← Адаб

Адаб · id 10768

زهر الآداب وثمر الألباب

الحصري القيرواني

Полный текст (1 141 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وتلقاءنا شاب قد جلس غير بعيد، ينصت وكأنه يفهم، ويسكت وكأنه لا يعلم، حتى إذا مال الكلام بنا ميله، وجرّ الجدل فينا ذيله. قال: أصبتم عذيقه «١» ، ووافيتم جذيله، ولو شئت للفظت [فأفضت] ، ولو أردت لسردت، ولجاءت الحقّ فى معرض بيان يسمع الصم، وينزل العصم. فقلت: يا فاضل، أدن فقد منّيت، وهات فقد أثنيت، فدنا وقال: سلونى أجبكم، واستمعوا أعجبكم. قلنا: فما تقول فى امرىء القيس؟ قال: هو أول من وقف بالديار وعرصاتها، واغتدى والطير فى وكناتها، ووصف الخيل بصفاتها، ولم يقل الشعر كاسبا، ولم يجد القول راغبا، ففضل من تفتّق للحيلة لسانه، وانتجع للرغبة بنانه قلنا: وما تقول فى النابغة؟ قال: ينسب إذا عشق، ويثلب إذا حنق، ويمدح إذا رغب، ويعتذر إذا رهب، فلا يرمى إلا صائبا. قلنا: فما تقول فى طرفة؟ قال: هو ماء الأشعار وطينتها، وكنز القوافى ومدينتها، مات ولم تظهر أسرار دفائنه؟؟؟، ولم تطلق عتاق خزائنه. قلنا: فما تقول [فى زهير؟ قال: يذيب الشعر والشعر يذيبه، ويدعو القول والسّحر يجيبه. قلنا: فما تقول] فى جرير والفرزدق؟ وأيهما أسبق؟ قال: جرير أرقّ شعرا، وأغزر غزرا، والفرزدق أمتن صخرا، وأكثر فخرا، وجرير أوجع هجوا، وأشرف يوما، والفرزدق أكثر روما، وأكثر قوما، وجرير إذا نسب أشجى، وإذا ثلب أردى، وإذا مدح أسنى، والفرزدق إذا افتخر أجزى، وإذا وصف أوفى، وإذا احتقر أزرى. قلنا: فما تقول فى المحدثين من الشعراء والمتقدمين منهم؟ قال: المتقدمون اشرف لفظا، وأكثر فى المعانى حظا، والمتأخّرون ألطف صنعا، وأرقّ نسجا.

стр. 667

قلنا: فلو أريت من أشعارك، ورويت من أخبارك، قال: خذهما فى معرض واحد، وأنشد: أما ترونى أتغشّى طمرا ... ملتحفا فى الضّرّ أمرا إمرا منطويا على الليالى غمرا ... ملاقيا منها صروفا حمرا أقصى أمانىّ طلوع الشّعرى ... فقد عنينا بالأمانى دهرا وكان هذا الحرّ أعلى قدرا ... وماء هذا الوحه أغلى سعرا ضربت للسّرو قبابا خضرا ... فى دار دارا وإوان كسرى فانقلب الدهر لبطن ظهرا ... وعاد عرف العيش عندى نكرا لم يبق من وفرى إلا ذكرا ... ثمّ إلى اليوم هلمّ جرا لولا عجوز لى بسرّ من را ... وأفرخ دون جبال بصرى قد جلب الدّهر إليهم شرّا ... قتلت يا سادة نفسى صبرا! قال عيسى بن هشام: فنلته ما تاح «١» ، وأعرض عنّا فراح، وجعلت أنفيه وأثبته، وأنكره وكأنى أعرفه، ثم دلّتنى عليه ثناياه، فقلت: الإسكندرى والله؛ فلقد كان فارقنا خشفا، ووافانا جلفا «٢» ، ونهضت على إثره، ثم قبضت على خصره، وقلت: ألست أبا الفتح؟ ألم تكن فينا وليدا، ولبثت فينا من عمرك سنين؟ فأىّ عجوز لك بسرّ من رأى؟ فضحك وقال: ويحك هذا الزمان زور ... فلا يغرّنّك الغرور غرّق وبرّق وكل وطرّق ... وأسرق وطلبق لمن تزور لا تلتزم حالة ولكن ... در لليالى كما تدور

стр. 668

ومن إنشائه مقامة ولدها على لسان عصمة وذى الرمة قال: حدثنا عيسى بن هشام قال: بينا نحن فى مجتمع لنا ومعنا يومئذ رجل العرب حفظا ورواية عصمة ابن بدر الفزارى، فأفضى الكلام إلى ذكر من أعرض عن خصمه حلما، أو أعرض عنه خصمه احتقارا، حتى ذكر الصّلتان العبدى واللّعين المنقري، وما كان من احتقار جرير والفرزدق لهما. فقال عصمة: سأحّدثكم بما شاهدته عينى، ولا أحدّثكم عن غيرى: بينا أنا أسير فى بلاد تميم مرتحلا نجيبة، وقائدا جنيبة، عنّ لى راكب على أورق جعد اللّغام «١» ، فاجتاز بى رافعا صوته بالسلام. فقلت: من الراكب الجهير الكلام، المحيّى بتحيّة الإسلام؟ فقال: أنا غيلان ابن عقبة. فقلت: مرحبا بالكريم حسبه، الشهير نسبه، السائر منطقه. فقال: رحب واديك، وعزّ ناديك، فمن أنت؟ قلت: عصمة بن بدر الفزارى. فقال: حياك الله، نعم الصديق، والصاحب والرفيق. وسرنا فلما هجّرنا قال: ألا نغوّر «٢» يا عصمة فقد صهرتنا الشمس؟ فقلت: أنت وذاك، فملنا إلى شجرات ألاء «٣» كأنهن عذارى متبرّجات، قد نشرن الغدائر، وسرحن الضفائر؛ لأثلات متناوحات؛ فحططنا رحالنا، ونلنا من الطعام، وكان ذو الرمة زهيد الأكل. وزال كلّ منا إلى ظل أثلة يريد القابلة، واضطجع ذو الرّمة وأردت أن أصنع صنيعه، فولّيت ظهرى الأرض، وعيناى لا يملكها غمض، فنظرت غير بعيد إلى ناقة كوماء، ضحيت وغبيطها ملقى» ، وإذا رجل قائم يكلؤها كأنه عسيف أو أسيف «٥» ، فلهيت عنهما، وما أنا والسؤال عما

стр. 669

لا يعنينى! ونام ذو الرّمة غرارا، ثم انتبه، وكان ذلك فى أيام مهاجاته لذلك المرّىّ. فرفع عقيرته ينشد فيه: أمن ميّة الطّلل الدارس ... ألظّ به العاصف الرّامس فلم يبق إلا شجيج القذال ... ومستوقد ما له قابس وحوض تثلّم من جانبيه ... ومحتفل دائر طامس وعهدى به وبه سكنه ... وميّة والإنس والآنس ستأنى امرأ القيس مأثورة ... يغنّى بها العابر الجالس ألم تر أنّ امرأ القيس قد ... ألظّ به داؤه الناجس هم القوم لا يالمون الهجاء ... وهل يألم الحجر اليابس؟ فما لهم فى الفلا راكب ... ولا لهم فى الوغى فارس إذا طمح الناس للمكرمات ... فطرفهم المطرق الناعس تعاف الأكارم إصهارهم ... فكل نسائهم عانس فلما بلغ هذا البيت جعل ذلك النائم يمسح عينيه ويقول: أذو الرّميمة يمنعنى النوم بشعر غير مثقّف ولا سائر. فقلت: يا غيلان، من هذا؟ فقال: الفريزد، يعنى الفرزدق، وحمى ذو الرمة: وأمّا مجاشع الأرذلون ... فلم يسق ميتهم راجس سيعقلهم عن مساعى الكرام ... عقل، ويحبسهم حابس فقلت: الآن [يشرق فيثور، و] يعمّ الفرزدق هذا وقبيله بالهجاء. فوالله ما زاد على أن قال: قبحا لك يا ذا الرّميمة! أتعرض لمثلى بمقال منتحل! ثم عاد فى نومه كأن لم يسمع شيئا، وسار ذو الرّمة وسرت، وإنى لأرى فيه انكسارا حتى افترقنا.

