Полный текст (1 141 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
أيا موصل النّعمى على كلّ حالة ... إلىّ قريبا كنت أو نازح الدّار
كما يلحق الغيث البلاد بسيله ... وإن جاد فى أرض سواها بإمطار
ويا مقبلا والدّهر عنى معرض ... يقسّم لحمى بين ناب وأظفار
ويا من يرانى حيث كنت بقلبه ... وكم من أناس لا يرون بأبصار
لقد رمت بى آمال نفسى كلها ... فيا لهف نفسى لو أعنت بمقدار
ذكرت منى سمع الإمام وعينه ... ورفّعت نارى كى يرى ضوءها السارى
وكم نعمة لله فى صرف نقمة ... ترجّى ومكروه حلا بعد إمرار
وما كلّ ما تهوى النفوس بنافع ... ولا كلّ ما تخشى النفوس بضرّار
قوله:
كما يلحق الغيث البلاد بسيله ... مأخوذ من قول بهشل بن حرى
وقد بعث إليه كثير بن الصّلت كسوة ومالا من المدينة:
جزى الله خيرا والجزاء بكفّه ... بنى الصّلت إخوان السماحة والمجد
أتانى وأهلى بالعراق نداهم ... كما انقضّ سيل من تهامة أو بحد
وقال ابن المولى:
سررت بجعفر إذ حلّ أرضى ... كما سر المسافر بالإياب
كممطور ببلدته فأضحى ... غنيّا عن مطالعة السّحاب
وبعث عبد الله بن طاهر إلى أبى الجنوب بن أبى حفصة وهو ببغداد عشرين ألف درهم فقال:
لعمرى لنعم الغيث غيث أصابنا ... ببغداد من أرض الجزيرة وابله «١»
ونعم الفتى والبيد بينى وبينه ... بعشرين ألفا صبّختنى رسائله «٢»
стр. 807
فكنّا كحىّ صبّح الغيث أهله ... ولم تنتجع أظعانه وحمائله
أتى جود عبد الله حتى كفت به ... رواحلنا سير الفلاة رواحله
[أبو شجاع]
وكانت بنو كلاب ومن والاها من العرب بنواحى الكوفه تجمّعوا وعزموا على أخذ الكوفة سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، فبعث أبو شجاع عضد الدولة دنير «١» ابن لشكروز فأصلحهما، وكان أبو الطيب المتنبّى بها فوصله وبعث إليه خلعا وقاد إليه فرسا بسرج ثقيل، فقال فى قصيدة:
فلو لم يسر سرنا إليه بأنفس ... غرائب يؤثرن الجياد على الأهل
وما أنا ممن يدّعى الشّوق قلبه ... ويعتلّ فى ترك الزيارة بالشغل
ولكن رأيت الفضل فى القصد شركة ... فكان لك الفضلان فى القصد والفضل
وليس الذى يتّبّع الوبل رائدا ... كمن جاءه فى داره رائد الوبل
[الموفق العباسى]
وكان ابن المعتزّ يمدح أبا أحمد بن المتوكل، ويلقّب بالناصر والموفّق، وكانت حاله ترامت فى أيام المعتضد إلى غاية لم يبلغها الخليفة، وقد ذكرها الصولى فى قصيدة [لصاحب المغرب] ، فقال وقد اقتصّ خلفاء بنى العباس من أوّلهم:
ومعتضد من بعده وموفّق ... يردّد من إرث الخلافة ما ذهب
مواز لهم فى كل فضل وسؤدد ... وإن لم يكن فى العدّ منهم لمن حسب «٢»
وقال المعتضد، أو قيل على لسانه، لما غلب الموفّق على أمره:
أليس من العجائب أنّ مثلى ... يرى ما هان ممتنعا عليه
وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا ... وما من ذاك شىء فى يديه
وشعر ابن المعتز فيه:
стр. 808
إليك امتطينا العيس تنفخ فى البرى ... وللصّبح طرف بالظلام كحيل
صدين من التّهجير حتى كأنها ... سيوف جلاها الصّقل فهى تحول
فبتنا ضيوفا للفلاة قراهم ... عنيق ونصّ دائم وذميل «١»
يهزّ برود العصب فوق متونها ... نسيم كنفث الراقيات عليل
ولما طغى أمر الدّعىّ رميته ... بعزم يردّ العضب وهو فليل «٢»
وجرّد من أغماده كل مرهف ... إذا ما انتضته الكفّ كاد يسيل
جرى فوق متنيه الفرند كأنما ... تنفّس فيه القين وهو صقيل
وأعلمته كيف التصافح بالقنا ... وكيف تروّى البيض وهى محول
سريع إلى الأعداء، أما جنابه ... فماض، وأمّا وجهه فجميل
وبقرى السؤال العذر من بعد ماله ... ويستصغر المعروف حين ينيل
أخذ معنى قوله: «نسيم كنفث الراقيات عليل» عبد الكريم بن إبراهيم، فقال:
سلام على طيب روحاتنا ... إلى القصر والنّهر الخضرم «٣»
إلى مزبد الموج طامى العبا ... ب يقذف بالبان والساسم «٤»
تخال به قطما مقرما ... يكرّ على قطم مقرم
ويسجو فيسحب فى ذائل ... يمان تسهّم بالأنجم
كأن الشمال على وجهه ... بها سقم وهى لم تسقم
ضعيفة رشّ كنفث الرّقى ... على كبد المدنف المغرم
إذا درجت فوقه درجته ... فى حبك الزّرد المحكم
وقد جللته بأوراقها ... فروع غذتها نطاف السّم
علتها الحمام بتغريدها ... كما سجع النّوح فى مأتم
стр. 809
كأنّ شعاع الضحى بينها ... على السوسن الغضّ والخرّم
وشائع من ذهب سائل ... على خسروانيّة نعّم
ربا تتفقّأ من فوقها ... عزالى الربيع لها اسرهم «١»
على كل محبية خلة ... تسدّى على جدول مفعم
كما فتل الوقف صوّاغه ... وكالأرقم انساب للأرقم
[صاحب الزنج]
وقول ابن المعتز «ولما طغا أمر الدعىّ» يريد صاحب الزنج بالبصرة، وكانت شوكته قد اشتدّت وظفر به بعد مواقعة كثيرة، وفى ذلك يقول ابن الرومى فى قصيدة طويلة جدا يمدح فيها أبا أحمد [الموفق بن المتوكل، وصاعد بن خالد، والعلاء بن صاعد ابنه، وهى من أجود شعره، فقال] :
أبا أحمد أبليت أمّه أحمد ... بلاء سيرضاه ابن عمّك أحمد
حصرت عميد الزنج حتى تخاذلت ... قواه، وأودى زاده المتزوّد «٢»
فظلّ، ولم تقتله، يلفظ نفسه ... وظلّ، ولم تأسره، وهو مقيّد
وكانت نواحيه كثافا فلم تزل ... تحيّفها شحذا كأنك مبرد «٣»
تفرّق عنه بالمكايد جنده ... ويزدادهم جندا وجندك محصد «٤»
ولا بس سيف القرن بعد استلابه ... أضرّ له من كاسديه وأكيد
فما رمته حتى استقلّ برأسه ... مكان قناة الظهر أسمر أجرد
[هذا مأخود من قول مسلم بن الوليد:
ورأس مهراق قد ركبت قلّته ... لدنا يقوم مقام الليت والجيد]
ولم تأل إنذارا له غير أنه ... رأى أنّ متن البحر صرح ممرّد
سكنت سكونا كان رهنا بوثبة ... عماس، كذاك الليث للوثب يلبد «٥»
هذا مأخوذ من قول النابغة:
стр. 810
وقلت يا قوم إن الليث منقبض ... على براثنه للوثبة الضارى
ويقول فى مدح صاعد:
يقرّظ إلا أنّ ما قيل دونه ... ويوصف إلا أنه لا يحدّد «١»
أرقّ من الماء الذى فى حسامه ... طباعا، وأمضى من شباه وأنجد
له سورة مكتنّة فى سكينة ... كما اكتنّ فى الغمد الجراز المهند
كأنّ أباه حين سمّاه صاعدا ... رأى كيف يرقى فى المعالى ويصعد
[لما سمع البحترى هذا البيت قال: منى أخذه، فى قوله فى العلاء بن صاعد] :
سمّاه أسرته العلاء وإنما ... قصدوا بذلك أن يتمّ علاه
وهذا فى قوله، كما قال [ابن] المرزبان وقد أنشد لابن المعتز فى مناقضة الطالبيين:
دعوا الأسد تسكن فى غابها ... ولا تدخلوا بين أنيابها
فنحن ورثنا ثياب النبى ... فلم تجذبون بهدّابها
[قال:] قد أخذه من [قول] بعض العباسيين:
دعوا الأسد تسكن أغيالها ... ولا تقربوها وأشبالها
ولكنه سرق ساجا، وردّ عاجا، وغلّ قطيفة، وردّ ديباجا.
ومن قصيدة ابن الرومى:
تراه على الحرب العوان بمنزل ... وآثاره فيها، وإن غاب، شهّد
كما احتجب المقدار والحكم حكمه ... على الخلق طرّا ليس عنه معرّد «٢»
البحترى:
ولى الأمور بنفسه، ومحلّها ... متقارب، ومرامها متباعد «٣»
стр. 811
يتكفل الأدنى، ويدرك رأيه ال ... أقصى، ويتبعه الأبىّ العاند
إن غار فهو من النباهة منجد ... أو غاب فهو من المهابة شاهد
وقال أعرابى يصف رجلا: كان إذا ولّى لم يطابق بين جفونه، ويرسل العيون على عيونه؛ فهو غائب عنهم، شاهد معهم، والمحسن آمن، والمسىء خائف.
فتى روحه روح بسيط كيانه ... ومسكن ذاك الرّوح نور مجسّد
صفا ونفى عنه القذى فكأنه ... إذا ما استشفّته العقول مصعّد
كرمتم فجاش المفحمون بمدحكم ... إذا رجزوا فيكم أثبتم فقصّدوا
أرى من تعاطى ما بلغتم كرائم ... منال الثريّا وهو أكمه مقعد
كما أزهرت جنات عدن وأثمرت ... فأضحت وعجم الطير فيها لغرّد
وفى هذه القصيدة يقول:
لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأفسح مما كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهلّ كأنه ... بما سوف يلقى من رداها يهدّد
قال الصولى: افتتح ابن الرومى هذه القصيدة على ما لا يلزمه «١» من فتح ما قبل حرف الروى اقتدارا، فحمله ذلك على أن قال:
متاح له مقداره فكأنما ... نقوّض ثهلان عليه وصندد «٢»
ثهلان: اسم جبل، وهذا لا يصحّ، إنما هو صندد بكسر الدال؛ لأن فعللا لم يجىء إلا فى أربعة أحرف: درهم، وهجرع [للأحمق] ، وهبلع للذى يبلع كثيرا، وقلعم للذى يقلع الأشياء.
