← Адаб

Адаб · id 10768

زهر الآداب وثمر الألباب

الحصري القيرواني

Полный текст (1 141 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

[عواقب الطيش] قال المأمون لطاهر بن الحسين: صف لى أخلاق المخلوع. قال: كان واسع الصّدر، ضيّق الأدب، يبيح من نفسه ما تأنفه همم الأحرار، ولا يصفى إلى نصيحة، ولا يقبل مشورة، يستبدّ برأيه، ويبصّر سوء عاقبته؛ فلا يردعه ذلك عما يهمّ به. قال: فكيف كانت حروبه؟ قال: كان يجمع الكتائب بالتبذير، ويفرّقها بسوء التدبير. فقال المأمون: لذلك حلّ ما حلّ به؛ أما والله لو ذاق لذّات النصائح، واختار مشورات الرجال، وملك نفسه عن شهواتها، لما ظفر به. [الأمين والمأمون] ولما عقد الرشيد البيعة للأمين وهو أصغر من المأمون لأجل أمّه زبيدة، وكلام أخيها عيسى بن جعفر، وقدّمه على المأمون، جعل يرى فضل عقله فيندم على ذلك، فقال: لقد بان وجه الرّأى لى غير أنّنى ... غلبت على الأمر الذى كان أحزما فكيف يرد الدر في الضّرع بعدما ... توزّع حتى صار نهبا مقسّما أخاف التواء الأمر بعد استوائه ... وأن ينقض الحبل الذى كان أبرما قال أسد بن يزيد بن مزيد: بعث إلىّ الفضل بن الربيع بعد مقتل عبد الرحمن الأنبارى، قال: فأتيته وهو في صحن داره، وفي يده رقعة قد غضب لما نظر فيها، وهو يقول: ينام نوم الظّربان، وينبه انتباه الذئب، همّته بطنه، ولذّته فرجه، لا يفكّر في زوال نعمة، ولا يتروّى في إمضاء رأى ولا مكيدة، قد شمّر له عبد الله عن ساقه، وفوّق له أسدّ سهامه، يرميه على بعد الدار بالحتف النافذ والموت القاصد، قد عبّى له المنايا على متون الخيل، وناط له البلاء في أسنّة الرماح وشفار السيوف، ثم تمّثل بشعر البعيث: يقارع أتراك ابن خاقان ليله ... إلى أن يرى الإصباح لا يتلعثم فيصبح في طول الطّراد وجسمه ... نحيل، وأضحى في النعيم أصمّم

стр. 562

فشتان ما بينى وبين ابن خالد ... أميّة في الرّزق الذى الله يقسم ثم قال: يا أبا الحارث، أنا وأنت نجرى إلى غاية إن قصّرنا عنها ذممنا، وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا؛ وإنما نحن شعبة من أصل، إن قوى قوينا، وإن ضعف ضعفنا؛ إن هذا الرجل قد ألقى بيده إلقاء الأمة الوكفاء: يشاور النساء، ويعتمد على الرؤيا، وقد أمكن أهل اللهو والخسارة من سمعه؛ فهم يمنّونه الظّفر، ويعدونه عواقب الأيام؛ والهلاك إليه أسرع من السيل إلى قيعان الرّمل؛ وقد خشيت أن نهلك بهلاكه، ونعطب بعطبه، وأنت فارس العرب وابن فارسها، وقد فزع إليك في لقاء طاهر لأمرين: أحدهما صدق طاعتك، وفضل نصيحتك؛ والثانى يمن نقيبتك، وشدّة بأسك؛ وقد أمرنى أن أبسط يدك، غير أنّ الاقتصاد رأس النصحية، ومفتاح البركة؛ فبادر ما تريد، وعجّل النهضة، فإنى أرجو أن يوليك الله شرف هذا الفتح، ويلم بك شعث الخلافة. فقلت له: أنا لطاعتك وطاعة أمير المؤمنين مقدم، ولما وهن عدوّ كما مؤثر؛ غير أنّ المحارب لا يفتتح أمره بتقصير؛ وإنما ملاك أمره الجنود، والجنود لا تكون بلا مال، وقد رفع أمير المؤمنين الرغائب إلى قوم لم يجدوا عليه، ومتى سمت من أقدر به الانتفاع له الرضا بدون ما أخذه غيره ممن لم يكن عنده غناء ولا معونة، لم ينتظم بذلك التدبير، وأحتاج لأصحابى رزق سنة قبضا، وحملا إلى ألف فرس لحمل من لا أرتضى فرسه، وإلى مال أستظهر به، لا ألام على وضعه حيث رأيت. فقال: شاور أمير المؤمنين؛ فأدخلنى عليه، فلم تدر بينى وبينه كلمتان حتى أمر بحبسى. ويروى أن الأمين لما أعيته مكايد طاهر قال: بليت بأشجع الثقلين نفسا ... تزول الراسيات وما يزول له مع كل ذى بدن رقيب ... يشاهده ويعلم ما يقول فليس بمغفل أمرا عناه ... إذا ما الأمر ضيّعه الجهول

стр. 563

وفي الفضل بن الربيع يقول بعض الشعراء: كم من مقيم ببغداد على طمع ... لولا رجاء أبى العباس لم يقم البدر إن نظروا، والبحر إن رغبوا ... والحصن إن رهبوا، والسيف ذو النّقم وقال عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع: ما مدحنا شاعر بشعر أحب إلينا من قول أبى نواس: ساد الملوك ثلاثة ما منهم ... إن حصّلوا إلا أعز قريع ساد الربيع وساد فضل بعده ... وعلت بعبّاس الكريم فروع عباس عباس إذا احتدم الوغى ... والفضل فضل والربيع ربيع وقيل للعتابى: أمدحت أحدا؟ قال: لا، وليس لى على ذاك قدرة، فقيل له: فقد مدحت الربيع، فقال: ذلك ليوم يستحقّ فيه المدح، فقلت: ومعضلة قام الربيع إزاءها ... ليعمد ركن الدّين لما تهدّما بمكة والمنصور رهن كما أتى ... أخا الوحى داعى ربّه فتقدّما غداة عداة الدين شاحذة المدى ... إليه وغول الحرب فاغرة فما [بيعة المهدى] وكان المنصور قد توفّى بمكة وهو حاجّ في ذى الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، فأخذ الربيع للمهدى البيعة على الناس، وأخذ بتجديدها عن المنصور على أنه حىّ، وأدخل إليه قوما فرأوه من بعيد وقد جلله بثوب، وأقعد إلى جنبه من يحرّك يده وكأنه يومئ بها إليهم، فلم يشكّوا في حياته؛ فما خالف أحد؛ فشكره المهدى لذلك، وفي ذلك يقول أبو نواس في مدحه الفضل بن الربيع: أبوك جلّى عن مضر ... يوم الرواق المحتضر والحرب تفرى وتذر ... لما رأى الأمر اقمطرّ قام كريما فانتصر ... كهزة العضب الذّكر

стр. 564

ما مس من شىء هبر ... وأنت تقتاف الأثر من ذى حجول وغرر وقال أيضا: آل الربيع فضلتم ... فضل الخميس على العشير «١» من قاس غيركم بكم ... قاس الثّماد إلى البحور أين القليل بنو القليل ... من الكثير بنى الكثير أين النجوم التاليا ... ت من الأهلّة والبدور قوم كفوا أيام مكّة ... نازل الخطب الكبير وتداركوا نصر الخلا ... فة وهي شاسعة النّصير لولا مقامهم بها ... هوت الرواسى من ثبير ومن قول أبى نواس: «من قاس غيركم بكم ... » البيت، أخذ أبو الطيب المتنبى: قواصد كافور توارك غيره ... ومن قصد البحر استقلّ السواقيا فتى ما سرينا في ظهور جدودنا ... إلى عصره إلّا نرجّى التّلاقيا [وقت كلام الملوك] وقال الفضل بن الربيع: من كلّم الملوك في الحاجات في غير وقت الكلام لم يظفر بحاجته، وضاع كلامه، وما أشبههم في ذلك إلا بأوقات الصلوات لا تقبل الصلاة إلا فيها، ومن أراد خطاب الملوك في شىء فليرصد الوقت الذى يصلح فى مثله ذكر ما أراد، ويسبّب له شيئا من الأحاديث يحسن ذكره بعقبه. وقال المأمون للفضل بن الربيع لما ظفر به: يا فضل؛ أكان في حقى عليك، وحق آبائى ونعمهم عند أبيك وعندك، أن تثلبنى «٢» وتسبّنى، وتحرّض على دمى؟ أتحبّ أن أفعل بك ما فعلته بى؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ عذرى يحقدك إذا كان واضحا جميلا، فكيف

стр. 565

إذا حفّته العيوب، وقبّحته الذنوب؛ فلا يضيق عنى من عفوك ما وسع غيرى منك، فأنت كما قال الشاعر فيك: صفوح عن الأجرام حتى كأنه ... من العفو لم يعرف من الناس مجرما وليس يبالى أن يكون به الأذى ... إذا ما الأذى لم يغش بالكره مسلما والشعر للحسن بن رجاء بن أبى الضحاك. [بين المنصور والربيع] وقال سعيد بن مسلم بن قتيبة: دعا المنصور بالربيع، فقال: سلنى ما تريد، فقد سكتّ حتى نطقت، وخفّفت حتى ثقّلت، وأقللت حتى أكثرت. فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أرهب بخلك، ولا أستقصر عمرك، ولا أستصغر فضلك، ولا أغتنم مالك؛ وإنّ يومى بفضلك علىّ أحسن من أمسى، وغدك في تأميلى أحسن من يومى؛ ولو جاز أن يشكرك مثلى بغير الخدمة والمناصحة لما سبقنى لذلك أحد. قال: صدقت، علمى بهذا منك أحلّك هذا المحلّ؛ فسلنى ما شئت قال: أسألك أن تقرّب عبدك الفضل، وتؤثره وتحبّه. قال: يا ربيع إنّ الحب ليس بمال يوهب، ولا رتبة تبذل؛ وإنما تؤكّده الأسباب. قال: فاجعل لى طريقا إليه، بالتفضل عليه قال: صدقت، وقد وصلته بألف ألف درهم، ولم أصل بها أحدا غير عمومتى؛ لتعلم ماله عندى، فيكون منه ما يستدعى به محبّتى، ثم قال: فكيف سألت له المحبة يا ربيع؟ قال: لأنها مفتاح كلّ خير، ومغلاق كلّ شر، تستر بها عندك عيوبه، وتصير حسنات ذنوبه. قال: صدقت وأتيت بما أردت في بابه.

