← Адаб

Адаб · id 10768

زهر الآداب وثمر الألباب

الحصري القيرواني

Полный текст (1 141 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

[من ترجمة سهل بن هرون، وأخباره] وكان أبو عمرو سهل بن هرون من أهل ميسان «١» نزل البصرة فنسب إليها، وهو القائل: يأهل ميسان السلام عليكم ... الطيبون الفرع والجذم أما الوجوه ففضّة مزجت ... ذهبا وأيد سحّة هضم «٢» أتريد كلب أن أناسبها ... قد قلّ من كلب بى العلم أجعلت بيتا فوق رابية ... فرع النّجوم كأنه نجم كبييت شعر وسط مجهلة ... بفنائه الجعلان والبهم وكان سهل شعوبيا، والشعوبية: فرقة تتعصب على العرب وتنتقصها، وكان أبو عبيدة يرمى بذلك. وسهل ظريف عالم حسن البيان، وله كتب ظريفة صنّفها معارضا للأوائل فى كتبهم بما لا يستصو به منهم، حتى قيل له «بزرجمهر الإسلام» وقال يمدح رجلا: عدوّ تلاد المال فيما ينوبه ... منوع إذا ما منعه كان أحزما مذلل نفس قد أبت غير أن ترى ... مكاره ما تأتى من العيش مغنما وهذا نظير قوله في كتاب «ثعلة وعفرة» الذى عارض به كليلة ودمنة: اجعلوا أداء ما يجب عليكم من الحقوق مقدّما قبل الذى تجودون به من تفضّلكم؛ فإن تقديم النافلة مع الإبطاء عن الفريضة مظاهر على وهن العقيدة، وتقصير الرويّة، ومضرّ بالتدبير، مخلّ بالاختيار، وليس في نفع محمدته عوض من فساد المروءة ولزوم النقيصة. وكتابه هذا مملوء حكما وعلما. وسهل القائل: تقسّمنى همّان قد كسفا بالى ... وقد تركا قلبى محلّة بلبال هما أذريا دمعى، ولم تذر عبرتى ... رهينة خدر ذات سمط وخلخال ولا قهوة لم يبق منها على المدى ... سوى أن تحاكى النور في رأس ذيال تحلّل منها جرمها وتماسكت ... لها نفس معدوم على الزمن الخالى

стр. 597

ولكنما أبكى بعين سخينة ... على حدث تبكى له عين أمثالى فراق خليل لا يقوم به الأسى ... وخلّة حرّ لا يقوم لها مالى فوا حسرتى حتّى متى القلب موجع ... لفقد خليل أو تعذر إفضال وما الفضل إلا أن تجود بنائل ... وإلا لقاء الخلّ ذى الخلق العالى وهو القائل: إذا امرؤ ضاق عنى لم يضق خلقى ... من أن يرانى غنيّا عنه بالياس لا أطلب المال كى أغنى بفضلته ... ما كان مطلبه فقرا إلى الناس وأنشد له الجاحظ يهجو رجلا: من كان يعمر ما شادت أوائله ... فأنت تعمر ما شادوا وما سمكوا ما كان في الحق أن تحوى فعالهم ... وأنت تحوى من الميراث ما تركوا وقال محمد بن زياد الزيادى: وجدت «١» على سهل بن هرون في بعض الأمر، فهجوته، فكتب إلىّ: أما بعد فالسلام على عهدك وداع ذى ضنّ بك، فى غير مقلية لك «٢» ، ولا سلوة عنك، بل استسلام للبلوى في أمرك، وإقرار بالمعجزة فى استعطافك، إلى أوان فيئتك «٣» ، أو يجعل الله لنا دولة من رجعتك، والسلام. وكتب في أسفل الكتاب: إن تعف عن عبدك المسىء ففى ... عفوك مأوى للفضل والمنن أتيت ما أستحقّ من خطإ ... فجد بما تستحق من حسن [من عظات الحسن البصرى] وقال الحسن البصرى ﵀ في يوم [فطر] وقد رأى الناس وهيآتهم: إنّ الله ﵎ جعل رمضان مضمارا لخلقه، يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا، فالعجب من الضاحك اللاعب

стр. 598

فى اليوم الذى يفوز فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون، أما والله لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه ومسىء بإساءته. ونظر إلى قوم منصرفين من صلاة الفطر يتدافعون ويتضاحكون، فقال: الله المستعان! إن كان هؤلاء قد تقرّر عندهم أن صومهم قد تقبّل فما هذا محلّ الشاكرين، وإن علموا أنه لم يتقبل فما هذا محلّ الخائبين. وكان الحسن من الخطباء النّساك الفقهاء الأجواد، ويقال: إنه لم يكن تابعىّ أفضل منه. هذا قول أهل العراق جميعا، وأهل الحجاز يقدمون سعيد بن المسيب عليه، وكان سعيد أحسن من الحسن ورعا، وأشدّ الناس حذرا، وأقلهم كلاما. وكان الحسن لا يدع أن يتكلّم بما هجس في نفسه، وجاش في صدره. وعلى ذكر الحسن شهر رمضان نقول: ألفاظ لأهل العصر، فى التهنئة بإقبال شهر رمضان مع ما يتصل بها من الأدعية ساق الله تعالى إليك سعادة إهلاله، وعرّفك بركة كماله. قسم الله لك من فضله، ووفّقك لفرضه ونفله. لقّاك الله ما ترجوه، ورقاك إلى ما تحبّه فيما تتلوه. جعل الله ما أظلّك من هذا الصوم مقرونا بأفضل القبول، مؤذنا بدرك البغية ونجح المأمول، ولا أخلاك من برّ مرفوع، ودعاء مسموع. قابل الله تعالى بالقبول صيامك، وبعظيم المثوبة تهجّدك وقيامك. عرّفك الله من بركاته ما يربى على عدد الصائمين والقائمين، ووفّقك الله تعالى لتحصيل أجر المتهجّدين. أسأل الله تعالى أن يضاعفه بمنه لك، ويجعله وسيلة بقبوله إلى مرضاته عنك. أعاد الله إلى مولاى أمثاله، وتقبّل فيه أعماله، وأصلح في الدين والدنيا أحواله، وبلغه منها آماله. أسعده الله بهذا الشهر، ووفاه فيه أجزل المثوبة والأجر، ووفّر حظّه من كل ما يرتفع من دعاء الدّاعين، وينزل من ثواب العاملين،

стр. 599

وقبل مساعيه وزكاها، ورفع درجاته وأعلاها، وبلّغه من الآمال منتهاها، وظفر بأبعدها وأقصاها. وقال الحسن: من أخلاق المؤمن قوة في دين، وحزم في لين، وحرص على العلم، وقناعة في فقر، ورحمة للمجهود، وإعطاء في حق، وبرّ في استقامة، وفقه في يقين، وكسب في حلال. وقال محمد بن سليمان لأبى السماك: بلغنى عنك شىء، قال: لا أباليه، قال: ولم؟ قال: لأنه إن كان حقّا غفرته، وإن كان باطلا كذبته. وقال محمد بن صبيح المعروف بابن السماك: خير الإخوان أفلّهم مصانعة في النصيحة، وخير الأعمال أحلاها عاقبة، وخير الثناء ما كان على أفواه الأخيار، وأشرف السلطان ما لم يخالطه البطر، وأغنى الأغنياء من لم يكن للحرص أسيرا، وخير الإخوان من لم يخاصم، وخير الأخلاق أعونها على الورع، وإنما يختبرودّ الرجال عند الفاقة والحاجة. ووصف بعض البلغاء رجلا فقال: إنه بسيط الكف، رحب الصّدر، موطّأ الأكناف، سهل الخلق، كريم الطباع، غيث مغيث، وبحر زخور، ضحوك السنّ، بشير الوجه، بادى القبول، غير عبوس، يستقبلك بطلاقة، ويحييّك ببشر، ويستدبرك بكرم غيب، وجميل سرّ، تبهجك طلاقته، ويرضيك بشره، ضحّاك على مائدته، عبد لضيفانه، غير ملاحظ لأكيله، بطين من العقل، خميص من الجهل، راجح الحلم، ثاقب الرّأى، طيّب الخلق، محصّن الضريبة، معطاء غير سائل، كاس من كل مكرمة، عار من كلّ ملامة، إن سئل بذل، وإن قال فعل. قال أبو الفتح كشاجم: مزاجك للمثنى من العود والصّبا ... من الرّيح والصافى الرقيق من الخمر فلو كنت وردا كنت وردا مضاعفا ... ولو كنت طيبا كنت من عنبر الشّحر

стр. 600

ولو كنت لحنا كنت تأليف معبد ... ولو كنت عودا ما افتقرت إلى زمر وقال أعرابى: ألا حبّذا البرد الذى تلبسينه ... ويا حبذا من باعك البرد من تجر «١» فلو كنت ماء كنت ماء غمامة ... ولو كنت درّا كنت من درّة بكر ولو كنت لهوا كنت تعليل ساعة ... ولو كنت نوما كنت إغفاءة الفجر ولو كنت ليلا كنت قمراء جنّبت ... نحوس ليالى الشّهر أو ليلة القدر تم- بحمد الله تعالى ومعونته- تحقيق الجزء الثانى من «زهر الآداب: وثمر الألباب» لأبى إسحاق الحصرى. ويليه- إن شاء واهب التوفيق والسّداد، ورازق القدرة والعون- الجزء الثالث مفتتحا ب «نبذ من ألفاظ بلغاء العصر تجرى في المدح مجرى الأمثال؛ لحسن استعاراتها، وبراعة تشبيهاتها» . نسأله- سبحانه- أن يعين على إكماله بمنّه وفضله، آمين.