وقول ابن المعتز فى وصف السيف «٣» :
كأنما تنفّس فيه القين وهو صقيل
معنى بديع فى وصف الفرند، وقد قال:
стр. 812
ولى صارم فيه المنايا كوامن ... فما ينتضى إلا لسفك دماء
ترى فوق متنيه الفرند كأنه ... بقية غيم رقّ دون سماء
وقال أيضا إسحاق بن خلف:
ألقى بجانب خصره ... أمضى من الأجل المتاح
وكأنما ذرّ الهبا ... ء عليه أنفاس الرياح
ولما صار سيف عمرو بن معد يكرب الذى كان يسمّي الصمصامة إلى الهادى،- وكان عمرو وهبه لسعيد بن العاص، فتوارثه ولده إلى أن مات المهدى، فاشتراه موسى الهادى منهم بمال جليل، وكان أوسع بنى العباس كفّا، وأكثرهم عطاء- ودعا بالشعراء، وبين يديه مكتل فيه بدرة، فقال: قولوا فى هذا السيف؛ فبدر ابن يامين البصرى فقال:
حاز صمصامة الزّبيدى من بين ... جميع الأنام موسى الأمين
سيف عمرو وكان فيما سمعنا ... خير ما أغمدت عليه الجفون
أخضر اللون بين خديه برد ... من ذعاف يميس فيه المنون «١»
أوقدت فوقه الصواعق نارا ... ثم شابت فيه الذعاف القيون «٢»
فإذا ما سللته بهر الشمس ... ضياء فلم تكد تستبين
ما يبالى من انتضاه لحرب ... أشمال سطت به أو يمين
يستطير الأبصار كالقبس المش ... عل ما تستقرّ فيه العيون
وكأنّ الفرند والجوهر والجا ... رى على صفحتيه ماء معين
نعم مخراق ذى الحفيظة فى الهيجاء ... يعصى به ونعم القرين
قال موسى: أصبت ما فى نفسى، واستخفّه [الفرح] فأمر له بالمكتل والسيف؛ فلما خرج قال للشعراء: إنما حرمتم من أجلى، فشأنكم المكتل
стр. 813
وفى السيف غناى [فقام موسى] فاشترى منه السيف بمال جليل.
البحترى:
قد جدت بالطّرف الجواد فثنّه ... لأخيك من جدوى يديك بمنصل «١»
يتناول الرّوح البعيد مناله ... عفوا، ويفتح فى الفضاء المقفل
بإنارة فى كل حتف مظلم ... وهداية فى كل نفس مجهل
يغشى الوغى فالترس ليس بجنّة ... من حدّه، والدّرع ليس بمعقل
ماض وإن لم تمضه يد فارس ... بطل، ومصقول وإن لم يصقل
مصغ إلى حكم الردى فإذا مضى ... لم يلتفت، وإذا قضى لم يعدل
متوقّد يفرى بأوّل ضربة ... ما أدركت ولو أنّها فى يذبل «٢»
فكأن فارسه إذا استعصى به الزّ ... حفان يعصى بالسّماك الأعزل «٣»
فإذا أصاب فكل شىء مقتل ... وإذا أصيب فما له من مقتل
حملت حمائله القديمة بقلة ... من عهد عاد غضّة لم تذبل
وقال أبو القاسم بن هانى للمعز:
عجبا لمنصلك المقلّد كيف لم ... تسل النفوس عليك منه مسيلا
لم يخل جبّار الملوك بذكره ... إلا تشحّط فى الدماء قتيلا
فإذا رأيناه رأينا علّة ... للنيرات ونيّرا معلولا
بك حسنه منقلّدا وبهاؤه ... متنكّبا ومضاؤه مسلولا
فإذا غضبت علته دونك ربدة ... يغدو بها طرف الزمان كحيلا
وإذا طربت إلى الرّضا أهدى إلى ... شمس الظهيرة عارضا مصقولا
كتب الفرند عليه بعض صفاتكم ... فعرفت فيه التاج والإكليلا
стр. 814
وقال:
هل يدنينّى من فنائك سابح ... مرح وجائلة النّسوع أمون
ومهنّد فيه الفرند كأنه ... درّ له خلف الفرات كمين
غضب المضارب مقفرا من أعين ... لكنّه من أنفس مسكون
وأهدى الكندى إلى بعض إخوانه سيفا، فكتب إليه: «الحمد لله الذى خصّك بمنافع كمنافع ما أهديت، وجعلك تهتزّ للمكارم اهتزاز الصارم، وتمضى فى الأمور مضاء حدّه المأثور، وتصون عرضك بالإرفاد «١» ، كما تصان السيوف بالأغماد، ويطرد ماء الحياء فى صفحات خدّك المشوف، كما يشفّ الرونق فى صفائح السيوف، وتصقل شرفك بالعطيات، كما تصقل متون المشرفيّات.
[وفد الشام بين يدى المنصور]
قدم على أبى جعفر المنصور وفد من الشام بعد انهزام عبد الله بن على، وفيهم الحارث بن عبد الرحمن الغفارى، فتكلّم جماعة منهم، ثم قام الحارث فقال:
يا أمير المؤمنين؛ إنا لسنا وفد مباهاة، ولكنا وفد توبة استخفّت حليمنا؛ فنحن بما قدمنا معترفون، وبما سلف منّا معتذرون، فإن تعاقبنا فبما أجرمنا، وإن تعف عنا فطالما أحسنت إلى من أساء، فقال المنصور: أنت خطيب القوم، وردّ عليه ضياعه بالغوطة.
وقال رجل من أهل الشام للمنصور: يا أمير المؤمنين، من انتقم فقد شفى غيظه وانتصف، ومن عفا تفضّل، ومن أخذ حقّه لم يجب شكره ولم يذكر فضله، وكظم الغيظ حلم، والتشفّى طرف من الجزع، ولم يمدح أهل التقى والنهى من كان حليما بشدّة العقاب، ولكن بحسن الصفح والاغتفار وشدة التغافل،
стр. 815
وبعد فالمعاقب مستدع لعداوة أولياء المذنب، والعافى مسترع لشكرهم آمن من مكافأنهم، ولأن يثنى عليك باتّساع الصدر خير من أن توصف بضيقه، على أنّ إقالتك عثرات عباد الله موجب لإفالة عثرتك من ربّهم، وموصول بعفوه، وعقابك إياهم موصول بعقابه، قال الله : «خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين» .
[بعض ما قيل فى العفو]
وقال بعض الكتاب لرئيسه وقد عتب عليه: «إذا كنت لم ترض منى بالإساءة فلم رضيت من نفسك بالمكافأة» .
وأذنب رجل من بنى هاشم فقبضه المأمون، فقال: يا أمير المؤمنين، من حمل مثل دالّتى، «١» ولبس ثوب حرمتى، غفر له مثل زلّتى، قال: صدقت وعفا عنه.
ولما دخل بعض الكتاب على أمير بعد نكبة نالته فرأى من الأمير بعض الازدراء، فقال له: لا يضعنى عندك خمول النّبوة، وزوال الثروة؛ فإنّ السيف العتيق إذا مسّه كثير الصدإ استغنى بقليل الجلاء حتى يعود حدّه، ويظهر فرنده؛ ولم أصف نفسى عجبا، لكن شكرا. وقال ﷺ :
«أنا أشرف ولد آدم ولا فخر» ؛ فجهر بالشكر، وترك الاستطالة بالكبر.
[تميم بن جميل والمعتصم]
وكان تميم بن جميل السدوسى [قد أقام] بشاطىء الفرات، واجتمع إليه كثير من الأعراب، فعظم أمره، وبعد ذكره؛ فكتب المعتصم إلى مالك بن طوق فى النهوض إليه، فتبدّد جمعه، «٢» وظفر به فحمله موثقا «٣» إلى باب المعتصم، فقال أحمد بن أبى داود: ما رأيت رجلا عاين الموت، فماها له ولا شغله عما كان يجب عليه أن يفعله إلا تميم بن جميل؛ فإنه لما مثل بين يدى المعتصم وأحضر
стр. 816
السيف والنّطع، ووقف بينهما، تأمله المعتصم- وكان جميلا وسيما- فأحبّ أن يعلم أين لسانه من منظره، فقال: تكلم يا تميم، فقال:
أمّا إذ أذنت يا أمير المؤمنين فأنا أقول: الحمد لله الذى أحسن كلّ شىء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، [يا أمير المؤمنين:] جبر [الله] بك صدع الدّين، ولمّ بك شعث المسلمين، وأوضح بك سبل الحقّ، وأخمد بك شهاب الباطل؛ إن الذنوب تخرس الألسن الفصيحة، وتعيى الأفئدة الصحيحة، ولقد عظمت الجريرة، وانقطعت الحجّة وساء الظنّ، فلم يبق إلا عفوك وانتقامك، وأرجو أن يكون أقربهما منى وأسرعهما إلىّ أشبههما بك، وأولاهما بكرمك، ثم قال:
أرى الموت بين السيف والنّطع كامنا ... يلاحظنى من حيثما أتلفّت
وأكبر ظنّى أنك اليوم قاتلى ... وأىّ امرىء مما قضى الله يفلت
وأى امرىء يأتى بعذر وحجّة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت «١»
وما جزعى من أن أموت وإننى ... لأعلم أنّ الموت شىء موقّت «٢»
ولكنّ خلفى صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتّت
فإن عشت عاشوا سالمين بغبطة ... أذود الرّدى عنهم وإن متّ موّتوا
وكم قائل لا يبعد الله داره ... وآخر جذلان يسرّ ويشمت
فتبسّم المعتصم وقال: يا جميل، قد وهبتك للصّبية، وغفرت لك الصّبوة، ثم أمر بفكّ قيوده، وخلع عليه، وعقد له على شاطىء الفرات.