стр. 670

قوله فيما ولد على الفرزدق «بمقال منتحل» ، يريد أن البيت الأخير منقول من قول جرير: ألم تر أنّ الله أخزى مجاشعا ... إذا ما أفاضت فى الحديث المجالس وما زال معقولا عقال عن الندى ... وما زال محبوسا عن المجد حابس عقال: ابن محمد بن [سعيد بن] مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك ابن زيد مناة بن تميم، وهو جد الفرزدق. وحابس: ابن عقال بن محمد بن سفيان ابن مجاشع بن دارم، وهو أبو الأقرع بن حابس أحد المؤلّفة قلوبهم. فقر فى الشعر قيل لابن الزّبعرى: لم تقصّر أشعارك؟ فقال: لأنها أعلق بالمسامع، وأجول فى المحافل. وقيل ذلك لعقيل بن علّفة فى أهاجيه، فقال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق. غيره: لسان الشاعر أرض لا تخرج الزهر حتى تستسلف المطر، وما ظنّك بقوم الاقتصار محمود إلا فيهم. والكذب مذموم إلّا منهم. إياكم والشاعر فإنه يطلب على الكذب مثوبة، ويقرع جليسه بأدنى زلّة. أبو القاسم الصاحب بن عباد: النثر يتطاير كتطاير الشرر، والنظم يبقى بقاء النّقش فى الحجر. أبو عبيدة: الزّحاف فى الشعر كالرّخصة فى الدين، لا يقدم عليها إلا فقيه. وقال أبو فراس الحمدانى: تناهض الناس للمعانى ... لمّا رأوا نحوها نهوضى تكلفوا المكرمات كدّا ... تكلّف الشعر بالعروض

стр. 671

وقد مدح الجاحظ العروض وذمّها، فقال فى مدحها: العروض ميزان، ومعراض بها يعرف الصحيح من السقيم، والعليل من السليم، وعليها مدار الشعر، وبها يسلم من الأود والكسر. وقال فى ذمّه: هو علم مولّد، وأدب مستبرد، ومذهب مرفوض، وكلام مجهول، يستنكر «١» العقل بمستفعلن وفعول، من غير فائدة ولا محصول. ومن مفردات الأبيات فى هذا المعنى قول دعبل: يموت ردىء الشعر من قبل أهله ... وجيّده يبقى وإن مات قائله البحترى: أعيا علىّ؛ فلا هيّابة فرق ... يخشى الهجاء، ولا هشّ فيمتدح آخر: [و] مما يقتل الشعراء غمّا ... غداوة من يغلّ عن الهجاء أحمد بن أبى فنن: وإنّ أحقّ الناس باللؤم شاعر ... يلوم على البخل اللئام، ويبخل وهذا كقول على بن العباس الرومى فى أبى الفياض سوّار بن أبى شراعة، وكان سوّار شاعرا مجيدا: يا من صناعته الدعاء إلى العلا ... ناقضت فى فعليك أىّ نقاض عجبا لحضّاض الكرام على الذى ... هو فيه محتاج إلى حضّاض وصف المكارم وهو فيها زاهد ... ورأى الجميل وفيه عنه تغاض لم ألق كالشعراء أكثر حارضا ... واشدّ معتبة على الحرّاض «٢»

стр. 672

كم فيهم من آمر برشيدة ... لم يأتها، ومرغب رفّاض يا حسرتى لمودّة أدبية ... لم نفترق عنها افتراق تراض ليس العتاب بنافع فى قاطع ... أعيا المشيب تتابع المقراض ثم قال بعد هذا التبكيت والعتاب ما منعه أن يتوهّم أنه هجاه: ولما هجوتك، بل وعظتك إنّنى ... لا أجعل الأعراض كالأغراض «١» فاكفف سهامك عن أخيك فإنما ... آسفته، فرماك بالمعراض فمتى حلمت وجدت أحنف دهره ... ومتى جهلت منيت بالبرّاض فاعذر أخاك على الوعيد؛ فإنما ... أنذرت قبل الرّمى بالإنباض [واعلم وقيت الجهل أن خساسة ... بطر الغنى ومذلّة الإبعاض] ثم هجاه بقوله: وما تكلمت إلّا قلت فاحشة ... كأن فكيك للأغراض مقراض مهما تقل فسهام منك مرسلة ... وفوك قوسك والأعراض أغراض وابن الرومى هذا كما قال مسلم بن الوليد الأنصارى فى الحكم بن قنبر المازنى: عابنى من معايب هنّ فيه ... حكم فاشتفى بها من هجانى وكما قال الآخر: ويأخذ عيب الناس من عيب نفسه ... مراد لعمرى ما أراد قريب [الأحنف بن قيس] وروى عيسى بن دأب قال: أوّل ما عرف الأحنف بن قيس وقدّم أنه وفد على عمر بن الخطاب رضى الله عنه وكان أحدث القوم سنا، وأقبحهم منظرا، فتكلم كل

стр. 673

رجل من الوفد بحاجته فى خاصته، والأحنف ساكت، فقال له عمر: قل يا فتى! فقام فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ العرب نزلت بمساكن طيبة، ذات ثمار وأنهار عذاب، وأكنّة ظليلة «١» ، ومواضع فسيحة، وإنا نزلنا بسبخة نشّاشة، ماؤها ملح، وأفنيتها ضيقة، وإنما يأتينا الماء فى مثل حلق النعامة فإلّا تدركنا يا أمير المؤمنين بحفر نهر يغزر ماؤه، حتى تأتى الأمة فتغرف بجرّتها وإنائها أوشك أن نهلك، قال: ثم ماذا؟ قال: تزيد فى صاعنا ومدّنا، وتثبت من تلاحق فى العطاء من ذريتنا. قال: ثم ماذا؟ قال: تخفّف عن ضعيفنا، وتنصف قوينا، وتتعاهد ثغورنا، وتجهّز بعثنا، قال: ثم ماذا؟ قال: إلى ها هنا انتهت المطالب، ووقف الكلام. قال: أنت رئيس وفدك، وخطيب مصرك، قم عن موضعك الذى أنت فيه. فأدناه حتى أقعده إلى جانبه، ثم سأله عن نسبه، فانتسب له، فقال: أنت سيد تميم، فبقيت له السيادة إلى أن مات. وهو الأحنف، واسمه الضحّاك بن قيس بن معاوية بن حصين بن حصن ابن عبادة بن النزال بن مرّة بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن [سعد بن] زيد مناة بن تميم وقال بعض بنى تميم: حضرت مجلس الأحنف وعنده قوم مجتمعون له فى أمر لهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنّ الكرم منع الحرم، ما أقرب النقمة من أهل البغى، لا خير فى لذّة تعقب ندما، لم يهلك من اقتصد، ولم يفتقر من زهد، رب هزل قد عاد جدا، من أمن الزمان خانه، ومن تعظّم عليه أهانه، دعوا المزاح فإنه يؤرّث «٢» الضغائن، وخير القول ما صدّقه الفعل، احتملوا لمن أدلّ عليكم، واقبلوا عذر من اعتذر إليكم، أطع أخاك وإن عصاك، وصله وإن جفاك، أنصف من نفسك قبل أن ينتصف منك، إيّاكم ومشاورة

стр. 674

النساء، واعلم أنّ كفر النّعم لؤم، وصحبة الجاهل شؤم، ومن الكرم الوفاء بالذّمم، ما أقبح القطيعة بعد الصلة، والجفاء بعد اللّطف، والعداوة بعد الودّ، لا تكوننّ على الإساءة أقوى منك على الإحسان، ولا إلى البخل أسرع منك إلى البذل، واعلم أنّ لك من دنياك ما أصلحت به مثواك، فأنفق فى حقّ، ولا تكن خازنا لغيرك، وإذا كان الغدر موجودا فى الناس فالثّقة بكل أحد عجز؛ اعرف الحقّ لمن عرفه لك، واعلم أنّ قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل. قال: فما سمعت كلاما أبلغ منه. فقمت وقد حفظته. ودخل الأحنف على معاوية، ويزيد بين يديه، وهو ينظر إليه إعجابا، فقال: يا أبا بحر، ما تقول فى الولد؟ فعلم ما أراد، فقال: يا أمير المؤمنين، هم عماد ظهورنا، وثمر قلوبنا، وقرّة أعيننا، بهم نصول على أعدائنا، وهم الخلف منّا بعدنا، فكن لهم أرضا ذليلة، وسماء ظليلة، إن سألوك فأعطهم، وإن استعتبوك وأعتبهم «١» . ولا تمنعهم رفدك فيملّوا قربك، ويستثقلوا حياتك، ويتمنوا وفاتك. قال: لله درّك يا أبا بحر، هم كما قلت! وزعمت الرواة أنها لم تسمع للأحنف إلّا هذين البيتين: فلو مدّ سروى بمال كثير ... لجدت وكنت له باذلا فإنّ المروءة لا تستطاع ... إذا لم يكن مالها فاضلا وكان يبخّل. وقال لبنى تميم: أتزعمون أنى بخيل! والله إنى لأشير بالرّأى قيمته عشرة آلاف درهم! فقالوا: تقويمك لرأيك بخل. وكان الأحنف من الفضلاء الخطباء النّسّاك، وبه يضرب المثل فى الحلم وقد ذكر للنبى ﷺ فاستغفر له؛ فقد بعث النبى ﷺ رجلا إلى قومه بنى سعد يعرض عليهم الإسلام، فقال الأحنف: إنه يدعوكم

стр. 675

إلى خير، ولا أسمع إلا حسنا. فذكر للنبى ﷺ ، فقال: اللهم اغفر للاحنف. وكان الأحنف يقول: ما شىء أرجى عندى من ذلك. قال عبد الملك بن عمير: قدم إلينا الأحنف، فما رأينا خصلة تذمّ فى رجل إلّا رأيناها فيه، كان أصلع الرأس، متراكب الاسنان، أشدق، مائل الذّقن، ناتئ الوجنتين، باخق العينين «١» ، خفيف العارضين، أحنف الرّجلين، وكانت العين تقتحمه دمامة وقلّة رواء، ولكنه إذا تكلّم جلّى عن نفسه. وهو الذى خطب بالبصرة حين اختلفت الأحياء، وتنازعت القبائل؛ فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا معشر الأزد [وربيعة] ، أنتم إخواننا فى الدين، وشركاؤنا فى الصّهر، وأكفاؤنا فى النسب، وجيراننا فى الدار، ويدنا على العدوّ، والله لأزد البصرة أحبّ إلينا من تميم الكوفة، [ولأزد الكوفة أحبّ إلينا من تميم الشام] ، وفى أموالنا وأحلامنا سعة لنا ولكم. وقد قام خطباء البصرة فى هذا اليوم وتكلّموا وأسهبوا، فلما قام الأحنف أصغت القبائل إليه، وانثالت عليه، وقال الناس: هذا أبو بحر، هذا خطيب بنى تميم، وحضر ذلك الجمع جارية لآل المهلب، فذهبت تروم النظر إليه، فاعتاص ذلك عليها، فأشرفت عليه من دارها، فلما رأته والأبصار خاشعة لكلامه، ورأت دمامة خلقه، وكثرة آفات جوارحه، قالت: فقدت هذه الخلقة ولو افترّت عن فصل الخطاب وذكر المدائنى أنّ الأحنف بن قيس وفد على معاوية رضى الله عنه مع أهل العراق، فخرج الآذن، فقال: إنّ أمير المؤمنين يعزم عليكم ألّا يتكلم أحد إلّا لنفسه، فلما وصلوا إليه قال الأحنف: لولا عزمة أمير المؤمنين لأخبرته أن دافّة دفّت، ونازلة نزلت، ونابتة نبتت، كلهم بهم حاجة إلى معروف أمير المؤمنين وبرّه. قال: حسبك يا أبا بحر، فقد كفيت الشاهد والغائب.