стр. 566

أخذ قوله: «خففت حتى ثقلت» أبو تمام فقال لمحمد بن عبد الملك الزيات: على أنّ إفراط الحياء استمالنى ... إليك، ولم أعدل بعرضى معدلا فثّقلت بالتخفيف عنك، وبعضهم ... يخفف في الحاجات حتى يثقّلا [سهل بن هارون والرشيد] ودخل سهل بن هارون على الرشيد، وهو يضاحك المأمون، فقال: اللهم زده من الخيرات، وابسط له من البركات، حتى يكون فى كلّ يوم من أيامه مربيا «١» على أمسه، مقصّرا عن غده. فقال له الرشيد: يا سهل، من روى من الشعر أحسنه وأرصنه، ومن الحديث أفصحه وأوضحه، إذا رام أن يقول لم يعجزه القول. فقال سهل بن هارون: يا أمير المؤمنين؛ ما ظننت أنّ أحدا تقدّمنى إلى هذا المعنى. قال: بل أعشى همدان حيث يقول: رأيتك أمس خير بنى لؤىّ ... وأنت اليوم خير منك أمس وأنت غدا تزيد الخير ضعفا ... كذاك تزيد سادة عبد شمس [من شعر الفضل بن الربيع] ومن شعر الفضل بن الربيع ما أنشده الصولى: إنّى امرؤ من هاشم ... بفناء معمور النّواحى أهل الهدى وذوى التّقى ... وأولى البسالة والسّماح أهل المعالم والمكا ... رم في المساء وفي الصّباح

стр. 567

أهل النبوّة والخلا ... فة والكمال برغم لاحى يتألّمون من الصّدو ... د ويصبرون على الجراح [بين ابن خاقان وأبى العيناء] حمل محمد بن عبيد الله بن خافان أبا العيناء على دابّة زعم أنها غير فاره «١» ، فكتب إليه: أعلم الوزير، أعزه الله، أن أبا على محمدا أراد أن يبرّنى فعقّنى، وأن يركبنى فأرجلنى، أمر لى بدابّة تقف للنّبرة «٢» ، وتعثر بالبعرة، كالقضيب اليابس عجفا «٣» ؛ وكالعاشق المهجور دنفا، قد أذكرت الرواة عذرة العذرىّ، والمجنون العامرى، مساعد أعلاه لأسفله، حباقه مقرون بسعاله، فلو أمسك لترجيت، ولو أفرد لتعزّيت، ولكنه يجمعهما في الطريق المعمور، والمجلس المشهور، كأنه خطيب مرشد، أو شاعر منشد، تضحك من فعله النّسوان، وتتناغى من أجله الصّبيان؛ فمن صائح يصيح: داوه بالطباشير، ومن قائل يقول: نوّله الشعير، قد حفظ الأشعار، وروى الأخبار، ولحق العلماء في الأمصار، فلو أعين بنطق؛ لروى بحقّ وصدق، عن جابر الجعفىّ، وعامر الشّعبى؛ وإنما أتيت من كاتبه الأعور، الذى إذا اختار لنفسه أطاب وأكثر، وإن اختار لغيره أخبث وأنزر؛ فإن رأى الوزير أن يبدّلنى به، ويريحنى منه بمركوب يضحكنى كما ضحّك منى، يمحو بحسنه وفراهته، ما سطّره العيب بقبحه ودمامته؛ ولست أذكر أمر سرجه ولجامه؛ فإن الوزير أكرم من أن يسلب ما يهديه، أو ينقض ما يمضيه. فوجّه عبيد الله إليه برذونا من براذينه بسرجه ولجامه، ثم اجتمع مع محمد ابن عبيد الله عند أبيه، فقال عبيد الله: شكوت دابّة محمد، وقد أخبرنى الآن أنه يشتريه منك بمائة دينار، وما هذا ثمنه لا يشتكى.

стр. 568

فقال: أعز الله الوزير، لو لم أكذب مستزيدا، لم انصرف مستفيدا، وإنى وإياه لكما قالت امرأة العزيز: «الآن حصحص الحقّ، أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين» . فضحك عبيد الله، وقال: حجّتك الداحضة بملاحتك وظرفك أبلغ من حجّة غيرك البالغة. قطعة من رسالة أجاب بها أبو الخطاب الصابى عن أبى العباس بن سابور إلى الحسين بن صبرة عن رقعة وردت منه في صفة حمل أهداه وصلت رقعتك، ففضضتها عن خطّ مشرق، ولفظ مونق، وعبارة مصيبة، ومعان غريبة، واتساع في البلاغة يعجز عنه عبد الحميد في كتابته، وقسّ وسحبان فى خطابته؛ وتصرف بين جدّ أمضى من القدر، وهزل أرقّ من نسيم السّحر، وتقلّب في وجوه الخطاب، الجامع للصّواب؛ إلا أنّ الفعل قصّر عن القول، لأنك ذكرت حملا، جعلته بصفتك جملا، فكان المعيدىّ الذى تسمع به ولا أن تراه. وحضر فرأيت كبشا متقادم الميلاد، من نتاج قوم عاد، قد أفنته الدّهور، وتعاقبت عليه العصور، فظننته أحد الزّوجين اللذين جعلهما نوح في سفينته، وحفظ بهما جنس الغنم لذرّيته؛ صغر عن الكبر، ولطف عن القدم، فبانت دمامته، وتقاصرت قامته، وعاد ناحلا ضئيلا، باليا هزيلا، بادى السّقام، عارى العظام، جامعا للمعايب، مشتملا على المثالب، يعجب العاقل من حلول الحياة به، وتأتّى الحركة فيه، لأنه عظم مجّلد، وصوف ملبّد، لا تجد فوق عظامه سلبا، ولا تلقى يدك منه إلا خشبا، لو ألقى إلى السّبع لأباه، ولو طرح للذئب لعافه وقلاه، قد طال للكلأ فقده، وبعد بالمرعى عهده، لم ير القتّ إلا نائما، ولا عرف الشعير إلا حالما، وقد خيّرتنى بين أن أقتنيه فيكون فيه غنى

стр. 569

الدهر، أو أذبحه فيكون فيه خصب الرّحل؛ فملت إلى استبقائه لما تعرف من محبتى في التوفير، ورغبتى للتّثمير، وجمعى للولد، وادّخارى لغد، فلم أجد فيه مستمتعا للبقاء، ولا مدفعا للفناء؛ لأنه ليس بأنثى فتحمل، ولا بفتى فينسل، ولا بصحيح فيرعى، ولا بسليم فيبقى؛ فملت إلى الثانى من رأييك، وعوّلت على الآخر من قوليك، وقلت: أذبحه فيكون وظيفة للعيال، وأقيمه رطبا مقام قديد الغزال، فأنشدنى وقد أضرمت النار، وحدّت الشّفار، وشمّر الجزّار: أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشّحم فيمن شحمه ورم وقال: ما الفائدة لك في ذبحى؟ وأنا لم يبق منى إلا نفس خافت، ومقلة إنسانها باهت: لست بذى لحم، فأصلح للأكل؛ لأن الدهر قد أكل لحمى، ولا جلدى يصلح للدّباغ؛ لأن الأيام قد مزّفت أديمى، ولا لى صوف يصلح للغزل؛ لأن الحوادث قد حصّت وبرى؛ فإن أردتنى للوقود فكفّ بعر أبقى من نارى، ولن تفى حرارة جمرى بريح قتارى، فلم يبق إلا أن تطلبنى بذحل «١» أو بينى وبينك دم. فوجدته صادقا في مقالته، ناصحا في مشورته، ولم أعلم من أى أمريه أعجب؛ أمن مماطلته للدهر بالبقاء، م من صبره على الضرّ واللأواء «٢» ، أم من قدرتك عليه مع إعواز مثله، أم من تأهيلك للصدبق به مع خساسة قدره؟ ويا ليت شعرى إذ كنت- وإليك سوق الغنم، وأمرك ينفذ في الضأن والمعز، وكلّ كبش سمين وحمل بطين مجلوب إليك، مقصور عليك- تقول فيه قولا فلا تردّ، وتريده فلا تصدّ، وكانت هديتك هذا الذى كأنه ناشر من القبور، أو قائم عند النفخ في الصور، فما كنت مهديا لو أنك رجل من عرض الكتّاب، كأبى علىّ وأبى الخطّاب، ما كنت تهدى إلا كلبا أجرب، أو قردا أحدب.

