Полный текст (1 141 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء وذمام التأميل] ، وقرّر عنده ما ناله من المكاره فى المسير، بدأ فى المديح فبعثه على المكافأة، وفضّله على الأشباه، وصغّر فى قدره الجزيل، وهزّه لفعل الجميل؛ فالشاعر المجيد من سلك هذه الأساليب، وعدل بين هذه الأقسام، فلم يجعل واحدا أغلب على الشعر، ولم يطل فيملّ السامعين، ولم يقطع وفى النفوس ظمأ إلى المزيد.
[موازنة بين أبى تمام والبحترى]
ويتعلق بهذه القطعة ما حدّث به الحاتمى عن نفسه، وإن كانت الحكاية طويلة فهى غير مملولة؛ لما لبسته من حلل الآداب، وتزينت به من حلى الألباب، قال: جمعنى ورجلا من مشايخ البصرة ممن يومأ إليه فى علم الشعر مجلس بعض الرؤساء، وكان خبره قد سبق إلىّ فى عصبيّته للبحترى، وتفضيله إياه على أبى تمام، ووجدت صاحب المجلس مؤثرا لاستماع كلامنا فى هذا المعنى، فأنشأت قولا أنحيت فيه على البحترى إنحاء أسرفت فيه، واقتدحت زناد الرجل، فتكلّم وتكلمت، وخضنا فى أفانين من التفضيل والمماثلة، غلوت فى جميعها غلوّا شهده جميع من حضر المجلس، وكانوا جلّة الوقت، وأعيان الفضل، فاضطر إلى أن قال: ما يحسن أبو تمام يبتدىء، ولا يخرج، ولا يختم، ولو لم يكن للبحترى عليه من الفضل إلا حسن ابتداءاته، ولطف خروجه، وسرعة انتهائه، لوجب أن يقع التسليم له، فكيف بأوابده التى تزداد على التكرار غضارة وجدة ثم أقبل علىّ، فقال: أين يذهب بك عن ابتدائه:
عارضننا أصلا فقلنا الرّبرب ... حتى أضاء الأقحوان الأشنب «١»
واخضرّ موشىّ البرود وقد بدا ... منهن ديباج الخدود المذهب
стр. 632
وأنّى لأبى تمام مثل خروجه حيث يقول:
أدارهم الأولى بدارة جلجل ... سقاك الحيا روحاته وبوا كره «١»
وجاءك يحكى يوسف بن محمد ... فروّتك ريّاه وجادك ماطره
وقد كرر هذا وزاد فيه فقال:
تنصّب البرق مختالا فقلت له: ... لوجدت جود بنى يزدان لم تزد
ومن ذا الذى لطف لأن يخرج من وصف روض إلى مدح، فقال أحسن من قوله:
كأنّ سناها بالعشىّ لصحبها ... تبلّج عيسى حين يلفظ بالوعد «٢»
وأنّى لأبى تمام مثل حسن انتهائه حيث يقول:
إليك القوافى نازعات شواردا ... يسيّر ضاحى وشيها وينمنم
ومشرقة فى النظم غرّا يزيدها ... بهاء وحسنا أنها لك تنظم
وقوله فى هذا المعنى:
ألست الموالى فيك نظم قصائد ... هى الأنجم اقتادت مع الليل أنجما
ثناء تخال الروض فيه منوّرا ... ضحى، وتخال الوشى فيه منمنما
ولقد تقدم البحترى الناس كلهم فى قوله:
لو أن مشتاقا تكلّف فوق ما ... فى وسعه لسعى إليك المنبر
قال أبو على: وكنت ساكنا إلى أن استتم كلامه، فكأنّ الجماعة أعجبهم ذلك، عصبية علىّ لا على أبى تمام؛ لأنى كنت كالشّجى معترضا فى لهواتهم، وأسرّ كلّ واحد منهم إلى صاحبه سرّا يومىء به إلى استيلاء الرجل على؛ فلما استتم كلامه وبرقت له بارقة طمع فى تسليمى له ابتدأت فقلت: لست ممن
стр. 633
يقعقع له بالشّنان، ولا يقرع له بالعصا، لا إله إلا الله! استنّت الفصال حتى القرعى! هل هذه المعانى إلا عون مفترعة «١» ، قد تقدم أبو تمام إلى سبك نضارها، وافتضاض أبكارها، وجرى البحترى على وتيرته فى انتزاع أمثالها واتباعها، فأمّا قوله: «عارضننا أصلا فقلنا الربرب» ، فمن قول أبى جويرية العبدى:
سلّمن نحوى للوداع بمقلة ... فكأنما نظرت إلينا الربرب
وقرأن بالحدق المراض تحية ... كادت تكلّمنا وإن لم تعرب
وأما قوله فى صفة الغيث مخاطبا للدار: «وجاءك يحكى يوسف بن محمد» وقوله فى هذا المعنى: «لوجدت جود بنى يزدان لم تزد» فمن قول أبى تمام:
ولنؤيها فى القلب نؤى شفّه ... وله بظاعنها وبالمتخلّف
وكأنما استسقى لهنّ محمد ... من سومهن من الحيا فى زخرف
ومن قوله الذى تقدم فيه كلّ أحد لفظا رشيقا ومعنى رقيقا:
ديمة سمحة القياد سكوب ... مستغيث بها الثّرى المكروب
لو سعت بقعة لإعظام نعمى ... لسعى نحوها المكان الجديب
ومن هنا أخذ البحترى: «لسعى إليك المنبر» :
[أيها الغيث حىّ أهلا بمغدا ... ك وعند السرى وحين تئوب
لأبى جعفر خلائق تحكيهنّ ... قد يشبه النجيب النجيب
أنت فينا فى ذا الأوان غريب ... وهو فينا فى كل وقت غريب]
«٢» وأما قوله:
كأن سناها بالعشى لصحبها ... تبلّج عيسى حين يلفظ بالوعد
فإنما نظر فيه إلى قول دعبل بن على:
وميثاء خضراء زربيّة ... بها النّور يلمع فى كل فن «٣»
стр. 634
ضحوكا إذا لاعبته الرياح ... تأوّد كالشارب المرجحن
فشبّه صحبى سنا نورها ... بديباج كسرى وعصب اليمن
فقلت: بعدتم، ولكننى ... أشبهه بجناب الحسن
فتى لا يرى المال إلا العطاء ... ولا الكنز إلّا اعتقاد المنن
وأما قوله فى صفة الغوانى «يسيّر ضاحى وشيها وينمنم» وقوله فى وصفها:
«وتخال الوشى فيه منمنما» فمن قول أبى تمام:
حلّوا بها عقد النسيب، ونمنموا ... من وشيها نثرا لها وقصيدا
ومن قوله الذى أبدع فيه:
ووالله لا أنفك أهدى شواردا ... إليك تحمّلن الثناء المنخّلا «١»
تخال به بردا عليك محبّرا ... وتحسبه عقدا عليك مفصّلا
ألذّ من السّلوى وأطيب نفحة ... من المسك مفتوقا وأيسر محملا
أخفّ على قلبى وأثقل قيمة ... وأقصر فى قلب الجليس وأطولا
وقول البحترى
هى الأبحم اقتادت مع الليل أنجما
مأخوذ من قول أبى تمام مقصرا عنه كلّ تقصير عن استيفاء إحسانه حيث يقول:
أصخ تستمع حرّ القوافى؛ فإنها ... كواكب إلّا أنهنّ سعود
ولا تمكن الإخلاق منها فإنما ... يلذّ لباس البرد وهو جديد
فهذه خصال صاحبك فيما عددته من محاسنه التى هتكت بها ستور عواره، ونشرت مطوىّ أسراره، حتى استوضحت الجماعة أنّ إحسانه فيها عاريّة مرتجعة، ووديعة منتزعة، فاسمع ما قال أبو تمام فى نحو أبياتك التى أوجبت الفضل لصاحبك حين قال مبتدئا:
стр. 635
لا أنت أنت، ولا الديار ديار ... خفّ الهوى، وتقضّت الأوطار «١»
كانت مجاورة الطلول وأهلها ... زمنا عذاب الورد فهى بحار
وقوله:
رقّت حواشى الدهر فهى تمرمر ... وغدا الثّرى فى حليه يتكسّر
وقوله:
أرأيت أىّ سوالف وخدود ... عنّت لنا بين اللّوى وز رود
وهل يستطيع أحد أن يبتدىء بمثل ابتدائه:
طلل الجميع لقد عفوت حميدا ... وكفى على رزئى بذاك شهيدا
دمن كأن البين أصبح طالبا ... دمنا لدى آرامها وحقودا «٢»
أو مثل قوله مبتدئا:
يا دار درّ عليك إرهام الندى ... واهتزّ روضك للثرى فترأدا «٣»
وكسيت من خلع الحيا مستاسدا ... أنفا يغادر وحشه مستأسدا
أو مثل قوله متبدئا:
غدت تستجير الدمع خوف نوى غد ... وعاد قتادا عندها كل مرقد
فاذرى لها الإشفاق دمعا مورّدا ... من الدم يجرى فوق خدّ مورّد
ولقد أحسن حين ابتدأ فقال:
نوار فى صواحبها نوار ... كما فاجاك سرب أو صوار
تكذّب حاسد فنأت قلوب ... أطاعت واشيا ونأت ديار
وحيث يقول:
ما فى وقوفك ساعة من باس ... تقضى ذمام الأربع الأدراس
стр. 636
فلعلّ عينك أن تجود بدمعها ... والدمع منه خاذل ومواسى «١»
وحيث يقول:
ما عهدنا كذا نحيب المشوق ... كيف والدمع آية المعشوق
وحيث يقول:
دمن ألمّ بها فقال: سلام، ... كم حلّ عقدة صبره الإلمام؟
نحرت ركاب الركب حتى يعبروا ... رجلا، وقد عنفوا علىّ ولاموا