стр. 676

ولما عزم معاوية على البيعة ليزيد كتب إلى زياد أن يوجّه إليه بوفد أهل العراق، فبعث إليه بوفد البصرة والكوفة، فتكلّمت الخطباء فى يزيد، والأحنف ساكت، فلما فرغوا قال: قل يا أبا بحر، فإنّ العيون إليك أشرع منها إلى غيرك. فقام الأحنف فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على نبيه ﷺ ، ثم قال: يا أمير المؤمنين؛ إنك أعلمنا بيزيد فى ليله ونهاره، وإعلانه وإسراره، فإن كنت تعلمه لله رضا فلا تشاور فيه أحدا، ولا تقم له الخطباء والشعراء، وإن كنت تعلم بعده من الله فلا تزوّده من الدنيا وترحل أنت إلى الآخرة؛ فإنك تصير إلى يوم يفرّ [فيه] المرء من أخيه، وأمّه وأبيه، وصاحبته وبنيه. قال: فكأنه أفرغ على معاوية ذنوب ماء بارد. فقال له: اقعد يا أبا يحر؛ فإن خيرة الله تجرى، وقضاء الله يمضى، وأحكام الله تنفذ، لا معقّب لحكمه، ولا رادّ لقضائه؛ وإن يزيد فتى قد بلوناه «١» ، ولم نجد فى قريش فتى هو أجدر بأن يجتمع عليه منه. فقال: يا أمير المؤمنين، أنت تحكى عن شاهد، ونحن نتكلّم على غائب، وإذا أراد الله شيئا كان. قال ابن الرومى: إن امرأ رفض المكاسب واغتدى ... يتعلّم الآداب حتى أحكما فكسا وحلّى كلّ أروع ماجد ... من حرّ ما حاك القريض ونظّما ثقة برعى الاكرمين حقوقه ... لأحقّ ملتمس بألّا يحرما قال أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن عمّار: ومن نادر شعر أبى الحسن فى هذا المعنى قوله، ووصف إتعاب الشعراء أنفسهم بدءو بهم فى صناعتهم، وما يتصرّم من أعمارهم، وأن إلحاحهم فى طلب ما فى أيدى من أسلفوه مديحهم لو كان رغبة منهم إلى ربّهم كان أجدى عليهم، وأقرب من درك بغيتهم، ونجح طلبتهم، ثم انحرف إلى توبيخ من مدحه فحرمه بأحسن عبارة، وأرضى استعارة، فقال:

стр. 677

للناس فيما يكلفون مغارم ... عند الكرام لها قضاء ذمام ومغارم الشعراء فى أشعارهم ... إنفاق أعمار وهجر منام وجفاء لذات ورفض مكاسب ... لو حولفت حرست من الإعدام وتشاغل عن ذكر ربّ لم يزل ... حسن الصنائع سابغ الإنعام «١» من لو بخدمته تشاغل معشر ... خدموكم أجدى على الخدّام أفما لذلك حرمة مرعيّة ... إنّ الكرام إذا لغير كرام لم أحتسب فيك الثواب بمدحتى ... إياك يابن أكارم الأقوام لو كان شعرى حسبة لم أكسه ... أحدا أحقّ به من الأيتام لا تقبلنّ المدح ثم تعافه ... فتنام والشعراء غير نيام واحذر معرّتهم إذا دنّستهم ... فلهم أشدّ معرة العرّام واعلم بأنهم إذا لم ينصفوا ... حكموا لأنفسهم على الحكام وجناية العادى عليهم تنقضى ... وعقابهم يبقى مع الأيام أبو الطيب المتنبى: ومكايد السفهاء واقعة بهم ... وعداوة الشعراء بئس المقتنى مات الأحنف بن قيس بالكوفة، فمشى مصعب بن الزبير فى جنازته بغير رداء، وقال: اليوم مات سرّ العرب؛ فلما دفن قامت امرأة على قبره فقالت: لله درّك من مجن فى جنن «٢» ، ومدرج فى كفن، نسأل الذى فجعنا بموتك، وابتلانا بفقدك، أن يجعل سبيل الخير سبيلك، ودليل الرّشد دليلك، وأن يوسّع لك فى قبرك، ويغفر لك يوم حشرك؛ فوالله لقد كنت فى المحافل شريفا، وعلى الأرامل

стр. 678

عطوفا، ولقد كنت فى الحىّ مسوّدا، وإلى الخليفة موفدا، ولقد كانوا لقولك مستمعين، ولرأيك متّبعين؛ ثم أقبلت على الناس فقالت: ألا إن أولياء الله فى بلاده، شهود على عباده، وإنى لقائلة حقّا، ومثنية صدقا، وهو أهل لحسن الثناء، وطيب النّثا «١» ، أما والذى كنت من أجله فى عدّة، ومن الحياة إلى مدّة، ومن المقدار إلى غاية، ومن الإياب إلى نهاية، الذى رفع عملك، لما قضى أجلك، لقد عشت حميدا مودودا، ومتّ سعيدا مفقودا، ثم انصرفت وهى تقول: لله درّك يا أبا بحر ... ماذا تغيّب منك فى القبر؟ لله درّك أىّ حشو ثرى ... أصبحت من عرف ومن نكر إن كان دهر فيك جرّ لنا ... حدثا به وهنت قوى الصّبر «٢» فلكم يد أسديتها ويد ... كانت تردّ جرائر الدهر «٣» ثم انصرفت فسئل عنها، فإذا هى امرأته وابنة عمه. فقال الناس: ما سمعنا كلام امرأة قطّ أبلغ ولا أصدق منه. قال: وكان الأحنف قدم الكوفة فى أيام مصعب بن الزبير، فرآه رجل أعور دميما قصيرا أحنف الرجلين، فقال له: يا أبا بحر؛ بأى شىء بلغت فى الناس ما أرى؛ فوالله ما أنت بأشرف قومك، ولا أجودهم؟! فقال: يا ابن أخى، بخلاف ما أنت فيه! قال: وما هو؟ قال: تركى من أمرك ما لا يعنينى، كما عناك من أمرى ما لا تتركه. [منصور النمرى] اجتمع الشعراء بباب المعتصم فبعث إليهم: من كان منكم يحسن أن يقول مثل قول منصور النّمرى فى أمير المؤمنين الرشيد:

стр. 679

إنّ المكارم والمعروف أودية ... أحلّك الله منها حيث تجتمع إذا رفعت امرا فالله رافعه ... ومن وضعت من الأقوام متّضع من لم يكن بأمين الله معتصما ... فليس بالصلوات الخمس ينتفع إن أخلف الغيث لم تخلف أنامله ... أو ضاق أمر ذكرناه فيتّسع فليدخل، فقال محمد بن وهيب: فينا من يقول خيرا منه، وأنشد: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهم ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر يحكى أفاعيله فى كل نائبة ... الغيث والليث والصمصامة الذّكر فأمر بإدخاله وأحسن صلته. أخذ معنى البيت الأول من بيتى محمد بن وهيب أبو القاسم محمد بن هانىء الأندلسى: المدنفان من البريّة كلها ... قلبى وطرف بابلىّ أحور «١» والمشرقات النيرات ثلاثة ... الشمس والقمر المنير وجعفر وبيت أبى القاسم [الأول] مأخوذ من قول ابن الرومى: يا عليلا جعل العلّة ... مفتاحا لسقمى ليس فى الأرض عليل ... غير جفنيك وجسمى ومر النمرى بالعتابى مغموما فقال: مالك، أعزّك الله؟ فقال: امرأتى بطلق «٢» منذ ثلاث ونحن على يأس منها. فقال له العتّابى: وإنّ دواءها منك أقرب من وجهها، قل: هارون الرشيد، فإن الولد يخرج! فقال: شكوت إليك ما بى، فأجبتنى بهذا؟ فقال: ما أخذت هذا إلا من قولك: إن أخلف الغيث لم تخلف أنامله ... أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع

стр. 680

وأبيات منصور بن سلمة بن الزبرقان النمرى التى ذكرها المعتصم من قصيدة له وهى أحسن ما قيل فى الشيب أولها: ما تنقضى حسرة منى ولا جزع ... إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع بان الشباب وفاتتنى بغرّته ... خطوب دهر وأيام لها خدع «١» ما كنت أو فى شبابى كنه غرّته ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع تعجبت أن رأت أسراب دمعته ... فى حلبة الخدّ أجراها حشى وجع أصبحت لم تطعمى ثكل الشباب ولم ... تشجى بغصّته فالعذر لا يقع لا ألحينّ فتاتى غير كاذبة ... عين الكذوب فما فى ودّكم طمع ما واجه الشيب من عيب وإن ومقت ... إلا لها نبوة عنه ومرتدع «٢» إنى لمعترف ما فىّ من أرب ... عند الحسان فما للنّفس تنخدع قد كدت تقضى على فوت الشباب أسى ... لولا تعزّيك أنّ الأمر منقطع وذكر أن الرشيد لما سمع هذا بكى، وقال: ما خير دنيا لا تخطر فيها ببرد الشباب! وأنشد متمثلا: أتأمل رجعة الدنيا سفاها ... وقد صار الشباب إلى ذهاب فليت الباكيات بكلّ أرض ... جمعن لنا فنحن على الشباب وكان الرشيد يقدم منصورا النمرى بجودة شعره، ولما يمتّ إليه من النسب من العباس بن عبد المطلب رضى الله عنه، وكانت نثيلة أم العباس من النمر بن قاسط؛ ولما كان يظهر من الميل إلى إمامة العباس وأهله، والمنافرة لآل على رضى الله عنه ويقول: بنى حسن وقل لبنى حسين ... عليكم بالسّداد من الأمور أميطوا عنكم كذب الأمانى ... وأحلاما يعدن عداة زور «٣»

