Полный текст (1 141 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
وتهجره إلا اختلاسا نهارها ... وكم من محبّ رهبة العين هاجر
وقال أبو حية النميرى:
أما وأبى الشباب لقد أراه ... جميلا ما يراد به بديل
إذ الأيام مقبلة علينا ... وظلّ أراكة الدنيا ظليل
وقال على بن بسام:
بشاطئ نهر قبرك فالمصلّى ... فما والاهما فالقريتين
معاهد لهونا والعيش غضّ ... وصرف الدهر مقبوض اليدين
وكان ابن بسام هذا- وهو على بن [محمد بن] منصور بن بسّام- مليح المقطعات، كثير الهجاء خبيثه، و [ليس] له حظ التطويل، وهو القائل:
كم قد قطعت إليك من ديمومة ... نطف المياه بها سواد الناظر «١»
فى ليلة فيها السماء مرذّة ... سوداء مظلمة كقلب الكافر «٢»
والبرق يخفق من خلال سحابه ... خفق الفؤاد لموعد من زائر
والقطر منهمل يسحّ كأنه ... دمع المودّع إثر إلف سائر
وقال فى العباس [بن الحسين] لما وزر للمكتفى:
وزارة العباس من نحسها ... ستقلع الدولة من أسّها
شبّهته لما بدا مقبلا ... فى خلع يخجل من لبسها
جارية رعناء قد قدّرت ... ثياب مولاها على نفسها
وقال فى على بن يحيى المنجم يرثيه:
стр. 702
قد زرت قبرك يا علىّ مسلما ... ولك الزيارة من أقل الواجب
ولو استطعت حملت عنك ترابه ... فلطالما عنى حملت نوائبى
وكان مولعا بهجاء أبيه، وفيه يقول وقد ابتنى دارا:
شدت دارا خلتها مكرمة ... سلّط الله عليها الغرقا
وأرانيك صريعا وسطها ... وأرانيها صعيدا زلقا
وقال أبو العباس بن المعتز يهجوه:
من شاء يهجو عليّا ... فشعره قد كفاه «١»
لو أنه لأبيه ... ما كان يهجو أباه
[مع الخلفاء]
وقال المأمون لأحمد بن أبى خالد، وهو يخلف الحسن بن سهل، وقد أشار إليه برأى استرجحه: قد اعتلّ الحسن ولزم بيته، ووكل الأمر إليك، فأنا إلى راحته وبقائه، أحوج [متى] إلى إتعابه وفنائه، وقد رأيت أن أستوزرك؛ فإن الأمر له ما دمت أنت تقوم به، وقد طالعت رأيه فى هذا الأمر، فما عداك. فقال:
يا أمير المؤمنين، أعفنى من التسمّى بالوزارة، وطالبنى بالواجب فيها، واجعل بينى وبين الغاية ما يرجو بى له ولّيى، ويخافنى له عدوّى، فما بعد الغايات إلا الآفات. فاستحسن كلامه، وقال: لا بد من ذلك، واستوزره.
ورأى المأمون خطّ محمد بن داود فقال: يا محمد، إن شاركتنا فى اللفظ، فقد فارقناك فى الخطّ، فقال: يا أمير المؤمنين، إن من أعظم آيات النبى ﷺ أنه أدّى عن الله رسالاته، وحفظ عنه وحيه، وهو
стр. 703
أمّى لا يعرف من فنون الخط فنّا، ولا يقرأ من سائره حرفا، فبقى عمود ذلك فى أهله، فهم يشرفون بالشّبه الكريم فى نقص الخط، كما يشرف غيرهم بزيادته؛ وإن أمير المؤمنين أخصّ الناس برسول الله ﷺ ، والوارث لموضعه، والمتقلّد لأمره ونهيه؛ فعلقت به المشابهة الجليلة، وتناهت إليه الفضيلة فقال المأمون: يا محمد، لقد تركتنى لا آسى على الكتابة، ولو كنت أمّيا.
وهذا شبيه بقول سعيد بن المسيب، وقد قيل له: ما بال قريش أضعف العرب شعرا، وهى أشرف العرب بيتا؟ قال: لأنّ كون رسول الله ﷺ منها قطع متن الشعر عنها.
وقال إبراهيم بن الحسن بن سهل: كنّا فى مجلس المأمون وعمرو بن مسعدة يقرأ عليه الرقاع، فجاءته عطسة، فلوى عنقه فردّها، فرآه المأمون فقال: يا عمرو، لا تفعل فإن ردّ العطسة وتحويل الوجه بها يورثان انقطاعا فى العنق. فقال بعض ولد المهدى: ما أحسنها من مولّى لعبده، وإمام لرعيته! فقال المأمون: وما فى ذلك؟ هذا هشام اضطربت عمامته فأهوى الأبرش الكلبى إلى إصلاحها، فقال هشام: إنّا لا نتّخذ الإخوان خولا «١» ! فالذى قال هشام أحسن مما قلته. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين: إنّ هشاما يتكلّف ما طبعت عليه، [ويظلم] فيما تعدل فيه، ليس له قرابتك من رسول الله ﷺ ، ولا قيامك بحق الله، وإنك والملوك لكما قال النابغة الذبيانى:
ألم تر أنّ الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب
لأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
أخذ النابغة هذا من قول شاعر قديم من كندة:
стр. 704
تكاد تميد الأرض بالناس إن رأوا ... لعمرو بن هند غضبة وهو عاتب
هو الشمس وافت يوم دجن فأفضلت ... على كل ضوء والملوك كواكب «١»
قال يزيد بن معاوية لجميل بن أوس، وكان أكرمه واجتباه: لم كرهت الإفراط فى تقديمى، وتطامنت عن الدرجة التى سما بك إليها مكانك منى؟
فقال: [أيد الله سلطانك، وأعلى مكانك] ، إن الذين كانوا قبلنا من أهل العلوم والآداب، والعقول والألباب، كانوا أطول أعمارا منا، وأكثر للزمان صحبة، وأكثر للأيام تجربة، وقد قال الحكيم: بقدر الثواب عند الرّضا يكون العقاب عند السخط، وبقدر السموّ فى الرفعة تكون وجبة الرفعة، ولا خير فيمن لا يسمع الموعظة، ولا يقبل النصيحة، وأنا يا أمير المؤمنين وإن كنت آمنا من التعرض لسخطك والدنوّ مما يقرب منه، فلست بآمن من طعن المساوى فى الدرجة عندك، وحقر المشارك لى فى المنزلة منك، وليس من تقديمك قليل، ولا من تعظيمك يسير، فإن أقل ذلك فيه النباهة، والفخر، [والثناء] والذكر، وحسبى مما بذلته من أموالك استحقاقى عندك لإكرامك، وحسبى من تقديمك خالص رضاك، وصفاء ضميرك
مختار من أقوال الحكماء عند وفاة الإسكندر
لما جعل الإسكندر فى تابوت من ذهب تقدّم إليه أحدهم فقال: كان الملك يخبأ الذهب، وقد صار الآن الذهب يخبؤه، وتقدم إليه آخر، والناس يبكون ويجزعون، فقال: حرّ كنا بسكونه، أخذه أبو العتاهية فقال:
يا علىّ بن ثابت بان منّى ... صاحب جلّ فقده يوم بنتا
стр. 705
قد لعمرى حكيت لى غصص المو ... ت وحرّكتنى لها وسكنتا
وتقدم إليه آخر فقال: كان الملك يعظنا فى حياته، وهو اليوم أوعظ منه أمس. أخذه أبو العتاهية فقال:
وكانت فى حياتك لى عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيّا
وتقدّم إليه آخر فقال: قد طاف الأرضين وتملّكها، ثم جعل منها فى أربعة أذرع. ووقف عليه آخر فقال: مالك لا تقلّ عضوا من أعضائك، وقد كنت تستقلّ ملك العباد. ووقف عليه آخر فقال: انظر إلى حلم النائم كيف انقضى، وإلى ظلّ الغمام كيف انجلى. وقال آخر: مالك لا ترغب بنفسك عن ضيق المكان، وقد كنت ترغب بها عن رحب «١» البلاد. وقال آخر: [كان الملك غالبا فصار مغلوبا، وآكلا فصار مأكولا. وقال آخر] : أمات هذا الميت كثيرا من الناس لئلّا يموت، وقد مات الآن. وقال آخر: ما كان أقبح إفراطك فى التجبّر أمس، مع شدّة خضوعك اليوم. وقالت بنت دارا: ما علمت أنّ غالب أبى يغلب. وقال رئيس الطباخين: قد نضدت النضائد، وألقيت الوسائد، ونصبت الموائد، ولست أرى عميد المجلس!
جملة من كلام ابن المعتز فى الفصول القصار فى ذكر السلطان
أشقى الناس بالسلطان صاحبه، كما أنّ أقرب الأشياء إلى النار أسرعها احتراقا. لا يدرك الغنى بالسلطان إلا نفس خائفة، وجسم تعب، ودين متثلم.
