Полный текст (1 141 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
يلين لاستعطاف، جائر الحكم فلا يميل إلى إنصاف، وكم أستعدى على صرفه وأستنجد، وأتلظّى غيظا عليه وأنشد:
متى وعسى يثنى الزمان عنانه ... بعثرة حال والزّمان عثور
فتدرك آمال وتقضى مآرب ... وتحدث من بعد الأمور أمور
وكلّا، فما على الدهر عتب، ولا له على أهله ذنب؛ وإنما هي أقدار تجرى كما شاء مجريها، وتنفذ كالسهام إلى مراميها؛ فهى تدور بالمكروه والمحبوب، على الحكم المقدور والمكتوب، لا على شهوات النفوس وإرادات القلوب؛ وإذا أراد الله تعالى أذن في تقريب البعيد النازح، وتسهيل الصّعب الجامح، فيعود الأنس بلقاءك الإخوان كأتمّ ما لم يزل معهودا، ويجدد للمذاكرة والمؤانسة رسوما وعهودا؛ إنه الملبّى به، والقادر عليه.
وله إلى أبيه: ولو ملكت عنان اختيارى، وأسعفنى ببعض ما أقترحه القدر الجارى، لما غبت عن حضرته- آنسها الله! - ساعة من دهرى، كما لا أعدّ ساعات بعدى عنها وإخلائى لبابها من أيام عمرى؛ ولكنت أبدا ماثلا بها فى زمرة الخدم والعبيد، جامعا بها بين حاشيتى العز المديد، والشرف العتيد؛ لا سيما في هذا الوقت وقد أشرقت البلاد بنور طلعته التي هي في ظلمة الدّهر صباح، وعز مطالعته التي فيها لصدور ذوى الشّنأ شجا ولزند الآمال اقتداح، ومعاودة ظلّه التي أضحت الشمس من حساده، والزمان من عدد ساكنيه وعتاده، إلا أن الحريص- كما علمه مولانا- مخلى عن أعذب موارده، وممنوع بالعوائق عن أكرم مطالعه ومقاصده.
وله يستفتح مكاتبة بعض إخوانه:
أنا وإن لم تتقدم بينى وبينه المكاتبة، وعادة المساجلة والمفاوضة، من فرط حرصى على افتتاحها وتعاطيها، واعتراض العوائق دون المراد والغرض فيها، فإن
стр. 527
قلبى بودّه مغمور، وضميرى على مصافاته مقصور، فاعتداده لفضائله التي أصبح فيها أو حدىّ العنان، وزاحم فيها منكب العنان «١» ، واستأثر فيها بالغرر والاوضاح، ما أوفى بها على غرّة الصباح، حتى تشاهدت بها ضمائر القلوب، وتهادت أنباءها ألسنة البعيد والقريب، اعتداد من يجمع بالاعتداد لها بين شهادة قلبه ولسانه، ومن ينظم في إجلال قدرها صفقة إسراره وإعلانه، فهو يتنسّم الريح إذا هبّت من ناحيته شوقا ونزاعا، ويستملى الوارد والصادر خبر سلامته انصياعا بالودّ إليه وانقطاعا.
شذور من كلامه في أثناء رسائل شتى: أياديه التي غمرتنى سجالها، واتّسع عندى مجالها، وأعيا شكرى عفوها وانثيالها، تناولت فيها المنى دانية القطوف، واجتليت أنوار العيش مأمونة الكسوف، ليس يكاد يبرد غليل شوقى وحنينى، أو ترجع نافرة انسى وسكونى، أو تخلو من الاهتمام والفكرة فيه خواطرى وظنونى، إلا بالتقاء يدنو أمده، ويقرب موعده، وتعلو على الفراق يده، فنعاود العيش طلقا غزيرا، ونجتنى ثمر المنى غضّا نضيرا، ونجتلى وجه الزمان مشرقا منيرا. فوائده لها عندى أثر الغمام أو أنفع، ومحلّ السّماك أو أرفع. حالى في مفارقة حضرته حال بنات الماء قد نضب عنها الغدير، ونبات الأرض «٢» أخطأها النّوء المطير. لهفى على دهر الحداثة إذ غصن شبابى غضّ وريق، ونقل شرابى عضّ وريق. كلام أحلى من ريق النحل، وأصفى من ريق الوبل. من تسوّد قبل وقته وآلته، فقد تعرّض لمقته وإذالته. نظمه له:
إن من يلتمس الصّد ... ر بلا وقت وآله
لحقيق أن يلقّى ... كل مقت وإذاله
الشكل للكتاب، كالحلى للكعاب. لو كان الشباب فضّة لكان الشيب له خبثا. النعمة عروس مهرها الشكر، وثوب صونه النّشر. الخضاب تذكرة الشباب. لا تقاس المهاوى بالمراقى، ولا الأقدام بالتّراقى، ولا البحور بالسواقى.
стр. 528
كم أبلانى من عرف جزيل لا يبلى الدهر جدّة ردائه، وقضانى من دين تأميل لا يقضى الشكر حقّ نعمائه. الشكر للنعمة نتاج، والكفران لها رتاج، وكلما زدت النعمة شكرا، زادت طيبا ونشرا.
قطعة من شعره في تجنيس القوافى
قال في أبيه:
مبدعا في شمائل المجد خيما ... ما اهتدينا لأخذه واقتباسه «١»
فهو فظّ بالمال وقت نداه ... وجواد بالعفو في وقت باسه
وقال فيه:
إذا ما جاد بالأموال ثنّى ... ولم تدركه في الجود الندامه
وإن هجست خواطره بجمع ... لريب حوادث قال الندى مه «٢»
وقال فيه:
ولما تنازع صرف الزمان ... فزعّنا إلى سيد نابه
إذا كشّر الدهر عن نابه ... كشفنا الحوادث عنّابه
وقال فيه:
إن نابنا خطب فآراؤه ... تغنى عن الجيش وتسريبه
وإن دجا ليل بدا نوره ... للرّكب نجما فهو يسرى به
وقال يفتخر:
وكم حاسد لى انبرى فانثنى ... لعضّة نفس شجاها شجاها
ومن أين يسمو لنيل العلا ... وما بثّ مالا ولا راش جاها
ومنها قوله:
وسائلة تسائل عن فعالى ... وعمّا حاز في الدنيا جمالى
стр. 529
فقلت: إلى المعالى حنّ قلبى ... وفي سبل المكارم لجّ مالى
وللعلياء نهج مستقيم ... فمالى تاركا ذا النّهج مالى
إذا أسرجت في فخر سمابى ... فعالى والنّجار فألجمالى
وقال في نوع من هذا الجنس:
ومن يسر فوق الأرض يطلب غاية ... من المجد يسرى فوق جمجمة النّسر
ومن يختلف في العالمين نجاره ... فإنّا من العلياء نجرى على نجر «١»
ومن يتّجر في المال يكسب ربحه ... فبالمال نشرى رابح الحمد والنّشر
وعلى نحو هذا الحذو يقول أبو الفتح البستى:
أبا العباس لا تحسب بأنى ... لشىء من حلى الأشعار عار
ولى طبع كسلسال المجارى ... زلال من ذرا الأحجار جارى
إذا ما أكبت الأدوار زندا ... فلى زند على الأدوار وارى
وقال أبو الفتح البستى أيضا:
بسيف الدولة اتّسقت أمور ... رأيناها مبدّدة النّظام
سما وحمى بنى سام وحام ... فليس كمثله سام وحام
[أدب الحاجب]
قال بعض الملوك لحاجبه: إنك عينى التي أنظر بها، وجنّتى التي أستنيم إليها؛ وقد ولّيتك بابى، فما نراك صانعا برعيّتى؟
قال: أنظر إليهم بعينك، وأحملهم على قدر منازلهم عندك، وأضعهم لك فى إبطائهم عن بابك ولزومهم خدمتك مواضع استحقاقهم، وأرتّبهم حيث جعلهم ترتيبك، وأحسن إبلاغك عنهم، وإبلاغهم عنك.
стр. 530
قال: قد وفيت بما عليك قولا، إن وفيت به فعلا؛ والله ولىّ كفايتك ومعونتك.
قال المهدى للفضل بن الربيع: إنى قد ولّيتك ستر وجهى وكشفه، فلا تجعل الستر بينى وبين خواصّى سببا لضغنهم بقبح ردّك، وعبوس وجهك؟
وقدّم أبناء الدعوة؛ فإنهم أولى بالتقديم، وثنّ بالاولياء، واجعل للعامة وقتا إذا دخلوا أعجلهم ضيقه عن التلبّث، وصرفهم عن التمكّث.
وقال الحسن بن سهل: إذا كان الملك محتجبا عن الرعيّة، ولم ينزل الوزير نفسه منزلة تكون وسائل الناس إليه أنفسهم واستحقاقهم دون الشفاعات والحرمات، حتى يختصّ الفاضل دون المفضول، ويرتّب الناس على أقدارهم وأوزانهم ومعرفتهم، امتزج التدبير، واختلّت الأمور، ولم يميزّ بين الصدور والاعجاز، والنواصى والأذناب، وكان الناس فوضى، ووهت أسباب الملك، وانتقضت مرائره، وشاعت سرائره، وإنّ أقرب ما أرجو به صلاح ما أتولّاه استماعى من المتنّسمين بأنفسهم، المتوسلين بأفهامهم، المتوصّلين بكفايتهم، وابتذال نفسى لهم، وصبرى عليهم، وتصفحى ما توسلوا به وانتحلوه: من العقول والآداب، والحماية والكفاية. فمن ثبتت له دعواه أنزلته تلك المنزلة، ولم أتحيّفه حقّه، ولا نقصته حظّه، ومن قصّر عما ادّعى كانت منزلته منزلة المقصرين، ولم أخيّب أمله من مقدار ما يستحقّه.