стр. 601

فهرس الجزء الثانى من كتاب «زهر الآداب، وثمر الألباب» لأبى إسحاق الحصرى ص الموضوع ٣٤١ ألفاظ لأهل العصر في وصف الطعام، ومقدماته، وموائده، وآلاته ٣٤٢ من شعر ابن الرومى في وصف طعام ٣٤٣ مقامة لبديع الزمان في وصف الطعام ٣٤٥ لعلى ابن يحيى المنجم - لابن الرومى يصف اللوزينج ٣٤٧ نهم ابن الرومى وحبه للسمك ٣٤٨ من الناجم إلى ابن الرومى - لابن الرومى يصف العنب الرازقى ٣٤٩ ألفاظ لأهل العصر في وصف الفواكه والثمار ٣٥٠ بعض ما جاء في وصف الليل - لأعرابى يصف ليل لقاء - لأعرابى يصف وفاء الصحبة - لجرير يصف يوم صيد ٣٥١ لإبراهيم بن العباس يصف قصر الليل - للأصبهانى يصف يوم لهو - لابن المعتز يصف ليل سرور - بين الرشيد وعبد الملك بن صالح ٣٥٢ لأبى تمام - للخاتمى - لأهل العصر ٣٥٣ سعيد بن هريم وصلته بالفضل بن سهل للتميمى يمدح الفضل بن سهل - لإبراهيم بن العباس فيه ٣٥٤ لابن الرومى يمدح إبراهيم بن المدبر - لابن الرومى يمدح ابن طاهر من ترجمة الفضل بن سهل ٣٥٥ مختارات من كلام الفضل بن سهل - من محمد بن على إلى محمد بن يحيى - جواب محمد يحيى بن خالد ٣٥٦ رجل يريد أن ينصح المهدى - توقيعات للفضل بن سهل ٣٥٧ بعض أوصاف الخيل - ابن القرية يصف فرسا - لعبد الله بن طاهر - رجل يريد شراء فرس - لمحمد بن الحسن بن الحرون ٣٥٨ أبيات لتأبط شرا - لعقبة بن سنان يصف خيلا أهداها عمرو بن العاص إلى معاوية بن أبى سفيان ٣٥٩ للنابعة الجعدى - لبعض العرب - لأعرابى - لأعرابى آخر ٣٦٠ أعرابى يصف خيل بنى يربوع

стр. 602

لأبى تمام يصف فرسا ٣٦١ للبحترى يصف فرسا ٣٦٢ لإسحاق بن خلف يصف فرس أبى دلف - لأبى الفتح كشاجم - لابن المعتز ٣٦٣ لأبى الفتح - لابن المعتز - لأعرابى مولد - لابن المعتز أيضا ٣٦٤ لعلى بن محمد الإيادى - لأبى العباس الناشىء ٣٦٥ لأبى منصور الثعالبى - لابن هانى يصف خيل المعز - وله يصف فرسا لجعفر بن على بن حمدون ٣٦٦ وله يصف فرس إبراهيم بن جعفر ابن على ٣٦٧ لعلى بن محمد الإيادى يصف فرس جعفر بن القاثم ٣٦٨ لأبى الطيب المتنبى ٣٦٩ مقامة لبديع الزمان فيها وصف فرس ٣٧٣ قولهم في الوعد ومنزلة إنجازه - بين أبى القاسم المسعودى وعيسى ابن موسى - بين منصور بن زياد ويحيى بن خالد - بين المهدى وابن دأب ٣٧٤ لابى قابوس يمدح يحيى بن خالد - لأبى الطيب المتنبى - لأبى على البصير في الفضل بن يحيى - لابن الرومى ٣٧٥ من عرف قدر النعمة استدامها - بين سليمان بن عبد الملك وحاجبه - بين يونّس بن المختار وحاجب المامون - بين رجل والمعلى بن أيوب - بين المنصور والحارث بن حسان ٣٧٦ بين المأمون وعبد الله بن طاهر - لأبى نواس في هذا المعنى - للناشىء يعارض أبا نواس - لابن الرومى ٣٧٧ ألفاظ لأهل العصر في العجز عن الشكر ٣٧٨ لأبى الفتح البستى - بين أبى العتاهية وعمر بن العلاء ٣٨٠ من أخبار أبى العتاهية - ولوعه بعتبة ٣٨١ المهدى يضرب أبا العتاهية مائة سوط ٣٨٢ من شعر أبى العتاهية في عتبة بين المهدى وأبى العتاهية ٣٨٣ الرشيد يحبس أبا العتاهية لترك الشعر ٣٨٤ بشار يمدح عمر بن العلاء ٣٨٥ لأبى سعيد المخزومى في معنى بشار - لأبى الطيب المتنبى ٣٨٦ لابن هانى ٣٨٧ رجع إلى عمر بن العلاء - بينه وبين أبى العتاهية ٣٨٩ للمتنبى في أبى العشائر الحمدانى - لأبى العتاهية في الزهد - لأبى نواس ٣٨٨ ألفاظ لأهل العصر في الشكر بدلالة الحال

стр. 603

٣٨٩ لأبى الفضل الميكالى ٣٨٩ لأبى الفتح البستى ٣٩٠ بين نصيب والفرزدق ٣٩١ لسحيم عبد بنى الحساس - للمتنبى - بين أبى تمام وابن الزيات ٣٩٣ لابن الزيات يمدح الحسن بن سهل - لأبى تمام يمدح ابن أبى دواد ٣٩٥ من أخبار ابن أبى دواد - غلوه في التعصب لإياد - علمه، وعداوته لابن الزيات - أصله ٣٩٦ غضبه على أبى تمام، ثم رضاه عنه ٣٩٧ بين ابن أبى دواد والحاجب أبى منصور - من براعة خالد بن عبد الله القسرى ٣٩٨ اعتذار أبى تمام للمعتصم عن سابق مدحه للأفشين ٣٩٩ المنافقون في عهد النبى ﷺ - عبد الله بن أبى سرح - المختار بن أبى عبيد الخارجى - بين أمية بن خالد بن أسيد وعبد الله بن الأهتم ٤٠٠ فصل في غرائب التكاتب - من حمدون ابن نهران لعامل عزل عن عمله - من ابن مكرم لنصرانى أسلم - بعض ما يحسن تركه وإن كان حلالا ٤٠١ ما يقال لمن تزوجت أمه ٤٠٢ من ابن العميد لمن تزوجت أمه ٤٠٣ ألفاظ لأهل العصر في التهانى بالبنات ٤٠٤ بعض ما لا يمدح به النساء - لابن الرومى - للمتنبى - رجل يمدح زبيدة أم الأمين - لكثير عرة ٤٠٥ عزة تفضل الأحوص على كثير ٤٠٧ من الأمانى - لأبى صخر الهذلى - لمسلم بن الوليد - لآخر ٤٠٨ بعض أخبار كثير عرة - حمقه - كان رافضيا - بين كثير وعبد الملك بن مروان ٤٠٩ لقيس بن الملوح - من جيد شعر كثير ٤١١ قول العرب في الطول أو القصر - لشاعر قديم، وأنشده أحمد بن عبيد الله ٤١٢ لابن الرومى - لعنترة العيسى ٤١٣ لأبى نواس - عود إلى أخبار كثيرة عزة - كثير عند عبد العزيز بن مروان وهو مريض - نقد سلام الجمحى لشعر كثير

стр. 604

٤١٤ فصول قصار - من كلام قابوس بن وشمكير ٤١٥ للثعالبى يصف شمس المعالى قابوسا ٤١٦ للميكالى يمدح قابوسا ٤١٧ من رسائل بديع الزمان إلى قابوس ٤١٩ من أخبار البرامكة ٤٢٠ ثمامة بن أشرس يصف جعفر بن يحيى - سهل بن هرون يصف يحيى وابنه جعفرا - توقيع لجعفر بن يحيى ٤٢١ بين جعفر بن يحيى ومروان بن أبى حفصة ٤٢٢ من قصيدة لزهير بن أبى سلمى - تعليق على هذه القصيدة لقدامة بن جعفر ٤٢٣ لمحمد بن مناذر في البرامكة - مثل من التجنيس لأبى الفضل الميكالى ٤٢٦ لأبى الفتح البستى في هذا المذهب ٤٢٨ فقر في ذكر العلم والعلماء ٤٣٠ استعارات فقهية تليق بهذا المكان - بين أبى تمام وابن أبى دواد - بين طاهر بن عبد الله وابن أبى تمام ٤٣١ ولاية طاهر بن عبد الله بن طاهر خراسان وسببها ٤٣٢ بين ابن ثوابة وابن الرومى - بين المعتصم وأبى تمام - لأبى الفضل الميكالى ٤٣٣ لأبى الفتح كشاجم - لبديع الزمان الهمذانى ٤٣٥ أبو على البصير، وشىء من أذبه - بينه وبين بعض الطالبيين - بينه وبين بعض الرؤساء ٤٢٥ من شعره ٤٣٦ من شعر الفتح بن خاقان - كتاب منه إلى عبيد الله بن يحيى ٤٣٧ مما يبعث على الرحيل - من الوصايا لمن اعتزم السفر ٤٣٧ فقر في مدح السفر - فى ذم السفر والغربة ٤٣٨ بين المهدى وأبى عبيد الله - بين المأمون والفضل بن الربيع - بين المنصور وأبى مسلم الخراسانى ٤٤١ جملة في الأوصاف من شعر كشاجم ٤٤٤ الصابى يهدى اسطرلابا لعضد الدولة ويبعث معه بشعر ٤٤٥ من أوصاف النساء - لابن الرومى - لبعض الشعراء يصف العلم - قلب المعنى ليس بسرقة - لشاعر يصف نساء بالعبالة ٤٤٨ من المعانى ما لا ينقلب - بعض ما أخذ على أبى نواس ٤٤٩ قطعة من شعر أهل العصر في ذكر النجوم - لأبى الفتح البستى ٤٥١ لابن درست - لمسكويه - للخوارزمى - للصولى ٤٥٢ لابن المعتز ٤١٨ الأصمعى وبعض الأعراب

