلة خبّ ليس لليمّ؛ إنّها ... تراءى بحلم تحته جهل واثب تطامن حتّى تطمئنّ قلوبنا ... وتغضب من مزح الرّياح اللّواعب ولليمّ إنذار بغوص متونه ... وما فيه من آذيّه المتراكب «١» وهي طويلة، وفيما مرّ كفاية تنبئ عنه وتدلّ عليه، ولو مددت أطناب الاختيار لتتبّع هذا النحو من شعره لخرجت عن غرض الكتاب. [من مليح العيافة والزجر] ومن مليح العيافة والزجر ما رواه الصّولى، قال: كان لأبى نواس إخوان لا يفارقهم، فاجتمعوا يوما في موضع أخفوه عنه، ووجّهوا إليه برسول معه ظهر قرطاس أبيض، لم يكتبوا فيه شيئا، فخزموه بزير «٢» ، وختموه بقار، وتقدموا إلى رسولهم ليرمى بالكتاب من وراء الباب؛ فلما رآه استعلم خبرهم، وعلم أنه من فعلهم، فتعرّف موضعهم وآثارهم، فأتاهم فأنشدهم: وجدت كتابكم لمّا أتانى ... يمرّ بسانح الطير الجوارى نظرت إليه مخزوما بزير ... على ظهر، ومختوما بقار فقلت: الزّير ملهية ولهو ... وخلت القار من دنّ العقار وخلت الظّهر أهيف قرطقيّا ... يحيل العقل منه باحورار «٣» فهمت إليكم طربا وشوقا ... فما أخطأت داركم بدار فكيف تروننى وترون وجدى ... ألست من الفلاسفة الكبار؟ وقال الطائى: أتضعضعت عبرات عينك أن دعت ... ورقاء حين تضعضع الإظلام «٤»

стр. 517

لا تنشجنّ لها؛ فإنّ بكاءها ... ضحك، وإن بكاءك استغرام هنّ الحمام وإن كسرت عيافة ... من حائهنّ فإنهنّ حمام وروى يموت ابن المزرع قال: كان أحمد بن المدبر إذا مدحه شاعر فلم يرض شعره قال لغلامه: امض به إلى المسجد الجامع فلا تفارقه حتى يصلى مائة ركعة، ثم خلّه؛ فتحاماه الشعراء، إلا الأفراد المجيدين؛ فجاءه أبو عبد الله الحسين بن عبد السلام المصرى المعروف بالجمل، فاستأذنه في النشيد، فقال: قد عرفت الشّرط؟ قال: نعم، وأنشده: أردنا في أبى حسن مديحا ... كما بالمدح ينتجع الولاة فقلنا: أكرم الثقلين طرّا ... ومن كفّاه دجلة والفرات فقالوا: يقبل المدحات لكن ... جوائزه عليهنّ الصّلاة فقلت لهم: وما تغنى صلاتى ... عيالى! إنما الشأن الزّكاة [فأما إذ أبى إلا صلاتى ... وعاقتنى الهموم الشاغلات] فيأمر لى بكسر الصّاد منها ... فتصبح لى الصّلاة هي الصّلات فضحك واستظرفه، وقال: من أين أخذت هذا؟ قال: من قول أبى تمام الطائى: هنّ الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهنّ فإنهنّ حمام فأحسن صلته. وقال الأمير أبو الفضل الميكالى لقوم من أهل مرو انخلعوا عن طاعته: يا راكبا أضحى يخبّ بعنسه ... ليؤمّ مرو على الطريق المهيع أبلغ بها قوما أثاروا فتنة ... ظلّت لها الأكباد رهن تقطّع إذ أقدموا ظلما على سلطانهم ... بالغدر والخلع الذميم المفظع وبحلّ عقد لوائه وإباحة ... لجنابه وحريمه المتمنّع