وقال بعض البلغاء: إذا أسدل الوالى على نفسه ستر الحجاب، وهي عمود تدبيره؛ واسترخت عليه حمائل الحزم، وازدلفت إليه وفود الذمّ، وتولّى عنه رشد الرّاجى، ونال أموره خلل الانتشار، وآفة الإهمال، وتسرّع إليه العائبون بلواذع ألسنتهم ودبيب قوارضهم.
وحجب سعيد بن عبد الملك عن عبيد الله بن سليمان فكتب إليه: سرت إلى بابك- أعزّك الله- عند ما حدث من أمرك، فلم يقض لقاؤك، وعلمت أنّ
стр. 531
ثقتك بما عندى، قد مثّلت لك حالى من السرور بنعمة الله عندك، وأرتك موضعى من الاعتداد بكل ما خصّك ووصل إليك، فوكلت العذر إلى ذلك.
ثم إنّا نأتيك متيمّنين بطلعتك، مشتاقين إلى رؤيتك، فيحجبنا عنك ملاحظ.
وهو كما علمت زنيم الصنيعة، لئيم الطبيعة، يحجب عنك الكرام، ويأذن عليك للّئام، كلما نجمت له يد بيضاء، أتبعها يدا سوداء؛ فإن رأيت- أعزّك الله- أن تصرفه عن باب مكارمك فعلت، إن شاء الله.
وقال أبو السمط بن أبى حفصة:
فتى لا يبالى المدلجون بنوره ... إلى بابه ألّا تضىء الكواكب
له حاجب في كلّ خير يعينه ... وليس له عن طالب العرف حاجب «١»
أخذ البيت الأول من قول جده مروان بن أبى حفصة الأكبر:
إلى المصطفى المهدىّ خاضت ركابنا ... دجى الليل يخبطن السّريح المخدّما «٢»
يكون لها نور الإمام محمد ... دليلا به تسرى إذا الليل أظلما
وقال إدريس بن أبى حفصة، وذكر إبلا:
لها أمامك نور تستضىء به ... ومن رجائك في أعناقها حادى
لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الرّتوع وتلهيها عن الزّاد
وأصله قول عمرو بن شأس الأسدى:
إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا ... كفى لمطايانا بوجهك هاديا
أليس يزيد العيس خفّة أذرع، ... وإن كنّ حسرى، أن تكون أماميا «٣»
وقال بعض أهل العصر:
وليل وصلنا بين قطريه بالسّرى ... وقد جدّ شوق مطمع في وصالك
стр. 532
أربّت علينا من دجاه حنادس ... أعدن الطريق النهج وعر المسالك «١»
فناديت يا أسماء، باسمك، فانجلت ... وأسفر منها كلّ أسود حالك
بنا أنت من هاد نجونا بذكره ... وقد نشبت فينا أكفّ المهالك
منحتك إخلاصى وأصفيتك الهوى ... وإن كنت لمّا تخطرينى ببالك
وقال القطامى:
ذكرتكم ليلا فنوّر ذكركم ... دجى الليل حتى انجاب عنه دياجره
فو الله ما أدرى أضوء مسجّر ... لذكراكم أم يسجر الليل ساجره
وقال القينى:
وإنى من القوم الذين هم هم ... إذا مات منهم سيّد قام صاحبه
نجوم سماء كلما انقضّ كوكب ... بدا كوكب تأوى إليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظّم الجزع ثاقبه
وقال الحطيئة:
نمشى على ضوء أحساب أضأن لنا ... كما أضاءت نجوم اللّيل للسّارى
وقد ردّده في موضع آخر فقال:
هم القوم الذين إذا ألّمت ... من الأيام مظلمة أضاءوا
وكلام القاسم بن حنبل المدنى من هذا، حيث يقول:
من البيض الوجوه بنى سنان ... لو انك تستضىء بهم أضاءوا
فلو أنّ السماء دنت لمجد ... ومكرمة دنت لهم السّماء
هم حازوا من الشّرف المعلّى ... ومن كرم العشيرة حيث شاءوا
وقال بعض المتقدمين:
إذا أشرقت في جنح ليل وجوههم ... كفوا خابط الظلماء فقد المصابح
وإن ناب خطب أو ألّمت ملمّة ... فكم ثمّ من آسى جراح وجارح
وقال أبو بديل الوضاح بن محمد التيمى في المستعين:
стр. 533
وقائلة والليل قد نشر الدّجى ... فغطّى بها ما بين سهل وقردد «١»
أرى بارقا يبدو من الجوسق الذى ... به حلّ ميراث النبىّ محمد
أضاءت له الآفاق حتى كأنما ... رأينا بنصف الليل نور ضحى غد
فظلّ عذارى الحىّ ينظمن تحته ... سلوكا من الجزع الذى لم يسرّد
فقلت: هو البدر الذى تعرفونه ... وإلا يكن فالنّور من وجه أحمد
[حث الاشتياق]
وقال عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة في معنى قول عمرو بن شأس في حثّ الاشتياق:
خليلىّ ما بال المطايا كأنما ... تراها على الأعقاب بالقوم تنكص
فقد أتعب الحادى سراهنّ، وانحنى ... بهنّ- فما بالوا-، عجول مقلّص
وقد قطّعت أعناقهنّ صبابة ... فأعينها مما تكلّف تشخص
يزدن بنا قربا فيزداد شوقنا ... إذا ازداد قرب الدار والبعد ينقص
وقال بعض الرجاز، وذكر إبلا:
إنّ لها لسائقا خدلجّا «٢» ... لم يدلج الليلة فيمن أدلجا
يريد امرأة يحبها فيحثه ما يجده من الشوق على إجهاد مطاياه بالسوق. كما أنشد إسحاق الموصلى:
صبّ يحثّ مطاياه بذكركم ... وليس ينساكم إن حلّ أو سارا
لو يستطيع طوى الأيام نحوكم ... حتى يبيع بعمر القرب أعمارا
يرجو النّجاة من البلوى بقربكم ... والقرب يلهب في أحشائه نارا
هذا البيت يناسب أبيات ابن أبى ربيعة. يقول: كلما دنا ازداد حرصا على اللقاء.
стр. 534
وشخص إسحاق الموصلى إلى الواثق بسرّ من رأى، وأهله ببغداد، فتصيد الواثق وهو معه إلى نواحى كبراء، فلما قرب من بغداد قال:
طربت إلى الأصيبية الصّغار ... وهاجك منهم قرب المزار
وكلّ مسافر يزداد شوقا ... إذا دنت الديار من الدّيار
ولحّنه وغنّاه الواثق، فاستحسنة وأطربه، فصرفه إلى بغداد على ما أحب وكان إسحاق قال أولا:
وكلّ مسافر يشتاق يوما ... إذا دنت الديار من الديار
فعابوا قوله «يوما» ، وقالوا: هى لفظة قلقة في هذا الموضع، لم تحلّ بمركزها، ولا لهاهنا موقع. قال: فضعوا مكانها مثلها لا خيرا منها. فما استطاعوا ذلك، فغيّرها إلى ما أنشدت أولا.
وقال أبو نواس:
أما الدّيار فقلما لبثوا بها ... بين اشتياق العيس والرّكبان
وضعوا سياط الشّوق فوق رقابها ... حتى طلعن بها على الأوطان
وقال مخلد بن بكار الموصلى:
أقول لنضو أنفد السّير نيّها «١» ... ولم يبق منها غير عظم مجلّد
خدى بى ابتلاك الله بالشّوق والهوى ... وشاقك تحنان الحمام المغرّد «٢»
فمرّت سريعا خوف دعوة عاشق ... تشقّ بى الموماة في كلّ فدفد «٣»
فلما ونت في السير ثنّيت دعوتى ... فكانت لها سوطا إلى ضحوة الغد
وكان مخلد حلو الطبع، وهو القائل يمدح رجلا:
يطلع النّجم على صعدته ... فإذا واجه نحرا أفلا
معشر إن ظمئت أرماحهم ... أوردوهنّ مجاجات الطلى
стр. 535
تحسن الألوان منهم في الوغى ... حين تستنكر للرّعب الحلى
سخط عبد الله يدنى الأجلا ... ورضاه يتعدّى الأملا
يعشب الصّلد إذا سالمه ... وإذا حارب روضا أمحلا
[ملك لو نشّرت آلاؤه ... وأياديه على الليل انجلى]
حلّ بالبأس ابن عمرو منزلا ... طال حتى قصرت فيه العلا
حطّ رحلى في ذراه جوده ... وتمشّى في نداه الخيزلى «١»
[جودة الخط]
سئل بعض الكتاب عن الخطّ: متى يستحقّ أن يوصف بالجودة؟ فقال:
إذا اعتدلت أقسامه، وطالت ألفه ولامه، واستقامت سطوره، وضاهى صعوده حدوره، وتفتّحت عيونه، ولم تشتبه راؤه ونونه، وأشرق قرطاسه، وأظلمت أنقاسه، ولم تختلف أجناسه، وأسرع إلى العيون تصوّره، وإلى العقول تثمّره، وقدّرت فصوله، واندمجت وصوله، وتناسب دقيقه وجليله، وخرج من نمط الورّاقين، وبعد عن تصنّع المحررين «٢» ، وقام لصاحبه مقام النسبة والحلية، كان حينئذ كما قال صاحب هذا الوصف في صفة خط:
إذا ما تجلل قرطاسه ... وساوره القلم الأرقش
تضمّن من خطّه حلة ... كنقش الدنانير، بل أنقش
حروف تعيد لعين الكليل ... نشاطا ويقرؤها الأخفش
قال أبو هفّان: سألت ورّاقا عن حاله فقال: عيشى أضيق من محبرة، وجسمى أدقّ من مسطرة، وجاهى أرقّ من الزجاج، ووجهى عند الناس أشدّ سوادا من الحبر بالزّاج، وحظى أخفى من شقّ القلم، ويداى أضعف من قصبة، وطعامى أمرّ من العفص؛ وشرابى أحرّ من الحبر «٣» ، وسوء الحال ألزم لى من الصّمغ؛ فقلت له: عبّرت عن بلاء ببلاء!
