← Адаб

Адаб · id 10768

زهر الآداب وثمر الألباب

الحصري القيرواني

Полный текст (1 141 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وليس مانع ذى قربى وذى رحم ... يوما ولا معدما من خابط ورقا «١» ليث بعثّر يصطاد الرجال، إذا ... ما الليث كذّب عن أقرانه صدقا «٢» يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطّعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا فضل الجواد على الخيل البطاء فلا ... يعطى بذلك ممنونا ولا نزقا هذا وليس كمن بعيا بحجّته ... وسط الندىّ إذا ما ناطق نطقا لو نال حىّ من الدنيا بمكرمة ... أفق السماء لنالت كفّه الأفقا وكان زهير كثير المدح لهرم، ويروى أن بنتا لسنان بن أبى حارثة رأت بنتا لزهير بن أبى سلمى فى بعض المحافل، وإذا لها شارة وحال حسنة، فقالت: قد سرنى ما أرى من هذه الشارة والنعمة عليك [فقالت: إنها منكم] . فقالت: بلى والله لك الفضل، أعطيناكم ما يفنى، وأعطيتمونا ما يبقى! وقد قيل: إن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال لابنة هرم بن سنان: ما وهب أبوك لزهير؟ قالت: أعطيناه مالا وأثاثا أفناه الدهر. قال: لكن ما أعطاكموه لا تفنيه الدهور. وقد صدق عمر رضى الله عنه، لقد أبقى زهير لهم ما لا تفنيه الدهور، ولا تخلقه العصور، ولا يزال به ذكر الممدوح ساميا، وشرفه باقيا، فقد صار ذكرهم علما منصوبا، ومثلا مصروبا، قال الطائى، وذكرهم فى شعره: مالى ومالك شبه حين أذكره ... إلا زهير وقد أصغى له هرم وقال يوسف الجوهرى يمدح الحسن بن سهل: لو أنّ عينى زهير أبصرت حسنا ... وكيف يصنع في أمواله الكرم إذن لقال زهير حين يبصره ... هذا الجواد على العلات لا هرم

стр. 737

وقال آخر، ويدخل فى باب تفضيل الشعر: الشعر يحفظ ما أودى الزمان به ... والشعر أفضل ما يجنى من الكرم لولا مقال زهير فى قصائده ... ما كان يعرف جود كان من هرم وقيل: أعطى هرم [العطاء الجزيل] عوض قول زهير فيه: تالله قد علمت سراة بنى ... ذبيان عام الحبس والأصر أن نعم حشو الدّرع أنت إذا ... دعيت نزال ولجّ فى الذّعر «١» حامى الذّمار على محافظة الجلّى ... أمين مغيّب الصدر «٢» حدب على المولى الضّريك إذا ... ضاقت عليه نوائب الدّهر «٣» ومرهّق النيران يحمد فى اللأواء ... غير ملعّن القدر «٤» والستر دون الفاحشات، وما ... يلقاك دون الخير من ستر وقال: إن البخيل ملوم حيث كان ... ولكنّ الجواد على علّاته هرم هو الكريم الذى يعطيك نائله ... عفوا، ويظلم أحيانا فيظّلم وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول: لا غائب مالى ولا حرم الخليل: الذى أخلّ به الفقر؛ إلى غير ذلك من مختار مدحه فيه. [فضل الشعر] ولما امتدح نصيب عبد الله بن جعفر رضى الله عنه أمر له بإبل وخيل، وثياب ودنانير ودراهم، قال له رجل: أتعطى لمثل هذا العبد الأسود هذا العطاء؟ فقال: إن كان أسود فإن شعره أبيض، وإن كان عبدا فإن ثناءه لحرّ، ولقد استحق بما قال أكثر مما أعطى وهل أعطيناه إلا ثيابا تبلى، وما لا يفنى، ومطايا تنضى، وأعطانا مديحا يروى، وثناء يبقى.

стр. 738

وقال الأخطل يعتدّ على بنى أمية بمدحه لهم: أبنى أمية إن أخذت نوالكم ... فلما أخذتم من مديحى أكثر أبنى أمية لى مدائح فيكم ... تنسون إن طال الزمان وتذكر ولما مدح أبو تمام الطائى محمد بن حسان الضبى بقصيدته التى أولها: أسقى طلولهم أجشّ هزيم ... وغدت عليهم نضرة ونعيم «١» وصله بمال كثير، وخلع عليه خلعة نفيسة، فقال يصفها: قد كسانا من كسوة الصيف خرق ... مكتس من مكارم ومساع «٢» حلّة سا بريّة وكساء ... كسحا القيض أو رداء الشجاع «٣» كالسراب الرقراق فى الحسن، إلّا ... أنه ليس مثله فى الخداع قصبيّا تسترجف الريح متني ... هـ بأمر من الهبوب مطاع رجفانا كأنه الدهر منه ... كبد الصبّ أو حشى المرتاع» لازما ما يليه تحسبه جز ... ءامن المتنين والأضلاع كسوة من أغرّ أروع رحب الصّدر ... رحب الفؤاد رحب الذّراع سوف أكسوك ما يعفّى عليها ... من ثناء كالبرد برد الصّناع حسن هاتيك فى العيون، وهذا ... حسنه فى القلوب والأسماع فقال: لعنة الله علىّ إن بقى عندى ثوب أو يصل إلى أبى تمام؛ وأمر بحمل ما فى خزائنه إليه. قال إبراهيم بن العبّاس الصولى لأبى تمام: [أمراء] الكلام يا أبا تمام رعيّة لإحسانك، قال: [ذاك] لأنى أستضىء بنورك، وأرد شريعتك.

стр. 739

وكان الطائى مع جودة شعره بليغ الخطاب، حاضر الجواب، وكان يقال: ثنتان قلّما يجتمعان: اللسان البليغ، والشعر الجيد. وقال الحسن بن جنادة الوشّاء: انصرف أبو تمام من عند بعض أصحاب السلطان، فوقف علىّ، فقلت: من أين؟ فقال: كنت عند بعض الملوك فأكلنا طعاما طيّبا، وفاكهة فاضلة، وبخرّنا وغلّفنا؛ فخرجت هاربا من المجلس، نافرا إلى التسلى، وما فى منزلى نبيذ [فإن كان عندك منه شىء فامنحنى، فقلت: ما عندى نبيذ] ، ولكن عندى خمر أريده لبعض الأدوية، فقال: دع اسمه، وأعطنا جسمه، فليس يثنينا عن المدام، ما هجّنته «١» به من اسم الحرام.. [استنجاز أعرابى موعدة] قال عبيد الله بن محمد بن صدقة: كنّا عند أبى عبيد الله «٢» ، فدخل عليه أعرابى قد كان له عليه وعد، فقال له: أيها الشيخ السيد، إنى والله أتسحّب على كرمك، وأستوطىء فراش مجدك، وأستعين على نعمك بقدرك؛ وقد مضى لى موعدان، فاجعل النّجح ثالثا، أقد لك الشّكر فى العرب شادخ الغرّة، بادى الأوضاح. فقال أبو عبيد الله: ما وعدتك تغريرا، ولا أخّرتك تقصيرا، ولكن الأشغال تقطعنى، وتأخذ بأوفر الحظّ منى، وأنا أبلغ لك جهد الكفاية، ومنتهى الوسع بأوفر مأمول، وأحمد عاقبة، وأقرب أمد، إن شاء الله تعالى فقال الأعرابى: يا جلساء الصّدق، قد أحصرنى التطول، فهل من معين منجد ومساعد منشد؟ فقال بعض أحداث الكتاب لأبى عبيد الله: والله- أصلحك الله- لقد قصدك، وما قصدك حتى أمّلك، وما أمّلك إلا بعد أن أجال النظر، فأمن الخطر، وأيقن بالظّفر، فحقق له أمله بتهيئة القليل، وتهنئة التعجيل. قال الشاعر: إذا ما اجتلاه المجد عن وعد آمل ... تبلّج عن بشر ليستكمل البشرا ولم يثنه مطل العداة عن التى ... تصون له الحمد الموفّر والأجرا

стр. 740

فأحضر أبو عبيد الله «١» للأعرابى عشرة آلاف درهم، وقال الأعرابى للفتى: خذها فأنت سببها. فقال: شكرك أحبّ إلىّ منها، فقال له أبو عبيد الله: خذها فقد أمرنا له بمثلها. فقال الأعرابى: الأن كملت النعمة، وتمّت المنة. [معاوية بن يسار] وكان أبو عبيد الله واسع الذّرع، سابغ الدرع فى الكرم والبلاغة، واسمه معاوية بن يسار «٢» . وكان يقول: إن نحوة الشرف تناسب بطر الغنى، والصبر على حقوق الثّروة أشدّ من الصّبر على ألم الحاجة، وذلّ الفقر يسعى على عزّ الصبر، وجور الولاية مانع من عدل الإنصاف، إلا من ناسب بعد الهمة، وكان لسلطان عزمه قوة على شهوته. وكان يقول: لا يكسر رأس صناعة إلا فى أخسّ رتّان، وأرذل سلطان، ولا يعيب العلم إلا من انسلخ عنه، وخرج منه. وكان يقول: حسن البشر علم من أعلام [النجاج] ورائد من [روّاد الفلاح] ، وما أحسن ما قال زهير: تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنك تعطيه الذى أنت سائله وقال له المهدىّ بعد أن قتل ابنه على الزندقة: لا يمنعك ما سبق [به] القضاء فى ولدك، من [ثلج صدرك] وتقديم نصحك؛ فإنى لا أعرض لك رأيا على تهمة، ولا أؤخر لك قدما عن رتبة، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما كان [ولدى حسنة] من نبت إحسانك أرضه، ومن تفقّدك سماؤه، وأنا طاعة أمرك، وعبد نهيك، وبقية رأيك لى أحسن الخلف عندى. وكان يقول: العالم يمشى البراز آمنا، والجاهل يهبط الغيطان كامنا، ولله درّ زهير حيث يقول: الستر دون الفاحشات وما ... يلقاك دون الخير من ستر وقال أبو عبيد الله: ذاكرنى المنصور فى أمر الحسين «٣» بن قحطة، فقال: كان