وحيث يقول:
أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا ... فلا تكفّن عن شانيك أو يكفا
لا عذر للصب أن يقنى السّلوّ ولا ... للدمع بعد مضىّ الحىّ أن يقفا
ومن اقتضاباته البعيدة قوله:
لهان علينا أن نقول وتفعلا ... ونذكر بعض الفضل منك فتفضلا
وقوله أيضا مقتضبا:
الحقّ أبلج والسيوف عوارى ... فحذار من أسد العرين حذار
ومما تقدم فيه كلّ واحد فى حسن التخلص إلى المدح قوله:
إساءة الحادثات استنبطى نفقا ... فقد أظلّك إحسان ابن حسّان
وقوله:
إذا العيس لاقت بى أبا دلف فقد ... تقطّع ما بينى وبين النوائب
وقوله:
لم يجتمع قطّ فى مصر ولا طرف ... محمد بن أبى مروان والنّوب «٢»
وقوله المنقطع دونه كلّ قول فى هذا المعنى:
стр. 637
إنّ الذى خلق الخلائق قلتها ... أقواتها لتصرّف الأحراس
فالأرض معروف السماء قرى لها ... وبنو الرجاء لهم بنو العبّاس
القوم ظلّ الله أسكن دينه ... فيهم، وهم جبل الملوك الراسى «١»
وقوله:
عامى وعام العيس بين وديقة ... مسجورة وتنوفة صيهود «٢»
حتى أغادر كلّ يوم بالفلا ... للطّير عيدا من بنات العيد
هيهات منها روضة محمودة ... حتى تناخ بأحمد المحمود
بمعرّس العرب الذى وجدت به ... أمن المروع ونجدة المنجود
ومن أبدع ابتدائه قوله:
سقّي ديارهم أجشّ هزيم ... وغدت عليهم نضرة ونعيم
جادت معاهدهم عهاد سحابة ... ما عهدها عند الديار ذميم
ثم تخلص إلى المدح فقال وأحسن كلّ الإحسان:
لا والذى هو عالم أنّ النّوى ... مرّ وأن أبا الحسين كريم «٣»
مازلت عن سنن الوداد ولا غدت ... نفسى على إلف سواك تحوم
ثم عاد إلى المدح، فقال:
لمحمد بن الهيثم بن شبابة ... مجد إلى حيث السّماك مقيم
ملك إذا نسب النّدى من ملتقى ... طرفيه فهو أخ له وحميم
وأبو تمام الذى وصف القوافى بما لم يستطع وصفها به أحد فقال:
فإن أنا لم يحمدك عنى صاغرا ... عدوّك فاعلم أننى غير حامد
بسيّاحة تنساق من غير سائق ... وتنقاد فى الآفاق من غير قائد
стр. 638
محبّبة ما إن تزال ترى لها ... إلى كل أفق واحدا غير وافد
مخلقة لمّا ترد أذن سامع ... فتصدر إلا عن يمين وشاهد
والذى قال أيضا فى صفتها
جاءتك من نظم اللسان قلادة ... سمطان فيها اللؤلؤ المكنون
إنسيّة وحشية كثرت بها ... حركات أهل الأرض وهى سكون
حذيت حذاء الحضرميّة أرهفت ... وأجادها التّخصير والتلسين
ينبوعها خضل، وحلى قريضها ... حلى الهدى، ونسيجها موضون «١»
أحذاكها صنع الضمير يمدّه ... حسب إذا نضب الكلام معين «٢»
أما المعانى فهى أبكار إذا ... نصّت، ولكنّ القوافى عون
وقد أبدع فى وصفها فقال:
لم أبق حلية منطق إلّا وقد ... سبقت سوابقها إليك جيادى
أبقين فى أعناق جودك جوهرا ... أبقى من الأطواق فى الأجياد
هل يستطيع أحد أن ينسب هذا أو شيئا منه إلى السّرق والاحتذاء؟ وهل يستطيع مماثلته بشىء من شعر البحترى، أو أشعار المحدثين فى عصره ومن قبله؟
فعىّ عن الجواب قصورا، وأحجم عن المساجلة تقصيرا، وحكمت الجماعة لى بالقهر، وعليه بالنصر، ولم ينصرف عن المجلس حتى اعترف بتقديم أبى تمام فى صنعة البديع واختراع المعانى على جميع المحدثين. وكان يوما مشهودا.
[أثر الغناء والجمال]
وقال ثمامة بن أشرس: كنت عند المأمون يوما، فاستأذن الغلام لعمير المأمونى فكرهت ذلك، ورأى المأمون الكراهية فى وجهى، فقال: يا ثمامة، ما بك؟
стр. 639
فقلت: يا أمير المؤمنين، إذا غنّانا عمير ذكرت مواطن الإبل، وكثبان الرمل، وإذا غنتنا فلانة انبسط أملى، وقوى جذلى، وانشرح صدرى، وذكرت الجنان والولدان، كم بين أن تغنيك جارية غادة كأنها غصن بان، ترنو بمقلة وسنان؛ كأنما خلقت من ياقوتة، أو خرطت من فضّة، بشعر عكاشة العمّى حيث يقول:
من كفّ جارية كأن بنانها ... من فضة قد طرّفت عنّابا
وكأنّ يمناها إذا ضربت بها ... تلقى على الكفّ الشمال حسابا
وبين أن يغنيك رجل كثّ اللحية، غليظ الأصابع، خشن الكف، بشعر ورقاء بن زهير حيث يقول:
رأيت زهيرا تحت كلكل خالد ... فأقبلت أسعى كالعجول أبادره «١»
وكم بين أن يحضرك من تشتهى النظر إليه، وبين من لا يقف طرفك عليه؟ فتيسم المأمون، وقال: الفرق بينهما واضح، والمنهج فسيح؛ يا غلام، لا تأذن له، وأحضر أطيب قيناته، فظللنا فى أمتع يوم.
وعكاشة هذا هو عكاشة بن عبد الصمد البصرى، نقىّ الديباجة، ظريف الشعر، وكان شاعرا مجيدا. وقد أخذ معنى قوله أبو العباس الناشىء، وزاد فيه، فقال:
وإذا بصرت بكفها اليسرى حكت ... يد حاسب تلقي عليك صنوفا
فكأنما المضراب فى أوتاره ... قلم يمجمج فى الكتاب حروفا
ويجسّه إبهامها فكأنما ... فى النّقر تنفى بهرجا وزيوفا
أخذ هذا البيت من قول أبى شجرة السلمى وذكر ناقته:
تطير عنها حصى الظّرّان من بلد ... كما تنوقد عند الجهبذ الورق «٢»
стр. 640
وأصله قول امرىء القيس:
كأنّ صليل المروحين تشذّه ... صليل زيوف ينتقدن بعبقرا «١»
وقال أبو الفتح كشاجم:
لو لم تحركه أناملها ... كان الهواء يعيده نطقا
جسّته عالمة بحالته ... جسّ الطبيب لمدنف عرقا
غنّت فخلت أظنّنى طربا ... أسمو إلى الأفلاك أو أرقى
وحسبت يمناها تحرّكه ... رعدا وخلت يسارها برقا
وأنشد الحاتمى لأبى بكر الصولى:
وغناء أرقّ من دمعة الصبّ ... وشكوى المتيم المهجور
يشغل المرء منظر ثم نطق ... فهو يصغى بظاهر وضمير
صافح السمع بالذى يشتهيه ... وأذاق النفوس طعم السرور
ليس بالقائل الضعيف إذا ما ... راض نغما ولا الشنيع الجهير
وقال أبو نواس:
وأهيف مثل طاقة ياسمين ... له حظّان من دنيا ودين
يحرّك حين يشدو ساكنات ... فتنبعث الطبائع للسكون
وهذا مليح، يريد حركة الجوانح للغناء، وسكون الجوارح للاستماع وقال الحمدونى يصف عودا:
وناطق بلسان لا ضمير له ... كأنه فخذ نيطت إلى قدم
يبدى ضمير سواه للقلوب كما ... يبدى ضمير سواه منطق القلم
стр. 641
[من وصف القيان]
ومن أحسن ما قيل فى صفة القيان قول ابن الرومى:
وقيان كأنها أمهات ... عاطفات على بنيها حوانى
مطفلات وما حملن جنينا ... مرضعات ولسن ذات لبان
ملقمات أطفالهنّ ثديّا ... ناهدات كأحسن الرّمان
مفعمات كأنها حافلات ... وهى صفر من درّة الألبان
كل طفل يدعى بأسماء شتّى ... بين عود ومزهر وكران «١»
أمه دهرها تترجم عنه ... وهو بادى الغنى عن الترجمان
وقال أبو الفتح كشاجم:
جاءت بعود كأنّ نغمته ... صوت فتاة تشكو فرق فتى
محفّف حفّت العيون به ... كأنما الزهر حوله نبتا
دارت ملاويه فيه فاختلفت ... مثل اختلاف العيون مذثبتا
لو حركته وراء منهزم ... على بريد لعاج والتفتا
وقال:
يقولون تب والكأس فى كفّ أغيد ... وصوت المثانى والمثالث عالى
فقلت لهم لو كنت أزمعت توبة ... وشاهدت هذا فى المنام بدا لى «٢»
وقال:
أفدى التى كلف الفؤاد من أجلها ... بالعود حتى شفّنى إطرابا
تاهت بجمع صناعتين، وأظهرت ... كبرا بذاك، وأعجبت إعجابا
قالت: فضلتك بالغناء وأنت لا ... تشدو، وكنا مثلكم كتّابا
стр. 642
فعنيت بالأوتار حتى لم أدع ... نغما ولم أغفل لهنّ حسابا
وألفتها فأغار ذاك على يدى ... قلمى وعاتبها عليه عتابا