стр. 518

أبلغهم أنى اتخذت لفعلهم ... فألا، له في القوم أسوأ موقع أمّا اللّواء وحلّه فمخبّر ... عن حلّ عقد بينهم مستجمع والخلع يخبر أن ستخلع عنهم ال ... أرواح بالقتل الأشدّ الأشنع والغدر ينبئ أن تغادر في الوغى ... أشلاؤهم لنسوره والأضبع والفرقتان فشاهد معناهما ... بتفرّق لجميعهم وتصدّع فتسمّعوا لمقالتى وتأهّبوا ... بذميم بغيكم لشرّ المصرع فالله ليس بغافل عن أمركم ... حتى تحلّ بكم عقوبة موجع قال أبو عثمان الجاحظ: سمعت النظام، وذكر عبد الوهاب الثّقفى، قال: هو أحلى من أمن بعد خوف، وبرء بعد سقم، ومن خصب بعد جدب، وغنى بعد فقر، ومن طاعة المحبوب، وفرج المكروب، ومن الوصال الدائم، والشباب الناعم. [ابن أبى دواد يعفو عن الجاحظ] وكان الجاحظ مائلا عن ابن أبى دواد إلى محمد بن عبد الملك الزيات، فلما نكب محمد بن عبد الملك أدخل الجاحظ على ابن أبى دواد مقيّدا، فقال له أحمد: والله ما أعلمك إلّا متناسيا للنعمة، كفورا للصّنيعة، معدّدا للمساوى، وما فتّنى باستصلاحى لك، ولكن الأيام لا تصلح منك؛ لفساد طوّيتك، ورداءة دخيلتك، وسوء اختيارك، وتغالب طباعك. فقال الجاحظ: خفّض عليك، أصلحك الله، فوالله لأن يكون لك الأمر علىّ خير من أن يكون لى عليك، ولأن أسىء وتحسن أحسن في الأحدوثة من أن أحسن فتسىء، ولأن تعفو عنى على حال قدرتك علىّ أجمل بك من الانتقام منى، فعفا عنه «١» .

стр. 519

[عتبة بن أبى سفيان وأعرابى] قال سعد مولى عتبة بن أبى سفيان: خطب عتبة الناس في الموسم سنة إحدى وأربعين، والناس إذ ذاك حديثو عهد بالفتنة؛ فقال: قد ولينا هذا المقام الذى يضاعف فيه للمحسن الأجر، وللمسىء الوزر؛ ونحن على سبيل قصد، فلا تمدّوا الأعناق إلى غيرنا؛ فإنها تقطع دوننا؛ فربّ ستمنّ أمرا حتفه في أمنيته؛ فاقبلوا منا العافية ما قبلناها منكم «١» ؛ وأنا اسأل الله أن يعين كلّا على كلّ. فناداه أعرابىّ من ناحية المسجد: أيها الخليفة، فقال: لست به ولم تبعد، قال: يا أخاه، قال: سمعت فقل، فقال: والله لان تحسنوا وقد أسأنا خير من أن تسيئوا وقد أحسنّا، فإن كان الإحسان منكم فما أولاكم بإتمامه، وإن كان منّا فما أولاكم بمكافأتنا عليه، وأنا رجل من بنى عامر بن صعصعة يمتّ بالعمومة ويختصّ بالخؤولة، كثر عياله، ووطئه زمانه، [وبه فقر] وفيه أجر، وعنده شكر. فقال له عتبة: أستغفر الله منك، وأستعين به عليك، وقد أمرت لك بغناك، فليت إسراعى إليك يقوم بإبطائى عنك! [بين الجاحظ وابن الزيات] قال الجاحظ: تشاغلت مع الحسن بن وهب أخى سليمان بن وهب بشرب النبيذ أياما، فطلبنى محمد بن عبد الملك لمؤانسته، فأخبر باتصال شغلى مع الحسن ابن وهب، فتنكّر لى، وتلوّن علىّ؛ فكتبت إليه رقعة نسختها: أعاذك الله من سوء الغضب، وعصمك من سرف الهوى، وصرف ما أعارك من القوّة إلى حبّ الإنصاف، ورجّح في قلبك إيثار الاناة، فقد خفت- أيّدك الله! -