إن كان البحر كثير الماء فإنه بعيد المهوى، ومن شارك السلطان فى عزّ الدنيا شاركه فى ذلّ الآخرة. فساد الرعية بلا ملك كفساد الجسم بلا روح. إذا زادك السلطان تأنيسا فزده إجلالا. من صحب السلطان صبر على قسوته كصبر
стр. 706
الغوّاص على ملوحة بحره. الملك بالدين يبقى، والدين بالملك يقوى. من نصح لخدمة نصحته المجازاة. لا تلتبس بالسلطان فى وقت اضطراب الأمور عليه؛ فإن البحر لا يكاد يسلم صاحبه فى حال سكونه، فكيف عند اختلاف رياحه، واضطراب أمواجه؟
ومن كلام أهل العصر وغيرهم فى هذا النحو
الأوطان حيث يعدل السلطان. إذا نطق لسان العدل فى دار الإمارة، فلها البشرى بالعزّ والإمارة. أخر بالملك العادل أن يستقلّ سريره فى سرّة الأرض.
ريح السلطان على قوم سموم «١» ، وعلى قوم نسيم. أخلق بدم المستخف بالجبابرة أن يكون جبارا «٢» . من غمس يده فى مال السلطان فقد مشى بقدمه على دمه. الملك خليفة الله فى عباده وبلاده، ولن يستقيم أمر خلافته مع مخالفته. الملك من ينشر أثواب الفضل، ويبسط أنواع العدل. السلطان كالنار: إن باعدتها بطل نفعها، وإن قاربتها عظم ضررها. إقبال السلطان تعب وفتنة، وإعراضه حسرة ومذلة. صاحب السلطان كراكب الأسد يهابه الناس وهو لمركبه أهيب.
السلطان إذا قال لعمّاله: هاتوا، فقد قال لهم: خذوا. ثلاثة لا أمان لهم: السلطان، والبحر، والزمان. ليكن السلطان عندك كالنار: لا تدنو منها إلا عند الحاجة إليها، وإن اقتبست منها فعلى حذر. مثل أصحاب السلطان كقوم رقوا جبلا ثم وقعوا منه، فكان أقربهم إلى التلف أبعدهم فى المرقى. مثل السلطان كالجبل الصّعب الذى فيه كلّ ثمرة طيبة، وكل سبع حطوم، فالارتقاء إليه شديد، والمقام فيه أشدّ. لئن عزّ الملوك فى الدنيا بالجور ليذلّن فى الآخرة [بالعدل] .
لابن عبّاد الصاحب:
إذا ولّاك سلطان فزده ... من التعظيم واحذره وراقب
стр. 707
فما السلطان إلا البحر عظما ... وقرب البحر محذور العواقب
[وصف كاتبة]
ووصف أحمد بن صالح بن شيران «١» جارية كاتبة فقال: كأنّ خطّها أشكال صورتها، وكأنّ مدادها سواد شعرها، وكأن قرطاسها أديم وجهها، [وكأن قلمها بعض أناملها، وكأنّ بنانها سحر مقلتها، وكأن سكّينها غنج لحظها] وكأن مقّطها قلب عاشقها.
[وصف غلام كاتب]
وقال بعض الكتّاب يصف غلاما كاتبا:
انظر إلى أثر المداد بخدّه ... كبنفسج الرّوض المشوب بورده
ما أخطأت نوناته من صدغه ... شيئا، ولا ألفاته من قدّه
ألقت أنامله على أقلامه ... شبها أراك فرندها كفرنده «٢»
وكأنما أنقاسه من شعره ... وكأنما قرطاسه من خدّه «٣»
وقال أحمد بن أبى سمرة الدارمى فيما ينظر إلى هذا من طرف خفى:
[سراب الفيافى صادق عند وعدها ... وسمّ الأفاعى مبرئ عند صدّها]
رمتنى ولم أسعد بأيام وصلها ... بعينى مهاة أنحستنى ببعدها
فعلّقها قلبى كما قد تعلقت ... صوالج صدغيها بتفّاح خدها
فقلبى لمّا أضعفته كخصرها ... ودمعى لمّا نظمته كعقدها
ونيل الثّريّا ممكن عند وصلها ... وأسرغ من برق تناقض وعدها
[من بديع الزمان إلى ابن العميد]
رقعة كتبها بديع الزمان إلى ابن العميد يستنجزه: أين تكرّم الشيخ العميد أيّده الله على مولاه؟ وكيف معدله إلى سواه؟ أيقصر فى النعمة، لأنى قصّرت
стр. 708
فى الخدمة؟ إذن فقد أساء المعاملة، ولم يحسن المقابلة، وعثر فى أذيال السهو، ولم ينعش بيد العفو، أم يقول: إن الدهر بيننا خدع، وفيما بعد متّسع، فقد أزف رحيلى «١» ، ولا ماء بعد الشطّ، ولا سطح وراء الخط؛ أم ينتظر سؤالى؟ وإنما سألته، يوم أمّلته، واستمنحته «٢» ، يوم مدحته، واقتضيته، يوم أتيته، وانتجعت سحابه، لما قرعت بابه، وليس كل السؤال أعطنى، ولا كل الردّ أعفنى؛ أم يظن- أيّده الله تعالى- أنى أردّ صلته، ولا ألبس خلعته؟ وهذه فراسة المؤمن إلا أنها باطلة، ومخيلة العارف إلا أنها فاسدة؛ أم ليس يجد فىّ مكانا للنعمة يضعها، وأرضا للمنّة يزرعها؟ فلا أقل من تجربة دفعة، والمخاطرة بإنفاذ خلعة، ليخرج من ظلمة التخمين، إلى نور اليقين، وينظر أأشكر أم أكفر؛ أم يتوقع- أيده الله- صاعقة تملكنى، أو بائقة تهلكنى «٣» ، فلهذا أمل موفّر، لأن شيخ السوء باق معمّر؛ أم يقدر- أيّده الله- أنى أشكره إذا اصطنع، وأعذره إذا منع، وتالله لو كنت ينبوع المعاذير ما حظى منها بجرعة، فليرحنى بسرعة.
[بين البديع وأبى القاسم الهمذانى]
وكتب أبو القاسم الهمذانىّ إلى البديع: قد كتبت لسيدى حاجة إن قضاها وأمضاها، ذاق حلاوة العطاء، وإن أباها وفلّ شباها «٤» لقى مرارة الاستبطاء، فأى الجودين أخفّ عليه؟ أجود بالعلق «٥» ، أم جود بالعرض؟ ونزول عن الطريف، أم عن الخلق الشريف؟
فأجابه: جعلت فداك هذا طبيخ، كله توبيخ، وثريد، كله وعيد، ولقم، إلا أنها نقم، ولم أر قدرا أكثر منها عظما، ولا آكلا أكثر منى كظما، ولم أر شربة أمرّ منها طعما، ولا شاربا أتمّ منى حلما، ما هذه الحاجة؟ ولنكن حاجتك من بعد ألين جوانب، وألطف مطالب، توافق قضاءها وترافق ارتضاءها، إن شاء الله تعالى.
стр. 709
وفى مقامات أبى الفتح «١» الإسكندرى من إنشائه، قال:
حدثنا عيسى بن هشام قال: أحلّنى جامع بخارى يوم، وقد انتظمت مع رفقة فى سمط الثريّا، وحين احتفل الجامع بأهله طلع علينا ذو طمرين «٢» ، قد أرسل صوانا، واستتلى [طفلا] عريانا، يضيق بالضرّ وسعه، ويأخذه القرّ ويدعه، لا يملك غير القشرة «٣» بردة، ولا يلتقى لحياه رعدة، ووقف الرجل وقال: لا ينظر لهذا الطفل إلّا من رحم طفله، ولا يرقّ لهذا الضّر إلا من لا يأمن مثله، يا أصحاب الجدود المفروزة، والأردية المطروزة، والدور المنجّدة، والقصور المشيدة، إنكم لن تأمنوا حادثا، ولن تعدموا وارثا، فبادروا الخير ما أمكن، وأحسنوا مع الدهر ما أحسن، فقد والله طعمنا السّكباج «٤» ، وركبنا الهملاج «٥» ، ولبسنا الديباج، وافترشنا الحشايا بالعشايا، فما راعنا إلا هبوب الدهر بغدره، وانقلاب المجنّ لظهره، فعاد الهملاج قطوفا «٦» ، وانقلب الديباج صوفا، وهلمّ جرا، إلى ما تشاهدون من خالى وزيّى؛ فها نحن نرضع من الدهر ثدى عقيم، ونركب من الفقر ظهر بهيم، ولا نرنو إلا بعين اليتيم، ولا نمد إلا يد العديم، فهل من كريم يجلو عنا غياهب هذه البؤوس، ويفلّ شبا هذه النحوس؟. ثم قعد مرتفقا، وقال للطفل: أنت وشأنك. فقال: وما عسى أن أقول، وهذا الكلام لو لقى الشعر لحلقه، أو الصخر لفلقه، وإنّ قلبا لم ينضجه ما قلت لنىء! قد سمعتم يا قوم، ما لم تسمعوا قبل اليوم، فليشغل كلّ منكم بالجود يده، وليذكر غده، واقيا بى ولده، واذكرونى أذكركم، وأعطونى أشكركم! قال عيسى بن هشام: فما آنسنى فى وحدتى إلا خاتم ختّمت به خنصره، فلما تناوله أنشأ يقول:
وممنطق من نفسه ... بقلادة الجوزاء حسنا
стр. 710
كمتيمّ لقى الحبي ... ب فضمّه شغفا وحزنا
متألّف من غير أسرته ... على الأيام خدنا
علق سنىّ قدره ... لكنّ من أهداه أسنى
أقسمت لو كان الورى ... فى المجد لفظا كنت معنى
قال عيسى بن هشام: فتبعته حتى سفرت الخلوة عن وجهه، فإذا والله شيخنا الإسكندرى، وإذا الصبىّ غلام له، فقلت:
أبا الفتح شبت وشبّ الغلام ... فأين الكلام، وأين السلام؟ «١»
فقال:
غريبا إذا جمعتنا الطريق ... أليفا إذا نظمتنا الخيام
فعلمت أنه كره لقائى، فتركته وانصرفت.