فجعلت للقرطاس جانب صدره ... وجعلت جانب عجزه مضرابا
وقال:
جاءت بعود كأنّ الحبّ أنحله ... فما يرى فيه إلا الوهم والشبح
فحركته وغنت بالثقيل لنا ... صوتا به الشوق فى الأحشاء ينقدح
بيضاء يحضر طيب اللهو ما حضرت ... فإن نأت عنك غاب اللهو والفرح «١»
كل اللباس عليها معرض حسن ... وكلّ ما تتغنى فهو مقترح
هذا من قول ابن المعتز:
وغنّت فأغنت عن المسمعي ... ن وارتجّ بالطرب المجلس
محاسنها نزهة للعيون ... ومعرضها كل ما تلبس
وقال أيضا: «٢»
أشتهى فى الغناء بحة حلق ... ناغم الصوت متعب مكدود
كأنين المحبّ أضعفه الشّو ... ق فضاهى به أنين العود
لا أحبّ الأوتار تعلو كما لا ... أشتهى الضرب لازما للعمود
وأحب المجنبات كحبى ... للمبادى موصولة بالنّشيد
كهبوب الصبا توسط حالا ... بين حالين شدة وركود
وقال:
آه من بحة بغير انقطاع ... لفتاة موصولة الإيقاع
أتعبت صوتها وقد يجتنى من ... تعب الصوت راحة الأسماع
стр. 643
فغدت تكثر الشّجاج وحطّت ... طبقات الأوتار بعد ارتفاع «١»
كأنين المحبّ خفّض منه ... صوت شكواه شدّة الأوجاع
وقال بعض أهل العصر، وهو أبو الحسن بن يونس:
غنّت فأخفت صوتها فى عودها ... فكأنما الصوتان صوت العود
غيداء تأمر عودها فيطيعها ... أبدا، ويتبعها اتّباع ودود
أندى من النّوّار صبحا صوتها ... وأرقّ من نشر الثّنا المعهود
فكأنما الصوتان حين تمازجا ... ماء الغمامة وابنة العنقود
وأبو الحسن هذا هو: على بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى صاحب عبد الله بن وهب الفقيه، وكان لأبى الحسن فى الشعر مذهب حسن، وطبع صحيح، وحوك مليح، وكان عالما بالنجوم وما يتعلق بها من علوم الأوائل وهو القائل:
سقى الله أكناف اللّوى كلما سقى ... بضرب من المزن الكنهور هامل «٢»
إذا نشرت ريح جمان سحابة ... غدا وهو حلى للرياض العواطل
به وجد رعد ليس بين جوانح ... ووسواس ودق ليس بين مفاصل
إذا كان خدّ البرق يلمس نبته ... تلقّاه درّ النّور فوق الخمائل
وقال، وذكر غلاما:
يجرى النسيم على غلائل خدّه ... وأرقّ منه ما يمرّ عليه
ناولته المرآة ينظر وجهه ... فكسته فتنة ناظريه إليه
وقال ابن المعتز- وذكر المرآة:
تبيّننى لى كلما رمت نظرة ... وناصحتى من دون كلّ صديق
стр. 644
يقابلنى منك الذى لا عدمته ... بلجّة ماء وهو غير غريق
وقال أبو الفتح كشاجم يصف مرآة أهداها:
أخت شمس الصفاء فى الحسن والإشراق ... غير الإعشاء للأجفان
ذات طوق مشرف من لجين ... أجريت فيه صفرة العقيان
فهو كالهالة المحيطة بالبد ... ر لستّ مضين بعد ثمان
وعلى ظهرها فوارس تلهو ... ببزاة تعدو على غزلان
[لك فيها إذا تأملت فأل ... حسن مخبر بنيل الأمانى]
لم يكن قبلها من الماء جرم ... حاصر نفسه بغير أوان
عدّلت عكسها الشعاع فمبدا ... إليها ورجعه سيّان
وهى شمس وإن مثالك يوما ... لاح فيها فإنها شمسان
أينما قابلت مثالك من أر ... ض ففيها تقابل النّيّران
فالقها منك بالذى ما رآه ... خائف فانثنى بغير أمان
ومن ألفاظ أهل العصر فى مدح الغناء
غناؤه كالغنى بعد الفقر، وهو جبر للكسر «١» . [غناؤه] يبسط أسرّة الوجه، ويرفع حجاب الإذن، ويأخذ بمجامع القلب، ويحرّك النفوس، ويرقص الرءوس. فلان طبيب القلوب والأسماع، ومحيى موات الخواطر والطّباع، يطعم الآذان سرورا، ويقدح فى القلوب نورا. القلوب من غنائه على خطر؛ فكيف الجيوب؟! السكر على صوته شهادة. كل ما يغنّيه مقترح. لغنائه فى القلب، موقع القطر فى الجدب. نغمة نغمته تطرب، وضروب ضربه لا تضطرب.
وقيل: السماع متعة الأسماع، وإدام المدام.
стр. 645
[الأقلام]
أهدى بعض الكتّاب إلى أخ له أقلاما وكتب إليه: إنه- أطال الله بقاءك! - لما كانت الكتابة قوام الخلافة، وقرينة الرياسة، وعمود المملكة، وأعظم الأمور الجليلة قدرا، وأعلاها خطرا، أحببت أن أتحفك من آلاتها بما يحفّ عليك محمله، وتثقل قيمته، ويكثر نفعه؛ فبعثت إليك أقلاما من القصب النابت فى الأعذاء «١» ، المغذوّ بماء السماء، كاللآلى المكنونة فى الصّدف، والأنوار المحجوبة بالسّدف، تنبو عن تأثير الأسنان، ولا يثنيها غمز البنان، قد كستها طباعها جوهرا كالوشى المحبّر، وفرند الديباج المنيّر، فهى كما قال الكميت:
وبيض رقاق صحاح المتو ... ن تسمع للبيض فيها صريرا
مهنّدة من عتاد الملوك ... يكاد سناهنّ يعشى البصيرا
وكقبح النبل فى ثقل أوزانها، وقضب الخيزران فى اعتدالها، ووشيج الخطّ فى اطّرادها، تمرّ فى القراطيس كالبرق اللائح، وتجرى فى الصحف كالماء السائح، أحسن من العقيان، فى نحور القيان.
وكتب عبيد الله بن طاهر إلى إسحاق بن إبراهيم من خراسان إلى بغداد يسأله أن يوجّه إليه بأقلام قصبيّة: أما بعد، فإنّا على طول الممارسة لهذه الصناعة التى غلبت على الاسم، ولزمت لزوم الوسم، فحلّت محل الأنساب، وجرت مجرى الألقاب- وجدنا الأقلام القصبيّة أسرع فى الكواغد، وأمرّ فى الجلود، كما أن البحرية منها أسلس فى القراطيس، وألين فى المعاطف، وأكلّ عن طريقها؟؟؟، والتعلق بما ينبو من شظاياها. ونحن فى بلاد قليلة القصب، ردىء ما يوجد
стр. 646
بها منه؛ فأحببت أن تتقدّم فى اختيار أقلام قصبية، وتتأنّق فى انتقائها قبلك، وطلبها فى منابتها، من شطوط الأنهار، وأرجاء الكروم، وأن تتيمّم باختيارك منها الشديدة المجسّ، الصّلبة المعضّ، الغليظة الشحوم، المكتنزة الجوانب، الضيّقة الأجواف، الرزينة الوزن، فإنها أبقى على الكتاب، وأبعد من الحفاء، وأن تقصد بانتقائك منها للرقاق القضبان، اللطاف المنظر، المقوّمات الأود، الملس العقد، ولا يكون فيها التواء عوج ولا أمت؛ وضمّ الصافية القشور، الخفية الأبن «١» ، الحسنة الاستدارة، الطويلة الأنابيب، البعيدة ما بين الكعوب، الكريمة الجواهر، المعتدلة القوام، تكاد أسافلها تهتزّ من أعلاها، لاستواء أصولها برءوسها، المستكملة يبسا، القائمة على سوقها، قد تشرّبت الماء في لحائها، وانتهت فى النّضج منتهاها، لم تعجّل عن تمام مصلحتها، وإبّان ينعها، ولم تؤخّر فى الأيام المخوفة عاهاتها؛ من خصر الشتاء، وعفن الأنداء، فإذا استجمعت عندك أمرت تقطعها ذراعا ذراعا، قطعا رفيقا تتحرّز معه أن تتشعّب رءوسها، أو تنشق أطرافها، ثم عبأت منها حزما فيما يصونها من الأوعية، وعليها الخيوط الوثيقة، ووجّهتها مع من يحتاط فى حراستها وحفظها وإيصالها؛ إذ كان مثلها يتوانى فيه، لقلّة خطرها عند من لا يعرف فضل جوهرها؛ واكتب معه بعدّتها وأصنافها وأجناسها وصفاتها، على الاستقصاء، من غير تأخير ولا إبطاء.
فأجابه ووجّه إليه مع الأنابيب: أتانى كتاب الأمير- أعزّه الله! - بما أمر به ولخصه، من البعث بما شاكل نعته، وضاهى صفته، من أجناس الأقلام، فتيممت بغيته قاصدا لها، وانتهجت معالم سبله آخذا بها، فأنفذت إليه حزما أنشئت بلطيف السّقيا، وحسن العهد والبقيا، لم تعجل بإخراجها، ولا بودرت
стр. 647
قبل إدراكها؛ فهى مستوية الأنابيب معتدلتها، مثقّفة الكعوب مقوّمتها؛ لا يرى فيها أمت زور، ولا وصم صغر ولا عوج، وقد رجوت أن يجدها الأمير عند إرادته وحسب بغيته.