[من المعتصم إلى عبد الله بن طاهر]
وكتب المعتصم- حين صارت إليه الخلافة- إلى عبد الله بن طاهر: عافانا الله وإياك، قد كانت فى قلبى منك هنات غفرها الاقتدار «٣» ، وبقيت حزازات أخاف منها عليك عند نظرى إليك؛ فإن أتاك ألف كتاب أستقدمك فيه فلا تقدم،
стр. 817
وحسبك معرفة بما أنا منطو لك عليه إطلاعى إياك على ما فى ضميرى منك، والسلام.
[الخليفة المعتصم]
قال العباس بن المأمون: ولما أفضت الخلافة إلى المعتصم دخلت، فقال:
هذا مجلس كنت أكره الناس لجلوسى فيه، فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت تعفو عما تيقّنته، فكيف تعاقب على ما توهّمته؟ فقال: لو أردت عقابك لتركت عتابك.
وكان المعتصم شهما، شجاعا، عاقلا، مفوّها، ولم يكن فى [خلفاء] بنى العباس أمىّ غيره؛ وقيل: [بل كان يكتب خطّا ضعيفا، و] كان سبب ذلك أنه رأى جنازة لبعض الخدم، فقال: ليتنى مثله لأتخلّص من الكتّاب! فقال الرشيد:
والله لا عذّبتك بشىء تختار عليه الموت.
قال أبو القاسم الزجاجى: وهذا شىء يحكى من غير رواية صحيحة، إلا أنّ جملته أنه كان ضعيف البصر بالعربية.
وقرأ أحمد بن عمار المذرى «١» - وكان يتقّلد العرض عليه فى الحضرة- كتابا فيه:
«ومطرنا مطرا كثر عنه الكلأ» فقال له المعتصم: ما الكلأ؟ فقال: لا أدرى.
فقال: إنا لله وإنّا إليه راجعون! خليفة أمىّ وكاتب أمى! ثم قال: من يقرب منا من كتّاب الدار؟ فعرف مكان محمد بن عبد الملك الزيات، وكان يتولّى قهرمة الدار، ويشرف على المطبخ، فأحضره، فقال: ما الكلأ؟ فقال: النبات كله رطبه ويابسه؛ فالرطب منه خاصة يقال له خلا، ومنه سمّيت المخلاة، واليابس يقال له حشيش؛ ثم اندفع فى صفات البنات من ابتدائه إلى اكتماله إلى هيجه، فاستحسن ذلك المعتصم، وولّاه العرض من ذلك اليوم، فلم يزل وزيرا مدة خلافته [وخلافة الواثق] ، حتى نكبه المتوكل بحقود حقدها عليه أيام أخيه الواثق.
стр. 818
وقال الرياشى: كتب ملك الروم إلى المعتصم كتابا يتهدّده فيه، فأمر بجوابه، فلما قرىء عليه لم يرض ما فيه، وقال لبعض الكتاب: اكتب «أمّا بعد فقد قرأت كتابك، وفهمت خطابك، والجواب ما ترى، لا ما تسمع، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار» .
وهذا نظير قول قطرى للحجّاج، وقد كتب إليه كتابا يتهدّده، فأجابه قطرى: أما بعد، فالحمد لله الذى لو شاء لجمع شخصينا؛ فعلمت أنّ متاقفة الرجال [أقوم] من تسطير المقال، والسلام «١» .
[كعب بن معدان الأشعرى عند الحجاج] [ووصفه بنى المهلب بن أبى صفرة]
ولما افتتح المهلب خراسان، ونفى الخوارج عنها، وتفرّقت الأزارقة كتب الحجاج إليه أن اكتب لى بخبر الوقيعة، واشرح لى القصة حتى كأنى شاهدها؛ فبعث إليه المهلب كعب بن معدان الأشعرىّ، فأنشده قصيدة فيها ستون بيتا تقتصّ خبرهم لا يخرم منه شيئا؛ فقال له الحجاج: أخطيب أم شاعر؟ قال له:
كلاهما، أعزّ الله الأمير! قال: أخبرنى عن بنى المهلب، فقال له: المغيرة سيدهم، وكفاك بيزيد فارسا، وما لقى الأبطال مثل حبيب، وما يستحيى شجاع أن يفرّ من مدرك، وعبد الملك موت [ذعاف وسمّ] ناقع، وحسبك بالمفضّل فى النّجدة، واستجهز قبيصة، ومحمد ليث غاب، فقال الحجاج: ما أراك فضلت عليهم واحدا منهم؛ فأخبرنى عن جملتهم ومن أفضلهم؟ فقال: هم- أعزّ الله الأمير! - كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفها، قال: إنّ خبر حربكم كان يبلغنى عظيما، أفكذلك كان؟ قال: نعم أيها الأمير، والسماع دون العيان. قال:
أخبرنى كيف رضا المهلّب عن جنده ورضا جنده عنه؟ قال: أعزّ الله الأمير،
стр. 819
له عليهم شفقة الوالد، ولهم به برّ الولد. قال: أخبرنى كيف فاتكم قطرى؟
قال: كدناه فى منزله فتحوّل عنه، وتوهّم أنه كادنا بذلك، قال: فهلا اتبعتموه، قال: الكلب إذا أجحر عقر، قال: المهلب كان أعلم بك حيث أرسلك.
[بشر بن مالك عند الحجاج] [يصف أبناء المهلّب أيضا]
وقد روى أنّ المهلب لما فرغ من قتل عبد ربه الحرورى دعا بشر بن مالك فأنفذه بالبشارة إلى الحجّاج، فلما دخل على الحجاج قال: ما اسمك؟ قال:
بشر بن مالك، فقال الحجاجّ: بشارة وملك! وكيف خلّفت المهلب؟ قال:
خلفته وقد أمن ما خاف، وأدرك ما طلب، قال: كيف كانت حالكم مع عدوكم؟ قال: كانت البداءة لهم، والعاقبة لنا، قال الحجاج: العاقبة للمتقين، ثم قال: فما حال الجند؟ قال: وسعهم الحقّ، وأغناهم النّفل، وإنهم لمع رجل يسوسهم سياسة الملوك، ويقاتل بهم قتال الصعلوك، فلهم منه برّ الوالد، وله منهم طاعة الولد، قال: فما حال ولد المهلب؟ قال: رعاة البيات حتى يؤمنوه، وحماة السّرح حتى يردوه، قال: فأيهم أفضل؟ قال: ذلك إلى أبيهم، قال: وأنت أيضا، فإنى أرى لك لسانا وعبارة، قال: هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفها، قال: ويحك! أكنت أعددت لهذا المقام هذا المقال؟
قال: لا يعلم الغيب إلا الله.
[أبو الصقر وصاعد بن مخلد]
ودخل أبو الصقر قبل وزارته على صاعد بن مخلد، وهو الوزير حينئذ، وفى المجلس أبو العباس بن ثوابة، فسأل الوزير عن رجل، فقال: أنفى، يريد نفى، فقال ابن ثوابة: فى الخرء، فتضاحك به أهل المجلس، فقام أبو الصقر مغضبا «١» .
стр. 820
[أبو العيناء وابن ثوابة]
وكان أبو العيناء يعادى ابن ثوابة لمعاداته لأبى صقر؛ فاجتمعا فى مجلس صاعد فى غد ذلك اليوم، فتلاحيا، فقال ابن ثوابة: أما تعرفنى؟ فقال:
بلى أعرفك ضيّق الطعن، كثير الوسن، خارّا على الذّقن، وقد بلغنى تعدّيك على أبى الصقر، وإنما حلم عنك؛ لأنه لم يجد لك عزّا فيذلّه، ولا علوّا فيضعه، ولا مجدا فيهدمه؛ فعاف لحمك أن يأكله، ودمك أن يسفكه، فقال ابن ثوابة: ما تسابّ إنسانان إلّا غلب ألأمها، فقال أبو العيناء: فلهذا غلبت بالأمس أبا الصقر!
[من مكارم أبى الصقر]
ومما يعدّ من مكارم أبى الصقر أن ابن ثوابة دخل عليه فى وزارته، فقال: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنّا لخاطئين، فقال أبو الصقر: لا تثريب عليك يغفر الله لك [وهو أرحم الراحمين] ، فما قصّر فى الإحسان إليه، والإنعام عليه، مدة وزارته.
[أبو الصقر وأبو العيناء]
ولما ولى أبو الصقر الوزارة خيّر أبا العيناء فيما يخبّه حتى يفعله به، فقال:
أريد أن يكتب [لى الوزير] إلى أحمد بن محمد الطائى يعرّفه مكانى، ويلزمه قضاء حق مثلى.
فكتب إليه كتابا بخطّه، فوصّله إلى الطائى، فسبب له فى مدة شهر مقدار ألف دينار، وعاشره أجمل عشرة، فانصرف بجميع ما يحبّه وكتب إلى أبى الصقر كتابا مضمنه: أنا- أعزّك الله- طليقك من الفقر، ونقيذك من البؤس، أخذت بيدى عند عثرة الدهر، وكبوة الكبر، وعلى أية حال حين فقدت الأولياء والأشكال والإخوان والأمثال، الذين يفهمون فى غير تعب، وهم الناس الذين كانوا غياثا للناس، فحللت عقدة الخلّة، ورددت إلىّ بعد النفور النعمة، وكتبت لى كتابا إلى الطائى، فكأنما كان منه إليك، أتيته وقد استصعبت علىّ الأمور، وأحاطت بى النوائب؛ فكثّر من بشره، وبذل من يسره، وأعطى من ماله أكرمه، ومن برّه أحكمه، مكرما لى
стр. 821
مدة ما أقمت، ومثقلالى من فوائده لما ودّعت، حكمنى فى ماله فتحكّمت، وأنت تعرف جورى إذا تمكّنت، وزادنى من طوله فشكرت؛ فأحسن الله جزاءك، وأعظم حباءك، وقدّمنى أمامك، وأعاذنى من فقدك وحمامك؛ فقد أنفقت علىّ مما مملكك الله، وأنفقت من الشكر ما يسّره الله لى، والله يقول: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ.)
فالحمد لله الذى جعل لك اليد الغالبة، والرتبة الشريفة، لا أزال الله عن هذه الأمة ما بسط فيها من عدلك، وبثّ فيها من رفدك.
[أبو العيناء يذم ابن الخصيب]
قطعة مختارة من نسخة الكتاب الذى عمله أبو العيناء فى ذمّ أحمد بن الخصيب لمّا نكب على ألسنة الكتّاب والقوّاد وأرباب الدولة [فى ذلك الوقت] .