[وصف فص وخاتم]
وقال أبو الفتح كشاجم يصف فصا:
ساجل؟؟؟ بفصّك من أردت وباهه ... فكفى به كمدا لقلب الحاسد
متألّق فيه الفرند كأنه ... وجهى غداة ندى وضيف قاصد
لو أنّ ظمأى منه علّت لارتوت ... من ماء جوهره المعين البارد «٢»
بهر العيون إضاءة فى رقّة ... فكأننى متخنّم بعطارد
وقال بعض المحدثين يصف خاتما:
ووحيد الكيان صيغ بديعا ... فإذا تمّ صيغ من جوهرين
خلعت خجلة الخدود عليه ... خلعا قد لبسن فوق اللّجين
стр. 711
فإذا ما رأيته فى بنان ... قد كساها من حسنه حلّتين
قلت نجم هوى من الجوّ حتى ... صار مجرى بروجه فى اليدين
وقال البحترى يستهدى المعتز فصّا:
فهل أنت يابن الراشدين مختّمى ... بياقوتة تبهى علىّ وتشرق
يغار احمرار الورد من حسن صبغها ... ويحكيه جادىّ الرحيق المعتّق
إذا برزت والشمس قلت تجاريا ... إلى أمد أو كادت الشمس تسبق
إذا التهبت فى اللّحظ ضاهى ضياؤها ... جبينك عند الجود إذ يتألّق «١»
أسربل منها ثوب فخر معجّل ... فيبقى بها ذكر على الدهر مخلق
وعلى ذكر الخاتم قال أبو الفتح كشاجم:
عرضن فعرّضن القلوب من الهوى ... لأسرع من كىّ القلوب على الجمر
كأنّ الشفاء اللّعس منها خواتم ... من التّبر مختوم بهنّ على الدّرّ «٢»
وقال الناظم:
يروع مناجيه بهاروت لحظه ... ويؤنسه منه بصورة آدم
ترى فيه لاما فردة فوق وردة ... وفصّا من الياقوت من فوق خاتم
[مفاضلة بين الكلام والصمت]
وقال أبو تمام الطائى: تذاكرنا فى مجلس سعيد بن عبد العزيز الكلام وفضله، والصمت ونبله، فقال: ليس النّجم كالقمر؛ إنك إنما تمدح السكوت بالكلام، ولا تمدح الكلام بالسكوت، وما أنبأ عن شىء فهو أكبر منه.
قال الجاحظ: كيف يكون الصمت أنفع من الكلام، ونفعه لا يكاد يجاوز
стр. 712
صاحبه، ونفع الكلام يعمّ ويخصّ، والرواة لم ترو سكوت الصامتين، كما روت كلام الناطقين؛ فبالكلام أرسل الله تعالى أنبياءه لا بالصّمت، ومواضع الصّمت المحمودة قليلة، ومواطن الكلام المحمودة كثيرة، وبطول الصّمت يفسد البيان. وكان يقال: محادثة الرجال تلقيح لألباتها.
وذكر الصمت فى مجلس سليمان بن عبد الملك فقال: إنّ من تكلّم فأحسن قدر أن يسكت فيحسن، وليس من سكت فأحسن يتكلّم فيحسن.
قال بعض النساك: أسكتتنى كلمة ابن مسعود عشرين سنة؛ وهى: من كان كلامه لا يوافق فعله فإنما يوبّخ نفسه.
[الحنين إلى الأوطان]
قال أبو عمرو بن العلاء: مما يدلّ على حرية الرجل وكرم غريزته حنينه إلى أوطانه، وتشوّقه إلى متقدم إخوانه، وبكاؤه على ما مضى من زمانه.
وقالوا: الكريم يحنّ إلى جنابه، كما يحنّ الأسد إلى غابه.
وقالوا: يشتاق اللبيب إلى وطنه، كما يشتاق النجيب إلى عطنه «١» .
ألفاظ لأهل العصر فى ذكر الوطن
بلد لا تؤثر عليه بلدا، ولا تصبر عنه أبدا. هو عشّه الذى فيه درج، ومنه خرج. مجمع أسرته، ومقطع سرّته. بلد أنشأته تربته، وغذّاه هواؤه، وربّاه نسيمه، وحلّت عنه التمائم فيه.
قالوا: وكان الناس يتشوّقون إلى أوطانهم، ولا يفهمون العلّة فى ذلك، حتى أوضحها على بن العباس الرّومى فى قصيده لسليمان بن عبد الله بن طاهر يستعديه على رجل من التّجّار، يعرف بابن أبى كامل، أجبره على بيع داره واغتصبه بعض جدرها، بقوله:
стр. 713
ولى وطن آليت ألّا أبيعه ... وألّا أرى غيرى له الدهر مالكا
عهدت به شرخ الشباب ونعمة ... كنعمة قوم أصبحوا فى ظلالكا
وحبّب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضّاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهم ... عهود الصّبا فيها فخنّوا لذلكا
فقد ألفته النفس حتى كأنه ... لها جسد إن بان غودر هالكا
يقول له فيها:
وقد عزّنى فيها لئيم وسامنى ... فقال لى اجهد فىّ جهد احتيالكا «١»
وما هو إلا نسجك الشّعر ضلّة ... وما الشعر إلّا ضلة من ضلالكا
بصير بتسآل الملوك، ولم يكن ... بعار على الأحرار مثل سؤالكا
وإنى وإن أضحى مدلّا بماله ... لآمل أن أضحى مدلّا بمالكا
فإن لم تصبنى من يمينك نعمة ... فلا نخطئنه نقمة من شمالكا
فكم لقى العافون بدءا وعودة ... نوالك والعادون مر نكالكا
وقال على بن عبد الكريم النصيبى: أتانى أبو الحسن بن الرومى بقصيدته هذه، وقال: أنصفنى، وقل الحق: أيهما أحسن قولى فى الوطن أو قول الأعرابى:
أحبّ بلاد الله ما بين منعج ... إلىّ وسلمى أن يصوب سحابها
بلاد بها نيطت علىّ تمائمى ... وأوّل أرض مسّ جلدى ترابها «٢»
فقلت: بل قولك؛ لأنه ذكر الوطن ومحبّته، وأنت ذكرت العلة التى أوجبت ذلك.
وقال ابن الرومى أيضا يتشوّق إلى بغداد، وقد طال مقامه بسرّ من رأى:
بلد صحبت به الشبيبة والصبا ... ولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل فى الضمير رأيته ... وعليه أغصان الشباب تميد «٣»
стр. 714
وقال أبو العباس: ولما احتفل القائل فى هذا المعنى السابق إليه قال:
بلاد بها حلّ الشباب تمائمى
وقد تقدّم. وإذا كانت تمائمه قطعت بأبرق العزّاف، وكان التراب الذى مسّ جلده تراب جزيرة سيراف، وجب أن يحنّ إليه حنين المتأسفين على غوطة دمشق، وقصور مدينة السلام، ونجف الجزيرة، ومستشرف الخورنق، وجوسق سرّ من رأى، لمّا بعد عنها، وطال مقامه بغيرها، كلّا، ولكن هذا الرجل علم أن الحنين إلى الأوطان لما تذكّر من معاهد اللهو فيها، بجدّة الشباب الذى ذكر أنّ غول سكرته، يغطى على مقدار فضيلته، فى قوله:
لا تلح من يبكى شبيبته ... إلّا إذا لم يبكها بدم
عيب الشبيبة غول سكرتها ... ومقدار ما فيها من النّعم
لسنا نراها حقّ رؤيتها ... إلّا أوان الشيب والهرم
كالشمس لا تبدو فضيلتها ... حتى تغشّى الأرض بالظّلم
ولربّ شىء لا يبيّنه ... وجدانه إلّا مع العدم
أخذها هذا من قول الطائى:
راحت وفود الأرض عن قبره ... فارغة الأيدى ملاء القلوب
قد علمت ما رزئت، إنما ... يعرف فقد الشمس بعد الغروب
وأخذ ابن الرومى قوله فى صفة الوطن من قول بشّار:
متى تعرف الدار التى بان أهلها ... بسعدى فإن العهد منك قريب
تذكّرك الأهواء إذ أنت يافع ... لديها فمغناها لديك حبيب «١»
أو من قول بعض الأعراب:
ذكرت بلادى فاستهلّت مدامعى ... بشوقى إلى عهد الصبا المتقادم «٢»
стр. 715
حننت إلى أرض بها اخضرّ شاربى ... وقطّع عنى قبل عقد التمائم
وأنشد ثعلب لرجاء بن هرون العكى:
أحنّ إلى وادى الأراك صبابة ... لعهد الصّبا فيه ونذكار أول
كأنّ نسيم الريح فى جنباته ... نسيم حبيب أو لقاء مؤمّل
قال أبو بكر الصولى: ولست أشكّ أنه من قول رجاء أخذ، وبه ألمّ، وعليه عوّل؛ لأنه فى تناوله المعنى غريب الأخذ، عائر السّهم «١» ، لا يعارض معنى معروفا إذا أنشد علم الناس أنه معدنه الذى انتحته منه.