стр. 681

تسمّون النبى أبا ويأبى ... من الأحزاب سطر فى سطور يريد قول الله تعالى: (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ) . وهذا إنما نزل فى شأن زيد بن حارثة، وكان رسول الله ﷺ تبنّاه، فقال له الرشيد: ما عدوت ما فى نفسى، وأمره أن يدخل بيت المال فيأخذ ما أحبّ. وكان يضمر غير ما يظهر، ويعتقد الرّفض، وله فى ذلك شعر كثير لم يظهر إلّا بعد موته، وبلغ الرشيد قوله: آل النبى ومن يحبّهم ... يتطامنون مخافة القتل أمن النصارى واليهود ومن ... من أمّة التوحيد فى أزل «١» إلا مصالت ينصرونهم ... بظبا الصّوارم والقنا الذّبل «٢» فأمر الرشيد بقتله [وكان حينئذ برأس العين] ، فمضى الرسول فوجده قد مات فقال الرشيد: لقد هممت أن أنبش عظامه فأحرقها. وكان يلغز فى مدحه لهرون، وإنما يريد قول النبى ﷺ لعلىّ رضوان الله عليه: أنت منى بمنزلة هرون من موسى. وقال الجاحظ: وكان يذهب أولا مذهب الشّراة «٣» ، فدخل الكوفة وجلس إلى هشام بن الحكم الرافضى وسمع كلامه، فانتقل إلى الرفض، وأخبرنى من رآه على قبر الحسين بن على رضى الله عنهما ينشد قصيدته التى يقول فيها: فما وجدت على الأكتاف منهم ... ولا الأقفاء آثار النّصول «٤» ولكنّ الوجوه بها كلوم ... وفوق حجورهم مجرى السيول أريق دم الحسين ولم يراعوا ... وفى الأحياء أموات العقول فدت نفسى جبينك من جبين ... جرى دمه على خد أسيل أيخلو قلب ذى ورع ودين ... من الأحزان والألم الطويل

стр. 682

وقد شرقت رماح بنى زياد ... برىّ من دماء بنى الرسول «١» بتربة كربلاء لهم ديار ... نيام الأهل دارسة الطّلول فأوصال الحسين ببطن قاع ... ملاعب للدّبور وللقبول تحيات ومغفرة وروح ... على تلك المحلة والحلول «٢» برئنا يا رسول الله ممن ... أصابك بالأذيّة والدّحول «٣» [ابنا المعذل] وقال أحمد بن المعذل: أخو دنف رمته فأقصدته ... سهام من جفونك لا تطيش كئيب إن ترحّل عنه جيش ... من البلوى ألمّ به جيوش وكان أحمد بن المعذّل بن غيلان العبدى فى اللغة والبيان والأدب والحلاوة غاية. قال: دخلت المدينة فتحملت على عبد الملك بن الماجشون برجل ليخصّنى ويعنى بى، فلما فاتحنى قال: ما تحتاج أنت إلى شفيع، معك من الحذاء والسقاء ما تأكل به لبّ الشجر، وتشرب صفّو الماء. وكان أخوه عبد الصمد يؤذيه ويهجوه، فكتب إليه احمد: أما بعد فإنّ أعظم المكروه ما جاء من حيث يرجى المحبوب، وقد كنت مؤمّلا مرجوا، حتى شمل شرك، وعمّ أذاك، فصرت فيك كأبى العاقّ: إن عاش نغّصه، وإن مات نقصه، واعلم لقد خشّنت صدر أخ جيبه لك ناصح، والسلام. وكان يقول له: أنت كالأصبع الزائدة: إن تركت شانت، وإن قطعت آلمت! ومثل هذا قول النعمان بن شمر الغسانى:

стр. 683

وصال أبى برد عناء، وتركه ... بلاء، فما أدرى به كيف أصنع إذا زرته يومين ملّ زيارتى ... وإن غبت عنه ظلّت العين تدمع وقول الضحاك بن همام الرقاشى: وأنت امرؤ منا خلقت لغيرنا ... حياتك لا ترجى وموتك فاجع وأنت- على ما كان منك- ابن حرة ... وإنى لما يرضى به الخصم مانع وفيك خصال صالحات يشينها ... لديك جفاء عنده الودّ ضائع وقال بعض المحدثين: إذا ساءنى فى القول والفعل جاهدا ... وفى كلّ حال من أحب وأمحض «١» فياليت شعرى ما يعاملنى به ... على كلّ ذنب من أعادى وأبغض وقال أبو العباس المبرّد: وكان أحمد بن المعذّل من الأبّهة، والتمسك بالمنهاج، والتجنّب للعبث، والتعرّض للاشفاق لما فى «٢» أيدى الناس، وإظهار الزّهد فيه، والتباعد عنه، على غاية، حتى حمل فى فقهاء وأدباء من أهل البصرة؛ فأخذ الصلة غير ممتنع ولا منكر. ووصله إسحاق بن إبراهيم فقبل، واستدعى اجتباءه إياه، وتحلّى له جهده، فقال عبد الصمد: عذيرى من أخ قد كان يبدى ... على من لابس السلطان عتبه وكان يذمهم فى كلّ يوم ... له بالجهل والهذيان خطبه فلما أن أتته دريهمات ... من السلطان باع بهنّ ربّه وقال فيه: لى أخ لا ترى له ... سائلا غير عاتب أجمع الناس كلّهم ... للئيم المذاهب

стр. 684

دون معروف كفّه ... لمس بعض الكواكب ليت لى منك يا أخى ... جارة من محارب نارها كلّ شتوة ... مثل نار الحباحب ذهب إلى قول القطامى، وقول القطامى من خبيث الهجاء، وكان نزل بامرأة من محارب بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر، فذمّ مثواه عندها، فقال: وإنى وإن كان المسافر نازلا ... وإن كان ذا حقّ على الناس واجب فلابدّ أن الضيف يخبر ما رأى ... مخبّر أهل أو مخبّر صاحب لمخبرك الأنباء عن أمّ منزل ... تضيّفتها بين العذيب فراسب تلفّعت فى طلّ وريح تلفّنى ... إلى طرمساء غير ذات كواكب «١» إلى حيزبون توقد النار بعد ما ... تلفّعت الظلماء من كل جانب «٢» تصلّى بها برد العشاء ولم تكن ... تخال وميض النار يبدو لراكب [فما راعها إلا بغام مطيتى ... تريح بمحسود من الصوت لاغب] «٣» فجنّت فنونا من دلاث مناخة ... ومن رجل عارى الأشاجع شاحب «٤» سرى فى حليك الليل حتى كأنما ... تخزّم بالأطراف شوك العقارب تقول وقد قرّبت كورى وناقتى ... إليك، فلا تذعر علىّ ركائبى فسلّمت والتسليم ليس يسرّها ... ولكنه حقّ على كل جانب فردّت سلاما كارها ثم أعرضت ... كما انحاشت الأفعى مخافة ضارب فلما تنازعنا الحديث سألتها ... من الحىّ؟ قالت: معشر من محارب

стр. 685

من المشتوين القدّ مما تراهم ... جياعا وريف الناس ليس بناضب فلما بدا حرمانها الضيف لم يكن ... علىّ مبيت السوء ضربة لازب وقمت إلى مهريّة قد تعوّدت ... يداها ورجلاها حثيث المراكب إلا إنما نيران قيس إذا شتوا ... لطارق ليل مثل نار الحباحب ومحارب: قبيلة منسوبة إلى الضعف، وقد ضربت العرب بها المثل. قال الفرزدق لجرير: وما استعهد الأقوام من زوج حرة ... من الناس إلا منك أو من محارب أى يأخذون العهد عليه أنه ليس من كليب ولا من محارب. وقال أبو نواس فى قصيدته التى فخر فيها باليمانية وهجا قبائل معدّ: وقيس عيلان لا أريد لها ... من المخازى سوى محاربها وكانت أم عبد الصمد بن المعذل طباخة، فكان أحمد يقول إذا بلغه هجاؤه: أم عبد الصمد ما عسيت أن أقول فيمن ألقح بين قدر وتنّور، ونشأ بين زق وطنبور «١» ؟ وعبد الصمد ابن المعذل شاعر أهل البصرة فى وقته، وهو القائل: تكلفنى إذلال نفسى لعزّها ... وهان عليها أن أهان لتكرما تقول: سل المعروف يحيى بن أكثم ... فقلت: سليه ربّ يحيى بن أكثما قال أبو شراعة القيسى: كنت فى مجلس العتبى مع عبد الصمد بن المعذل، لأبى حكيمة نتذاكرنا أشعار المولدين فى الرقيق، فقال عبد الصمد: أنا أشعر الناس فيه وفى غيره، فقلت: أحذق منك والله بالرقيق الذى يقول، وهو راشد بن إسحاق أبو حكيمة الكوفى:

стр. 686

ومستوحش لم يمس فى دار غربة ... ولكنّه ممن يحبّ غريب طواه الهوى واستشعر الوصل غيره ... فشطّت نواه والمزار قريب «١» سلام على الدار التى لا أزورها ... وإن حلّها شخص إلىّ حبيب وإن حجبت عن ناظرىّ ستورها ... هوى تحسن الدّنيا به وتطيب هوى تضحك اللذات عند حضوره ... ويسخن طرف اللهو حين يغيب تثنّى به الأعطاف حتى كأنه ... إذا اهتزّ من تحت الثياب قضيب ألم تر صمتى حين يجرى حديثه ... وقد كنت أدعى باسمه فأجيب رضيت بسعى الدهر بينى وبينه ... وإن لم يكن للعين فيه نصيب أحاذر إن واصلته أن ينالنى ... وإياه سهم للفراق مصيب أرى دون من أهوى عيونا تريبنى ... ولا شك أنى عندهنّ مريب أدارى جليسى بالتجلّد فى الهوى ... ولى حين أخلو زفرة ونحيب وأخبر عنه بالذى لا أحبّه ... فيضحك سنّى والفؤاد كئيب مخافة أن تغرى بنا ألسن العدا ... فيطمع فينا كاشح فيعيب كأن مجال الطّرف فى كل ناظر ... على حركات العاشقين رقيب أرى خطرات الشوق يبكين ذا الهوى ... ويصبين عقل المرء وهو لبيب وكم قد أذلّ الحبّ من متمنّع ... فأضحى وثوب العزّ منه سليب وإن خضوع النفس فى طلب الهوى ... لأمر، إذا فكرت فيه، عجيب فلم ينطق بحرف. ولأبى شراعة يمدح بنى رياح: بنى رياح أعاد الله نعمتكم ... خير المعاد وأسقى ربعكم ديما «٢»

стр. 687

فكم به من فتى حلو شمائله ... يكاد ينهلّ من أعطافه كرما لم يلبسوا نعمة لله مذ خلقوا ... إلّا تلبّسها إخوانهم نعما وفى إبراهيم بن رياح يقول عبد الصمد بن المعذل: قد تركت الرياح يا بن رياح ... وهى حسرى إن هبّ منها نسيم نهكت مالك الحقوق فأضحى ... لك مال نضو وفعل جسيم «١» وكان عبد الصمد [بن المعذل] متصلا بإبراهيم وبنيه، وأفاد منهم أموالا جليلة، واعتقد عقدا نفيسة، فما شكر ذلك ولا أصحبه بما يجب عليه من الثناء عند نكبته، وكان الواثق عزله عن ديوان الضياع، ودفعه إلى عمر بن فرج الرخجى، فحبسه فهجاه عبد الصمد. قال أبو العباس محمد بن يزيد «٢» : وكان عبد الصمد شديد الإقدام على ردىء السريرة فيما بينه وبين الناس، خبيث النيّة، يرصد صديقه بالمكروه، تقديرا أن يعاديه فيسوءه بأمر يعرفه؛ ولا يكاد يسلم لأحد، وكان مشهورا فى ذلك الأمر، يلبس عليه «٣» ، ويحمل على معرفة، عجبا بظرف لسانه، وطيب مجلسه، وأيضا لقبح مسبّته، وشائن معرّته. قال أبو العيناء: ولما حبس الواثق إبراهيم بن رياح، وكان لى صديقا، صنعت له هذا الخبر رجاء أن ينتهى إلى أمير المؤمنين فينتفع به، فأخبرنى زيد بن على ابن الحسين أنه كان عند الواثق حين قرىء عليه فضحك واستظرفه. وقال: ما صنع هذا كلّه أبو العيناء إلا فى سبب إبراهيم بن رياح، وأمر بتخليته، والخبر: قال لقيت أعرابيا من بنى كلاب فقلت له: ما عندك من خبر هذا العسكر؟ فقال: قتل أرضا عالمها، قال: فقلت: فما عندك من خبر الخليفة؟ قال: بخبخ بعزه، وضرب

стр. 688

بجرانه، وأخذ الدرهم من مصره، وأرهف قلم كلّ كاتب بجبايته. قلت: فما عندك فى أحمد بن أبى دواد؟ قال: عضلة «١» لا تطاق، وجندلة لا ترام، ينتحى بالمدى لتحزه فيجور، وتنصب له الحبائل حتى تقول: الآن، ثم يضبر «٢» ضبرة الذئب، ويخرج خروج الضب، والخليفة يحنو عليه، والقرآن آخذ بضبعيه. قلت: فما عندك فى عمر بن فرج؟ قال: ضخم حضجر «٣» ، غضوب هزبر. قد أهدفه القوم لبغيهم، وانتضلوا له عن قسيّهم، وأحر له بمثل مصرع من يصرع. قلت: فما عندك فى خبر اين الزّيات؟ قال: ذلك رجل وسع الورى شره، وبطن بالأمور خيره. فله فى كل يوم صريع، لا يظهر فيه أثر ناب ولا مخلب، إلا بتسديد الرأى. قلت: فما عندك فى خبر إبراهيم بن رياح! قال: ذاك رجل أوبقه كرمه، وإن يفز للكرام قدح، فأحر بمنجاته، ومعه دعاء لا يخذله، وربّ لا يسلمه، وفوقه خليفة لا يظلمه. قلت: فما عندك فى خبر نجاح بن سلمة؟ قال: لله دره من ناقض أوتار، يتوقد كأنه شعلة نار، له فى الفينة بعد الفينة، عند الخليفة خلسة كخلسة السارق، أو كحسوة الطائر، يقوم عنها وقد أفاد نعما، وأوقع نقما. قلت: فما عندك فى خبر ابن الوزير؟ قال: إخاله كبش الزنادقة، ألا ترى أنّ الخليفة إذا أهمله خضم ورتع، وإذا أمر بتقصيه أمطر فأمرع. قلت: فما عندك من خبر الخصيب أحمد] ؟ قال: ذاك أحمق، أكل أكلة نهم، فاختلف اختلاف بثم. قلت: فما عندك فى خبر المعلى بن أيوب؟ قال: ذاك رجل قدّ من صخرة، فصبره صبرها، ومسّه مسّها، وكلّ ما فيه بعد فمنها ولها. قلت: فما عندك من خبر أحمد بن إسرائيل؟ قال: كتوم غرور «٤» ، وجلد صبور، رجل جلده جلد نمر، كلما خرقوا له إهابا، أنشأ الله له إهابا. قلت: فما عندك من خبر الحسن بن وهب؟ قال: ذاك رجل اتخذ السلطان أخا،

стр. 689

فاتخذه السلطان عبدا، قال: قلت: فما عندك من خبر أخيه سليمان بن وهب؟ قال: شدّ ما استوفيت مسألتك أيها الرجل! ذاك حرمة حبست مع صواحباتها فى جريرة محرمة، ليس من القوم فى ورد ولا صدر، هيهات: كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جرّ الذيول قال: قلت: فما عندك من خبر عبد الله بن يعقوب؟ قال: أموات غير أحياء، وما يشعرون أيّان يبعثون. قلت: فأين نزلت فأؤمّك؟ قال: مالى ينزل تأمّه. أنا أستتر فى الليل إذا عسعس «١» ، وأنتشر فى الصبح إذا تنفّس. ومن مليح شعر راشد بن إسحاق بن راشد، وهو أبو حكيمة، وكان قوىّ أسر الشعر: تحيرت فى أمرى وإنى لواقف ... أجيل وجوه الرأى فيك وما أدرى «٢» أأعزم عزم اليأس فالموت راحة ... أم اقنع بالإعراض والنّظر الشّزر وإنى وإن أعرضت عنك لمنطو ... على حرق بين الجوانح والصدر إذا هاج شوقى مثّلتك لى المنى ... فألقاك ما بينى وبينك فى ستر فديتك لم أصبر ولى فيك حيلة ... ولكن دعانى اليأس فيك إلى الصبر تصبّرت مغلوبا وإنى لموجع ... كما صبر الظمآن فى البلد القفر وقال: عتبت عليك فى قطع العتاب ... فما عطفتك ألسنة العتاب

стр. 690

وفيما صرت تظهر لى دليل ... على عتب الضمير المستراب وما خطرت دواعى الشوق إلّا ... هززت إليك أجنحة التصابى وقال أيضا: ضحكت ولو تدرين ما بى من الهوى ... بكيت لمحزون الفؤاد كثيب لمن لم ترح عيناه من فيض عبرة ... ولا قلبه من زفرة ونحيب لمستأنس بالهمّ فى دار وحشة ... غريب الهوى باك لكلّ غريب ألا بأبى العيش الذى بان فانقضى ... وما كان من حسن هناك وطيب ليالى يدعونا الصّبا فنجيبه ... ونأخذ من لذّاته بنصيب نردّد مستور الأحاديث بيننا ... على غفلة من كاشح ورقيب إلى أن جرى صرف الحوادث فى الهوى ... فبدّل منها مشهد بمغيب وله مذهب استفرغ فيه أكثر شعره، صنت الكتاب عن ذكره. [عبد الملك بن صالح] دعا الرشيد بعبد الملك بن صالح- وكان معتقلا فى حبسه- فلما مثل بين يديه التفت إليه، وكان يحدّث يحيى بن خالد بن برمك وزيره، فقال متمثلا: أريد حياته ويريد قتلى ... عذيرك من خليلك من مراد «١» ثم قال: يا عبد الملك، كأنى أنظر إلى شؤبوبها «٢» قد همع، وإلى عارضها قد لمع، وكأنى بالوعيد قد أورى «٣» ، بل أدمى، فأبرز عن براجم بلا معاصم «٤» ، ورءوس بلا غلاصم، فمهلا بنى هاشم، فبى والله سهل لكم الوعر، وصفا لكم الكدر، وألقت إليكم الأمور أثناء أزمتها، فنذار لكم نذرا قبل حلول داهية خبوط باليد والرجل، فقال عبد الملك: أفذّا أتكلم أم توأما؟ قال: بل فذّا، قال: أتق

