← Адаб

Адаб · id 10768

زهر الآداب وثمر الألباب

الحصري القيرواني

Полный текст (1 141 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

قرارتها كسرى وفى جنباتها ... مهى تدّريها بالقسىّ الفوارس «١» فللرّاح ما زرّت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلّانس وقال على بن العباس النوبختى: قال لى البحترى: أتدرى من أين أخذ الحسن قوله: ولم أر منهم غير ما شهدت به ... ؟ .. البيت- فقلت: لا، قال: من قول أبى خراش: ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... سوى أنه قد سلّ عن ماجد محض فقلت: المعنى مختلف، فقال: أما ترى حذو الكلام واحدا، وإن اختلف المعنى؟! قال الجاحظ: نظرنا فى الشعر القديم والمحدث فوجدنا المعانى تقلب ويؤخذ بعضها من بعض، غير قول عنترة فى الأوائل: وخلا الذباب بها يغنّى وحده ... غردا كفعل الشارب المترنّم هزجا يحكّ ذراعه بذراعه ... قدح المكبّ على الزناد الأجذم وقول أبى نواس فى المحدثين: قرارتها كسرى وفى جنباتها ... مهى تدّريها بالقسىّ الفوارس فللرّاح ما زرّت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس أخذه أبو العباس الناشىء فقال وولّد معنى زائدا: ومدامة لا يبتغى من ربّه ... أحد حباه بها لديه مزيدا فى كأسها صور تظنّ لحسنها ... عربا برزن من الخيام وغيدا «٢» وإذا المزاج أثارها فتقسّمت ... ذهبا ودرّا توأما وفريدا فكأنهن لبسن ذاك مجاسدا ... وجعلن ذا لنحورهنّ عقودا وأبيات أبى خراش، وكان خراش وعروة غزوا ثمالة فأسروهما، وأخذوهما

стр. 772

وهمّوا بقتلهما، فنهاهم بنو رزام، وأبى بنو هلال إلا قتلهما، وأقبل رجل من بنى رزام فألقى على حراش رداءه، وشغل القوم بقتل عروة، وقال الرجل لخراش: انجه، فنجا إلى أبيه، فأخبره الخبر، ولا تعرف العرب رجلا مدح من لا يعرفه غيره: حمدت إلهى بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشر أهون من بعض فوالله لا أنسى قتيلا رزنته ... بجابب قوسى ما مشيت على الأرض بلى إنّها تعفو الكلوم، وإنما ... نوكّل بالأدنى وإن جلّ ما يمضى «١» ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... سوى أنّه قد سلّ عن ماجد محض ولم يك مثلوج الفؤاد مهبّجا ... أضاع الشباب فى الرّبيلة والخفض «٢» ولكنه قد لوّحته مخامص ... على أنه ذو مرّة صادق النهض كأنهم يشّبّثون بطائر ... خفيف المشاس عظمه غير ذى نحض يبادر فوت الليل نهو مهابذ ... يحثّ الجناح بالتبسّط والقبض الربيلة: الخفض والدعة، والمهابذ: المجتهد فى العدو والطيران. وقال أبو خراش يرثى أخاه عروة: تقول أراه بعد عروة لاهيا ... وذلك رزء لو علمت جليل فلا تحسبى أنى تناسيت عهده ... ولكنّ صبرى يا أميم جميل ألم تعلمى أن قد تفرّق قبلنا ... خليلا صفاء مالك وعقيل وأنّى إذا ما الصبح أنسيت ضوءه ... يعاودنى قطع علىّ ثقيل [أبى الصبر أنى لا أزال يهيجنى ... مبيت لنا فيما مضى ومقيل] مالك وعقيل اللذان ذكرهما نديما جذيمة الأبرش، وكانا أتياه بابن أخته عمرو،

стр. 773

وكان قد استهوته الجنّ، فمنّاهما فتمنّيا منادمته، وهما اللذان عنى متمّم ابن نويرة فى مرثية أخيه مالك: وكنّا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدّعا فلما تفرّقنا كأنى ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا وقول عنترة فى وصف الذباب أوحد فرد، ويتيم فذّ، وقد تعلّق ابن الرومى بذيله وزاد معنى آخر فى قوله: إذا رنقت شمس الأصيل ونفّضت ... على الأفق الغربىّ ورسا مزعزعا «١» ولاحظت النّوار وهى مريضة ... وقد وضعت خدا على الأرض أضرعا كما لاحظت عوّادها عين مدنف ... توجّع من أوصابه ما توجّعا «٢» وبين إغضاء الفراق عليهما ... كأنهما خلّا صفاء تودّعا وقد ضربت فى خضرة الرّوض صفرة ... من الشمس فاخضرّا خضرارا مشعشعا وظلّت عيون النّور تخضلّ بالندى ... كما اغرورقت عين الشّجىّ لتدمعا وأذكى نسيم؟؟؟ الرّوض ريعان ظلّه ... وغنى مغنّى الطير فيه مرجّعا وغرّد ربعى الذباب خلاله ... كما حثحث النّشوان صنّجا مشرّعا فكانت أرانين الذباب هناكم ... على شدوات الطير ضربا موقّعا وذكر أبو نواس معنى قوله فى تصاوير الكئوس فى مواضع من شعره فمن ذلك: بنينا على كسرى سماء مدامة ... مكلّلة حافاتها بنجوم فلو ردّ فى كسرى بن ساسان روحه ... إذا لاصطفانى دون كلّ نديم [وصف الدمن والأطلال] وأول هذا الشعر: لمن دمن تزداد طيب نسيم ... على طول ما أقوت وحسن رسوم «٣»

стр. 774

تجافى البلى عنهنّ حتى كأنما ... لبسن على الإقواء ثوب نعيم وهذا معنى مليح وإن أخذه من قول أعرابى: شطّت بهم عنك نية قذف ... غادرت الشعب غير ملتئم «١» واستودعت سرّها الديار فما ... تزداد طيبا إلّا على القدم وهذا ضدّ قول محمد بن وهيب: طللان طال عليهما الأمد ... درسا فلا علم ولا قصد لبسا البلى فكأنما وجدا ... بعد الأحبّة مثل ما وجدوا وقال الأخطل: لأسماء محتلّ بناظرة البشر ... قديم ولمّا يعفه سالف الدّهر يكاد من العرفان يضحك رسمه ... وكم من ليال للديار ومن شهر هذا أيضا كقول أبى صخر الهذلى: لليلى بذات الجيش دار عرفتها ... وأخرى بذات البين آياتها سطر كأنهما م الآن لم يتغيّرا ... وقد مرّ للدارين من بعدنا عصر «٢» وقد قال مزاحم القيلى: تراها على طول القواء جديدة ... وعهد المغانى بالحلول قديم وقرأ الزبير بن بكار أخبار أبى السائب [المخزومى] فلما بلغ إلى قول مالك بن أسماء الفزارى: بكت الديار لفقد ساكنها ... أفعند قلبى أبتغى الصّبرا؟ هذا البيت نظير قول ابن وهيب: بيناهم سكن بجيرتهم ... ذكروا الفراق فأصبحوا سفرا فظللت ذا وله يعاتبنى ... من لا يرى أمرى له أمرا

стр. 775

وإن أبا السائب قال عند سماع البيت الاوسط: ما أسرع هذا! أما اهتدوا! أما قدّموا ركابا! أما ودّعوا صديقا! فقال الزبير: رحم الله أبا السائب! فكيف لو سمع قول العباس بن الأحنف: سألونا عن حالنا كيف أنتم ... فقرنّا وداعنا بالسؤال ما أنخنا حتى ارتحلنا فما ف ... رّقن بين النزول والإرتحال «١» هكذا رواه الزبير بن بكار لمالك بن أسماء، ورواها غيره لأيوب بن شبيب الباهلى. ومن ألفاظ أهل العصر، فى صفة الديار الخالية دار لبست البلى، وتعطّلت من الحلى. دار قد صارت من أهلها خالية، بعد ما كانت بهم حالية. دار قد أنفد البين سكانها، وأقعد حيطانها، شاهد اليأس منها ينطق، وحبل الرجاء فيها يقصر. كأنّ عمرانها يطوى وخرابها ينشر، أركانها قيام وقعود، وحيطانها ركّع وهجود. يشبه الأول من قول مالك بن أسماء قول مزاحم العقيلى. بكت دار هم من فقدهم فتهلّلت ... دموعى، فأىّ الجاز عين ألوم؟ «٢» أمستعبر يبكى على الهون والبلى ... أم آخر يبكى شجوه فيهيم أبو الطيب المتنبى: لك يا منازل فى القلوب منازل ... أقفرت أنت وهنّ منك أو اهل يعلمن ذاك، وما علمت، وإنما ... أولا كما يبكى عليه العاقل وقال على بن جبلة، فى معنى قول العباس بن الأحنف: زائر نمّ عليه حسنه ... كيف يخفى الليل بدرا طلعا بأبى من زارنى مكتتما ... خائفا من كلّ أمر جزعا