стр. 570

[الحمدونى وشاة سعيد بن أحمد] وقال الحمدونى في شاة سعيد بن أحمد بن خوسنداذ: أسعيد قد أعطيتنى أضحيّة ... مكثت زمانا عندكم ما تطعم نضوا تعاقرت الكلاب بها وقد ... شدّوا عليها كى تموت فيولموا فإذا الملا ضحكوا بها قالت لهم: ... لا تهزءوا بى وارحمونى ترحموا مرّت على علف فقامت لم ترم ... عنه، وغنّت والمدامع تسجم وقف الهوى بى حيث أنت فليس لى ... متأخّر عنه ولا متقدّم «١» وقال أيضا: أبا سعيد لنا في شاتك العبر ... جاءت وما إن لها بول ولا بعر وكيف تبعر شاة عندكم مكثت ... طعامها الأبيضان الشمس والقمر لو أنّها أبصرت في نومها علفا ... غنّت له ودموع العين تنحدر يا مانعى لذّة الدنيا بأجمعها ... إنى ليفتننى من وجهك النظر وقال أيضا: شاة سعيد في أمرها عبر ... لما أتتنا قد مسّها الضرر وهي تغنى من سوء حالتها ... حسبى بما قد لقيت يا عمر مرّت بقطف خضر ينشّرها ... قوم فظنّت بأنها خضر فأقبلت نحوها لتأكلها ... حتى إذا ما تبيّن الخبر وأبدلتها الظنون من طمع ... يأساتغنّت والدّمع منحدر كانوا بعيدا وكنت آملهم ... حتى إذا ما تقربوا هجروا قال: لسعيد شويهة ... سلّها الضّر والعجف قد تغنّت وأبصرت ... رجلا حاملا علف

стр. 571

بأبى من بكفّه ... برء مابى من الدّنف فأتاها مطمّعا ... وأتته لتعتلف فتولّى فأقبلت ... تتغنّى من الأسف ليته لم يكن وقف ... عذّب القلب وانصرف [الحمدونى وطيلسان ابن حرب] [قال] : وإذ قد جرت بعض تضمينات الحمدونى في هذا الموضع فأنا أذكر هنا قطعة من شعره في الطيلسان، وأنعطف في غير هذا الموضع إيها وأكر عليها؛ وكان أحمد بن حرب المهّلبى من المنعمين عليه، والمحسنين إليه، وله فيه مدائح كثيرة، فوهب له طيلسانا أخضر لم يرضه، قال أبو العباس المبرّد: فأنشدنا فيه عشر مقطعات، فاستحلينا مذهبه فيها، فجعلها فوق الخمسين؛ فطارت كل مطار، وسارت كل مسار، فمنها: يابن حرب كسوتنى طيلسانا ... ملّ من صحبة الزمان وصدّا فحسبنا نسج العناكب قدحا ... ل إلى ضعف طيلسانك سدّا طال ترداده إلى الرّفو حتى ... لو بعثناه وحده لتهدّى وقال فيه أيضا: يا طيلسان ابن حرب قد هممت بأن ... تودى بجسمى كما أودى بك الزّمن ما فيك من ملبس يغنى ولا ثمن ... قد أوهنت حيلتى أركانك الوهن فلو ترانى لدى الرّفّاء مرتبطا ... كأننى في يديه الدهر مرتهن أقول حين رآنى الناس ألزمه ... كأنما لى في حانوته وطن من كان يسأل عنّا أين منزلنا ... فالأقحوانة منّا منزل قمن وقال: قل لابن حرب طيلسا ... نك قوم نوح منه أحدث

стр. 572

أفنى القرون ولم يزل ... عمّن مضى من قبل يورث وإذا العيون لحظنه ... فكأنه باللّحظ يحرث يودى إذا لم أرفه ... فإذا رفوت فليس يلبث كالكلب إن تحمل عليه ... الدّهر أو تتركه يلهث وقال: قل لابن حرب طيلسانك قد ... أوهى قواى بكثرة الغرم متبين فيه لمبصره ... آثار رفو أوائل الأمم وكأنه الخمر التي وصفت ... فى «يا شقيق الرّوح من حكم» فإذا رممناه فقيل لنا: ... قد صحّ، قال له البلى: انهدم مثل السّقيم برا فراجعه ... نكس فأسلمه إلى سقم أنشدت حين طغى فأعجزنى ... «ومن العناء رياضة الهرم» «الخمر التي وصفت» من قول أبى نواس: يا شقيق النّفس من حكم ... نمت عن ليلى ولم أتم فاسقنى البكر التي اعتجرت ... بخمار الشّيب في الرّحم ثمّت انصات الشباب لها ... بعد أن جازت مدى الهرم فهى لليوم الذى بزلت ... وهي تلو الدّهر في القدم عتقت حتى لو اتصلت ... بلسان ناطق وفم لاحتبت في القوم ماثلة ... ثم قصّت قصّة الأمم فرعتها بالمزاج يد ... خلقت للكاس والقلم وقال الحمدونى: طيلسان لابن حرب جاءنى ... خلعة في يوم نحس مستمرّ فإذا ما صحت فيه صيحة ... تركته كهشيم المحتظر

стр. 573

وإذا ما الريح هبّت نحوه ... طيّرته كالجراد المنتشر مهطع الدّاعى إلى الرّافى إذا ... ما رآه قال: ذا شىء نكر وإذا رفّاؤه حاول أن ... يتلافاه تعاطى فعقر وقال: أيا طيلسانى أعييت طبّى ... أسلّ بجسمك أم داء حبّ ويا ريح صيّرتنى أتّقيك ... وقد كنت لا أتّقى أن تهبّى ومستخبر خبر الطيلسان ... فقلت له الروح من أمر ربّى وقال فيه: طيلسان لابن حرب جاءنى ... قد قضى النمزيق منه وطره أنا من خوف عليه أبدا ... سامرىّ ليس يألو حذره يابن حرب خذه أو فابعث بما ... نشترى عجلا بصفر عشره فلعل الله يحييه لنا ... إن ضربناه ببعض البقره فهو قد أدرك نوحا، فعسى ... عنده من علم نوح خبره أبدا يقرأ من أبصره ... أئذا كنّا عظاما نخره وقال فيه: يابن حرب أطلعت فقرى برفوى ... طيلسانا قد كنت عنه غنيّا فهو في الرّفو آل فرعون في العر ... ض على النار غدوة وعشيّا زرت فيه معاشرا فازدرونى ... فتغنّيت إذ رأونى زريّا جئت في زىّ سائل كى أراكم ... وعلى الباب قد وقفت مليّا وقال فيه: وهبت لنا ابن حرب طيلسانا ... يزيد المرء ذا الضّعة اتّضاعا يسلم صاحبى فيعيد شتمى ... لأنّ الروح يكسبه انصداعا أجيل الطّرف في طرفيه طولا ... وعرضا ما أرى إلّا رقاعا

стр. 574

فلست أشكّ أن قد كان قدما ... لنوح في سفينته شراعا فقد غنّيت إذ أبصرت منه ... جوانبه على بدنى تداعى قفى قبل التفرّق يا ضباعا ... ولا يك موقف منك الوداعا [المأمون والحسن بن رجاء] دخل المأمون بعض الدواوين، فرأى غلاما جميلا على أذنه قلم، فقال: من أنت يا غلام؟ فقال: أنا يا أمير المؤمنين الناشىء في دولتك، المتقلّب في نعمتك، المؤمّل لخدمتك، خادمك وابن خادمك الحسن بن رجاء. فقال: أحسنت يا غلام، وبالإحسان في البديهة تفاضلت العقول. فأمر أن يرفع عن مرتبة الديوان. قال أبو إسحاق إبراهيم بن السرى الزجاج: قال لى أبو العباس المبرّد: ما رأيت في أصحاب السلطان مثل إسماعيل والحسن؛ كنت إذا رأيته رأيت رجلا كأنما خلق لذروة منبر، أو صدر مجلس، يتكلّم وكأنه يتنفّس، يسهب ويطنب، ويعرب ويغرب، ولا يعجب ويعجب. أراد القاضى إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد، والحسن ابن رجاء بن أبى الضحاك. [بديهة المبرد] وكان أبو العباس يعدّ في البلغاء، وقال: لما دخلت على المتوكل اختار لى الفتح ابن خاقان وقت شربه، وكان الشراب قد أخذ منه، فسألنى وقال: يا بصرى، أرأيت أحسن وجها منّى، فقلت: لا والله ولا أسمح راحة، ثم تجاسرت فقلت: جهرت بحلفة لا أتّقيها ... بشكّ في اليمين ولا ارتياب بأنك أحسن الخلفاء وجها ... وأسمح راحتين، ولا أحابى وأنّ مطيعك الأعلى محلّا ... ومن عاصاك يهوى في تباب «١»

стр. 575

فقال: أحسنت وأجملت في حسن طبعك وبديهتك، فقلت: ما ظننتنى أبلغ هذا الشرف، ولا أنال هذه الرتبة؛ فلا زال أمير المؤمنين يسمو بخدمه إلى أعلى المراتب، ويصرّفهم في المذاهب. [من أدب المبرد] وكان ابن المعتزّ قد غضب على بعض وكلائه، فصار إلى أبى العباس المبرّد يسأله أن يكلمه له؛ فكتب إليه المبرّد: أنت والله كما قال مسلم بن الوليد في جدك الرشيد: بابى وأمى أنت ما أندى يدا ... وأبرّ ميثاقا، وما أزكاكا يغدو وعدوّك خائفا، فإذا رأى ... أن قد قدرت على العقاب رجاكا وهذا معنى كثير. [فى المدح] أنشد أحمد بن يحيى ثعلب الأعرابى: كريم يغض الطّرف فضل حيائه ... ويدنو وأطراف الرماح دوانى «١» وكالسيف إن لا ينته لان متنه ... وحدّاه إن خاشنته خشنان وهذا يناسب قول ابن المعتز في بعض جهاته: ويجرح أحشائى بعين مريضة ... كمالان متن السيف والحدّ قاطع وقال الأخطل في بنى مروان: صمّ عن الجهل، عن قيل الخنا أنف ... إذا ألمّت بهم مكروهة صبروا شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا «٢» وقال إبراهيم بن علىّ بن هرمة يمدح أبا جعفر المنصور: كريم له وجهان: وجه لدى الرضا ... طليق، ووجه في الكريهة باسل وليس بمعطى الحقّ من غير قدرة ... ويعفو إذا ما أمكنته المقاتل له لحظات من حفافى سريره ... إذا كرّها فيها عقاب ونائل