стр. 741

أوثق الناس عندى، وأقربهم من قلبى، فلما لقى أبا حنيفة انتكث، فقلت: إن فسدت نيته فسيضعه الباطل كما رفعه الحقّ، وتشهد مخايله عليه كما شهدت له، فتعدل فى أمره من شكّ إلى يقين. ثم قال لى: اكتم علىّ ما ألقيت عليك. قال عمران بن شهاب: استعنت على أبى عبيد الله فى أمر ببعض إخوانه وكان قد تقدّم سؤالى إيّاه فيه، فقال لى: لولا أن حقّك لا يجحد ولا يضاع، لحجبت عنك حسن نظرى؛ أظننتنى أجهل الإحسان حتى أعلّمه، ولا أعرف موضع المعروف حتى أعرّفه؟ لو كان ينال ما عندى إلا بغيرى لكنت مثل البعير الذّلول؛ يحمل عليه الحمل الثقيل، إن قيد انقاد، وإن أنيخ برك، ما يملك من نفسه شيئا، فقلت: معرفتك بموضع الصنائع أثبت معرفة، ولم أجعل فلانا شفيعا إنما جعلته مذكّرا. قال: وأى إذكار أبلغ عندى فى رعى حقّك من مسيرك إليه وتسليمك عليه «١» ، إنه متى لم يتصفّح المأمول أسماء مؤمّليه غدوة ورواحا لم يكن للأمل محلّا، وجرى عليه المقدار لمؤمّليه على يديه بما قدر، وهو غير محمود على ذلك ولا مشكور، ومالى إمام بعدوردى من القرآن إلا أسماء رجال أهل التأميل، حتى أعرضهم على قلبى، فلا تستعن على شريف إلا بشرفه؛ فإنّه يرى ذلك عيبا لعرفه؛ وأنشد: وذاك امرؤ إن تأته فى عظيمة ... إلى بابه لا تأته بشفيع ومن توقيعاته: الحق يعقب فلجا أو ظفرا، والباطل يورث كذبا وندما. وكتب إليه رجل: والنفس مولعة بحبّ العاجل. فكتب إليه: لكن العقل الذى جعله الله للشهوة زماما وللهوى. رباطا موكّل بحبّ الآجل، ومستصغر لكل كثير رائل. قال مصعب بن عبد الله الزبيرى: وفد زياد الحارثى على المهدى وهو بالرّىّ ولىّ عهد، فأقام سنتين لا يصل إليه شىء من برّه، وهو ملازم كاتبه أبا عبيد الله، فلما طال أمره دخل إلى كاتبه فأنشده:

стр. 742

ما بعد حولين مرّا من مطالبة ... ولا مقام لذى دين وذى حسب لئن رحلت ولم أظفر بفائدة ... من الأمير لقد أعذرت فى الطّلب فوقع أبو عبيد الله: يصنع الله لك! فكتب إليه: ما أردت الدعاء منك لأنى ... قد تيقّنت أنه لا يجاب أيجاب الدعاء من مستطيل ... جلّ تسبيحه الخنا والسّباب ألفاظ لأهل العصر، فى ذكر الاستطالة والكبر مع ما يشاكل ذلك من معانيها، ويطرق نواحيها من المساوى والمقابح فلان لسانه مقراض للأعراض، لا يأكل خبزه إلا بلحوم الناس. هو غرض يرشق بسهام الغيبة، وعلم يقصد بالوقيعة، قد تناولته الألسن العاذلة، وتناقلت حديثه الأندية الحافلة. قد لزمه عار لا يمحى رسمه، ولزمه شنار لا يزول وسمه، فأصبح [نقل كلّ لسان، وضحكة كل إنسان «١» ، وصار دولة الألسن، ومثلة الأعين. وقد عرّض عرضه] غرضا لسهام الغائبين، وألسنة القاذفين، وقلّد نفسه عظيم العار والشّنار، والسّبّة الخالدة على الليل والنهار. قد أسكرته خمرة الكبر، واستغرقته عرّة التّيه، كأن كسرى حامل غاشيته، وقارون وكيل نفقته، وبلقيس إحدى داياته، وكأنّ يوسف لم ينظر إلا بطلعته، [وداود لم ينطق إلّا بنغمته] ، ولقمان لم يتكلم إلا بحكمته، والشمس لم تطلع إلا من جبينه، والغمام لم يند إلا من يمينه، وكأنه امتطى السّماكين، وانتعل الفرقدين، وتناول النّيّرين بيدين، وملك الخافقين، واستعبد الثقلين، وكأن الخضراء له عرشت، والغبراء باسمه فرشت.

стр. 743

فلان له من الطاوس رجله، ومن الورد شوكه، ومن الماء زبده، ومن النار دخانها، ومن الخمر خمارها، قد هبّت سمائم نمائمه، ودبّت مكايد عقاربه، والنمام يضرب بسيف كليل إلا أنه يقطع، ويضرب بعضد واهن إلا أنه يوجع. هو تمثال الجبن، وصورة الخوف، ومقرّ الرعب؛ فلو سمّيت له الشجاعة لخاف لفظها قبل معناها، وذكرها قبل فحواها، وفزع من اسمها دون مسماها، فهو يهلك من تخوفه أضغاث أحلام، فكيف بمسموع الكلام؟ إذا ذكرت السيوف لمس رأسه هل ذهب، ومسّ جبينه هل ثقب؟ كأنه أسلم فى كتّاب الجبن صبيّا، ولقّن كتاب الفشل أعجميا. وعده برق خلّب، وروغان ثعلب. غيم وعده جهام، وحدّ سيفه كهام. حصلت منه على مواعيد عرقوبية «١» ، وأحزان يعقوبية «٢» ، قد حرمنى ثمر الوعد، وجرّنى على شوك المطل. فتى له وعد أخذ «٣» من البرق الخلّب خلقا، وقد تناول من العارض الجهام طبعا، وتركنى أرعى رياض رجاء لا ينبت، وأجنى ثمار أمل لا يورق؛ فأنا فى ضمان الانتظار، وإسار عدة ضمار «٤» . هو يرسل برقه، ولا يسيل ودقه، ويقدم رعده، فلا يمطر بعده. وعده الرقم على بساط الهواء، والخطّ فى بسيط الماء. حلّ هذا من قول أبى الفضل بن العميد: لا أستفيق من الغرام، ولا أرى ... خلوا من الأشجان والبرحاء وصروف أيام أقمن قيامتى ... بنوى الخليط وفرقة القرناء وجفاء خلّ كنت أحسب أنّه ... عونى على السراء والضرّاء ثبت العزيمة فى العقوق، وودّه ... متنقل كتنقّل الأحياء ذى خلة يأتيك أثبت عهده ... كالخطّ يرسم فى بسيط الماء

стр. 744

أردت هذا البيت. هو صخرة خلقاء «١» ، لا يستجيب للمرتقى، وحيّة صمّاء لا تسمع للرّقى، كأنى أستنفر بالجوّ رعدا، وأهزّ منه بالدعاء طودا، هو ثابت العطف [نابى العطف] ، عاجز القوة، قاصر المنّة، يتعلّق بأذناب المعاذير، ويحيل على ذنوب المقادير. هو كالنعامة تكون جملا إذا قيل لها طيرى، وطائرا إذا قيل لها سيرى. يفاض له بذل، ولا يفوّض إليه شغل، ويملأ له وطب، ولا يدفع به خطب، قد وفر همّه على مطعم يجوّده، وملبس يجوّده، ومرقد يمهّده، وبنيان يشيّده، هذا كقول الخطيئة: دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى قلب نغل، وصدر دغل، وطويّة معلولة، وعقيدة مدخولة، صفوه رنق «٢» ، وبرّه ملق، قد ملىء قلبه رينا، وشحن صدره مينا «٣» ، يدّعى الفضل وهو فيه دعىّ، دأبه بثّ الخدائع، والنّفث فى عقد المكايد، ضميره خبث، ويمينه حنث، وعهده نكث. هو سحابة صيف، وطارق ضيف، قوته غنيمة، والظفر به هزيمة. هو العود المركوب، والوتر المضروب، يطؤه الخفّ والحافر، ويستضيمه الوارد والصادر. [يغمض عن الذكر] ، ويصغر عن الفكر. ذاته لا يوسم أغفالها، وصفته لا تنفرج أقفالها. هو أقلّ من تبنة فى لبنة، ومن قلامة فى قمامة. وهو بيذق الشّطرنج فى القيمة والقامة، جهله كثيف، وعقله سخيف، لا يستتر من العقل بسجف، ولا يشتمل إلّا على سخف. يمدّ يد الجنون فيعرك بها أذن الحزم، ويفتح جراب السخف فيصفع به قفا العقل. لا تزال الأخبار تورد سفائح جهله وخرقه، والأنباء تنقل نتائج سخفه وحمقه، قد ظلّ يتعثّر فى فضول جهله، ويتساقط فى ذيول عقله. هو سمين المال مهزول النّوال. ثروة فى الثريا وهمّة فى الثّرى.