стр. 776

رصد الغفلة حتى أمكنت ... ورعى الحارس حتى هجعا ركب الأهوال فى زورته ... ثمّ ما سلّم حتى ودّعا وقال الحسين بن الضحاك: [بأبى زور تلفت له ... فتنفّست عليه الصّعدا «١» بينما أضحك مسرورا به ... إذ تقطّعت عليه كمدا «٢» أبو الطيب المتنبى] : بأبى من وددته فافترقنا ... وقضى الله بعد ذاك اجتماعا فافترقنا حولا، فلما اجتمعنا ... كان تسليمه علىّ الوداعا وقال أبو الحسن جحظة: قال لى خالد الكاتب: دخلت يوما بعض الدّيارات فإذا أنا بشابّ موثق فى صفاد حسن الوجه؛ فسلّمت عليه، فردّ علىّ، وقال: من أنت؟ قلت: خالد بن يزيد، فقال: صاحب المقطعات الرقيقة؟ قلت: نعم! فقال: إن رأيت أن تفرّج عنى ببعض ما تنشدنى من شعرك فافعل، فأنشدته: ترشّفت من شفتيها عقارا ... وقبّلت من خدها جلنّارا «٣» وعانقت منها كثيبا مهيلا ... وغصنا رطيبا وبدرا أنارا وأبصرت من نورها فى الظلام ... لكلّ مكان بليل نهارا فقال: أحسنت! لا يفضض الله فاك، ثم قال: أجز لى هذين البيتين: ربّ ليل أمدّ من نفس العا ... شق طولا قطعته بانتحاب وحديث ألذّ من نظر الوا ... مق بدّلته بسوء العتاب فوالله لقد أعملت فكرى فما قدرت أن أجيزهما. [ويمكن أن يجازا بهذا البيت: ووصال أقلّ من لمحة البا ... رق عوّضت عنه طول اجتناب]

стр. 777

[طول الليل] وقال ابن الرومى فى طول الليل: ربّ ليل كأنه الدهر طولا ... قد تناهى فليس فيه مزيد ذى نجوم كأنهنّ نجوم ... الشّيب ليست تغيب لكن تزيد وهذا من أجود ما جاء فى هذا المعنى، وقد قال بشار: لخدّيك من كفيّك فى كلّ ليلة ... إلى أن ترى وجه الصباح وساد تبيت تراعى الليل ترجو نفاده ... وليس لليل العاشقين نفاد «١» وقال: خليلىّ ما بال الدّجى لا تزحزح ... وما بال ضوء الصبح لا يتوضّح أضلّ النهار المستنير سبيله ... أم الدهر ليل كلّه ليس يبرح كأنّ الدجى زادت وما زادت الدجى ... ولكن أطال الليل همّ مبرّح وقال [أيضا] : طال هذا الليل، بل طال السهر ... ولقد أعرف ليلى بالقصر لم يطل حتى جفانى شادن ... ناعم الأطراف فتّان النظر «٢» لى فى ليلى منه لوعة ... ملكت قلبى وسمعى والبصر فكأن الهمّ شخص ماثل ... كلما أبصره النوم نفر «٣» وقال أيضا: كأنّ فؤاده كرة تنزّى ... حذار البين إن نفع الحذار «٤» يروّعه السرار بكل شىء ... مخافة أن يكون به السّرار [كأن جفونه سملت بشوك ... فليس لنومه فيها قرار] أقول وليلتى تزداد طولا: ... أما للّيل بعدهم نهار

стр. 778

جفت عينى عن التغميض حتى ... كأنّ جفونها فيها قصار قيل لبشار: من أين سرقت قولك: ... يروّعه السرار بكلّ شىء فقال: من قول أشعب الطمع، وقد قيل له: ما بلغ من طمعك؟ قال: ما رأيت اثنين يتسارّان إلا ظننتهما يريدان أن يأمرا لى بشىء. وأخذه أبو نواس فقال: لا تبيحنّ حرمة الكتمان ... راحة المستهام فى الإعلان قد تستّرت بالسكوت وبالإطراق ... جهدى فنمّت العينان تركتنى الوشاة نصب المشيرين ... وأحدوثة بكل مكان ما نرى خاليين فى الناس إلا ... قلت ما يخلوان إلا لشانى ومثل قول بشار: جفت عينى عن التغميض ... البيت، قول الآخر: كأنّ المحبّ بطول السّهاد ... قصير الجفون ولم تقصر وقد تناول هذا المعنى العتابى [فأفسده وقال] : وفى المآقى انقباض عن جفونهما ... وفى الجفون عن الآماق تقصير وقال المتنبى: أعيدوا صباحى فهو عند الكواكب ... وردّوا رقادى فهو لحظ الحبائب كأنّ نهارى ليلة مدلهمّة ... على مقلة من فقدكم فى غياهب بعيدة ما بين الجفون كأنما ... عقدتم أعالى كلّ هدب بحاجب وقال الشعبى: تشاجر الوليد بن عبد الملك ومسلمة أخوه فى شعر امرئ القيس والنابغة فى طول الليل، أيهما أشعر؟ فقال الوليد: النابغة أشعر، وقال مسلمة: بل امرؤ القيس، فرضيا بالشعبى، فأحضراه، فأنشده الوليد: كلينى لهمّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطىء الكواكب «١» تطاول حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذى يرعى النجوم بآيب «٢»

стр. 779

وصدر أراح الليل عازب همّه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب «١» وأنشده مسلمة قول امرئ القيس: وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علىّ بأنواع الهموم ليبتلى فقلت له لما تمطّى بجوزه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبح، وما الإصباح منك بأمثل فيالك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدّت بيذبل فطرب الوليد طربا، فقال الشعبى: بانت القضية. معنى قول النابغة: وصدر أراح الليل عازب همّه أنه جعل صدره مأوى للهموم، وجعل الهموم كالنّعم السارحة الغادية، تسرح نهارا ثم تأتى إلى مكانها ليلا. وهو أول من استثار هذا المعنى، ووصف أن الهموم مترادفة بالليل لتقييد الألحاظ عما هى مطلقة فيه بالنهار، واشتغالها بتصرّف اللحظ عن استعمال الفكر، وامرؤ القيس كره أن يقول: إن الهمّ يخفّ عليه فى وقت من الأوقات فقال: وما الإصباح منك بأمثل. وقال الطرماح بن حكيم الطائى: ألا أيها الليل الذى طال أصبح ... بيوم، وما الإصباح فيك بأروح على أن للعينين فى الصّبح راحة ... لطرحهما طرفيهما كلّ مطرح فنقل لفظ امرئ القيس ومعناه، وزاد فيه زيادة اغتفر له معها فحش السرقة وإنما تنبّه عليه من قول النابغة، إلا أنّ النابغة لوّح، وهذا صرّح. وقال ابن بسّام: لا أظلم الليل ولا أدّعى ... أن نجوم الليل ليست تغور «٢» ليلى كما شاءت، فإن لم تزر ... طال، وإن زارت فليلى قصير وإنما أغار ابن بسام على قول على بن الخليل فلم يغير إلا القافية:

стр. 780

لا أظلم الليل ولا أدعى ... أنّ نجوم الليل ليست تزول ليلى كما شاءت، قصير إذا ... جادت، وإن ضنّت فليلى طويل وهذه السرقة كما قال البديع فى التنبيه على أبى بكر الخوارزمى فى بيت أخذ رويّه وبعض لفظه: «وإن كانت قضية القطع تجب فى الربع، فما أشد شفقتى على جوارحه [أجمع] ؛ ولعمرى إن هذه ليست سرقة، وإنما هى مكابرة محضة، وأحسب أن قائله لو سمع هذا لقال: هذه بضاعتنا ردّت إلينا، فحسبت أن ربيعة ابن مكدم وعتيبة بن الحارث بن شهاب كانا لا يستحلّان من البيت ما استحله، فإنهما كانا يأخذان جلّه «١» ، وهذا الفاضل قد أخذ كله، وقد أخذ على بن الخليل من قول الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان: لا أسأل الله تغييرا لما صنعت ... نامت وإن أسهرت عينىّ عيناها فالليل أطول شىء حين أفقدها ... والليل أقصر شىء حين ألقاها وابن بسام فى هذا [الشعر] كما قال الشاعر: وفتى يقول الشعر إلا أنه ... فى كل حال يسرق المسروقا ألفاظ لأهل العصر فى طول الليل والسهر وما يعرض فيه من الهموم والفكر ليلة من غصص الصّدر، ونقم الدهر. ليلة هموم وغموم، كما شاء الحسود، وساء الودود. ليلة قصّ جناحها، وضلّ صباحها. ليل ثابت الأطناب، طامى الغوارب، طامح الأمواج «٢» ، وافى الذّوائب. ليال ليست لها أسحار، وظلمات لا تتخللها أنوار. بات بليلة نابغية، يراد قوله:

стр. 781

فبت كأنى ساورتنى ضئيلة ... من الرّقش فى أنيابها السّمّ ناقع «١» [يسهّد من ليل التمام سليمها ... لحلى النساء فى يديه قعاقع] بات فى الصيف بليلة شتوية. سامرته الهموم، وعانقته الغموم، واكتحل المهاد، وافترش القتاد، فاكتحل «٢» بملمول السهر، وتململ على فراش الفكر. قد أقضّ مهاده، وقلق وساده. هموم تفرّق بين الجنب والمهاد، وتجمع بين العين والسّهاد. طرف برعى النجوم مطروف، وفراش بشعار الهمّ محفوف. كأنه على النجوم رقيب، وللظلام نقيب. ولهم فيما يتصل بضدّ ذلك من ذكر [إقبال] الليل وانتشار الظلمة، وطلوع الكواكب أقبلت عساكر الليل، وخفقت رايات الظلام. وقد أرخى الليل علينا سدوله، وسحب الظلام فينا ذيوله. توقّد الشفق فى ثوب الغسق. أقبلت وفود النجوم [وجاءت مواكب الكواكب. تفتّحت أزاهير النجوم] ، وتوردت حدائق الجو، وأذكى الفلك مصابيحه. قد طفت النجوم فى بحر الدّجى، ولبس الظلام جلبابا من القار. ليلة كغراب الشباب، وحدق الحسان، وذوائب العذارى. ليلة كأنها فى لباس بنى العباس «٣» ليلة كأنها فى لباس الثكالى، وكأنها من الغيش فى مواكب الحبش. ليلة قد حلك إهابها، فكأنّ البحر يهابها. ولهم فى ذكر النوم والنعاس شرب كأس النعاس، وانتشى من خمر الكرى «٤» ، قد عسكر النّعاس بطرفه، وخيّم بين عينيه. غرق فى لجّة الكرى، وتمايل فى سكرة النوم. قد كحل الليل الورى بالرقاد، وشامت الأعين أجفانها فى الأغماد.

стр. 782

وفى انتصاف الليل وتناهيه، وانتشار النور، وأفول النجوم قد اكتمل الظلام. قد انتصفنا عمر الليل، واستغرقنا شبابه. قد شاب رأس الليل، كاد ينمّ النسيم بالسّحر. قد انكشف غطاء الليل. انهتك «١» ستر الدّجى، وشمطت ذوائبه، وتقوّس ظهره، وتهدّم عمره. قوّضت خيام الليل، وخلع الأفق ثوب الدّجى. أعرض الظلام وتولى، [وتدلّى] عنقود الثريا طرز قميص الليل بغرّة الصبح، وباح الصبح بسرّه. خلع الليل ثيابه، وحدر الصبح نقابه. لاحت تباشير الصبح، وافترّ الفجر عن نواجذه، وضرب النور فى الدّجى بعموده. بثّ الصبح طلائعه. تبرقع الليل بغرّة الصبح. أطار بازى الصبح غراب الليل «٢» ، وعزلت نوافج الليل «٣» بجامات الكافور، وانهزم جند الظلام عن عسكر النور. خلعنا خلعة الظّلام، ولبسنا رداء الصباح، وملأ الآذان برق الصباح، وسطع الضوء، وطلع النور، وأشرقت الدنيا، وأضاءت الآفاق. مالت الجوزاء للغروب، وولت مواكب الكواكب، وتناثرت عقود النجوم، وفرّت أسراب النجوم من حدق الأنام، وهى نطاق الجوزاء، وانطفأ قنديل الثريا. قال بعض الأعراب: خرجنا فى ليلة حندس قد ألقت على الأرض أكارعها، فمحت صورة الأبدان، فما كنّا نتعارف إلا بالآذان. قال ابن محكان السعدى: وليل يقول الناس فى ظلماته ... سواء صحيحات العيون وعورها كأن لنا منه بيوتا حصينة ... مسوحا أعاليها وساجا ستورها «٤» وهدا بارع جدّا. أراد أنّ أعلاه أشدّ ظلاما من جوانبه. وقال أعرابى فى صفته: خرجت حين انحدرت النجوم، وشالت أرجلها،

стр. 783

فما زلت أصدع الليل حتى انصدع الفجر. ومن بديع الشعر فى صفة الليل قول الأعرابى: والليل يطرده النهار ولا ترى ... كالليل يطرده النهار طريدا فتراه مثل البيت مال رواقه ... هتك المقوّض ستره الممدودا ومن اليديع: على حين أثنى القوم خيرا على السّرى ... وطارت بأخرى الليل أجنحة الفجر آخر: وليل ذى غياطل مدلهمّ ... رميت بنجمه عرض الأفول يردّ الطرف منقبصا كليلا ... ويملأ هوله صدر الذّليل ابن المعتز: هامت ركائبنا إليك بنا ... بظليل أهل النار والمنح فكأنّ أيديهن دائبة ... يفحصن ليلتهنّ عن صبح وقال كشاجم: سيا لليل قصرت مدّته ... بدير مرّان مرّ مشكورا وبات بدر الدجى يشعشعها ... نوريّة تملأ الدّجى نورا «١» غارت على نفسها وقد سفرت ... فعاد جيب الحباب مزرورا حتى رأيت الظلام يدرجه الغرب ... ودرج الصباح منشورا «٢» فاختلط الليل والنهار كما ... تخلط كفّ مسكا وكافورا وقال على بن محمد الكوفى: متى أرتجى يوما شفاء من الضّنا ... إذا كان جانيه علىّ طبيبى ولى عائدات ضفتهن فجئن فى ... لباس سواد فى الظلام قشيب «٣» نجوم أراعى طول ليلى بروجها ... وهنّ لبعد السير ذات لغوب

стр. 784

خوافق فى جنح الظلام كأنها ... قلوب معنّاة بطول وجيب «١» ترى حوتها فى الشرق ذات سباحة ... وعقربها فى الغرب ذات دبيب «٢» إذا ما هوى الإكليل منها حسبته ... تهدّل غصن فى الرياض رطيب كأنّ التى حول المجرّة أوردت ... لتكرع فى ماء هناك صبيب كأنّ رسول الصّبح يخلط فى الدّجى ... شجاعة مقدام بجبن هيوب كأنّ اخضرار البحر صرح ممرّد ... وفيه لآل لم تشن بثقوب «٣» كأنّ سواد الليل فى ضوء صبحه ... سواد شباب فى بياض مشيب كأنّ نذير الشمس يحكى ببشره ... علىّ بن داود أخى ونسيبى ولولا اتّقائى عتبه قلت سيدى ... ولكن يراها من أجلّ ذنوبى جواد بما تحوى يداه مهذب ... أديب غدا خلّا لكلّ أديب نسيب إخاء وهو غير مناسب ... قريب صفاء وهو غير قريب ونسبة ما بين الأقارب وحشة ... إذا لم يؤنّسها انتساب قلوب [أخو الصفاء قريب] وهذا البيت كقول الطائى: وقلت أخى قالوا أخ من قرابة ... فقلت لهم إنّ الشكول أقارب [نسيبى فى رأيى وعزمى ومذهبى ... وإن باعدتنا فى الأصول المناسب] وقال عبد السلام بن رغبان «٤» ، وسلك طريق الطائى [فما ضلّ عنها] : أخ كنت أبكيه دما وهو حاضر ... حذارا، وتعمى مقلتى وهو غائب بكاء أخ لم تحوه بقرابة ... بلى إنّ إخوان الصفاء أقارب فمات فما شوقى إلى الأجر واقف ... ولا أنا فى عمرى إلى الله راغب وأظلمت الدنيا التى أنت نورها ... كأنك للدنيا أخ ومناسب

стр. 785

يبرّد نيران المصائب أننى ... أرى زمنا لم تبق فيه مصائب وفى هذه القصيدة: ترشّفت أيامى وهنّ كوالح ... إليك، وغالبت الرّدى وهو غالب ودافعت فى كيد الزمان ونحره ... وأىّ يد لى والزّمان المحارب؟ وقلت له: خلّ ابن أمّى لعصبة ... وهأنا أو فازدد فإنّا عصائب فوالله إخلاصا من القول صادقا ... وإلّا فحبّى آل أحمد كاذب لو أن يدى كانت شفاءك أو دمى ... دم القلب حتى يقضب الحبل قاضب لسلّمت تسليم الرّضا واتخذتها ... يدا للرّدى ما حجّ لله راكب فتى كان مثل السيف من حيث جئته ... لنائبة نابتك فهو مضارب فتى همّه حمد على الدهر رائح ... وإن ناب عنه ماله وهو عازب شمائل إن تشهد فهنّ مشاهد ... عظام، وإن ترحل فهنّ ركائب وقال الطائى لعلىّ بن الجهم: إن يكد مطّرف الإخاء فإنّنا ... نغدو ونسرى فى إخاء تالد «١» أو يفترق نسب يؤلّف بيننا ... أدب أقمناه مقام الوالد أو يختلف ماء الوصال فماؤنا ... عذب تحدر من غمام واحد «٢» وقال محمد بن موسى بن حماد: سمعت علىّ بن الجهم، وذكر دعبلا فلعنه، وكفره، وقال: وكان يطعن على أبى تمام، وهو خير منه دينا وشعرا، فقال رجل: لو كان أبو تمام أخاك ما زدت على مدحك له. فقال: إلّا يكن أخا نسب فهو أخو أدب، أما سمعت ما خاطبنى به؟ وأنشد الأبيات:

стр. 786

وقال رجل لابن المقفع: إذا لم يكن أخى صديقى لم أحببه، قال: نعم صدقت، الأخ نسيب الجسم، والصديق نسيب الروح. وقال أبو تمام يخاطب محمد بن عبد الملك الزيات: أبا جعفر إن الجهالة أمّها ... ولود، وأمّ العلم جدّاء حائل «١» أرى الحشو والدهماء أضحوا كأنهم ... شعوب تلاقت دوننا وقبائل غدوا وكأنّ الجهل يجمعهم أبا ... وحظ ذوى الآداب فيهم نوافل فكن هضبة تأوى إليها وحرة ... يعرّد عنها الأعوجىّ المناقل «٢» فإن الفتى فى كل حال مناسب ... مناسب روحانية من يشاكل وقال البحترى لأبى القاسم بن خرداذبه: إن كنت من فارس فى بيت سؤددها ... وكنت من بحترى البيت والنسب «٣» فلم يضرنا تنائى المنصبين وقد ... رحنا نسيبين فى علم وفى أدب إذا تقاربت الآداب والتأمت ... دنت مسافة بين العجم والعرب [وصف النجوم] وقد احتذى طريقه أبو القاسم محمد بن هانىء، فقال يمدح جعفر بن على، وذكر النجوم، فقال: جعلنا حشايانا ثياب مدامنا ... وقدّت لنا الظلماء من جلدها لحفا فمن كبد تدنى إلى كبد هوى ... ومن شفة توحى إلى شفة رشفا بعيشك نبّه كأسه وجفونه ... فقد نبّه الإبريق من بعد ما أغفى وقد فكّت الظلماء بعض قيودها ... وقد قام جيش الليل للفجر فاصطفا

стр. 787

وولّت نجوم للثريا كأنها ... خواتم تبدو فى بنان يد تخفى ومرّ على آثارها دبرانها ... كصاحب ردء أكمنت خيله خلفا «١» وأقبلت الشّعرى العبور ملبة ... بمرزمها اليعبوب نجنبه طرفا وقد بادرتها أختها من ورائها ... لتخرق من ثنيى مجرّتها سجفا تخاف زئير الليث يقدم نثرة ... وبربر فى الظلماء ينسفها نسفا كأنّ السماكين اللّذين تظاهرا ... على لبدتيه ضامنان له الحتفا فذا رامح يهوى إليه سنانه ... وذا أعزل قد عض أنمله لهفا كأن رقيب النجم أجدل مرقب ... يقلّب تحت الليل فى ريشه طرفا كأن سهيلا فى مطالع أفقه ... مفارق إلف لم يجد بعده إلفا كأنّ بنى نعش ونعشا مطافل ... بوجرة قد أضللن فى مهمه خشفا كأن سهاها عاشق بين عوّد ... فآونة يبدو وآونة يخفى كأن معلّى قطبها فارس له ... لواءان مر كوزان قد كره الزّحفا كأن قدامى النّسر والنّسر واقع ... قصصن فلم تسم الخوافى به ضعفا كأنّ أخاه حين دوّم طائرا ... أتى دون نصف البدر فاختطف النّصفا كأنّ الهزيع الآبنوسىّ موهنا ... سرى بالنسيج الخسروانىّ ملتفّا «٢» كأنّ ظلام الليل إذ مال ميلة ... صريع مدام بات يشربها صرفا كأنّ عمود الفجر خاقان عسكر ... من الترك نادى بالنجاشىّ فاستخفى كأن لواء الشمس غرّة جعفر ... رأى القرن فازدادت طلاقته ضعفا وقال ابن طباطبا [العلوى] : كأن اكتتام المشترى فى سحابه ... وديعة سرّ فى ضمير مديع كأن سهيلا والنجوم أمامه ... يعارضها راع وراء قطيع

стр. 788

وقد لاحت الشّعرى العبور كأنها ... تقلّب طرف بالدموع هموع وأضحعت الجوزاء فى أفق غربها ... فباتت كنشوان هناك صريع إلى أن أجاب الليل داعى صبحه ... وكان ينادى منه غير سميع وقال: وكأنّ الهلال لما تبدّى ... شطر طوق المرآة ذى التذهيب أو كقوس قد انحنت طرفاه ... أو كتون فى مهرق مكتوب وقال على بن محمد العلوى يصف القمر، وقد طرح جرمه على دجلة: لم أنس دجلة والدّجى متصرّم ... والبدر فى أفق السماء مغرّب فكأنها فيه رداء أزرق ... وكأنه فيها طراز مذهب وقال [الأمير] تميم بن المعز، وكان يحتذى مثل ابن المعتز، ويقف فى التشبيهات بجانبه، ويفرغ فيها على قالبه، ويتبعه [فى] سلوك ألفاظ الملوك: اسقيانى فلست أصغى لعذل ... ليس إلّا تعلّة النفس شغلى أأطيع العذول فى ترك ما أهوى ... كأنى اتهمت رأيى وعقلى عللانى بها فقد أقبل الليل ... كلون الصدود من بعد وصل وانجلى الغيم بعد ما أضحك الرّو ... ض بكاء السحاب جاد بوبل عن هلال كصولجان نضار ... فى سماء كأنّها جام ذبل وقال: ربّ صفراء علّلتنى بصفرا ... وجنح الظّلام مرخى الإزار بين ماء وروضة وكروم ... ورواب منيفة وصحار «١» تتثنّى به الغصون علينا ... وتجيب القيان فيها القمارى «٢»

стр. 789

وكأن الدّجى غدائر شعر ... وكأنّ النجوم فيها مدارى «١» وانجلى الغيم عن هلال تبدّى ... فى يد الأفق مثل نصف سوار وقال: عتبت فانثنى عليها العتاب ... ودعا دمع مقلتيها انسكاب وضعت نحو خدّها بيديها ... فالتقى الياسمين والعناب «٢» ربّ مبدى تعتّب جعل العتب ... رياء وهمّه الإعتاب فاسقنيها مدامة تصبغ الكا ... س كما يصبغ الخدود الشباب ما ترى الليل كيف رقّ دجاه ... وبدا طيلسانه ينجاب؟ وكأنّ الصباح فى الأفق باز ... والدّجى بين مخلبيه غراب وكأنّ السماء لجّة بحر ... وكأنّ النجوم فيها حباب وكأنّ الجوزاء سيف صقيل ... وكأنّ الدّجى عليها قراب من وصف الشراب والكؤس والسّقاة فى الليل وقال: وزنجيّة الآباء كرخيّة الجلب ... عببريّة الأنفاس كرميّة النّسب «٣» كميت بزلنا دنّها فتفجّرت ... بأحمر قان مثل ما قطر الذّهب فلما شربناها صبونا كأنّنا ... شربنا السرور المحض واللهو والطّرب ولم نأت شيئا يسخط المجد فعله ... سوى أننا بعنا الوقار من اللّعب كأن كؤوس الشّرب وهى دوائر ... قطائع ماء جامد تحمل اللهب يمدّ بها كفا خضيبا مديرها ... وليس بشىء غيرها هو مختضب فبتنا نسقّى الشمس والليل راكد ... ونقرب من بدر السماء وما قرب

стр. 790

وقد حجب الغيم الهلال كأنه ... ستارة شرب خلفها وجه من أحبّ [كأنّ الثريّا تحت حلكة لونها ... مداهن بلّور على الأرض تضطرب] وقال: كأنّ السحاب الغرّ أصبحن أكؤسا ... لنا، وكأنّ الراح فيها سنا البرق إلى أن رأيت النجم وهو مغرّب ... وأقبل رايات الصباح من الشرق كأن سواد الليل والصبح طالع ... بقايا مجال الكحل فى الاعين الزّرق وقال: وكأس يعيد العسر يسرا، ويجتنى ... ثمار الغنى للشّرب من شجر الفقر يولّد فيها المزج درّا منضّدا ... كما فتّتت فوق الثرى نقط القطر «١» صغار وكبرى فى الكؤوس كأنها ... على الرّاح واوات تجمّعن فى سطر إذا حثّها الساقى الأغرّ حسبتها ... نجوم الثريا لحن فى راحة البدر صبحت بها صحبى وقدر ندج الدّجى ... بفضّة لألاء الصباح سنا الفجر «٢» وقد أزهرت بيض النجوم كأنّها ... على الأفق الأعلى قلائد من درّ وقال: ألا فاسقيانى قهوة ذهبية ... فقد ألبس الآفاق جنح الدجى دعج كأنّ الثريا والظلام يحفّها ... فصوص لجئين قد أحاط بها سبج «٣» كأنّ نجوم الليل تحت سواده ... إذا جنّ زنجىّ تبسّم عن فلج وقال: أيا دير مرحنا سقتك رعود ... من الغيم يهمى مزنها ويجود فكم واصلتنا فى رباك أوانس ... يطفن علينا بالمدامة غيد