стр. 576

فأمّ الذى أمّنت آمنة الرّدى ... وأمّ الذى حاولت بالثكل ثاكل وقال الطائى في أبى سعيد محمد بن يوسف: هو السيل إن واجهته انقدت طوعه ... وتقتاده من جانبيه فيتبع وكان عصابة الجرجانى، واسمه إسماعيل بن محمد، منقطعا إلى الحسن بن رجاء متصلا به، وهو القائل فيه: ومحجّب بالنور ليس بمدرك ... إلا بما تأتى به الأنباء ملك يحبّ الله فهو بحبّه ... ويطيعه فتطيعه الأشياء يمشى الهوينا للصلاة يقيمها ... وإذا مشى للحرب فالخيلاء لله درّك أيما ابن عزيمة ... يشوى الزمان وماله إشواء ثم عتب عليه في بعض الأمر، فهجاه هجاء قبيحا؛ فهرب إلى عمان، ثم اعتذر إليه بقصيدته التي أولها: لا تخضبنّ عوالى المرّان ... إلا من العلق النّجيع الآن «١» وهي أجود شعر قيل في معناه، وهي التي يقول فيها: اقر السلام على الأمير، وقل له: ... إن المنادمة الرضاع الثّانى ما إن أتى حشمى بأنّك ساخط ... حتى استخف بموضعى غلمانى وغدت علىّ مطاعمى ومشاربى ... وملابسى من أعون الأعوان فكتب إليه الحسن: أبلغ أبا إسحاق أنّ محلّه ... منى بحيث الرأس والعينان لا تبعدّن بك الديار لنزغة ... ولتبعدنّ نوازغ الشيطان فليفرخ الرّوع الذى روّعته ... إن المحل محلّ كلّ أمان [بين جميل وعمر بن أبى ربيعة] اجتمع جميل بن معمر العذرى بعمر بن أبى ربيعة المخزومى، فأنشده جميل وتصيدته التي أولها:

стр. 577

لقد فرح الواشون أن صرمت حبلى ... بثينة أو أبدت لنا جانب البخل يقولون: مهلا يا جميل، وإنّنى ... لأقسم مالى عن بثينة من مهل خليلىّ فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلى نقله أبو العتاهية، فقال: يا من رأى قبلى قتيلا بكى ... من شدّة الوجد على القاتل فلما أتمّها قال لعمر: يا أبا الخطاب، هل قلت في هذا الروىّ شيئا؟ قال: نعم، ثم أنشده: جرى ناصح بالود بينى وبينها ... فعرّضنى يوم الحصاب إلى قتلى فما أنس م الأشياء لا أنس قولها ... وموقفها يوما بقارعة النخل فلما تواقفتا عرفت الذى بها ... كمثل الذى بى حذوك النّعل بالنّعل فسلّمت واستأنست خيفة أن يرى ... عدوّ مكانى أو يرى حاسد فعلى وأقبل أمثال الدّمى يكتنفنها ... وكلّ يفدّى بالمودّة والأهل فقالت وأرخت جانب السّتر: إنما ... معى فتكلّم غير ذى رقبة أهلى فقلت لها: ما بى لهم من ترقّب ... ولكنّ سرّى ليس يحمله مثلى فاستخذى جميل وصاح: هذا والله الذى طلبت الشعراء فأخطأته، فتعلّلوا بوصف الديار، ونعت الأطلال. ولما مات عمر بن أبى ربيعة نعى لامرأة من مولّدات مكة، وكانت بالشام، فبكت وقالت: من لأباطح مكة؟ ومن يمدح نساءها، ويصف محاسنهن، ويبكى طاعتهن؟! فقيل لها: قد نشأ فتى من ولد عثمان بن عفان «١» على طريقته، فقالت: أنشدونى له، فأنشدوها: وقد أرسلت في السر ليلى بأن أقم ... ولا تقربنّا فالتجنّب أجمل لعلّ العيون الرامقات لوصلنا ... تكذب عنّا أو تنام فتغفل أناس أمنّاهم فبثوا حديثنا ... فلما كتمنا السرّ عنهم تقوّلوا

стр. 578

فما حفظوا العهد الذى كان بيننا ... ولا حين همّوا بالقطيعة أجملوا فتسلّت وقالت: هذا أجلّ عوض، وأفضل خلف، فالحمد لله الذى خلف على حرمه وأمته مثل هذا. وقال عروة بن أذينة: أنشدت ابن أبى عتيق للعرجى: فما ليلة عندى وإن قيل ليلة ... ولا ليلة الأضحى ولا ليلة الفطر بعادلة الإثنين، عندى وبالحرى ... يكون سواء مثلها ليلة القدر وما أنس م الأشياء لا أنس قولها ... لجارتها: قومى سلى لى عن الوتر فجاءت تقول الناس في ست عشرة ... ولا تعجلى عنه فإنك في أجر فقال ابن أبى عتيق: هذه أفقه من ابن أبى شهاب؛ أشهدكم أنّها حرّة من مالى إن أجاز أهلها ذلك. والعرجىّ هو عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان، وكان ينزل بعرج الطائف فنسب إليه، وهو القائل: هل في ادّكارى الحبيب من حرج ... أم هل لهمّ الفؤاد من فرج أم كيف أنسى مسيرنا حرما ... يوم حللنا بالنّخل من أمج «١» يوم يقول الرسول قد أذنت ... فات على غير رقبة فلج «٢» أقبلت أهوى إلى رحالهم ... أهدى إليها بريحها الأرج وكان محمد بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم واليا على مكة- وهو خال هشام بن عبد الملك- بلغه أنّ العرجىّ هجاه، فضربه ضربا مبرحا، وأقامه على أعين الناس، فجعل يقول: سيغضب لى الخليفة بعد رقّى ... ويسأل أهل مكة عن مساقى علىّ عباءة برقاء ليست ... من البلوى تجاوز نصف ساقى وتغضب لى بأسرتها قصىّ ... ولاة الشعب والطّرق العماق

стр. 579

فخلف محمد بن هشام ألا يخرجه ما دامت له ولاية؛ فأقام في السجن سبع سنين حتى مات، وهو القائل في سجنه: أضاعونى وأىّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر وخلّونى ومعترك المنايا ... وقد شرعت أسنّتهم لنحرى كأنى لم أكن فيهم وسيطا ... ولم تك نسبتى في آل عمرو أجرّر في الجوامع كلّ يوم ... ألا لله مظلمتى وهصرى عسى الملك المجيب لمن دعاه ... سينجينى فيعلم كيف شكرى فأجزى بالكرامة أهل ودّى ... وأجزى بالضغائن أهل ضرّى جملة من الفصول القصار لابن المعتز البشر دال على السخاء كما يدلّ النّور على الثمر. إذا اضطررت إلى الكذّاب فلا تصدّقه، ولا تعلمه أنك تكذّبه، فينتقل عن ودّه، ولا ينتقل عن طبعه. كما أن الشمس لا يخفى ضوءها وإن كانت تحت السحاب كذلك الصبىّ لا تخفى غريزة عقله وإن كان مغمورا بأخلاق الحداثة. كرم الله لا ينقض حكمته، ولذلك لا يجعل الإجابة في كل دعوة. كما أنّ جلاء السيف أهون من صنعه، كذلك استصلاح الصديق أهون من اكتساب غيره. إذا استرجع الله مواهب الدنيا كانت مواهب الآخرة. لولا ظلمة الخطا ما أشرق نور الصواب. الحوادث الممضّة مكسبة لحظوظ جزيلة: من صواب مدّخر، وتطهير من ذنب، وتنبيه من غفلة، وتعريف بقدر النعمة، ومرون على مقارعة الدهر. ومثل هذا الفصل محفوظ عن ذى الرياستين، قاله بعقب علّة فأغار عليه ابن المعتز. وكتب إلى أحمد بن محمد جوابا عن كتاب استزاده فيه: قيّد نعمتى عندك

стр. 580

بما كنت استدعيتها به، وذبّ عنها أسباب سوء الظن، واستدم ما تحبّ منى بما أحبّ منك. وكتب إليه: والله لا قابل إحسانك منى كفر، ولا تبع إحسانى إليك منّ، ولك عندى يد لا أقبضها عن نفعك، وأخرى لا أبسطها إلى ظلمك، فتجنّب ما يسخطنى؛ فإنى أصون وجهك عن ذلّ الاعتذار. وكان أحمد بن سعيد يؤدّبه فتحمل البلاذرى على قبيحة أم ابن المعتز بقوم سألوا أن تأذن له أن يدخل إلى ابن المعتز وقتا من النهار، فأجابت أو كادت تجيب، قال ابن سعيد: فلما اتصل الخبر بى جلست في منزلى غضبان لما بلغنى عنها، فكتب إلىّ ابن المعتز وله ثلاث عشرة سنة. أصبحت يابن سعيد خدن مكرمة ... عنها يقصّر من يحفى وينتعل سر بلتنى حكمة قد هذّبت شيمى ... وأجّجت نار ذهنى فهى تشتعل أكون إن شئت قسّا في خطابته ... أو حرثا وهو يوم الحفل مرتجل وان أشأ فكر زيد في فرائضه ... أو مثل نعمان لما ضاقت الحيل أو الخليل عروضيّا أخا فطن ... أو الكسائىّ نحويّا له علل تعلو بداهة ذهنى في مراكبها ... كمثل ما عرفت آبائى الأول وفي فمى صارم ماسلّه أحد ... من غمده فدرى ما العيش والجذل عقباك شكر طويل لا نفاد له ... يبقى بجدته ما أطّت الإبل وقسّ الذى ذكر: هو قسّ بن ساعدة الإيادى، وقد سمع النبىّ ﷺ شعره، وعجب منه. وحارث: هو الحارث بن حلّزة اليشكرى، وصف ارتجاله يوم فخره بقصيدته التى أنشدها بحضرة عمرو بن هند التي أولها: آذنتنا ببينها أسماء ... ربّ ثاو يملّ منه الثّواء وزيد: هو زيد بن ثابت الأنصارى، وإليه انتهى علم الفرائض. ونعمان: هو