стр. 691

الله يا أمير المؤمنين فيما ولّاك، واحفظه فى رعاياك الذى استرعاك، ولا تجعل الكفر بموضع الشكر، والعقاب بموضع الثواب، فقد والله سهلت لك الوعور، وجمعت على خوفك ورجائك الصدور، وشددت أواخى ملكك بأوثق من ركنى يلملم، وكنت لك كما قال أخو بنى جعفر بن كلاب- يعنى لبيدا: ومقام ضيّق فرّجته ... بلسان وبيان وجدل لو يقوم الفيل أو فيّاله ... زلّ عن مثل مقامى وزحل فأعاده إلى مجلسه «١» ، وقال: لقد نظرت إلى موضع السيف من عاتقه مرارا، فيمنعنى عن قتله إبقائى على مثله. [مدح الحقد وذمه] وأراد يحيى بن خالد أن يضع من عبد الملك ليرضى الرشيد، فقال له: يا عبد الملك، بلغنى أنك حقود! فقال عبد الملك: أيها الوزير، إن كان الحقد هو بقاء الشر والخير، إنهما لباقيان فى قلبى! فقال الرشيد: تالله ما رأيت أحدا احتجّ للحقد بأحسن مما احتجّ به عبد الملك. وقد مدح ابن الرومى الحقد، وأخذ هذا المعنى من قول عبد الملك، وزاد فيه؛ فقال لعاتب عابه بذلك: لئن كنت فى حفظى لما أنا مودع ... من الخير والشر انتحيت على عرضى لما عبتنى إلا بفضل إبانة ... وربّ امرىء يزرى على خلق محض «٢» ولا عيب أن تجزى القروض بمثلها ... بل العيب أن تدّان دينا ولا تقضى وخير سحيّات الرجال سجية ... توفيك ما تسدى من القرض بالقرض إذا الأرض أدّت ريع ما أنت زارع ... من البذر فيها فهى ناهيك من أرض

стр. 692

ولولا الحقود المستكنات لم يكن ... لينقض وترا آخر الدهر ذو نقض وما الحقد إلا توأم الشكر فى الفتى ... وبعض السجايا ينتمين إلى بعض فحيث ترى حقدا على ذى إساءة ... فثمّ ترى شكرا على حسن القرض وقال يردّ على نفسه، ويذم ما مدح، توسّعا واقتدارا: يا مادح الحقد محتالا له شبها ... لقد سلكت إليه ملكا وعثا إنّ القبيح وإن صنّعت ظاهره ... يعود ما لم منه مرة شعثا «١» كم زخرف القول ذو زور ولبّسه ... على القلوب ولكن قل ما لبثا قد أبرم الله أسباب الأمور معا ... فلن ترى سببا منهن منتكثا «٢» يا دافن الحقد فى ضعفى جوانبه ... ساء الدفين الذى أضحت له جدثا الحقد داء دوىّ لا دواء له ... يرى الصدور إذا ما جمره حرثا فاستشف منه بصفح أو معاتبة ... فإنما يبرىء المصدور ما نفثا واجعل طلابك بالأوتار ما عظمت ... ولا تكن بصغير القول مكترثا فالعفو أقرب للتقوى وإن جرم ... من مجرم جرح الأكباد أو فرثا يكفيك فى العفو أن الله قرّظه ... وحيا إلى خير من صلّى ومن بعثا شهدت أنك لو أذنبت ساءك أن ... تلقى أخاك حقودا صدره شرثا إذا وسرّك أن تلقى الذنوب معا ... وأن تصادف منه حانبا دمثا إنى إذا خلط الأقوام صالحهم ... بسيىء الفعل جدّا كان أو عبثا جعلت قلبى كظرف السبك حينئذ ... يستخلص الفضة البيضاء لا الخبثا ولست أجعله كالحوض أمدحه ... بحفظ ما طاب من ماء وما خبثا والبيت الذى تمثل به الرشيد هو لعمرو بن معد يكرب يقوله لقيس بن

стр. 693

المكشوح المرادى، وقد تمثّل به على بن أبى طالب رضى الله عنه لمّا رأى عبد الرحمن ابن ملجم المرادى فقال له: أنت تخضب هذه من هذه، وأشار إلى لحيته ونقرته «١» . فقيل له: يا أمير المؤمنين، ألا تقتله! فقال: كيف يقتل المرء قاتله؟ وكان بين مسلمة بن عبد الملك وبين العباس بن الوليد تباعد، فبلغ العباس أن مسلمة ينتقصه، فكتب إليه يقول: ألا تقنى الحياء أبا سعيد ... وتقصر عن ملاحاتى وعذلى فلولا أنّ فرعك حين تنمى ... وأصلك منتهى فرعى وأصلى وأنى إن رميتك هضت عظمى ... ونالتنى إذا نالتك نبلى لقد أنكرتنى إنكار خوف ... يضمّ حشاك عن شتمى وأكلى فكم من سورة أبطأت عنها ... بنى لك مجدها طلبى وحفلى ومبهمة عييت بها فأبدى ... عويلى عن مخارجها وفضلى كقول المرء عمرو فى القوافى ... لقيس حين خالف كلّ عدل عذيرى من خليلى من مراد ... أريد حياته ويريد قتلى لم يتفق له فى القافية كما قال عمرو، فغيّره. [رجع إلى عبد الملك بن صالح] وعبد الملك هذا هو ابن صالح بن على، وكان بليغا جهيرا فاضلا عاقلا. وقال الجاحظ: قال لى عبد الرحمن مؤدّب عبد الملك بن صالح: قال لى عبد الملك، بعد أن خصّنى وصيّرنى وزيرا بدلا من قمامة: يا عبد الرحمن، انظر فى وجهى؛ فأنا أعرف منك بنفسك ولا تسعدنى على ما يقبح؛ دع [عنك كيف الأمير؟] ، وكيف أصبح الأمير؟ وكيف أمسى؟ واجعل مكان التقريظ حسن الاستماع

стр. 694

منى، واعلم أن صواب الاستماع أحسن من صواب القول، وإذا حدّثتك حديثا فلا يفوتنّك شىء منه؛ وأرنى فهمك فى طرفك؛ إنى اتخذتك وزيرا بعد أن كنت معلّما، وجعلتك جليسا مقرّبا بعد أن كنت مع الصبيان مبعدا، ومتى لم تعرف نقصان ما خرجت منه لم تعرف رجحان ما صرت إليه. وساير الرشيد عبد الملك، فقال له قائل: طأطىء من إشرافه، واشدد من شكائمه، وإلّا فسد عليك، فقال له الرشيد: ما يقول هذا؟ قال: حاسد نعمة، ونافس رتبة، أغضبه رضاك عنى، وباعده قربك منى، وأساءه إحسانك إلىّ. فقال له الرشيد: انخفض القوم وعلوتهم؛ فتوقّدت فى قلوبهم جمرة التأسّف. فقال عبد الملك: أضرمها الله بالتزيّد عندك! فقال الرشيد: هذا لك وذاك لهم. وصعد المنبر، فأرتج عليه فقال: أيّها الناس، إن اللسان بضعة من الإنسان تكلّ بكلاله إذا كلّ، وتنفسح [بانفساحه] إذا ارتجل، إن الكلام بعد الإفحام كالإشراق بعد الإظلام، وإنا لا نسكت حصرا، ولا ننطق هذرا؛ بل نسكت مفيدين، وننطق مرشدين، وبعد مقامنا مقام، ووراء أيامنا أيّام، بها فصل الخطاب، ومواقع الصواب، وسأعود فأقول، إن شاء الله تعالى وقال الأصمعى: كنت عند الرشيد فدعا بعبد الملك بن صالح من حبسه، فقال: يا عبد الملك، أكفرا بالنّعمة «١» ، وغدرا بالسلطان، ووثوبا على الإمام؟ فقال: يا أمير المؤمنين، بؤت بأعباء الندم، واستحلال النّقم، وما ذاك إلّا من قول حاسد، ناشدتك الله والولاية، ومودّة القرابة. فقال الرشيد: يا عبد الملك، تضع لى لسانك، وترفع لى جنانك، بحيث يحفظ الله لى عليك، ويأخذ لى منك، هذا كاتبك قمامة ينبىء عن غلّك «٢» ، فالتفت عبد الملك إلى قمامة وكان قائما، فقال:

стр. 695

أحقّا يا قمامة؟ قال: حقّا، لقد رمت ختر «١» أمير المؤمنين! فقال عبد الملك: وكيف لا يكذب علىّ يا أمير المؤمنين فى غيبتى من يبهتنى فى حضرتى؟ فقال الرشيد: دع قمامة، هذا ابنك عبد الرحمن ينبىء عنك بمثل خبر قمامة، فقال عبد الملك: إنّ عبد الرحمن مأمور أو عاقّ؛ فإن كان مأمورا فهو معذور، وإن كان عاقا فما أتوقّع من عقوقه أكثر. [فى مقام الخوف] وقال الرشيد للحسن بن عمران وقد أدخل عليه يرسف فى قيوده: ولّيتك دمشق وهى جنّة مونقة، تحيط بها غدر كاللّجين «٢» ، فتكف على رياض كالزّرابى، وكانت بيوت أموال فما برح بها التعدّى، حتى تركتها أجرد من الصّخر، وأوحش من القفر! فقال: يا أمير المؤمنين، ما قصدت لغير التوفيق من جهته، ولكنى ولّيت أقواما ثقل على أعناقهم الحقّ، فتفرّغوا فى ميدان التعدى، ورأوا أنّ المراغمة بترك العمارة أوقع بإضرار السلطان، وأنوه بالشنعة؛ فلا جرم أنّ موجدة أمير المؤمنين قد أخذت لهم بالحظّ الاوفر من مساءتى! فقال عبد الله ابن مالك: هذا أجزل كلام سمع لخائف، وهذا ما كنا نسمعه عن الحكماء «أفضل الأشياء بديهة أمن وردت فى مقام خوف» . ولما رضى الرشيد عن يزيد بن مزيد دخل عليه فقال: الحمد لله الذى سهّل لى سبل الكرامة بلقائك، وردّ علىّ النعمة بوجه الرضا منك، وجزاك الله فى حال سخطك حقّ المتثبتين المراقبين، وفى حال رضاك حقّ المنعمين المتطوّلين؛ فقد جعلك الله- وله الحمد- تتثبّت [تحزّجا] عند الغضب، وتتطول [ممتنّا] بالنعم، وتستبقى المعروف عند الصنائع تفضّلا بالعفو.