стр. 605

٤٥٤ فقر من كلام الأعراب في ضروب مختلفة ٤٦٠ لامرأة من العرب ترثى ابنها ٤٦١ لأعرابى يمدح رجلا ٤٦٤ بعض أخبار أبى نواس ٤٦٥ للحسن بن وكيع، وقد أخذه من أبى نواس ٤٦٦ ضرب من الرياء ٤٦٨ من خمريات أبى نواس ٤٦٩ من أخبار بشار بن برد - احتذاء أبى نواس على مثال بشار ٤٢٥ المهدى يأمر بشارا بترك الغزل ٤٧٠ من شعر بشار في الغزل ٤٧١ لعلى بن الجهم، وأخذه من بشار ٤٧٢ منزلة شعر بشار ومقداره - ولاء بشار ٤٧٣ من أخبار أبى حذيفة واصل بن عطاء - عود إلى أخبار بشار ٤٧٦ كلمات مأثورة - فقر في مساوئ الكذب لغير واحد ٤٧٨ جزاء الشكر - بين الحسن بن سهل والمأمون - من خطب النكاح: - خطبة للمأمون - ما يستحب من الخاطب والمخطوب إليه ٤٧٩ الكتب والأقلام والخط ٤٤٥ لابن المعتز - وله في القاسم بن عبيد الله ٤٨٠ لبعض البلغاء - للمتنبى - لابن المعتز - مفاخرة بين صاحب سيف وصاحب قلم - للمتنبى - للنوبختى ٤٨١ لابن الرومى - للبستى - لطلحة بن عبيد الله - لمحمود الأصبهانى ٤٨٢ لأحمد بن جدار - لأبى تمام - لتميم بن المعز الفاطمى ٤٨٣ الصدق في النصيحة. - بين أحمد بن يوسف وغسان بن عباد - من ترجمة أحمد بن يوسف العجلى ٤٨٦ ألفاظ لأهل العصر في ذم المغنين ٤٥٢ عود إلى أحمد بن يوسف العجلى ٤٨٦ ألفاظ لأهل العصر، فى صفات الثقلاء ٤٩١ من ترجمة جحظة البرمكى ومن شعره ٤٩٢ السكاكين - بين أحمد بن يوسف والمأمون ٤٩٤ لأبى الفتح كشاجم يصف سكينا سرقت منه

стр. 606

٤٩٤ ألفاظ لأهل العصر في صفات السكاكين ٤٩٥ السمر والمنادمة - بين محمد بن أنس والقاسم بن صبيح - شرط المنادمة ٤٩٦ بين اليزيدى والمأمون - بين كوران المغنى والشريف الرضى - بين أحمد بن جدار وعمر بن أيوب ٤٩٧ من إسحاق الموصلى إلى بعض الجلة - من السرى الموصلى إلى أخ له يستدعيه ٤٩٨ لابن المعتز - للحسن بن محمد الكاتب ٤٩٩ من ألفاظ أهل العصر، فى الاستدعاء - ولهم في استدعاء الشراب ٥٠٠ ولهم في الكناية عن الشراب - من الحسن بن سهل إلى الحسن بن وهب - من الحسن بن وهب إلى الحسن بن سهل - لكشاجم ٥٠١ فقر للنبيذيين ٥٠٣ من ألفاظ أهل العصر في صفات مجالس الأنس ٥٠٥ من شعر أبى نواس، وهو أستاذ هذا الشأن ٥٠٨ من رسائل بديع الزمان الهمذانى - تعزية منه إلى أبى عامر عدنان بن عامر الضبى. ٥٠٩ منه لبعض إخوانه جوابا عن كتاب ٥١٠ مما كتبه في سياقة أخباره مع أبى بكر الخوارزمى ٥١٥ كتاب منه لرئيس هراة ٥١٦ كتاب منه للامام سهل بن محمد ٥١٧ كتاب منه للاسماعيلى ٥١٨ المقامة الفزارية للبديع ٥٢٠ بين شاعر وعبد الله بن الزبير ٥٢١ فرس ابن الزيات - المزاح - بين الحجاج وابن القرية ٥٢٢ خالد بن صفوان يذكر مساوى المزاح - للوراق في مساوى المزاح - فقر في هذا النحو لأهل العصر ٥٢٣ الطيرة والزجر - لأبى حية النميرى في التفاؤل - مما ينسب لذى الرمة ٥٢٤ عادة الجاهلية والنهى عنها - للكميت بن زيد الأسدى - لشاعر قديم ٥٢٥ لابن كناسة - بين كثير عزة ورجل نهدى - لجرير - لعوف الراهب ٥٢٦ لأبى الشيص - ابن الرومى كان شديد الطيرة، وبعض أخباره في ذلك ٥٢٧ الفرق بين الطيرة والفأل ٥٢٨ من ابن الرومى للقاسم بن عبيد الله - ابن الرومى يرثى ابنة المسيبى ٥٢٩ وله يعزى على بن يحيى في ابنته

стр. 607

٥٣٩ الرغبة في موت البنات - لعبد الله بن عبد الله بن طاهر - لعقيل بن علفة - لابن خلف البهرانى ٥٣٠ عود إلى تطير ابن الرومى - بينه وبين أبى الحسن الأخفش ٥٣٢ من آثار تطير ابن الرومى ٥٣٤ من ابن الرومى إلى ابن ثوابة في التطير ٥٣٦ من مليح العيافة والزجر - أبو نواس وبعض أصحابه - لأبى تمام ٥٣٧ أحمد بن المدبر والجمل الشاعر المصرى - لأبى الفضل الميكالى في أهل مرو ٥٣٨ عبد الوهاب الثقفى يصف رجلا يرتاح إليه - ابن أبى داود والجاحظ ٥٣٩ بين الجاحظ وابن الزيات ٥٤٠ من كلام على ﵁ في أعجب ما في الإنسان ٥٤١ لعبد الرحمن بن حسان - لمحمد بن حازم الباهلى - للجاحظ في ابن الزيات - الجاحظ ورجل من البرامكة ٥٤٣ المقامة الجاحظية للبديع ٥٤٤ من كلام الملوك: - من كلام أردشير بن بابك ٥٤٥ من كلام بزرجمهر - من كلام أنو شروان - من رسائل الميكالى: - كتاب منه للثعالبى ٥١١ كتاب منه للثعالبى ٥٤٦ كتاب منه إلى أبيه - كتاب منه يستفتح به مكاتبة أخ ٥٤٧ فقر من كلامه في أثناء رسائل شتى ٥٤٩ قطعة من شعره في تجنيس القوافى ٥١٥ لأبى الفتح البستى - أدب الحاجب - بين مالك وحاجبه ٥٥٠ وصية المهدى للفضل بن الربيع - للحسن بن سهل - لبعض البلغاء - بين سعيد بن عبد الملك وعبيد الله بن سليمان ٥٥١ لأبى السمط بن أبى حفصة - لمروان بن أبى حفصة - لإدريس بن أبى حفصة - لعمرو بن شاس الأسدى ٥٥٢ للقطامى في ضياء الوجوه والأحساب - للقينى - للحطيئة - للقاسم بن حنبل المدنى ٥٥٣ للوضاح التيمى - حث الاشتياق - لعمر بن أبى ربيعة - مما أنشده إسحاق الموصلى ٥٥٤ لإسحاق الموصلى - لأبى نواس - لمخلد بن بكار الموصلى ٥٥٥ جودة الخط - صفة الخط الجيد لبعض الكتاب

стр. 608

٥٢١ وراق يصف عيشه ٥٥٦ لإسماعيل الحمدونى - حرفة الأدب - لبعض الشعراء - للخريمى ٥٥٧ لعلى بن محمد بن بسام - رزق الحمقى والعقلاء - لابن الرومى - لجعفر بن محمد - للنظام - بعض أخبار النظام وكلامه ٥٥٨ أفكار الوراقين ٥٥٩ أطيب اللذات عند الشعراء - امرىء القيس - الأعشى - طرفة - أبى دلف - حميد الطوسى والشعر لطرفة ٥٦٠ يزيد بن عبيد الله - من شعر الأضبط بن قريع ٥٦١ من أخبار الأضبط بن قريع - وصف المحابر والأقلام: - لبعض الكتاب يصف محبرة - لأبى الفتح كشاجم ٥٦٢ ألفاظ لأهل العصر، فى أوصاف آلات الكتابة والدوى ٥٦٣ أبو الفتح كشاجم يصف آلات الكتابة ٥٦٤ عمال المأمون ٥٦٥ وصف الورد والنرجس: ٥٦٨ لابن الرومى - لبعض المحدثين - عود لابن الرومى ٥٦٦ أحمد بن يونس الكاتب يرد على ابن الرومى ٥٦٧ نبذ من النظم والنثر في صفات النور والزهر - لعلى بن الجهم - لمحمد بن عبد الله بن طاهر - المتوكل وابن الضحاك ٥٦٩ ظبى يأكل نيلوفرا - وصف أيام الربيع: - لابن وكيع ٥٧٠ لأبى الفتح البستى - لأبى الفضل الميكالى ٥٧٢ للبحترى - فى مجلس المبرد ٥٧٣ للبحترى في المدح ٥٧٤ لابن المعتز يذم الصبوح ٥٧٥ لأبى الفتح كشاجم ٥٧٦ جملة من هذا النوع لأهل العصر - لأبى فراس الحمدانى - لابن هانىء يصف زهرة رمان ٥٧٧ قطع نثرية لهم في هذا المعنى ٥٧٨ ولهم أيضا في وصف الربيع ٥٧٩ الربيع والرفاق - الصوم في الربيع - يوم الشك ٥٨٠ من بديع الزمان الهمذانى لبعض أهل همذان

стр. 609

٥٤٦ لابن العميد ٥٨١ عواقب الطيش - طاهر بن الحسين يصف الأمين - الأمين والمأمون ٥٨٢ الأمين يصف طاهر بن الحسين ٥٨٣ الفضل بن الربيع وابنه وأبوه - بيعة المهدى ٥٨٤ وقت كلام الملوك - من كلام الفضل بن الربيع - بين المأمون والفضل بن الربيع ٥٨٥ بين المنصور والربيع ٥٨٦ لأبى تمام يمدح ابن الزيات - سهل بن هارون والرشيد - من شعر الفضل بن الربيع ٥٨٧ بين ابن خاقان وأبى العيناء وصف دابة ٥٨٨ قطعة من رسالة من إنشاء أبى الخطاب الصابى ٥٩٠ الحمدونى وشاة سعيد بن أحمد ٥٩١ الحمدونى وطيلسان ابن حرب ٥٩٤ المأمون والحسن بن رجاء - بديهة المبرد - المبرد عند المتوكل ٥٩٥ أدب أبى العباس المبرد - بين المبرد وابن المعتز - فى المدح: - لأعرابى - لابن المعتز - للأخطل - لابن هرمة ٥٩٦ لأبى تمام - لعصابة الجرجانى في الحسن بن رجاء - بين جميل بن معمر وعمر بن أبى ربيعة ٥٩٨ من شعر العرجى - نسب العرجى، وبعض أخباره ٥٩٩ جمله من الفصول القصار لابن المعتز ٦٠١ من ابن العميد إلى بعض إخوانه ٦٠٣ من بديع ما قيل في العتاب: - لسعيد بن حميد ٦٠٤ لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر - من كلام الأعراب ٦٠٥ المقامة البلخية لبديع الزمان ٦٠٦ كتاب من بديع الزمان لأبى نصر الميكالى يشكو إليه خليفته بهراة ٦٠٧ من البديع للميكالى يعاتبه ٦٠٨ بين المأمون وإبراهيم بن المهدى ٦١٠ بين المأمون وإسحاق بن العباس - رجل يستعطف بعض الملوك - بين معاوية وروح بن زنباع ٦١١ عفو الملوك: - المأمون وبعض خاصته - بعض ملوك فارس وطباخه - بهرام جور وراع ٦١٢ من شعر ابن الرومى ٦١٣ من اعتذارات بديع الزمان ٦١٥ فقر من كلام سهل بن هارون للمامون