وقد اختلس معنى قول ابن الرومى:
فقد ألفته النفس حتى كأنه ... لها جسد إن بان غودر هالكا
أخذه على بن محمد الإيادى وقال فأحسن الأخذ ولطف فى السرقة:
بالجزع فالخبتين أشلاء دار ... ذات ليال قد تولّت قصار
بانوا فماتت أسفا بعدهم ... وإنما الناس نفوس الديار
وقال أعرابى:
أيا حبذا نجد وطيب ترابه ... تصافحه أيدى الرياح الغرائب
وعهد صبا فيه ينازعك الهوى ... بذلك أتراب. عذاب المشارب
تنال المنى منهنّ فى كل مطلب ... عذاب الثنايا واردات الذوائب «٢»
وقال ابن ميّادة يخاطب الوليد بن يزيد.
ألا ليت شعرى هل أبيتنّ ليلة ... بحرّة ليلى خيت ربّتنى أهلى
بلاد بها نيطت علىّ تمائمى ... وقطّعن عنى حين أدركنى عقلى
فإن كنت عن تلك المواطن مانعى ... قأفش علىّ الزرق واجمع إذ اشملى
وقال سوار بن الصرير «٣» ، ورويت لمالك بن الريب:
стр. 716
سقى الله اليمامة من بلاد ... نوائحها كأرواح الغوانى «١»
وجوّا زاهرا للريح فيه ... نسيم لا يروع الترب وانى
به سقت الشباب إلى زمان ... يقبح عندنا حسن الزمان
وقال أعرابى:
أقول لصاحبى والعيس تخدى ... بنابين المنيفة فالضّمار «٢»
تمتّع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشيّة من عرار
ألا يا حبّذا نفحات نجد ... وريّا روضه غبّ الفطار «٣»
[وأهلك إذ يحلّ القوم نجدا ... وأنت على زمانك غير زار]
شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار
وهذا البيت كقول الآخر:
سقى الله أياما لنا قد تتابعت ... وسقيا لعصر العامريّة من عصر
ليالى أعطيت البطالة مقودى ... تمرّ الليالى والشهور ولا أدرى
وتخلّف سليمان عن نصرة ابن الرومى؛ فذاك الذى هاجه على هجائه، فمن ذلك قوله، وقد خرج فى بعض الوجوه فرجع مهزوما:
جاء سليمان بنى طاهر ... فاجتاح معتزّ بنى المعتصم
كأن بغداد وقد أبصرت ... طلعته نائحة تلتدم «٤»
مستقبل منه ومستدبر ... وجه بخيل وقفا منهزم
وقال:
قرن سليمان قد أضرّ به ... شوق إلى وجهه سيتلفه
стр. 717
كم يعد القرن باللقاء وكم ... يكذب فى وعده ويخلفه
لا يعرف القرن وجهه ويرى ... قفاه من فرسخ، فيعرفه
وقد أخذ هذا المعنى من قول بعض الخوارج، وقد قال له أبو جعفر المنصور:
أخبرنى أى أصحابى كان أشدّ إقداما فى مبارزتك، فقال: ما أعرف وجوههم، ولكننى أعرف أقفاءهم، فقل لهم يدبروا أعرّفك.
وفى هذه المنازعة يقول ابن الرّومى لمواليه بنى هاشم وكان ولاؤه لعبيد الله بن عيسى بن جعفر بن المنصور:
تخذتكم درعا علىّ لتدفعوا ... نبال العدى عنى فكنتم نصالها
وقد كنت أرجو منكم خير ناصر ... على حين خذلان اليمين شمالها
فإن أنتم لم تحفظوا لمودّتى ... ذماما فكونوا لا عليها ولا لها
قفوا موقف المعذور عنى بمعزل ... وخلّوا نبالى والعدا ونبالها
ألفاظ لأهل العصر، فى وصف الأمكنة والأزمنة
بلدة كأنها صورة جنّة الخلد، منقوشة فى عرض الأرض. بلدة كأن محاسن الدنيا مجموعة فيها، ومحصورة فى نواحيها. بلدة كأن ترابها عنبر، وحصباءها عقيق «١» ، وهواءها نسيم، وماءها رحيق. بلدة معشوقة السّكنى، رحبة المثوى «٢» ، كوكبها يقظان، وجوّها عريان، وحصاها جوهر، ونسيمها معطّر، وترابها مسك أذفر، ويومها غداة، وليلها سحر، وطعامها هنىّ، وشرابها مرىّ. بلدة واسعة الرقعة، طيبة البقعة، كأنّ محاسن الدنيا عليها مفروشة، وصورة الجنة فيها منقوشة، واسطة البلاد وسرّتها، ووجهها وغرتها.
стр. 718
ولهم فى ضد ذلك
بلد متضايق الحدود والأفنية، متراكب المنازل والأبنية. بلد حرّها مؤذ، وماؤها غير مغذ. بلدة وسخة السماء، رمدة الهواء، جوّها غبار، [وأرضها خبار «١» ] ، وماؤها طين، وترابها سرجين «٢» . وحيطانها نزوز، وتشرينها تموز «٣» ، فكم فى شمسها من محترق، وفى ظلها من غرق. بلدة ضيقة الديار، سيئة الجوار، حيطانها أخصاص، وبيوتها أقفاص، وحشوشها مسايل، وطرقها مزابل.
ولهم فى صفات الحصون والقلاع
حصن كأنه على مرقب النجم، يحسر دونه الناظر، ويقصر عنه العقاب الكاسر، يكاد من علاه يغرق فى حوض الغمام. حصن انتطق بالجوزاء، وناجت أبراجه بروج السماء. قلعة حلّقت بالجو تناجى السماء بأسرارها. قلعة بعد فى السماء مرتقاها، حتى تساوى ثراها مع ثريّاها. قلعة تتوشّح بالغيوم، وتتحلّى بالنجوم.
قلعة عالية على المرتقى، صمّاء عن الرقى، قد جاوزت الجوزاء سمتا، وعزلت السماك الأعزل سمكا، هى متناهية فى الحصانة، موثوقة بالوثاقة، ممتنعة على الطلب والطالب، منصوبة على أضيق المسالك وأوعر المناصب، لم تزدها الأيام إلا نبوّ أعطاف، واستصعاب جوانب وأطراف، قد ملّ الولاة حصارها، ففارقوها عن طموح منها وشماس، وسئمت الجيوش ظلّها، فغادرتها بعد قنوط وياس، فهى حمى لا يراغ «٤» ، ومعقل لا يستطاع، كأنّ الأيام صالحتها على الإعفاء من الحوادث والليالى عاهدتها على التسليم من القوارع. قلعة يحوى من الرّفعة قدرا لا تستهان مواقعه، وتلوى فى المنعة جيدا لا تستلان أخادعه، ليس للوهم قبل القدوم إليها مسرى، ولا للفكر قبل الخطو نحوها مجرى.
стр. 719
ولهم فى صفات القصور والدور
قصر كأن شرفاته بين النّسر والعيّوق «١» ، كأنه يسامى الفرقد، وقد اكتست له الشّعرى العبور ثوب الغيور. قصر طال مبناه، وطاب مغناه، كأنه فى الحصانة جبل منيع، وفى الحسن ربيع مريع. شرفات كالعذارى شددن مناطقها، وتوّجن بالأكاليل مفارقها. قصر أقرّت له القصور بالقصور «٢» ، كأنه سحاب فى بحر السماء. دار قوراء توسع العين قرة، والنفس مسرّة. كأنّ بانيها استسلف الجنة فعجّلت له. دار تخجل منها الدور، وتتقاصر عنها القصور؛ إن مات صاحبها مغفورا له فقد انتقل من جنة إلى جنة. دار قد اقترن اليمن بيمناها، واليسر بيسراها، الجسوم منها فى حضر، والعيون على سفر.
دار هى [دائرة الميامن، و] دارة المحاسن. دار دار بالسعد نجمها، وفاز بالحسن سهمها. دار يخدمها الدهر، ويأويها البدر، ويكنفها النّصر، هى مرتع النواظر، ومتنفّس الخواطر. دار قد أخذت أدوات الجنان، وضحكت عن العبقرىّ الحسان.
[من رسائل الميكالى وشعره]
فصل لأبى الفضل الميكالى إلى بعض إخوانه:
ما ابتدأت بمخاطبة سيّدى حتى سرت المسرّة فى نفسى، وقويت أركان بهجتى وأنسى، وحتى أقبلت وجوه الميامن تتهلّل إلىّ، وبدر المساعد تنثال علىّ «٣» ، وكيف [لا يملكنى الجذل والفرح، وكيف] لا يهزّنى النشاط والمرح، وقد زففت ودّى إلى كفء كريم، وعرضته لحظّ من الجمال جسيم، وأرجو أن يرد منه على حسن قبول وإقبال، ويحظى من ارتياحه له ببرد
стр. 720
اشتمال، ويصادف من اهتزازه وإنشائه، وعمارته وإنمائه، وتحصين أطرافه من شوائب الخلل، وشوائن الوهن والميل، وما تستحكم به مرائر الوصال، وتؤمن على قواها عوادى الانتقاض والانحلال.