стр. 696

[من الرثاء] وفى يزيد بن مزيد يقول مسلم بن الوليد مرثيّته، وقد رويت له فى يزيد بن أحمد السلمى: قبر ببرذعة استسرّ ضريحه ... خطرا تقاصر دونه الأخطار «١» نفضت بك الأحلاس نفض إقامة ... واسترجعت نزّاعها الأمصار فاذهب كما ذهبت غوادى مزنة ... أثنى عليها السهل والأوعار سلكت بك العرب السبيل إلى العلا ... حتى إذا سبق الرّدى بك حاروا وقال أبو عبد الرحمن محمد بن أبى عطية يرثى أخاه: حنّطته يا نصر بالكافور ... وزففته للمنزل المهجور هلّا ببعض خصاله حنطته ... فيضوع أفق منازل وقبور والله لو بنسيم أخلاق له ... تعزى إلى التقديس والتطهير حنّطت من وطئ الحصى وعلا الربى ... لتزوّد بل عدّة لنشور فاذهب كما ذهب الشباب فإنه ... [قد كان خير مجاور ومجير] [واذهب كما ذهب الوفاء فإنه] ... عصفت به ريحا صبا ودبور والله ما أبنته لأزيده ... شرفا ولكن نفثة المصدور ومات رجل من العرب كان يعول اثنى عشر ألفا، فلما حمل على سريره صرّ، فقال بعض من حضر: وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنه أصلاب قوم تقصّف «٢» وليس فتيق المسك ما تجدونه ... ولكنه ذاك الثناء المخّلف وقال عبد الله بن المعتز فى عبيد الله بن سليمان بن وهب يرثيه: يا بن وهب بالكره منّى بقيت ... عجبى يوم متّ كيف حييت

стр. 697

إنما طيّب الثناء الذى خلفت ... لا مسك نعتك المفتوت واختصرت الطريق بعدك للمو ... ت فلاقيته ولست أفوت كيف يبقى على الحوادث حىّ ... بيد الدّهر عوده منحوت وقال أيضا: ذكرت ابن وهب فلله ما ... ذكرت وما غيّبوا فى الكفن تقطّر أقلامه من دم ... ويعلم بالظنّ ما لم يكن وظاهر أطرافه ساكن ... وما تحته حركات الفطن وقال: ذكرت عبيد الله والترب دونه ... فلم تحبس العينان منّى بكاهما «١» وحاشاه من قول «سقى الغيث قبره» ... يداه تروّى قبره من نداهما وهذا مأخوذ من قول الطائى: سقى الغيث غيثا وارت الأرض شخصه ... وإن لم يكن فيه سحاب ولا قطر «٢» وكيف احتمالى للسحاب صنيعة ... بإسقائها قبرا وفى لحده البحر وقال ابن المعتز: لم تمت أنت، إنما مات من لم ... يبق فى المجد والمكارم ذكرا لست مستسقيا لقبرك غيثا ... كيف يظما وقد تضمّن بحرا والبيت الثانى من هذين من بيت الطائى. وقال: محمد بن حميد أخلقت رممه ... أريق ماء المعالى إذ أريق دمه رأيته بنجاد السيف محتبيا ... كالبدر حين انجلت عن وجهه ظلمه فى روضة حفّها من حولها زهر ... أيقنت عند انتباهى أنها نعمه

стр. 698

فقلت والدمع من وجد ومن حرق ... يجرى وقد خدّد الخدين منسجمه: ألم تمت يا سليل المجد من زمن؟ ... فقال لى: لم يمت من لم يمت كرمه وقال بعض أهل العصر: عمر الفتى ذكره، لاطول مدّته ... وموته موته لا موته الدّانى فأحى ذكرك بالإحسان تزرعه ... تجمع به لك فى الدنيا حياتان وقال عبد السلام بن رغبان الحمصى «١» : سقى الغيث أرضا ضمّنتك وساحة ... لقبرك فيه الغيث والليث والبدر وما هى أهل إذ أصابتك بالبلى ... لسقيا، ولكن من حوى ذلك القبر أخذ هذا البيت [الأول] الراضى فقال يرثى أباه المقتدر: بنفسى ثرى ضمّنت فى ساحة البلى ... لقد ضمّ منك الغيث والليث والبدرا فلو أنّ عمرى كان طوع مشيئتى ... وأسعدنى المقدور قاسمتك العمرا ولو أنّ حيّا كان قبرا لميت ... لصيّرت أحشائى لأعظمه قبرا هذا البيت ينظر إلى قول المتنبى: حتى أتوا جدثا كأن ضريحه ... فى قلب كلّ موحّد محفور لما حملت قطر الندى بنت خمارويه بن [أحمد بن] طولون إلى المعتضد كتب معها أبوها إليه يذكره بحرمة سلفها [بسلفه] ، ويذكر ما ترد عليه من أبّهة الخلافة، وجلالة الخليفة، ويسأل إيناسها وبسطها، فبلغت من قلب المعتضد لما زفّت إليه مبلغا عظيما، وسرّ بها غاية السرور، وأمر الوزير أبا القاسم عبيد الله ابن سليمان بن وهب بالجواب عن الكتاب، فأراد أن يكتبه بخطّه، فسأله أبو الحسين بن ثوابة أن يؤثره بذلك ففعل؛ وغاب أياما وأتى بنسخة يقول فى فصل

стр. 699

منها: وأمّا الوديعة فهى بمنزلة شىء انتقل من يمينك إلى شمالك، عناية بها، وحياطة عليها، ورعاية لمودتك فيها. ثم أقبل عبيد الله يعجب من حسن ما وقع له من هذا، وقال: تسميتى لها بالوديعة نصف البلاغة، فقال عبيد الله: ما أقبح هذا! تفاءلت لامرأة زفّت إلى صاحبها بالوديعة، والوديعة مستردة. وقولك «من يمينك إلى شمالك أقبح» لأنك جعلت أباها اليمين وأمير المؤمنين الشمال، ولو قلت: «وأما الهدية فقد حسن موقعها منّا، وجلّ خطرها عندنا؛ وهى وإن بعدت عنك، بمنزلة من قربت منك؛ لتفقّد نالها، وأنسنابها، ولسرورها بما وردت عليه، واغتباطها بما صارت إليه» لكان أحسن، فنفذ الكتاب. وكانت قطر الندى مع جمالها موصوفة بفضل العقل، خلا بها المعتضد يوما للأنس بها فى مجلس أفرده لم يحضره غيرها، فأخذت منه الكأس، فنام على فخذها، فلما استثقل «١» وضعت رأسه على وسادة، وخرجت فجلست فى ساحة القصر على باب المجلس، فاستيقظ فلم يجدها، فاستشاط غضبا «٢» ، ونادى بها فأجابته على قرب، فقال: ما هذا؟ أخليتك إكراما لك، ودفعت إليك مهجتى دون سائر حظاياى، فتضعين رأسى على وسادة! فقالت: يا أمير المؤمنين، ما جهلت قدر ما أنعمت به علىّ، وأحسنت فيه إلىّ، ولكن فيما أدّبنى به أبى أن قال لى: لا تنامى مع الجلوس، ولا تجلسى بين النيام. [رجع إلى الرثاء] وفى أبى الحسين بن ثوابة يقول ابن المعتز يرثيه: ليس شىء لصحّة ودوام ... علب الدهر حيلة الأقوام وتولّى أبو الحسين حميدا ... فعلى روحه سلام السلام

стр. 700

حين عاقدته على الحفظ للعهد وصافحته بكفّ الذّمام «١» واصطفته على الأخلّاء نفسى ... كاصطفاء الأرواح للأجسام كان ريحانة النّدامى وميزا ... ن القوافى شعرا وبحر كلام ومكان السهم الذى لا يرى ... الشكّ ولا يستغيث بالأوهام ساحر الوحى فى القراطيس لا تحبس ... عنه أعنّة الأقلام فإذا ما رأيته خلت فى خدّيه ... صبحا منقّبا بظلام نفس صبرا لا تجزعى إن هذا ... خلق من خلائق الأيام [أيام الشباب] وأنشد أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب لرجل من بنى كلاب: سقى الله دهرا قد تولّت غياطله ... وفارقنا إلا الحشاشة باطله «٢» ليالى خدنى كلّ أبيض ماجد ... يطيع هوى الصابى وتعصى عواذله وفى دهرنا والعيش فى ذاك غرّة ... ألا ليت ذاك الدهر تثنى أوائله بما قد غنينا والصّبا جلّ همّنا ... يمايلنا ريعانه ونمايله وجرّ لنا أذياله الدهر حقبة ... يطاولنا فى غيّه ونطاوله فسقيا له من صاحب خذلت بنا ... مطيّتنا فيه وولّت رواحله أصدّ عن البيت الذى فيه قاتلى ... وأهجره حتى كأنى قاتله هذا البيت يناسب قول ذى الرمة، وإن لم يكن فى هذا المعنى، يصف ظبية وولدها: إذا استود عنه صفصفا أو صريمة ... تنحّت ونصّت جيدها بالمناظر «٣» حذارا على وسنان يصرعه الكرى ... بكل مقيل عن ضعاف فواتر