стр. 520

أن أكون عندك من المنسوبين إلى نزق السفهاء، ومجانبة سبل الحكماء، وبعد، فقد قال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت: وإن امرأ أمسى وأصبح سالما ... من الناس إلا ما جنى لسعيد وقال الآخر: ومن دعا الناس إلى ذمّه ... ذمّوه بالحقّ وبالباطل فإن كنت اجترأت عليك- أصلحك الله! - فلم اجترئ إلا لأنّ دوام تغافلك عنى شبيه بالإهمال، الذى يورث الإغفال، والعفو المتتابع يؤمن من المكافأة، ولذلك قال عيينة بن حصن بن حذيفة لعثمان ﵀: عمر كان خيرا لى منك، أرهبنى فأتقانى، وأعطانى فأغنانى، فإن كنت لا تهب عقابى- أيدك الله! - لخدمة فهبه لأياديك عندى؛ فإنّ النعمة تشفع في النّقمة، وإلا تفعل ذلك لذلك فعد إلى حسن العادة، وإلّا فافعل ذلك لحسن الأحدوثة؛ وإلافات ما أنت أهله من العفو دون ما أنا أهله من استحقاق العقوبة، فسبحان من جعلك تعفو عن المتعمّد، و؟؟؟ من؟؟؟ المصر، حتى إذا صرت إلى من هفوته ذكر، وذنبه نسيان، ومن لا يعرف الشكر إلّا لك، والإنعام إلا منك هجمت عليه بالعقوبة. واعلم- أيّدك الله! - أنّ شين غضبك علىّ كزين صفحك عنى، وأنّ موت ذكرى مع انقطاع سببى منك كحياة ذكرك مع اتصال سببى بك، واعلم أنّ لك فطنة عليم، وغفلة كريم، والسلام. [من كلام على- ﵁! - فى أعجب ما في الإنسان] قال علىّ بن أبى طالب ﵁: أعجب ما في الإنسان قلبه، وله موادّ من الحكمة، وأضداد من خلافها؛ فإن سنح له الرجاء أذلّه الطمع، وإن هاجه الطّمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتدّ به الغيظ، وإن أسعد بالرضا نسى التحفظ، وإن أتاه الخوف

стр. 521

شغله الحذر، وإن اتّسع له الأمن استلبته الغرّة، وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع، وإن استفاد مالا أطغاه الغنى، وإن عضّته فاقة بلغ به البلاء، وإن جهد به الجوع قعد به الضّعف، وإن أفرط في الشبع كظّته البطنة، فكلّ تقصير مضرّ، وكلّ إفراط له قاتل. البيت الذى أنشده الجاحظ لعبد الرحمن بن حسان في أبيات يقول فيها: متى ما يرى الناس الغنىّ وجاره ... فقير يقولوا: عاجز وجليد وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاظ قسّمت وجدود وإن امرأ يمسى ويصبح سالما ... من الناس إلّا ما جنى لسعيد والبيت الذى أنشده بعده لمحمد بن حازم الباهلى في أبيات يقول فيها: إن كنت لا ترهب ذمّى لما ... تعلم من صفحى عن الجاهل فاخش سكوتى آذنا منصتا ... فيك لمسموع خنى القائل «١» فسامع الشرّ شريك له ... ومطعم المأكول كالآكل مقالة السوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل ومن دعا الناس إلى ذمّه ... ذمّوه بالحقّ وبالباطل فلا تهج، إن كنت ذا إربة، ... حرب أخى التجربة الغافل فإنّ ذا العقل إذا هجته ... هجت به ذا خبل خابل تبصر في عاجل شدّاته ... عليك غبّ الضّرر الآجل وفي ابن الزيات يقول الجاحظ: بدا حين أثرى لإخوانه ... ففلّل منهم شباة العدم وأبصر كيف انتقال الزمان ... فبادر بالعرف قبل النّدم [الجاحظ ورجل من البرامكة في مرضه] قال بعض البرامكة: كنت أتقلد السند، فاتصل بى أنى صرفت عنها،