стр. 536
وقال الحمدونى:
ثنتان من أدوات العلم قد ثنتا ... عنان شأوى عما رمت من هممى
أمّا الدّواة فأدمى جرمها جسدى ... وقلّم الحظّ تحريف من القلم
وحبّرت لى صحف الحرف محبرة ... تذود عنّى سوام المال والنعم
والعلم يعلم أنى حين آخذه ... لعصمتى نافر خلو من العصم
وللحمدونى في الحرفة أشعار مستظرفة، وكان مليح الافتنان، حلو التصرّف؛ وهو إسماعيل بن إبراهيم بن حمدويه، وحمدويه جدّه، وهو صاحب الزنادقة في أيام الرشيد، والحمدونى القائل:
من كان في الدنيا له شارة ... فنحن من نظّارة الدنيا
نرمقها من كثب حسرة ... كأننا لفظ بلا معنى
وقال:
قد قلت إذ خرجوا لكى يستمطروا: ... لا تقنطوا واستمطروا بثيابى
لو في حزيران هممت بغسلها ... غطى ضياء الشمس جوّ سحاب
فكأنها العباس يستسقى به ... عمر فيرويهم دعاء مجاب «١»
[حرفة الأدب]
وقال آخر في المعنى الأول:
لما أجدت حروف الخط حرّفنى ... عن كل حظّ وجاءت حرفة الأدب
أقوت منازل مالى حين وطّنها ... مخيّما سفط الأقلام والكتب
وقال يعقوب الخريمى:
ما ازددت في أدبى حرفا أسرّ به ... إلا تزيّدت حرفا تحته شوم
كذاك من يدّعى حذقا بصنعته ... أنّى توجّه فيها فهو محروم
стр. 537
ولما قتل المقتدر أبا العباس بن المعتز، وزعم أنه مات حتف أنفه، قال علىّ بن محمد بن بسام:
لله درّك من ميت بمضيعة ... ناهيك في العلم والآداب والحسب
ما فيه لوّ ولا ليت فينقصه ... وإنما أدركته حرفة الأدب
[رزق الحمقى والعقلاء]
قال ابن الرومى:
يا ليت أهل البيت إذ حرموا ... عصموا من الشهوات والفتن
لكنهم حرموا وما عصموا ... فقلوبهم مرضى من الحزن
وهم أطبّ على بليّتهم ... من غيرهم بمضاضة الشّجن «١»
وقال جعفر بن محمد: إن الله وسّع أرزاق الحمقى ليعتبر العقلاء، ويعلموا أنّ الدنيا لا ينال ما فيها بعقل ولا حيلة؛ ألا إنّ كسب المال بالحظّ، وحفظه بالعقل.
قال إبراهيم بن سيّار النظام: الذهب لئيم؛ لأنّ الشكل يصير إلى شكله، وهو عند اللئام أكثر منه عند الكرام. قال المتنبى- وأخذ هذا المعنى:
وشبه الشىء منجذب إليه ... وأشبهنا بدنيانا الطّغام
وكان النظام له نظر بوجوه التصرف، وكان السلطان يصله بالكثير، وكان محظوظا؛ فإذا اجتمع له مال حبس لنفسه بلغة، وفرّق الباقى في أبواب المعروف؛ فقيل له في ذلك، فقال: من حقّ المال علىّ أن أطلبه من معدنه، وأصيب به الفرصة عند أهله؛ ومن حقّى عليه أن يقينى السوء بنفسه، ويصون عرضى
стр. 538
بابتذاله، ولا يفعل ذلك إلا بأن أسمح به؛ ألا ترى ذا الغنى؛ ما أدوم نصبه «١» ، وأقلّ راحته، وأخسّ من ماله حظّه، وأشدّ من الأيام حذره، وأغرى الدهر بثلبه ونقصه، ثم هو بين سلطان يرعاه، وذوى حقوق يسبّونه، وأكفاء ينافسونه، وولد يريدون فراقه، قد بعث عليه الغنى من سلطانه العناء، ومن أكفائه الحسد، ومن أعدائه البغى، ومن ذوى الحقوق الذمّ، ومن الولد الملال، وذو البلغة قنع فدام له السرور، ورفض الدنيا فسلم من المحذور، ورضى بالكفاف فتنكّبته الحقوق.
[أفكار الوراقين]
قال الصولى أنشدنى محمد بن أحمد بن إسحاق:
أدمى البكا جفنىّ والمآقى ... فظلت ذا همّ وذا احتراق
ما إن أرى في الأرض والآفاق ... أدنى ولا أشقى من الورّاق
إذا أتى فى القمص الأخلاق ... رأيته مطيرة العشّاق «٢»
يفرح بالأقلام والأوراق ... كفرحة الجندى بالأرزاق
وقال بعض الوراقين:
إذا كنت بالليل لا أكتب ... وطول النهار أنا ألعب
فطورا يبّطلنى مأكل ... وطورا يبّطلنى مشرب
فإن دام هذا على ما أرى ... فبيتى أوّل ما يخرب
وقيل لورّاق: ما تشتهى؟ فقال: قلما مشّاقا، وحبرا برّاقا، وجلودا رقاقا.
وكل امرىء فأمنبته على ما يطابق غريزته، ويوافق نحيزته «٣» .
стр. 539
[أطيب اللذات عند الشعراء]
قال علىّ بن جبلة العكوك: قال الأصمعى: سئل امرؤ القيس: ما أطيب لذات الدنيا؟ قال: بيضاء رعبوبة «١» ، بالحسن مكبوبة، بالشّحم مكروبة «٢» ، بالمسك مشبوبة.
وسئل الأعشى عن ذلك، فقال: صهباء صافية «٣» ، تمزجها ساقية، من صوب غادية «٤» .
وسئل طرفة عن ذلك، فقال: مركب وطىّ، وثوب بهىّ، ومطعم شهى.
قال العكوك: فحدّثت بهذا أبا دلف، فقال:
أطيب الطيبات قتل الأعادى ... واختيال على متون الجياد
ورسول يأتى بوعد حبيب ... وحبيب يأتى بلا ميعاد
وحدّثت بذلك حميدا الطوسى، فقال:
فلولا ثلاث هنّ من لذّة الفتى، ... وجدّك، لم أحفل متى قام عوّدى
فمنهنّ سبق العاذلات بشربة ... كميت، متى ما تعل بالماء تزبد «٥»
وكرّى إذا نادى المضاف محنّبا ... كسيد الغضا ذى السّورة المتورّد «٦»
وتقصير يوم الدّجن، والدّجن معجب ... ببهكنة تحت الخباء المعمّد «٧»
الشعر لطرفة بن العبد.
стр. 540
وحدثت بذلك يزيد بن عبد الله، فقال: ما أدرى ما قالوا، ولكنى أقول:
فاقبل من الدّهر ما أتاك به ... من قرّ عينا بعيشه نفعه
فكان أسدّهم.
والبيت للأضبط بن قريع، أنشده أبو العباس ثعلب، قال: وبلغنى أن هذه الأبيات قيلت قبل الإسلام بدهر طويل:
لكل ضيق من الأمور سعه ... والصبح والمسى لا فلاح معه «١»
ما بال من سرّه مصابك لا ... يملك شيئا من أمره وزعه
أذود عن حوضه ويدفعنى ... يا قوم، من عاذرى من الخدعه؟
حتى إذا ما انجلت عمايته ... أقبل يلحى وغيّه فجعه «٢»
قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه
ويقطع الثوب غير لابسه ... ويلبس الثوب غير من قطعه
فاقبل من الدّهر ما أتاك به ... من قرّ عينا بعيشه نفعه
وصل حبال البعيد إن وصل الح ... بل، وأقص القريب إن قطعه
ولا تعاد الفقير علّك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه «٣»
هذا البيت شبيه بما روى عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ كثيرا ما يستنشدنى قول اليهودى:
ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه ... يوما فتدركه العواقب قد نما «٤»
يجزيك، أو يثنى عليك، وإنّ من ... أثنى عليك بما فعلت كمن جزى
فأنشده، فيقول: إنى فطن لها:
стр. 541
وكان الأضبط سيد بنى سعد، وكانوا يشتمونه ويؤذونه، فانتقل إلى حىّ من العرب فوجدهم يؤذون سادتهم، فقال: حيثما أوجّه ألق سعدا! فذهبت مثلا قال الطائى:
فلا تحسبن هندا لها الغدر وحدها ... سجية نفس، كلّ غانية هند
[وصف المحابر والأقلام]
قال بعض الكتاب يصف محبرة:
ولقد مضيت إلى المحدّث آنفا ... وإذا بحضرته ظباء رتّع
وإذا ظباء الإنس تكتب كل ما ... يملى، وتحفظ ما يقول وتسمع
يتجاذبون الحبر من ملمومة ... بيضاء تحملها علائق أربع «١»
من خالص البلّور غيّر لونها ... فكأنها سبج يلوح ويلمع «٢»
إن نكّسوها لم تسل، ومليكها ... فيما حوته عاجلا، لا يطمع
ومتى أمالوها لرشف رضابها ... أدّاه فوها وهي لا تتمنّع
وكأنها قلبى يضنّ بسرّه ... أبدا، ويكتم كلّ ما يستودع
يمتاحها ماضى الشّباة مذلّق ... يحرى بميدان الطّرّوس فيسرع «٣»
رجلاه رأس عنده لكنّه ... يلقاه برد حفاه ساعة يقطع
وكأنّه والحبر يخضب رأسه ... شيخ لوصل خريدة يتصنّع
لم لا ألاحظه بعين جلالة ... وبه إلى الله الصحائف ترفع
وقال أبو الفتح كشاجم:
محبرة جاد لى بها فمر ... مستحسن الخلق مرتضى الخلق
جوهرة خصّنى بجوهرة ... ناطت له المكرمات في عنقى
بيضاء والحبر في قراراتها ... أسود كالمسك جدّ منفتق
مثل بياض العيون زيّنه ... مسودّ ما شابه من الحدق
стр. 542
كأنما حبرها إذا نثرت ... أقلامنا ظلّه على الورق
كحل مرته العيون من مقل ... نجل فأوفت به على يقق «١»
خرساء لكنّها تكون لنا ... عونا على علم أفصح النّطق
وقال عبد الله بن أحمد: القلم أمره، ما لم يكتحل بإثمد الدّواة «٢» .