ومن كلام منصور بن عمّار فى صفة القلم، ويقال إنه لسليمان بن الوليد الكاتب: أو ليس من عجائب الله فى خلقه، وإنعامه على عباده، تعليمه إياهم الكتاب المفيد للباقين حكم الماضين، والمخاطب للعيون بسرائر القلوب، على لغات مختلفة، بمعان مفترقة معقودة، وأحرف مقلوبة، من ألف وتاء، وجيم وباء، متباينات الصور، مختلفات الجهات، لقاحها التفكير، ونتاجها التأليف، تخرس مفردة، وتنطق مزدرجة، بلا أصوات مسموعة، ولا ألسن محدودة، ولا حركات ظاهرة، بل قلم حرّف باريه قطّته، ليعلق المداد به، وأرهف جانبيه ليردّ ما انتشر عنه إليه، وشقّ فى رأسه ليحتبس الاستعداد عليه، ورفع من شعبتيه لتجتمع حواشى تصويره؛ فهنالك روى القلم فى شقّه، وقذف المادة إلى صدره، فإذا علقتها العيون حكتها الألسن، فالقلوب حينئذ راعية، والآذان واعية، لكلام سدّاه العقل، وألحمه اللسان، وأدّته اللهوات، ولفظته الشّفاه، ووعته الأسماع، على اختلاف أنحاء، من صفات وأسماء؛ فتبارك الله أحسن الخالقين.
حمل من رسالة كتبها بعض أهل العصر، وهو أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمى، فى القلم إلى أبى عمران بن رياح:
إنه لما كان القلم مطيّة الفكر والبيان، ومخرج الضمير إلى العيان، ومستنبطا ما تواريه ظلم الجنان إلى نور البيان، ومريح الفطن العوازب، وجالب الفكر الغرائب [ولسان الغائب، وبز الكاتب، ومكتّب الكتائب] ، ومفرق الجلائب، وعماد السّلم، وزناد الحرب، ويد الحدثان، وخليفة اللسان، ورأس الأدوات التى
стр. 648
خصّ الله بها الإنسان، وشرّفه بها على سائر أصناف الحيوان، ومركبا لآلة قد تقدّمت كلّ آلة، وحكمة سبقت فى الإنسان كلّ حكمة، وقواما لهندسة عقلية، ومصدرا لعقل العاقل، وجهل الجاهل. الناقل إلينا حكم الأولين، وحاملها عنا إلى الآخرين، الحافظ علينا أمر الدنيا والدين، أول شىء خلقه الله بأمره وسبّحه، ومجّده وحمده وسجد له، فكان له فرسان خلق لهم، وكنت عميدهم، وأقران قصر عليهم، وأنت صنديدهم، وميدان كنت زينه، ومضمار كنت عينه، وحلية كنت سابقها ومعجزها، وغاية كنت مالكها ومحرزها، ورمت بى الأيام إلى معدنه الذى كلفت به وعنيت بطلبه، فانفردت منه بقدح فذّ أوحد، فرد فى مثبته، قد ساعدت عليه السعود فى فلك البروج حولا كاملا، مختلف يؤلّفه أركانها وطباعها، ومتباين أنوائها وأنحائها، وتؤيده بقواها وجواهرها، حتى غذته عرقا فى الثرى معرقا، وأرضعته ناجما، وسقته مكعبا، وأروته مقصبا، وأظمأته مكتهلا، ولوحته مستحصدا، وجللته بهاءها، وألقت عليه عنوانها، وأودعته أعراقها وأوراقها وأخلاقها، حتى إذا شق بازله، ورقّت شمائله، وابتسم من غشائه، ونادى من لحائه، وتعرى «١» عن خز المصيف، بانقضاء الخريف، وانكشف عن لون البيض المكنون، والصدف المخزون، ودر البحار، وفتات الجمار، دعا منه نفق العاج بنقبة الديباج، وقميص الدرر بطراز النساج، فاجتمعت له زينة الأيدى البشرية، إلى الأيدى العلوية، والأنساب الأرضية، إلى الأنساب السماوية، فلما قادته السعادة إلىّ، ورأيته نسيج وحده فى الأقلام، رأيت أولى الناس به نسيج وحده فى الأنام، فآثرتك به مؤثرا للصنيعة؛ عالما أن زين الجياد فرسانها، وزين السيوف أقرانها، وزين بزة لابسها، وزين أداة ممارسها،
стр. 649
فالآن أعطيت القوس باريها، وزناد المكارم موريها، والصمصامة مصلتها، والقناة معلمها، وحلّة المجد لا بسها.
وكان النجيرمى جيّد الروية والبديهة فى نظمه ونثره، حلو التصريف، مليح التأليف، وكان يوما عند أبى المسك كافور الإخشيدى، فدخل عليه أبو الفضل ابن عياش فقال: أدام الله أيام سيدنا الأستاذ- بالخفض- فتبسّم كافور إلى أبى إسحاق، فقال ارتجالا:
لا غرو إن لحن الدّاعى لسيّدنا ... وغصّ من هيبة بالريق والبهر
فمثل سيدنا حالت مهابته ... بين البليغ وبين القول بالحصر
فإن يكن خفض الأيام من دهش ... من شدة الخوف لا من قلّة البصر
فقد تفاءلت فى هذا لسيدنا ... والفأل مأثرة عن سيّد البشر
بأن أيامه خفض بلا نصب ... وأن دولته صفو بلا كدر
فأمر له بثلاثمائة دينار، ولابن عياش بمائتين.
وقال حمدان الدمشقى يصف قلما:
للأيم بعثته وشقّ لسانه ... وله إذا لم تجره إطراقه
كالحيّة النّضناض إلّا أنه ... من حيث يجرى سمه ترياقه
قال العتابى: سألنى الأصمعى فقال لى: أى الأنابيب أصلح للكتابة وعليها أصبر؟ فقلت: ما نشف بالهجير ماؤه، وستره عن تلويحه غشاؤه، من التّبرية القشور الدرّية الظهور، الفضية الكسور، قال: فأىّ نوع من البرى أكتب وأصوب؟
قلت: البرية المستوية القطّ، عن يمين سنّها، برية تأمن معها المجّة عند المط «١» ،
стр. 650
الهواء فى مشقّها فتيق، والريح فى جوفها خريق، والمداد فى خرطومها رقيق، قال: فبقى الأصمعى شاخصا إلىّ ضاحكا لا يحير مسألة ولا جوابا.
[من ترجمة العتانى وأدبه وأخباره]
والعتابى: هو كلثوم بن عمرو بن الحارث التغلبى، يكنى أبا عمرو، قال أبو عثمان الجاحظ: كان العتّابىّ ممن اجتمع له الخطابة، والبيان، والشعر الجيد، والرسائل الفاخرة، وعلى ألفاظه وحذوه يقول فى البديع جميع من يتكلّف ذلك من شعراء المولدين كنحو منصور النّمرى، ومسلم بن الوليد الأنصارى، وأشباههما، وكان العتابى يحتذى حذو بشّار فى البديع، ولم يكن فى المولدين أجود بديعا من بشار وابن هرمة والعتابى من ولد عمرو بن كلثوم ابن مالك بن عتّاب بن سعد، ولذلك قال:
إنى امرؤ هدم الإقتار مأثرتى ... واجتاح ما أبدت الايام من خطرى
أنا ابن عمرو بن كلثوم يسوّده ... حيّا ربيعة والأحياء من مضر
أرومة عطّلتنى من مكارمها ... كالقوس عطّلها الرامى من الوتر
وكان صاحب بديهة فى المنظوم والمنثور، حسن العقل والتمييز، والعرب تقول: من تمنّى رجلا حسن العقل، حسن البيان، حسن العلم، تمنّى شيئا عسيرا.
وقد اجتمع ذلك كله للعتابى.
وعاتبه يحيى بن خالد على لباسه، وكان لا يبالى أى ثوبيه ابتذل! فقال: أبعد الله رجلا مهمّه أن يكون جماله فى لباسه وعطره. إنما ذلك حظّ النساء، وأهل الأهواء، حتى يرفعه أكبراه: همّته، ولبّه، ويعلو به معظماه:
لسانه، وقلبه.
стр. 651
ودخل على الرشيد فقال: تكلّم يا عتّابىّ! فقال: الإيناس قبل الإبساس، لا يمدح المرء بأوّل صوابه، ولا يذمّ بأول خطئه؛ لأنه بين كلام زوّره، أوعى حصره.
وذكر أبو هفّان أنّ الرشيد لقيه بعد قتل جعفر بن يحيى وزوال نعمته، فقال: ما أحدثت بعد يا عتّابى؟ فأنشده ارتجالا:
تلوم على ترك الغنى باهلية ... طوى الدهر عنها كلّ طرف وتالد
رأت حولها النسوان يرفلن فى الكسا ... منظمة أجيادها بالقلائد
أسرّك أنى نلت ما نال جعفر ... من الملك أو ما نال يحيى بن خالد
وأن أمير المؤمنين أغصّنى ... مغصّهما بالمرهفات البوارد
فإنّ رفيعات المعالى مشوبة ... بمستودعات فى بطون الأساود
وكان متحرفا عن البرامكة، وفيهم يقول:
إنّ البرامك لا تنفكّ أبحية ... بصفحة الدّين من نجواهم ندب «١»
تجرّمت حجج منهم ومنصلهم ... مضرّج بدم الإسلام مختضب «٢»
واجتاز عبد الله بن طاهر بالرقة بمنزل العتّابى، فقال: أليس هذا منزل كلثوم ابن عمرو؟ قيل: نعم، فثنى رجله، ودخل إليه، فألفاه جالسا فى بيت كتبه، فحادثه وذاكره، ثم انصرف، فتحدّث الناس فى ذلك، وقالوا: إن الأمير لم يقصده، وإنما اجتاز به فأخطر ذلك الزيارة، فكتب إليه:
يا من أفادتنى زيارته ... بعد الخمول نباهة الذكر
قالوا الزيارة خطرة خطرت ... ومجاز خطرك ليس بالخطر
فادفع مقالتهم بثالثة ... تستنفد المجهود من شكرى
стр. 652
لا تجعلنّ الوتر واحدة ... إن الثلاث تتمة الوتر
فبعثته الأبيات إلى أن زاره ثلاثا.