وله: إذا لم يؤت المرء فى شكر المنعم إلا من عظم قدر الإنعام والاصطناع، واستغراقه منه قوى الاستقلال والاضطلاع، فليس عليه فى القصور عن كنه واجبه عتب، ولا يلحقه فيه نقيصة ولا عيب. ولئن ظهر عجزى عن حق هذه النعمة فإنى احيل بحسن الثناء على من لا يعجزه حمله، ولا يؤوده ثقله، ولا يزكو الشكر إلا لديه، ولا تصرف الرغبة إلا إليه، والله يبقيه لمجد يقيم أعلامه، وفضل يقضى ذمامه، وعرف يبثّ أقسامه، وولىّ يوالى إكرامه، وعدوّ يديم قمعه وإرغامه وله: ولو وفيت هذه النعمة الجسيمة حقّها لمشيت إلى حضرته- آنسها الله تعالى- حبوا [لا] «١» على القدم، ولآثرت فيه خدمة اللسان على خدمة القلم، ولما رضيت له بباعى القصير، وعبارتى الموسومة بالعجز والقصور، حتى أستعير فيه ألسنة تحمل شكرا وثناء، وتوسع نشرا «٢» ودعاء، ثم لا أكون بلغت مبلغا كافيا، ولا أبليت عذرا شافيا؛ إلّا أنّ عدم الإذن ثبّطنى «٣» عن مقصود الغرض، وعاقنى عن الواجب المفترض؛ فأقمت عاكفا على دعاء أرفعه إلى الله مبتهلا، وأواصله مجتهدا فى ليلى ونهارى محتفلا.
وله: أحقّ النعمة بالزيادة نعمة لم تزل العيون إليها مستشرفة «٤» ، والقلوب إليها متشوّفة، والأيام بها واعدة، والأقدار فيها مساعدة، حتى استقرّت فى نصابها، وألقت عصىّ اغترابها، فهى للنماء والزيادة مترشحة، وبالعزّ والسعادة متوشحة، وبالأدعية الصالحة مستدامة مرتهنة، وباتّفاق الكلمة والأهواء عليها مرتبطة محصّنة.
стр. 721
وله فصل من كتاب تعزية بالأمير ناصر الدين:
أقدار الله تعالى فى خلقه لم تزل تختلف بين مكروه ومحبوب، وتتصرّف بين موهوب ومسلوب، غادية أحكامها مرّة بالمصائب والنوائب، رائحة أقسامها تارة بالعطايا والرغائب، ولكن أحسنها فى العيون أثرا، وأطيبها فى الأسماع خبرا، وأحراها بأن تكسب القلوب عزاء وتصسبّرا، ما إذا انطوى نشر، وإذا انكسر جبر، وإذا أخذ بيد ردّ بأخرى، وإذا وهب بيمنى سلب بيسرى، كالمصيبة بفلان التى قرّحت الأكباد، وأوهنت الأعضاد «١» ، وسوّدت وجوه المكارم والمعالى، وصورت الأيام فى صور الليالى، وغادرت المجد وهو يلبس حداده، والعدل وهو يبكى عماده، والدين وهو يندب جهاده، حتى إذا كاد اليأس يغلب الرّجاء، ويردّ الظنون مظلمة النواحى والأرجاء، قيّض الله تعالى من الأمير الجليل من اجتمعت عليه الأهواء، ورضيت به الدهماء، فأسى به حادث الكلم، وسدّ بمكانه عظيم الثّلم، وردّ الآمال والنفوس قد استبدلت بالحيرة قوة وانتصارا، وصارت للدولة المباركة أعوانا وأنصارا ومن شعره فى تجنيس القوافى، فى معان مختلفة:
إذا لم تكن لمقال النصيح ... سميعا ولا عاملا أنت به
ينبّهك الدهر من رقدة الملاهى ... وإن قلت لا أنتبه
وقال:
تفرّق الناس فى أرزاقهم فرقا ... فلابس من ثراء المال أو عارى
كذا المعايش فى الدنيا وساكنها ... مقسومة بين أوعاث وأوعار
وقال:
حوى القدّ عمرا فقلت اعتقد ... رضا بالقضاء ولا تحتقد
стр. 722
فإمّا احتقدت قضاء الإله ... فأقبح بمحتقد تحت قد
وقال:
تمّت محاسنه فما يزرى بها ... مع فضله ونمائه وكماله
إلا قصور وجوده عن جوده ... لا عون للرجل الكريم كماله
انصر أخاك إذا اجتداك فواسه ... وإن استغاثك واثقا بك ماله «١»
وقال أيضا:
إذا تغدّيت صدر يومى ... ثم تأذّيت بالغداء
فقلت إذ مسّنى أذاه ... أرى غدائى أراغ دائى
وله فى هذا [الصوغ] :
لنا صديق يجيد لقما ... راحتنا فى أذى قفاه
ما ذاق من كسبه، ولكن ... أذى قفاه أذاق فاه
وقال يهجو رجلا:
يريد يوسّع فى بيته ... ويأبى له الضيق فى صدره
فتى سخط النّصب فى قدره ... كما رضى الخفض فى قدره
يخدّر أوصال أضيافه ... ولا يبرز الخبز من خدره
وقال فى غير هذا المذهب يصف كتابا ورد عليه:
قد أتانا من صديق كلام ... كلآل زانهنّ نظام
فسرى فى القلب منى سرور ... مطرب يعجز عنه المدام
مثل ما يرتاح ربّ بنات ... حوله من جمعهن زحام
стр. 723
فرعى الله طويلا يرجى ... خلفا من نسله لا يذام
وأتاه بعد يأس بشير ... قال يا بشراى هذا غلام
وقال يصف الشمع:
وليل كلون الهجر أو ظلمة الحبر ... نصبنا لراجيه عمودا من التّبر
يشقّ جلابيب الدّجى فكأنما ... ترى بين أيدينا عمودا من الفجر
يحاكى رواء العاشقين بلونه ... وذوب حشاه والدّموع التى تجرى
خلا أن جارى الدمع ينحله قوى ... وعهدى بدمع العين ينحلّ إذ يجرى
تبدّى لنا كالغصن قدّا وفوقه ... شعاع كأنّا منه فى ليلة البدر «١»
تحمّل نورا حتفه فيه كامن ... وفيه حياة الانس واللهو لو يدرى
إذا ما علته علّة جرّ رأسه ... فيختال فى ثوب جديد من العمر
وقال:
يا ربّ غصن نوره ... يزرى بنور الشفق
يظلّ طول عمره ... يبكى بجفن أرق
نار المحب فى الحشا ... وناره فى المفرق
لاح لنا فى مغرب ... فردّنا فى مشرق
وقال:
وقضيب من بنات النحل ... فى قدّ الكعاب «٢»
يشبه العاشق فى لو ... ن ودمع ذى انسكاب
كسى الباطن منه ... وهو عريان الإهاب «٣»
стр. 724
فإذا ما أنعم الأب ... دان ملبوس الثّياب
فهو للشقوة منها ... فى بلاء وعذاب
وقال كشاجم يصف شمعا أهداها [إلى بعض الملوك] :
[و] «١» صفر من بنات النّحل تكسى ... بواطنها وأظهرها عوارى
عذارى يفتضضن من الأعالى ... إذا افتضت من السّفل العذارى
وأمست تنتج الأضواء حتّى ... تلقح فى ذوائبها بنار
كواكب لسن عنك بآفلات ... إذا ما أشرقت شمس العقار
بعثت بها إلى ملك كريم ... شريف الأصل محمود النّجار
فأهديت الضياء بها إلى من ... محاسنه تضىء لكل سارى
وقال:
يشقى الفتى بخلاف كلّ معاند ... يؤذيه حتّى بالقذى فى مائه
يقذى إذا أصغى الإناء لشربه ... ويروغ عنه عند سكب إنائه «٢»
وقال:
أطالب أيامى بإنجاز موعدى ... وها هى تلوى بالوفاء وتجمح
أقول عساها أن تلين لمطلبى ... قليلا فبعض الشوك بالمنّ يسمح
وقال:
أرى وصالك لا يصفو لآمله ... والهجر يتبعه ركضا على الأثر
كالقوس أقرب سهميها إذا عطفت ... عليه أبعدها من منزع الوتر
أخذ هذا من قول ابن الرومى وذكر رجلا متلونا:
رأيتك بينا أنت خلّ وصاحب ... إذا بك قد ولّيتنا ثانيا عطفا
стр. 725
وأنك إذ أحنى حنوّك موجب ... بعادا لمن بادلته الودّ واللطفا
لكالقوس أحنى ما تكون إذا انحنت ... على السهم أنأى ما تكون له قذفا
وله فى نحو ذلك:
تودّدت حتى لم أجد متودّدا ... وأتعبت أقلامى عتابا مرددا
كأنى أستدعى لك ابن حنيّة ... إذا النزع أدناه من الصدر أبعدا
[فى وصف أبى الفضل الميكالى]
وذكر عمر بن على بن محمد المطوعى أبا الفضل الميكالى فى كتاب ألّفه فى منظومه ومنثوره فقال: قد أصبحت حضرته- لا زالت أرجة الأرجاء بطيب شمائله، راضية الرضا عن صوب أنامله- موسم الآمال، ومحط الرحال؛ وعبده أحرار الكلام، كما خدمته أحرار الأيام، وأطاعته المعانى والمعالى، كما أطاعه صرف الأيام والليالى، فهو- أدام الله تمكينه- شهاب المجد الذى لا يخبو واقده، وروض الكرم الذى لا يجدب رائده؛ إن أردت البلاغة فهو مالك عنانها، وفارس ميدانها، وناظم درّها ومرجانها، وصائغ لجينها وعقيانها؛ وإن أردت السماحة فهو محلّها ومكانها، وتاريخها وعنوانها، ويدها ولسانها، وحدقتها وإنسانها، وحديقتها وبستانها؛ وإن أردت شرف الأصل والنسب، والجمع بين الموروث [من المجد] والمكتسب، فناهيك بأوائله شرفا سابقا، وفضلا باسقا، ومجدا فى فلك الفخر سامقا «١» ؛ فهم الجحاجحة الغرّ، والكواكب الزّهر، ومن بهم يفتخر الفخر، ويتشرّف الدهر، زحموا مناكب الكواكب من بعد أقدارهم، وصكّوا فرق الفرقد وصدر البدر بشرف أخطارهم، فما فيهم إلا قمر فضل دار فى فلك علم، وهلال مجد لاح فى سماء فهم، توارثوا المجد كابرا عن كابر، وباقيا عن غابر، وسافرت أخبارهم فى البعد والقرب. وطارت فى أقاصى
стр. 726
الشرق والغرب، وسارت مسير الشمس فى كلّ بلد، وهبّت هبوب الريح فى البر والبحر، فهم كما قال أبو عبادة البحترى فى الشاه بن ميكال وأهله فأحسن وأجاد وبلغ ما أراد:
بنى أحوذى يغمر الطرف موفيا ... ببسطته والسيف وافى الحمائل «١»
تضيق الدروع التّبّعيات منهم ... على كل رحب الباع سبط الأنامل
عراعر قوم يسكن الثغر إن مشوا ... على أرضه والثغر جمّ الزلازل «٢»
فكم فيهم من منعم متطوّل ... بآلائه أو مشرف متطاول
إذا سئلوا جادت سيوف أكفّهم ... [نظائر جمات التلاع السوائل
خليقون سروا أن تلين أكفّهم] ... عرائك أحداث الزمان الجلائل
وما زال لحظ الراغبين معلّقا ... إلى قمر فيهم رفيع المنازل
وفيه، أو فى أبيه، يقول أبو سعيد أحمد بن شبيب:
وإلى الأمير ابن الأمير تواهقت ... رزحى الركاب برازحى الركّاب «٣»
شيم أرقّ من الهواء بل الهوى ... وألذّ من ظفر بعقب ضراب
وعزائم لو كنّ يوما أسهما ... لنفذن فى الأيام غير نواب «٤»
مائية الجريان إلا أنها ... ناريّة الإقدام والإلهاب
يخطرن بين سياسة ورياسة ... ويتهن بين مثوية وعقاب
[ابن أبى دواد بين يدى الواثق]
قال أبو عبد الله بن حمدون النديم: لقد رأيت الملوك فى مقاصيرها، ومجامع
стр. 727
حفلها، فما رأيت أغزر أدبا من الواثق؛ خرج علينا ذات يوم وهو يقول: لقد عرض عرضة من عرضه لقول الخزاعى، يريد دعبلا:
خليلىّ ماذا أرتجى من غد امرىء ... طوى الكشح عنى اليوم وهو مكين
وإنّ امرأ قد ضنّ عنى بمنطق ... يسدّ؟؟؟ من خلّتى لضنين
فانبرى احمد بن أبى دواد يسأله كأنما نشط من عقال فى رجل من أهل اليمامة فأطنب وأسهب، وذهب فى القول كل مذهب؛ فقال الواثق: يا أبا عبد الله لقد أكثرت فى غير كبير، ولا طيّب، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه صديقى:
وأهون ما يعطى الصديق صديقه ... من الهيّن الموجود أن يتكلّما
فقال: وما قدر اليمامى أن يكون صديقك، وإنما أحسبه أن يكون من عرض معارفك؟. قال: يا أمير المؤمنين، إنه شهرنى بالاستشفاع إليك، وجعلنى بمرأى ومسمع من الردّ والإسعاف، فإذا لم أقم له هذا المقام أكون كما قال أمير المؤمنين آنفا:
خليلىّ ماذا أرتجى من غنى امرئ ... طوى الكشح عنى اليوم وهو مكين
فقال الواثق: بالله يا محمد بن عبد الملك إلّا عجّلت لأبى عبد الله حاجته، ليسلم من هجنة المطل، كما سلم من هجنة الرد.
[من صفة ابن أبى دواد، وأخباره]
وكان ابن أبى دواد من أحسن الناس تأتّيا، وكان يقول: ربما أردت أن أسأل أمير المؤمنين الحاجة بحضرة ابن الزيات فأؤخّر ذلك إلى وقت مغيبه؛ لئلا يتعلّم حسن التلطّف منى! وكان بينه وبين محمد بن عبد الملك عداوة عظيمة وأمر الواثق أصحابه أن ينهضوا قياما لأبى جعفر إذا دخل، ولم يرخّص فى ذلك لأحد، فاشتدّ الأمر على ابن أبى دواد، ولم يجد لخلاف الواثق سبيلا.
فوكّل بعض غلمانه بمراقبة موافاته، فإذا أقبل أخبره فنهض يركع، فقال ابن الزيات:
стр. 728
صلّى الضّحى لما استفاد عداوتى ... وأراه ينسك بعدها ويصوم
لا تعدمنّ عداوة موسومة ... تركتك تقعد بعدها وتقوم
وقال الواثق يوما لابن أبى دواد تضجّرا بكثرة حوائجه: قد أخليت بيوت الأموال بطلباتك للّائذين بك، والمتوسّلين إليك. فقال: يا أمير المؤمنين، نتائج شكرها متّصلة بك، وذخائرها موصولة لك، ومالى من ذلك إلا عشق اتصال الألسن بخلود المدح، فقال: والله لا منعناك ما يزيد فى عشقك، ويقوّى فى همتك فينا ولنا؛ وأمر فأخرج له خمسة وثلاثون ألف درهم.
[بين أبى العيناء وابن أبى دواد]
قال أبو العيناء: [قلت] لابن أبى دواد: إنّ قوما من أهل البصرة قدموا إلى سرّ من رأى يدا علىّ، فقال: يد الله فوق أيديهم. فقلت: إنّ لهم مكرا، فقال: ولا يحيق المكر السّيىّ إلّا بأهله، فقلت: إنّهم كثير. قال: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين، فقلت: لله درّ القاضى فهو كما قالت الصّموت الكلابية:
لله درك أى جنّة خائف ... ومتاع دنيا أنت للحدثان
متخمّط يطأ الرجال شهامة ... وطء الفنيق مدارج القردان «١»
ويكبّهم حتى تظلّ رءوسهم ... مأمومة تنحطّ للغربان
ويفرج الباب الشديد رتاجه ... حتى يصير كأنه بابان
وكانت هذه المجاوبة بين أبى العيناء وبين أبى العلاء المنقرى، وكان قد استجاش عليه قوما من أهل البصرة.