стр. 791

[وكم ناب عن نور الضحى فيك مبسم ... ونابت عن الورد الجنىّ خدود] وماست على الكثبان قضبان فضّة ... فأثقلها من حملهنّ نهود وإذ لمّتى لم يوقظ الشيب ليلها ... وإذ أثرى فى الغانيات حميد ليالى أغدو بين ثوبى صبابة ... ولهو، وأيام الزمان هجود وقال: سألته قبلة منه على عجل ... فاحمرّ من خجل واصفرّ من وجل واعتلّ ما بين إسعاف يرقّقه ... وبين منع تمادى فيه بالعلل «١» وقال: وجهى بدر لا خفاء به ... ومبصر البدر لا يدعوه للقبل وهذا ينظر إلى قوله: أباح لمقلتى السهرا ... وجار علىّ واقتدرا غزال لو جرى نفسى ... عليه لذاب وانفطرا ولكن عينه حشدت ... علىّ الغنج والحورا ومن أودى به قمر ... فكيف يعاتب القمرا كأنه ذهب إلى قول أبى نواس: كأنّ ثيابه أطلعن ... من أزراره قمرا يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا بعين خالط التفتير ... من أجفانها الحورا ووجه سابرى لو ... تصوّب ماؤه قطرا «٢» قيل للجاحظ: من أنشد الناس وأشعرهم؟ قال: الذى يقول: وأنشد هذه الأبيات. ونظير قوله:

стр. 792

كأنّ ثيابه أطلعن ... من أزراره قمرا قول الحكم «١» بن قنبر المازنى: ويلى على من أطار النوم فامتنعا ... وزاد قلبى إلى أوجاعه وجعا وقال تميم: نقّبت وجهها بخر وجاءت ... بمدام منقّب بزجاج فتأمّلت فى النقابين منها ... قمرا طالعا وضوء سراج فاسقيانى بلا مزاج فإنى ... فى المعالى صرف بغير مزاج وانظر الأفق كيف بدّله الإصب ... اح من بعد آبنوس بعاج وقال: إذا حذرت زمانا لا تسرّ به ... كم قد أتى سهل دهر بعد أصعبه «٢» فاقبل من الدهر ما أعطاك مختلطا ... لعل مرّك يحلو فى تقلّبه خذها إليك، ودع لومى، مشعشعة ... من كفّ أقنى أسيل الخدّ مذهبه «٣» فى كل معقد حسن فيه معترض ... عليه يحميه من أن تستبدّ به فكحل عينيه ممنوع بخنجره ... وورد خدّيه محمىّ بعقربه لا تترك القدح الملآن فى يده ... إنى أخاف عليه من تلهّبه فصنه عن سقينا؛ إنى أغار به ... وسقّه واسقنى من فضل مشربه وانظر إلى الليل كالزّنجىّ منهزما ... والصبح فى إثره يعدو بأشهبه والبدر منتصب ما بين أنجمه ... كأنه ملك ما بين موكبه من المختار من شعر تميم بن المعز وإذ أفضيت إلى ذكره، فهاك من مختار شعره، [قال] :

стр. 793

مستقبل بالذى يهوى وإن كثرت ... منه الذنوب ومقبول بما صنعا فى وجهه شافع يمحو إساءته ... من القلوب وجيه حيثما شفعا كأنما الشمس من أثوابه برزت ... حسنا، أو البدر من أزراره طلعا استعارة [مأخوذة] من قول الآخر، وهو ابن زريق: أستودع الله فى بغداد لى قمرا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه ومن قول أحمد بن يحيى الفران: بدا فكأنما قمر ... على أزراره طلعا يحثّ المسك من عرق الجبين ... بنانه ولعا وقال أبو ذر أستاذ سيف «١» الدولة: نفسى الفداء لمن عصيت عواذلى ... فى حبّه لم أخش من رقبائه الشمس تظهر فى أسرّة وجهه ... والبدر يطلع من خلال قبائه «٢» وقال تميم: أأعذل قلبى وهو لى غير عاذل ... وأعصى غرامى وهو ما بين أضلعى ومن لى بصبر أستزيل به الجوى ... ولا جلدى طوعى ولا كبدى معى فأوّل شوقى كان آخر سلوتى ... وآخر صبرى كان أوّل أدمعى وقال: ورد الخدود أرقّ من ... ورد الرياض وأنعم هذا تنشّقه الأنو ... ف وذا يقبّله الفم وإذا عدلت فأفضل ... الوردين ورد يلثم لا ورد إلّا ما تولّى ... صبغ حمرته الدّم هذا يشمّ ولا يضمّ ... وذا يضمّ ويشمم «٣»

стр. 794

سبحان من خلق الخدود ... د شقائقا تتنسّم وأعارها الأصداغ فهى ... بها شقيق يعلم واستنطق الأجفان فهى ... بلحظها تتكلّم وتبين للمحبوب عن ... سرّ الحبيب فيفهم وتشير إن رأت الرقيب ... بلحظها فتسلّم وأعارها مرضا تصحّ ... به القلوب وتسقم فتن العيون أجلّ من ... فتن الخدود وأعظم وقال: إن كانت الألحاظ رسل القلوب ... فينا فما أهون كيد الرقيب قبّلت من أهوى بعينى ولم ... يعلم بتقبيلى خدّ الحبيب لكنّه قد فطنت عينه ... بلحظ عينى فطنة المستريب إن كان علم الغيب مستخفيا ... عنّا فعند اللّحظ علم الغيوب وقال: قالوا الرحيل لخمسة ... تأتى سريعا من جمادى فأجبتهم إنى اتخذ ... ت له الأسى والحزن زادا «١» سبحان من قسم الأسى ... بين الأحبّة والبعادا وأعار للأجفان حسنا ... تسترقّ به العبادا وقال: عقرب الصّدغ فوق تفّاحة الخدّ ... نعيم مطرّز بعذاب وسيوف اللحاظ فى كلّ حين ... مانعات جنى الثنايا العذاب «٢» وعيون الوشاة يفسدن بالرّقبة ... والمنع رؤية الأحباب «٣»

стр. 795

فمتى يشتفى المحبّ وتطفى ... بالتدانى حرارة الإكتئاب وقال: ترى عذاريه قد قاما بمعذرتى ... عند العذول فيغدو وهو يعذرنى ريم كأنّ له فى كل جارحة ... عقدا من الحسن أو نوعا من الفتن كأنّ جوهره من لطفه عرض ... فليس تحويه إلا أعين الفطن والله ما فتنت عينى محاسنه ... إلا وقد سحرت ألفاظه أذنى ما تصدر العين عنه لحظها مللا ... لأنه كلّ شخص مرتضى حسن يا منتهى أملى لا تدن لى أجلى ... ولا تعذّب ظنونى فيك بالظنن إن كان وجهك وجها صيغ من قمر ... فإن قدّك قدّ قدّ من غصن وقال: ألا يا نسيم الريح عرّج مسلّما ... على ذلك الشخص البعيد المودّع وهبّ على من شفّ جسمى بعاده ... سموما بما استمليت من نار أضلعى «١» فإن قال: ما هذا الحرور؟ فقل له: ... تنفّس مشتاق بحبّك موجع ومختار شعره كثير، وقد تفرّق منه قطعة كافية فى أعراض الكتاب. [عود إلى وصف النجوم] رجع ما انقطع قال الصاحب أبو القاسم إسمعيل بن عبّاد: لقد رحلت سعدى فهل لك مسعد؟ ... وقد أنجدت دارا فهل أنت منجد؟ رعيت بطرفى النجم لما رأيتها ... تباعد بعد النّجم بل هى أبعد تنير الثريّا وهى قرط مسلسل ... ويشغل منها الطرف درّ مبدّد «٢» وتعترض الجوزاء وهى ككاعب ... تميّل من سكر بها وتميّد «٣»