стр. 610

٦١٦ من ترجمة سهل بن هارون وأخباره ٦١٧ من عظات الحسن البصرى ٦١٨ ألفاظ لأهل العصر في التهنئة بإقبال شهر رمضان. ٦١٩ أخلاق المؤمن - خير الإخوان - وصف رجل - لأبى الفتح كشاجم ٦٢٠ لأعرابى تمت فهرس الجزء الثانى من زهر الآداب للحصرى، والحمد لله أولا وآخرا وصلاته وسلامه على سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه

стр. 611

الجزء الثالث نبذ من ألفاظ بلغاء أهل العصر تجرى فى المدح مجرى الأمثال؛ لحسن استعارتها، وبراعة تشبيهاتها فلان مسترضع ثدى المجد، مفترش حجر الفضل، له صدر تضيق به الدّهناء، وتفزع إليه الدّهماء، له فى كل مكرمة غرّة الإصباح «١» ، وفى كل فضيلة قادمة الجناح «٢» ، له صورة تستنطق الأفواه بالتسبيح، ويترقرق فيها ماء الكرم، وتقرأ فيها صحيفة حسن البشر، تحيا القلوب بلقائه، قبل أن يميت الفقر بعطائه، له خلق لو مزج به البحر لنفى ملوحته، وكفى كدورته. هو غذاء الحياة، ونسيم العشق، ومادّة الفضل، آراؤه سكا كين فى مفاصل الخطوب، له همّة تعزل السماك الأعزل، وتجرّ ذيلها على المجرّة، هو راجح فى موازين العقل، سابق فى ميادين الفضل، يفترع أبكار المكارم، ويرفع منار المحاسن. ينابيع الجود تتفجّر من أنامله، وربيع السماء يضحك من فواضله. هو بيت القصيدة، وأول الجريدة، وعين الكتيبة، وواسطة القلادة، وإنسان الحدقة، ودرّة التاج، ونقش الفصّ! وهو ملح الأرض، ودرع الملّة، ولسان الشريعة، وحصن الأمة. هو غرّة الدّهر والزمان، وناظر الإيمان. له أخلاق خلقن من الفضل، وشيم تشام منها بوارق المجد «٣» ، أرج الزمان بفضله، وعقم النساء عن الإتيان بمثله. الجميل لديه معتاد، والفضل منه مبدوء ومعاد، ماله للعفاة «٤» مباح، وفعاله فى ظلمة الدهر مصباح، كأن قلبه عين، وكأن جسمه سمع، يرى بأوّل رأيه آخر الأمر، جوهر من جواهر الشرف لا من جواهر الصّدف، وياقوتة من يواقيت الأحرار

стр. 612

لا يواقيت الأحجار، طلعته للبشاشة عليها ديباجة خسروانيّة، وفيها للطلاقة روضة ربيعية. وجه كأن بشرته نشر البشر، ومواجهته أمان من الدّهر. يصل ببشره، قبل أن يصل ببرّه، قد لحظت من وجهه الأنوار، ومن بنانه النّوار. أنا من كرم عشرته، وطلاقة أسرّته، فى روضة وغدير، وجنّة وحرير، وهو بحر من العلم ممدود بسبعة أبحر، ويومه من يوم الأدب كعمر سبعة أنسر. العلم حشو ثيابه، والأدب ملء إهابه. هو شخص الأدب مائلا، ولسان العلم قائلا. شجرة فضل عودها أدب، وأغصانها علم، وثمرتها عقل، وعروقها سرو، تسقيها سماء الحريّة، وتغدّيها أرض المروءة. هم ملح الأرض إذا فسدت، وعمارة الأرض إذا خربت، ومعرض الأيام إذا احتشدت؛ وهم جمال الأيام، وخواصّ الأنام، وفرسان الكلام، وفلاسفة الإسلام. فلان غصن طبعه نضير، ليس له فى مجده نظير، قد جمع الحفظ الغزير، والفهم الصحيح، والأدب القوىّ القويم، وما يؤنسه من الوحشة إلا الدفاتر، ولا يصحبه فى الوحدة إلّا المحابر. فلان يحلّ دقائق الأشكال، ويزيل معترض الإشكال. له خلق كنسيم الأسحار، على صفحات الأنوار. كالماء صفاء، والمسك ذكاء. أخلاق قد جمعت المروءة أطرافها، وحرست الحرية أكنافها. أخلاق تجمع الأهواء المتفرّقة على محبته، وتؤلّف الآراء المتشتّتة على مودّته. أخلاق أعذب من ماء الغمام، وأحلى من ريق النّحل، وأطيب من زمان الورد. أخلاق أحسن من الدرّ والعقيان، فى نحور الحسان، وأذكى من حركات الروح والرّيحان. فلان يستحطّ القمر «١» بطرفه، ويستنزل النّجم بلطفه «٢» . هو خلو المذاق، سهل المساغ. أجمل الناس فى جدّ، وأحلاهم فى هزل. يتصرّف مع القلوب، كتصرّف السحاب مع الجنوب. ذو جد كعلوّ الجدّ «٣» ، وهزل كحديقة الورد. له عشرة ماؤها يقطر، وصحوها من

стр. 613

الغضارة يمطر «١» . هو ريحانة على القدح، وذريعة إلى الفرح. عشرته ألطف من نسيم الشمال، على أديم الزّلال، وألصق بالقلب، من علائق الحب. إذا أردت فهو سبحة ناسك، أو أحببت فهو تفّاحة فاتك، أو اقترحت فهو مدرعة راهب، أو آثرت فهو نخبة شارب. أخباره زكيّة، وآثاره ذكية. أخباره تأتينا كما وشى بالمسك ريّاه، ونمّ على الصباح محيّاه. قد انتشر من طيب أخباره مازاد على المسك الفتيق، وأوفى على الزّهر الأنيق. مناقب تشدخ فى جبينها غرّة الصباح، وتتهادى أنباءها وفود الرياح. فلان أخباره آثاره، وعينه فراره «٢» ، قد حصل له من حميد الذكر، وجميل النّشر، ما لا تزال الرواة تدرسه، والتواريخ تحرسه. سألت عن أخباره فكأنى حرّكت المسك فتيقا، أو صبّحت الروض أنيقا. أخباره متضوعة كتضوّع المسك الأذفر، ومشرقة إشراق الفجر الأنور. أحببته بالخبر، قبل الأثر، وبالوصف قبل الكشف. هو ممن يثقل ميزان ودّه، ويحصف ميثاق عهده. هو كريم العهد، صحيح العقد، سليم الصّدر فى الودّ، حميد الورد فيه والصدر. هو لإخوانه عدّة تشدّهم وتقويهم، ونور يسعى بين أيديهم. هو ركن الإخاء، صافى شرب الوفاء، حافظ على الغيب ما يحفظه على اللقاء. هو ممن لا تدوم المداهنة فى عرصات قلبه، ولا تحوم المواربة على جنبات صدره. هو يسرى إلى كرم العهد، فى ضياء من الرّشد. عهده نقش فى صخر، وودّه نسب ملآن من فخر. يقبل من إخوانه العفو، كما يوليهم من إحسانه الصّفو. فى ودّه غنى للطالب، وكفاية للراغب، ومراد للصّحب، وزاد للركب. هو فى حبل الوفاء حاطب، وعلى فرض الإخاء مواظب. النّجح معقود فى نواصى آرائه، واليمن معتاد فى مذاهب أنحائه. له الرّأى. الثاقب الذى تخفى مكايده، وتظهر عوائده، والتدبير النافذ الذى تنجع مباديه، وتبهج تواليه. رأى

стр. 614

كالسّهم أصاب غرّة الهدف، ودهاء كالبحر فى بعد الغور وقرب المغترف، لا يضع رأيه إلا مواضع الأصالة، ولا يصرف تدبيره إلّا على مواقع السداد والإصابة. يعرف من مبادىء الأقوال خواتم الأفعال، ومن صدور الأمور أعجاز ما فى الصدور. رؤيته رأى صليت، وبديهته قدر مصيب. يسافر رأيه وهودان لم يبرح، ويسير تدبيره وهوثاو لم ينزح. له رأى لا يخطىء شاكلة الصّواب، [ولا يخشى بادرة العثار. فلان يخمّر الرأى ويحيله، ويجيد الفكر ويجيله، حتى يحصل على لب الصواب] ، ومحض الرأى. إذا أذكى سراج الفكر، أضاء ظلام الأمر، هو قطب صواب تدور به الأمور، ومستنبط صلاح يردّ إليه التدبير. يرى العواقب فى مرآة عقله، وبصيرة ذكائه وفضله. وله رأى يردّ الخطب مصلّما، والرمح مقلّما. [آراؤه سكاكين فى مفاصل الخطوب] ، كأنه ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق، ويطالعه بعين السّداد والتوفيق. يستنبط حقائق القلوب، ويستخرج ودائع الغيوب. فد سرينا من مشورته فى ضياء ساطع، ومن رأيه الصائب فى حكم قاطع. نبذ من مفردات الأبيات فى فرائد المدح أبو نواس: وكلت بالدهر عينا غير نائمة ... من جود كفيك تأسو كلّما جرحا الطائى: فلو صوّرت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباع البحترى: ولو لم يكن فى كفّه غير نفسه ... لجاد بها فليتّق الله سائله وله: ولم أر أمثال الرجال تفاوتوا ... لدى المجد حتى عدّ ألف بواحد