стр. 729
قطعة من شعر الأعراب فى الغزل
ابن ميادة:
ألا ليت شعرى هل يحلّنّ أهلنا ... وأهلك روضات ببطن الّلوى خضرا
وهل تأتينّ الريح تدرج موهنا ... بريّاك تعرورى بنا بلدا قفرا
بريح خزامى الرمل بات معانقا ... فروع الأقاحى تنضب الطلّ والقطرا
ألا ليتنى ألقاك يا أمّ جحدر ... قريبا، فأمّا الصبر عنك فلا صبرا
وقال:
وما روضة بات الربيع يجودها ... على ما بها من حنوة وعرار «١»
بأطيب من ريح القرنفل موهنا ... بما التفّ من درع لها وخمار
وقال آخر:
تجالسنا بنت الدّلال تعلّقت ... عراه بحبّات القلوب الهوائم
وبيّن ما تخفى من الوجد ردّها ... غريق الأناسى فى الدّموع السّواجم
جرى الدمع مجرى مائه فكففنه ... بعنّاب أطراف الأكفّ النواعم
وردّ التحيات الهوى من عيونها ... بيقظان طرف فى مخيلة نائم
وقال العلاء بن موسى الجهنى:
ولما رأتنى مخطرا شوكة العدى ... ردى النفس مجتابا إلى غير موعد
جلت داجى الظلماء منها بسنّة ... ونحر مشوب لونه بالزبرجد «٢»
стр. 730
وبالشّذر مسبوكا كأن التهابه ... تلهّب جمر الفرقد المتوقد «١»
وجاءت كسلّ السيف لو مرّ مشيها ... على البيض أمسى سالما لم يخضّد
فبتنا ولم نكذبك لو أنّ ليلنا ... إلى الحول لم نملل وقلنا له ازدد
نذود النفوس الصاديات عن الهوى ... ذيادا ونسقيهنّ سقى المصرّد
فلما بدا ضوء الصباح وراعنا ... مع الصبح صوت الهاتف المتشهّد «٢»
نهضنا بشخص واحد فى عيونهم ... نطا فى حواشى الأتحمىّ المعضّد «٣»
إلى جنّة منهم وسلّمت غاديا ... عليها سلام الباكر المتزوّد
وولّت وأغباش الدّجى مرجحنّة ... تأطّر غصن البانة المتأود
وقال أعرابى من طيىء:
وأحور يصطاد القلوب وما له ... من الريش إلّا زعفران وإثمد
وما كنت أخشى الفتك ممّن سلاحه ... سوار وخلخال وطوق منضّد
وأشنب برّاق الثنايا غروبه ... من البرد الوسمىّ أصفى وأبرد
خليلىّ بالله أقعدا فتبيّنا ... وميضا نرى الظلماء منه تقدّد
يكشف اعراض السحاب كأنه ... صفيحة هندىّ تسلّ وتغمد
فبتّ على الأجبال ليلا أشيمه ... أقوم له حتى الصباح وأقعد
هذا فى البرق كقول الطرماح فى النور:
يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسلّ ويغمد
[زيارة طيف الخيال]
وقال بشار:
أعددت لى عتبا بحبّكم ... يا عبد طال بحبّكم عتبى
стр. 731
ولقد تعرض لى خيالكم ... فى القرط والخلخال والقلب
فشربت غير مباشر حرجا ... برضاب أشنب بارد عذب
وقال المتنبى:
بتنا يناولنا المدام بكفّه ... من ليس يخطر أن نراه بباله
نجنى الكواكب من قلائد جيده ... وننال عين الشمس من خلخاله
وأول شعر أبى الطيب:
لا الحلم جاد به ولا بمثاله ... لولا ادّكار وداعه وزياله
إن المعيد لنا المنام خياله ... كانت إعادته خيال خياله
إنى لأبغض طيف من أحببته ... إذ كان يهجرنا زمان وصاله
يقول: التمثيل والتخيل له فى اليقظة أعاد خياله فى المنام، فكأن الخيال الذى فى النوم تصوّر فى اليقظة. وأظهر من هذا قول الطائى:
زار الخيال لها لا بل أزاركه ... فكر إذا نام فكر الخلق لم ينم
ظبى تقنّصته لما نصبت له ... فى آخر الليل أشراكا من الحلم
أما بيته الأول فمن قول جميل:
حييث طيفك من طيف ألمّ به ... حدّثت نفسك عنه وهو مشغول
وقال ذو الرمة:
نأت دارمىّ أن تزار، وزورها ... إذا ما دجا الإظلام منا وساوس «١»
إذا نحن عرّسنا بأرض سرى لنا ... هوى لبّسته بالقلوب اللوابس «٢»
وبيته الثانى ألمّ فيه بقول قيس بن الملوّح:
стр. 732
وإنى لأستغشى وما بى نعسة ... لعلّ خيالا منك يلقى خياليا
وأخرج من بين الجلوس لعلّنى ... أحدّث عنك النفس فى السرّ خاليا
تقطّع أنفاسى لذكرك أنفسا ... يردن فما يرجعن إلا صواديا
وقد قال فيه قيس بن ذريح:
وإنى لأهوى النوم فى غير نعسة ... لعلّ لقاء فى المنام يكون
تخبّرنى الأحلام أنى أراكم ... فياليت أحلام المنام يقين
وكان البحترى أكثر الناس إبداعا فى الخيال، حتى صار لاشتهاره مثلا يقال له «خيال البحترى» ، وفى بعض ذلك يقول:
ألمّت بنا بعد الهدوّ، فسامحت ... بوصل متى تطلبه فى الجدّ تمنع
فما برحت حتى مضى الليل وانقضى ... وأعجلها داعى الصباح الملمّع
فولّت كأنّ البين يخلج شخصها ... أوان تولّت من حشاى وأضلعى «١»
وقال:
سقى الغيث أجزاعا عهدت بجوّها ... غزالا تراعيه الجاذر أغيدا
إذا ما الكرى أهدى إلىّ خياله ... شفى قربه التبريح أو نقع الصدى «٢»
فلم نر مثلينا ولا مثل شأننا ... نعذّب أيقاظا وننعم هجّدا
وقال:
بلى وخيال من أثيلة كلما ... تأوّهت من وجدى تعرّض يطمع
يرى مقلتى ما لا ترى من لقائه ... وتسمع أذنى رجع ما ليس تسمع
[ويكفيك من حق تخيّل باطل ... تردّ به نفس اللهيف فترجع]
قوله فى البيت الأخير من قول الحسين بن الضحاك:
стр. 733
وماذا يفيدك طيف الخيا ... ل والهجر حظّك ممن تحب
غناء قليل، ولكننى ... تملّيته بقنوع المحب
وللحسين فى هذا المعنى وإن لم يكن فى ذكر الخيال:
وصف البدر حسن وجهك حتّى ... خلت أنى، وما أراك، أراكا
وإذا ما تنفّس النرجس الغضّن ... توهّمته نسيم جناكا
خدع للمنى تعلّلنى فيك ... بإشراق ذا ونكهة ذاكا «١»
وأول من طرد الخيال طرفة بن العبد، فقال:
فقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها فإنى واصل حبل من وصل
فتبعه جرير فى قوله فقال:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... حين الزيارة فارجعى بسلام
قال البحترى، ونفى هذا المعنى بقوله:
قد كان منى الوجد غبّ تذكّر ... إذ كان منك الصدّ غبّ تناسى
تجرى دموعى حين دمعك جامد ... ويلين قلبى حين قلبك قاسى
ما قلت للطيف المسلم لا تعد ... تغشى، ولا نهنهت حامل كاسى
وقال ابن هانى الأندلسى:
ألا طرقتنا والنجوم ركود ... وفى الحىّ أيقاظ ونحن هجود «٢»
وقد أعجل الفجر الملمّع خطوها ... وفى أخريات الليل منه عمود
سرت عاطلا غضبى على الدرّ وحده ... فلم يدر نحر مادهاه وحيد «٣»
فما برحت إلا ومن سلك أدمعى ... قلائد فى لبّاتها وعقود
ألم يأتها أنّا كبرنا عن الصّبا ... وأنا بلينا والزمان جديد
стр. 734
وقال علىّ بن محمد الإيادى:
أما إنه لولا الخيال المراجع ... وعاص يرى فى النوم وهو مطاوع
لأشفق واستحيا من النوم واله ... يرى بعد روعات الهوى وهو هاجع
وقال أيضا:
طيف يزورك من حبيب هاجر ... أهلا به وبطيفه من زائر
شقّ الدجى وسرى فأمعن فى السّرى ... حتى ألمّ فبات بين محاجرى
يحدو به هيف القوام المنثنى ... نحوى وسالفة الغزال النافر
لله درّك من خيال واصل ... أسرى فأنصف من حبيب هاجر
علّلت علة قلب صبّ هائم ... وقضيت ذمّة فيض دمع قاطر
وقال عبد الكريم بن إبراهيم
لم أدر مغناك لولا المسك والقطر ... وزورة لملمّ عهده عفر «١»
سرى يعارض أنفاس الرياح بما ... تحمّر الورد منه وانتشى الزّهر
يخفى بثوب الدّجى مسراه مستترا ... ومن تقنّع صبحا كيف يستتر
كأنّ أعين واشيه تراقبه ... فيه فيدمج أخبارى فيختصر
وقال
أهلا به من زائر معتاد ... والليل يرفل فى ثياب حداد «٢»
يتجاوز الرايات يخفق ظلها ... ويشقّ ملتفّ القنا المنآد
أنّى اهتدى فى ظل أخضر مغدف ... حتى تيمّم بالعراء وسادى
بأرقّ من كبد المتيّم مقدما ... فى حيث ينبو الحارث بن عباد «٣»
معتادة أمنت نمائم حليها ... والحلى نمّام على العوّاد
стр. 735
وكأنما ياقوتها فى نحرها ... متوّقد مما يجنّ فؤادى
[عقال بن شبة بين يدى المنصور]
خطب صالح بن أبى جعفر المنصور فى بعض الأمر فأحسن، فأراد المنصور أن يقرظه ويثنى عليه، فلم يجسر أحد على ذلك لمكان المهدى، وكان مرشحا للخلافة، وخافوا ألا يقع الثناء على أخيه بموافقته، فقام عقال بن شبّة، فقال:
ما رأيت أبين بيانا، ولا أفصح لسانا، ولا أحسن طريقا، ولا أغمض «١» عروقا، من خطيب قام بحضرتك يا أمير المؤمنين، وحقّ لمن كان أمير المؤمنين أباه، والمهدى أخاه، أن يكون كما قال زهير:
يطلب شأو امرأين قدّما حسنا ... بزّا الملوك وبزّا هذه السّوقا «٢»
هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا
أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فبالذى قدّما من صالح سبقا
فعجب الناس من حسن تخلصه، فقال أبو جعفر: لا ينصرف التميمى إلا بثلاثين ألفا.
قال أبو عبد الله كاتب المهدى: ما رأيت مثل عقال قط فى بلاغته؛ [مدح الغلام، و] أرضى المنصور، وسلم من المهدى.