стр. 581

أبو حنيفة النعمان- ﵁ بن ثابت، سبق أهل العراق في الفقه. والخليل بن أحمد الفرهودى، ويقال: الفراهيدى، منسوب إلى حىّ من الأزد، اليحمرى. والكسائى: على بن حمزة الكوفى. [من ابن العميد إلى بعض إخوانه] وكتب أبو الفضل محمد بن العميد إلى بعض إخوانه: أنا أشكو إليك- جعلنى الله فداك- دهرا خؤونا غدورا، وزمانا خدوعا غرورا، لا يمنح ما يمنح إلا ريث ما ينتزع، ولا يبقى فيما يهب إلا ريث ما يرتجع، يبدو خيره لمعا ثم ينقطع، ويحلو ماؤه جرعا ثم يمتنع. وكانت منه شيمة مألوفة، وسجيّة معروفة، أن يشفع ما يبرمه بقرب انتقاض، ويهدى لما يبسطه وشك انقباض، وكنا نلبسه على ما شرط، وإن خان وقسط؛ ونرضى على الرغم بحكمه، ونستئمّ بقصده وظلمه، ونعتدّ من أسباب المسرة ألّا يجىء محذوره مصمتا بلا انفراج، ولا يأتى مكروهه صرفا بلا مزاج، ونتعلّل بما نختلسه من غفلاته، ونسترقه من ساعاته. وقد استحدث غير ما عرفناه سنّة مبتدعة، وشريعة متّبعة، وأعدّ لكل صالحة من الفساد حالا، وقرن بكلّ خلّة من المكروه خلالا. وبيان ذلك- جعلنى الله فداك- أنه كان يقنع من معارضته الإلفين، بتفريق ذات البين، فقد أنثنى ممنوّا فيك بجميع ما أوغره، وما أطويه من البلوى منك أكثر مما أنشره، وأحسبنى قد ظلمت الدهر بسوء الثناء عليه، وألزمته جرما لم يكن قدره بما يحيط به، وقدرته ترتقى إليه، ولو أنك أعنته وظاهرته، وقصدت صرفه وآزرته، وبعتنى بيع الخلق وليس فيمن زاد ولكن فيمن نقص، ثم أعرضت عنى إعراض غير مراجع، واطّرحتنى اطراح غير مجامل؛ فهلّا وجدت نفسك أهلا للجميل حين لم تجدنى هناك، وأنفذت من جلّ ما عقدت من غير جريمة، ونكثت ما عهدت من غير جريرة، فأجبنى عن واحدة منهما؛ ما هذا التّغالى بنفسك،

стр. 582

والتّعالى على صديقك؟ ولم نبذتنى نبذ النّواة، وطرحتنى طرح القذاة؟ ولم تلفظنى من فيك، وتمجّنى من خلقك؟ وأنا الحلال الحلو، والبارد العذب، كيف لا تخطرنى ببالك خطرة، وتصيّرنى من أشغالك مرة؛ فترسل سلاما إن لم تتجشم مكاتبة، وتذكرنى فيمن تذكر إن لم تكن مخاطبة؟ وأحسب كتابى سيرد عليك فتنكره حتى تتثبّت، ولا تجمع بين اسم كاتبه وتصوّر شخصه حتى تتذكّر؛ فقد صرت عندك ممن محا النسيان صورته من صدرك، واسمه من صحيفة حفظك، ولعلك أيضا تتعجب من طمعى فيك وقد تولّيت، واستمالتى لك وقد أبيت، ولا عجب فقد يتفجّر الصّخر بالماء الزلال، ويلين من هو أقسى منك قلبا فيعود إلى الوصال، وآخر ما أقوله أنّ ودّى وقف عليك، وحبس في سبيلك، ومتى عدت إليه وجدته غضّا طريّا، فجرّبه في المعاودة فإنه في العود أحمد. اجتليت هذا الكلام على اختيار الاختصار. حلّ قوله «فقد يتفجر الصخر بالماء الزلال» من قول ابن الرومى: يا شبيه البدر في الحسن وفي بعد المنال ... جد فقد تنفجر الصّخرة بالماء الزّلال وفي هذه الرسالة في ذكر فتح وإن لم يستبق منه المعنى: وقد خصنا الله تعالى معاشر عبد الأمير عضد الدولة بنعمة يعلو مراتب النعم موقعها، ويفوت مقدار المواهب موضعها، فباسمه- أبقاه الله- فتح الفتح، وبشعاره استنزل النّجح، وبيمن نقييته فرج الكرب، وبسعادة جدّه كشف الخطب، وباهتزازه للدولة وحمايته عاد إليها ماؤها، وراجعها بهاؤها، فعزّ الملك ونصر، وذلّ العدو وقهر، وحميت أطراف الدولة، وحفظت أكناف المّلة، واستجدّ نظام النعمة، وسدلت ستور الصيانة دون الحرمة؛ ولو جعل المولى- تقدّس اسمه- لنعمته إذا تناهت على عبيده جزاء غير الإخلاص في شكره، وقبل ما في مقابلة الموهبة التي بستجدها عند خلقه غير

стр. 583

الإغراق في حمده، لرأيت ألّا أقتصر في قضاء حقه على بعض الملك دون بعض، ولجعلت في صدر ما أبذل عن هذه النعمة الأعزّين: الأهل والولد، والأنصرين: الساعد والعضد، بل العميدين: القلب والكبد؛ بل النفس كلها، والمهجة بأسرها. [من بديع ما قيل في العتاب] وقال سعيد بن حميد يعاتب بعض إخوانه: أفلل عتابك فالبقاء قليل ... والدّهر يعدل تارة ويميل لم أبك من زمن ذممت صروفه ... إلّا بكيت عليه حين يزول ولكلّ نائبة ألّمت مدّة ... ولكل حال أقبلت تحويل والمنتمون إلى الإخاء جماعة ... إن حصّلوا أفناهم التحصيل ولعل أحداث المنيّة والرّدى ... يوما ستصدع بيننا وتحول فلئن سبقت لتبكينّ بحسرة ... وليكثرنّ علىّ منك عويل ولتفجعنّ بمخلص لك وامق ... حبل الوفاء بحبله موصول ولئن سبقت- ولا سبقت- ليمضين ... من لا يشاكله لدىّ خليل وليذهبنّ بها كلّ مروءة ... وليفقدنّ جمالها المأهول «١» وأراك تكلف بالعتاب وودّنا ... ضاف عليه من الوفاء دليل ودّ بدا لذوى الإخاء جماله ... وبدت عليه بهجة وقبول ولعل أيام الحياة قليلة ... فعلام يكثر عتبنا ويطول وقال أيضا: لقد ساءنى أن ليس لى عنك مذهب ... ولا لك عن سوء الخليقة مرغب أفكر في ودّ تقادم بيننا ... وفي دونه قربى لمن يتقرّب وأنت سقيم الودّ رثّ حباله ... وخير من الودّ السقيم التجنّب

стр. 584

تسىء وتأبى أن تعقّب بعده ... بحسنى، وتلقانى كأنى مذنب وأحذر إن جازيت بالسوء والقلى ... مقالة أقوام هم منك أنجب أساء اختيارا أو عرته ملالة ... فعاد يسىء الظنّ أو يتعتّب فخبت من الودّ الذى كان بيننا ... كما خاب راجى البرق والبرق خلّب وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: إلى كم يكون الصّدّ في كل ساعة ... ولم لا تملّنّ القطيعة والهجرا؟ رويدك! إنّ الدهر فيه بقيّة ... لتفريق ذات البين فانتظر الدّهرا آخر: ولقد علمت فلا تكن متجنّبا ... أنّ الصدود هو الفراق الأوّل حسب الأحبّة أن يفرّق بينهم ... صرف الزمان، فما لنا نستعجل؟ آخر: ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها ... فمفترق جاران دارهما العمر ويقرب من المعنى قول المتنبى أيضا: زوّدينا من حسن وجهك مادا ... م فحسن الوجوه حال يحول وصلينا نصلك في هذه الدّنيا فإنّ المقام فيها قليل [من كلام الأعراب] وقف أعرابىّ يسأل، فعبث به فتى، فقال: ممن أنت؟ فقال: من بنى عامر ابن صعصعة، فقال: من أيّهم؟ فقال: إن كنت أردت عاطفة القرابة فليكفك هذا المقدار من المعرفة، فليس مقامى بمقام مجادلة ولا مفاخرة، وأنا أقول: فإن لم أكن من هاماتهم فلست من أعجازهم. فقال الفتى: ما رويت عن فضيلتك إلا النقص فى حسبك فامتعض الأعرابى لذلك؛ فجعل الفتى يعتذر، ويخلط الهزل والدعابة باعتذاره،

стр. 585

وأطال الكلام، فقال له الأعرابى: يا هذا، إنك منذ اليوم آذيتنى بمزحك، وقطعتنى عن مسألتى بكلامك واعتذارك، وإنك لتكشف عن جهلك بكلامك ما كان السكوت يستره من أمرك، ويحك! إنّ الجاهل إن مزح أسخط، وإن اعتذر أفرط، وإن حدّث أسقط، وإن قدر تسلّط، وإن عزم على أمر تورّط، وإن جلس مجلس الوقار تبسّط؛ أعوذ منك ومن حال اضطراتنى إلى احتمال مثلك! وقال إسحاق الموصلى: قال أعرابى لرجل كان يعتمده بالعطية: أسأل الذى رحمنى بك أن يرحمك بى. وسأل أعرابى رجلا، فأعطاه، فقال: الحمد لله الذى ساقنى إلى الرزق وساقك إلى الأجر: [المقامة البلخيّة] ومن انشاء البديع من مقامات الإسكندرى: قال: حدثنا عيسى بن هشام قال: أفضت بى إلى بلخ تجارة البزّ، فوردتها وأنا بفروة الشباب «١» وبال الفراغ، وحلية الثروة، لا يهمّنى إلا نزهة فكر أستفيدها «٢» وشريدة من الكلام أصيدها؛ فما استأذن على سمعى مسافة مقامى، أفصح من كلامى. ولمّا حنى التفرق بنا قوسه أو كاد، دخل إلى شابّ في زى ملء العين، ولحية تشوك الأخدعين «٣» ، وطرف قد شرب بماء الرّافدين «٤» ، ولقينى من البرّ في السناء، بما زدته من الشكر والثناء؛ ثم قال: أظعنا تريد؟ قلت:

стр. 586

إى والله، فقال: أخصب الله رائدك، ولا أضلّ قائدك، فمتى عزمت؟ فقلت: غداة غد، فقال: صباح الله لا صبح انطلاق ... وطير الوصل لا طير الفراق قال: أين تريد؟ قلت: الوطن، قال: بلّغت الوطن، وقضيت الوطر، فمتى العود؟ قلت: القابل، قال: طويت الرّيط «١» ، وثنيت الخيط، فأبن أنت من الكرم؟ قلت: بحيث أردت، قال: إذا رجعك الله من هذه الطريق، فاستصحب لى عدوّا في بردة صديق، من نجار الصّفر، يدعو إلى الكفر، ويرقص على الظّفر، كدارة العين، يحطّ ثقل الدّين، وينافق بوجهين! فعلمت أنه يلتمس دينارا، قلت: لك ذلك نقدا، ومثله وعدا، فأنشأ يقول: رأيك ممّا خطبت أعلى ... لا زلت للمكرمات أهلا صلبت عودا وفقت جودا ... وطبت فرعا وطبت أصلا لا أستطيع العطاء حملا ... ولا أطيق السؤال ثقلا قصرت عن منتهاك ظنّا ... وطلت عما ظننت فعلا يا رحمة الله والمعالى ... لا لقى الدّهر منك ثكلا «٢» قال عيسى بن هشام: فنلته الدينار، وقلت: من أين نبت هذا الفضل؟ قال: نمتنى قريش، ومهد لى الشرف في بطحائها. فقال بعض من حضر: ألست أبا الفتح السكندرى؟ ألم أرك بالعراق، تطوف بالأسواق، مكدّيا بالأوراق «٣» ؟ فأنشأ يقول:

стр. 587

إنّ لله عبيدا ... أخذوا العمر خليطا فهم يمسون أعرا ... با ويضحون نبيطا «١» [من البديع إلى الميكالى] وله إلى أبى نصر الميكالى يشكو إليه خليفته بهراة: كتابى أطال الله بقاء الشيخ الجليل، والماء إذا طال مكثه، ظهر خبثه، وإذا سكن متنه، تحرّك نتنه، كذلك الضيف يسمج لقاؤه، إذا طال ثواؤه، ويثقل ظلّه، اذا انتهى محلّه، وقد حلبت أشطر خمسة أشهر بهراة وإن لم تكن دار مثلى لولا مقامه، وما كانت تسعنى لولا ذمامه، ولى في بيتى قيس مثل صدق، وإن صدرا مصدر عشق: وأدنيتنى حتى إذا ما سبيتنى ... بقول يحلّ العصم سهل الأباطح تجافيت عنى حيث لا لى حيلة ... وخلّفت ما خلّفت بين الجوانح نعم. قنصتنى نعم الشيخ الجليل، فلما علق الجناح، وقلق البراح، طرت مطار الريح، بل مطار الرّوح. وتركتنى بين قوم ينقض مسّهم الطهارة، وتوهن أكفّهم الحجارة. وحدّثت عن هذا الخليفة، بل الجيفة، أنه قال: قضيت لفلان خمسين حاجة منذ ورد هذا البلد، وليس يقنع، فما أصنع؟ فقلت: يا أحمق، إن استطعت أن ترانى محتاجا، فاستطع أن أراك محتاجا إليك. أفّ لقولك ولفعلك، ولدهر أحوج إلى مثلك! وأنا أسأل الشيخ الجليل أن يبيّض وجهى بكتاب يسوّد وجهه، ويعرّفه قدره، ويملأ رعبا صدره، إلى أن تبين على صفحات جنبه، آثار ذنبه. وله إليه يعاتبه: قد عرف الشيخ الجليل اتسامى بعبوديّته، ولو عرفت وراء العبوديّة مكانا لبلغته معه، وأرانى كلما قدمت صحبة، رجعت رتبة، وكلما طالت خدمة، قصرت

стр. 588

حشمة، ولست ممن يذهب عليه أن للسلطان أن يرفع عبدا حبشيا، ويضع قرشيّا، ولكن أحب أن أقف من مكانى على رتبة كوكبها لا يغور، ومنزلة لولبها لا يدور؛ فإذا عرفت قدرى وخطه، لم أتخطّه، ثم إن رأيت محلّى وحدّه، لم أتعدّه، إن قدّمنى يوما عليها علمت أن عناية قدمتنى، وإن أخّرنى عنها علمت أنّ جناية أخرتنى. رفع علىّ اليوم فلان ولست أنكر سنّه وفضله، ولا أجحد بيته وأصله، ولكن لم تجر العادة بتقدّمه، لا في الأيام الخالية، ولا في هذه الأيام العالية؛ وشديد على الإنسان ما لم يعوّد؛ فإن كان حاسد قد همّ، أو كاشح قد نمّ، أو خطب قد ألمّ، أو أمر قد وقع وتمّ، فالشيخ الجليل أولى من يعرفه ويعرّفنيه، وإلا فما الرأى الذى أوجب اصطناعى، ثم ضياعى، والسبب الذى اقتضى بيعى بعد ابتياعى؟ [بين المأمون وإبراهيم بن المهدى] ولما رضي المأمون عن إبراهيم بن المهدى أمر به فأدخل عليه، فلما وقف بين يديه قال: ولىّ الثأر محكّم في القصاص، ومن تناوله الاغترار بما مدّله من أسباب الرجاء أمن عادية الدهر من نفسه، وقد جعلك الله تعالى فوق كل ذى ذنب، كما جعل كلّ ذى ذنب دونك، فإن أخذت فبحقّك، وإن عفوت فبفضلك. ثم قال: ذنبى إليك عظيم ... وأنت أعظم منه فخذ بحقّك، أو لا ... فاصفح بفضلك عنه إن لم أكن في فعالى ... من الكرام فكنه فقال لى: إنى شاورت أبا إسحاق والعباس في قتلك، فأشارا به، قال: فما قلت لهما يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت لهما: بدأناه بإحسان، ونحن نستأمره فيه، فإن غيّر فالله يغير ما به، قال: أما أن يكونا قد نصحا في عظيم ما جرت عليه السياسة

стр. 589

فقد فعلا وبلغا ما يبلغك، وهو الرأى السديد، ولكنك أبيت ألا تستجلب النصر إلّا من حيث عوّدك الله. ثم استعبر باكيا، فقال له المأمون: ما يبكيك؟ قال: جذلا! إذ كان ذنبى إلى من هذه صفته في الإنعام، ثم قال: إنه وإن كان قد بلغ جرمى استحلال دمى، فعلم أمير المؤمنين وفضله بلغانى عفوه، ولى بعدهما شفاعة الإقرار بالذنب، وحقّ الأبوة بعد الأب. فقال: يا إبراهيم، لقد حبّب إلىّ العفو حتى خفت ألّا أوجر عليه، أما لو علم الناس مالنا في العفو من اللذة لتقرّبوا إلينا بالجنايات، لا تثريب عليك يغفر الله لك، ولو لم يكن في حقّ نسبك ما يبلغ الصفح عن جرمك لبلّغك ما أملت حسن تنصلك ولطف توصلك ثم أمر بردّ ضياعه وأمواله، فقال: رددت مالى ولم تبخل علىّ به ... وقبل ردّك مالى قد حقنت دمى وقام علمك بى فاحتجّ عندك لى ... مقام شاهد عدل غير متّهم فلو بذلت دمى أبغى رضاك به ... والمال حتى أسلّ النّعل من قدمى ما كان ذاك سوى عارّية سلفت ... لو لم تهبها لكنت اليوم لم تلم أخذ معنى قول المأمون: «لقد حبّب إلىّ العفو حتى خفت ألا أوجر عليه» أبو تمام الطائى فقال: لو يعلم العافون كم لك في الندى ... من لذة وقريحة لم تخمد فكان أبو تمام في هذا كما قال أبو العباس المعتز في القاسم بن عبيد الله: إذا ما مدحناه استعنّا بفعله ... فنأخذ معنى قولنا من فعاله وكان تصويب إبراهيم لرأى أبى إسحاق المعتصم والعباس بن المأمون ألطف فى طلب الرضا ودفع المكروه واستمالتهما إلى العاطفة عليه من الإزراء عليهما في رأيهما، وكان إبراهيم يقول: والله ما عفا عنى لرحم ولا لمحبة؛ ولكن قامت له سوق في العفو كره أن يفسدها [بى] . وكان المأمون شاور في قتل إبراهيم أحمد بن أبى خالد الأحول، فقال:

стр. 590

إن قتلته فلك نظير؛ وان عفوت عنه فلا نظير لك؛ فأختار لك العفو. [بين المأمون وإسحاق بن العباس] وقال المأمون لإسحاق بن العباس: لا تحسبنى أغفلت أمر ابن المهدى وتأبيدك له، وإيقادك لناره. قال: والله يا أمير المؤمنين لإجرام قريش إلى رسول الله ﷺ أعظم من جرمى إليك؛ ولرحمى أمسّ بك من أرحامهم؛ وقد قال لهم كما قال يوسف؛ على نبينا وعليه الصلاة والسلام لإخوته: «لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين» . وأنت يا أمير المؤمنين أحقّ وارث لهذه الأمة في الطّول، وممتثل لخلال العفو والفضل. قال: هيهات! تلك أجرام جاهلية عفا عنها الإسلام، وجرمك جرم في إسلامك، وفي دار خلافتك. قال: يا أمير المؤمنين؛ فو الله للمسلم أحقّ بإقالة العثرة وغفران الذنب من الكافر. وهذا كتاب الله بينى وبينك إذ يقول: «وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنّة عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين، الذين ينفقون في السراء والضّرّاء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين» . والناس يا أمير المؤمنين نسبة دخل فيها المسلم والكافر، والشريف والمشروف. قال: صدقت، وريت بك زنادى، ولا برحت أرى من أهلك أمثالك. [رجل يستعطف بعض الملوك] وقال رجل لبعض الملوك وقد وقف بين يديه: أسألك بالذى أنت بين يديه غدا أذلّ منى بين يديك اليوم، وهو على عقابك أقدر منك على عقابى، إلا ما نظرت فى أمرى نظر من برئى أحبّ إليه من سقمى، وبراءتى أحبّ إليه من بليتى. [بين معاوية وروح بن زنباع] وأراد معاوية عقوبة روح بن زنباع فقال: يا أمير المؤمنين: أنشدك الله تعالى