стр. 745

وجهه كهول المطلع، وزوال النّعمة، وقضاء السّوء، وموت الفجاءة. هو قذى العين، وشجى الصّدر، وأذى القلب، وحمّى الروح، وجهه كآخر الصك، وظلم الشكّ، كأنّ النحس يطلع من جبينه، والخلّ يقطر من وجنته. وجهه طلعة الهجر، ولفظه قطع الصّخر. وجهه كحضور الغريم، ووصول الرقيب، وكتاب العزل، وفراق الحبيب. له من الدينار نضرته، ومن الورد صفرته، ومن السحاب ظلمته، ومن الأسد نكهته «١» . هو عصارة لؤم فى قرارة خبث. ألأم مهجة فى أسقط جثّة. حديث النّعمة، خبيث الطعمة، خبيث المركب، لئيم المنتسب، يكاد من لؤمه يعدى من جلس إلى جنبه، أو تسمّى باسمه. قد أرضع بلبان اللّؤم، وربّى فى حجر الشؤم، وفطم عن ثدى الخير، ونشأ فى عرصة الخبث، وطلّق الكرم ثلاثا لم ينطق فيه استثناء، وأعتق المجد بتاتا لم يستوجب عليه ولاء. هو حماز مبطّن بثور مفروز بتيس، مطرّز بطرر، [أتى من اللؤم بنادر] ، لم تهتد له قصة مادر «٢» . هو قصير الشبر، صغير القدر، قاصر القدر، ضيّق الصّدر، ردّ إلى قيمة مثله فى خبث أصله، وفرط جهله، لا أمس ليومه، ولا قديم لقومه، سائله محروم، وماله مكتوم؛ لا يحين إنفاقه، ولا يحلّ خناقه. خيره كالعنقاء تسمع بها ولا ترى. خبزه فى حالق، وإدامه فى شاهق. غناه فقر، ومطبخه قفر، يملأ بطنه والجار جائع، ويحفظ ماله والعرض ضائع، قد أطاع سلطان البخل وانخرط كيف شاء فى سلكه. هو ممن لا يبضّ حجره، ولا يثمر شجره، سكّيت الحلبة «٣» ، وساقة الكتيبة، وآخر الجريدة. لعنة العائب، وعرضة الشاهد والغائب. هو عيبة العيوب، وذنوب الذّنوب. وقال أبو الفضل الميكالى:

стр. 746

وطلعة بقبحها قد شهرت ... تحكى زوال نعمة ما شكرت كأنّها عن لحمها قد قشرت ... أقبح بها صحيفة قد نشرت عنوانها إذا الوحوش حشرت ... يلعنها ما قدّمت وأخّرت صاحبها ذو عورة لو سترت ... إن سار يوما فالجبال سيّرت أو رام أكلا فالجحيم سعّرت ويختص بهذه الأنواع رسالة بديع الزمان إلى القاضى على بن أحمد يشكو أبا بكر الحيرى القاضى ويذمّه- وقد أطلت عنان الاختيار فيها لصحّة مبانيها، وارتباط ألفاظها بمعانيها: الظّلامة- أطال الله بقاء القاضى- إذا أتت من مجلس القضاء، لم ترق إلّا إلى سيّد القضاة. وما كنت لأقصر سيادته على الحكام، دون سائر الأنام، لولا اتصالهم بسببه، واتّسامهم بلقبه، وهبهم مطفّلين على قسمه، مغيرين على اسمه، ألهم فى الصحة أديم كأديمه «١» ، أو قديم فى الشرف كقديمه، أو حديث فى الكرم كطريفه؛ فهنيئا لهم الأسماء، وله المعانى، ولا زالت لهم الظواهر، وله الجواهر. ولا غرو أن يسمّوا قضاة، فما كلّ مائع ماء، ولا كلّ سقف سماء، ولا كلّ سيرة عدل العمرين «٢» ، ولا كلّ قاض قاضى الحرمين، ويالثارات القضاء! ما أرخص ما بيع، وأسرع ما أضيع! والسنة الإنذار، قبل خلو الديار، وموت الخيار، ألا يغار لحلى الحسناء، على السوداء، ومركب أولى السياسة، تحت السّاسة، ومجلس الأنبياء، من تصدّر الأغبياء، وحمى البزاة من صيد البغاث، ومرتع الذكور «٣» من تسلّط الإناث؟ ويا للرجال، وأين الرجال! ولى القضاء من لا يملك من آلاته غير السّبال «٤» ، ولا يعرف من أدواته غير الاعتزال، ولا يتوجّه

стр. 747

فى أحكامه إلا إلى الاستحلال، [ولا يرى التفرقة إلا فى العيال] ولا يحسن من الفقه غير جمع المال، [ولا يتقن من الفرائض إلا قلة الاحتفال، وكثرة الافتعال] ولا يدرس من أبواب الجدال إلا قبيح الفعال، وزور المقال، ذاك أبو بكر القاضى، أضاعه الله كما أضاع أمانته، وخان خزانته، ولاحاطه من قاض فى صولة جندى، وسبلة كردى ... إلى أن قال: أيكفى أن يصبح المرء بين الزقّ والعود، ويمسى بين موجبات الحدود، حتى يكمل شبابه، وتشيب أترأبه. ثم يلبس دنيّته «١» ، ليخلع دينيّته، ويسوى طيلسانه، ليحرف يده ولسانه، ويقصر سباله، ليطيل حباله، ويظهر شقاشقه، لبستر مخارقه، وببيّض لحيته، ليسوّد صحيفته، ويبدى ورعه، ليخفى طمعه، ويغشى محرابه، ليملأ جرابه، ويكثر دعاءه، ليحشو وعاءه، ثم يخدم بالنهار أمعاءه، ويعالج بالليل وجعاءه، ويرجو أن يخرج من بين هذه الأحوال عالما، ويقعد حاكما؟ هذا إذا المجد كالوه بقفزان «٢» وباعوه فى سوق الخسران! هيهات حتى ينسى الشهوات، ويجوب الفلوات، ويعتضد المحابر، ويحتضن الدفاتر، وينتج الخواطر، ويحالف الأسفار، ويعتاد القفار، ويصل الليلة باليوم، ويعتاض السهر من النوم، ويحمل على الروح، ويجنى على العين، وينفق من العيش، ويخزن فى القلب، ولا يستريح من النظر إلا إلى التحديق، ولا من التحقيق إلا إلى التعليق؛ وحامل هذه الكلف إن أخطأه رائد التوفيق، فقد ضلّ سواء الطريق، وهذا الحيرىّ رجل قد شغله طلب الرياسة عن تحصيل آلاتها، وأعجله حصول الأمنية عن تمحل أدواتها «٣» : والكلب أحسن حالة ... وهو النهاية فى الخساسه ممن تصدّى للريا ... سة قبل إبّان الرياسه

стр. 748

فولّى المظالم وهو لا يعرف أسرارها، وحمل الأمانة وهو لا يدرى مقدارها؛ والأمانة عند الفاسق خفيفة المحمل على العاتق، تشفق منها الجبال، ويحملها الجهّال، وقعد مقعد رسول الله ﷺ بين حديثه يروى، وكتاب الله يتلى، وبين البينة والدعوى، فقبّحه الله تعالى من حاكم لا شاهد عنده أعدل من السّلّة والجام «١» ، يدلى بهما إلى الحكّام، ولا مزكى أصدق لديه من الصّفر «٢» ، ترقص على الظفر، ولا وثيقة أحبّ إليه من غمزات الخصوم، على الكيس المختوم، ولا كفيل أوقع بوفاقه من خبيئة الذّيل، وحمال الليل، ولا وكيل أعز عليه من المنديل والطبق، فى وقت الغسق والفلق، ولا حكومة أبغض إليه من حكومة المجلس، ولا خصومة أوحش لديه من خصومة المفلس، ثم الويل للفقير إذا ظلم، فما يغنيه موقف الحكم إلا بالقتل من الظلم، ولا يجيره مجلس القضاء إلا بالنار من الرمضاء. وأقسم لو أن اليتيم وقف بين أنياب الأسود، بل الحيات السّود، لكانت سلامته منهما أرجى من سلامته إذا وقع من هذا القاضى بين عقاربه وأقاربه؛ وما ظنّ القاضى بقوم يحملون الأمانة على متونهم، ويأكلون النار فى بطونهم، حتى تغلظ قصراتهم «٣» من مال اليتامى، وثسمن أكفالهم من مال الأيامى، وما رأيه فى دار عمارتها خراب الدور، وعطلة القدور، وخلاء البيوت، من الكسوة والقوت، وما قوله فى رجل يعادى الله فى الفلس، ويبيع الدّين بالثمن البخس، وفى حاكم يبرز فى ظاهر أهل السّمت، وباطن أصحاب السبت، فعله الظلم البحت، وأكله الحرام السّحت. وما قوله فى سوس لا يقع إلا على صوف الأيتام؛ وجراد لا يقع إلا على الزرع الحرام، ولصّ لا ينقب إلا خزانة الأوقاف، وكردى لا يغير إلا على الضعاف، وليث لا يفترس عباد الله إلا بين الركوع والسجود، وخارب «٤» لا ينهب مال الله إلا بين العهود والشهود.

стр. 749

وذكر فى هذه الرسالة فصلا فى ذكر العلم- وهو مستطرف البلاغة، مستعذب البراعة- قال: والعلم- أطال الله بقاء القاضى- شىء كما تعرفه، بعيد المرام، لا يصاد بالسّهام، ولا يقسم بالأزلام «١» ؛ ولا يرى فى المنام [ولا يضبط باللجام، ولا يورث عن الأعمام، ولا يكتب للئام] ، وزرع لا يزكو «٢» حتى يصادف من الحزم ثرى طيبا، ومن التوفيق مطرا صيّبا؛ ومن الطبع جوّا صافيا، ومن الجهد روحا دائما، ومن الصبر سقيا نافعا، والعلم علق «٣» لا يباع ممن زاد، وصيد لا يألف الأوغاد، وشىء لا يدرك إلّا بنزع الروح، وعون الملائكة والرّوح، وغرض لا يصاب إلا بافتراش المدر «٤» ، واتّساد الحجر، وردّ الضجر، وركوب الخطر، وإدمان السهر، واصطحاب السفر، وكثرة النظر، وإعمال الفكر، ثم هو معتاص إلا على من زكا زرعه، وخلا ذرعه، [وكرم أصله وفرعه، ووعى بصره وسمعه] ، وصفا ذهنه وطبعه، فكيف يناله من أنفق صباه على الفحشاء؛ وشبابه على الأحشاء، وشغل نهاره بالجمع، وليله بالجماع، وقطع سلوته بالغنى، وخلوته بالغناء، وأفرغ جده على الكيس، وهزله فى الكأس؛ والعلم ثمر لا يصلح إلا للغرس، ولا يغرس إلا فى النفس، وصيد لا يقع إلا فى الندر، ولا ينشب إلّا فى الصدر، وطائر لا يخدعه إلّا قنص اللفظ، ولا يعلقه إلّا شرك الحفظ [ولا ينشب إلّا فى الصدر،] وبحر لا يخوضه الملّاح، ولا تطيقه الألواح، ولا تهيجه الرياح، وجبل لا يتسنم إلا بخطا الفكر، وسماء لا يصعد إلا بمعراج الفهم، ونجم لا يلمس إلا بيد المجد.