стр. 522

وكنت كسبت ثلاثين ألف دينار، فخفت أن يفجأنى الصارف، ويسعى إليه بالمال، فصغته عشرة آلاف إهليلجة «١» فى كل إهليلجة ثلاثة مثاقيل، وجعلتها في رحلى، ولم أبعد أن جاء الصارف؛ فركبت البحر، وانحدرت إلى البصرة؛ فخبّرت أن بها الجاحظ، وأنه عليل؛ فأحببت أن أراه قبل وفاته، فصرت إليه، فأفضيت إلى باب دار لطيف، فقرعته، فخرجت إلىّ خادم صفراء، فقالت: من أنت؟ فقلت: رجل غريب أحبّ أن يدخل إلى الشيخ فيسرّ بالنظر إليه، فأدت ما قلت، وكانت المسافة قريبة لصغر الدهليز والحجرة، فسمعته يقول: قولى له: وما تصنع بشق مائل، ولعاب سائل، ولون حائل؟ فأخبرتنى، فقلت: لا بدّ من الوصول إليه، فقال: هذا رجل قد اجتاز بالبصرة، فسمع بى وبعلتى، فقال: أراه قبل موته؛ لأقول: قد رأيت الجاحظ. فدخلت فسلمت فردّ ردّا جميلا واستدنانى، وقال: من تكون؟ أعزك الله! فانتسبت له، فقال: رحم الله أباك وقومك الأسخياء الأجواد، الكرام الأمجاد، لقد كانت أيامهم روض الأزمنة، ولقد انجبر بهم خلق، فسقيا لهم ورعيا؛ فدعوت له، وقلت: أنا أسأل الشيخ أن ينشدنى شيئا من الشعر أذكره به، فأنشدنى: لئن قدّمت قبلى رجال فطالما ... مشيت على رسلى فكنت المقدّما ولكنّ هذا الدهر تأتى ضروفه ... فتبرم منقوضا، وتنقض مبرما ثم نهضت، فلما قاربت الدهليز صاح بى فقال: يا فتى؛ أرأيت مفلوجا ينفعه الإهليلج؟ فقلت: لا، قال: فأنا ينفعنى الإهليلج الذى معك، فأنفذ إلىّ منه، فقلت: السمع والطاعة، وخرجت مفرط التعجب من وقوعه على خبرى، حتى كأنّ بعض أحبابى كاتبه بخبرى حين صغته، فأنفذت إليه مائة إهليلجة.

стр. 523

المقامة الجاحظية مقامة من إنشاء البديع تتعلق بذكر الجاحظ] قال: حدثنا عيسى بن هشام قال: جمعتنى مع رفقة وليمة، وأجبت إليها للحديث المأثور فيها عن رسول الله ﷺ : «لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدى الىّ ذراع لقبلت» ، فأفضى بنا المسير إلى دار قد فرش بساطها، وبسطت أنماطها، ومدّ سماطها، وقوم قد أخذوا الوقت بين آس مخضود، وورد منضود، ودنّ مفصود، وناى وعود؛ فصرنا إليهم وصاروا إلينا، ثم عكفنا على خوان قد ملئت حياضه، ونوّرت رياضه، واصطفت جفانه، واختلفت ألوانه؛ فمن حالك بإزائه ناصع، ومن قان في تلقائه فاقع، ومعنا على الطعام رجل تسافر يده على الخوان، وتسفر بين الألوان، وتأخذ وجوه الرّغفان، وتفقأ عيون الجفان، وترعى أرض الجيران «١» ؛ يزحم اللقمة باللقمة، ويهزم المضغة بالمضغة، وهو مع ذلك ساكت لا ينبس، ونحن في الحديث نجرى معه حتى وقف بنا على ذكر الجاحظ وخطابته، ووصف ابن المقفّع وذرابته، ووافق أول الحديث آخر الخوان، وزلنا عن ذلك المكان، فقال الرجل: أين أنتم من الحديث الذى فيه كنتم، فأخذنا في وصف الجاحظ ولسنه، وحسن سننه في الفصاحة وسننه فيما عرفناه؛ فقال: يا قوم؛ لكلّ عمل رجال، ولكل مقام مقال، ولكل دار سكّان، ولكل زمان جاحظ، ولو انتقدتم، لبطل ما اعتقدتم، فكلّ كشر له عن ناب الإنكار، وشمّ بأنف الإكبار، وضحكت إليه، لأجلب ما لديه، وقلت: أفدنا وزدنا، فقال: إنّ الجاحظ في أحد شقى البلاغة يقطف؛ وفي الآخر يقف، والبليغ من لم يقصّر نظمه عن نثره، ولم يزر كلامه بشعره، فهل تروون

