Полный текст (1 141 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
ص الموضوع
٨٠٥ ولهم فى ذكر النوم والنعاس
٨٠٧ من بديع الشعر فى وصف الليل
٨٠٨ أخو الصفاء قريب
٨١٠ بعض ما قيل فى وصف النجوم
٨١٣ من وصف الشراب فى الليل
٨١٦ المختار من شعر تميم بن المعز
٨١٩ عود إلى وصف النجوم
٨٢١ أجمل ما قال العرب من الشعر
٨٢٢ لأهل العصر فى طلوع الشمس وغروبها
٨٢٣ المقامة الكوفية، لبديع الزمان
٨٢٤ من رسائل بديع الزمان
٨٢٦ جملة من كلام ابن المعتز فى الفصول القصار
٨٢٧ رثاء المعتضد وتعزيته
٨٢٩ من شعر ابن المعتز
٨٣١ أبو شجاع عضد الدولة
- الموفق العباسى
٨٣٣ صاحب الزنج
٨٣٦ لابن يامين فى سيف عمرو بن معد يكرب الزبيدى
٨٣٧ للبحترى يصف سيفا
- لابن هانى يصف سيف المعز
٨٣٨ وفد الشام بين يدى المنصور
- بعض ما قيل فى العفو
- تميم بن جميل السدوسى والمعتصم
٨٤٠ من المعتصم إلى عبد الله بن طاهر
٨٤١ الخليفة المعتصم
٨٤٢ كعب بن معدان يصف للحجاج بنى المهلب
٨٤٣ بشر بن مالك يصف للحجاج بنى المهلب أيضا
ص الموضوع
٨٤٣ أبو الصقر وصاعد بن مخلد
٨٤٤ أبو العيناء وابن أبى ثوابة
- من مكارم أبى الصقر
- أبو الصقر وأبو العيناء
٨٤٥ أبو العيناء يذم ابن الخصيب
٨٤٦ أبو بكر سيبويه المصرى وأهل مصر
٨٤٨ رجع إلى أبى العيناء
٨٤٩ كلمات لأبى العيناء
- المختار مما قيل فى الرثاء
٨٥٥ لأهل العصر فى التعازى
٨٦٠ المقامة الأهوازية، لبديع الزمان
٨٦٢ من رسائل بديع الزمان
٨٦٤ من رسائل الصابى
٨٦٥ لابن الرومى
- بين أبى العتاهية وابنه
٨٦٦ فقر من كلام المتصوفة
٨٧١ الرأى والهوى
- من البدائه فى مجالس الخلفاء
٨٧٢ أخوال السفاح
٨٧٤ لمعن بن أوس
٨٧٦ من رسائل ابن العميد
٨٨٠ حسن التأتى للأمور
٨٨٠ فقر فى ذكر المشورة
٨٨١ تأريخ الكتب والرسائل
٨٨٢ فقر وأمثال يتداولها العمال
٨٨٣ من ترجمة منصور الفقيه
٨٨٥ من بديع الزمان لابن المرزيان
٨٨٧ من البديع لبعض إخوانه
٨٨٨ بين سهل بن هارون والحسن بن سهل
стр. 877
ص الموضوع
٨٨٩ من أمثال البخلاء واحتجاجهم
٨٩٠ فقر لابن المعتز فى الصداقة
٨٩١ كتاب الحسن بن وهب إلى أبى تمام يصف بلاغته
٨٩٢ للبحترى فى الحسن بن وهب
ص الموضوع
٨٩٣ مثل من بلاغة عمرو بن مسعدة
٨٩٤ للتيمى فى عمرو بن مسعدة
٨٩٥ الكلام الجيد الطبع، والكلام المصنوع
والحمد لله واسع الفضل، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد نبيه المصطفى، وعلى آله وصحبه وعترته.