стр. 796

وتحسبها طورا أسير جناية ... ترشّح بعد المشى وهو مقيّد ولاح سهيل وهو للصّبح راقب ... كما سلّ من غمد جراز مهنّد «١» أردّد طرفى فى النجوم كأنها ... دنانير لكنّ السماء زبرجد رأيت بها، والصبح ما حان ورده ... قناديل والخضراء صرح ممرّد «٢» وفيه لنا من مربط الشمس أشقر ... إذا ما جرى فالريح تكبو وتركد وقال أبو على الحاتمى: وليل أقمنا فيه نعمل كأسنا ... إلى أن بدا للصّبح فى الليل عسكر ونجم الثريا فى السماء كأنه ... على حلّة زرقاء جيب مدنّر «٣» البحترى: ولقد سريت مع الكواكب راكبا ... أعجازها بعزيمة كالكوكب والليل فى لون الغراب كأنه ... هو فى حلوكته وإن لم ينعب والعيس تنصل من دجاه كما انجلى ... صبغ الخضاب عن القذال الأشيب حتى تبدّى الفجر من جنباته ... كالماء يلمع من خلال الطّحلب وقال الأمير أبو الفضل الميكالى. أهلا بفجر قد نضى ثوب الدّجى ... كالسيف جرّد من سواد قراب «٤» أو غادة شقّت صدارا أزرقا ... ما بين ثغرتها إلى الأتراب «٥» وقال رجل من بنى الحارث بن كعب يصف الشمس: مخبأة أمّا إذا الليل جنّها ... فتخفى وأمّا بالنهار فتظهر إذا انشقّ عنها ساطع الفجر وانجلى ... دجى الليل وانجاب الحجاب المستّر وألبس عرض الأرض لونا كأنه ... على الأفق الشرقىّ ثوب معصفر تجلّت وفيها حين يبدو شعاعها ... ولم يعل للعين القصيرة منظر «٦»

стр. 797

عليها كردع الزعفران يشبّه ... شعاع تلالا فهو أبيض أصفر «١» فلما علت وابيضّ منها اصفرارها ... وجالت كما جال المنيح المشهّر «٢» وجللت الآفاق ضوءا ينيرها ... بحرّ لها وجه الصّحى تتسعّر «٣» ترى الظل يطوى حين تبدو وتارة ... تراه إذا زالت عن الأرض ينشر كما بدأت إذ أشرقت فى مغيبها ... تعود كما عاد الكبير المعمّر وتدنف حتى ما يكاد شعاعها ... يبين إذا ولّت لمن يتبصّر فأفنت قرونا وهى فى ذاك لم تزل ... تموت وتحيا كلّ يوم وتنشر [أجمل ما قال العرب] وقال عبد الملك بن مروان لبعض جلسائه يوما: ما أحكم أربعة أبيات قالتها العرب فى الجاهلية؟ فأنشده: منع البقاء تقلّب الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسى وطلوعها بيضاء صافية ... وغيوبها صفراء كالورس تجرى على كبد السماء كما ... يجرى حمام الموت فى النّفس اليوم تعلم ما يجىء به ... ومضى بفصل قضائه أمس قال: أحسنت، فأخبرنى بأمدح بيت قالته العرب فى الشجاعة، قال: قول كعب بن مالك الأنصارى: نصل السيوف إذا قصرن بخطونا ... قدما، ونلحقها إذا لم تلحق قال: فأخبرنى بأفضل بيت قيل فى الجود، فأنشده لحاتم طيىء:

стр. 798

أماوىّ ما يغنى الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر ترى أن ما أبقيت لم أك ربّه ... وأن يدى مما بخلت به صفر ألم تر أنّ المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر غنينا زمانا بالتّصعلك والغنى ... فكلّا سقاناه بكأ سيهما الدّهر فما زادنا بغيا على ذى قرابة ... غنانا، ولا أزرى بأحسابنا الفقر قال: فأخبرنى عن أحسن الناس وصفا، قال: الذى «١» يقول: كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى والذى يقول: كأنّ عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذى لم يثقّب والذى يقول: وتعرف فيه من أبيه شمائلا ... ومن خاله ومن يزيد ومن حجر سماحة ذا، مع برّذا، ووفاء ذا ... ونائل ذا إذا صحا وإذا سكر يريد امرأ القيس. ومن ألفاظ أهل العصر فى طلوع الشمس وغروبها ومتوع النهار «٢» وانتصافه، وابتدائه، وانتهائه بدا حاجب الشمس، ولمعت فى أجنحة الطير، وكشفت قناعها، ونثرت شعاعها، وارتفع سرادقها، وأضاءت مشارقها، وانتشر جناح الضوء فى أفق الجو. طنّب شعاع الشمس فى الآفاق، وذهّبت أطراف الجدران. أينع النهار «٣» وارتفع. استوى شباب النهار، وعلا رونق الضحى، وبلغت الشمس كبد السماء

стр. 799

انتعل كل شىء ظلّه، وقام قائم الهاجرة، ورمت الشمس بجمرات الظهر. اصفرّت غلالة الشمس، وصارت كأنها الدينار يلمع فى قرار الماء، ونفضت تبرا على الأصيل، وشدّت رحلها للرحيل، وتصوّبت الشمس للمغيب، وتضيّفت للغروب «١» فأذن جنبها للوجوب «٢» . شاب النهار، وأقبل شباب الليل، ووقفت الشمس للعيان، وشافه الليل لسان النهار. الشمس قد أشرقت بروجها، وجنحت للغروب، وشافهت درج الوجوب. الجوّ فى أطمار منهجة من أصائله «٣» ، وشفوف مورّسة من غلائله. استتر وجه الشمس بالنّقاب، وتوارت بالحجاب. كان هذا الأمر من مطلع الفلق، إلى مجتمع الغسق. فلان يركب فى مقدمة الصّبح، ويرجع فى ساقة الشفق، ومن حين تفتح الشمس جفنها، إلى أن تغمض طرفها، ومن حين تسكن الطير أوكارها، إلى حين ينزل السّراة من أكوارها مقامة لأبى الفتح الإسكندرى من إنشاء البديع، اتصلت بذكر الليل والنهار قال عيسى بن هشام: كنت وأنا فتىّ السنّ أشدّ رحلى لكلّ عماية، وأركض طرفى لكل غواية، حتى شربت من العمر سائغه، ولبست من الدهر سابغه، فلمّا صاح النهار بجانب ليلى، وجمعت للمعاد ذيلى، وطئت ظهر المروضة، لأداء المفروضة، وصحبنى فى الطريق رجل لم أنكره من سوء، فلما تخالينا، وحين تجالينا، سفرت القصّة عن أصل كوفىّ، ومذهب صوفىّ، وسرنا فلما حللنا الكوفة ملنا إلى داره [ودخلناها] وقد بقل وجه النهار، واخضرّ جانبه، ولما اغتمض جفن الليل وطرّشار به قرع علينا الباب، فقلنا: من القارع المنتاب؟ فقال: وفد الليل وبريده، وفلّ الجوع وطريده، وأسير

стр. 800

الضّر، والزمن المرّ، وضيف وطؤه خفيف، وضالّته رغيف، وجار يستعدى على الجوع، والجيب المرقوع، وغريب أوقدت النار على سفره، ونبح العوّاء فى أثره «١» ، ونبذت خلفه الحصيّات، وكنست بعده العرصات، فنضوه طليح، وعيشه تبريح «٢» ، ومن دون أفراخه مهامه فيح «٣» . قال عيسى بن هشام: فقبضت من كيسى قبضة الليث وبعثتها إليه، وقلت زدنا سؤالا نزدك نوالا، فقال: ما عرض عرف العود، على أحرّ من نار الجود، ولا لقى وفد البرّ، بأحسن من بريد الشكر، ومن ملك الفضل فليواس، فلا يذهب العرف بين الله والناس، وأما أنت فحقّق الله أملك، وجعل اليد العليا لك. قال عيسى بن هشام: ففتحنا الباب، فإذا شيخنا أبو الفتح الإسكندرى، فقلنا: يا أبا الفتح، شدّ ما بلغت بك الخصاصة، وهذا الزىّ خاصة! فتبسم وأنشأ يقولى: لا يغرنّك الذى ... أنا فيه من الطلب أنا فى بردة تشقّ ... لها بردة الطّرب أنا لو شئت لاتّخذ ... ت شقاقا من الذهب [من رسائل البديع] وكتب البديع إلى بعض إخوانه: غضب العاشق أقصر عمرا من أن ينتظر عذرا، وإن كان فى الظاهر مهابة سيف، إنه فى الباطن سحابة صيف، وقد رابنى إعراضه صفحا، أفجدّا قصد أم مزحا، ولو التبس القلبان حقّ التباسهما ما وجد الشيطان بينهما مساغا، ولا والله لا أريك ردّا، أجد منه بدّا، وإن محبة تحتمل شكّا لأجدر محبة، ألّا تشترى بحبّة، وإن كان