وكتب إبراهيم بن العباس كتابا فأراد محو حرف فلم يجد منديلا، فمحاه بكمّه، فقيل له في ذلك، فقال: المال فرع، والعلم أصل؛ وإنما بلغنا هذه الحال، واعتقدنا هذه الأموال «٣» بهذا القلم والمداد، ثم قال:
إذا ما الفكر أضمر حسن لفظ ... وأدّاه الضمير إلى العيان
ووشّاه ونمنمه مسدّ ... فصيح بالمقال وباللّسان
رأيت حلى البيان منوّرات ... تضاحك بينها صور المعانى
ألفاظ لأهل العصر في أوصاف آلات الكتابة والدوىّ والأقلام
الدواة من أنفع الأدوات، وهي للكتابة عتاد، وللخاطر زناد، غدير لا يرده غير الأفهام، ولا يمتح بغير أرشية الأقلام «٤» ، دواة أنيقة الصّنعة، رشيقة الصبغة، مسكية الجلد، كافورية الحلية. غدير تفيض ينابيع الحكمة من أقطاره، وتنشأ سحب البلاغة من قراره. دواة تداوى مرض عفاتك، وتدوى قلوب عداتك، على مرفع يؤذن بدوام رفعتك، وارتفاع النوائب عن ساحتك، ومداد كسواد العين، وسويداء القلب، وجناح الغراب، ولعاب الليل، وألوان دهم الخيل. وهذا من قول ابن الرومى:
حبر أبى حفص لعاب الليل ... كأنه ألوان دهم الخيل
стр. 543
قال العاصر: مداد ناسب خافية الغراب، واستعار لونه من شرخ الشباب، وأقلام جمّة المحاسن، بعيدة من المطاعن، تعاصى الكاسى، وتمانع الغامز القاسى. أنابيب ناسبت رماح الخطّ في أجناسها، وشاكلت الذهب في ألوانها، وضاهت الحديد في لمعانها؛ كأنها الأميال استواء، والآجال مضاء، بطيئة الحفى، قوية القوى، لا يشظّيها «١» القطّ، ولا يتشعّب بها الخطّ. أقلام بحرية موشيّة اللّيط «٢» ، رائقة التخطيط. قلم معتدل الكعوب، طويل الأنبوب، باسق الفروع، روىّ الينيوع، هو أولى باليد من البنان، وأخفى للسر من اللّسان.
هو للأنامل مطيّة، وعلى الكتابة معونة مرضيّة. نعم العدّة القلم: يقلم أظافر الدّهر، ويملك الأقاليم بالنّهى والأمر، إن أردت كان مسجونا لا يملّ الإسار، وإن شئت كان جوادا جاريا لا يعرف العثار، لا ينبو إذا نبت الصّفاح «٣» ، ولا يحجم إذا أحجمت الرّماح.
قال أبو الفتح كشاجم، يصف محبرة ومقلمة وأقلاما وسكينا:
جسمى من اللهو وآلات الطّرب ... ومن عتاد وثراء ونشب
ومن مدام ومثان تصطحب ... وهمة طمّاحة إلى الرّتب
مجالس مصونة من الرّيب ... معمورة من كلّ علم وأدب
تكاد من حرّ الحديث تلتهب ... شعرا وأخبارا ونحوا يقتضب
ولغة تجمع ألفاظ العرب ... وفقرا كالوعد فى قلب المحبّ
أو كتأتّى الرزق من غير طلب ... أجل، وحسبى من دوىّ تنّتخب
محلّيات بلجين وذهب ... محبرة يزهى بها الحبر الألبّ «٤»
مثقوبة آذانها، وفي الثّقب ... مثل شنوف الخرّد البيض العرب «٥»
стр. 544
تضمن قطرا فيه للكتب غشب ... أسود يجرى بمعان كالشهب
لا تنضب الحكمة إلّا إن نضب ... نيطت إلى يسرى يدىّ بسبب
كالقرط في الجيد تدلّى فاضطرب ... تصحبها، والأخوات تصطحب
كأنه يودع نبلا من قصب ... لم يعلها ريش ولم تحمل عقب «١»
لا تضحك الأوراق حتى ينتحب ... ترمى بها يمناى أعراض الكتب
رميا متى أقصد به السّمت أصب ... ومدية كالعضب ما مسّ القصب
غصبى على الأقلام من غير سبب ... تسطو بها في كلّ حين وتثب
وإنما ترضيك في ذاك الغضب ... فتلك آلاتى، وآلاتى تحبّ
والظّرف في الآلات مما يستحبّ ... لا سيّما ما كان منها للادب
[عمال المأمون]
تظلم رجل إلى المأمون من عامل له، فقال: يا أمير المؤمنين، ما ترك لى فضّة إلّا فضّها، ولا ذهبا إلّا ذهب به، ولا غلّة إلا غلها، ولا ضيعة إلّا أضاعها، ولا علقا «٢» إلا علقه، ولا عرضا إلا عرض له، ولا ماشية إلا امتشّها «٣» ، ولا جليلا إلا أجلاه، ولا دقيقا إلا أدقّه. فعجب من فصاحته وقضى حاجته.
قال عمرو بن سعد بن سلم: كانت علىّ نوبة أنوبها في حرس المأمون، فكنت في نوبتى ليلة فخرج متفقّدا من حضر، فعرفته ولم يعرفنى، فقال: من أنت؟ قلت: عمرو، عمرك الله، ابن سعيد، أسعدك الله، ابن سلم، سلّمك الله.
فقال: تكلؤنا منذ الليلة. قلت: الله يكلؤك قبلى، وهو خير حافظا وهو أرحم الراحمين.
فقال المأمون:
إنّ أخاك الحقّ من يسعى معك ... ومن يضرّ نفسه لينفعك
ومن إذا صرف زمان صدعك ... بدّد شمل نفسه لنجمعك
стр. 545
[الورد والنرجس]
وقال على بن العباس الرومى:
خجلت خدود الورد من تفضيله ... خجلا تورّدها عليه شاهد
لم يخجل الورد المورّد لونه ... إلّا وناحله الفضيلة عاند
للنرجس الفضل المبين إذا بدا ... بين الرياض طريفه والتّالد
وكان ابن الرومى متعصبا للنرجس، كثير الذمّ للورد، وكتب إلى أبى الحسن ابن المسيب:
أدرك ثقاتك إنّهم وقعوا ... فى نرجس معه ابنة العنب
فهم بحال لو بصرت بها ... سبّحت من عجب ومن عجب
ريحانهم ذهب على درر ... وشرابهم درّ على ذهب
فى روضة شتويّة رضعت ... درّ الحيا حلبا على حلب
واليوم مدجون فحرّته ... فيه بمطّلع ومحتجب «١»
ظلت تسامرنا وقد بعثت ... ضوءا يلاحظنا بلا لهب
وكان كسرى أنو شروان مستهترا بالنّرجس «٢» ، وكان يقول: هو ياقوت أصفر، بين درّ أبيض، على زمرّد أخضر. نقله بعض المحدثين فقال:
وياقوتة صفراء في رأس درّة ... مركّبة في قائم من زبرجد
كمثل بهىّ الدّرّ عقد نظامها ... نثير فرند قد أطاف بعسجد
كأنّ بقايا الطّل في جنباتها ... بقية دمع فوق خدّ مورّد
رجع ابن الرومى:
فصل القضية أنّ هذا قائد ... زهر الرّبيع وأنّ هذا طارد
شتّان بين اثنين: هذا موعد ... بتصرّم الدنيا، وهذا واعد
стр. 546
فإذا احتفظت به فأمتع صاحب ... بحياته، لو أنّ حيّا خالد
ينهى النديم عن القبيح بلحظه ... وعلى المدامة والسّماع يساعد «١»
اطلب بعقلك في الملاح سميّه ... أبدا؛ فإنك لا محالة واجد
والورد إن فتّشت فرد في اسمه ... ما في الملاح له سمىّ واحد
هذى النجوم هي التي ربّينها ... بحيا السحاب كما يربّى الوالد «٢»
فانظر إلى الولدين، من أدناهما ... شبها بوالده فذاك الماجد
أين الخدود من العيون نفاسة ... ورياسة، لولا القياس الفاسد
وقد ناقضه جماعة من البغداديين وغيرهم في هذا المذهب، وذهبوا إلى تفضيل الورد؛ فما دانوه وما استطاعوه.