стр. 878
الجزء الرابع
زهر الأداب وثمر الألباب لأبى إسحاق إبراهيم بن على، الحصرى، القيروانى المتوفى فى عام ٤٥٣ من الهجرة مفصل ومضبوط ومشروح بقلم المرحوم الدكتور زكى مبارك الجزء الرابع حققه وزاد فى تفضيله وضبطه وشرحه صمد محيى الدين عبد الحميد وابرار الجيل بيروت
стр. 879
جميع الحقوق محفوظة لدار الجيل
стр. 880
الحمد لله كفاء نعمائه، والشكر له على آلائه، وصلاته وسلامه على الصّفوة من أنبيائه، وعلى آله وصحبه وأوليائه
стр. 881
[نماذج من الشعر الجيد]
ومن الشعر الذى يجرى مع النفس قول ابن المعتز يمدح المكتفى؛ إذ قدم من الرقة بعد القبض على القرمطى فقال:
لا ورمّان النهود ... فوق أغصان القدود «١»
وعناقيد من اصدا ... غ وورد من خدود
وبدور من وجوه ... طالعات بالسعود
ورسول جاء بالمي ... عاد من بعد الوعيد
ونعيم من وصال ... فى قفا طول الصدود «٢»
ما رأت عينى كظبى ... زارنى فى يوم عيد
فى قباء فاختىّ ال ... لون من لبس الجديد «٣»
كلما قاتل جند ... ىّ بسيف وعمود
قاتل الناس بعيني ... ن وخدّين وجيد «٤»
قد سقانى الخمر من فيه ... على رغم الحسود
стр. 882
وتعانقنا كأنا ... وهو فى عقد شديد
نقرع الثغر بثغر ... طيّب عند الورود
[مثل ما عاجل برد ... قطر مزن بجمود
سحرا من قبل أن ... ترجع أرواح الوفود
ومضى يخطر فى المش ... ى كجبار عنيد]
مرحبا بالملك القا ... دم بالجدّ السعيد
يا مذل البغى يا قا ... تل حيّات الحقود
عش ودم فى ظلّ عيش ... خالد باق جديد
فلقد أصبح أعدا ... ؤك كالزرع الحصيد
ثم قد صاروا حديثا ... مثل عاد وثمود
جاءهم بحر حديد ... تحت أجبال بنود
فيه عقبان خيول ... فوقها أسد جنود
وردوا الحرب فمدوا ... كل خطىّ مديد «١»
وحسام شره الحدّ ... إلى قطع الوريد «٢»
ما لهذا الفتح يا خير ... إمام من نديد «٣»
فاحمد الله ... فإن الحمد مفتاح المزيد
وقول على بن الخليل مولى يزيد بن مزيد الشيبانى وكان يرمى بالزندقة، قال الفضل بن الربيع: جلس الرشيد يوما للمظالم، فجعلت أتصفّح الناس، وأسمع كلامهم، فرميت بطرفى، فرأيت فى آخرهم شيخا حسن الهيئة والوجه ما رأيت أحسن منه؛ فوقف حتى تقوّض المجلس «٤» ثم قال: يا أمير المؤمنين، رقعتى؛ فأمر
стр. 883
بأخذها، فقال: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لى بقراءتها؛ فأنا أحسن تعبيرا لخطّى من غيرى- فقال له: اقرأ، فقال: شيخ ضعيف، ومقام صعب، ولا آمن الاضطراب؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يصل عنايته بأمرى فى الإذن بالجلوس فعل، فقال: اجلس، فجلس وأنشأ يقول:
يا خير من وخدت بأرحله ... تجب الركاب بمهمه جلس «١»
تطوى السباسب فى أزمتها ... طىّ التّجار عمائم البرس «٢»
لما رأتك الشمس طالعة ... سجدت لوجهك طلعة الشمس
خير البرية أنت كلهم ... فى يومك الغادى وفى الأمس
وكذاك لن تنفكّ خيرهم ... تمسى وتصبح فوق ما تمسى
لله ما هرون من ملك ... عفّ السريرة طاهر النفس
تمّت عليه لربه نعم ... تزداد جدتها مع اللّبس
من عترة طابت أرومتها ... أهل العفاف ومنتهى القدس
متهللين على اسرّتهم ... ولدى الهياج مصاعب شمس «٣»
إنى لجأت إليك من فزع ... قد كان شرّدنى ومن لبس
لما استخرت الله مجتهدا ... يمّمت نحوك رحلة العنس «٤»
واخترت حلمك لا أجاوزه ... حتى أغيّب فى ثرى رمسى
كم قد سريت إليك مدّرعا ... ليلا يموج كحالك النّقس «٥»
إن راعنى من هاجس فزع ... كان التوكّل عنده ترسى
ما ذاك إلّا أننى رجل ... أصبو إلى نفر من الإنس
стр. 884
بيض أوانس لا قرون لها ... يقتلن بالتطويل والحبس
وأجاذب الفتيان بينهم ... صفراء مثل مجاجة الورس
للماء فى حافاتها حبب ... نظم كرقم صحائف الفرس
والله يعلم فى بنيته ... ما إن أضعت إقامة الخمس «١»
قال: ومن تكون؟ قال: على بن الخليل، الذى يقال إنه زنديق، فقال له: أنت آمن، وأمر له بخمسة آلاف درهم.