стр. 801

قصد مزحا فما أغنانا عن مزح يحلّ عقد الفؤاد [حتى نقف على المراد، ولا تسعنا إلا العافية] والسلام. وله إليه: المودّة- أعزّك الله- غيب، وهو فى مكان من الصّدر، لا ينفذه بصر، ولا يدركه نظر، ولكنها تعرف ضرورة، وإن لم تظهر صورة، ويدركها الناس، وإن لم تدركها الحواسّ، ويستملى المرء صحيفتها من صدره، ويعلم حال غيره من نفسه، ويعلم أنها حبّ وراء القلب، وقلب وراء الخلب «١» ، وخلب وراء العظم، وعظم وراء اللحم، ولحم وراء الجلد، وجلد وراء البرد، وبرد [وراء البعد] . ولو كانت هذه الحجب قوارير لم ينفذها نظر، فيستدلّ عليها بغير هذه الحاسّة بدليل إلّا أن أزوره، والله لو التبست به التباسا، يجعل رأسينا رأسا، مازدته ودّا، ولو حال بينى وبينه سور الأعراف، ورمل الأحقاف، ما نقصته حقا. وقال الأمير أبو الفضل الميكالى: وغزال منخته ظاهر الودّ ... فجازى بالصدّ والإنتحاب لم ألمه إن ردّنى لحجاب ... ردّنى واله الفؤاد لما بى «٢» هو روح وليس ينكر للرّو ... ح توار عن الورى بحجاب وللبديع إلى أخيه: كتابى أطال الله بقاءك، ونحن وإن بعدت الدار فرعا نبعة، فلا يجنينّ بعدى على قربك، ولا تمحونّ ذكرى من قلبك، فالأخوان، وإن كان أحدهما بخراسان والآخر بالحجاز، مجتمعان على الحقيقة مفترقان على المجاز، والاثنان، فى

стр. 802

المعنى واحد وفى اللفظ اثنان، وما بينى وبينك إلا ستر، طوله فتر، وإن صاحبنى رفيق، اسمه توفيق، لنلتقينّ سريعا ولنسعدنّ جميعا، والله ولىّ المأمول. وكتب أبو الفضل بن العميد إلى بعض إخوانه: قد قرب- أيدك الله- محلّك على تراخيه، وتصاقب مستقرّك على تنائيه؛ لأنّ الشوق يمثّلك، والذكر يخيّلك؛ فنحن فى الظاهر على افتراق، وفى الباطن على تلاق، وفى التسمية متباينون، وفى المعنى متواصلون، وإن تفارقت الأشباح، لقد تعانقت الأرواح. جملة من كلام ابن المعتز فى الفصول القصار الدهر سريع الوثبة، شنيع العثرة. أهل الدنيا كركب يسار بهم وهم نيام. والناس وفد البلى، وسكأن الثّرى، وأقران الرّدى. المرء نصب الحوادث وأسير الاغترار. الآمال حصائد «١» الرجال. الحرص ينقص المرء من قدره، ولا يزيد فى رزقه. الكذب والحسد والنفاق أثافىّ الذلّ. النّمام جسر الشر. الحاسد اسمه صديق ومعناه عدوّ الحاسد ساخط على القدر، مغتاظ على من لا ذنب له، بخيل بما لا يملكه، يشفيك [منه] أنه يغتمّ فى وقت سرورك. الفرصة سريعة الفوت بطيئة العود. الصبر من ذى المصيبة مصيبة على ذوى الشّمات. التواضع سلّم الشرف، والجود صوان العرض من الذم. الغدر قاطع. [الأسرار] إذا كثر «٢» خزّانها ازدادت ضياعا السوء كشجرة النار يحرق بعضها بعضا. عبد الشهوة أذلّ من عبد الرقّ. وعاء الخطأ بالصّمت يختم، والخرق بالرفق يلحم. الوعد مرض المعروف، والإنجاز برؤه، والمطل تلفه. إذا حضر الأجل، افتضح

стр. 803

الأمل. لاتشن وجه العفو بالتقريع. لا تنكح خاطب سرّك. ومن زاد أدبه على عقله كان كالراعى الضعيف مع شاء كثيرة. قال أبو العباس الناشىء لأبى سهل بن نوبخت: زعمت أبا سهل بأنك جامع ... ضروبا من الآداب يجمعها الكهل وهبك تقول الحقّ أى فضيلة ... تكون لذى علم وليس له عقل والهمّ حبس الروح. قلوب العقلاء حصون الأسرار. من كرمت عليه نفسه هان عليه ماله. من جرى فى عنان أمله، عثر بأجله. ما كلّ من [يحسن] وعده يحسن إنجازه. ربما أورد الطمع ولم يصدر، وضمن ولم يوف. وربما شرق شارب الماء قبل ريّه. من تجاوز الكفاف لم يقنعه إكثار. كلما عظم قدر المنافس فيه عظمت الفجيعة بفقده، ومن أرحله الحرص أنضاه الطلب. الأمانىّ تعمى أعين البصائر، والحظّ يأتى من لم يؤمه. وربما كان الطمع وعاء حشوه المتالف، وسائقا يدعو إلى الندامة. ما أحلى تلقّى البغية، وأمرّ عاقبة الفراق. من لم يتأمّل الأمر بعين عقله، لم تقع حيلته إلّا على مقاتله. [رثاء المعتضد، وتعزيته] وقال أبو العباس يرثى المعتضد: قضوا ما قضوا من أمرهم ثم قدّموا ... إماما إمام الخلق بين يديه «١» وصلوا عليه خاشعين كأنهم ... صفوف قيام للسلام عليه وقال يرثيه: قالت شريرة ما لجفنك ساهرا ... قلقا، وقد هدأت عيون النّوم «٢» ما قد رأيت من الزمان أحلّ بى ... هذا، وتحت الصّدر ما لم تعلمى

стр. 804

يا نفس صبرا للزمان وريبه ... فهو الملىء بما كرهت فسلمى إنّ الذى حاز الفضائل كلّها ... هو ذاك فى قعر الضريح المظلم أما السيوف فمن صنائع بأسه ... لولاه لم يروين من سفك الدّم وكأنّ أحداث الزمان عبيده ... فمتى يؤخّرهن لا تستقدم يقظان من سنة المضيّع قلبه ... ومعوّل للمعول المتظلّم يرعى الضغائن قبل ساعة فرصة ... فإذا رآها أمكنت لم يحجم كم فرصة تركت فصارت غصّة ... تشجى بطول تلهّف وتندّم ولرب كيد ظلّ يسجد بعدها ... فى بشر وجه مطلق متجهّم وهى المنايا إن رمين بنبلها ... يرمين فى نفس الأجلّ الأعظم لله درّك أى ليث كتيبة ... والخيل تعثر بالقنا المتحطّم ولقد عمرت ولا حريم معاند ... حرم ولا الإسلام بالمستسلم وقال للمعتضد يعزّيه بابنه هرون: يا ناصر الدين إذ هدّت قواعده ... وأصدق الناس فى بؤسى وإنعام وقائد الخيل مذ شدّت مآزره ... مذلّلات بإسراج وإلجام كأنهن قنا ليست لها عقد ... يهزّها الزّجر فى كر وإقدام قبّ كطىّ ثياب العصب مضمرة ... تقرّب النار بين البيض والهام «١» وسائس الملك يرعاه ويكلؤه ... إذا حلا الغمض فى أجفان نوّام تمرى أنامله الدنيا لصاحبها ... ونصله من عداه قاطر دامى «٢» كالسّهم يبعثه الرّامى فصفحته ... تلقّى الرّدى دونه، والفوق للرامى «٣» لا يشتكى الدّهر إن خطب ألمّ به ... إلّا إلى صعدة أوحدّ صمصام «٤» صبرا، فديناك إنّ الصبر عادتنا ... وإن طوينا على حزن وتهيام

стр. 805

فبادر الاجر نحو الصّبر محتسبا ... إنّ الجزوع صبور بعد أيام ولما ماتت دريدة «١» ، وهى جارية [المعتضد، و] كانت مكينة عنده، جزع عليها جزعا شديدا، فقال له عبيد الله بن سليمان: مثلك يا أمير المؤمنين تهون عليه المصائب؛ لأنّك تجد من كل فقيد خلفا، وتنال جميع ما تريد من العوض، والعوض لا يوجد منك، فلا ابتلى الله الإسلام بفقدك، وعمره بطول بقاء عمرك، وكأن الشاعر عنى أمير المؤمنين بقوله: يبكى علينا ولا نبكى على أحد ... لنحن أغلظ أكبادا من الإبل فضحك المعتضد وتسلّى وعاد إلى عادته. قال محمد بن داود الجراح: فلقينى عبيد الله فأخبرنى بذلك، وقال: أردت شعرا فى معنى البيت الذى أنشدته فما وجدته؛ فقلت له قد قال البطين البجلى: طوى الموت ما بينى وبين أحبّة ... بهم كنت أعطى من أشاء وأمنع فلا يحسب الواشون أنّ قناتنا ... تلين، ولا أنّا من الموت نجزع ولكنّ للألّاف- لابدّ- لوعة ... إذا جعلت أقرانها تتطلّع «٢» فكتبه، وقال: وحفظته لما عدلت عنه. من شعر ابن المعتز وقال ابن المعتز، وذكر الموتى: وسكّان دار لا تزاور بينهم ... على قرب بعض فى المحلة من بعض كأنّ خواتيما من الطين فوقهم ... فليس لها حتى القيامة من فضّ وقال يمدح عبيد الله بن سليمان:

стр. 806

أيا موصل النّعمى على كلّ حالة ... إلىّ قريبا كنت أو نازح الدّار كما يلحق الغيث البلاد بسيله ... وإن جاد فى أرض سواها بإمطار ويا مقبلا والدّهر عنى معرض ... يقسّم لحمى بين ناب وأظفار ويا من يرانى حيث كنت بقلبه ... وكم من أناس لا يرون بأبصار لقد رمت بى آمال نفسى كلها ... فيا لهف نفسى لو أعنت بمقدار ذكرت منى سمع الإمام وعينه ... ورفّعت نارى كى يرى ضوءها السارى وكم نعمة لله فى صرف نقمة ... ترجّى ومكروه حلا بعد إمرار وما كلّ ما تهوى النفوس بنافع ... ولا كلّ ما تخشى النفوس بضرّار قوله: كما يلحق الغيث البلاد بسيله ... مأخوذ من قول بهشل بن حرى وقد بعث إليه كثير بن الصّلت كسوة ومالا من المدينة: جزى الله خيرا والجزاء بكفّه ... بنى الصّلت إخوان السماحة والمجد أتانى وأهلى بالعراق نداهم ... كما انقضّ سيل من تهامة أو بحد وقال ابن المولى: سررت بجعفر إذ حلّ أرضى ... كما سر المسافر بالإياب كممطور ببلدته فأضحى ... غنيّا عن مطالعة السّحاب وبعث عبد الله بن طاهر إلى أبى الجنوب بن أبى حفصة وهو ببغداد عشرين ألف درهم فقال: لعمرى لنعم الغيث غيث أصابنا ... ببغداد من أرض الجزيرة وابله «١» ونعم الفتى والبيد بينى وبينه ... بعشرين ألفا صبّختنى رسائله «٢»

стр. 807

فكنّا كحىّ صبّح الغيث أهله ... ولم تنتجع أظعانه وحمائله أتى جود عبد الله حتى كفت به ... رواحلنا سير الفلاة رواحله [أبو شجاع] وكانت بنو كلاب ومن والاها من العرب بنواحى الكوفه تجمّعوا وعزموا على أخذ الكوفة سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، فبعث أبو شجاع عضد الدولة دنير «١» ابن لشكروز فأصلحهما، وكان أبو الطيب المتنبّى بها فوصله وبعث إليه خلعا وقاد إليه فرسا بسرج ثقيل، فقال فى قصيدة: فلو لم يسر سرنا إليه بأنفس ... غرائب يؤثرن الجياد على الأهل وما أنا ممن يدّعى الشّوق قلبه ... ويعتلّ فى ترك الزيارة بالشغل ولكن رأيت الفضل فى القصد شركة ... فكان لك الفضلان فى القصد والفضل وليس الذى يتّبّع الوبل رائدا ... كمن جاءه فى داره رائد الوبل [الموفق العباسى] وكان ابن المعتزّ يمدح أبا أحمد بن المتوكل، ويلقّب بالناصر والموفّق، وكانت حاله ترامت فى أيام المعتضد إلى غاية لم يبلغها الخليفة، وقد ذكرها الصولى فى قصيدة [لصاحب المغرب] ، فقال وقد اقتصّ خلفاء بنى العباس من أوّلهم: ومعتضد من بعده وموفّق ... يردّد من إرث الخلافة ما ذهب مواز لهم فى كل فضل وسؤدد ... وإن لم يكن فى العدّ منهم لمن حسب «٢» وقال المعتضد، أو قيل على لسانه، لما غلب الموفّق على أمره: أليس من العجائب أنّ مثلى ... يرى ما هان ممتنعا عليه وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا ... وما من ذاك شىء فى يديه وشعر ابن المعتز فيه:

стр. 808

إليك امتطينا العيس تنفخ فى البرى ... وللصّبح طرف بالظلام كحيل صدين من التّهجير حتى كأنها ... سيوف جلاها الصّقل فهى تحول فبتنا ضيوفا للفلاة قراهم ... عنيق ونصّ دائم وذميل «١» يهزّ برود العصب فوق متونها ... نسيم كنفث الراقيات عليل ولما طغى أمر الدّعىّ رميته ... بعزم يردّ العضب وهو فليل «٢» وجرّد من أغماده كل مرهف ... إذا ما انتضته الكفّ كاد يسيل جرى فوق متنيه الفرند كأنما ... تنفّس فيه القين وهو صقيل وأعلمته كيف التصافح بالقنا ... وكيف تروّى البيض وهى محول سريع إلى الأعداء، أما جنابه ... فماض، وأمّا وجهه فجميل وبقرى السؤال العذر من بعد ماله ... ويستصغر المعروف حين ينيل أخذ معنى قوله: «نسيم كنفث الراقيات عليل» عبد الكريم بن إبراهيم، فقال: سلام على طيب روحاتنا ... إلى القصر والنّهر الخضرم «٣» إلى مزبد الموج طامى العبا ... ب يقذف بالبان والساسم «٤» تخال به قطما مقرما ... يكرّ على قطم مقرم ويسجو فيسحب فى ذائل ... يمان تسهّم بالأنجم كأن الشمال على وجهه ... بها سقم وهى لم تسقم ضعيفة رشّ كنفث الرّقى ... على كبد المدنف المغرم إذا درجت فوقه درجته ... فى حبك الزّرد المحكم وقد جللته بأوراقها ... فروع غذتها نطاف السّم علتها الحمام بتغريدها ... كما سجع النّوح فى مأتم

стр. 809

كأنّ شعاع الضحى بينها ... على السوسن الغضّ والخرّم وشائع من ذهب سائل ... على خسروانيّة نعّم ربا تتفقّأ من فوقها ... عزالى الربيع لها اسرهم «١» على كل محبية خلة ... تسدّى على جدول مفعم كما فتل الوقف صوّاغه ... وكالأرقم انساب للأرقم [صاحب الزنج] وقول ابن المعتز «ولما طغا أمر الدعىّ» يريد صاحب الزنج بالبصرة، وكانت شوكته قد اشتدّت وظفر به بعد مواقعة كثيرة، وفى ذلك يقول ابن الرومى فى قصيدة طويلة جدا يمدح فيها أبا أحمد [الموفق بن المتوكل، وصاعد بن خالد، والعلاء بن صاعد ابنه، وهى من أجود شعره، فقال] : أبا أحمد أبليت أمّه أحمد ... بلاء سيرضاه ابن عمّك أحمد حصرت عميد الزنج حتى تخاذلت ... قواه، وأودى زاده المتزوّد «٢» فظلّ، ولم تقتله، يلفظ نفسه ... وظلّ، ولم تأسره، وهو مقيّد وكانت نواحيه كثافا فلم تزل ... تحيّفها شحذا كأنك مبرد «٣» تفرّق عنه بالمكايد جنده ... ويزدادهم جندا وجندك محصد «٤» ولا بس سيف القرن بعد استلابه ... أضرّ له من كاسديه وأكيد فما رمته حتى استقلّ برأسه ... مكان قناة الظهر أسمر أجرد [هذا مأخود من قول مسلم بن الوليد: ورأس مهراق قد ركبت قلّته ... لدنا يقوم مقام الليت والجيد] ولم تأل إنذارا له غير أنه ... رأى أنّ متن البحر صرح ممرّد سكنت سكونا كان رهنا بوثبة ... عماس، كذاك الليث للوثب يلبد «٥» هذا مأخوذ من قول النابغة:

стр. 810

وقلت يا قوم إن الليث منقبض ... على براثنه للوثبة الضارى ويقول فى مدح صاعد: يقرّظ إلا أنّ ما قيل دونه ... ويوصف إلا أنه لا يحدّد «١» أرقّ من الماء الذى فى حسامه ... طباعا، وأمضى من شباه وأنجد له سورة مكتنّة فى سكينة ... كما اكتنّ فى الغمد الجراز المهند كأنّ أباه حين سمّاه صاعدا ... رأى كيف يرقى فى المعالى ويصعد [لما سمع البحترى هذا البيت قال: منى أخذه، فى قوله فى العلاء بن صاعد] : سمّاه أسرته العلاء وإنما ... قصدوا بذلك أن يتمّ علاه وهذا فى قوله، كما قال [ابن] المرزبان وقد أنشد لابن المعتز فى مناقضة الطالبيين: دعوا الأسد تسكن فى غابها ... ولا تدخلوا بين أنيابها فنحن ورثنا ثياب النبى ... فلم تجذبون بهدّابها [قال:] قد أخذه من [قول] بعض العباسيين: دعوا الأسد تسكن أغيالها ... ولا تقربوها وأشبالها ولكنه سرق ساجا، وردّ عاجا، وغلّ قطيفة، وردّ ديباجا. ومن قصيدة ابن الرومى: تراه على الحرب العوان بمنزل ... وآثاره فيها، وإن غاب، شهّد كما احتجب المقدار والحكم حكمه ... على الخلق طرّا ليس عنه معرّد «٢» البحترى: ولى الأمور بنفسه، ومحلّها ... متقارب، ومرامها متباعد «٣»
следующие страницы →