وكان يميل إلى المأمون، فلما خرج المأمون إلى خراسان شيّعه حتى وصل معه إلى سندان «١» كسرى، فقال له المأمون: سألتك بالله يا عتّابى إلا عملت على زيارتنا إن صار لنا من هذا الأمر شىء، فلما ولى المأمون الخلافة، ودخل بغداد سنة أربع ومائتين توصّل إليه العتّابى، فلم يمكنه الوصول، فقال للقاضى يحيى بن أكثم:
إن رأيت أن تعلم أمير المؤمنين بمكانى! فقال: لست بحاجب! قال: قد علمت، ولكنك ذو فضل، وذو الفضل معوان! فقال: سلكت بى غير طريقى! قال:
إن الله تعالى ألحقك بحاه ونعمة، وهما يقيمان عليك بالزيادة إن شكرت، والتغيير إن كفرت، وأنا اليوم لك خير منك لنفسك؛ أدعوك لما فيه زيادة نعمتك، وأنت تأبى ذلك؛ ولكلّ شىء زكاة، وزكاة الجاه بذله للمستعين، فدخل يحيى على المأمون فقال: أجرنى من لسان العتّابى، فلها عنه، ولم يأذن له، فلما طال عليه كتب إليه:
ما على ذلك افترقنا بسندا ... ن ولا هكذا عهدنا الإخاء
لم أكن أحسب الخلافة يزدا ... دبها ذو الصفاء إلّا صفاء
تضرب الناس بالمثّقفة السّمر ... على غدرهم وتنسى الوفاء
يعرّض بقتله لأخيه على غدره، ونكثه لما عقد الرشيد؛ فلما قرأ المأمون والأبيات أمر أن يدخل عليه. فلما سلم قال: يا عتابى، بلغتنى وفادتك فسرّتنى، وقد كانت بلغتنى وفاتك فساءتنى، وإنى لحرىّ بالغم لبعدك، والسرور بقربك! فقال: يا أمير المؤمنين؛ لو قسم هذا الكلام على أهل الأرض لوسعهم عدلا
стр. 653
وأعجزهم شكرا، وإنّ رضاك لغاية المنى؛ لأنه لا دين إلا بك، ولا دنيا إلا معك، قال: سلنى، قال: يدك بالعطية أطلق من لسانى بالمسألة، فأمر له بخمسين ألفا.
وقال العتابى وودّع جارية له:
ما غناء الحذار والإشفاق ... وشآبيب دمعك المهراق
ليس يقوى الفؤاد منك على الصّ ... دّ ولا مقلتا طليح المآقى
غدرات الأيّام منتزعات ... ما غنمنا من طول هذا العناق
إن قضى الله أن يكون تلاق ... بعد ما قد ترين كان تلاق
هوّنى ما عليك واقنى حياء ... لست تبقين لى ولست بباق
أيّنا قدّمت صروف المنايا ... فالذى أخّرت سريع اللّحاق
ويد الحادثات رهن بمرّا ... ت من العيش مصبرات المذاق
غرّ من ظن أن يفوت المنايا ... وعراها قلائد الأعناق
كم صفيّين متّعا باتفاق ... ثم صارا لغربة وافتراق
قلت للفرقدين والليل ملق ... سود أكنافه على الآفاق
ابقيا ما بقيتما سوف يرمى ... بين شخصيكما بسهم الفراق
بينما المرء فى غضارة عيش ... وصلاح من أمره واتّفاق
عطفت شدّة الزمان فأدّته ... إلى فاقة وضيق خناق
لا يدوم البقاء للخلق ... لكنّ دوام البقاء للخلّاق
وقال فى الرشيد:
إمام له كفّ تضم بنانها ... عصا الدين ممنوعا من البرى عودها
стр. 654
وعين محيط بالبريّة طرفها ... سواء عليها قربها وبعيدها
وقال فيه:
رعى أمّة الإسلام فهو إمامها ... وأدّى إليها الحقّ فهو امينها
مقيم بمستنّ الفلاحيث تلتقى ... طوارق أبكار الخطوب وعونها
وكان منصور النمرى سعى به إلى الرشيد فخافه، فهرب إلى بلد الروم. وله قصائد يعتذر فيها جيدة مختارة، وهو مشبّه فى حسن الاعتذار بالنابغة الذبيانى، ومن جيّد اعتذاره قوله للرشيد، ويقال: بل قالها على لسان. عيسى بن موسى الهاشمى يخاطب الرشيد:
جعلت رجاء العفو عذرا وشبته ... بهيبة إمّا غافر أو معاتب
وكنت إذا ما خفت حادث نبوة ... جعلتك حصنا من حذار النوائب
فأنزل بى هجرانك اليأس بعد ما ... حللت بواد منك رحب المشارب
أظل ومرعاى الجديب مكانه ... وآوى إلى حافات أكدر ناضب
ولم يثن عن نفسى الردى غير أنها ... تنوء بباق من رجائك ثائب «١»
هى النفس محبوس عليك رجاؤها ... مقيدة الآمال دون المطالب
وتحت ثياب الصبر منى ابن لوعة ... بظلّ ويمسى مستلين الجوانب
فتى ظفرت منه الليالى بزلّة ... فأقلعن عنه داميات المخالب
حنانيك إنى لم أكن بعت عزّة ... بذلّ، وأحرزت المنى بالمواهب
فقد سمتنى الهجران حتى أذقتنى ... عقوبة زلاتى وسوء مناقب
فهاأنا مقصى فى رضاك، وقابض ... على حدّ مصقول الذبابين قاضب
ومنتزع عما كرهت وجاعل ... هواك مثالا بين عينى وحاجبى
стр. 655
وفى هذه القصيدة مما يختار أهل الصناعة:
وأشعث مشتاق رمى فى جفونه ... غريب الكرى بين الفجاج السباسب
سحبت له ذيل السّرى وهو لابس ... دجى الليل حتى مجّ ضوء الكواكب
ومن فوق أكوار المهارى لبانة ... أحل لها أكل الذّرى والغوارب
وكلّ فتى عاداته قصر شوقه ... وطىّ الحشى دون الهموم العوازب
يسرّ الهوى لم يبده نعت فرقة ... صراخا، ولم تسمع به أذن صاحب
إذا ادّرع الليل انجلى وكأنّه ... بقية هندى الحسام المضارب
بركب ترى كسر الكرى فى جفونهم ... وعهد الليالى فى وجوه مشاحب
وقال أيضا:
لو رأتنى بذى المحارة فردا ... وذراع ابنة الفلاة وسادى «١»
أطفىء الحزن بالدموع إذا ما ... حمة الشوق أثّرت فى فؤادى
خاشع الطرف قد توشّحنى الضرّ ... فلانت له قناة قيادى
ترب بؤس أخا هموم كأنّ ال ... حزن والبؤس وافيا ميلادى
وكأنى استشعرت ما لفظ النا ... س من النائرات والأحقاد
أتصدّى الرّدى وأدّرع اللي ... ل بهوجاء فوقها أقتادى
حظّ عينى من الكرى خفقات ... بين سرحى ومنحنى أعوادى
أوحش الناس جانبىّ فما آ ... نس إلّا بوحدتى وانفرادى
قد رددت الذى به أتقى النا ... س وأبرزت للزمان سوادى
فاستهلّت علىّ تمطرنى الشو ... ق شآبيب مزنة مرعاد
وقال:
أما راع قلب العامرية أننى ... غدوت ومرجوع السقام قرينى
стр. 656
وقال:
أكاتم لو عات الهوى ويبينها ... تخلّل ماء الشوق بين جفونى
ومطروفة الإنسان فى كل لوعة ... لها نظرة موصولة بحنين
[من آداب آل وهب]
وقال الحسن بن وهب بن سعيد:
أبك فمن أحسن ما فى البكى ... أن البكى للوجد تحليل
وهو إذا أنت تأملته ... حزن على الخدّين محلول
وقد أعرق بنو وهب فى الكتابة وأنجبوا، ولهم فى هذا الكتاب ما يشهد لهم بما نسب إليهم، وفيهم يقول الطائى:
كل شعب كنتم به آل وهب ... فهو شعبى وشعب كلّ أديب «١»
إن قلبى لكم لكالكبد الحرّى ... وقلبى لغيركم كالقلوب
وفى هذه القصيدة يقول فى مدح سليمان بن وهب:
ما على الوسّج «٢» الرّواتك من عي ... ب إذا ما أتت أبا أيوب
حوّل لا فعاله مرتع الذمّ ... ولا عرضه مناخ العيوب
واجد بالصديق من برحاء الشّ ... وق وجدان غيره بالحبيب
أخذ سليمان منه معنى هذا البيت الأخير، فقال فى رسالة لبعض إخوانه:
ظرف الصداقة، أرقّ من ظرف العلاقة، والنفس بالصديق، آنس منها بالعشيق. فقال له أبو تمام: كلامك هذا أرق من شعرى.