стр. 591

ألّا تضع منى خسيسة أنت رفعتها، أو تنقض منى مريرة «١» أنت أبرمتها، أو تشمت بى عدوّا أنت كبتّه، وحاسدا بك وقمته «٢» ؛ وأسألك بالله إلا أربى «٣» حلمك على خطئى وصفحك على جهلى. فقال معاوية ﵁: إذا الله ثنّى عقد شىء تيسّرا. أشار إلى هذا أبو الطيب المتنبى إذ قال: أزل حسد الحسّاد عنى بكبتهم ... فأنت الذى صيرتهم لى حسّدا إذا شدّ زندى حسن رأيك في يدى ... ضربت بسيف يقطع الهام مغمدا [عفو الملوك] وعتب المأمون على بعض خاصته، فقال: يا أمير المؤمنين، إن قديم الحرمة وحديث التوبة يمحوان ما بينهما من الإساءة. قال: صدقت، وعفا عنه. وكان في ملوك فارس ملك عظيم المملكة، شديد النقمة، فقرّب له صاحب المطبخ طعامه، فنقطت نقطة من الطعام على المائدة، فزوى له الملك وجهه، وعلم صاحب المطبخ أنّه قاتله، فعمد إلى الصّحفة فكفأها على المائدة ثم ولّى، فقال له الملك: ما حملك على ما فعلت، وقد علمت أن سقوط النّقطة أخطأت بها يدك ولم يجربها تعمّدك، فما عندك في الثانية؟ قال: استحيت للملك أن يوجب قتلى، ويبيح دم مثلى، فى سنّى وحرمتى، وقديم اختصاصى وخدمتى، فى نقطة أخطأت بها يدى، فأردت أن يعظم ذنبى ليحسن بالملك قتلى. قال: لئن كان اعتذارك ينجيك من القتل، فليس ينجيك من التأديب؛ اجلدوه مائة جلدة، واخلعوا عليه خلع الرّضا. وخرج بهرام جور متصيدا فعنّ له حمار وحش، فأتبعه حتى صرعه، وقد انقطع عن أصحابه، فنزل عن فرسه يريد ذبحه، وبصر براع فقال: أمسك علىّ فرسى، وتشاغل بذبح الحمار، وحانت منه التفاتة، فنظر إلى الراعى يقطع جوهر عذار فرسه، فحوّل بهرام جور وجهه وقال: تأمّل العيب عيب، وعقوبة

стр. 592

من لا يستطيع الدفاع عن نفسه سفه، والعفو من أفعال الملوك، وسرعة العقوبة من أفعال العامة. ثم قال: يا غلام، ما بال شريانك يضطرب لعلّك آذاك تكسيرنا أرضك بحوافر خيلنا، فقال: نعم، وقد عزمت على أن أنقلع مائة فرسخ، فقال بهرام: لا ترع؛ فهذا الموضع وما فيه لك، وكان الراعى خبيثا، فقال: إن الملوك إذ قالت قولا تمّت على قولها، فرجع بهرام إلى عسكره وقال: اتبعنى لأوثّق لك من هذه الأرض، فاتّبعه، فلما بصر به الوزير قال: أيها الملك السعيد، إنى لأرى جوهر عذار فرسك مقلّعا، فتبسم وقال: أخذه من لا يردّه، ورآه من لا ينمّ به، فمن أخذه صاحبنا ولا نطالبه به. نقل ابن الرومى قول بهرام: «تأمل العيب عيب» كما اتفق موزونا فقال: تأمّل العيب عيب ... ما في الذى قلت ريب وكلّ خير وشرّ ... دون العواقب غيب ورب جلباب همّ ... فيه من الصّنع جيب لا تحقرنّ سييبا ... كم قاد خيرا سييب «١» أخذ البيت الأخير من قول الطائى: ربّ قليل غدا كثيرا ... كم مطر بدؤه مطير وقوله: لا تزيلن صغير همّك وانظر ... كم بذى الأثل دوحة من قضيب وقد أعاد ابن الرومى قوله: وكلّ خير وشر ... دون العواقب غيب

стр. 593

فى قصيدته التي مدح بها أحمد بن محمد بن ثوابة حين ساوره، وقال: لو أتى لبيد لتعجّب منه، فاستجز له وقال: ولمّا دعانى للمثوبة سيّد ... يرى المدح عارا قبل بذل المثاوب تنازعنى رغب ورهب كلاهما ... قوىّ، وأعيانى طلوع المعايب فقدّمت رجلا رغبة في رغيبة ... وأخّرت رجلا رهبة للمعاطب أخاف على نفسى وأرجو مفازها ... وأستار غيب الله دون العواقب ألا من يرينى غايتى قبل مذهبى ... ومن أين والغايات بعد المذاهب [من اعتذارات البديع] نسخة رقعة كتبها بديع الزمان إلى أبى على إسماعيل يعتذر إليه: سوء الأدب من سكر النّدب، وسكر الغضب من الكبائر التي تنالها المغفرة، وتسعها المعذرة، وقد جرى بحضرة الشيخ ما جرى، وقد أفنيت يدى عضّا، وأسنانى رضّا، وإن لم أوف ما جرى فالعذر أمدّ خطا، فإن كان بساطا يطوى، وحديثا لا يروى، فأولى من عذر اللاعب، وأحرى من غفر الصاحب؛ وإن كان ميتا ينشر، وسببا يذكر، فليكن العقاب ما كان، إن لم يكن الهجران، على أنى قد أخذت قسطى من العقاب، واستفدت من ردّ الجواب، ما كفى وأوجع القفا؛ فكان من موجب أدب الخدمة، إبقاء الحشمة لولىّ النعمة، باحتمال الشتم، والإغضاء عن الخصم، لكنى أحدقت بى ثلاثة أحوال لا يسلم صاحبها: اللعب وسكره، والخصم وهجره، والإدلال والثقة، وهنّ اللواتى حملننى على ماء الوجه فهرقته، وحجاب الحشمة فخرقته، وقد منعنى الآن فرط الحياء من وشك اللقاء، وعهدى بوجهى وهو أصفق من العدم الذى حملنى على جهله، وأوقح من الدهر الذى أحوجنى إلى أهله؛ لكن النعم إذا توالت على وجه رقّقت قشرته، وألانت بشرته؛ وأنا منتظر من الجواب ما يريش جناحى إلى خدمته، فإن رأى أن يكتب فعل، إن شاء الله.

стр. 594

وله رقعة إلى أبى على بن مشكويه أولها: ويا عزّ إن واش وشى بى عندكم ... فلا تمهليه أن تقولى له: مهلا كما لو وشى واش بعزّة عندنا ... لقلنا: تزحزح لا قريبا ولا أهلا بلغنى أطال الله بقاء الشيخ أن قيضة كلب «١» وافته بأحاديث لم يعرها ألحقّ نوره، ولا الصدق ظهوره، وأنه- أدام الله عزّه- أذن لها على مجال أذنه، وفسح لها فناء ظنّه، ومعاذ الله أن أقولها، وأستجيز معقولها؛ بل قد كان بينى وبين الشيخ عتاب لا ينزل كنفه ولا يجدف، وحديث لا يتعدّى النفس وضميرها، ولا يعرف الشفة وسميرها، وعربدة كعربدة أهل الفضل، لا تتجاوز الدّلال والإدلال، ووحشة لا يكشقها عتاب لحظة، كعتاب جحظة، فسبحان من ربّى هذا الأمر حتى صار أمرا، وتأبّط شرّا، وأوجب عذرا، وأوحش حرّا. وسبحان من جعلنى في حيّز العدو أشيم بارقته، وأتخوّف صاعقته، وأنا المساء إليه، والمجنىّ عليه، ولكن من بلى من الأعداء بمثل ما بليت، ورمى من الحسد بما رميت، ووقف من التوحّد والوحدة حيث وقفت، واجتمع عليه من المكاره ما وصفت، اعتذر مظلوما، وضحك مشتوما، ولو علم الشيخ عدد أولاد الجدد، وأبناء العدد، بهذا البلد، ممن ليس له همّ إلا في سعاية أو شكاية أو حكاية أو نكاية، لضنّ بعشرة غريب إذا بدر، وبعيد إذا حضر، ولصان مجلسه عمن لا يصونه عما رقى إليه، وهبنى قد قلت ما حكى، أليس الشّاتم من أسمع، والجانى من أبلغ؟ فقد بلغ من كيد هؤلاء القوم أنهم حين صادفوا من الأستاذ نفسا لا تستفزّ، وجبلالا يهزّ، وشوا إلى خدمه بما أرّثوا نارهم «٢» ، وورد علىّ ما قالوه فما لبثت أن قلت: فإن تك حرب بين قومى وقومها ... فإنى لها في كلّ نائبة سلم

стр. 595

وليعلم الأستاذ أنّ في كبد الأعداء منى جمرة، وأنّ في أولاد الزنا عندنا كثرة، وقصاراهم نار يشبّونها، وعقرب يدبّبونها، ومكيدة يطلبونها، ولولا أن العذر إقرار بما قيل، وأكره أن أستقيل، لبسطت في الاعتذار شاذروانا، ودخلت في الاستقالة ميدانا، لكنه أمر لم أضع أوّله، فلم أتدارك آخره. وقد أبى الشيخ أبو محمد- أيده الله- إلا أن يوصل هذا النثر الفاتر بنظم مثله فهاكه يلعن بعضه بعضا: مولاى إن عدت ولم ترض لى ... أن أشرب البارد لم أشرب امتط خدى وانتعل ناظرى ... وصد بكفى حمة العقرب تالله ما أنطق عن كاذب ... فيك، ولا أبرق عن خلّب فالصفو بعد الكذب المفترى ... كالصّحو عقب المطر الصّيّب «١» إن أجتن الغلظة من سيدى ... فالشوك عند الثمر الطيب أو يفسد الزّور على ناقد ... فالخمر قد يعصب بالثيّب ولعل الشيخ أبا محمد- أيده الله- يقوم من الاعتذار بما قعد عنه القلم واللسان؛ فنعم رائد الفضل هو، والسلام. فقر من كلام سهل بن هرون للمأمون كان المأمون استثقل سهل بن هرون، فدخل عليه يوما، والناس على مراتبهم، فتكلّم المأمون بكلام ذهب فيه كلّ مذهب؛ فلما فرغ من كلامه أقبل سهل بن هرون على الجمع فقال: مالكم تسمعون ولا تعون، وتشاهدون ولا تفقهون، وتفهمون ولا تتعجّبون، وتتعجّبون ولا تنصفون؟ والله إنه ليقول ويفعل في اليوم القصير ما فعل بنو مروان في الدهر الطويل، عربكم كعجمكم، وعجمكم كعبيدكم، ولكن كيف يعرف الدواء من لا يشعر بالداء؟ فرجع المأمون فيه إلى الرأى الأول.