стр. 701

وتهجره إلا اختلاسا نهارها ... وكم من محبّ رهبة العين هاجر وقال أبو حية النميرى: أما وأبى الشباب لقد أراه ... جميلا ما يراد به بديل إذ الأيام مقبلة علينا ... وظلّ أراكة الدنيا ظليل وقال على بن بسام: بشاطئ نهر قبرك فالمصلّى ... فما والاهما فالقريتين معاهد لهونا والعيش غضّ ... وصرف الدهر مقبوض اليدين وكان ابن بسام هذا- وهو على بن [محمد بن] منصور بن بسّام- مليح المقطعات، كثير الهجاء خبيثه، و [ليس] له حظ التطويل، وهو القائل: كم قد قطعت إليك من ديمومة ... نطف المياه بها سواد الناظر «١» فى ليلة فيها السماء مرذّة ... سوداء مظلمة كقلب الكافر «٢» والبرق يخفق من خلال سحابه ... خفق الفؤاد لموعد من زائر والقطر منهمل يسحّ كأنه ... دمع المودّع إثر إلف سائر وقال فى العباس [بن الحسين] لما وزر للمكتفى: وزارة العباس من نحسها ... ستقلع الدولة من أسّها شبّهته لما بدا مقبلا ... فى خلع يخجل من لبسها جارية رعناء قد قدّرت ... ثياب مولاها على نفسها وقال فى على بن يحيى المنجم يرثيه:

стр. 702

قد زرت قبرك يا علىّ مسلما ... ولك الزيارة من أقل الواجب ولو استطعت حملت عنك ترابه ... فلطالما عنى حملت نوائبى وكان مولعا بهجاء أبيه، وفيه يقول وقد ابتنى دارا: شدت دارا خلتها مكرمة ... سلّط الله عليها الغرقا وأرانيك صريعا وسطها ... وأرانيها صعيدا زلقا وقال أبو العباس بن المعتز يهجوه: من شاء يهجو عليّا ... فشعره قد كفاه «١» لو أنه لأبيه ... ما كان يهجو أباه [مع الخلفاء] وقال المأمون لأحمد بن أبى خالد، وهو يخلف الحسن بن سهل، وقد أشار إليه برأى استرجحه: قد اعتلّ الحسن ولزم بيته، ووكل الأمر إليك، فأنا إلى راحته وبقائه، أحوج [متى] إلى إتعابه وفنائه، وقد رأيت أن أستوزرك؛ فإن الأمر له ما دمت أنت تقوم به، وقد طالعت رأيه فى هذا الأمر، فما عداك. فقال: يا أمير المؤمنين، أعفنى من التسمّى بالوزارة، وطالبنى بالواجب فيها، واجعل بينى وبين الغاية ما يرجو بى له ولّيى، ويخافنى له عدوّى، فما بعد الغايات إلا الآفات. فاستحسن كلامه، وقال: لا بد من ذلك، واستوزره. ورأى المأمون خطّ محمد بن داود فقال: يا محمد، إن شاركتنا فى اللفظ، فقد فارقناك فى الخطّ، فقال: يا أمير المؤمنين، إن من أعظم آيات النبى ﷺ أنه أدّى عن الله رسالاته، وحفظ عنه وحيه، وهو

стр. 703

أمّى لا يعرف من فنون الخط فنّا، ولا يقرأ من سائره حرفا، فبقى عمود ذلك فى أهله، فهم يشرفون بالشّبه الكريم فى نقص الخط، كما يشرف غيرهم بزيادته؛ وإن أمير المؤمنين أخصّ الناس برسول الله ﷺ ، والوارث لموضعه، والمتقلّد لأمره ونهيه؛ فعلقت به المشابهة الجليلة، وتناهت إليه الفضيلة فقال المأمون: يا محمد، لقد تركتنى لا آسى على الكتابة، ولو كنت أمّيا. وهذا شبيه بقول سعيد بن المسيب، وقد قيل له: ما بال قريش أضعف العرب شعرا، وهى أشرف العرب بيتا؟ قال: لأنّ كون رسول الله ﷺ منها قطع متن الشعر عنها. وقال إبراهيم بن الحسن بن سهل: كنّا فى مجلس المأمون وعمرو بن مسعدة يقرأ عليه الرقاع، فجاءته عطسة، فلوى عنقه فردّها، فرآه المأمون فقال: يا عمرو، لا تفعل فإن ردّ العطسة وتحويل الوجه بها يورثان انقطاعا فى العنق. فقال بعض ولد المهدى: ما أحسنها من مولّى لعبده، وإمام لرعيته! فقال المأمون: وما فى ذلك؟ هذا هشام اضطربت عمامته فأهوى الأبرش الكلبى إلى إصلاحها، فقال هشام: إنّا لا نتّخذ الإخوان خولا «١» ! فالذى قال هشام أحسن مما قلته. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين: إنّ هشاما يتكلّف ما طبعت عليه، [ويظلم] فيما تعدل فيه، ليس له قرابتك من رسول الله ﷺ ، ولا قيامك بحق الله، وإنك والملوك لكما قال النابغة الذبيانى: ألم تر أنّ الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب لأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب أخذ النابغة هذا من قول شاعر قديم من كندة:

стр. 704

تكاد تميد الأرض بالناس إن رأوا ... لعمرو بن هند غضبة وهو عاتب هو الشمس وافت يوم دجن فأفضلت ... على كل ضوء والملوك كواكب «١» قال يزيد بن معاوية لجميل بن أوس، وكان أكرمه واجتباه: لم كرهت الإفراط فى تقديمى، وتطامنت عن الدرجة التى سما بك إليها مكانك منى؟ فقال: [أيد الله سلطانك، وأعلى مكانك] ، إن الذين كانوا قبلنا من أهل العلوم والآداب، والعقول والألباب، كانوا أطول أعمارا منا، وأكثر للزمان صحبة، وأكثر للأيام تجربة، وقد قال الحكيم: بقدر الثواب عند الرّضا يكون العقاب عند السخط، وبقدر السموّ فى الرفعة تكون وجبة الرفعة، ولا خير فيمن لا يسمع الموعظة، ولا يقبل النصيحة، وأنا يا أمير المؤمنين وإن كنت آمنا من التعرض لسخطك والدنوّ مما يقرب منه، فلست بآمن من طعن المساوى فى الدرجة عندك، وحقر المشارك لى فى المنزلة منك، وليس من تقديمك قليل، ولا من تعظيمك يسير، فإن أقل ذلك فيه النباهة، والفخر، [والثناء] والذكر، وحسبى مما بذلته من أموالك استحقاقى عندك لإكرامك، وحسبى من تقديمك خالص رضاك، وصفاء ضميرك مختار من أقوال الحكماء عند وفاة الإسكندر لما جعل الإسكندر فى تابوت من ذهب تقدّم إليه أحدهم فقال: كان الملك يخبأ الذهب، وقد صار الآن الذهب يخبؤه، وتقدم إليه آخر، والناس يبكون ويجزعون، فقال: حرّ كنا بسكونه، أخذه أبو العتاهية فقال: يا علىّ بن ثابت بان منّى ... صاحب جلّ فقده يوم بنتا

стр. 705

قد لعمرى حكيت لى غصص المو ... ت وحرّكتنى لها وسكنتا وتقدم إليه آخر فقال: كان الملك يعظنا فى حياته، وهو اليوم أوعظ منه أمس. أخذه أبو العتاهية فقال: وكانت فى حياتك لى عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيّا وتقدّم إليه آخر فقال: قد طاف الأرضين وتملّكها، ثم جعل منها فى أربعة أذرع. ووقف عليه آخر فقال: مالك لا تقلّ عضوا من أعضائك، وقد كنت تستقلّ ملك العباد. ووقف عليه آخر فقال: انظر إلى حلم النائم كيف انقضى، وإلى ظلّ الغمام كيف انجلى. وقال آخر: مالك لا ترغب بنفسك عن ضيق المكان، وقد كنت ترغب بها عن رحب «١» البلاد. وقال آخر: [كان الملك غالبا فصار مغلوبا، وآكلا فصار مأكولا. وقال آخر] : أمات هذا الميت كثيرا من الناس لئلّا يموت، وقد مات الآن. وقال آخر: ما كان أقبح إفراطك فى التجبّر أمس، مع شدّة خضوعك اليوم. وقالت بنت دارا: ما علمت أنّ غالب أبى يغلب. وقال رئيس الطباخين: قد نضدت النضائد، وألقيت الوسائد، ونصبت الموائد، ولست أرى عميد المجلس! جملة من كلام ابن المعتز فى الفصول القصار فى ذكر السلطان أشقى الناس بالسلطان صاحبه، كما أنّ أقرب الأشياء إلى النار أسرعها احتراقا. لا يدرك الغنى بالسلطان إلا نفس خائفة، وجسم تعب، ودين متثلم. إن كان البحر كثير الماء فإنه بعيد المهوى، ومن شارك السلطان فى عزّ الدنيا شاركه فى ذلّ الآخرة. فساد الرعية بلا ملك كفساد الجسم بلا روح. إذا زادك السلطان تأنيسا فزده إجلالا. من صحب السلطان صبر على قسوته كصبر
следующие страницы →