قال أحمد بن يونس الكاتب رادّا عليه:
يا من يشبّه نرجسا بنواظر ... دعج، تنبّه إنّ فهمك راقد
إنّ القياس لمن يصحّ قياسه، ... بين العيون وبينه متباعد
والورد أصدق للخدود حكاية ... فعلام تجحد فضله يا جاحد
ملك قصير عمره مستأهل ... تخليده، لو أنّ حيّا خالد
إن قلت إنّ الورد فرد في اسمه ... ما في الملاح له سمىّ واحد
فالشمس تفرد باسمها والمشترى ... والبدر يشرك في اسمه وعطارد
أو قلت إنّ كواكبا ربينها ... بحيا السّحاب كما يربّى الوالد
قلنا أحقّهما بطبع أبيه في ... الجدوى هو الزّاكى النجيب الرّاشد
زهر النّجوم تروقنا بضيائها ... ولها منافع جمة وعوائد
وكذلك الورد الأنيق يروقنا ... وله فضائل جمّة وفوائد
وخليفه إن غاب ناب بنفعه ... وبنفحه أبدا مقيم راكد
стр. 547
إن كنت تنكر ما ذكرنا بعد ما ... وضحت عليه دلائل وشواهد
فانظر إلى المصفرّ لونا منهما ... وافطن فما يصفرّ إلّا الحاسد
نبذ من النظم والنثر فى صفات النّور والزهر
قال علىّ بن الجهم:
لم يضحك الورد إلّا حين أعجبه ... حسن الرّياض وصوت الطائر الغرد
بدا فأبدت لنا الدّنيا محاسنها ... وراحت الرّاح في أثوابها الجدد
وقابلته يد المشتاق تسنده ... إلى الترائب والأحشاء والكبد
كأنّ فيه شفاء من صبابته ... أو مانعا جفن عينيه من السّهد
بين النّديمين والخلّين مصرعه ... وسيره من يد موصولة بيد
ما قابلت طلعة الرّيحان طلعته ... إلا تبيّنت فيه ذلّة الحسد
قامت بحجّته ريح معطّرة ... تشفى القلوب من الأوصاب والكمد
لا عذّب الله إلّا من يعذّبه ... بمسمع بارد أو صاحب نكد «١»
وكان أردشير بن بابك يصف الورد ويقول: هو درّ أبيض، وياقوت أحمر، على كراسى زبرجد أخضر، توسطه شذور من ذهب أصفر، له رقّة الخمر، ونفحات العطر «٢» أخذه محمد بن عبد الله بن طاهر فقال:
كأنهنّ يواقيت يطيف بها ... زمرّد وسطه شذر من الذّهب
فاشرب على منظر مستظرف حسن ... من خمرة مزّة كالجمر في اللهب
وقال يزيد المهلبى: أحبّ المتوكل أن ينادمه الحسين بن الضحاك، الخليع
стр. 548
البصرى، وأن يرى ما بقى من ظرفه وشهوته لما كان عليه؛ فأحضره وقد كبر وضعف، فسقاه حتى سكر، وقال لخادمه شفيع: اسقه؛ فسقاه وحياه بوردة، وكانت على شفيع أثواب، فمدّ الحسين يده إلى درع شفيع، فقال المتوكل:
أتخمش غلامى بحضرتى؟ كيف لو خلوت به! ما أحوجك يا حسين إلى أدب! وكان المتوكل غمز شفيعا على العبث به، فقال حسين: سيدى، أريد دواة وقرطاسا؛ فأمر له بهما، فكتب:
وكالوردة البيضاء حيّا بأحمر ... من الورد يسعى في قراطق كالورد «١»
له عبثات عند كلّ تحيّة ... بكفّيه يستدعى الخلىّ إلى الوجد
تمنيت أن أسقى بكفيه شربة ... تذكرنى ما قد نسيت من العهد
سقى الله عيشا لم أنم فيه ليلة ... من الدهر إلّا من حبيب على وعد
ثم دفع الرقعة إلى شفيع، وقال: ادفعها إلى مولاك؛ فلما قرأها استملحها، وقال: لو كان شفيع ممن تجوز هبته لو هبته لك، ولكن بحياتى يا شفيع إلّا كنت ساقيه بقيّة يومه! وأمر له بمال كثير حمل معه لما انصرف.
قال يزيد المهلبى: فصرت إلى الحسين بعد انصرافه من عند المتوكل بأيام، فقلت: ويحك! أتدرى ما صنعت؟ قال: لا أدع عادتى بشىء، وقد قلت بعدك:
لا رأى عطفة الأحببة من لا يصرح ... أصغر الساقيين أشكل عندى وأملح
لو تراه كالظبى يسنح طورا ويبرح ... خلت غصنا على كثيب بنور يوشّح
стр. 549
قال الصولى: وكأن الأول من أبيات الحسين من قول العباس بن الأحنف:
بيضاء في حمر الثياب كوردة ... بيضاء بين شقائق النعمان
تهتزّ في غيد الشباب إذا مشت ... مثل اهتزاز نواعم الأغصان
قال أبو بكر الصولى: كان عند الخصى الوزير ظبى داجن ربيب في داره، فعمد إلى نيلوفر فأكله، فاستملح الغزال وأنسه، وقال: لو عمل في أنس هذا الغزال وفعله بالنيلوفر لاشتمل العمل على معنى مليح! فبلغ الخبر أبا عبد الله إبراهيم ابن محمد بن عرفة نفطويه، فبادر لئلا يسبق، وعمل أبياتا أولها:
جرت ظبية غنّاء ترعى بروضة ... تنوش لدى أفنانها ورقا خضرا «١»
فى أبيات غير طائلة، فاستبرد ما أتى به، قال الصولى: فقلت:
ونيلوفر يحكى لنا المسك طيبه ... تراه على اللذات أفضل مسعد
قد اجتنّ خوف الحادثات بجنّة ... تروق كثوب الراهب المتعبّد
تركّب كالكاسات في ذهبيّة ... على قضب مخضرّة كالزّبرجد
وألبس ثوبا يفضل اللّحظ حسنه ... كما عبثت عين بخدّ مورّد
غذته أهاضيب السماء بدرّها ... تروح عليه كلّ يوم وتغتدى
تلبّس للانوار ثوب سمائه ... ففضّل عنه الحسن في كلّ مشهد
وفي وسطه منه اصفرار يزينه ... كياقوتة زرقاء في رأس عسجد
أطاف به أحوى المدامع شادن ... حكى طرف من أهوى وحسن المقلد «٢»
كما أخذ الظمآن بالفم كاسه ... ولم يستعن في أخذه الكاس باليد
[وصف أيام الربيع]
وقال أبو محمد الحسن بن على بن وكيع «٣» :
يوم أتاك بوجهه المتهلّل ... ناهيك من يوم أغرّ محجّل
стр. 550
خلع الغمام على اخضرار سمائه ... خلعا فبين ممسّك ومصندل
وكسا الرّبى حللا تخالف شكلها ... بمورّد ومعصفر ومكحّل
وتمايلت فيه قدود غصونه ... من شرب كاسات العيون الهطّل
وعلا على الأشجار قطر سمائها ... فهدت لعين الناظر المتأمل
يحكى قباب زمرّد قد كلّلت ... بمنظّم من لؤلؤ ومفصّل
وأتاك نور الباقلاء كأنما ... يرنو إليك بعين أكحل أقبل «١»
الورد يخجل كلّ نور طالع ... وتراه منتقبا بحمرة مخجل
وحكى بياض الطّلع في كافوره ... وجه الخريدة في الخمار الصّندلى
فكأنما الدنيا عروس أقبلت ... فى كل أنواع الملابس تجتلى
فاشرب معصفرة القميص سلافة ... من صنعة البردان أو قطربّل
وقال أبو الفتح البستى:
يوم له فضل على الأيام ... مزج السّحاب ضياءه بظلام
فالبرق يخفق مثل قلب هائم ... والغيم يبكى مثل طرف هام
وكأنّ وجه الأرض خدّ متيّم ... وصلت سجام دموعه بسجام
فاطلب ليومك أربعا: هنّ المنى ... وبهنّ تصفو لذّة الأيام
وجه الحبيب، ومنظرا مستشرقا، ... ومغنّيا غردا، وكأس مدام
وقال الأمير أبو الفضل الميكالى:
سلّ الربيع على الشّتاء صوارما ... تركته مجروحا بلا إغماد
وبكت له عين السماء بأدمع ... ضحكت لساجمها ربى الأنجاد
وبدت شقائقها خلال رياضها ... تزهى بثوبى حمرة وسواد
стр. 551
فكأنها بنت الشتاء توجّعت ... لمصابه كشقيقة الأولاد
فقنوء حمرتها خضاب نجيعه ... وسواد كسوتها لباس حداد
وقال:
تصوغ لنا كفّ الربيع حدائقا ... كعقد عقيق بين سمط لآلى
وفيهن أنوار الشقائق قد حكت ... خدود عذارى نقّطت بغوالى
وقال:
كأنّ الشقائق إذ أبرزت ... غلالة داد وثوبا أحمّ «١»
قطاع من الجمر مشبوبة ... فأطرافها لمع من حمم
وقال في حديقة ريحان:
أعددت محتفلا ليوم فراغى ... روضا غدا إنسان عين الباغى «٢»
روض يروض هموم قلبى حسنه ... فيه لكأس الأنس أىّ مساغ
فإذا بدت قضبان ريحان به ... حيّت بمثل سلاسل الأصداغ
وقال في النرجس:
أهلا بنرجس روض ... يزهى بحسن وطيب
يرنو بعينى غزال ... على قضيب رطيب
وفيه معنى خفىّ ... يزينه للقلوب
تصحيفه إن نسقت ... الحروف برّ حبيب
وقال:
وما ضمّ شمل الأنس يوما كنرجس ... يقوم بعذر اللهو عن خالع العذر «٣»
فأحداقه أحداق تبر، وساقه ... كقامة ساق في غلائله الخضر
стр. 552
وقال البحترى:
سقى الغيث أكناف اللّوى من محلة ... إلى الحقف من رمل اللوى المتقاود
ولا زال مخضرّ من الرّوض يانع ... عليه بمحمرّ من النّور جاسد
شقائق يحملن الندى فكأنّه ... دموع التصابى في خدود الخرائد
ومن لؤلؤ في الأقحوان منظّم ... ومن نكت مصفرّة كالفرائد
كأن جنى الحوذان فى رونق الضحى ... دنانير تبر من تؤام وفارد
إذا راوحتها مزنة بكرت لها ... شآبيب مجتاز عليها وقاصد
رباغ تردّت بالرياض مجودة ... بكل جديد الماء عذب الموارد «١»