والحسن بن وهب حسن الشعر والبلاغة، جيّد اللسان، حلو البيان، وكان يحب بنان جارية محمد بن حمّاد، وله فيها شعر جيد، ولها بقول:
стр. 657
أقول وقد حاولت تقبيل كفّها ... وبى رعدة أهتزّ منها وأسكن
ليهنئك أنّى أشجع الناس كلّهم ... لدى الجرب إلا أننى عنك أجبن
وحضرت مجلسه وبين يديه نار فأمرت بإزالتها، فقال:
بأبى كرهت النار حتى أبعدت ... فعلمت ما معناك فى إبعادها
هى ضرّة لك فى التماع ضيائها ... وهبوب نفحتها لدى إيقادها
وأرى صنيعك فى القلوب صنيعها ... بسيالها وأراكها وعرادها «١»
شركنك فى كلّ الأمور بفعلها ... وضيائها وصلاحها وفسادها
وإلى هذا ينظر قول الأمير تميم بن المعزّ:
ما هجرت المدام والورد والبد ... ر بطوع، لكن برغم وكره
منعتنى من الثلاثة من لو ... قتلتنى لم أحك والله من هى
قالت الورد والمدامة والبد ... رضيائى ولون خدّى ووجهى
قلت بخلّا بكلّ شىء فقالت ... لا ولكن بخلت بى وبشبهى
قلت يا ليتنى شبيهك قالت ... إنما يقتل المحبّ التّشهّى
ولما مات الحسن بن وهب- وكان موته بالشام- عزّى عنه أخوه سليمان فجاء أبو العيناء، فقال: أنشدنى أبو سعيد الأصمعى:
لعمرى لنعم المرء من آل جعفر ... بحوران أمسى أعلقته الحبائل
لقد فقدوا عزما وحزما وسؤددا ... وعلما أصيلا خالفته المجاهل
فإن عشت لم أملل حياتى وإن تمت ... فما فى حياتى بعد موتك طائل
فقال سليمان: أحسن الله جزاءك، ووصل إخاءك، إن هذا لمن أحسن الشعر، وقد تمثّل به قتيبة حين بلغه موت الحجاج، ولكنى أقول كما قال كعب ابن سعد الغنوى يرثى أخاه أبا الغوار:
стр. 658
أخى ما أخى لا فاحش عند بيته ... ولا ورع عند اللقاء هيوب
حليم إذا ما سورة الجهل أطلقت ... حبى الشيب، للنفس اللّجوج غلوب
حبيب إلى الزوّار غشيان بيته ... جميل المحيّا شبّ وهو أريب
إذا ما تراآه الرجال تحفّظوا ... فلم تنطق العوراء وهو قريب
فانصرف الناس يعجبون من علم سليمان، وحسن جوابه، وصحّة تمثله.
والأبيات التى أنشدها الأصمعى للحطيئة، واسمه جرول بن أوس بن جؤيّة ابن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيفة بن عبس بن بغيض، يقولها فى علقمة ابن علاثة وفيها يقول:
فما كان بينى لو لقيتك سالما ... وبين الغنى إلا ليال قلائل
قال سليمان بن وهب: لما جار علينا بالنكبة السلطان، وجفانا من أجلها الإخوان، أنصفنا ابن أبى دواد بتطوّله، وكفانا الحاجة إليهم بتفضّله، فكنا وإياه كما قال الحطيئة:
جاورت آل مقلّد فحمدتهم ... إذ لا يكاد أخو جوار يحمد
أيام من يرد الصنيعة يصطنع ... فينا، ومن يرد الزهادة يزهد
وله فصل إلى بعض إخوانه:
لك أن تعتب، وشبيهك أن يعذر؛ فهب أقل الأمرين لأكثرهما، وقدّم فضلك على حقّك، ويقينك على شكّك.
ووصف رجلا بليغا فقال: كان والله واسع المنطق، جزل الألفاظ، ليس بالهذر فى لفظه، [ولا المظلم فى مقصده؛ معناه إلى القلم أسرع من لفظه إلى السّمع] .
وهذا ضدّ قول محمد بن عبد الملك الزيات فى عبيد الله بن يحيى بن خاقان.
هو مهزول الألفاظ، غليظ المعانى، سخيف العقل، ضعيف العقدة، واهى العزم، مأفون الرأى
стр. 659
ألفاظ لأهل العصر فى ذم الكتاب والكتّاب والنثر والشعر
الخرس أحسن من كلامه، والعىّ أبلغ من بيانه، حاطره ينبو، وقلمه يكبو، ويسهو ويغلط، ويخطىء ويسقط. هو قصير باع الكتابة، قاصر سعى الخطابة، وكتبه مضطربة الألفاظ، متفاوتة الأبعاض، منتشرة الأوضاع، متباينة الأغراض. الجلم أولى بكفّه من القلم، والطّاس أليق بها من القرطاس.
كلام تنبو عن قبوله الطباع، وتتجافى عن استماعه الأسماع. ألفاظ تنبو عنها الآذان فتمجّها، وتنكرها الطباع فتزجّها. كلام لا يرفع الطبع له حجابا، ولا يفتح السمع له بابا. كلام يصدى «١» الريّان، ويصدىء الأفهام والأذهان.
كلام قد تعمّل فيه حتى تبذل، وتكلّف حتى تعسّف. طبع جاس، ولفظ قاس، لا مساغ له فى سمع، ولا وصول له مع خلو ذرع. كلام لا الرويّة ضربت فيه بسهم، ولا الفكرة جالت فيه بقدح. كلام تتعثّر فى حزونته، وتتحيّر الأفهام من وعورته. كلمات ضعيفة الإتقان، قليلة الأعيان، مضمحلّة على الامتحان.
ألفاظ تستعار من الدياجى، ومعان تقدّر من الأثافى. كلام بمثله بنسلّى الأخرس عن كلمه، ويفرح الأصم بصممه، أثقل من الجندل، وأمرّ من الحنظل، هو هذيان المحموم، وسوداء الهموم. كلام رثّ، ومعنى غثّ، لا طائل فيهما، ولا طلاوة عليهما. أبيات ليست من محكم الشعر وحكمه، ولا من أحجال الكلام وغرره.
شعر ضعيف الصنعة ردىء الصيغة بغيض الصفة [وقد جمع بين إقواء «٢» وإيطاء، وإبطاء وإخطاء. ما قطع فى شعره شعرة] ولا سقى قطرة. لو شعر بالنقص ما شعر.
стр. 660
لا يميز بين خبيث القول وطيّبه، ولا يفرق بين بكره وثيّبه. هو بارد العبارة، ثقيل الاستعارة. هو من بين الشعراء منبوذ بالعراء. لم يلبس شعره حلّة الطلاوة.
له شعر لا يطيب درسه، ولا يخف سرده، وخطّ مضطرب الحروف، متضاعف التضعيف والتحريف. خطّ يقذى العين ويشجى الصّدر. خط منحطّ، كأنه أرجل البطّ، وأنامل السرطان، على الحيطان. قلمه لا يستجيب بريه، ومداده لا يساعد جريه. قلمه كالولد العاقّ، والأخ المشاق، إذا أدرته استطال، وإذا قوّمته مال، وإذا بعثته وقف، وإذا وقفته انحرف. قلم مائل الشق، مضطرب المشق، متفاوت [البرى، معدوم الجرى، محرّف القطّ. قلم لم يقلّم ظفره فهو] يخدش القرطاس، وينقش الأنقاس «١» ، ويأخذ بالأنفاس. قلم لا يبعث إذا بعثته، ولا يقف إذا وقفته. قد وقف اضطراب [بريه، دون استمرار] جريه، واقتطع تفاوت قطّه، عن تجويد خطه.
[وصف الكلام]
ذكر عتبة بن أبى سفيان كلام العرب فقال: إن للعرب كلاما هو أرقّ من الهواء، وأعذب من الماء، مرق من أفواههم مروق السهام من قسيّها، بكلمات مؤتلفات، إن فسّرت بغيرها عطلت، وإن بدلت بسواها من الكلام استصعبت؛ فسهولة ألفاظهم توهمك أنها ممكنة إذا سمعت، وصعوبتها تعلمك أنها مفقودة إذا طلبت. هم اللطيف فهمهم، النافع علمهم، بلغتهم نزل القرآن، وبها يدرك البيان، وكلّ نوع من معناه مباين لما سواه، والناس إلى قولهم يصيرون، وبهداهم يأتمّون، أكثر الناس أحلاما، وأكرمهم أخلاقا.
وكان يقال: خير الكلام المطمع الممتنع.
стр. 661
وأنشد إبراهيم بن العباس الصّولىّ لخاله العباس بن الاحنف:
إليك أشكو ربّ ما حلّ بى ... من صدّ هذا العاتب المذنب
إن قال لم يفعل، وان سيل لم ... يبذل، وإن عوتب لم يعتب
صبّ بعصيانى، ولو قال لى ... لا تشرب البارد لم أشرب
ثم قال: هذا والله الشعر الحسن المعنى، السهل اللفظ، العذب المستمع، الصعب الممتنع، العزيز النظير، القليل الشبيه، البعيد مع قربه، الحزن مع سهولته، فجعل الناس يقولون: هذا الكلام أحسن من الشعر.
وقال أبو العباس الناشىء يصف شعره:
يتحير الشعراء إن سمعوا به ... فى حسن صنعته وفى تأليفه
فكأنه فى قربه من فهمهم ... ونكولهم فى العجز عن ترصيفه
شجر بدا للعين حسن نباته ... ونأى عن الأيدى جنى مقطوفه
فإذا قرنت أبيّه بمطيعه ... وقرنته بغريبه وطريفه
ألفيت معناه يطابق لفظه ... والنظم منه جليّه بلطيفه
فأتاه متّسقا على إحسانه ... قد نيط منه رزينه بخفيفه
هذبته فجعلته لك باقيا ... ومنعت صرف الدهر عن تصريفه
وقال الناشىء فى فصل من كتابه فى الشعر: الشعر قيد الكلام، وعقل الآداب، وسور البلاغة، ومعدن البراعة، ومجال الجنان، ومسرح البيان، وذريعة المتوسّل، ووسيلة المتوصل، وذمام الغريب، وحرمة الأديب، وعصمة الهارب، وعدّة الراهب، ورحلة الدّانى، ودوحة المتمثل، وروحة المتحمّل، وحاكم الإعراب، وشاهد الصواب.