стр. 615

كشاجم: عرف الفاضلون فضلك بالعل ... م وقال الجهّال بالتقليد المتنبى: شخص الأنام إلى كمالك فاستعذ ... من شرّ أعينهم بعيب واحد وله: ولمّا رأيت الناس دون محلّه ... تيقّنت أنّ الدهر للناس ناقد وله أيضا: إن خوطبوا أولقوا أو كوتبوا وجدوا ... فى اللفظ والخطّ والهيجاء فرسانا وله أيضا: ذكر الأنام لنا فكان قصيدة ... كنت البديع الفرد فى أبياتها أبو العباس الناشىء: خلقت كما أرادتك المعالى ... فأنت لمن رجاك كما يريد المأمونى: وخلائق كالخمر دون فعاله ... حبب لهنّ وما لهنّ خمار [فى مجالس الخلفاء والملوك والحكماء والأمراء] وقال إبراهيم الموصلى لموسى الهادى، وهو نديمه، وقد غنّاه صوتا فأعجبه: إنّ من كان محلّه من أمير المؤمنين محلّى فى الانبساط وتقدّم النّدام جرأه البسط على الطلب، وبعثته المنادمة على الرجاء، وقد نصب لى أمير المؤمنين بقرّبى منه مشارع الرغبة إليه، وحثّنى محلّى عنده على الكروع فى المنهل بين يديه. فقال: سل شفاها؛ فإنى جاعل فعلى عن إجابتك إليه حاضرا؛ فسأله ما قيمته خمسون ألف درهم؛ فأمر له بمائة ألف درهم.

стр. 616

ولما ظفر الإسكندر بدارا بن دارا قال له: بم اجترأ عليك صاحب شرطتك؟ قال: بتركى ترهيبه وقت إساءته وتفريطه، وإعطائه وقت الإحسان اليسير من فعله نهاية رغبته. فقال الإسكندر: نعم العون على استصلاح القلوب الموغرة الترغيب بالأموال، وأصلح منه عاجلا الترهيب وقت الحاجة إليه. وقال الحسن بن سهل: خرج بعض ملوك الفرس متنزّها، فلقى بعض الحكماء، فسأله عن أحزم الملوك، فقال: من ملك جدّه هزله، وقهر لبّه هواه، وأعرب لسانه عن ضميره، ولم يخدعه رضاه عن سخطه، ولا غضبه عن صدقه. فقال الملك: لا، بل أحزم الملوك من إذا جاع أكل، وإذا عطش شرب، وإذا تعب استراح. فقال الحكيم: أيها الملك، قد أجدت الفطنة. هذا العلم مستفاد أم غريزى؟ قال: كان عندنا معلّم من حكماء الهند، وكان هذا نقش خاتمة. قال: فهل علّمك غير هذا؟ قال: ومن أين يوجد مثل هذا عند رجل واحد؟ ثم قال له الملك: علّمنى من حكمتك أيّها الحكيم قال: نعم، احفظ عنى ثلاث كلمات. قال: ما هنّ؟ قال: صقلك السيف ليس له جوهر من سنخه «١» خطأ، وصبّك الحبّ فى الأرض السّبخة ترجو نباته جهل، وحملك المسنّ على الرياضة عناء. قال أبو تمّام الطائى: والسيف ما لم يلف فيه صيقل ... من سنخه لم ينتفع بصقال وقيل لبعض الحكماء: ما الدليل الناصح؟ قال: غريزة الطبع. قيل: ما القائد المشفق؟ قال: حسن المنطق. قيل: فما العناء المعنّى؟ قال: تطبيعك ما لا طبع له. وكان أنوشروان يقول: الناس ثلاث طبقات تسوسهم ثلاث سياسات: [طبقة من خاصة الأحرار تسوسهم بالعطف واللّين والإحسان، و] طبقة من خاصة الأشرار تسوسهم بالغلظة والعنف والشدّة، وطبقة من العامة تسوسهم باللين والشدة، لئلا تحرجهم الشدّة، ولا يبطرهم «٢» اللّين.

стр. 617

وقال واصل بن عطاء: ألا قاتل الله هذه السفلة! توادّ من حادّ الله ونبيّه، وتحادّ من وادّ الله ونبيّه، وتذمّ من مدحه الله، وتمدح من ذمّه الله؛ على أنه بهم علم الفضل لأهل الطبقة العالية، وبهم أعطيت الأوساط حظّا من النّبل. وقيل لبعض الملوك، [وقد بلغ فى القدر ما لم يبلغه أحد. من ملوك زمانه] : ما الذى بلغ بك هذه المنزلة؟ قال: عفوى عند قدرتى، ولينى عند شدّتى، وبذلى الإنصاف ولو من نفسى، وإبقائى فى الحب والبغض مكانا لموضع الاستبدال. وقال الإسكندر لأحد الحكماء، وأراد سفرا: أرشدنى لأحزم أمرى. قال: لا تملأنّ قلبك من محبّة الشىء، ولا يستولينّ عليك بغضه، واجعلهما قصدا «١» ؛ فإن القلب كاسمه ينزع ويرجع، واجعل وزيرك التثبت، وسميرك التيقّظ، ولا تقدم إلّا بعد المشورة؛ فإنها نعم الدليل، فإذا فعلت ذلك ملكت قلوب رعيّتك. وقيل لبعض الحكماء ما الحزم؟ قال: سوء الظن قيل: فما الصواب؟ قال: المشورة. قيل: فما الرأى الذى يجمع القلوب على المودّة؟ قال: كفّ بذول، وبشر جميل. قيل: فما الاحتياط؟ قال: الاقتصاد فى الحبّ والبغض. وسئل بزرجمهر: ما المروءة؟ قال: ترك ما لا يعنى. قيل: فما الحزم؟ قال: انتهاز الفرصة. قيل: فما الحلم؟ قال: العفو عند المقدرة. قيل: فما الشدة؟ قال: ملك الغضب. قيل: فما الخرق؟ قال: حب مغرق؛ وبغض مفرط. قال معاوية رضى الله عنه لزياد حين ولّاه العراق: يا زياد؛ ليكن حبّك وبغضك قصدا؛ فإن العثرة فيهما كامنة، واجعل للنزوع والرجوع بقيّة من قلبك، واحذر صولة الانهماك، فإنها تؤدى إلى الهلاك.

стр. 618

ومن كلام بلغاء أهل العصر فى ذكر السلطان أبو القاسم الصاحب: مرضاة السلطان، لا تغلو بشىء من الأثمان، ولا ببذل الروح والجنان. تهيّب السلطان فرض وكيد، وحتم على من ألقى السمع وهو شهيد. أبو إسحاق الصابى: الملك أحقّ باصطفاء رجاله منه باصطفاء أمواله؛ لأنه مع اتساع الأمر وجلالة القدر لا يكتفى بالوحدة، ولا يستغنى عن الكثرة؛ ومثله فى ذلك مثل المسافر فى الطريق البعيد الذى يجب أن تكون عنايته بفرسه المجنوب، كعنايته بفرسه المركوب. فصل للصابى: الملك بمن غلط من أتباعه فاتّعظ أشدّ انتفاعا منه بمن لم يغلط ولم يتعظ؛ فالأول كالقارح «١» الذى أدّبته الغرّة، وأصلحته الفدامة، والثانى كالجذع المتهوّك «٢» الذى هو راكب للغرّة وراكن إلى السلامة. وقيل: إن العظم إذا جبر من كسره عاد صاحبه أشدّ بطشا وأقوى أيدا. أبو بكر الخوارزمى: لا صغير مع الولاية والعمالة، كما لا كبير مع العطله والبطالة؛ وإنما الولاية أنثى تصغر وتكبر بواليها، ومطيّة تحسن وتقبح بممتطيها، والصّدر لمن يليه، والدّست لمن جلس فيه، والأعمال بالعمّال، كما أنّ النساء بالرجال. فصل له: إنّ ولاية المرء ثوبه؛ فإن قصر عرى منه، وإن طال عثر فيه. قليل السلطان كثير، ومداراته حزم وتدبير، ومكاشفته غرور وتغرير. أبو الفتح البستى: أجهل الناس من كان على السلطان مدلّا، وللاخوان مذلّا. أبو الفضل ابن العميد: الإبقاء على حشم السلطان وعمّاله عدل الإبقاء «٣» على ماله، والإشفاق [على حاشيته وحشمه مثل الإشفاق على ديناره ودرهمه] .

стр. 619

وله من رسالة طويلة، جواب لأبى شجاع عضد الدولة عن كتاب اقتضاه فيه صدر كتاب ألّفه أبو الحسن الصوفى فى نوع من علوم الهيئة. أنا أقدم الإجابة بحمد الله تعالى جدّه، على ما وهب لنا معاشر عبيده وخدمه خاصة، بل لرعاياه عامّة، بل لأهل الأرض كافة، من عظيم النعمة بمكانه، وجسيم الموهبة بإنفاق أعمارنا فى زمانه، حتى شاركناه فى أسباب السعادة التى لم تزل مذخورة عليه، حتى صارت إليه، وساهمناه فى موادّ الفضيلة التى لم تزل محفوظة له حتى انّصلت به؛ فإنّ المرء أشبه شىء بزمانه، وصفات كل زمان منتسخة من سجايا سلطانه؛ فإن فضل شاع الفضل فى الزمان وأهله، وتحلّى الدّهر بأفضل حليته، وتجلّى للعيون والقلوب بأحسن زينته، وكسابنيه والناشئين فيه بشرف جوهره، وأورثهم نيل فضله، وعزّ العلم وأهله، وعرف لمقتبسه قدره، وتوجّهت الاذهان نحوه، وتعلّقت الخواطر به، وصرفت الفكر فيه، ونشدت ضوالّه، ونظم أشتاته، وجمعت أفراده، ووثقت نفوس الساعين فى استفادته بحسن عائدته، فحرصت عليه، وصرفت نظرها إليه، وأيقنت فى بضاعتها بالنّفاق، وفى تجارتها بالإرفاق؛ فصار ذلك إلى نماء العلوم وزيادتها داعية، ولتكثير قليلها وإيضاح مجهولها سببا وعلّة، وإلى انخراط جواهرها المتفرقة فى سلوك التصنيف سبيلا، وإلى تقييد شواردها بعقل «١» التأليف طريقا. وإن رذل السلطان اتّبعت الرذيلة اتباعا، وذهبت القضائل ضياعا، وبطلت الأقدار والقيم، وسلبت الأخطار والهمم، وزال العلم والتعلم، ودرس الفهم والتفهم، وضرب الجهل بجرانه، ووطىء بمنسمه، واستعلى الخمول على النباهة، واستولى الباطل على الحقّ، وصار الأدب وبالا على صاحبه، والعلم نكالا على حامله. وبحسب عظيم المحنة بمن هذه صفته، والبلوى مع من هذه صورته، تعظم النعمة بملك سلطان عالم، كالأمير الجليل عضد الدولة، أطال الله تعالى بقاءه، وأدام قدرته، الذى أحله الله من الفضائل بملتقى طرقها ومجتمع فرقها، فهى نوادّ ممن لاقت