كأنّ يد الفتح بن خاقان أقبلت ... تليها بتلك البارقات الرّواعد
[فى مجلس المبرد]
قال أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه: قال لى البحترى وقد اجتمعنا على خلوة عند المبرد وسلكنا مسلكا من المذاكرة: أشعرت أنى سبقت الناس كلهم إلى قولى:
شقائق يحملن النّدى فكأنّه ... دموع التّصابى في خدود الخرائد
كأن يد الفتح بن خاقان أقبلت ... تليها بتلك البارقات الرّواعد
هكذا أنشد، فاستحسن ذلك المبرد استحسانا أسرف فيه، وقال: ما سمعت مثل هذه الألفاظ الرّطبة، والعبارة العذبة، لأحد تقدّمك ولا تأخّر عنك. فاعترته أريحيّة جرّبها رداء العجب؛ فكأنه أعجبنى ما يعجب الناس من مراجعة القول؛ فقلت: يا أبا عبادة، لم تسبق إلى هذا، بل سبقك سعيد بن حميد الكاتب إلى البيت الأول بقوله:
عذب الفراق لنا قبيل وداعنا ... ثم اجترعناه كسمّ ناقع
стр. 553
وكأنما أثر الدموع بخدّها ... طلّ تساقط فوق ورد يانع
وشركك فيه صديقنا أبو العباس الناشىء بما أنشدنيه آنفا:
بكت للفراق وقد راعنى ... بكاء الحبيب لبعد الديار
كأنّ الدموع على خدّها ... بقية طلّ على جلّنار «١»
وما أساء على بن جريج، بل أحسن في زيادته عليك بقوله:
لو كنت يوم الوداع شاهدنا ... وهنّ يطفين غلة الوجد
لم تر إلّا دموع باكية ... تسفح من مقلة على خدّ
كأنّ تلك الدموع قطر ندى ... يقطر من نرجس على ورد
وسبقك أبو تمام إلى معنى البيتين معا بقوله:
من كل زاهرة ترقرق بالنّدى ... فكأنها عين إليه تحدّر
تبدو ويحجبها الجميم كأنها ... عذراء تبدو تارة وتخفّر «٢»
خلق أطلّ من الربيع كأنّه ... خلق الإمام وهديه المتنشّر
فى الأرض من عدل الإمام وجوده ... ومن الربيع الغضّ سرح يزهر «٣»
ينسى الربيع وما يروّض جوده ... أبدا على مرّ الليالى يذكر
قال: فشقّ ذلك عليه، وحلّ حبوته ونهض، فكان آخر عهدى بمؤانسته وغلظ ذلك على محمد بن يزيد، وقدح ذلك في حالى عنده.
وقال البحترى يمدح الهيثم بن عثمان الغنوى:
ألست ترى مدّ الفرات كأنه ... جبال شرورى جئن في البحر عوّما
وما داك من عاداته غير أنه ... رأى شيمة من جاره فتعلّما
стр. 554
وقد نبّه النّوروز في غبش الدّجى ... أوائل ورد كنّ بالأمس نوّما
يفتّحها برد النّدى فكأنه ... يبثّ حديثا بينهنّ مكتّما
ومن شجر ردّ الربيع لباسه ... عليه كما نشّرت بردا منمنما
أحلّ فأبدى للعيون بشاشة ... وكان قذى للعين مذ كان محرما
فما يمنع الراح التي أنت خلّها ... وما يمنع الأوتار أن تترنّما
وما زلت خلّا للنّدامى إذا اغتدوا ... وراحوا بدورا يستحثون أنجما
تكرّمت من قبل الكئوس عليهم ... فما اسطعن أن يحدثن فيك تكرّما
حيّتك عنا شمال طاف طائفها ... بجنّة فجرت راحا وريحان
هبّت سحيرا فناجى الغصن صاحبه ... سرّا بها وتداعى الطّير إعلانا
«١» ورق تغنّى على خضر مهدّلة ... تسمو بها وتمسّ الأرض أحيانا
تخال طائرها نشوان من طرب ... والغصن من هزّه عطيه نشوانا
ولابن المعتز في أرجوزته البستانية التى ذم فيها الصّبوح صفة جامعة، إذ قال:
أما ترى البستان كيف نوّرا ... ونشّر المنثور بردا أصفرا
وضحّك الورد إلى الشقائق ... واعتنق الورد اعتناق الوامق
فى روضة كحلية العروس ... وخدّم كهامة الطاوس
وياسمين في ذرى الأغصان ... منظم كقطع العقيان
والسّرو مثل قصب الزّبرجد ... قد استمدّ الماء من ترب ند
على رياض وثرى ندىّ ... وجدول كالبرد الحلىّ
وفرّج الخشخاش جيبا وفتق ... كأنّه مصاحف بيض الورق
أو مثل أقداح من البلور ... تخالها تجسّمت من نور
بعضه عريان من أثوابه ... قد خجل اليابس من أصحابه
стр. 555
تبصره عند انتشار الورد ... مثل الدبابيس بأيدى الجند
والسّوسن الآزار منشور الحلل ... كقطن قد مسّه بعض بلل
نوّر في حاشيتى بستانه ... ودخّل الميدان في ضمانه
وقد بدت فيه ثمار الكنكر ... كأنها جماجم من عنبر
وحلّق البهار بين الآس ... جمجمة كهامة الشّمّاس
خلال شيح مثل شيب النّصف ... وجوهر من زهر مختلف
وجلّنار كاحمرار الورد ... أو مثل أعراف ديوك الهند
والأقحوان كالثنايا الغرّ ... قد صقّلت أنواره بالفطر
وقال أبو الفتح كشاجم:
وروض عن صنيع الغيث راض ... كما رضي الصّديق عن الصديق
إذا ما القطر أسعده صبوحا ... أتمّ له الصنيعة في الغبوق
يعير الرّيح بالنفحات ريحا ... كأنّ ثراه من مسك فتيق
كأنّ الطّلّ منتشرا عليه ... بقايا الدّمع في خدّ مشوق
كأنّ غصونه سقيت رحيقا ... فمالت مثل شرّاب الرّحيق
كأنّ شقائق النعمان فيه ... مخصّرة شقائق من عقيق
يذكّرنى بنفسجه بقايا ... صنيع اللّطم في الخدّ الرّقيق
وقال:
غيث أتانا مؤذنا بالخفض ... متّصل الوبل سريع الرّكض
دنا فخلناه دوين الأرض ... متّصلا بطوله والعرض
إلفا إلى إلف بسرّ يفضى ... ثم سما كاللؤلؤ المرفضّ
فالأرض تجلى بالنبات الغضّ ... فى حليها المحمرّ والمبيضّ
من سوسن أحوى وورد غضّ ... مثل الخدود نقّشت بالعضّ
стр. 556
وأقحوان كاللّجين المحض ... ونرجس ذاكى النسيم بضّ
مثل العيون رنّقت للغمض ... ترنو فيغشاها الكرى فتغضى
جملة من هذا النوع لأهل العصر
قال أبو فراس الحمدانى:
وجلنّار مشرق ... على أعالى شجره
كأنّ في رءوسه ... أحمره وأصفره
قراضة من ذهب ... فى خرقة معصفره
وقال:
ويوم جلافيه الربيع رياضه ... بأنواع حلى فوق أثوابه الخضر
كأنّ ذيول الجلّنار مطلّة ... فضول ذيول الغانيات من الأزر
وقال أبو القاسم بن هانىء، يصف زهرة رمّان قطفت قبل عقدها:
وبنت أيك كالشباب النّضر ... كأنها بين الغصون الخضر
جنان باز أو جنان صقر ... قد خفّقته لقوة بوكر «١»
كأنما سحّت دما من نحر ... أو نبتت في تربة من جمر
[أو سقيت بجدول من خمر] ... لو كفّ عنها الدهر صرف الدّهر
جاءت كمثل النّهد فوق الصّدر ... تفترّ عن مثل اللّثات الحمر
فى مثل طعم الوصل بعد الهجر
ولهم في هذا المعنى
روضة رقّت حواشيها، وتأنّق واشيها. روضة كالعقود المنظّمة، على البرود المنمنمة. روضة قدراضتها كفّ المطر، ودبّجتها أيدى الندى. أخرجت الأرض
стр. 557
أسرارها، وأظهرت يد الغيث آثارها، وأبدت الرياض أزهارها. الرياض كالعرائس في حليها وزخارفها، والقيان في وشيها ومطارفها، باسطة زرابيّها وأنماطها، ناشرة حبراتها ورياطها، زاهية بحمرائها وصفرائها، نائهة بعيدانها وغدرانها، كأنما احتفلت لوفد، أو هي من حبيب على وعد. روضة قد تضوّعت بالأرج الطّيّب أرجاؤها، وتبرّجت في ظلل الغمام صحراؤها، وتنافجت بنوافج المسك أنوارها، وتعارضت بغرائب النّطق أطيارها. بستان رقّ نوره النضيد، وراق عوده النضير. بستان عوده خضر، ونوره نضر، وينعه خضل، وماؤه خصر. بستان أرضه للبقل والريحان، وسماؤه للنخل والرمان. بستان أنهاره مفروزة بالأزهار، وأشجاره موقرة بالثمار. أشجار كأنّ الحور أعارتها قدودها، وكستها برودها، وحلّتها عقودها. الربيع شباب الزمان، ومقدمة الورد والريحان. زمن الورد مرموق، كأنه من الجنّة مسروق. قد ورد كتاب الورد، بإقباله إلى أهل الود. إذا ورد الورد، صدر البرد. مرحبا بإشراف الزهر، فى أطراف الدهر، وأنشد:
سقى الله وردا صار خدّ ربيعنا ... فقد كان قبل اليوم ليس له خدّ
كأنّ عين النرجس عين، وورقه ورق «١» النرجس نزهة الطّرف، وظرف الظّرف، وغذاء الروح: شقائق كتيجان العقيق على رءوس الزنوج، كأنها أصداغ المسك على الوجنات المورّدة. شقائق كالزنوج تجارحت وسالت دماؤها، وضعفت فسال ذماؤها. كأن الشقيق جام من عقيق أحمر، ملئت قرارته بمسك أذفر. الأرض زمرّدة، والأشجار وشى، والماء سيوف، والطيور قيمان. قد غرّدت خطباء الأطيار، على منابر الأنوار والأزهار. إذا صدح الحمام، صدع الحمام قلب المستهام انظر إلى طرب الأشجار لغناء الأطيار. ليس للبلابل كغناء البلابل «٢» ، وخمر بابل.