قال: ذكره محمد بن عبد الله بن طاهر فقال: ما زال يخرق ولا يرقع، وما زلت أتوقع له الذى وقع فيه. [وذكره أتامش، فقال: غدر بمن آثره، وتخطّى إلى ما لا يقدره، فحل به ما يحذره. وذكره بغاء فقال: أبطرته النعمة، ففجأته النقمة] وذكره وصيف فقال: ترك العقلاء على يأس مرتبته، والحمقى على رجاء درجته! وذكره موسى بن بغاء فقال: لولا أنّ القدر يعشى البصر، لما نهى فينا ولا أمر، وذكره فارس بن بغاء فقال: لم تتمّ له نعمة؛ لأنه لم تكن له فى الخير همّة. وذكره الفضل ابن العباس فقال: إن لم يكن تاريخ البلاء فما أعظم البلوى. وذكره هرون بن عيسى فقال: كانت دولة من دول المجانين، خرجت من الدنيا والدّين. وذكره المعلّى بن أيوب، فقيل له: ما أعجب ما نكب، فقال: نعمته أعجب من نكبته! وذكره ميمون بن إبراهيم، فقال: لو تأمّل فعاله فاجتنبها، لاستغنى عن الآداب أن يطلبها! وذكره محمد بن نجاح فقال: لئن كانت النعمة عظمت على قوم خرج عنهم لقد عظمت المصيبة على قوم نزل فيهم! وذكره على بن [يحيى بن] المنجم، فقال: لم يكن له أوّل
стр. 822
يرجع إليه، ولا آخر يعود عليه، ولا عقل فيزكو لديه! وذكره محمد بن موسى بن شاكر المنجم فقال: [قبّحه الله] إن ذكرت ذا فضل تنقّصه لما فيه من ضدّه، أو ذكرت ذا نقص تولّاه لما فيه من شكله. وذكره ابن ثوابة فقال: امرؤ أساء عشرة الأحرار، فأصبح مقفر الديار. وذكره حجاج بن لهرون فقال: ما كان له فى الشرف أسباب متان، ولا فى الخير عادات حسان. وذكره [أحمد بن حمدون فقال: إن منحته القدرة لقد حملته النكبة. وذكره] محمد بن الفضل فقال: ما زال يستوحش بالنعمة حتى أنس بالنقمة وذكره عبد الله بن فراس فقال: كنت إذا نصحته زنّانى، وإذا غششته منّانى. وذكره أبو صالح بن عمار فقال: لئن علا بحظ لقد انحط بحق. وذكره سعيد بن حميد فقال: إذا أصاب أحجم، وإذا أخطأ صمم.
[أبو بكر سيبويه وأهل مصر]
وكان فى هذا العصر بمصر أبو بكر المعروف بسيبويه ناقلة البصرة يشبهه فى حضور جوابه وخطابه، وحسن عبارته، وكثرة روايته، وكان قد تناول البلاذر «١» ؛ فعرضت له منه لوثة «٢» ، وكان أكثر الناس يتبعونه ويكتبون عنه ما يقول.
قال يوما للمصريين: يأهل مصر، أصحابنا البغداديون أحزم منكم، لا يقولون بالولد، حتى يتّخذوا له العقد والعدد؛ فهم أبدا يعتزلون. ولا يقولون باتخاذ العقار خوفا أن يملكهم سوء الجوار؛ فهم أبدا يكنزون. ولا يقولون باتخاذ الحرائر خوفا أن تتوق نفسهم إلى السّرارى؛ فهم أبدا يتسرّرون. ولا يقولون أبدا بإظهار الغنى [فى مكان] عرفوا فيه بالفقر؛ فهم أبدا يسافرون.
ووقف يوما بالجامع وقد أخذت الخلق مأخذها، فقال: يأهل مصر، حيطان
стр. 823
المقابر أنفع منكم، يستنزه بها من التعب، ويستد فأبها من الريح، ويستظلّ بها من الشمس. والبهائم خير منكم تمتطى ظهورها، وتحتذى جلودها، وتؤكل لحومها.
وكان أبو الفضل بن خنزابه الوزير، ربّما رفع أنفه تيها، فقال له سيبويه، وقد رآه فعل ذلك: أشمّ منى الوزير رائحة كريهة فشمّر أنفه، فأطرق واستعمل البهوض، فخرج سيبويه، فقال له رجل: من أين أقبلت؟ فقال: من عند الزّاهى بنفسه، المدلّ بفرسه «١» ، المستطيل على أبناء جنسه.
واستأذن على مسلم بن عبيد الله العلوى، ومسلم من أهل الحجاز نزل مصر، فحجب عنه، فقال: قولوا له: يرجع إلى لبس العباء، ومصّ النوى، وسكنى الفلا، فهو أشبه به من نعيم الدنيا.
وكان على شرط كافور الإخشيدى أحد الخاصّة، فوجد عليه سيبويه فى بعض الأمر، فعزل عن الشرطة، فوليها ركى «٢» صاحب الراضى، فلم يحمده أيضا، فوقف لكافور وهو مارّ إلى الصلاة يوم الجمعة، فقال: أيها الأستاذ، ولّيت ظالما، وعزلت ظالما، قليل الوفاء، كثير الجفاء، غليظ القفا. فتبسّم ابن برك البغدادى، وكان يسابر كافورا، فقال: وهذا ابن برك ممن يغرّك، لن ينفعك ولن يضرّك.
وأخلى الحمام لمفلح الحسينى، فأتى سيبويه ليدخل، فمنع، وقيل: الأمير مفلح به، فقال: لا أنقى الله مغسوله، ولا بلّغه سوله، ولا وقّاه من العذاب مهوله، وجلس حتى خرج، فقال: إن الحمام [لا يخلى إلّا] لأحد ثلاثة: مبتلّى فى قبله، أو مبتلى فى دبره، أو سلطان يخاف من شره، فأى الثلاثة أنت؟ قال:
أنا المقدّم.
وأحضره أبو بكر بن عبد الله الخازن فقال: قد بلغنى بذاء لسانك، وقبيح
стр. 824
معاملتك للأشراف؛ فاحذر أن تعود فينالك منى أشدّ العقوبة؛ فخرج [متحزنا فكان] الولدان يتولّعون به ويذكرون له الخازن، فيشتدّ عليه ذلك، فينصرف ولا يكلّمهم؛ فمرّ به رجل يكنى أبا بكر من ولد عقبة بن أبى معيط، وغلام قد ألحّ عليه «١» بذلك، فضحك المعيطى، فقال للغلام: ضرب الله عنق الخازن كما ضرب النبى ﷺ عنق عقبة بن أبى معيط على الكفر، وضرب ظهر أبيك بالسوط كما ضرب علىّ بن أبى طالب بأمر عثمان رضى الله عنهما ظهر الوليد بن عقبة على شرب الخمر، وألحقك يا صبىّ بالصّبية، يريد قول النبى ﷺ ، وقد قال له عقبة لما أمر النبى ﷺ عليا رضى الله عنه بقتله:
«فمن للصّبية يا رسول الله» ؟ قال: النار لك ولهم. فانصرف المعيطى وبطن الأرض أحبّ إليه من ظهرها.
[رجع إلى أبى العيناء]
وقال أبو العيناء: أنا أوّل من أظهر العقوق لوالديه بالبصرة، قال لى أبى:
إنّ الله قد قرن طاعته بطاعتى، فقال تعالى: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ)
فقلت:
يا أبت، إن الله تعالى قد أمننى عليك ولم يأمنك على، فقال تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ) .
وقال أعرابى لأبيه: يا أبت، إن كبير حقك لا يبطل صغير حقّى عليك، والذى تمتّ به إلىّ أمتّ بمثله إليك، ولست أزعم أنّا سواء، ولكن لا يحل لك الاعتداء.
ودخل على عبيد الله بن سليمان فضمّه إليه، فقال: أنا إلى ضمّ الكفاية أحوج منى إلى ضمّ اليدين.
وقال له مرة: أنا معك مقبوض الظاهر، مرحوم الباطن «٢» .
стр. 825
قال أبو الطيب المتنبى:
ماذا لقيت من الدنيا وأعجبها ... أنى بما أنا باك منه محسود
وقال له رجل: يا مخنّث، فقال: وضرب لنا مثلا ونسى خلقه!
[كلمات لأبى العيناء]
وذكر أبو العيناء محمد بن يحيى بن خالد بن برمك، فقال: بابى وأمى دام الوجه الطّلق، والقول الحقّ، والوعد الصّدق، نيته أفضل من علانيته، وفعله أفضل من قوله. وقال له المتوكل: ما أشدّ ما مرّ عليك من فقد بصرك؟ فقال:
ما حرمت منه من النظر إليك أيها الأمير! وقال لعبيد الله بن يحيى: مسّنا وأهلنا الضرّ، وبضاعتنا الحمد والشكر، وأنت الذى لا يخيب عنده حرّ، وقال له يوما:
قد اشتدّ الحجاب، وفحش الحرمان، فقال: ارفق يا أبا عبد الله، فقال: لو رفق بى فعلك لرفق بك قولى! وقال له: أيها الوزير، إذا تغافل أهل التفضل هلك أهل التجمّل. وذم رجلا فقال: لا يعرف الحقّ فينصره، ولا الباطل فينكره.
وقيل له: ما أبلغ الكلام؟ فقال: ما أسكت المبطل، وحيّر المحق. وقيل له:
مات الحسن بن سهل، فقال: والله لئن أتعب المادحين، لقد أطال بكاء الباكين والله لقد أصيب بموته الأنام، وخرست بفقده الأقلام.