стр. 596

[من ترجمة سهل بن هرون، وأخباره] وكان أبو عمرو سهل بن هرون من أهل ميسان «١» نزل البصرة فنسب إليها، وهو القائل: يأهل ميسان السلام عليكم ... الطيبون الفرع والجذم أما الوجوه ففضّة مزجت ... ذهبا وأيد سحّة هضم «٢» أتريد كلب أن أناسبها ... قد قلّ من كلب بى العلم أجعلت بيتا فوق رابية ... فرع النّجوم كأنه نجم كبييت شعر وسط مجهلة ... بفنائه الجعلان والبهم وكان سهل شعوبيا، والشعوبية: فرقة تتعصب على العرب وتنتقصها، وكان أبو عبيدة يرمى بذلك. وسهل ظريف عالم حسن البيان، وله كتب ظريفة صنّفها معارضا للأوائل فى كتبهم بما لا يستصو به منهم، حتى قيل له «بزرجمهر الإسلام» وقال يمدح رجلا: عدوّ تلاد المال فيما ينوبه ... منوع إذا ما منعه كان أحزما مذلل نفس قد أبت غير أن ترى ... مكاره ما تأتى من العيش مغنما وهذا نظير قوله في كتاب «ثعلة وعفرة» الذى عارض به كليلة ودمنة: اجعلوا أداء ما يجب عليكم من الحقوق مقدّما قبل الذى تجودون به من تفضّلكم؛ فإن تقديم النافلة مع الإبطاء عن الفريضة مظاهر على وهن العقيدة، وتقصير الرويّة، ومضرّ بالتدبير، مخلّ بالاختيار، وليس في نفع محمدته عوض من فساد المروءة ولزوم النقيصة. وكتابه هذا مملوء حكما وعلما. وسهل القائل: تقسّمنى همّان قد كسفا بالى ... وقد تركا قلبى محلّة بلبال هما أذريا دمعى، ولم تذر عبرتى ... رهينة خدر ذات سمط وخلخال ولا قهوة لم يبق منها على المدى ... سوى أن تحاكى النور في رأس ذيال تحلّل منها جرمها وتماسكت ... لها نفس معدوم على الزمن الخالى

стр. 597

ولكنما أبكى بعين سخينة ... على حدث تبكى له عين أمثالى فراق خليل لا يقوم به الأسى ... وخلّة حرّ لا يقوم لها مالى فوا حسرتى حتّى متى القلب موجع ... لفقد خليل أو تعذر إفضال وما الفضل إلا أن تجود بنائل ... وإلا لقاء الخلّ ذى الخلق العالى وهو القائل: إذا امرؤ ضاق عنى لم يضق خلقى ... من أن يرانى غنيّا عنه بالياس لا أطلب المال كى أغنى بفضلته ... ما كان مطلبه فقرا إلى الناس وأنشد له الجاحظ يهجو رجلا: من كان يعمر ما شادت أوائله ... فأنت تعمر ما شادوا وما سمكوا ما كان في الحق أن تحوى فعالهم ... وأنت تحوى من الميراث ما تركوا وقال محمد بن زياد الزيادى: وجدت «١» على سهل بن هرون في بعض الأمر، فهجوته، فكتب إلىّ: أما بعد فالسلام على عهدك وداع ذى ضنّ بك، فى غير مقلية لك «٢» ، ولا سلوة عنك، بل استسلام للبلوى في أمرك، وإقرار بالمعجزة فى استعطافك، إلى أوان فيئتك «٣» ، أو يجعل الله لنا دولة من رجعتك، والسلام. وكتب في أسفل الكتاب: إن تعف عن عبدك المسىء ففى ... عفوك مأوى للفضل والمنن أتيت ما أستحقّ من خطإ ... فجد بما تستحق من حسن [من عظات الحسن البصرى] وقال الحسن البصرى ﵀ في يوم [فطر] وقد رأى الناس وهيآتهم: إنّ الله ﵎ جعل رمضان مضمارا لخلقه، يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا، فالعجب من الضاحك اللاعب

стр. 598

فى اليوم الذى يفوز فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون، أما والله لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه ومسىء بإساءته. ونظر إلى قوم منصرفين من صلاة الفطر يتدافعون ويتضاحكون، فقال: الله المستعان! إن كان هؤلاء قد تقرّر عندهم أن صومهم قد تقبّل فما هذا محلّ الشاكرين، وإن علموا أنه لم يتقبل فما هذا محلّ الخائبين. وكان الحسن من الخطباء النّساك الفقهاء الأجواد، ويقال: إنه لم يكن تابعىّ أفضل منه. هذا قول أهل العراق جميعا، وأهل الحجاز يقدمون سعيد بن المسيب عليه، وكان سعيد أحسن من الحسن ورعا، وأشدّ الناس حذرا، وأقلهم كلاما. وكان الحسن لا يدع أن يتكلّم بما هجس في نفسه، وجاش في صدره. وعلى ذكر الحسن شهر رمضان نقول: ألفاظ لأهل العصر، فى التهنئة بإقبال شهر رمضان مع ما يتصل بها من الأدعية ساق الله تعالى إليك سعادة إهلاله، وعرّفك بركة كماله. قسم الله لك من فضله، ووفّقك لفرضه ونفله. لقّاك الله ما ترجوه، ورقاك إلى ما تحبّه فيما تتلوه. جعل الله ما أظلّك من هذا الصوم مقرونا بأفضل القبول، مؤذنا بدرك البغية ونجح المأمول، ولا أخلاك من برّ مرفوع، ودعاء مسموع. قابل الله تعالى بالقبول صيامك، وبعظيم المثوبة تهجّدك وقيامك. عرّفك الله من بركاته ما يربى على عدد الصائمين والقائمين، ووفّقك الله تعالى لتحصيل أجر المتهجّدين. أسأل الله تعالى أن يضاعفه بمنه لك، ويجعله وسيلة بقبوله إلى مرضاته عنك. أعاد الله إلى مولاى أمثاله، وتقبّل فيه أعماله، وأصلح في الدين والدنيا أحواله، وبلغه منها آماله. أسعده الله بهذا الشهر، ووفاه فيه أجزل المثوبة والأجر، ووفّر حظّه من كل ما يرتفع من دعاء الدّاعين، وينزل من ثواب العاملين،

стр. 599

وقبل مساعيه وزكاها، ورفع درجاته وأعلاها، وبلّغه من الآمال منتهاها، وظفر بأبعدها وأقصاها. وقال الحسن: من أخلاق المؤمن قوة في دين، وحزم في لين، وحرص على العلم، وقناعة في فقر، ورحمة للمجهود، وإعطاء في حق، وبرّ في استقامة، وفقه في يقين، وكسب في حلال. وقال محمد بن سليمان لأبى السماك: بلغنى عنك شىء، قال: لا أباليه، قال: ولم؟ قال: لأنه إن كان حقّا غفرته، وإن كان باطلا كذبته. وقال محمد بن صبيح المعروف بابن السماك: خير الإخوان أفلّهم مصانعة في النصيحة، وخير الأعمال أحلاها عاقبة، وخير الثناء ما كان على أفواه الأخيار، وأشرف السلطان ما لم يخالطه البطر، وأغنى الأغنياء من لم يكن للحرص أسيرا، وخير الإخوان من لم يخاصم، وخير الأخلاق أعونها على الورع، وإنما يختبرودّ الرجال عند الفاقة والحاجة. ووصف بعض البلغاء رجلا فقال: إنه بسيط الكف، رحب الصّدر، موطّأ الأكناف، سهل الخلق، كريم الطباع، غيث مغيث، وبحر زخور، ضحوك السنّ، بشير الوجه، بادى القبول، غير عبوس، يستقبلك بطلاقة، ويحييّك ببشر، ويستدبرك بكرم غيب، وجميل سرّ، تبهجك طلاقته، ويرضيك بشره، ضحّاك على مائدته، عبد لضيفانه، غير ملاحظ لأكيله، بطين من العقل، خميص من الجهل، راجح الحلم، ثاقب الرّأى، طيّب الخلق، محصّن الضريبة، معطاء غير سائل، كاس من كل مكرمة، عار من كلّ ملامة، إن سئل بذل، وإن قال فعل. قال أبو الفتح كشاجم: مزاجك للمثنى من العود والصّبا ... من الرّيح والصافى الرقيق من الخمر فلو كنت وردا كنت وردا مضاعفا ... ولو كنت طيبا كنت من عنبر الشّحر

стр. 600

ولو كنت لحنا كنت تأليف معبد ... ولو كنت عودا ما افتقرت إلى زمر وقال أعرابى: ألا حبّذا البرد الذى تلبسينه ... ويا حبذا من باعك البرد من تجر «١» فلو كنت ماء كنت ماء غمامة ... ولو كنت درّا كنت من درّة بكر ولو كنت لهوا كنت تعليل ساعة ... ولو كنت نوما كنت إغفاءة الفجر ولو كنت ليلا كنت قمراء جنّبت ... نحوس ليالى الشّهر أو ليلة القدر تم- بحمد الله تعالى ومعونته- تحقيق الجزء الثانى من «زهر الآداب: وثمر الألباب» لأبى إسحاق الحصرى. ويليه- إن شاء واهب التوفيق والسّداد، ورازق القدرة والعون- الجزء الثالث مفتتحا ب «نبذ من ألفاظ بلغاء العصر تجرى في المدح مجرى الأمثال؛ لحسن استعاراتها، وبراعة تشبيهاتها» . نسأله- سبحانه- أن يعين على إكماله بمنّه وفضله، آمين.
следующие страницы →