стр. 750

ومن مفردات الأبيات فى المعايب والمقابح قول أبى تمام: مساو لو قسمن على الغوانى ... لما أمهرن إلّا بالطلاق آخر: قوم إذا جرّجان منهم أمنوا ... من لؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا «١» البحترى: نبا فى يدى، وابن اللئيمة واجد ... وينبو الخبيث الطّبع وهو صقيل ابن الرومى فى رجل يعرف بابن رمضان: رأيتك تدّعى رمضان دعوى ... وأنت نظير يوم الشّكّ فيه وله فى أعمى: كيف يرجو الحياء منه صديق ... ومكان الحياء منه خراب غيره: هو الكلب، إلّا أنّ فيه ملالة ... وسوء مراعاة وما ذاك فى الكلب آخر: أبادلف يا أكذب الناس كلّهم ... سواى فإنى فى مديحك أكذب أبو الفضل الميكالى: هو الشّوك لا يعطيك وافر منّة ... يد الدّهر إلّا حين تضربه جلدا

стр. 751

[قولهم فى اللحن وتعلم العربية] قال المأمون لبعض ولده وسمع منه لحنا: ما على أحدكم أن يتعلّم العربية، فيقيم بها أوده «١» ، ويزيّن بها مشهده، ويفلّ «٢» حجج خصمه، بمسّ كتاب حكمه «٣» ، ويملك مجلس سلطانه، بظاهر بيانه؛ ليس لأحدكم أن يكون لسانه كلسان عبده أو أمته، فلا يزال الدهر أسير كلمته. وقال رجل للحسن البصرى يا أبو سعيد، قال: كسب الدراهم شغلك أن تقول يا أبا سعيد، ثم قال: تعلّموا العلم للأديان، والنحو للسان، والطبّ للأبدان. وكان الحسن كما قال الأعرابى وسمع كلامه: والله إنه لفصيح إذ الفظ، نصيح إذا وعظ. وقيل له: يا أبا سعيد، ما نراك تلحن، قال: سبقت اللحن. أخذه أبو العتاهية، وقيل له: إنك تخرج فى شعرك عن العروض، فقال: سبقت العروض، وقال إسحاق بن خلف البهرانى: النحو يصلح من لسان الألكن ... والمرء تعظمه إذا لم يلحن فإذا طلبت من العلوم أجلّها ... فأجلّها منها مقيم الألسن وقال على بن بسام: رأيت لسان المرء رائد علمه ... وعنوانه فانظر بماذا تعنون ولا تعد إصلاح اللسان فإنه ... يخبّر عما عنده ويبين على أن للاعراب حدّا، وربما ... سمعت من الإعراب ما ليس يحسن ولا خير فى اللفظ الكريه استماعه ... ولا فى قبيح اللّحن والقصد أزين

стр. 752

وقال بعض أهل العصر، وهو أبو سعيد الرستمى: أفى الحقّ أن يعطى ثلاثون شاعرا ... ويحرم ما دون الرّضا شاعر مثلى كما سامحوا عمرا بواو زيادة ... وضويق بسم الله فى ألف الوصل أبو الفتح البستى: حذفت وغيرى مثبت فى مكانه ... كأنى نون الجمع حين يضاف وقال: أفدى الغزال الذى فى النّحو كلّمنى ... مناظرا فاجتنيت الشّهد من شفته فأورد الحجج المقبول شاهدها ... محققا ليرينى فضل معرفته ثم اتفقت على رأى رضيت به ... والرفع من صفتى والنصب من صفته الحسن اللحام «١» : أنا من وجوه النحو فيكم أفعل ... ومن اللغات إذا تعدّ المهمل «٢» [لوعة الشوق] وقال أحمد بن يوسف: كتب غلام من ولد أنوشروان ممن كان أحد غلمان الديوان، إلى آخر منهم وكان قد علق به، وكان شديد الكلف به والمحبّة له: ليس من قدرى- أدام الله سعادتك- أن أقول لمثلك جعلت فداك؛ لأنى أراك فوق كلّ قيمة خطيرة وثمن معجز، ولأنّ نفسى لا تساوى نفسك، فتقبل فى فديتك، وعلى كل حال؛ فجعلنى الله فداء ساعة من أيامك، اعلم أيها السيد العلىّ المنزلة، أنه لو كان لعبدك من شدة الخطب أمر يقف على حدّه النعت «٣» ، لاجتهدنا أن يضعف «٤»

стр. 753

من ذلك ما عسى أن يعطف به زمام قلبك، وتحنو له على الرّقة به والتحفّى أثناء جوانحك، ولكن الذى أمسيت وأصبحت ممتحنا به فيه شسع «١» على كل بيان، ونزح عن كلّ لسان؛ والحب أيها المالك لم يشبه قذى ريبة، ولم يختلط به قلب معاب، فلا ينبغى لمن كرمت أخلاقه أن يعاف مقاربة صاحبه المدل بحرمة نيته، والذى أتمناه أيها المولى اللطيف مجلس أقف فيه أمامك، ثم أبوح بما أضنى جسدى، وفتّ كبدى، فإن خفّ ذلك عليك ورأيت نشاطا من نفسك إليه كنت كمن فكّ أسيرا وأبرأ عليلا، ومن الخير سلك سبيلا، يتوعّر سلوكها على من كان قبله، ومن يكون بعده؛ ثم أضاف إلى ذلك منّة لا يطيقها جبل راس، ولا فلك دائر، فرأيك أيها السيد المعتمد فى الإسعاف، قبل أن يبدرنى الموت؛ فيحول بينى وبين ما نزعت إليه النفس مواصلا برّا إن شاء الله تعالى. فأجابه: تولّي الله تعالى ما جرى به لسانك بالمزيد، ولا أوحش ما بيننا بطائر فرقة، ولا صافر تشتّت، وضمّنا وإياك فى أوثق حبال الأنس، وأوكد أسباب الألفة؛ وقفت على ما لخصته من العجز عن بلوغ ما خامر قلبك «٢» ، وانطوى فى ضميرك، من الشّغف المقلق، والهوى المضرع، ولعمرى لو كشفت لك عن معشار ما اشتمل عليه مضمر صدرى لأيقنت أنّ الذى عندك إذا قسته إلى ما عندى كالمتلاشى البائد، ولكنك بفضل الإنعام سبقتنا إلى كشف ما فى الضمير. وأما طاعتى لك، وذمامى إليك؛ فطاعة العبد المقتنى، الطائع لما يحكم له وعليه مولاه ومالكه، وأنا صائر إليك وقت كذا؛ فتأهّب لذلك بأحمد عافية، وأتمّ عقدة «٣» ، وأسعد نجم جرى بالألفة، إن شاء الله تعالى. وكتب بعض الكتّاب: إنى لأكره أن أفديك بنفسى استحياء من التقصير

стр. 754

فى المعاوضة، ومن التخلّف فى الموازنة، وعلى الأحوال كلّها، فقدّم الله روحى عنك، وصاننى عن رؤية المكروه فيك. وقال المتنبى: فدى لك من يقصّر عن مداكا ... فلا ملك إذن إلّا فداكا ولو قلنا فدى لك من يساوى ... دعونا بالبقاء لمن قلاكا وآمنّا فداءك كلّ نفس ... وإن كانت لمملكة ملاكا [وقال عبيد الله بن شبيب: كتب إلىّ بعض إخوانى من أهل البصرة كتابا ملح فيه وأوجز، وهو: أطال الله بقاءك، كما أطال خباءك، وجعلنى فداك إن كان فىّ فداؤك. كتبت ولو قدرت هوى وشوقا ... إليك لكنت سطرا فى كتابى] وكتب آخر إلى إبراهيم وأحمد ابنى المدبّر، وقد أصابتهما محنة ثم أردفتها نعمة: لو قبلت فيكما، ودانيت قدريكما، لقلت: جعلنى الله فداكما، ولكنى لا أجزى عنكما، فلا أقبل بكما، وقد بلغتنى المحنة التى لو مات إنسان غمّا بها لكنته [ثم اتصلت النعمة التى لو طار امرؤ برحابها لكنته] وكتب تحته: وليس بتزويق اللسان وصوغه ... ولكنّه قد خالط اللّحم والدّما وكتب ابن ثوابة إلى عبيد الله بن سليمان يعتذر فى ترك مكاتبته بالتفدية [الله يعلم، وكفى به عليما، لقد وددت مكاتبتك بالتفدية] فرأيت عيبا أن أفديك بنفس لابدّ لها من فناء، ولا سبيل لها إلى بقاء، ومن أظهر لك شيئا وأضمر لك خلافه فقد غشّ؛ والأمر إذا كانت الضرورة توجب أنه ملق «١» لا يحقق، وإعطاء لا يتحصّل، لم يجب أن يخاطب به مثلك، وإن كان عند قوم نهاية من نهايات التعظيم، ودليلا من دلالات الاجتهاد، وطريقا من طرق التقرّب. قال الزبير بن أبى بكر: قال لى مسلمة بن عبد الله بن جندب الهذلى: خرجت أريد العقيق ومعى زيّان السوّاق؛ فلقينا نسوة فيهن امرأة لم أر أجمل منها فأنشدت بيتين لزيّان:

стр. 755

ألا يا عباد الله هذا أخوكم ... قتيل، فهل فيكم له اليوم ثائر؟ خذوا بدمى، إن متّ، كلّ خريدة ... مريضة جفن العبن والطّرف ساحر ثم قال: شأنك بها يابن الكرام فالطلاق له لازم إن لم يكن دم أبيك فى نقابها. فأقبلت علىّ وقالت: أنت ابن جندب؟ فقلت: نعم. قالت: إن قتيلنا لا يودى، وأسيرنا لا يفدى، فاغتنم لنفسك، واحتسب أباك. قال أبو عبيدة: قال رجل من فزارة لرجل من بنى عذرة: تعدّون موتكم من الحبّ مزية، وإنما ذاك من ضعف المنّة، وعجز الروية. فقال العذرى: أما إنكم لو رأيتم المحاجر البلج «١» ، ترشق بالأعين الدّعج «٢» ، فوقها الحواجب الزّج «٣» ، [وتحتها المباسم الفلج] ، والشّفاه السّمر، تفترّ عن الثنايا الغرّ، كأنها برد الدّر، لجعلتموها اللات والعزّى، ورفضتم الإسلام وراء ظهوركم: وقال أعرابى: دخلت بغداد فرأيت فيها عيونا دعجا، وحواجب زجّا، يسحبن الثياب، ويسلبن الألباب. وذكر أعرابى نساء فقال: ظعائن فى سوالفهن طول، غير قبيحا العطول «٤» ، إذا مشين أسبلن الذيول، وإن ركبن أثقلن الحمول. ووصف آخر نساء فقال: يتلثّمن على السبائك، ويتّشحن على النيازك «٥» ، ويتّزرن على العواتك، ويرتفقن على الأرائك، ويتهادين على «٦» الدّرانك، ابتسامهن وميض، عن ثغر كالإغريض، وهن إلى الصّبا صور، وعن الخناحور «٧» .