стр. 524

للجاحظ شعرا رائعا؟ قلنا: لا، قال: فهلمّوا إلى كلامه؛ فهو بعيد الإشارات، قريب العبارات، قليل الاستعارات، منقاد لعريان الكلام يستعمله، نفور من معتاصه يهمله، فهل سمعتم له بكلمة غير مسموعة، أو لفظة غير مصنوعة؟ فقلت: لا، فقال: هل تحبّ أن تسمع من الكلام ما يخفّف عن منكبيك، وينمّ على ما في يديك؟ فقلت: إى والله، قال: فأطلق لى عن خنصرك ما يعين على شكرك، فأنلته ردائى، فقال: لعمر الذى ألقى إلىّ ثيابه ... لقد كسبت تلك الثياب به مجدا وقد قمرته راحة الجود بزة ... فما ضربت قدحا ولا نصبت نردا أعد نظرا يا من كسانى ثيابه ... ولا تدع الأيام تهدمنى هدّا وقل للألى إن أسفروا أسفروا ضحى ... وإن طلعوا في غمّة طلعوا وردا صلوا رحم العليا وبلوا لهاتها ... فخير النّدى ما سحّ وابله نقدا قال عيسى بن هشام: فارتاحت الجماعة إليه، وانثالت الصّلات عليه، وقلت لما تآانسنا: من أين مطلع هذا البدر؟ فقال: إسكندرية دارى ... لو قرّ فيها قرارى لكنّ ليلى بنجد ... وبالحجاز نهارى [من كلام الملوك] تظلمت رعيّة أردشير بن بابك إليه في سنة مجدبة لعجزهم عن الخراج، وسألته أن يخففه عنهم؛ فكتب لهم ما نسخته: من أردشير المزيد بالبهاء، ابن الملوك العظماء، إلى الفقهاء الذين هم حفظة البيضة، والكتّاب الذين هم ساسة المملكة، وذوى الحرث الذين هم عمرة البلاد، أما بعد، فإنّا نحمد الله تعالى حمد الصالحين، وقد وضعنا عن رعيتنا بفضل رأفتنا إتاوتنا الموظّفة عليهم سنتنا هذه، ونحن كاتبون مع ذلك نميلهم بوصية تنفع الكلّ: لا تستشعروا الحقد