[مما قيل فى الرثاء]
قال أشجع بن عمرو السّلمى:
مضى ابن سعيد حين لم يبق مشرق ... ولا مغرب إلّا له فيه مادح
وما كنت أدرى ما فواضل كفّه ... على الناس حتى غيّبته الصفائح
فأصبح فى لحد من الأرض ميّتا ... وكانت به حيّا تضيق الصحاصح «١»
كأن لم يمت ميت سواك ولم تقم ... على أحد إلّا عليك النوائح
стр. 826
فما أنا من رزء وإن جلّ جازع ... ولا بسرور بعد موتك فارح
لئن حسنت فيك المرائى وذكرها ... لقد حسنت من قبل فيك المدائح
سأبكيك ما فاضت دموعى، فإن تغض ... فحسبك منى ما تكنّ الجوانح
قوله:
وكانت به حيّا تضيق الصحاصح ... يتعلّق بقول الحسين بن مطير
فى معن بن زائدة:
ألمّا على معن وقولا لقبره: ... سقتك الغوادى مربعا ثم مربعا
فيا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطّت للسماحة مضجعا
ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا
بلى قد وسعت الجود والجود ميّت ... ولو كان حيا ضقت حتى تصدّعا
فتى عيش فى معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا
ولما مضى معن مضى الجود وانقضى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا
وهذا كقول عبد الصّمد بن المعذل فى عمرو بن سعيد بن سلم الباهلى:
أقبر أبى أمية لو علاه ... حملت إذا لضقت به ذراعا
حويت الجود والتقوى وعمرا ... فكيف أطقت يا قبر اضطلاعا
لموتهم أطقت لهم ضمانا ... ولولا ذاك لم تطق اتّساعا
وقول أشجع:
لئن حسنت فيك المراثى وذكرها
من قول الخنساء:
يا صخر بعدك هاجنى استعبارى ... شانيك بات بدّلتى وصغارى
كنا نعدّ لك المدائح مدّة ... فاليوم صرت تناح بالأشعار
وقالت جنوب أخت عمرو [ذى الكلب] :
سألت بعمر وأخى صحبه ... فأفظعنى حين ردّوا السؤالا
стр. 827
فقالوا: أتيح له نائما ... أغرّ السلاح عليه أجالا «١»
أتيح له نمرا أجبل ... فنالا لعمرك منه ونالا
فأقسم يا عمرو لو نبّهاك ... إذا نبّها منك داء عضالا
[إذا نبّها ليث عرّيسة ... مبيدا مفتيا نفوسا ومالا]
إذا نبّها غير رعيدة ... ولا طائشا دهشا حين صالا
هما مع تصرف ريب المنون ... من الدهر ركنا شديدا أمالا
وقالوا: قتلناه فى غارة ... بآية أن قد ورثنا النّبالا
فهلّا إذا قبل ريب المنون ... فقد كان فذّا وكنتم رجالا
وقد علمت فهم عند اللقاء ... بأنهم لك كانوا نفالا
كأنهم لم يحسّوا به ... فيخلوا نساءهم والحجالا
ولم ينزلوا بمحول السنين ... به فيكونوا عليه عيالا
وقد علم الضيف والمرملون ... إذا اغبرّ أفق وهبّت شمالا
وخلّت عن اولادها المرضعات ... ولم تر عين لمزن بلالا
بأنّك كنت الربيع المغيث ... لمن يعتفيك وكنت الثّمالا «٢»
وخرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء حرف تشكي الكلالا «٣»
[فكنت النهار به شمسه ... وكنت دجى الليل فيه هلالا
وحىّ صبحت وحىّ أبحت ... غداة اللقاء منايا عجالا
وكم من قبيل وإن لم تكن ... أردتهم منك باتوا وجالا
قال عمرو بن شبة: وكان عمرو بن عاصم هذا يغزو فهما فيصيب منهم، فوضعوا له رصدا على الماء، فأخذوه فقتلوه، ثم مرّوا بأخته جنوب، فقالوا: أخاك! فقالت: لئن طلبتموه لتجدنّه [منيعا، ولئن ضفتموه لتجدنّه مريعا، ولئن وعدتموه
стр. 828
لتجدنه] سريعا! فقالوا: قد أخذناه فقتلناه، وهذا نبله. فقالت: والله لئن سلبتموه لا تجدون ثنته وافية، ولا حجرته جافية، ولرب ثدى منكم قد افترشه، ونهب قد احتوشه؛ ثم قالت الأبيات المتقدمة الذكر.
وأنشد أبو حاتم ولم يقل قائله:
ألا فى سبيل الله ماذا تضمنّت ... بطون الثرى واستودع البلد القفر
بدور إذا الدنيا دجت أشرقت بهم ... وإن أجدبت يوما فأيديهم القطر
فيا شامتا بالموت لا تشمتن بهم ... حياتهم فخر وموتهم ذكر
أقاموا بظهر الأرض فاخضرّ عودها ... وصاروا ببطن الأرض فاستوحش الظّهر
وقال أبو عبد الله العتبى، وتوفى له بنون فجع بهم ومات فى آخرهم ابن له يكنى أبا عمرو كان يقول الشعر؛ فقال يرثيه:
لقد شمت الواشون بى وتغيّرت ... وجوم أراها بعد موت أبى عمرو
تجرّى علىّ الدهر لما فقدته ... ولو كان حيّا لاجترأت على الدهر «١»
أسكان بطن الأرض لو يقبل الفدى ... فدينا، وأعطينا بكم ساكنى الظّهر
فياليت من فيها عليها، وليت من ... عليها ثوى فيها مقيما إلى الحشر
وقاسمنى دهرى بنىّ مشاطرا ... فلما توفّى شطره مال فى شطرى «٢»
فصاروا كأن لم يعرف الموت غيرهم ... فثكل على ثكل وقبر على قبر
وقال فى ابن توفى صغيرا.
إن يكن مات صغيرا ... فالأسى غير صغير
كان ريحانى فأمسى ... وهو ريحان القبور
غرسته فى بساتين ... البلى أيدى الدهرر
стр. 829
ومن هنا أخذ أبو الطيب المتنبى قوله:
فإن تك فى قبر فإنك فى الحشا ... وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل
وقال خلف بن خليفة الأقطع:
أعاتب نفسى إن تبسّمت خاليا ... وقد يضحك الموتور وهو حزين
وبالبدّ أشجانى وكم من شج له ... دوين المصلّى والبقيع، شجون
ربّى حولها أمثالها إن أتيتها ... قرينك أشجانا وهنّ سكون
كفى الهجر أنّا لم يضح لك أمرنا ... ولم يأتنا عمّا لديك يقين
وقال أبو عطاء السّندى فى ابن هبيرة:
ألا إنّ عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بباقى دمعها لجمود
عشية قام النائحات وشقّقت ... جيوب بأبدى مأتم وخدود «١»
فإن تمس مهجور الفنا فربما ... أقام به بعد الوفود وفود
فإنك لم تبعد على متعهّد ... بلى كلّ ما تحت التراب بعيد
أعرابى:
ومن عجب أن بتّ مستودع الثّرى ... وبثّ بما زوّدتنى متمتعا
فلو أننى أنصفتك الودّ لم أبت ... خلافك حتى ننطوى فى الثرى معا
سأحمى الكرى عينى وأفترش الثرى ... يمينى إذا صار الثرى لك مضجعا
وبعدك لا آسى لعظم رزيّة ... قضيت فهّونت المصائب أجمعا
ومعنى هذا البيت الأخير تداوله الناس نظما ونثرا.
[قال أبو نواس فى الأمين]
طوى الموت ما بينى وبين محمد ... وليس لما تطوى المنية ناشر
стр. 830
لئن عمرت دور بمن لا أحبّه ... لقد عمرت ممن أحبّ المقابر
وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لى شىء عليه أحاذر
وقيل لأمّ الهيثم السدوسية: ما أسرع ما سلوت عن ابنك الهيثم! قالت:
أما والله لقد رزئته كالبدر فى بهائه، والرمح فى استوائه، والسيف فى مضائه؛ ولقد فتّتت مصيبته كبدى، وأفنى فقده جلدى، وما اعتضت من بعده إلّا أمن المصائب لفقده.
وعزّى أبو العيناء أحمد بن أبى دواد عن ولد له، فقال: ما أصيب من أثيب والله لقد هان لفقده، جليل المصائب من بعده.
ودخل أعرابى من بادية البصرة إلى الشام ومعه بنون، فلما كان بقنّسرين مات بنوه بالطاعون فقال:
أبعد بنىّ الدهر أرجو غضارة ... من العيش أو آسى لما فات من عمرى
غطارفة زهر مضوا لسبيلهم ... فلهفى على تلك الغطارفة الزّهر
سقى الله أجسادا ورائى تركتها ... بحاضر قنّسرين من صيّب القطر
يذكّرنيهم كلّ خير رأيته ... وشرّ، فما أنفكّ منهم على ذكر
هذا البيت كقول الآخر:
رعاك ضمان الله يا أمّ مالك ... ولله أن يرعاك أولى وأوسع
يذكر نيك الخير والشرّ والذى ... أخاف وأرجو والذى أتوقّع
وقال مسلم بن الوليد:
وإنى وإسماعيل يوم وداعه ... لكالغمد يوم الرّوع فارقه النّصل
أما والحبالات الممّرات بيننا ... رسائل أدّتها المودة والوصل «١»
لما خنت عهدا من إخاء ولا نأى ... بذكراك نأى عن ضميرى ولا شغل
стр. 831
وإنى فى مالى وأهلى كأننى ... لفقدك لا مال لدىّ ولا أهل
يذكّر نيك الخير والشرّ والحجا ... وقيل الخنى والحلم والعلم والجهل
فألقاك عن مذمومها متنزها ... وألقاك فى محمودها ولك الفضل
وأحمد من إخلافك البخل إنه ... بعرضك لا بالمال حاشى لك البخل
أمنتجعا مروا بأثقال همّة ... دع الثّقل واحمل حاجة مالها ثقل
ثناء كعرف الطيب يهدى لأهله ... وليس له إلّا بنى برمك أهل
فإن أغش قوما بعدهم أو أزورهم ... فكالوحش يدنيها من القنص المحل
ومن ألفاظ أهل العصر فى التعازى وما يتعلق بمعانيها من ذكر البكاء والجزع وعظم المصائب
خبر عز على النفوس مسمعه، وأثر فى القلوب موقعه. خبر تصطك له السامع، وترتجّ به الأضالع، وتسقط له الحبالى، وتصحو منه السكارى خبر كادت له القلوب تطير، والعقول تطيش، والنفوس تطيح. خبر يخفض البصر ويقذيه، ويقبض الأمل ويقدح فيه. الخبر فى أثناء الرجاء قد انقطع، وأصمّ به الناعى وقد أسمع. ناعى الفضائل قائم، وأنف المحاسن راغم. خبر أحرج الصّدر، وأحلّ البكاء، وحرّم الصبر، وأطار واقع السكون، وأثار كامن الوجوم، وثقلت وطأتة على أجزاء النفس، وتأدّت معرته إلى سرّ القلب. كتبت والأرض واجفة، والشمس كاسفة، للرزء العظيم، والمصاب الجسيم، فى فلك الملك، وركن المجد، وقريع الشّرق والغرب، وما عسى أن يقال فى الفلك الأعلى إذا انهار من جوانبه، وتهافت على مناكبه.