стр. 756

(وصف الهوى، وأمره) سئل بعض الحكماء عن الهوى، فقال: هو جليس ممتع، وأليف مؤنس، أحكامه جائزة «١» ، ملك الأبدان وأرواحها، والقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والنفوس وآراءها، وأعطى زمام طاعتها، وقياد مملكتها، توارى عن الأبصار مدخله، وغمض عن القلوب مسلكه. وسئلت أعرابية عن الهوى فقالت: لامتّع الهوى بملكه، ولا ملّى بسلطانه، وقبض الله يده، وأوهن عضده؛ فإنه جائر لا ينصف فى حكم، أعمى ما ينطق بعدل، ولا يقصر فى ظلم، ولا يرعوى للوم، ولا ينقاد لحقّ، ولا يبقى على عقل ولا فهم، لو ملك الهوى وأطيع لردّ الأمور على أدبارها، والدنيا على أعقابها. ووصف أعرابى الهوى فقال: هوداء تدوى به النفوس الصّحاح، وتسيل منه الأرواح، وهو سقم مكتتم، وجمر مضطرم؛ فالقلوب له منضجة، والعيون ساكنة «٢» قال [أبو] عبيد الله بن محمد بن عمران المرزبانى: أخبرنى المظفر بن يحيى، قال: أحبّ رجل امرأة دونه فى القدر، فعذله عمّه، فقال: يا عمّ، لا تلم مجبرا على سقمه؛ فإن المقر على نفسه مستغن عن منازعة خصمه، وإنما يلام من اقترف ما يقدر على تركه، وليس أمر الهوى إلى الرأى فيملكه، ولا إلى العقل فيدبره؛ بل قدرته أغلب، وجانبه أعزّ من أن تنفذ فيه حيلة حازم، أو لطف محتال. وقال بعضهم: رأيت امرأتين من أهل المدينة تعاتب إحداهما الأخرى على هوى لها، فقالت: إنه يقال فى الحكمة الغابرة، والأمثان السائرة: لا تلومنّ من أساء بك الظنّ إذا جعلت نفسك هدفا للتهمة، ومن لم يكن عونا على نفسه مع خصمه لم يكن معه شىء من عقدة الرأى، ومن أقدم على هوى وهو يعلم

стр. 757

ما فيه من سوء المغبّة سلط على نفسه لسان العذل، وضيع الحزم. فقالت المعذولة؛ ليس أمر الهوى إلى الرأى فيملكه، ولا إلى العقل فيدبره، وهو أغلب قدرة، وأمنع جانبا من أن تنفذ فيه حيلة الحازم، أو ما سمعت قول الشاعر: ليس خطب الهوى بخطب يسير ... لا ينّبيك عنه مثل خبير ليس أمر الهوى يدبّر بالرّأ ... ى ولا بالقياس والتفكير إنما الأمر فى الهوى خطرات ... محدثات الأمور بعد الأمور قال المرزبانى: أخبرنى الصولى أنّ هذه الأبيات لعلية بنت المهدى، ولها فيها لحن. وقيل لعبد الله بن المقفع: ما بال العاقل المميز الذهن، واللبيب الفطن، يتعرض للحب وقد رأى منه مواضع الهلكة، ومصارع التّلف، وعلم ما يؤول «١» إليه عقباه، وترجع به أخراه على أولاه؟ فقال: زخرف «٢» ظاهر العشق بجمال زينة يستدعى القلوب إلى ملامسته، وملّى بعاجل حلاوة يطّبى «٣» النفوس إلى ملابسته، كظاهر زخرف الدنيا، وبهاء رونقها، ولذيذ جنى ثمرها، وقد سكرت أبصار قلوب أبنائها عن النظر إلى قبيح عيوب أفعالها، فهم فى بلائها منغمسون، وفى هلكة فتنتها متورّطون، مع علمهم بسوء عواقب خطبها، وتجرّع مرارة شربها، وسرعة استرجاعها ما وهبت، وإخراجها ممّا ملكت، فليس ينجو منها إلا من حذرها، ولا يهلك فيها إلا من أمنها، وكذلك صورة الهوى؛ هما فى الفتنة سواء. [بعض ما جاء فى العفاف] وقال ابن دريد: قال بعض الحكماء: أغلق أبواب الشبهات بأفعال الزهادة، [وافتح أبواب البر بمفاتيح العبادة] فإنّ ذلك يدنيك من السعادة،

стр. 758

وتستوجب من الله الزيادة. وقال غيره: إنّ اللذة مشوبة بالقبح؛ ففكّروا فى انقطاع اللذة وبقاء ذكر القبح قال أبو عبد الله بن إبراهيم بن عرفة [نفطويه] : ليس الظريف بكامل فى ظرفه ... حتى يكون عن الحرام عفيفا فإذا تعفّف عن محارم ربّه ... فهناك يدعى فى الأنام ظريفا وقال: كم قد ظفرت بمن أهوى فيمنعنى ... منه الحياء وخوف الله والحذر وكم خلوت بمن أهوى فيقنعنى ... منه الفكاهة والتقبيل والنّظر أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم ... وليس لى فى حرام منهم وطر كذلك الحبّ لا إتيان معصية ... لا خير فى لذة من بعدها سقر وقال العباس بن الأحنف: أتأذنون لصب فى زيارتكم ... فعندكم شهوات السّمع والبصر [لا يبصر السوء إن طالت إقامته ... عفّ الضمير ولكن فاسق النظر] «١» وقال بعض الطالبيين: رمونى وإياهم بشنعاءهم بها ... أحقّ، أدال الله منهم وعجّلا بأمر تركناه وربّ محمد ... جميعا فإما عفّة أو تجمّلا وقال سعيد بن حميد: زائر زارنا على غير وعد ... مخطف الكشح مثقل الأرداف غالب الخوف حين غالبه الشو ... ق وأخفى الهوى وليس بخافى غضّ طرفى عنه تقى الله فاختر ... ت على بذله بقاء التّصافى ثم ولّى والخوف قد هزّ عطف ... يه ولم يخل من لباس العفاف

стр. 759

وفى الحديث الشريف: «من أحبّ فعفّ فمات فهو شهيد» . والعفاف مع البذل، كالاستطاعة مع الفعل، كما قال صريع الغوانى: وما ذمّى الأيام أن لست مادحا ... لعهد لياليها التى سلفت قبل ألا ربّ يوم صادق العيش نلته ... بها ونداماى العفافة والبذل «١» وأنشد الصولى لأبى حاتم السجستانى فى المبرّد، وكان يلزم حلقته، وكان من الملاح وهو غلام: ماذا لقيت اليوم من ... متمجّن خنث الكلام «٢» وقف الجمال بوجهه ... فسمت له حدق الانام حركاته وسكونه ... يجنى بها ثمر الأثام فإذا خلوت بمثله ... وعزمت فيه على اعترام لم أعد أخلاق العفا ... ف وذاك أوكد للغرام نفسى فداؤك يا أبا ال ... عباس جلّ بك اعتصام فارحم أخاك فإنه ... نزر الكرى بادى السقام وأنله ما دون الحرا ... م فليس يرغب فى الحرام وكان أبو حاتم يتصدّق كلّ يوم بدرهم، ويختم القرآن فى كل أسبوع. وذكر أنه اجتمع أبو العباس بن سريج الشافعى، وأبو بكر بن داود العباسى فى مجلس على بن عيسى بن الجراح الوزير، فتناظرا فى الإيلاء، فقال ابن سريج: أنت بقولك: «من كثرت لحظاته دامت حسراته» أبصر منك بالكلام فى الإيلاء، فقال أبو بكر: لئن قلت ذلك فإنى أقول: أنزّه فى روض المحاسن مقلتى ... وأمنع نفسى أن تنال محرّما

стр. 760

وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه ... يصبّ على الصّخر الأصمّ تهدّما وينطق طرفى عن مترجم خاطرى ... فلولا اختلاسى ردّه لتكلّما رأيت الهوى دعوى من الناس كلّهم ... فلست أرى حبّا صحيحا مسلّما فقال أبو العباس: بم تفتخر علىّ؟ وأنا لو شئت لقلت: ومطاعم للشّهد من نغماته ... قد بتّ أمنعه لذيذ سناته صبّا بحسن حديثه وكلامه ... وأكرّر اللحظات فى وجناته حتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولّى بخاتم ربّه وبراته فقال أبو بكر: أصلح الله الوزير، تحفظ عليه ما قال حتى يقيم شاهدين عدلين أنه ولى بخاتم ربه! فقال أبو العباس: يلزمنى فى هذا ما يلزمك فى قولك: أنزه فى روض المحاسن مقلتى ... البيت. فضحك الوزير، وقال: لقد جمعتما ظرفا ولطفا وفهما وعلما. ألفاظ لأهل العصر، فى محاسن النساء هى روضة الحسن، وضرّة الشمس، وبدر الأرض. هى من وجهها فى صباح شامس، ومن شعرها فى ليل دامس «١» ، كأنها فلقة قمر على برج فضة. بدر التم يضىء تحت نقابها، وغصن البان يهتز تحت ثيابها، ثغرها يجمع الضريب والضرب «٢» ، كأنه نثر الدرّ، كما قال البحترى: إذا نضون شفوف الرّيط آونة ... قشرن عن لؤلؤ البحرين أصدافا قد أنبت صدرها ثمر الشباب، خرطت لها يد الشباب حقّين «٣» من عاج، كأنها البدر قرّط بالثريّا، ونيط بها عقد من الجوزاء، أعلاها كالغصن ميّال،