стр. 525

لئلا يغلب عليكم العدوّ، ولا تحبوا الاحتكار لئلا يشملكم القحط، وكونوا للغرباء مؤوين، لتؤووا غدا في المعاد، وتزوّجوا في القرابة فإنه أحسن للرحم، وأثبت للنّسب، ولا تعدّوا هذه الدنيا شيئا فإنها لا تبقى على أحد، ولا ترفضوها مع ذلك؛ فإن الآخرة لا تنال إلا بها. وقيل لبزرجمهر: أىّ الاكتساب أفضل؟ قال: العلم والأدب كنزان لا ينفدان، وسراجان لا يطفآن، وحلّتان لا تبليان؛ من نالهما نال أسباب الرشاد وعرف طريق المعاد، وعاش رفيعا بين العباد. وقال أنو شروان لبزر جمهر لما ظفر به: الحمد لله الذى أظفرنى بك، قال له: فكافئه بما يحبّ كما أعطاك ما تحبّ. قال: وبم أكافئه يا فاسق؟ قال: بالعفو عمّن أظفرك به اليوم كما تحب أن يعفو عنك غدا. ونظير هذا الكلام قد تقدّم لعلىّ ﵁. وقيل لكسرى: أىّ الملوك أفضل؟ قال: الذى إذا جاورته وجدته عليما، وإذا خبرته وجدته حكيما، وإذا أغضب كان حليما، وإذا ظفر كان كريما، وإذا استمنح منح جسيما، وإذا وعد وفى، وإن كان الوعد عظيما، وإذا شكى إليه وجد رحيما. [من رسائل الميكالى] كتب الأمير أبو الفضل الميكالى إلى أبى منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبى: كتابى وأنا أشكو إليك شوقا لو عالجه الأعرابى لما صبا إلى رمل عالج، أو كابده الخلىّ لا نثنى على كبد ذات حرق ولواعج؛ وأذمّ زمانا يفرّق فلا يحسن جمعا، ويخرق فلا ينوى رقعا، ويوجع القلب بتفريق شمل ذوى الوداد، ثم يبخل عليهم بما يشفى الصدور والأكباد؛ قاسى القلب فلا

стр. 526

يلين لاستعطاف، جائر الحكم فلا يميل إلى إنصاف، وكم أستعدى على صرفه وأستنجد، وأتلظّى غيظا عليه وأنشد: متى وعسى يثنى الزمان عنانه ... بعثرة حال والزّمان عثور فتدرك آمال وتقضى مآرب ... وتحدث من بعد الأمور أمور وكلّا، فما على الدهر عتب، ولا له على أهله ذنب؛ وإنما هي أقدار تجرى كما شاء مجريها، وتنفذ كالسهام إلى مراميها؛ فهى تدور بالمكروه والمحبوب، على الحكم المقدور والمكتوب، لا على شهوات النفوس وإرادات القلوب؛ وإذا أراد الله تعالى أذن في تقريب البعيد النازح، وتسهيل الصّعب الجامح، فيعود الأنس بلقاءك الإخوان كأتمّ ما لم يزل معهودا، ويجدد للمذاكرة والمؤانسة رسوما وعهودا؛ إنه الملبّى به، والقادر عليه. وله إلى أبيه: ولو ملكت عنان اختيارى، وأسعفنى ببعض ما أقترحه القدر الجارى، لما غبت عن حضرته- آنسها الله! - ساعة من دهرى، كما لا أعدّ ساعات بعدى عنها وإخلائى لبابها من أيام عمرى؛ ولكنت أبدا ماثلا بها فى زمرة الخدم والعبيد، جامعا بها بين حاشيتى العز المديد، والشرف العتيد؛ لا سيما في هذا الوقت وقد أشرقت البلاد بنور طلعته التي هي في ظلمة الدّهر صباح، وعز مطالعته التي فيها لصدور ذوى الشّنأ شجا ولزند الآمال اقتداح، ومعاودة ظلّه التي أضحت الشمس من حساده، والزمان من عدد ساكنيه وعتاده، إلا أن الحريص- كما علمه مولانا- مخلى عن أعذب موارده، وممنوع بالعوائق عن أكرم مطالعه ومقاصده. وله يستفتح مكاتبة بعض إخوانه: أنا وإن لم تتقدم بينى وبينه المكاتبة، وعادة المساجلة والمفاوضة، من فرط حرصى على افتتاحها وتعاطيها، واعتراض العوائق دون المراد والغرض فيها، فإن