[زهير وهرم بن سنان]
وفى قصيدة زهير هذه يمدح هرم بن سنان بن أبى حارثة المرى:
قد جعل المبتغون الخير فى هرم ... والسائلون إلى أبوابه طرقا
من يلق يوما على علّاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا
стр. 736
وليس مانع ذى قربى وذى رحم ... يوما ولا معدما من خابط ورقا «١»
ليث بعثّر يصطاد الرجال، إذا ... ما الليث كذّب عن أقرانه صدقا «٢»
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطّعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
فضل الجواد على الخيل البطاء فلا ... يعطى بذلك ممنونا ولا نزقا
هذا وليس كمن بعيا بحجّته ... وسط الندىّ إذا ما ناطق نطقا
لو نال حىّ من الدنيا بمكرمة ... أفق السماء لنالت كفّه الأفقا
وكان زهير كثير المدح لهرم، ويروى أن بنتا لسنان بن أبى حارثة رأت بنتا لزهير بن أبى سلمى فى بعض المحافل، وإذا لها شارة وحال حسنة، فقالت:
قد سرنى ما أرى من هذه الشارة والنعمة عليك [فقالت: إنها منكم] . فقالت:
بلى والله لك الفضل، أعطيناكم ما يفنى، وأعطيتمونا ما يبقى! وقد قيل: إن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال لابنة هرم بن سنان:
ما وهب أبوك لزهير؟ قالت: أعطيناه مالا وأثاثا أفناه الدهر. قال: لكن ما أعطاكموه لا تفنيه الدهور. وقد صدق عمر رضى الله عنه، لقد أبقى زهير لهم ما لا تفنيه الدهور، ولا تخلقه العصور، ولا يزال به ذكر الممدوح ساميا، وشرفه باقيا، فقد صار ذكرهم علما منصوبا، ومثلا مصروبا، قال الطائى، وذكرهم فى شعره:
مالى ومالك شبه حين أذكره ... إلا زهير وقد أصغى له هرم
وقال يوسف الجوهرى يمدح الحسن بن سهل:
لو أنّ عينى زهير أبصرت حسنا ... وكيف يصنع في أمواله الكرم
إذن لقال زهير حين يبصره ... هذا الجواد على العلات لا هرم
стр. 737
وقال آخر، ويدخل فى باب تفضيل الشعر:
الشعر يحفظ ما أودى الزمان به ... والشعر أفضل ما يجنى من الكرم
لولا مقال زهير فى قصائده ... ما كان يعرف جود كان من هرم
وقيل: أعطى هرم [العطاء الجزيل] عوض قول زهير فيه:
تالله قد علمت سراة بنى ... ذبيان عام الحبس والأصر
أن نعم حشو الدّرع أنت إذا ... دعيت نزال ولجّ فى الذّعر «١»
حامى الذّمار على محافظة الجلّى ... أمين مغيّب الصدر «٢»
حدب على المولى الضّريك إذا ... ضاقت عليه نوائب الدّهر «٣»
ومرهّق النيران يحمد فى اللأواء ... غير ملعّن القدر «٤»
والستر دون الفاحشات، وما ... يلقاك دون الخير من ستر
وقال:
إن البخيل ملوم حيث كان ... ولكنّ الجواد على علّاته هرم
هو الكريم الذى يعطيك نائله ... عفوا، ويظلم أحيانا فيظّلم
وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول: لا غائب مالى ولا حرم
الخليل: الذى أخلّ به الفقر؛ إلى غير ذلك من مختار مدحه فيه.
[فضل الشعر]
ولما امتدح نصيب عبد الله بن جعفر رضى الله عنه أمر له بإبل وخيل، وثياب ودنانير ودراهم، قال له رجل: أتعطى لمثل هذا العبد الأسود هذا العطاء؟ فقال: إن كان أسود فإن شعره أبيض، وإن كان عبدا فإن ثناءه لحرّ، ولقد استحق بما قال أكثر مما أعطى وهل أعطيناه إلا ثيابا تبلى، وما لا يفنى، ومطايا تنضى، وأعطانا مديحا يروى، وثناء يبقى.
стр. 738
وقال الأخطل يعتدّ على بنى أمية بمدحه لهم:
أبنى أمية إن أخذت نوالكم ... فلما أخذتم من مديحى أكثر
أبنى أمية لى مدائح فيكم ... تنسون إن طال الزمان وتذكر
ولما مدح أبو تمام الطائى محمد بن حسان الضبى بقصيدته التى أولها:
أسقى طلولهم أجشّ هزيم ... وغدت عليهم نضرة ونعيم «١»
وصله بمال كثير، وخلع عليه خلعة نفيسة، فقال يصفها:
قد كسانا من كسوة الصيف خرق ... مكتس من مكارم ومساع «٢»
حلّة سا بريّة وكساء ... كسحا القيض أو رداء الشجاع «٣»
كالسراب الرقراق فى الحسن، إلّا ... أنه ليس مثله فى الخداع
قصبيّا تسترجف الريح متني ... هـ بأمر من الهبوب مطاع
رجفانا كأنه الدهر منه ... كبد الصبّ أو حشى المرتاع»
لازما ما يليه تحسبه جز ... ءامن المتنين والأضلاع
كسوة من أغرّ أروع رحب الصّدر ... رحب الفؤاد رحب الذّراع
سوف أكسوك ما يعفّى عليها ... من ثناء كالبرد برد الصّناع
حسن هاتيك فى العيون، وهذا ... حسنه فى القلوب والأسماع
فقال: لعنة الله علىّ إن بقى عندى ثوب أو يصل إلى أبى تمام؛ وأمر بحمل ما فى خزائنه إليه.
قال إبراهيم بن العبّاس الصولى لأبى تمام: [أمراء] الكلام يا أبا تمام رعيّة لإحسانك، قال: [ذاك] لأنى أستضىء بنورك، وأرد شريعتك.
стр. 739
وكان الطائى مع جودة شعره بليغ الخطاب، حاضر الجواب، وكان يقال:
ثنتان قلّما يجتمعان: اللسان البليغ، والشعر الجيد.
وقال الحسن بن جنادة الوشّاء: انصرف أبو تمام من عند بعض أصحاب السلطان، فوقف علىّ، فقلت: من أين؟ فقال: كنت عند بعض الملوك فأكلنا طعاما طيّبا، وفاكهة فاضلة، وبخرّنا وغلّفنا؛ فخرجت هاربا من المجلس، نافرا إلى التسلى، وما فى منزلى نبيذ [فإن كان عندك منه شىء فامنحنى، فقلت: ما عندى نبيذ] ، ولكن عندى خمر أريده لبعض الأدوية، فقال: دع اسمه، وأعطنا جسمه، فليس يثنينا عن المدام، ما هجّنته «١» به من اسم الحرام..
[استنجاز أعرابى موعدة]
قال عبيد الله بن محمد بن صدقة: كنّا عند أبى عبيد الله «٢» ، فدخل عليه أعرابى قد كان له عليه وعد، فقال له: أيها الشيخ السيد، إنى والله أتسحّب على كرمك، وأستوطىء فراش مجدك، وأستعين على نعمك بقدرك؛ وقد مضى لى موعدان، فاجعل النّجح ثالثا، أقد لك الشّكر فى العرب شادخ الغرّة، بادى الأوضاح.
فقال أبو عبيد الله: ما وعدتك تغريرا، ولا أخّرتك تقصيرا، ولكن الأشغال تقطعنى، وتأخذ بأوفر الحظّ منى، وأنا أبلغ لك جهد الكفاية، ومنتهى الوسع بأوفر مأمول، وأحمد عاقبة، وأقرب أمد، إن شاء الله تعالى فقال الأعرابى: يا جلساء الصّدق، قد أحصرنى التطول، فهل من معين منجد ومساعد منشد؟ فقال بعض أحداث الكتاب لأبى عبيد الله: والله- أصلحك الله- لقد قصدك، وما قصدك حتى أمّلك، وما أمّلك إلا بعد أن أجال النظر، فأمن الخطر، وأيقن بالظّفر، فحقق له أمله بتهيئة القليل، وتهنئة التعجيل. قال الشاعر:
إذا ما اجتلاه المجد عن وعد آمل ... تبلّج عن بشر ليستكمل البشرا
ولم يثنه مطل العداة عن التى ... تصون له الحمد الموفّر والأجرا
стр. 740
فأحضر أبو عبيد الله «١» للأعرابى عشرة آلاف درهم، وقال الأعرابى للفتى:
خذها فأنت سببها. فقال: شكرك أحبّ إلىّ منها، فقال له أبو عبيد الله: خذها فقد أمرنا له بمثلها. فقال الأعرابى: الأن كملت النعمة، وتمّت المنة.
[معاوية بن يسار]
وكان أبو عبيد الله واسع الذّرع، سابغ الدرع فى الكرم والبلاغة، واسمه معاوية بن يسار «٢» .
وكان يقول: إن نحوة الشرف تناسب بطر الغنى، والصبر على حقوق الثّروة أشدّ من الصّبر على ألم الحاجة، وذلّ الفقر يسعى على عزّ الصبر، وجور الولاية مانع من عدل الإنصاف، إلا من ناسب بعد الهمة، وكان لسلطان عزمه قوة على شهوته.
وكان يقول: لا يكسر رأس صناعة إلا فى أخسّ رتّان، وأرذل سلطان، ولا يعيب العلم إلا من انسلخ عنه، وخرج منه.
وكان يقول: حسن البشر علم من أعلام [النجاج] ورائد من [روّاد الفلاح] ، وما أحسن ما قال زهير:
تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنك تعطيه الذى أنت سائله
وقال له المهدىّ بعد أن قتل ابنه على الزندقة: لا يمنعك ما سبق [به] القضاء فى ولدك، من [ثلج صدرك] وتقديم نصحك؛ فإنى لا أعرض لك رأيا على تهمة، ولا أؤخر لك قدما عن رتبة، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما كان [ولدى حسنة] من نبت إحسانك أرضه، ومن تفقّدك سماؤه، وأنا طاعة أمرك، وعبد نهيك، وبقية رأيك لى أحسن الخلف عندى.
وكان يقول: العالم يمشى البراز آمنا، والجاهل يهبط الغيطان كامنا، ولله درّ زهير حيث يقول:
الستر دون الفاحشات وما ... يلقاك دون الخير من ستر
وقال أبو عبيد الله: ذاكرنى المنصور فى أمر الحسين «٣» بن قحطة، فقال: كان
следующие страницы →