стр. 761

وأسفلها كالدّعص «١» منهال، لها عنق كإبريق اللّجين، وسرّة كمدهن العاج، نطاقها مجدب، وإزارها مخصب. مطلع الشمس من وجهها، ونبت الدرّ من فيها، وملقط الورد من خدّها، ومنبع السّحر من طرفها، ومبادىء الليل من شعرها، ومغرس الغصن من قدّها، ومهيل الرّمل من ردفها ولهم فى محاسن الغلمان والمعذرين زاد جماله، وأقمر هلاله. ترقرق فى وجهه ماء الحسن، شادن فاتر طرفه، ساحر لفظه. غلام تأخذه العين، ويقبله القلب، ويأخذه الطّرف، وترتاح إليه الرّوح. تكاد القلوب تأكله، والعيون تشربه. جرى ماء الشباب فى عوده فتمايل كالغصن، واستوفى أقسام الحسن، ولبس ديباجة الملاحة، كأنّ البدر قد ركب أزراره، لا يشبع منه الناظر، ولا يروى منه الخاطر، كاد البدر يحكيه، والشمس تشبهه وتضاهيه، صورة تجلو الأبصار، وتخجل الأقمار، شادن منتقب بالبدر، ومكتحل بالسحر. ما هو إلّا نزهة الأبصار، ومخجل الأقمار، وبدعة الأمصار، غمزات طرفه تخبر عن ظرفه، ومنطقه ينطق عن وصفه. تخال الشمس تبرقعت غرّته، والليل ناسب أصداغه وطرّته الحسن ما فوق أزراره، والطّيب ما تحت إزاره، شادن يضحك عن الأقحوان، ويتنفّس عن الريحان، كأنّ خدّه سكران من خمر طرفه «٢» ، وبغداد مسروقة من حسنه وظرفه، أعجمت يد الجمال نون صدغه بخال، هذا محلول من قول ابن المعتز: غلالة خدّه صبغت بورد ... ونون الصّدغ معجمة بخال

стр. 762

له عينان حشو أجفانهما السّحر، كأنه قد أعار الظّبى جيده، والغصن قدّه، والراح ريحه، والورد خدّه، الشّكل «١» من حركاته، وجميع الحسن بعض صفاته. قد ملك أزمّة القلوب، وأظهر حجّة الذنوب، كأنما وسمه الجمال بنهايته، ولحظه الفلك بعنايته، فصاغه من ليله ونهاره، وحلاه بنجومه وأقماره، ونقبّه ببدائع آثاره، ورمقه بنواظر سعوده، وجعله بالجمال أحد حدوده. وقد صبغ الحياء غلالة وجهه، ونشر لؤلؤ العرق عن ورد خدّه. تكاد الألحاظ تسفك من خدّه دم الخجل. له طرّة كالغسق، على غرّة كالفلق. جاءنا فى غلالة تنمّ على ما يستره، وتجفو مع رقّتها عما يظهره «٢» . وجه بماء الحسن مغسول، وطرف بمرود السّحر مكحول ثغر حمى حماية الثغور، وجعل ضرّة لقلائد النحور. السحر فى ألحاظه، والشهد فى ألفاظه. اختلس قامة الغصن، وتوشّح بمطارف الحسن، وحكى الروض غبّ المزن «٣» . الأرض مشرقة بنور وجهه، وليل السّرار فى مثل شعره «٤» . الجنة مجتناة من قربه، وماء الجمال يترقرق فى خدّه، ومحاسن الربيع بين سحره ونحره، والقمر فضلة من حسنه. ما هو إلا خال فى خدّ الظّرف، وطراز على علم الحسن، ووردة فى غصن الدهر، ونقش على خاتم الملك، وشمس فى فلك اللطف. هو قمر فى التصوير، شمس فى التأثير. منظر يملأ العيون، ويملك النفوس، زرافين أصداغه «٥» معاليق القلوب. كأنّ صدغه قرط من المسك على عارض البدر. وجهه عرس، وصدغه مأتم، ووصله جنة، وهجره جهنم. أصداغه قد اتخذت شكل العقارب، وظلمت ظلم الأقارب. إن كان عقرب صدغه تلسع، فترياق ريقه ينفع. كأن شاربه زئبر الخزّ الأخضر، وعذاره طراز المسك والعنبر [الأذفر] ، على الورد الأحمر. إذا تكلّم تكشّف حجاب الزمرّد والعقيق،

стр. 763

عن سمط الدرّ الأنيق. قد همّ أرقم الشّعر على شاربه، وكاد فم الحسن يقبّله. كأنّ العذار ينقش فصّ وجهه، ويحرق فضّة خدّه. طرّز الجمال ديباج وجهه، وأبان عذاره العذر فى حبّه. [لعب الربيع بخدّه، فأنبت البنفسج فى ورده. لما احترقت فضة خدّه، احترق سواد القلب من حبّه] . كيف لا يخضرّ شاربه ... ومياه الحسن تسقيه ولهم فى نقيض ذلك، فى ذم خروج اللحية قد انتقب بالدّيجور، بعد النوز؛ فدولة حسنه قد أعرضت أيامه، وانقرضت دولته وأحكامه. استحال خدّه دجا، وزمرّد خدّه سبجا «١» ؛ وأخمدت نار حسنه بعد الإيقاد، ولبس عارضه ثوب الحداد. ذبل ورد خدّه، وتشوّك زعفران خطه. فارقنا خشفا، ووافانا جلفا، وفارقنا هلالا وغزالا، وعاد وبالا ونكالا. مالى أرى الآباط جائشة؛ والآناف معشبة، والعيون منورة، والأزرار مرعى، والأظفار حمى، واللحى لبودا، والأسنان خضرا وسودا. من رسائل البديع ومقاماته وكتب إلى بديع الزمان بعض من عزل عن ولاية حسنة يستمدّ وداده ويستميل فؤاده؛ فأجابه بما نسخته: وردت رقعتك أطال الله بقاءك فأعرتها طرف التعزّز ومددت إليها يد التقزز، وجمعت عليها ذيل التحرّز، فلم تند على كبدى، ولم تحظ بناظرى ويدى؛ ولقد خطبت من مودّنى ما لم أجدك لها كفيّا، وطلبت من عشرتى ما لم أرك لها رضيّا؛ وقلت: هذا الذى رفع عنّا أجفان

стр. 764

طرفه، وشال بشعرات أنفه، وتاه بحسن قدّه، وزها بورد خدّه، ولم يسقنا من من نوئه، ولم نسر بضوئه؛ فالآن إذ نسخ الدهر آية حسنه، وأقام مائل غصنه، وفلّل غرب عجبه «١» ، وكفّ شأو زهوه، وانتصر لنا منه بشعرات قد كسفت هلاله، وأكسفت باله، ومسخت جماله، وغيّرت حاله، وكدّرت شرعته «٢» ، ونكّرت طلعته، جاء يستقى من جرفنا جرفا، ويغرف من طينتنا غرفا، فمهلا يا أبا الفضل مهلا: أرغبت فينا إذ علا ... ك الشّعر فى خدّ قحل وخرجت من حدّ الظبا ... ء وصرت فى حدّ الإبل أنشأت تطلب عشرتى ... عد للعداوة يا خجل أنسيت أيامك؛ إذ تكلّمنا نزرا «٣» ، وتنظرنا شزرا «٤» ، وتجالس من حضر، ونسرق إليك النظر، ونهتزّ لكلامك، ونهش لسلامك: فمن لك بالعين التى كنت مرة ... إليك بها فى سالف الدّهر أنظر أيام كنت تتمايل، والأعضاء تتزايل، وتتغانج، والأجساد تتفالج، وتتفلّت، والأكباد تتفتّت، وتخطر وترفل، والوجد بنا يعلو ويسفل، وتدبر وتقبل، فتمنى وتخبل، [وتصد] وتعرض، فتضنى وتمرض: وتبسم عن ألمى كأنّ منورا ... تخلل حرّ الرمل دعص له ند فأقصر الآن فإنه سوق كسد، ومتاع فسد، ودولة أعرضت، وأيام انقضت: وعهد نفاق مضى ... وسوق كساد نزل وخدّ كأن لم يكن ... وخط كأن لم يزل

стр. 765

ويوم صار أمس، وحسرة بقيت فى النفس، وثغر غاض ماؤه فلا يرشف، وريق خدع فلا ينشف، وتمايل لا يعجب، وتثنّ لا يطرب، [ووجه زال بهاؤه] ، ومقلة لا تجرح ألحاظها، وشفة لا تفتن ألفاظها، فحتّام تدلّ، وإلام نحتمل وعلام؟ وآن أن تذعن الآن، وقد بلغنى ما أنت متعاطيه من تمويه يجوز بعد العشاء فى الغسق، وتشبيه يفتضح عند ذوى البصر والصدق؛ من إفنائك لتلك الشعرات جفّا وحصّا، وإنحائك عليها نقصا وقصّا. وسيكفينا الدهر مؤونة الإنكار عليك، بما يزف من بنات الشعر وأمهاته إليك؛ فأما ما استأذنت فيه رأيى من الاختلاف إلى مجلسى فما أقلّ إليك نشاطى، وأضيق عنك بساطى، وأشنع قلقى منك، وأشد استغنائى عن حضورك، فإن حضرت فأنت داء نروض عليه الحلم، ونتعلم به الصبر، ونتكلف فيه الاحتمال، ونفضى منه الجفن على قذى، ونطوى منه الصدر على أذى، ونجعله للقلوب تأنيبا، وللعيون تأديبا. ومالك إلا أن تعتاض من الرغبة عنّا رغبة فينا. ومن ذلك التدلّل علينا تذللا لنا، ومن ذلك التعالى تبصبصا، ومن ذلك التغالى ترخّصا، وما بال الدهر أعقبك من التزايد تنقصا «١» ، ومن التسحّب على الإخون تقمّصا، ولئن اعتضت من الذهاب رجوعا، لقد اعتضنا من النزاع نزوعا «٢» ، فانأ برحلك وجانبك، ملقى حبلك على غاربك، لا أوثر قربك، ولا أنده سربك، والسلام. ومن إنشاء بديع الزمان فى مقامات الإسكندرى ولعلّ ما فيها من الطول غير مملول. قال: حدثنا عيسى بن هشام قال: كان يبلغنى من مقامات الإسكندرى ما يصغى له النّفور، وينتفض له العصفور، ويروى لى من شعره ما يمتزج بأجزاء الهواء رقّة، ويغمض عن أوهام الكهنة دقة، وأنا أسأل الله بقاءه،