стр. 527

قلبى بودّه مغمور، وضميرى على مصافاته مقصور، فاعتداده لفضائله التي أصبح فيها أو حدىّ العنان، وزاحم فيها منكب العنان «١» ، واستأثر فيها بالغرر والاوضاح، ما أوفى بها على غرّة الصباح، حتى تشاهدت بها ضمائر القلوب، وتهادت أنباءها ألسنة البعيد والقريب، اعتداد من يجمع بالاعتداد لها بين شهادة قلبه ولسانه، ومن ينظم في إجلال قدرها صفقة إسراره وإعلانه، فهو يتنسّم الريح إذا هبّت من ناحيته شوقا ونزاعا، ويستملى الوارد والصادر خبر سلامته انصياعا بالودّ إليه وانقطاعا. شذور من كلامه في أثناء رسائل شتى: أياديه التي غمرتنى سجالها، واتّسع عندى مجالها، وأعيا شكرى عفوها وانثيالها، تناولت فيها المنى دانية القطوف، واجتليت أنوار العيش مأمونة الكسوف، ليس يكاد يبرد غليل شوقى وحنينى، أو ترجع نافرة انسى وسكونى، أو تخلو من الاهتمام والفكرة فيه خواطرى وظنونى، إلا بالتقاء يدنو أمده، ويقرب موعده، وتعلو على الفراق يده، فنعاود العيش طلقا غزيرا، ونجتنى ثمر المنى غضّا نضيرا، ونجتلى وجه الزمان مشرقا منيرا. فوائده لها عندى أثر الغمام أو أنفع، ومحلّ السّماك أو أرفع. حالى في مفارقة حضرته حال بنات الماء قد نضب عنها الغدير، ونبات الأرض «٢» أخطأها النّوء المطير. لهفى على دهر الحداثة إذ غصن شبابى غضّ وريق، ونقل شرابى عضّ وريق. كلام أحلى من ريق النحل، وأصفى من ريق الوبل. من تسوّد قبل وقته وآلته، فقد تعرّض لمقته وإذالته. نظمه له: إن من يلتمس الصّد ... ر بلا وقت وآله لحقيق أن يلقّى ... كل مقت وإذاله الشكل للكتاب، كالحلى للكعاب. لو كان الشباب فضّة لكان الشيب له خبثا. النعمة عروس مهرها الشكر، وثوب صونه النّشر. الخضاب تذكرة الشباب. لا تقاس المهاوى بالمراقى، ولا الأقدام بالتّراقى، ولا البحور بالسواقى.

стр. 528

كم أبلانى من عرف جزيل لا يبلى الدهر جدّة ردائه، وقضانى من دين تأميل لا يقضى الشكر حقّ نعمائه. الشكر للنعمة نتاج، والكفران لها رتاج، وكلما زدت النعمة شكرا، زادت طيبا ونشرا. قطعة من شعره في تجنيس القوافى قال في أبيه: مبدعا في شمائل المجد خيما ... ما اهتدينا لأخذه واقتباسه «١» فهو فظّ بالمال وقت نداه ... وجواد بالعفو في وقت باسه وقال فيه: إذا ما جاد بالأموال ثنّى ... ولم تدركه في الجود الندامه وإن هجست خواطره بجمع ... لريب حوادث قال الندى مه «٢» وقال فيه: ولما تنازع صرف الزمان ... فزعّنا إلى سيد نابه إذا كشّر الدهر عن نابه ... كشفنا الحوادث عنّابه وقال فيه: إن نابنا خطب فآراؤه ... تغنى عن الجيش وتسريبه وإن دجا ليل بدا نوره ... للرّكب نجما فهو يسرى به وقال يفتخر: وكم حاسد لى انبرى فانثنى ... لعضّة نفس شجاها شجاها ومن أين يسمو لنيل العلا ... وما بثّ مالا ولا راش جاها ومنها قوله: وسائلة تسائل عن فعالى ... وعمّا حاز في الدنيا جمالى