стр. 620

حتى تصير إليه، وشوارد نوازع حيث حلّت حتى تقع عليه، تتلفت تلفت الرامق، وتنشوف إليه تشوف الصبّ العاشق، قد ملكها أنّى توجهت وحشة المضاع وحيرة المرتاع. فإن تغش قوما غيره أو تزرهم ... فكالوحش يدنيها من الأنس المحل «١» حتى إذا قابلته أسرعت إليه إسراع السيل بنصبّ فى الحدور، والطير ينقضّ إلى الوكور. وقال أبو الطيب المتنبى: أحقّ عاف بدمعك الهمم ... أحدث شىء عهدا بها القدم «٢» وإنما الناس بالملوك، وما ... تفلح عرب ملوكها عجم لا أدب عندهم ولا حسب ... ولا عهود لهم ولا ذمم بكلّ أرض وطئتها أمم ... ترعى بعبد كأنّها غنم يستخشن الخزّ حين يلمسه ... وكان يبرى بظفره القلم وقال الزبير بن بكار: قدم ابن ميّادة، واسمه الرّمّاح بن أبرد، زائرا العبد الواحد بن سليمان، وهو أمير المدينة، فكان عنده ليلة فى سمّاره؛ فقال عبد الواحد لأصحابه: إنى لأهم أن أتزوج فابغونى أيّما، قال ابن ميادة: أنا- أصلحك الله- أدلّك، قال: على من يا أبا بشر نميل؟ قال: قدمت عليك أيها الأمير، فلما قدمت ألفيت المسجد وإذا أشبه شىء به وبمن فيه الجنة ومن فيها، فبينا أنا أمشى إذ قادتنى رائحة رجل عطر حتى وقفت عليه، فلما وقع بصرى عليه استلهى حسنه ناظرى، فما أقلعت ناظرى حتى تكلّم فما زال يتكلّم كأنما ينثر درّا، ويتلو زبورا، ويدرس إنجيلا، ويقرأ فرقانا، حتى سكت، فلولا معرفتى بالأمير ما شككت أنه هو، ثم خرج من مصلّاه إلى داره، فسألت عنه، فأخبرت أنه

стр. 621

من الحسن بمكانة، وأنه للخليفتين، وأنه قد نالته ولادة من رسول الله ﷺ لها ساطع من غرّته؛ فإن اجتمعت أنت وهو على ولد ساد العباد، وجاب ذكره البلاد. فلما قضى ابن ميّادة كلامه قال عبد الواحد ومن حضر: ذلك محمد بن عبد الله ابن عمرو بن عثمان رضى الله تعالى عنه لفاطمة بنت الحسين بن على رضى الله عنهم، وقال ابن ميادة: لهم سيرة لم يعطها الله غيرهم ... وكلّ قضاء الله فهو مقسّم هذا فى تقابل نسبه، وكمال منصبه، كقول عويف القوافى فى طلحة بن عبد الله الزهرى: يصمّ رجال حين يدعون للندى ... ويدعون ابن عوف للندى فيجيب وذاك امرؤ من أىّ عطفيه يلتفت ... إلى المجد يحوى المجد وهو قريب وعبد الواحد بن سليمان هذا هو الذى يقول فيه القطامى: أقول للحرف لما أن شكت أصلا ... طول السّفار وأفنى نيّها الرّحل «١» إن ترجعى من أبى عثمان منجحة ... فقد يهون على المستنجح العمل أهل المدينة لا يحزنك شأنهم ... إذا تخطّأ عبد الواحد الأجل ومن قول القطامى: «إن ترجعى من أبى عثمان منجحة» أخذ الآخر قوله: إذا ما تعنّى المرء فى إثر حاجة ... فأنجح لم يثقل عليه عناؤه وهو عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك بن مروان، قال الكلبى: هو عبد الواحد ابن الحارث بن الحكم بن أبى العاص بن أمية، والأول قول ابن السكيت.

стр. 622

والقصيدة التى منها هذه الأبيات من أجود قوله، وفيها يقول مما يتمثل به: والعيش لا عيش إلا ما تقرّ به ... عين ولا حال إلا سوف ينتقل والناس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهى ولأم المخطىء الهبل «١» قد يدرك المتأنّى بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزّلل قوله: «والناس من يلق خيرا قائلون له» مأخوذ من قول المرقش: ومن يلق خيرا لحمد؟؟؟ الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغىّ لائما وقال عمرو بن سعيد للأخطل: أيسرك أنّ لك بشعرك شعرا؟ قال: لا، ما يسرّنى أن لى بقولى مقولا من مقاويل العرب، غير أنّ رجلا من قومى قال أبياتا حسدته عليها، وايم الله، إنه لمغدف القناع، ضيّق الذراع، قليل السماع، قال: ومن هو؟ قال: القطامى، قال: وما هذه الأبيات؟ فأنشد له يصف إبلا من هذه القصيدة: يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة ... ولا الصدور على الأعجاز تتّكل «٢» فهن معترضات والحصا رمض ... والرّيح ساكنة والظلّ معتدل «٣» يتبعن سامية العينين تحسبها ... مجنونة أو ترى ما لا ترى الإبل [نغم الألفاظ ونغم الألحان] قال أبو العتاهية لمخارق: أنت بنغم ألفاظك دون نغم ألحانك، تطرب إذا تكلّمت، فكيف إذا ترنّمت! وقال له يوما: يا حكيم هذه الأقاليم؛ أصبب فى هذه الآذان من جيّد تلك الألحان، فأقسم لو كان الكلام طعاما، لكان غناؤك له إداما.

стр. 623

قال إسحاق بن إبراهيم الموصلى: دخلت على المعتصم يوما وقد خلا، وعنده جارية تعنّيه، وكان معجبا بها، فلما جلست قال لى: يا أبا إسحاق، كيف تراها؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، أراها تقهره بحذق، وتختله برفق، ولا تخرج من حسن إلّا إلى أحسن منه، وفى حلقها شذور نغم أحسن من دوام النعم، قال: يا إسحاق؛ هن غايات الأمل، ومنسيات الأجل، والسقم الداخل، والشغل الشاغل، وإن صفتك هذه لو سمعها من لم يرها لفقد لبّه، وقضى نحبه. وسئل إسحاق عن المجيد من المغنين، فقال: من لطف فى اختلاسه، وتمكّن من أنفاسه، وتفرّع فى أجناسه، يكاد يعرف ضمائر مجالسيه، وشهوات معاشريه، يقرع مسمع كلّ واحد منهم بالنحو الذى يوافق هواه، ويطابق معناه. وكان إسحاق بن إبراهيم قد جمع إلى حذقه بصتاعته حسن التصرف فى العلوم، وجودة الصنعة للشعر، وحدّث عن نفسه فقال: كنت أيام الرشيد أبكّر إلى هشيم ووكيع فأسمع منهما، ثم أنصرف إلى عاتكة بنت شهيد؛ فتطارحنى صوتين، ثم أصير إلى زلزل الضارب فآخذ منه طريقين، ثم أسير إلى منزلى فأبعث إلى أبى عبيدة والأصمعى، فلا يزالان عندى إلى الظهر، ثم أذهب إلى الخليفة. ونزل أبوه بالموصل وليس من أهلها فنسب إليها، وهو مولى خزيمة بن خازم «١» التميمى، وفى ذلك يقول إسحاق: إذا مضر الحمراء كانت أرومتى ... وقام بنصرى خازم وابن خازم عطست بأنفى شامخا وتناولت ... بنانى الثريّا قاعدا غير قائم وفيه يقول محمد بن عامر الجرجانى يرثيه: على الجدث الشرقىّ عوجا فسلّما ... ببغداد لما صدّ عنه عوائده أإسحاق لا تبعد، وإن كان قد رمى ... بك الموت مرمى ليس يصدر وارده متى تأته يوما تحاول منفسا ... من الدين والدنيا فإنك واجده

стр. 624

إذا هزل اخضرّت فروع حديثه ... ورقّت حواشيه وطابت مشاهده وإن جدّ كان القول جدّا وأقسمت ... مخارجه ألّا تلين شدائده ومن جيّد شعر إسحاق قصيدته فى إسحاق بن إبراهيم المصعبىّ بعد إيقاعه بالخرّمية: تقضّت لبانات وجدّ رحيل ... ولم يشف من أهل الصفاء غليل ومدّت أكفّ للوداع فصافحت ... وفاضت عيون للفراق تسيل ولابدّ للالّاف من فيض عبرة ... إذا ما خليل بان عنه خليل «١» فكم من دم قد طلّ يوم تحمّلت ... أوانس لا يودى لهن قتيل «٢» غداة جعلت الصبر شيئا نسيته ... وأعولت لو أجدى علىّ عويل «٣» ولم أنس منها نظرة هاج لى بها ... هوى منه باد ظاهر ودخيل كما نظرت حوراء فى ظلّ سدرة ... دعاها إلى ظلّ الكناس مقيل فلا وصل إلّا أن تلافاه أينق ... عتاق مماها؟؟؟ شدقم وجديل «٤» إذا قلبت أجفانها بتنوفة ... طوى البعد منها هزة وذميل «٥» تفرّد إسحاق بنصح أميره ... فليس له عند الإمام عديل يفرج عنه الشكّ صدق عزيمة ... ولبّ به يعلو الرجال أصيل أغرّ بجيب الوالدين كأنه ... حسام جلت عنه العيون صقيل بنى مصعب للمجد فيكم إذا بدت ... وجوهكم للناظرين دليل كرمتم فما فيكم جبان لدى الوغى ... ولا منكم عند العطاء بخيل غلبتم على حسن الثناء فراقكم ... ثناء بأفواه الرجال جميل