стр. 766

حتى أرزق لقاءه، وأتعجّب من قعود همّته بحالته، مع حسن آلته، وقد ضرب الدهر شؤونه أسدادا «١» وهلمّ جرا. إلى أن اتفقت لى حاجة بحمص، فشحذت إليها الحرص، فى صحبة أفراد كنجوم اللّيل، أحلاس «٢» لظهور الخيل، فأخذنا الطريق ننتهب مسافته، ونستأصل شأفته، ولم نزل نفرى أسنمة النّجاد «٣» بتلك الجياد، حتى صرن كالعصىّ، ورجعن كالقسىّ، وتاح لنا واد فى سفح جبل، ذى ألاء وأثل، كالعذارى يسرّحن الضفائر، وينشرن الغدائر، فمالت الهاجرة بنا إليها، فنزلنا نغوّر ونغور، وربطنا الأفراس بالأمراس، وملنا مع النّعاس، فما راعنا إلا صهيل الخيول، ونظرت إلى فرسى وقد أرهف أذنيه، وطمح بعينيه، يجذّ قوى الحبل بمشافره، ويخدّ خدّ الارض بحوافره، ثم اضطربت الخيل، فأرسلت الأبوال، وقطّعت الحبال، وصار كلّ منا إلى سلاحه، فإذا الأسد فى فروة الموت، قد طلع من غابه، منتفجا فى إهابه، كاشرا عن أنيابه، بطرف قد ملىء صلفا، وأنف قد حشى أنفا. وصدر لا يبرحه القلب، ولا يسكنه الرّعب، فقلنا: خطب والله ملمّ، وحادث مهمّ، وتبادرنا إليه من سرعان الرّفقة فتى: أخضر الجلدة من بيت العرب ... يملأ الدّلو إلى عقد الكرب بقلب ساقه قدر، وسيف كله أثر، فملكته سورة الأسد، فخانته أرض قدمه، حتى سقط ليده وفمه، وتجاوز الأسد مصرعه، إلى من كان معه، ودعا الحين أخاه، إلى مثل ما دعاه، فسار إليه، وعقل الرّعب يديه، فأخذ أرضه وافترس الليث صدره، ولكن شغلت بعمامتى فمه، حتى حقنت دمه، وقام الفتى فوجأ بطنه حتى هلك من خوفه، والأسد بالوجأة فى جوفه، ونهضنا

стр. 767

على أثر الخيل، فتألفنا منها ما ثبت، وتركنا ما أفلت، وعدنا إلى الرفيق لنجهزه. فلما حثونا الترب فوق رفيقنا ... جزعنا ولكن أىّ ساعة مجزع وعدنا إلى الفلاة، فهبطنا أرضها، وسرنا حتى إذا ضمرت المزاد، ونفد الزاد، أو كاد يدركه النفاد، ولم نملك الذهاب ولا الرّجوع، وخفنا القاتلين الظمأ والجوع، عنّ لنا فارس فصمدنا صمده، وقصدنا قصده، ولما بلغنا نزل عن حاذ فرسه ينقش الأرض بشفتيه، ويلقى التراب بيديه، وعمدنى من بين الجماعة، فقبل ركابى، وتحرّم بثيابى، ونظرت فإذا وجه يبرق برق العارض المتهلل، وفرس متى ما ترقّ العين فيه تسهل، وعارض قد اخضرّ، وشارب قد طر، وساعد ملآن، وقضيب ريّان، ونجار تركى، وزى ملكى، فقلت: ما جاء بك؟ لا أبالك! فقال: أبا عبد بعض الملوك، همّ من قتلى بهمّ، فهمت على وجهى إلى حيث ترانى، وشهدت شواهد حاله، على صدق مقاله، ثم قال: أنا اليوم عبدك، ومالى مالك، فقلت: بشرى لك وبك، أدّاك سيرك إلى فناء رحب، وعيش رطب، وهنأتنى الجماعة، بحسب الاستطاعة، وجعل ينظر فتقتلنا ألحاظه، وينطق فتفتننا ألفاظه، والنفس تناجينى فيه بالمحظور، والشيطان من وراء الغرور، فقال: يا سادة، إنّ فى سفح هذا الجبل عينا، وقد ركبتم فلاة عوراء «١» ، فخذوا من هنالك الماء، فلوينا الأعنة إلى حيث أشار، وبلغناه وقد صهرت الهاجرة الأبدان، وركبت الجنادب العيدان «٢» ، فقال: ألا تقيلون فى هذا الظل الرّحب، على هذا الماء العذب؟ فقلنا: أنت وذاك، فنزل عن فرسه، ونحى منطقته، وحلّ قرطقته «٣» ، فما استتر عنا إلا بغلالة [تنمّ] على بدنه،

стр. 768

فما شككنا أنّه خاصم الولدان، ففارق الجنان، وهرب من رضوان، وعمد إلى السروج فحطّها، وإلى الأفراس فحشّها «١» ، وإلى الأمكنة ففرشها، وقد حارت البصائر فيه، ووقعت الأبصار عليه، ووتد كل منا شبقا، وخنث اللفظ ملقا. وقلت: يا فتى، ما ألطفك فى الخدمة! وأحسنك فى الجملة! فالويل لمن فارقته، وطوبى لمن رافقته، فكيف نشكر الله على النعمة بك؟! فقال: ما سترونه أكثر، أتعجبكم خفّتى فى الخدمة، فكيف لو رأيتمونى فى الرّفقة؟ أريكم من حذقى طرفا، لتزدادوا بى شغفا؟ فقلنا: هات، فعمد إلى قوس [أحدنا] فأوتره؛ وفوّق سهما فرماه فى السماء، وأتبعه بآخر فشقّه فى الهواء، وقال: سأريكم نوعا آخر، ثم عمد إلى كنانتى فأخذها، وإلى فرسى فعلاه، ورمى أحدنا بسهم أثبته فى صدره، وآخر طيره من ظهره، فقلت: ويحك! ما تصنع؟ قال: اسكت يالكع، والله ليشدنّ كل منكم يد رفيقه، أو لأغصنه بريقه، فلم ندر ما نصنع، وأفراسنا مربوطة، وسروجنا محطوطة، وأسلحتنا بعيدة، وهو راكب ونحن رجّالة، والقوس فى يده يرشق بها الظهور، ويمشق بها «٢» البطون والصدور، وحين رأينا منه الجدّ، أخذنا «٣» القدّ، فشدّ بعضنا بعضا، وبقيت وحدى لا أجد من بشدّنى، فقال: اخرج بإهابك «٤» ، عن ثيابك، ثم نزل عن فرسه، وجعل يصفع الواحد منا بعد الآخر، ويقول: أقمت قضيبك، فخذ نصيبك، [ونزع ثيابه] وصار إلىّ وعلىّ خفّان جديدان فقال: اخلعهما لا أمّ لك، فقلت: هذا خفّ لبسته رطبا، فليس يمكننى خلعه فقال: علىّ نزعه، ثم دنا لينزع الخف، ومددت يدى إلى سكّين فيه

стр. 769

وهو مشغول، فأثبتّه فى بطنه، وأبنته من متنه «١» . فما زاد على فم فغره «٢» ، وألقمه حجره، وقمت إلى أصحابى فحللت أيديهم، وتوزّعنا سلب المقتولين، وأدركنا الرفيق، وقد جاد بنفسه، وصار إلى رمسه «٣» ، وصرنا إلى الطريق فوردنا حمص بعد ليال، فلما انتهينا إلى فرضة من سوقها رأينا رجلا قد قام على رأس ابن وبنيّة، بجراب وعصيّة، وهو يقول: رحم الله من حشا ... فى جرابى مكارمه رحم الله من رثى ... لسعيد وفاطمه إنّه خادم لكم ... وهى لا شكّ خادمه قال عيسى بن هشام: فقلت: إنّ هذا الرجل هو الإسكندرى لذى سمعت به وسألت عنه فإذا هو هو، فدلفت إليه، فقلت له: أحكمك حكمك، فقال: درهم، فقلت: لك درهم فى مثله ... مادام يسعدنى النّفس فاحسب حسابك والتمس ... كيما تنال الملتمس لك درهم فى اثنين، وفى ثلاثة، وفى أربعة، فى خمسة حتى بلغت العشرين، ثم قلت: كم معك؟ قال: عشرون رغيفا، فأمرت له بها، وقلت: لا نصرة مع الخذلان، ولا حيلة مع الحرمان. وقال أبو فراس الحمدانى. سكرت من لحظه لا من مدامته ... ومال بالنوم عن عينى تمايله وما السّلاف دهتنى بل سوالفه ... ولا الشّمول دهتنى بل شمائله ألوى بصبرى أصداغ لوين له ... وغال عقلى «٤» بما تحوى غلائله