стр. 529

فقلت: إلى المعالى حنّ قلبى ... وفي سبل المكارم لجّ مالى وللعلياء نهج مستقيم ... فمالى تاركا ذا النّهج مالى إذا أسرجت في فخر سمابى ... فعالى والنّجار فألجمالى وقال في نوع من هذا الجنس: ومن يسر فوق الأرض يطلب غاية ... من المجد يسرى فوق جمجمة النّسر ومن يختلف في العالمين نجاره ... فإنّا من العلياء نجرى على نجر «١» ومن يتّجر في المال يكسب ربحه ... فبالمال نشرى رابح الحمد والنّشر وعلى نحو هذا الحذو يقول أبو الفتح البستى: أبا العباس لا تحسب بأنى ... لشىء من حلى الأشعار عار ولى طبع كسلسال المجارى ... زلال من ذرا الأحجار جارى إذا ما أكبت الأدوار زندا ... فلى زند على الأدوار وارى وقال أبو الفتح البستى أيضا: بسيف الدولة اتّسقت أمور ... رأيناها مبدّدة النّظام سما وحمى بنى سام وحام ... فليس كمثله سام وحام [أدب الحاجب] قال بعض الملوك لحاجبه: إنك عينى التي أنظر بها، وجنّتى التي أستنيم إليها؛ وقد ولّيتك بابى، فما نراك صانعا برعيّتى؟ قال: أنظر إليهم بعينك، وأحملهم على قدر منازلهم عندك، وأضعهم لك فى إبطائهم عن بابك ولزومهم خدمتك مواضع استحقاقهم، وأرتّبهم حيث جعلهم ترتيبك، وأحسن إبلاغك عنهم، وإبلاغهم عنك.

стр. 530

قال: قد وفيت بما عليك قولا، إن وفيت به فعلا؛ والله ولىّ كفايتك ومعونتك. قال المهدى للفضل بن الربيع: إنى قد ولّيتك ستر وجهى وكشفه، فلا تجعل الستر بينى وبين خواصّى سببا لضغنهم بقبح ردّك، وعبوس وجهك؟ وقدّم أبناء الدعوة؛ فإنهم أولى بالتقديم، وثنّ بالاولياء، واجعل للعامة وقتا إذا دخلوا أعجلهم ضيقه عن التلبّث، وصرفهم عن التمكّث. وقال الحسن بن سهل: إذا كان الملك محتجبا عن الرعيّة، ولم ينزل الوزير نفسه منزلة تكون وسائل الناس إليه أنفسهم واستحقاقهم دون الشفاعات والحرمات، حتى يختصّ الفاضل دون المفضول، ويرتّب الناس على أقدارهم وأوزانهم ومعرفتهم، امتزج التدبير، واختلّت الأمور، ولم يميزّ بين الصدور والاعجاز، والنواصى والأذناب، وكان الناس فوضى، ووهت أسباب الملك، وانتقضت مرائره، وشاعت سرائره، وإنّ أقرب ما أرجو به صلاح ما أتولّاه استماعى من المتنّسمين بأنفسهم، المتوسلين بأفهامهم، المتوصّلين بكفايتهم، وابتذال نفسى لهم، وصبرى عليهم، وتصفحى ما توسلوا به وانتحلوه: من العقول والآداب، والحماية والكفاية. فمن ثبتت له دعواه أنزلته تلك المنزلة، ولم أتحيّفه حقّه، ولا نقصته حظّه، ومن قصّر عما ادّعى كانت منزلته منزلة المقصرين، ولم أخيّب أمله من مقدار ما يستحقّه. وقال بعض البلغاء: إذا أسدل الوالى على نفسه ستر الحجاب، وهي عمود تدبيره؛ واسترخت عليه حمائل الحزم، وازدلفت إليه وفود الذمّ، وتولّى عنه رشد الرّاجى، ونال أموره خلل الانتشار، وآفة الإهمال، وتسرّع إليه العائبون بلواذع ألسنتهم ودبيب قوارضهم. وحجب سعيد بن عبد الملك عن عبيد الله بن سليمان فكتب إليه: سرت إلى بابك- أعزّك الله- عند ما حدث من أمرك، فلم يقض لقاؤك، وعلمت أنّ
следующие страницы →