стр. 625

إذا استكثر الأعداء ما قلت فيكم ... فإن الذى يستكثرون قليل وهذا نمط الحذاق الفحول، وقال: ومدرجة للريح غبراء لم يكن ... ليجشمها زمّيلة غير صارم «١» يضلّ بها السارى وإن كان هاديا ... وتقطع أنفاس الرياح النّواسم تعسّفت أبرى جوزها بشملّة ... بعيدة ما بين العرى والمحازم «٢» كأنّ شرار المرو من نبذها به ... نجوم هوت إحدى الليالى العواتم «٣» إذا ضمّها والسّفر ليل فغيبت ... دياجيره عنهم رءوس المعالم تنادوا فصاروا تحت أكناف رحلها ... ليهديهم قدح الحصى بالمناسم وقال: ولما رأين البين قد جدّ جده ... ولم يبق إلّا أن تبين الركائب دنونا فسلّمنا سلاما مخالسا ... فردّت علينا أعين وحواجب تصدّ بلا بغض ونخلس لمحة ... إذا غفلت عنا العيون الرواقب نذاد إذا حمنا لنشفى غلة ... كما ذيد عن ورد الحياض الغرائب وما أحسن ما قال أبو العباس الناشىء فى هذا المعنى: ولما رأين البين زمّت ركابه ... وأيقنّ منا بانقطاع المطالب طلبن على الرّكب المجدين علّة ... فعجن علينا من صدور الركائب فلما تلاقينا كتبن بأعين ... لنا كتبا أعجمنها بالحواجب فلما قرأناهنّ سرّا طوينها ... حذار الأعادى بازورار المناكب وقال إسحاق: ألا من لقلب لا يزال رميّة ... للمحة طرف أو لكسرة حاجب (٢- زهر الآداب ٣)

стр. 626

وللخمر اللاتى تساقط لوثها ... فتور الخطا عن واردات الذوائب [استطراد فى ذكر جمال الذوائب] وعلى ذكر الذوائب قال ابن المعتز: سقتنى فى ليل شبيه بشعرها ... شبيهة خدّيها بغير رقيب فأمسيت فى ليلين بالشّعر والدّجى ... وخمرين من راح وخدّ حبيب وقال بكر بن النطاخ: بيضاء تسحب من قيام شعرها ... وتغيب فيه وهو جثل أسحم «١» فكأنها فيه نهار مبصر ... وكأنه ليل عليها مظلم وقال المتنبى: نشرت ثلاث ذوائب من شعرها ... فى ليلة فأرت ليالى أربعا واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتنى القمرين فى وقت معا وقال ابن الرومى: وفاحم وارد يقبّل ممشاه ... إذا اختال مسبلا غدره «٢» أقبل كالليل فى مفارقه ... منحدرا لا يرام منحدره حتى تناهى إلى مواطئه ... يلثم من كلّ موطىء عفره كأنه عاشق دنا شغفا ... حتى قضى من حبيبه وطره يغشى غواشى قرونه قدما ... بيضاء للناظرين مقتدره مثل الثريّا إذا بدت سحرا ... بعد غمام وحاسر حسره أخذه بعض أهل العصر- وهو محمد بن مطران- فقال:

стр. 627

ظباء أعارتها الظّبا حسن مشيها ... كما قد أعارتها العيون الجاذر فمن حسن ذاك المشى قامت فقبّلت ... مواطىء من أقدامهنّ الغدائر وقال مسلم بن الوليد: أجدّك هل تدرين أن ربّ ليلة ... كأنّ دجاها من قرونك ينشر نصبت لها حتى تجلّت بغرّة ... كغرّة يحيى حين يذكر جعفر [وحدة القصيدة واتساقها] قال الحاتمى: مثل القصيدة مثل الإنسان فى اتّصال بعض أعضائه ببعض؛ فمتى انفصل واحد عن الآخر وباينه فى صحّة التركيب، غادر الجسم ذا عاهة تتخوّن «١» محاسنه، وتعفّى معالمه؛ وقد وجدت حذّاق المتقدّمين وأرباب الصناعة من المحدثين بحترسون فى مثل هذا الحال احتراسا يجنّبهم شوائب النقصان، ويقف بهم على محجّة الإحسان، حتى يقع الاتّصال، ويؤمن الانفصال، وتأتى القصيدة فى تناسب صدورها وأعجازها وانتظام نسيبها بمديحها كالرسالة البليغة، والخطبة الموجزة، لا ينفصل جزء منها عن جزء، وهذا مذهب اختصّ به المحدثون؛ لتوقّد خواطرهم، ولطف أفكارهم، واعتمادهم البديع وأفانينه فى أشعارهم، وكأنه مذهب سهّلوا حزنه «٢» ، ونهجوا رسمه؛ فأمّا الفحول الأوائل، ومن تلاهم من المخضرمين والإسلاميين فمذهبهم المتعالم «عدّ عن كذا إلى كذا» «٣» وقصارى كلّ واحد منهم وصف ناقته بالعتق، والنّجابة والنجاء، وأنه امتطاها؛ فادّرع عليها جلباب اللّيل؛ وربما اتّفق لأحدهم معنى لطيف يتخلّص به إلى غرض لم يتعمّده إلا أن طبعه السليم، وصراطه فى الشعر المستقيم، نصبا مناره «٤» وأوقدا باليفاع ناره؛ فمن أحسن تخلّص شاعر إلى معتمده قول النابغة الذبيانى:

стр. 628

فكفكفت منّى عبرة فرددتها ... على النّحر منها مستهلّ ودامع على حين عاتبت المشيب على الصّبا ... وقلت: ألمّا أصح والشيب وازع وقد حال همّ دون ذلك شاغل ... مكان الشّغاف تبتغيه الأصابع وعيد أبى قابوس فى غير كنهه ... أتانى ودونى راكس فالضّواجع وهذا كلام متناسخ «١» تقتضى أوائله أواخره، ولا يتميز منه شىء عن شىء أتانى، أبيت اللعن، أنك لمتنى ... وتلك التى تستكّ منها المسامع مقالة أن قد قلت سوف أناله ... وذلك من تلقاء مثلك رائع ولو توصّل إلى ذلك بعض الشعراء المحدثين الذين واصلوا تفتيش المعانى، وفتحوا أبواب البديع، واجتنوا ثمر الآداب، وفتحوا زهر الكلام لكان معجزا عجبا، فكيف بجاهل بدوى إنما يغترف من قليب قلبه، ويستمدّ عفو هاحسه. وقال علىّ بن هارون المنجم عن أبيه: لم يتوصل أحد إلى مدح بمثل قول [ابن] وهيب: ما زال يلثمنى مراشفه ... ويعلّنى الإبريق والقدح حتى استردّ الليل خلعته ... وبدا خلال سواده وضح «٢» وبدا الصباح كأن غرّته ... وجه الخليفة حين يمتدح وقال علىّ بن الجهم: وليلة كحلت بالنّقس مقلتها ... ألقت قناع الدّجى فى كلّ أخدود «٣» قد كاد يغرقنى أمواج ظلمتها ... لولا اقتباسى سنا وجه ابن داود قوله: «كحلت بالنّقس مقلتها» مأخوذ من قول أعرابى: «والليل قد صبغ الحصى بمداد» .

стр. 629

وقد أخذ هذا أبو نواس فقال: أبن لى كيف صرت إلى حريمى ... وجفن الليل مكتحل بقار وقد أخذ هذا أبو تمام فقال: إليك هتكنا جنح ليل كأنه ... قد اكتحلت منه البلاد بإثمد وقد أخذ لفظ الأعرابى المتقدم أبو نواس فقال: قد أغتدى والليل كالمداد ... والصبح ينفيه عن البلاد طرد المشيب حالك السّواد وإنما نظر فى هذا إلى قول الأعرابى «١» : أقول والليل قد مالت أواخره ... إلى الغروب: تأمّل نظرة حار ألمحة من سنا برق رأى بصرى ... أم وجه نعم بدا لى أم سنا نار بل وجه نعم بدا والليل معتكر ... فلاح ما بين حجّاب وأستار ومن بديع الخروج قول علىّ بن الجهم وذكر سحابة: وسارية تزدار أرضا بجودها ... شغلت بها عينا طويلا هجودها «٢» أتتنا بها ريح الصّبا فكأنها ... فتاة ترجّيها عجوز تقودها [فما برحت بغداد حتى تفجّرت ... بأودية ما تستفيق مدودها] فلما قضت حقّ العراق وأهله ... أتاها من الريح الشمال بريدها فمرت تفوت الطّير سبقا كأنها ... جنود عبيد الله ولّت بنودها يريد انصراف أصحاب عبيد الله بن خاقان عن الجعفرىّ إلى سرّ من رأى عند قتل المتوكل. وقد أخذ هذا التشبيه معكوسا من قول أبى العتاهية: ورايات يحلّ النصر فيها ... تمرّ كأنها قطع السحاب