أتى الناعى «١» ، فندب المساعى، وقامت بواكى المجد، وكسفت شمس الفضل،
стр. 832
وعاد النهار أسود، والعيش أنكد. غرب لموته نجم الفضل، وكسدت سوق الأدب، وقامت نوادب السماحة، ووقف فلك الكرم، ولطمت عليه المحاسن خدودها، وشقت له المناقب جيوبها [وبرودها] ، قد كانت الرزيّة بحيث مارت السماء مورا، وسارت الجبال سيرا، حتى شوهدت الكواكب ظهرا، ثم تهافتت شفعا ووترا، فارتاعت الأمّة، وانبسطت الظلمة، وارتفعت الرّحمة، واضطربت الملّة، وقامت نوادب المجد، وأصبح الناس من القيامة على وعد. إن المجد بعده لجارى الدمع، وإنّ الفضل لمنزعج النفس، وإنّ الكرم لحرج الصدر، وإن الملك لواهن الظّهر «١» . كتابى وأنا من الحياة متذمّم، وبالعيش متبرّم، بعد ما ماد الطّود الشامخ، وزال الجبل الباذخ، ونطقت نوادب المجد، وأقيمت مآتم الفضل.
نهى؟؟؟ فلان فتنكّر وجه الدهر، وقبضت مهجة الفخر، فلا قلب إلّا قد تباين صدعه، ولا عين إلا وهى ترشح بالدّم بعده. كتبت والأحشاء محترقة، والأجفان بمائها غرقة، والدمع واكف، والحزن عاكف. مصاب أطلق أسراب الدموع وفرّقها، وأقلق أعشار القلوب وأحرقها، مصاب فضّ عقود الدموع، وشبّ النار بين الضلوع. مصاب أذاب دموع الأحرار، فتحلّبت «٢» سحائب الدموع الغزار، وانسدّت مسالك السكون والاستقرار. كتبت عن عين تدمع، وقلب يجزع، ونفس تهلع «٣» ، وقد أذللت مصون العبرة، وحجبت وافد الحيرة، ومدّ الهمّ إلى جسمى يد السقم، وجرّ الدمع على خدّى ذيول الدم. لولا أن العين بالدمع أنطق من كل لسان وقلم، لأخبرت عن بعض ما أوهن ظهرى، وأوهى أزرى. إنّ الفجيعة إذا لم تحارب بجيش من البكاء، ولم يخفّف من أثقالها بالاشتكاء، تضاعف داؤها، وازدادت أعباؤها، وعزّ دواؤها. قد شفيت غليلى بما استذريته
стр. 833
من أسراب الدموع المتحيرة، وخفّفت عنى بعض البرحاء بما امتريته من أخلافها المتحدرة. إن فى إسبال العبرة، وإطلاق الزّفرة، والإجهاش بالبكاء والنشيج، وإعلان الصياح والضجيج، تنفيسا عن برحاء القلوب، وتخفيفا من أثقال الكروب. قد أتى الدهر بما هدّ الأصلاب، وأطار الألباب، من النازلة الهائلة، والفجيعة الفظيعة. زرء أضعف العزائم القوية، وأبكى العيون البكيّة. مصيبة زلزلت الأرض، وهدّمت الكرم المحض، وسلبت الأجفان كراها، والأبدان قواها. فجيعة لا يداوى كلمها آس «١» ، ولا يسدّ ثلمها تناس.
مصيبة تركت العقول مدلّهة، والنفوس مولهة. رزء هضّ وهاض «٢» ، وأطال الانخزال والانخفاض، ولم يرض بأن فضّ الأعضاء، حتى أفاض الدماء. رزء ملأ الصدور ارتياعا، وقسم الألباب شعاعا، وترك الجفون مقروحة، والدموع مسفوحة، والقوى مهدودة، وطرق العزاء مسدودة. رزء نكأ القلوب وجرحها، وأحرّ الأكباد وقرّحها، مالى يد تخطّ إلّا بكلفة، ولا نفس تردد إلا فى غصّة، ولا عين تنظر إلى من وراء قذى، ولا صدر ينطوى إلّا على أذى؛ فالدموع واكفة، والقلوب واجفة، والهمّ وارد، والانس شارد.
والناس مأتمهم عليه واحد ... فى كل دار رنّة وزفير
كأنى كندة وهى تلهّف على حجر «٣» ، والخنساء تبكى على صخر. أنا بين عبرة وزفرة، وأنّة وحسرة، وتململ واضطراب، واشتعال والتهاب. مصيبة أصبحت لغمّتها وقيذا، ولكربتها أخيذا. كتبت وقد ملك الجزع عزائى، وحصل ناظرى فى إسار بكائى، فالقلب دهش، والبنان يرتعش، وأنا من البقاء متوحّش. قد انتهى بى الهلع إلى حيث لا التّأسّى مصحب، ولا التناسى مصاحب، بى انزعاج يحلّ عقد الحزم، واكتتاب ينقض شروط العزم. قد بلغ الحزن مبلغا
стр. 834
لم أبتذله للنوائب، وإن جلّت وقعا، ونالت منى منالا لم يعتد طرق المصائب، وإن عظمت فجعا. كتبت عن اضطراب نفس، واضطرام صدر، والتهاب قلب، وانتهاب صبر؛ فما أعظمه مفقودا! وما أكرمه ملحودا! إنى لأنوح عليه نوح «١» المناقب، وأرثيه مع النجوم الثواقب، وأبكيه مع المعالى والمحاسن، وأثنى [عليه] بثناء المساعى والمآثر. ليت يمين الزمان شلّت قبل أن فتكت بمهجه الفضل، وعين الزمان كفّت قبل أن رأت مصرع الفخر. لقد رزئنا من فلان عالما فى شخص، وأمّة فى نفس. مضى والمحاسن تبكيه، والمناقب تعزّى فيه.
العيون لما قرّت به أسخنها فيه ريب المنون، ولما شرحت به الصدور قبضها بفقده المقدور. قد ركب على الأعناق، بعد العتاق، وعلى الأجياد بعد الجياد، وفاح فتيت المسك من مآثره، كما يفوح العنبر من مجامره. كان منزله مألف الأضياف، ومأنس الأشراف، ومنتجع الرّكب، ومقصد الوفد، فاستبدل بالأنس وحشة، وبالغضارة غبرة، وبالبياض ظلمة، واعتاض من تزاحم المراكب تلادم المآتم، ومن ضجيج النداء والصهيل، عجيج البكاء والعويل. هذى المكارم تبدى شجوها لفقده، وتلبس حدادها من بعده، وهذى المحاسن قد قامت نواد بها مع نوادبه، واقترنت مصائبها بمصائبه. لو قبلت الفدية لوقيته بنفسى وأيام عمرى، علما بأنّ العيش بمثله من إخوان الصفا يصفو، وبظعنه عن الدنيا يكدر ويعفو. لو وقى من الموت عزيز قوم لعزّته، أو كبير بأولاده وأسرته، أو ذو سلطان باستطالته وقدرته، أو زعيم دولة بحشده وعدّته، لكان الماضى أحقّ من وقى وأولى من فدى، وكنا أقدر على دفع ما حدث، وذبّ ما كرث وأرهق؛ لكنه الأمر المسوّى فيه بين من عزّ جانبه وذلّ، وكثر ماله وقلّ، حتى لحق المفضول بالفاضل، والناقص بالكامل.
стр. 835
ولهم فيما يطابق هذا النحو من وصف الدهر وذم الدنيا
هو الدهر لا يعجب من طوارقه، ولا ينكر هجوم بواثقه. عطاؤه فى ضمان الارتجاع، وحباؤه فى قران الانتزاع. من عرف الزمان لم يستشعر منه الأمان، وتصرّف الحوادث، بين الموروث والوارث. الدهر مشحون بطوارق الغير، مشوب صفو إيامه بالكدر، ممزوج صابه بالعسل، موصولة حبال الأمن فيه بأسباب الأجل. قد جعل الله الدنيا دار قلعة، ومحلّ نقلة «١» ، فمن راحل ليومه، ومن مؤخّر لغده، وكلّ متشوّف لأجله، وجار لأمده. ما الدنيا إلا دار النقلة، ولا المقام فيها إلّا للرّحلة، إنّ المرء حقيق إذا طرقه ما يتحيّف صبره [ويتطرّق صدره] ، أن يعود إلى علمه بالدنيا كيف نصبت على النّقلة، وجنبت طويل المهلة، وابتدئت بالنفاد، وشفع كونها بالفساد، وأن الثاوى فيها راحل، والأيام فيها مراحل. موهوب الدنيا مسلوب وإن أرجىء إلى مهل، وممنوحها مجذوب وإن أخّر إلى أجل. لو خلّد من سبق، لما وسعت الأرض من لحق؛ ولذلك جعلت الدنيا دار قلعة، ومحلّ نجعة.
سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها ... منعنا بها من جيئة وذهوب
تملّكها الآتى تملّك سالب ... وفارقها الماضى فراق سليب
وقال عتبة بن هارون: كنت مع فضل الرقاشى، فمرّ بمقبرة، فقال: يأهل الديار الموحشة، والمحال المقفرة، التى نطق بالخراب فناؤها، وشيّد بالتراب بناؤها، ساكنها مغترب، ومحلّها مقترب، أهل هذه المنازل متشاغلون، لا يتواصلون تواصل الإخوان، ولا يتزاورون تزاور الجيران، قد طحنهم بكلكله البلى، وأكلهم الجندل والثّرى.
стр. 836
وقال خافان بن صبيح: لوحشة الشكّ التمسنا أنس اليقين، ومن ذلّ الجهل هر بنا إلى عزّ المعرفة، ولخوف الضلالة لزمنا الجادّة.
وقال بعض الحكماء: كمون المصائب وسكون النوائب وبغتات المنايا مطويّات فى الساعات، متحركات فى الأوقات، وربّ مغتبط بساعة فيها انقضاء أجله، ومتمتع بوقت صار فيه إلى قبره، ومنتظر ورود يوم فيه منيّته.
ووعظ أعرابىّ ابنا له أفسد ماله فى الشراب، فقال: لا الدهر يعظك، ولا الأيام تنذرك، والساعات تعدّ عليك، والأنفاس تعد منك، وأحبّ أمريك إليك، أردّهما للمضرة لديك.