وقال فى هذا الكتاب: الشعر ما كان سهل المطالع، فصل المقاطع، فحل
стр. 662
المديح، جزل الافتخار، شجىّ النسيب، فكه الغزل، سائر المثل، سليم الزلل، عديم الخللى، رائع الهجاء، موجب المعذرة، محبّ المقتبة، مطمع المسالك، فائت المدارك، قريب البيان، بعيد المعانى، نائى الأغوار، ضاحى القرار، نقى المستشف، قد هريق فيه ماء الفصاحة، وأضاء له نور الزجاجة، فانهلّ فى صادى الفهم، وأضاء فى بهيم الرأى. لمتأمله ترقرق، ولمستشفّه تألّق، يروق المتوسم، ويسر المترسّم؛ قد أبدت صدوره متونه، وزهت فى وجوهه عيونه، وانقادت كواهله لهواديه، وطابقت [ألفاظه معانيه، وخالفت أجناسه مبانيه، فاطّرد لمتصفحه، وأنار] لمستوضحه، وأشبه الروض فى وشى ألوانه، وتعمّم أفنانه، وإشراق نواره، وابتهاج أنجاده بأغواره؛ وأشبه الوشى فى اتفاق رقومه، واتساق رسومه، وتسطير كفوفه، وتحبير فوفه؛ وحكى العقد فى التئام فصوله، وانتظام وصوله، وازديان ياقوته بدره، وفريده بشذره، فلو اكتنف الإيجاز موارده، وصقلت مداوس الدربة مناصله، وشحذت مدارس الأدب فياصله، جاء سليما من المعايب، مهذّبا من الأدناس، تتحاشاه الأبن، وتتحاماه الهجن، مهديا إلى الأسماع بهجته، وإلى العقول حكمته.
وقد قلت فى الشعر قولا جعلته مثلا لقائليه، وأسلوبا لسالكيه، وهو:
الشعر ما قومت زيغ صدوره ... وشددت بالتهذيب أسر متونه
ورأبت بالإطناب شعب صدوعه ... وفتحت بالإيجاز غور عيونه
وجمعت بين قريبه وبعيده ... ووصلت بين مجمّه ومعينه
وعقدت منه لكلّ أمر يقتضى ... شبها به فقرنته بقرينه
فإذا بكيت به الديار وأهلها ... أجريت للمحزون ماء شئونه
ووكلته بهمومه وغمومه ... دهرا فلم يسر الكرى بجفونه
стр. 663
وإذا مدحت به جوادا ماجدا ... وقضيته بالشّكر حقّ ديونه
أصفيته بنفيسه ورصينه ... ومنحته بخطيره وثمينه
فيكون جزلا فى اتّفاق صنوفه ... ويكون سهلا فى اتّساق فنونه
وإذا أردت كناية عن ريبة ... باينت بين ظهوره وبطونه
فجعلت سامعه يشوب شكوكه ... ببيانه وظنونه بيقينه
وإذا عتبت على أخ فى زلّة ... أدمجت شدّته له فى لينه
فتركته مستأنسا لدمائة ... مستيئسا لوعوثه وحزونه
وإذا نبذت إلى التى علقتها ... إن صارمتك بفاتنات شئونه
تيّمتها؟؟؟ بلطيفه ورقيقه ... وشغفتها بخفيّه وكمينه
وإذا اعتذرت إلى أخ فى زلّة ... واشكت بين محيله ومبينه
فيحور ذنبك عند من يعتدّه ... عتبا عليك مطالبا بيمينه
والقول يحسن منه فى منثوره ... ما ليس يحسن منه فى موزونه
وقال الخليل بن أحمد: الشعراء أمراء الكلام، بضرّفونه أنّى شاءوا؛ وجائز لهم ما لا يجوز لغيرهم: من إطلاق المعنى وتقييده، ومن تصريف اللّفظ وتعقيده، ومدّ مقصوره، وقصر ممدوده، والجمع بين لغاته، والتفريق بين صفاته وقال: الشعر حلية اللسان، ومدرجة البيان، ونظام الكلام، مقسوم غير محظور، ومشترك غير محصور، إلا أنه فى العرب جوهرىّ، وفى العجم صناعى.
قال أعرابى لشاعر من أبناء الفرس: الشعر للعرب، فكلّ من يقول الشعر منكم فإنما نزا على أمّه رجل منا! فقال الفارسى: وكذلك من لا يقول الشعر منكم، فإنما نزا على أمّه رجل منا!
стр. 664
وقال عمارة بن عقيل: أجود الشعر ما كان أملس المتون، كثير العيون، لا يمجّه السمع، ولا يستأذن على القلب. وأنشد الجاحظ شعر أبى العتاهية فلم يرضه، وقال: هو املس المتون، ليس له عيون. كأنه وعمارة تجاذبا كلاما واحدا.
وقال ابن عقيل: الشعر بضاعة من بضائع العرب، ودليل من أدلّة الأدب، وأثارة من أثارات الحسب. ولن يهزّ الشعر إلا الكريم المحتد، الكثير السؤدد، الكلف بذكر اليوم والغد.
ومدح بشار المهدىّ فلم يعطه شيئا، فقيل له: لم تجد فى مدحه. فقال:
لا والله، لقد مدحته بشعر لو قلت مثله فى الدهر لما خيف صرفه على حرّ، ولكنى أكذب فى العمل، فأكذب فى الأمل.
نظمه الناجم فقال:
ولى فى أحمد أمل بعيد ... ومدح حين أنشده طريف
مدائح لو مدحت بها الليالى ... لما دارت علىّ لها صروف
قال هشام بن عبد الملك لخالد بن صفوان: صف لى جريرا والفرزدق والأخطل، فقال: يا أمير المؤمنين، أما أعظمهم فخرا، وأبعدهم ذكرا، وأحسنهم عذرا، وأسيرهم مثلا، وأقلّهم غزلا، وأحلاهم عللا، البحر الطامى إذا زخر، والحامى إذا ذعر، والسامى إذا خطر، [الذى إذا هدر جال، وإذا خطر صال، الفصيح اللسان، الطويل العنان، فالفرزدق. وأما أحسنهم نعتا، وأمدحهم بيتا، وأقلهم فوتا، الذى إن هجا وضع، وإن مدح رفع، فالأخطل. وأما أغزرهم بحرا، وأرقّهم شعرا، وأكثرهم ذكرا، الأغرّ الأبلق، الذى إن طلب لم يسبق، وإن طلب لم يلحق، فجرير. وكلّهم ذكىّ الفؤاد، رفيع العماد، وارى الزناد.
قال مسلمة بن عبد الملك، وكان حاضرا: ما سمعنا بمثلك يا بن صفوان فى الأولين ولا فى الآخرين، أشهد أنك أحسنهم وصفا، وألينهم عطفا، وأخفّهم مقالا،
стр. 665
وأكرمهم فعالا. فقال خالد: أتم الله عليك نعمه، وأجزل لك قسمه. أنت والله أيها الأمير- ما علمت- كريم الغراس، عالم بالناس، جواد فى المحل، بسّام عند البذل، حليم عند الطّيش، فى الذّروة من قريش، من أشراف عبد شمس، ويومك خير من الأمس.
فضحك هشام وقال: ما رأيت مثلك يا بن صفوان لتخلصك فى مدح هؤلاء، ووصفهم، حتى أرضيتهم جميعا وسلمت منهم.
ودخل العجّاج على عبد الملك بن مروان فقال له: بلغنى أنك لا تحسن الهجاء، فقال: يا أمير المؤمنين، من قدر على تشييد الأبنية، أمكنه خراب الأخبية، قال: ما يمنعك من ذلك؟ قال: إنّ لنا عزّا يمنعنا من أن نظلم، وحلما يمنعنا من أن نظلم، قال: لكلماتك أحسن من شعرك! فما العزّ الذى يمنعك أن تظلم؟ قال: الأدب [البارع، والفهم الناصع. قال: فما الحلم الذى يمنعك من أن تظلم؟ قال: الأدب] المستطرف، والطبع التّالد، قال: لقد أصبحت حكيما. قال: وما يمنعنى من ذلك وأنا نجىّ أمير المؤمنين؟
قال أبو إسحاق: وليس كما قال العجاج، بل لكثير من الشعراء طباع تنبو عن الهجاء كالطائى وأضرابه، وأصحاب المطبوع أقدر عليه من أهل المصنوع، إذ كان الهجو كالنادرة التى إذا جرت على سجيّة قائلها، وقربت من يد متناولها، وكان واسع العطن، كثير الفطن، قريب القلب من اللسان، التهبت بنار الإحسان.
ومما ينحو هذا النحو من مقامات أبى الفتح الإسكندرى إنشاء بديع الزمان قال: حدثنا عيسى بن هشام قال: طرحتنى النوى مطارحها، حتى إذا وطئت جرجان الأقصى، فاستظهرت على الأيام بضياع أجلت فيها يد العمارة، وأموال وقفتها على التجارة، وحانوت جعلته مثابة «١» ، ورفقة اتخذتهم صحابة، وجعلت للدار حاشيتى النهار، والحانوت ما بينهما؛ فجلسنا يوما نتذاكر الشعر والشعراء،
стр. 666
وتلقاءنا شاب قد جلس غير بعيد، ينصت وكأنه يفهم، ويسكت وكأنه لا يعلم، حتى إذا مال الكلام بنا ميله، وجرّ الجدل فينا ذيله. قال: أصبتم عذيقه «١» ، ووافيتم جذيله، ولو شئت للفظت [فأفضت] ، ولو أردت لسردت، ولجاءت الحقّ فى معرض بيان يسمع الصم، وينزل العصم. فقلت: يا فاضل، أدن فقد منّيت، وهات فقد أثنيت، فدنا وقال: سلونى أجبكم، واستمعوا أعجبكم.