стр. 630

وقال ديك الجنّ: وغرير يقضى بحكمين: فى الرا ... ح بجور، وفى الهوى بمحال للنقاردفه، وللخوط ما حمّل ... لينا، وجيده للغزال «١» فعلت مقلتاه بالصّبّ ما ... تفعل جدوى يديك بالأموال ومن بارع الخروج قول المتنبى: مرّت بنا بين تربيها فقلت لها: ... من أين جانس هذا الشادن العربا فاستضحكت ثم قالت كالمغيث يرى ... ليث الشّرى وهو من عجل إذا انتسبا واشتهار شعره، يمنعنى من ذكره. [السر فى الابتداء بالنسيب] قال ابن قتيبة «٢» : سمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مقصّد القصيدة إنما ابتدأ بوصف الديار والدّمن والآثار؛ فبكى وشكا، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق؛ ليجعل ذلك سببا لذكر أهله الظاعنين؛ إذ كانت نازلة العمد فى الحلول والظّعن على خلاف ما عليه نازلة المدر؛ لانتقالهم من ماء إلى ماء، وانتجاعهم الكلأ، وتتبّعهم مساقط الغيث حيث كان؛ ثم وصل ذلك بالنسيب، فبكى شدّة الوجد، وألم الصبابة والشوق؛ ليميل نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه، ويستدعى إصغاء الأسماع؛ لأن النسيب قريب من النفوس، لائط بالقلوب «٣» ، لما جعل الله تعالى فى تركيب العباد من محبّة الغزل، وإلف النساء، فليس أحد يخلو من أن يكون متعلقا منه بسبب، وضاربا فيه بسهم، حلال أو حرام. فإذا استوثق من الإصغاء إليه، والاستماع له؛ عقّب بإيجاب الحقوق؛ فرحل فى شعره، وشكا النّصب والسهر، وسرى الليل [وحر الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير،

стр. 631

فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء وذمام التأميل] ، وقرّر عنده ما ناله من المكاره فى المسير، بدأ فى المديح فبعثه على المكافأة، وفضّله على الأشباه، وصغّر فى قدره الجزيل، وهزّه لفعل الجميل؛ فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب، وعدل بين هذه الأقسام، فلم يجعل واحدا أغلب على الشعر، ولم يطل فيملّ السامعين، ولم يقطع وفى النفوس ظمأ إلى المزيد. [موازنة بين أبى تمام والبحترى] ويتعلق بهذه القطعة ما حدّث به الحاتمى عن نفسه، وإن كانت الحكاية طويلة فهى غير مملولة؛ لما لبسته من حلل الآداب، وتزينت به من حلى الألباب، قال: جمعنى ورجلا من مشايخ البصرة ممن يومأ إليه فى علم الشعر مجلس بعض الرؤساء، وكان خبره قد سبق إلىّ فى عصبيّته للبحترى، وتفضيله إياه على أبى تمام، ووجدت صاحب المجلس مؤثرا لاستماع كلامنا فى هذا المعنى، فأنشأت قولا أنحيت فيه على البحترى إنحاء أسرفت فيه، واقتدحت زناد الرجل، فتكلّم وتكلمت، وخضنا فى أفانين من التفضيل والمماثلة، غلوت فى جميعها غلوّا شهده جميع من حضر المجلس، وكانوا جلّة الوقت، وأعيان الفضل، فاضطر إلى أن قال: ما يحسن أبو تمام يبتدىء، ولا يخرج، ولا يختم، ولو لم يكن للبحترى عليه من الفضل إلا حسن ابتداءاته، ولطف خروجه، وسرعة انتهائه، لوجب أن يقع التسليم له، فكيف بأوابده التى تزداد على التكرار غضارة وجدة ثم أقبل علىّ، فقال: أين يذهب بك عن ابتدائه: عارضننا أصلا فقلنا الرّبرب ... حتى أضاء الأقحوان الأشنب «١» واخضرّ موشىّ البرود وقد بدا ... منهن ديباج الخدود المذهب

стр. 632

وأنّى لأبى تمام مثل خروجه حيث يقول: أدارهم الأولى بدارة جلجل ... سقاك الحيا روحاته وبوا كره «١» وجاءك يحكى يوسف بن محمد ... فروّتك ريّاه وجادك ماطره وقد كرر هذا وزاد فيه فقال: تنصّب البرق مختالا فقلت له: ... لوجدت جود بنى يزدان لم تزد ومن ذا الذى لطف لأن يخرج من وصف روض إلى مدح، فقال أحسن من قوله: كأنّ سناها بالعشىّ لصحبها ... تبلّج عيسى حين يلفظ بالوعد «٢» وأنّى لأبى تمام مثل حسن انتهائه حيث يقول: إليك القوافى نازعات شواردا ... يسيّر ضاحى وشيها وينمنم ومشرقة فى النظم غرّا يزيدها ... بهاء وحسنا أنها لك تنظم وقوله فى هذا المعنى: ألست الموالى فيك نظم قصائد ... هى الأنجم اقتادت مع الليل أنجما ثناء تخال الروض فيه منوّرا ... ضحى، وتخال الوشى فيه منمنما ولقد تقدم البحترى الناس كلهم فى قوله: لو أن مشتاقا تكلّف فوق ما ... فى وسعه لسعى إليك المنبر قال أبو على: وكنت ساكنا إلى أن استتم كلامه، فكأنّ الجماعة أعجبهم ذلك، عصبية علىّ لا على أبى تمام؛ لأنى كنت كالشّجى معترضا فى لهواتهم، وأسرّ كلّ واحد منهم إلى صاحبه سرّا يومىء به إلى استيلاء الرجل على؛ فلما استتم كلامه وبرقت له بارقة طمع فى تسليمى له ابتدأت فقلت: لست ممن

стр. 633

يقعقع له بالشّنان، ولا يقرع له بالعصا، لا إله إلا الله! استنّت الفصال حتى القرعى! هل هذه المعانى إلا عون مفترعة «١» ، قد تقدم أبو تمام إلى سبك نضارها، وافتضاض أبكارها، وجرى البحترى على وتيرته فى انتزاع أمثالها واتباعها، فأمّا قوله: «عارضننا أصلا فقلنا الربرب» ، فمن قول أبى جويرية العبدى: سلّمن نحوى للوداع بمقلة ... فكأنما نظرت إلينا الربرب وقرأن بالحدق المراض تحية ... كادت تكلّمنا وإن لم تعرب وأما قوله فى صفة الغيث مخاطبا للدار: «وجاءك يحكى يوسف بن محمد» وقوله فى هذا المعنى: «لوجدت جود بنى يزدان لم تزد» فمن قول أبى تمام: ولنؤيها فى القلب نؤى شفّه ... وله بظاعنها وبالمتخلّف وكأنما استسقى لهنّ محمد ... من سومهن من الحيا فى زخرف ومن قوله الذى تقدم فيه كلّ أحد لفظا رشيقا ومعنى رقيقا: ديمة سمحة القياد سكوب ... مستغيث بها الثّرى المكروب لو سعت بقعة لإعظام نعمى ... لسعى نحوها المكان الجديب ومن هنا أخذ البحترى: «لسعى إليك المنبر» : [أيها الغيث حىّ أهلا بمغدا ... ك وعند السرى وحين تئوب لأبى جعفر خلائق تحكيهنّ ... قد يشبه النجيب النجيب أنت فينا فى ذا الأوان غريب ... وهو فينا فى كل وقت غريب] «٢» وأما قوله: كأن سناها بالعشى لصحبها ... تبلّج عيسى حين يلفظ بالوعد فإنما نظر فيه إلى قول دعبل بن على: وميثاء خضراء زربيّة ... بها النّور يلمع فى كل فن «٣»

стр. 634

ضحوكا إذا لاعبته الرياح ... تأوّد كالشارب المرجحن فشبّه صحبى سنا نورها ... بديباج كسرى وعصب اليمن فقلت: بعدتم، ولكننى ... أشبهه بجناب الحسن فتى لا يرى المال إلا العطاء ... ولا الكنز إلّا اعتقاد المنن وأما قوله فى صفة الغوانى «يسيّر ضاحى وشيها وينمنم» وقوله فى وصفها: «وتخال الوشى فيه منمنما» فمن قول أبى تمام: حلّوا بها عقد النسيب، ونمنموا ... من وشيها نثرا لها وقصيدا ومن قوله الذى أبدع فيه: ووالله لا أنفك أهدى شواردا ... إليك تحمّلن الثناء المنخّلا «١» تخال به بردا عليك محبّرا ... وتحسبه عقدا عليك مفصّلا ألذّ من السّلوى وأطيب نفحة ... من المسك مفتوقا وأيسر محملا أخفّ على قلبى وأثقل قيمة ... وأقصر فى قلب الجليس وأطولا وقول البحترى هى الأبحم اقتادت مع الليل أنجما مأخوذ من قول أبى تمام مقصرا عنه كلّ تقصير عن استيفاء إحسانه حيث يقول: أصخ تستمع حرّ القوافى؛ فإنها ... كواكب إلّا أنهنّ سعود ولا تمكن الإخلاق منها فإنما ... يلذّ لباس البرد وهو جديد فهذه خصال صاحبك فيما عددته من محاسنه التى هتكت بها ستور عواره، ونشرت مطوىّ أسراره، حتى استوضحت الجماعة أنّ إحسانه فيها عاريّة مرتجعة، ووديعة منتزعة، فاسمع ما قال أبو تمام فى نحو أبياتك التى أوجبت الفضل لصاحبك حين قال مبتدئا:

стр. 635

لا أنت أنت، ولا الديار ديار ... خفّ الهوى، وتقضّت الأوطار «١» كانت مجاورة الطلول وأهلها ... زمنا عذاب الورد فهى بحار وقوله: رقّت حواشى الدهر فهى تمرمر ... وغدا الثّرى فى حليه يتكسّر وقوله: أرأيت أىّ سوالف وخدود ... عنّت لنا بين اللّوى وز رود وهل يستطيع أحد أن يبتدىء بمثل ابتدائه: طلل الجميع لقد عفوت حميدا ... وكفى على رزئى بذاك شهيدا دمن كأن البين أصبح طالبا ... دمنا لدى آرامها وحقودا «٢» أو مثل قوله مبتدئا: يا دار درّ عليك إرهام الندى ... واهتزّ روضك للثرى فترأدا «٣» وكسيت من خلع الحيا مستاسدا ... أنفا يغادر وحشه مستأسدا أو مثل قوله متبدئا: غدت تستجير الدمع خوف نوى غد ... وعاد قتادا عندها كل مرقد فاذرى لها الإشفاق دمعا مورّدا ... من الدم يجرى فوق خدّ مورّد ولقد أحسن حين ابتدأ فقال: نوار فى صواحبها نوار ... كما فاجاك سرب أو صوار تكذّب حاسد فنأت قلوب ... أطاعت واشيا ونأت ديار وحيث يقول: ما فى وقوفك ساعة من باس ... تقضى ذمام الأربع الأدراس
следующие страницы →