[من مقامات بديع الزمان الهمذانى]
ومن إنشاء بديع الزمان فى المقامات: حدّثنا عيسى بن هشام قال: كنت فى الأهواز فى رفقة متى ما ترقّ العين فيهم تسهل، ليس منّا إلا أمرد بكر الآمال، بضّ الجمال، أو مختطّ حسن الإقبال، مرجوّ الأيام والليال؛ فأفضنا فى العشرة كيف [نضع قواعدها، والأخوّة كيف] نحكم معاقدها، والسرور فى أى وقت نتعاطاه، والأنس كيف نتهاداه، وفائت الحظّ كيف نتلافاه، والشراب [من أين نخلصه، والمجلس كيف نرتبه؟ فقال أحدنا: على البيت والمنزل، وقال آخر:
على الشراب والنقل] ، وقال بعضنا: إلى السماع والجماع، وقمنا نجر أذيال الفسوق، حتى انسلخنا من السوق، واستقبلنا رجل فى طمرين، فى يمناه عكّازة، وعلى كتفه جنازة «١» ؛ فتطيّرنا لما رأينا الجنازة، وأعرضنا عنها صفحا، وطوينا دونها كشحا، فصاح بناصيحة كادت الأرض لها تنفطر، والنجوم تنكدر، وقال:
لترونّها صغرا، ولتركبنّها قسرا. مالكم تكرهون مطيّة ركبها أسلافكم، وسيركبها أخلافكم، وتتقّذرون سريرا وطئه آباؤكم، وسيطؤه أبناؤكم؟ أما والله لتحملنّ على
стр. 837
هذه العيدان، إلى تلكم الدّيدان، ولتنقلنّ بهذه الجياد، إلى تلكم الوهاد.
ويحكم تطّيّرون «١» ، كأنكم مخيّرون، وتتكرهون، كأنكم منزّهون، هل تنفع هذه الطّيرة، يا فجرة؟
قال عيسى بن هشام: فقد نقض علينا ما كنّا عقدناه، وأبطلنا ما كنّا أردناه؛ فملنا إليه، وقلنا: ما أحوجنا إلى وعظك، وأعشقنا للفظك! ولو شئت لزدت، قال: إنّ وراءكم موارد أنتم واردوها، وقد سرتم إليها عشرين حجّة:
وإنّ امرأ قد سار عشرين حجّة ... إلى منهل من ورده لقريب
وفوقكم من يعلم أسراكم، ولو شاء لهتك أستاركم، يعاملكم فى الدنيا بحلم، ويقضى عليكم فى الآخرة بعلم، فليكن الموت منكم على ذكر، لئلا تأتوا بنكر؛ فإنكم متى استشعرتموه لم تجمحوا، ومتى ذكرتموه لم تمزحوا، وإن نسيتموه فهو ذاكركم، [وإن نمتم عنه فهو ثائركم، وإن كرهتموه فهو زائركم] قلنا: فما حاجتك؟ قال: هى أطول من أن تحدّ، وأكثر من أن تعدّ، قلنا: فسانح الوقت؟ قال: ردّ فائت العمر، ودفع نازل الأمر، قلنا: ما إلى ذلك سبيل، ولكن لك ما شئت من متاع الدنيا وزخرفها، قال: لا حاجة لى فيها.
قوله
وإن امرأ قد سار عشرين حجة
محرف عن قول قائله:
وإنّ امرأ قد سار خمسين حجة
والبيت لأبى محمد التيمى، أنشده دعبل:
إذا ما مضى القرن الذى أنت فيهم ... وخلّفت فى قرن فأنت غريب
والبيت بعده. قال دعبل: وتزعم الرواة أنه لأعرابى من بنى أسد. وقال خلاد الأرقط: كنّا على باب أبى عمرو بن العلاء ومعنا التيمى، فذكرنا كتاب
стр. 838
الحجاج بن يوسف إلى قتيبة بن مسلم: إنى وإياك لدتان «١» ، وإن أمرأ قد سار خمسين حجة لقمن أن يرده. فأصلحناه بيتا، فاجتلبه التيمى فى شعره.
[من رسائل بديع الزمان الهمذانى]
وكتب البديع إلى أبى القاسم الكرخى: أنا وإن لم ألق تطاول الإخوان إلا بالتطوّل، وتجمل الأحرار إلا بالتجمّل، أحاسب الشيخ على أخلاقه ضنّا بما عقدت يدى عليه من الظنّ به، والتقدير فى مذهبه، ولولا ذاك لقلت: فى الأرض مجال إن ضاقت ظلاله، وفى الناس واصل إن رثّت حباله، وأؤاخذه بأفعاله؛ فإن أعارنى أذنا واعية، ونفسا مراعية، وقلبا متّعظا، ورجوعا عن الذهاب، ونزوعا عما يقرعه من هذا الباب، فرشت لمودّته صدرى «٢» ، وعقدت عليه جوامع حصرى، ومجامع عمرى؛ وإن ركب من التعالى غير مركب، وذهب من التّغالى فى غير مذهب، أقطعته خطة أخلاقه، ووليته جانب إعراضه، فكنت امرأ:
لا أذود الطير عن شجر ... قد بلوت المرّ من ثمره
فإنى- أطال الله بقاء الشيخ مولاى- وإن كنت فى مقتبل السنّ والعمر، فقد حلبت شطرى الدهر «٣» ، وركبت ظهرى البرّ والبحر، ولقيت وفدى الخير والشر، وصافحت يدى النّفع والضر، وضربت إبطى العسر واليسر، وبلوت طعمى الحلو والمر، ورضنت ثديى العرف والنّكر؛ فما تكاد الأيام ترينى من أفعالها غريبا، وتسمعنى من أقوالها عجيبا، ولقيت الأفراد، وطارحت الآحاد؛ فما رأيت أحدا إلّا ملأت حافتى سمعه وبصره، وشغلت حيّزى فكره ونظره، وأثقلت كفّه فى الحزن، وكفّته فى الوزن؛ وودّ لو بارز القرن
стр. 839
بصفحتى، أو لقى الفضل بصحيفتى، فمالى صغرت فى عينه؟ وما الذى أزرى بى عنده؟ حتى احتجب وقد قصدته، ولزم أرضه وقد حضرته، وأنا أحاشيه أن يجهل قدر الفضل، أو يجحد فضل العلم، أو يمتطى ظهر التّيه، على أهليه، وأسأله أن يختصّنى من بينهم بفضل إنعام إن زلت بى مرة قدم رأى فى قصده، وكأنى به وقد غضب لهذه المخاطبة المجحفة، والرتبة المتحيّفة، وهو فى جنب جفائه يسير، وإن أقلع عن عادته إلى الوفاء، ونزع عن شيمته فى الجفاء؛ فأطال الله بقاء الأستاذ وأدام عزّه وتأييده وله إليه رقعة:
يعزّ علىّ- أطال الله بقاء الشيخ الرئيس- أن ينوب فى خدمته قلمى، عن قدمى، ويسعد برؤيته رسولى، دون وصولى، ويرد شرعة الأنس به كتابى، قبل ركابى، ولكن ما الحيلة والعوائق جمة:
وعلىّ أن أسعى ولي ... س علىّ إدراك النجاح
وقد حضرت داره، وقبّلت جداره، وما بى حبّ الجدران، ولكن شغفا بالقطان، ولا عشق الحيطان، ولكن شوقا إلى السكان، وحين عدت العوادى عنه، أمليت ضمير الشوق على لسان القلم، معتذرا إلى الشيخ على الحقيقة، عن تقصير وقع، وفتور فى الخدمة عرض، ولكنى أقول:
إن يكن تركى لقصدك ذنبا ... فكفى ألا أراك عقابا
وله جواب إلى رئيس هراة عدنان بن محمد: ورد كتاب الشيخ الرئيس سيدى، فظلت وفود النعم تترى علىّ، ومثلت لدى وبين يدى، وقد أخذ مكارم نفسه، فجعلها قلادة غرسه، وتتّبع المحاسن من عنده، فحلّى بها نحر عبده «١» ، وما أشبّه رائع حليّه، فى نحر وليّه، إلا بالغرّة اللائحة «٢» ، على [الدّهمة] الكالحة
стр. 840
لا آخذ الله الشيخ بوصف نزعه عن عرضه، وزرعه فى غير أرضه، ونعت سلخه من خلقه وخلقه، وأهداه إلى غير مستحقّه، وفضل استفاده من فرعه وأصله، وأوصله إلى غير أهله. ذكر حديث الشوق ولو كان الأمر بالزيارة حتما، أو الإذن [جزما] أطلق عزما، لكان آخر نظرى فى الكتاب، أول نظرى إلى الركاب، ولاستعنت على كلف السير، بأجنحة الطير «١» ، لكنه- أدام الله عزّه- صرعنى بين يد سريعة النبذ، ورجل وشيكة الأخذ، وأرانى زهدا فى ابتغاء، كحسو فى ارتغاء، ونزاعا فى نزوع، كذهاب فى رجوع، ورغبة فىّ كرغبة عنى، وكلاما فى الغلاف، كالضرب تحت اللحاف، فلم أصرّح بالإجابة وقد عرّض بالدعاء، ولم أعلن بالزيارة وقد أسرّ بالنداء، ولو لم يدعنى بلسان المحاجاة، ولم يجاهرنى بفم المناجاة، لكنت أسرع إليه، من الكرم إلى عطفيه، وفكرت فى مراد الشيخ، فوجدته لا يتعدّى الكرم يشبّ ناره، والفضل يدرك ثاره، وإذا كان الأمر كذلك فما أولاه بترفيه مولاه، عن زفرة صاعدة، بسفرة باعدة «٢» ، ونكباء جاهدة..... وقد زاد سيدى فى أمر المخاطبة، وما أحسن الاعتدال، وقد كفانا منه الأستاذ، وأسأله ألّا يزيد، وقد بدأ ويجب ألّا يعيد، فلا تنفع كثرة العدّ مع قلة المعدود، والزيادة فى الحدّ مع نقصان المحدود نقص من الحدود، وربّ ربح أدى إلى خسران، وزيادة أفضت إلى نقصان، ورأى الشيخ فى تشريفه بجوابه موفّق إن شاء الله تعالى.