قلنا: فما تقول فى امرىء القيس؟ قال: هو أول من وقف بالديار وعرصاتها، واغتدى والطير فى وكناتها، ووصف الخيل بصفاتها، ولم يقل الشعر كاسبا، ولم يجد القول راغبا، ففضل من تفتّق للحيلة لسانه، وانتجع للرغبة بنانه قلنا: وما تقول فى النابغة؟ قال: ينسب إذا عشق، ويثلب إذا حنق، ويمدح إذا رغب، ويعتذر إذا رهب، فلا يرمى إلا صائبا.
قلنا: فما تقول فى طرفة؟ قال: هو ماء الأشعار وطينتها، وكنز القوافى ومدينتها، مات ولم تظهر أسرار دفائنه؟؟؟، ولم تطلق عتاق خزائنه.
قلنا: فما تقول [فى زهير؟ قال: يذيب الشعر والشعر يذيبه، ويدعو القول والسّحر يجيبه.
قلنا: فما تقول] فى جرير والفرزدق؟ وأيهما أسبق؟ قال: جرير أرقّ شعرا، وأغزر غزرا، والفرزدق أمتن صخرا، وأكثر فخرا، وجرير أوجع هجوا، وأشرف يوما، والفرزدق أكثر روما، وأكثر قوما، وجرير إذا نسب أشجى، وإذا ثلب أردى، وإذا مدح أسنى، والفرزدق إذا افتخر أجزى، وإذا وصف أوفى، وإذا احتقر أزرى.
قلنا: فما تقول فى المحدثين من الشعراء والمتقدمين منهم؟ قال: المتقدمون اشرف لفظا، وأكثر فى المعانى حظا، والمتأخّرون ألطف صنعا، وأرقّ نسجا.
стр. 667
قلنا: فلو أريت من أشعارك، ورويت من أخبارك، قال: خذهما فى معرض واحد، وأنشد:
أما ترونى أتغشّى طمرا ... ملتحفا فى الضّرّ أمرا إمرا
منطويا على الليالى غمرا ... ملاقيا منها صروفا حمرا
أقصى أمانىّ طلوع الشّعرى ... فقد عنينا بالأمانى دهرا
وكان هذا الحرّ أعلى قدرا ... وماء هذا الوحه أغلى سعرا
ضربت للسّرو قبابا خضرا ... فى دار دارا وإوان كسرى
فانقلب الدهر لبطن ظهرا ... وعاد عرف العيش عندى نكرا
لم يبق من وفرى إلا ذكرا ... ثمّ إلى اليوم هلمّ جرا
لولا عجوز لى بسرّ من را ... وأفرخ دون جبال بصرى
قد جلب الدّهر إليهم شرّا ... قتلت يا سادة نفسى صبرا!
قال عيسى بن هشام: فنلته ما تاح «١» ، وأعرض عنّا فراح، وجعلت أنفيه وأثبته، وأنكره وكأنى أعرفه، ثم دلّتنى عليه ثناياه، فقلت: الإسكندرى والله؛ فلقد كان فارقنا خشفا، ووافانا جلفا «٢» ، ونهضت على إثره، ثم قبضت على خصره، وقلت: ألست أبا الفتح؟ ألم تكن فينا وليدا، ولبثت فينا من عمرك سنين؟ فأىّ عجوز لك بسرّ من رأى؟ فضحك وقال:
ويحك هذا الزمان زور ... فلا يغرّنّك الغرور
غرّق وبرّق وكل وطرّق ... وأسرق وطلبق لمن تزور
لا تلتزم حالة ولكن ... در لليالى كما تدور
стр. 668
ومن إنشائه مقامة ولدها على لسان عصمة وذى الرمة قال: حدثنا عيسى بن هشام قال: بينا نحن فى مجتمع لنا ومعنا يومئذ رجل العرب حفظا ورواية عصمة ابن بدر الفزارى، فأفضى الكلام إلى ذكر من أعرض عن خصمه حلما، أو أعرض عنه خصمه احتقارا، حتى ذكر الصّلتان العبدى واللّعين المنقري، وما كان من احتقار جرير والفرزدق لهما. فقال عصمة: سأحّدثكم بما شاهدته عينى، ولا أحدّثكم عن غيرى: بينا أنا أسير فى بلاد تميم مرتحلا نجيبة، وقائدا جنيبة، عنّ لى راكب على أورق جعد اللّغام «١» ، فاجتاز بى رافعا صوته بالسلام.
فقلت: من الراكب الجهير الكلام، المحيّى بتحيّة الإسلام؟ فقال: أنا غيلان ابن عقبة. فقلت: مرحبا بالكريم حسبه، الشهير نسبه، السائر منطقه. فقال:
رحب واديك، وعزّ ناديك، فمن أنت؟ قلت: عصمة بن بدر الفزارى. فقال:
حياك الله، نعم الصديق، والصاحب والرفيق. وسرنا فلما هجّرنا قال: ألا نغوّر «٢» يا عصمة فقد صهرتنا الشمس؟ فقلت: أنت وذاك، فملنا إلى شجرات ألاء «٣» كأنهن عذارى متبرّجات، قد نشرن الغدائر، وسرحن الضفائر؛ لأثلات متناوحات؛ فحططنا رحالنا، ونلنا من الطعام، وكان ذو الرمة زهيد الأكل. وزال كلّ منا إلى ظل أثلة يريد القابلة، واضطجع ذو الرّمة وأردت أن أصنع صنيعه، فولّيت ظهرى الأرض، وعيناى لا يملكها غمض، فنظرت غير بعيد إلى ناقة كوماء، ضحيت وغبيطها ملقى»
، وإذا رجل قائم يكلؤها كأنه عسيف أو أسيف «٥» ، فلهيت عنهما، وما أنا والسؤال عما
стр. 669
لا يعنينى! ونام ذو الرّمة غرارا، ثم انتبه، وكان ذلك فى أيام مهاجاته لذلك المرّىّ. فرفع عقيرته ينشد فيه:
أمن ميّة الطّلل الدارس ... ألظّ به العاصف الرّامس
فلم يبق إلا شجيج القذال ... ومستوقد ما له قابس
وحوض تثلّم من جانبيه ... ومحتفل دائر طامس
وعهدى به وبه سكنه ... وميّة والإنس والآنس
ستأنى امرأ القيس مأثورة ... يغنّى بها العابر الجالس
ألم تر أنّ امرأ القيس قد ... ألظّ به داؤه الناجس
هم القوم لا يالمون الهجاء ... وهل يألم الحجر اليابس؟
فما لهم فى الفلا راكب ... ولا لهم فى الوغى فارس
إذا طمح الناس للمكرمات ... فطرفهم المطرق الناعس
تعاف الأكارم إصهارهم ... فكل نسائهم عانس
فلما بلغ هذا البيت جعل ذلك النائم يمسح عينيه ويقول: أذو الرّميمة يمنعنى النوم بشعر غير مثقّف ولا سائر. فقلت: يا غيلان، من هذا؟ فقال:
الفريزد، يعنى الفرزدق، وحمى ذو الرمة:
وأمّا مجاشع الأرذلون ... فلم يسق ميتهم راجس
سيعقلهم عن مساعى الكرام ... عقل، ويحبسهم حابس
فقلت: الآن [يشرق فيثور، و] يعمّ الفرزدق هذا وقبيله بالهجاء.
فوالله ما زاد على أن قال: قبحا لك يا ذا الرّميمة! أتعرض لمثلى بمقال منتحل! ثم عاد فى نومه كأن لم يسمع شيئا، وسار ذو الرّمة وسرت، وإنى لأرى فيه انكسارا حتى افترقنا.
стр. 670
قوله فيما ولد على الفرزدق «بمقال منتحل» ، يريد أن البيت الأخير منقول من قول جرير:
ألم تر أنّ الله أخزى مجاشعا ... إذا ما أفاضت فى الحديث المجالس
وما زال معقولا عقال عن الندى ... وما زال محبوسا عن المجد حابس
عقال: ابن محمد بن [سعيد بن] مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك ابن زيد مناة بن تميم، وهو جد الفرزدق. وحابس: ابن عقال بن محمد بن سفيان ابن مجاشع بن دارم، وهو أبو الأقرع بن حابس أحد المؤلّفة قلوبهم.
فقر فى الشعر
قيل لابن الزّبعرى: لم تقصّر أشعارك؟ فقال: لأنها أعلق بالمسامع، وأجول فى المحافل.
وقيل ذلك لعقيل بن علّفة فى أهاجيه، فقال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق.
غيره: لسان الشاعر أرض لا تخرج الزهر حتى تستسلف المطر، وما ظنّك بقوم الاقتصار محمود إلا فيهم. والكذب مذموم إلّا منهم. إياكم والشاعر فإنه يطلب على الكذب مثوبة، ويقرع جليسه بأدنى زلّة.
أبو القاسم الصاحب بن عباد: النثر يتطاير كتطاير الشرر، والنظم يبقى بقاء النّقش فى الحجر.
أبو عبيدة: الزّحاف فى الشعر كالرّخصة فى الدين، لا يقدم عليها إلا فقيه.
وقال أبو فراس الحمدانى:
تناهض الناس للمعانى ... لمّا رأوا نحوها نهوضى
تكلفوا المكرمات كدّا ... تكلّف الشعر بالعروض
следующие страницы →