стр. 558
ولهم فيما يتعلق بهذا النحو في وصف أيام الربيع
يوم سماؤه فاختيّة، وأرضه طاوسيّة. يوم جلا بيب غيومه رواق، وأردية نسيمه رقاق. يوم ممسّك السماء، معصفر الهواء، معنبر الرّوض، مصندل الماء. يوم زرّ عليه جيب الضّباب، وانسحب فيه ذيل السحاب. يوم سماؤه كالخزّ الأدكن، وأرضه كالديباج الأخضر
شادن يرتعى القلوب ببغدا ... د ولا يرتعى الكلا بالنّباج
أقبلت والربيع يختال في الرّو ... ض وفي المزن ذى الحيا الثّجّاج «١»
ذو سماء كأدكن الخزّ قد ... غيمت وأرض كأخضر الديباج
فتجلّى عن كل ما يتمنى ... موعد الكدخداة والهيلاج
فظللنا في نزهتين وفي ... حسنين بين الأرمال والأهزاج
بفتاة تسرّنا في المثانى ... وعجوز تسرّنا في الزّجاج
أخذت من رءوس قوم كرام ... ثارها عند أرجل الأعلاج
يوم حسن الشمائل، ممتع المخايل، سجسج الهواء، مؤنق الأرجاء.
يوم تبسّم عنه الربيع، وتبرّج عنه الروض المريع. يوم كأنّ سماءه مأتم تتباكى، وأرضه عروس تتجلّى. يوم مشهّر الأوصاف، أغرّ الأطراف. يوم يغفى فيه النّور وينتبه، وتسفر فيه الشمس وتنتقب، وتعتنق الغصون وتفترق، ويوشى الغيم وينسكب. يوم غاب نحسه وهوى، وطلع سعده واعتلى، والزمان ساقطة جماره، مفعمة أنهاره، مونقة أشجاره، مغرّدة أطياره. نحن في غبّ سماء، قد أقلعت بعد الارتواء، وأقشعت عند الاستغناء، فالنّبت خضل ممطور، والنّقع ساكن محصور. يوم جوّه طارونىّ، وأرضه طاوسّى. يوم دجنه عاكف، وقطره واكف. يوم من أعياد العمر، وأعيان الدّهر.
стр. 559
[الربيع والرفاق]
ولهم في تشبيه محاسن الربيع بمحاسن الإخوان والسادة:
غيث مشبّه بكفّك، واعتداله مضاه لخلقك، وزهره مواز لنشرك «١» ، كأنما استعار حلله من شيمتك، وحليه من سجيّتك، واقتبس أنواره من محاسن أيامك، وأمطاره من جودك وإنعامك. قدم الربيع منتسبا إلى خلقك، مكتسيا محاسنه من طبعك، متوشّحا بأنوار لفظك، متوضّحا بآثار لسانك ويدك. أنا في بستان أذكرنى ورده المفتّح بخلقك، وجدوله السابح بطبعك، وزهره الجنىّ بقربك. أنا في بستان كأنّه من شمائلك سرق، ومن خلقك خلق، وقد قابلتنى أشجار تتمايل فتذكرنى تبريح الأحباب، إذا تداولتهم أيدى الشراب، وأنهار كأنّها من يدك تسيل، ومن راحتيك تفيض. أنا على حافة حوض أزرق كصفاء مودّتى لك، ورقّة قولى في عتبك.
[الصوم في الربيع]
وقال ابن عون الكاتب:
جاءنا الصوم في الربيع فهلّا ... اختار ربعا من سائر الأرباع «٢»
وكأنّ الربيع في الصوم عقد ... فوق نحر غطّاه فضل قناع
[يوم الشك]
وكتب أبو الفتح كشاجم إلى بعض إخوانه يتدعيه إلى زيارته في يوم شك:
هو يوم شكّ يا عل ... ىّ وبشره مذ كان يحذر
والجوّ حلته ممسّكة ... ومطرفه معنبر
والماء فضّىّ الفميص ... وطيلسان الأرض أخضر
نبت يصعّد زهره ... فى الرّوض قطر ندى تحدّر
ولنا فضيلات تكو ... ن ليومنا قوتا مقدّر
стр. 560
ومدامة صفراء أد ... رك عمرها كسرى وقيصر فانشط لنا لنحثّ من
كاساتنا ما كان أكبر ... أو لا فإنّك جاهل
إن قلت إنّك سوف تعذر
وكتب بديع الزمان إلى بعض أهل همذان:
كتابى- أطال الله بقاك- عن شهر رمضان، عرّفنا الله بركة مقدمه، ويمن مختتمه، وخصّك بتقصير أيامه، وإتمام صيامه وقيامه؛ فهو- وإن عظمت بركته- ثقيل حركته، وإن جلّ قدره بعيد قعره، [وإن عمّت رأفته، طويل مسافته، وإن حسنت قربته، شديد صحبته، وإن كبرت حرمته كثير حشمته، وإن سرّنا مبتداه فلن يسوءنا منتهاه] فإن حسن وجهه فليس يقبح قفاه، وما أحسنه في القذال، وأشبه إدباره بالإقبال، جعل الله قدومه سبب ترحاله، وبدره فداء هلاله، وأمدّ فلكه تحريكا، بتقضى مدّته وشيكا، وأظهر هلاله نحيفا، ليزفّ إلى اللذات زفيفا، وعفا الله عن مزح يكرهه، ومجون يسخطه.
عوّل البديع في هذا الكلام على قول أبى الفضل بن العميد في رسالة له في مثل ذلك:
أسأل الله أن يعرّفنى بركته، ويلقّينى الخير فى باقى أيامه وخاتمته؛ وأرغب إليه في أن يقرب على الفلك دوره، ويقصّره سيره، ويخفّف حركته، ويعجّل نهضته، وينقص مسافة فلكه ودائرته، ويزيل بركة الطول عن ساعاته، ويردّ علىّ غرّة شوال، فهى أسنى الغرر عندى، وأقرّها لعينى؛ ويطلع بدره، ويرينى الأيدى متطلبة هلاله ببشر، ويسمعنى النّعى لشهر رمضان، ويعرض علىّ هلاله أخفى من السّحر، وأظلم من الكفر، وأنحف من مجنون بنى عامر، وأبلى من أسير الهجر، وأستغفر الله جلّ وجهه مما قلت إن كرهه، وأستعفيه من توفيقى لما يذمّه، وأسأله صفحا يفيضه، وعفوا بوسعه، إنّه يعلم خائتة الأعين وما تخفى الصدور.
стр. 561
[عواقب الطيش]
قال المأمون لطاهر بن الحسين: صف لى أخلاق المخلوع. قال: كان واسع الصّدر، ضيّق الأدب، يبيح من نفسه ما تأنفه همم الأحرار، ولا يصفى إلى نصيحة، ولا يقبل مشورة، يستبدّ برأيه، ويبصّر سوء عاقبته؛ فلا يردعه ذلك عما يهمّ به. قال: فكيف كانت حروبه؟ قال: كان يجمع الكتائب بالتبذير، ويفرّقها بسوء التدبير. فقال المأمون: لذلك حلّ ما حلّ به؛ أما والله لو ذاق لذّات النصائح، واختار مشورات الرجال، وملك نفسه عن شهواتها، لما ظفر به.