اجتلب قوله فى أول هذه الرسالة من قول أبى إسحاق الصابى فى جواب كتاب لبعض إخوانه:
وصل كتابك مشحونا بلطيف برّك، موشحا بغامر فضلك، ناطقا بصحّة
стр. 841
عهدك، صادقا عن خلوص ودّك، وفهمته وشكرت الله تعالى على سلامتك شكر المخصوص بها، ووقفت على ما وصفته من الاعتداد بى، وتناهيت إليه من التقريظ لى، فما زدت على أن أعرتنى خلالك، ونحلتنى خصالك، لأنّك بالفضائل أولى، وهى بك أحرى، ولو كنت فى نفسى ممن يشتمل على وصفه حدّى إذا حددت، أو يحيط بكماله وصفى إذا وصفت، لشرعت فى بلوغها والقرب منها، لكن المادح لك مستنفد لك وسعه وقد بخسك، ومستغرق طوقه وقد نقصك، فأبلغ ما يأتى به المثنى عليك، ويتوصل إليه المطرى لك، الوقوف فى ذلك دون منتهاه، والإقرار بالعجز دون غايته ومداه.
ونقل البديع ما ذكره من ترك السفر والبغية بما حضر من قول ابن الرومى:
أما حقّ حامى عرض مثلك أن ترى ... له الرّفد والتّرفيه أوجب واجب
أقمت لكى تزداد نعماك نعمة ... وتغنى بوجه ناضر غير شاحب
وكى لا يقول القائلون أثابه ... وعاقبه والقول جمّ المساغب
وليس عجيبا أن ينوب تكرّم ... عديت به من آمل لك عائب
دمامى ترعى لا ذمام سفينة ... وحقى لا حقّ القلاص النجائب «١»
ودخل على أبى العتاهية أبنه، وقد تصوّف، فقال: ألم أكن قد نهيتك عن هذا؟ فقال: وما عليك أن أتعود الخير، وأنشأ عليه! فقال: يا بنى، يحتاج المتصوف إلى رقّة حال، وحلاوة شمائل، ولطافة معنى، وأنت ثقيل الظل، مظلم الهواء، راكد النسيم، حامد العينين، فأقبل على سوقك؛ فإنها أعود عليك.
وكان بزّازا.
стр. 842
فقر من كلام المتصوفة والزهاد والقصاص
نور الحقيقة، أحسن من نور الحديقة. الزهد قطع العلائق، وهجر الخلائق.
الدنيا ساعة، فاجعلها طاعة. التصوّف ترك التكلّف. قيل لمتصوّف: أتيع مرقّعتك؟ قال: أرأيتم صيادا يبيع شبكته! وقيل لبعضهم: لو تزوّجت! قال:
لو قدرت أن أطلق نفسى لطلقتها، وأنشد:
تجرّد من الدنيا فإنك إنما ... سقطت إلى الدنيا وأنت مجرّد
الدنيا نوم والآخرة يقظة، والمتوسط بينهما الموت، ونحن فى أضغاث أحلام.
ذو النون: العبد بين نغمة وذنب، لا يصلحهما إلا الشكر والاستغفار.
غيره: ينبغى للعبد أن يكون فى الدنيا كالمريض لابد له من قوت، ولا يوافقه كل طعام. ليس فى الجنة نعيم أعظم من علم أهلها أنها لا تزول.
ابن المبارك: الزهد إخفاء الزهد. إذا هرب الزاهد من الناس فاطلبه، وإذا طلبهم فاهرب عنه. من أطلق طرفه كثر أسفه. من سوء القدر فضل النظر من طاوع طرفه، تابع حتفه، ومن نظر بعين الهوى حار، ومن حكم على الهوى جار، ومن أطال النظر لم يدرك الغاية، وليس لناظر نهاية. ربما أبصر الأعمى رشده، وأصلّ البصير قصده. وقيل: ربّ حرب جنيت من لفظة، وربّ حبّ غرس من لحظة، وأنشد:
نظرت إليها نظرة لو كسوتها ... سرابيل أبدان الحديد المسرّد
لرقّت حواشيها وفض حديدها ... ولانت كما لانت لداود فى اليد «١»
وقال سعيد بن حميد:
نظرت فقادتنى إلى الحتف نظرة ... إلى بمضمون الضمير تشير «٢»
стр. 843
فلا تصرفنّ الطّرف فى كل منظر ... فإنّ معاريض البلاء كثير
ولم أر مثل الحبّ أسقم ذا هوى ... ولا مثل حكم الحبّ كيف يجور
لقد صنت ما بى فى الضمير لو أنه ... يصان لدى الطّرف النموم ضمير
غيره:
اليوم أيقنت أن الحبّ متلفة ... وأن صاحبه منه على خطر
كيف الحياة لمن أمسى على شرف ... من المنيّة بين الخوف والحذر
يلوم عينيه أحيانا بذنبهما ... ويحمل الذنب أحيانا على القدر
إذا نأى أو دنا فالقلب عندكم ... وقلبه أبدا منه على سفر
ونظر محمد بن أسباط الصوفى إلى أبى المثنى الشيبانى وقد نظر فى وجه غلام مليح، فقال: [إياك و] إدمان النظر [فإنه] يكشف الخبر، ويفضح البشر، ويطول به المكث فى سقر.
وقال المعلى الصوفىّ: شكوت إلى بعض الزهاد فسادا أجده فى قلبى، فقال: هل نظرت إلى شىء فتاقت إليه نفسك؟ قلت: نعم، قال: احفظ عينيك؛ فإنك إن أطلقتهما أوقعتاك فى مكروه، وإن ملكتهما ملكت سائر جوارحك.
وقال مسلم الخوّاص لمحمد بن على الصوفى: أوصنى، فقال: أوصيك بتقوى الله فى أمرك كلّه، وإيثار ما يحبّ على محبتك، وإياك والنظر إلى كل ما دعاك إليه طرفك، وشوّقك إليه قلبك؛ فإنهما إن ملكاك لم تملك شيئا من جوارحك، حتى تبلغ لهما ما يطالعانك به «١» ، وإن ملكتهما كنت الداعى إلى ما أردت، فلم يعصيا لك أمرا ولم يردّا لك قولا.
قال بعض الحكماء: إن الله جعل القلب أمير الجسد، وملك الأعضاء؛ فجميع الجوارح تنقاد له، وكلّ الحواسّ تطيعه، وهو مديرها «٢»
стр. 844
ومصرّفها، وقائدها وسائقها، وبإرادته تنبعث، وفى طاعته تتقلّب؛ ووزيره العقل، وعاضده الفهم، ورائده العينان، وطليعته الأذنان. [وهما فى النقل سواء، لا يكتمانه أمرا، ولا يطويان دونه سرّا، يريد العين والأذن] .
وقيل لأفلاطون: أيهما أشدّ ضررا بالقلب السمع أم البصر؟ فقال: هما للقلب كالجناحين للطائر، لا يستقلّ إلا بهما، ولا ينهض إلا بقوتهما، وربما قص أحدهما فنهض بالآخر على تعب ومشقة. قيل: فما بال الأعمى يعشق ولا يرى، والأصم يعشق ولا يسمع؟ قال: لذلك قلت: إن الطائر قد ينهض بأحد جناحيه ولا يستقلّ بهما طيرانا، فإذا اجتمعا كان ذهابه أمضى، و [طيرانه] أوحى «١» .
وقال الأسود بن طالوت الجارودى: نظر إلىّ أبو الغمر الصوفى وقد أطلت النظر إلى غلام جميل، فقال: ويحك! إنّ طرفك لعظيم ما اجتنى من البلاء قد عرّضك للمكروه وطول العناء، لقد نظرت إلى حتف قاتل للقلوب، وبلاء مظهر للعيوب، وعار فاضح للنفوس، ومكروه مذهل للعقول، أكل هذا الاغترار بالله جرأك عليه حتى أمنت مكره، ولم تخف كيده؛ أعلم أنك لم تكن فى وقت من أوقاتك، ولا حالة من حالاتك، أقرب إلى عقوبة الله منك فى حالتك هذه، ولو أخذك لم يتخلّصك الثقلان، ولم يقبل فيك شفاعة إنس ولا جان.
ونظر محمد بن ضوء الصوفى إلى رجل ينظر إلى غلام مليح، فقال:
كفى بالعبد نقصا عند الله، وضعة عند ذوى العقول، أن ينظر إلى كل ما سنح له من البلاء.
ونظر [أبو] مسلم الخشوعى فأطال النظر، فقال: إنّ فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب. ثم قال:
سبحان الله! ما أهجم طرفى على مكروه نفسه، وأدمنه على تسخّط سيده،
стр. 845
وأغراه بما نهى عنه، وألهجه بما حذّر منه! لقد نظرت إلى هذا نظرا شديدا خشيت أنه سيفضحنى عند جميع من يعرفنى فى عرصة القيامة؛ ولقد تركنى نظرى هذا وأنا أستحى من الله تعالى إن غفر لى! ثم صعق.
ونظر غالب المضرور «١» إلى علام جميل على فرس رائع، فقال: لا أدرى بم أداوى طرفى، ولا بم أعالج قلبى؟ ما أتوب إلى الله من ذنب إلا رجعت فيه، ولا أستغفره من أمر إلّا أتيت أعظم منه، حتى لقد استحييت أن أسأله المغفرة لما يلحق قلبى من القنوط من عفوه، لعظيم حالى بالمنكر الذى أصنعه. فقال له قائل: وأىّ منكر أتيت؟ فقال: أنريد منى أكثر من نظرى هذا! والله لقد خشيت أن يبطل كلّ عمل قدمته، وخير أسلفته، ثم بكى حتى ألصق خدّه بالأرض.
ورأى بعض الزهّاد صوفيا يضحك إلى غلام جميل، فقال له: يا خارب القلب، ويا مفتضح الطرف؛ أما تستحى من كرام كاتبين، وملائكة حافظين، يحفظون الأفعال، ويكتبون الأعمال، وينظرون إليك، ويشهدون عليك، بالبلاء الظاهر، والغلّ الدخيل المخامر، الذى أقمت نفسك فيه مقام من لا يبالى من وقف عليه، ونظر من الخلق إليه.
وقال أبو حمزة بن إبراهيم: قلت لمحمد بن العلاء الدمشقى- وكان سيد المتصوفة، وقد رأيته يماشى غلاما وضيئا مدة ثم فارقه-: لم هجرت ذلك الفتى بعد أن كنت له مواصلا، وإليه مائلا؟ فقال: والله لقد فارقته من غير قلى ولا ملل؛ ولقد رأيت قلبى يدعونى إذا خلوت به، وقربت منه، إلى أمر لو أتيته لسقطت من عين الله ؛ فهجرته تنزيها لله ولنفسى عن مصارع الفتن، وإنى لأرجو أن يعقبنى سيدى من
следующие страницы →