стр. 770

وقال ابن المعتزّ، وقد تقدّم عنه فى هذه الألفاظ: ويوم فاختىّ الدّجن مرخ ... عزاليه بهطل وانهمال «١» ... أبحت سروره وظللت فيه برغم العاذلات رخىّ بال ... وساق يجعل المنديل منه مكان حمائل السيف الطوال ... غلالة خدّه صبغت بورد ونون الصّدغ معجمة بخال ... بدا والصبح تحت الليل باد كطرف أبلق مرخى الجلال ... بكأس من زجاج فيه أسد فرائسهن ألباب الرجال ... أقول وقد أخذت الكاس منه وقتك السوء ربّات الحجال وقد أحسن ما شاء فى قوله: فرائسهن ألباب الرجال ... وإن كان أصل المعنى لأبى نواس فى ذكر تصاوير الكاس. قال الصولى: مرّ أبو نواس بالمدائن فعدل إلى ساباط «٢» ، فقال بعض أصحابه: ندخل إيوان كسرى؛ فرأينا آثارا فى مكان حسن تدلّ على اجتماع كان لقوم قبلنا، فأقمنا خمسة أيام نشرب هناك، وسألنا أبا نواس صفة الحال، فقال: ودار ندامى عطّلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس مساحب من جرّ الزّقاق على الثّرى ... وأضغاث ريحان جنىّ ويابس ولم أر منهم غير ما شهدت به ... بشرقى ساباط الديار البسابس حبست بها صحبى فجّمعت شملهم ... وإنى على أمثال تلك لحابس أقمنا بها يوما ويوما وثالثا ... ويوم له يوم الترحّل خامس تدار علينا الراح فى عسجديّة ... حبتها بأنواع التصاوير فارس

стр. 771

قرارتها كسرى وفى جنباتها ... مهى تدّريها بالقسىّ الفوارس «١» فللرّاح ما زرّت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلّانس وقال على بن العباس النوبختى: قال لى البحترى: أتدرى من أين أخذ الحسن قوله: ولم أر منهم غير ما شهدت به ... ؟ .. البيت- فقلت: لا، قال: من قول أبى خراش: ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... سوى أنه قد سلّ عن ماجد محض فقلت: المعنى مختلف، فقال: أما ترى حذو الكلام واحدا، وإن اختلف المعنى؟! قال الجاحظ: نظرنا فى الشعر القديم والمحدث فوجدنا المعانى تقلب ويؤخذ بعضها من بعض، غير قول عنترة فى الأوائل: وخلا الذباب بها يغنّى وحده ... غردا كفعل الشارب المترنّم هزجا يحكّ ذراعه بذراعه ... قدح المكبّ على الزناد الأجذم وقول أبى نواس فى المحدثين: قرارتها كسرى وفى جنباتها ... مهى تدّريها بالقسىّ الفوارس فللرّاح ما زرّت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس أخذه أبو العباس الناشىء فقال وولّد معنى زائدا: ومدامة لا يبتغى من ربّه ... أحد حباه بها لديه مزيدا فى كأسها صور تظنّ لحسنها ... عربا برزن من الخيام وغيدا «٢» وإذا المزاج أثارها فتقسّمت ... ذهبا ودرّا توأما وفريدا فكأنهن لبسن ذاك مجاسدا ... وجعلن ذا لنحورهنّ عقودا وأبيات أبى خراش، وكان خراش وعروة غزوا ثمالة فأسروهما، وأخذوهما

стр. 772

وهمّوا بقتلهما، فنهاهم بنو رزام، وأبى بنو هلال إلا قتلهما، وأقبل رجل من بنى رزام فألقى على حراش رداءه، وشغل القوم بقتل عروة، وقال الرجل لخراش: انجه، فنجا إلى أبيه، فأخبره الخبر، ولا تعرف العرب رجلا مدح من لا يعرفه غيره: حمدت إلهى بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشر أهون من بعض فوالله لا أنسى قتيلا رزنته ... بجابب قوسى ما مشيت على الأرض بلى إنّها تعفو الكلوم، وإنما ... نوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضى «١» ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... سوى أنّه قد سلّ عن ماجد محض ولم يك مثلوج الفؤاد مهبّجا ... أضاع الشباب فى الرّبيلة والخفض «٢» ولكنه قد لوّحته مخامص ... على أنه ذو مرّة صادق النهض كأنهم يشّبّثون بطائر ... خفيف المشاس عظمه غير ذى نحض يبادر فوت الليل نهو مهابذ ... يحثّ الجناح بالتبسّط والقبض الربيلة: الخفض والدعة، والمهابذ: المجتهد فى العدو والطيران. وقال أبو خراش يرثى أخاه عروة: تقول أراه بعد عروة لاهيا ... وذلك رزء لو علمت جليل فلا تحسبى أنى تناسيت عهده ... ولكنّ صبرى يا أميم جميل ألم تعلمى أن قد تفرّق قبلنا ... خليلا صفاء مالك وعقيل وأنّى إذا ما الصبح أنسيت ضوءه ... يعاودنى قطع علىّ ثقيل [أبى الصبر أنى لا أزال يهيجنى ... مبيت لنا فيما مضى ومقيل] مالك وعقيل اللذان ذكرهما نديما جذيمة الأبرش، وكانا أتياه بابن أخته عمرو،

стр. 773

وكان قد استهوته الجنّ، فمنّاهما فتمنّيا منادمته، وهما اللذان عنى متمّم ابن نويرة فى مرثية أخيه مالك: وكنّا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدّعا فلما تفرّقنا كأنى ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا وقول عنترة فى وصف الذباب أوحد فرد، ويتيم فذّ، وقد تعلّق ابن الرومى بذيله وزاد معنى آخر فى قوله: إذا رنقت شمس الأصيل ونفّضت ... على الأفق الغربىّ ورسا مزعزعا «١» ولاحظت النّوار وهى مريضة ... وقد وضعت خدا على الأرض أضرعا كما لاحظت عوّادها عين مدنف ... توجّع من أوصابه ما توجّعا «٢» وبين إغضاء الفراق عليهما ... كأنهما خلّا صفاء تودّعا وقد ضربت فى خضرة الرّوض صفرة ... من الشمس فاخضرّا خضرارا مشعشعا وظلّت عيون النّور تخضلّ بالندى ... كما اغرورقت عين الشّجىّ لتدمعا وأذكى نسيم؟؟؟ الرّوض ريعان ظلّه ... وغنى مغنّى الطير فيه مرجّعا وغرّد ربعى الذباب خلاله ... كما حثحث النّشوان صنّجا مشرّعا فكانت أرانين الذباب هناكم ... على شدوات الطير ضربا موقّعا وذكر أبو نواس معنى قوله فى تصاوير الكئوس فى مواضع من شعره فمن ذلك: بنينا على كسرى سماء مدامة ... مكلّلة حافاتها بنجوم فلو ردّ فى كسرى بن ساسان روحه ... إذا لاصطفانى دون كلّ نديم [وصف الدمن والأطلال] وأول هذا الشعر: لمن دمن تزداد طيب نسيم ... على طول ما أقوت وحسن رسوم «٣»

стр. 774

تجافى البلى عنهنّ حتى كأنما ... لبسن على الإقواء ثوب نعيم وهذا معنى مليح وإن أخذه من قول أعرابى: شطّت بهم عنك نية قذف ... غادرت الشعب غير ملتئم «١» واستودعت سرّها الديار فما ... تزداد طيبا إلّا على القدم وهذا ضدّ قول محمد بن وهيب: طللان طال عليهما الأمد ... درسا فلا علم ولا قصد لبسا البلى فكأنما وجدا ... بعد الأحبّة مثل ما وجدوا وقال الأخطل: لأسماء محتلّ بناظرة البشر ... قديم ولمّا يعفه سالف الدّهر يكاد من العرفان يضحك رسمه ... وكم من ليال للديار ومن شهر هذا أيضا كقول أبى صخر الهذلى: لليلى بذات الجيش دار عرفتها ... وأخرى بذات البين آياتها سطر كأنهما م الآن لم يتغيّرا ... وقد مرّ للدارين من بعدنا عصر «٢» وقد قال مزاحم القيلى: تراها على طول القواء جديدة ... وعهد المغانى بالحلول قديم وقرأ الزبير بن بكار أخبار أبى السائب [المخزومى] فلما بلغ إلى قول مالك بن أسماء الفزارى: بكت الديار لفقد ساكنها ... أفعند قلبى أبتغى الصّبرا؟ هذا البيت نظير قول ابن وهيب: بيناهم سكن بجيرتهم ... ذكروا الفراق فأصبحوا سفرا فظللت ذا وله يعاتبنى ... من لا يرى أمرى له أمرا

стр. 775

وإن أبا السائب قال عند سماع البيت الاوسط: ما أسرع هذا! أما اهتدوا! أما قدّموا ركابا! أما ودّعوا صديقا! فقال الزبير: رحم الله أبا السائب! فكيف لو سمع قول العباس بن الأحنف: سألونا عن حالنا كيف أنتم ... فقرنّا وداعنا بالسؤال ما أنخنا حتى ارتحلنا فما ف ... رّقن بين النزول والإرتحال «١» هكذا رواه الزبير بن بكار لمالك بن أسماء، ورواها غيره لأيوب بن شبيب الباهلى. ومن ألفاظ أهل العصر، فى صفة الديار الخالية دار لبست البلى، وتعطّلت من الحلى. دار قد صارت من أهلها خالية، بعد ما كانت بهم حالية. دار قد أنفد البين سكانها، وأقعد حيطانها، شاهد اليأس منها ينطق، وحبل الرجاء فيها يقصر. كأنّ عمرانها يطوى وخرابها ينشر، أركانها قيام وقعود، وحيطانها ركّع وهجود. يشبه الأول من قول مالك بن أسماء قول مزاحم العقيلى. بكت دار هم من فقدهم فتهلّلت ... دموعى، فأىّ الجاز عين ألوم؟ «٢» أمستعبر يبكى على الهون والبلى ... أم آخر يبكى شجوه فيهيم أبو الطيب المتنبى: لك يا منازل فى القلوب منازل ... أقفرت أنت وهنّ منك أو اهل يعلمن ذاك، وما علمت، وإنما ... أولا كما يبكى عليه العاقل وقال على بن جبلة، فى معنى قول العباس بن الأحنف: زائر نمّ عليه حسنه ... كيف يخفى الليل بدرا طلعا بأبى من زارنى مكتتما ... خائفا من كلّ أمر جزعا
следующие страницы →