[الأمين والمأمون]
ولما عقد الرشيد البيعة للأمين وهو أصغر من المأمون لأجل أمّه زبيدة، وكلام أخيها عيسى بن جعفر، وقدّمه على المأمون، جعل يرى فضل عقله فيندم على ذلك، فقال:
لقد بان وجه الرّأى لى غير أنّنى ... غلبت على الأمر الذى كان أحزما
فكيف يرد الدر في الضّرع بعدما ... توزّع حتى صار نهبا مقسّما
أخاف التواء الأمر بعد استوائه ... وأن ينقض الحبل الذى كان أبرما
قال أسد بن يزيد بن مزيد: بعث إلىّ الفضل بن الربيع بعد مقتل عبد الرحمن الأنبارى، قال: فأتيته وهو في صحن داره، وفي يده رقعة قد غضب لما نظر فيها، وهو يقول: ينام نوم الظّربان، وينبه انتباه الذئب، همّته بطنه، ولذّته فرجه، لا يفكّر في زوال نعمة، ولا يتروّى في إمضاء رأى ولا مكيدة، قد شمّر له عبد الله عن ساقه، وفوّق له أسدّ سهامه، يرميه على بعد الدار بالحتف النافذ والموت القاصد، قد عبّى له المنايا على متون الخيل، وناط له البلاء في أسنّة الرماح وشفار السيوف، ثم تمّثل بشعر البعيث:
يقارع أتراك ابن خاقان ليله ... إلى أن يرى الإصباح لا يتلعثم
فيصبح في طول الطّراد وجسمه ... نحيل، وأضحى في النعيم أصمّم
стр. 562
فشتان ما بينى وبين ابن خالد ... أميّة في الرّزق الذى الله يقسم
ثم قال: يا أبا الحارث، أنا وأنت نجرى إلى غاية إن قصّرنا عنها ذممنا، وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا؛ وإنما نحن شعبة من أصل، إن قوى قوينا، وإن ضعف ضعفنا؛ إن هذا الرجل قد ألقى بيده إلقاء الأمة الوكفاء: يشاور النساء، ويعتمد على الرؤيا، وقد أمكن أهل اللهو والخسارة من سمعه؛ فهم يمنّونه الظّفر، ويعدونه عواقب الأيام؛ والهلاك إليه أسرع من السيل إلى قيعان الرّمل؛ وقد خشيت أن نهلك بهلاكه، ونعطب بعطبه، وأنت فارس العرب وابن فارسها، وقد فزع إليك في لقاء طاهر لأمرين: أحدهما صدق طاعتك، وفضل نصيحتك؛ والثانى يمن نقيبتك، وشدّة بأسك؛ وقد أمرنى أن أبسط يدك، غير أنّ الاقتصاد رأس النصحية، ومفتاح البركة؛ فبادر ما تريد، وعجّل النهضة، فإنى أرجو أن يوليك الله شرف هذا الفتح، ويلم بك شعث الخلافة.
فقلت له: أنا لطاعتك وطاعة أمير المؤمنين مقدم، ولما وهن عدوّ كما مؤثر؛ غير أنّ المحارب لا يفتتح أمره بتقصير؛ وإنما ملاك أمره الجنود، والجنود لا تكون بلا مال، وقد رفع أمير المؤمنين الرغائب إلى قوم لم يجدوا عليه، ومتى سمت من أقدر به الانتفاع له الرضا بدون ما أخذه غيره ممن لم يكن عنده غناء ولا معونة، لم ينتظم بذلك التدبير، وأحتاج لأصحابى رزق سنة قبضا، وحملا إلى ألف فرس لحمل من لا أرتضى فرسه، وإلى مال أستظهر به، لا ألام على وضعه حيث رأيت. فقال: شاور أمير المؤمنين؛ فأدخلنى عليه، فلم تدر بينى وبينه كلمتان حتى أمر بحبسى.
ويروى أن الأمين لما أعيته مكايد طاهر قال:
بليت بأشجع الثقلين نفسا ... تزول الراسيات وما يزول
له مع كل ذى بدن رقيب ... يشاهده ويعلم ما يقول
فليس بمغفل أمرا عناه ... إذا ما الأمر ضيّعه الجهول
стр. 563
وفي الفضل بن الربيع يقول بعض الشعراء:
كم من مقيم ببغداد على طمع ... لولا رجاء أبى العباس لم يقم
البدر إن نظروا، والبحر إن رغبوا ... والحصن إن رهبوا، والسيف ذو النّقم
وقال عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع: ما مدحنا شاعر بشعر أحب إلينا من قول أبى نواس:
ساد الملوك ثلاثة ما منهم ... إن حصّلوا إلا أعز قريع
ساد الربيع وساد فضل بعده ... وعلت بعبّاس الكريم فروع
عباس عباس إذا احتدم الوغى ... والفضل فضل والربيع ربيع
وقيل للعتابى: أمدحت أحدا؟ قال: لا، وليس لى على ذاك قدرة، فقيل له:
فقد مدحت الربيع، فقال: ذلك ليوم يستحقّ فيه المدح، فقلت:
ومعضلة قام الربيع إزاءها ... ليعمد ركن الدّين لما تهدّما
بمكة والمنصور رهن كما أتى ... أخا الوحى داعى ربّه فتقدّما
غداة عداة الدين شاحذة المدى ... إليه وغول الحرب فاغرة فما
[بيعة المهدى]
وكان المنصور قد توفّى بمكة وهو حاجّ في ذى الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، فأخذ الربيع للمهدى البيعة على الناس، وأخذ بتجديدها عن المنصور على أنه حىّ، وأدخل إليه قوما فرأوه من بعيد وقد جلله بثوب، وأقعد إلى جنبه من يحرّك يده وكأنه يومئ بها إليهم، فلم يشكّوا في حياته؛ فما خالف أحد؛ فشكره المهدى لذلك، وفي ذلك يقول أبو نواس في مدحه الفضل بن الربيع:
أبوك جلّى عن مضر ... يوم الرواق المحتضر
والحرب تفرى وتذر ... لما رأى الأمر اقمطرّ
قام كريما فانتصر ... كهزة العضب الذّكر
стр. 564
ما مس من شىء هبر ... وأنت تقتاف الأثر
من ذى حجول وغرر
وقال أيضا:
آل الربيع فضلتم ... فضل الخميس على العشير «١»
من قاس غيركم بكم ... قاس الثّماد إلى البحور
أين القليل بنو القليل ... من الكثير بنى الكثير
أين النجوم التاليا ... ت من الأهلّة والبدور
قوم كفوا أيام مكّة ... نازل الخطب الكبير
وتداركوا نصر الخلا ... فة وهي شاسعة النّصير
لولا مقامهم بها ... هوت الرواسى من ثبير
ومن قول أبى نواس: «من قاس غيركم بكم ... » البيت، أخذ أبو الطيب المتنبى:
قواصد كافور توارك غيره ... ومن قصد البحر استقلّ السواقيا
فتى ما سرينا في ظهور جدودنا ... إلى عصره إلّا نرجّى التّلاقيا
[وقت كلام الملوك]
وقال الفضل بن الربيع: من كلّم الملوك في الحاجات في غير وقت الكلام لم يظفر بحاجته، وضاع كلامه، وما أشبههم في ذلك إلا بأوقات الصلوات لا تقبل الصلاة إلا فيها، ومن أراد خطاب الملوك في شىء فليرصد الوقت الذى يصلح فى مثله ذكر ما أراد، ويسبّب له شيئا من الأحاديث يحسن ذكره بعقبه.
وقال المأمون للفضل بن الربيع لما ظفر به: يا فضل؛ أكان في حقى عليك، وحق آبائى ونعمهم عند أبيك وعندك، أن تثلبنى «٢» وتسبّنى، وتحرّض على دمى؟
أتحبّ أن أفعل بك ما فعلته بى؟
فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ عذرى يحقدك إذا كان واضحا جميلا، فكيف
стр. 565
إذا حفّته العيوب، وقبّحته الذنوب؛ فلا يضيق عنى من عفوك ما وسع غيرى منك، فأنت كما قال الشاعر فيك:
صفوح عن الأجرام حتى كأنه ... من العفو لم يعرف من الناس مجرما
وليس يبالى أن يكون به الأذى ... إذا ما الأذى لم يغش بالكره مسلما
والشعر للحسن بن رجاء بن أبى الضحاك.
[بين المنصور والربيع]
وقال سعيد بن مسلم بن قتيبة: دعا المنصور بالربيع، فقال: سلنى ما تريد، فقد سكتّ حتى نطقت، وخفّفت حتى ثقّلت، وأقللت حتى أكثرت.
فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أرهب بخلك، ولا أستقصر عمرك، ولا أستصغر فضلك، ولا أغتنم مالك؛ وإنّ يومى بفضلك علىّ أحسن من أمسى، وغدك في تأميلى أحسن من يومى؛ ولو جاز أن يشكرك مثلى بغير الخدمة والمناصحة لما سبقنى لذلك أحد.
قال: صدقت، علمى بهذا منك أحلّك هذا المحلّ؛ فسلنى ما شئت قال: أسألك أن تقرّب عبدك الفضل، وتؤثره وتحبّه.
قال: يا ربيع إنّ الحب ليس بمال يوهب، ولا رتبة تبذل؛ وإنما تؤكّده الأسباب.
قال: فاجعل لى طريقا إليه، بالتفضل عليه قال: صدقت، وقد وصلته بألف ألف درهم، ولم أصل بها أحدا غير عمومتى؛ لتعلم ماله عندى، فيكون منه ما يستدعى به محبّتى، ثم قال:
فكيف سألت له المحبة يا ربيع؟
قال: لأنها مفتاح كلّ خير، ومغلاق كلّ شر، تستر بها عندك عيوبه، وتصير حسنات ذنوبه.
قال: صدقت وأتيت بما أردت في بابه.
следующие страницы →