وأنشد أبو العباس المبرد لرجل يصف دعوة دعا بها الله ، وقد رأيتها فى شعر محمد بن حازم الباهلى:
وسارية لم تسر فى الأرض تبتغى ... محلّا، ولم يقطع بها البيد قاطع
سرت حيث لم تحد الركاب ولم تنخ ... لورد، ولم يقصر لها القيد مانع
تمر وراء الليل والليل ضارب ... بجثمانه فيه سمير وهاجع
إذا وردت لم يردد الله وفدها ... على أهلها، والله راء وسامع
تفتّح أبواب السموات دونها ... إذا قرع الأبواب منهنّ قارع
وإنى لأرجو الله حتى كأننى ... أرى بجميل الظنّ ما الله صانع
[من مستحسن الأجوبة]
ودخل رجل [من شيبان] على معن بن زائدة، فقال: ما هذه الغيبة؟
فقال: أيها الأمير، ما غاب عن العين من يذكره القلب، وما زال شوقى إلى الأمير شديدا، وهو دون ما يجب له، وذكرى له كثيرا، وهو دون قدره، ولكن جفوة الحجّاب، وقلّة بشر الغلمان، منعانى من الإتيان! فأمر بتسهيل إذنه، وأجزل صلته.
وقال أبو جعفر المنصور لمعن بن زائدة: كبرت يا معن! قال: فى طاعتك يا أمير المؤمنين، قال: إنك لجلد «٢» ، قال: على أعدائك، قال: وإنّ فيك لبقيّة، قال:
стр. 885
هى لك يا أمير المؤمنين، قال: فأى الدولتين أحبّ إليك؛ هذه أم دولة بنى أمية؟
قال: ذلك إليك يا أمير المؤمنين، إن زاد برّك على برّهم كانت دولتك أحبّ إلى.
[من ترجمة معن بن زائدة، وأخباره]
ومعن هذا هو معن بن زائدة بن عبد الله [بن زائدة بن مطر بن شريك بن عمرو أخى الحوفزان بن شريك بن عمرو بن قيس] بن شرحبيل بن منبه بن مرة ابن ذهل بن شيبان، وبنو مطر بيت شيبان، وشيبان بيت ربيعة.
وكان معن أجود الناس، وفيه يقول مروان بن أبى حفصة ويعم بنى مطر:
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها فى غيل خفّان أشبل «١»
هم يمنعون الجار حتى كأنما ... لجارهم بين السماكين منزل
ولا يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا فى النائبات وأجملوا
بها ليل فى الإسلام سادوا ولم يكن ... كأوّلهم فى الجاهلية أول
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... جابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
أخذ البيت الأول ابن الرومى، وزاد فيه، فقال:
تلقاهم ورماح الخطّ بينهم ... كالأسد ألبسها الآجام خفّان
[الرأى والشجاعة]
أتى قوم من العرب شيخا لهم قد أربى على الثمانين، وأهدف على التسعين «٢» ، فقالوا: إنّ عدوّنا استاق سرحنا، فأشر علينا بما ندرك به الثّأر، وننفى به العار، فقال: الضعف فسخ همّتى، ونكث إبرام عزيمتى، ولكن شاوروا الشجعان من ذوى العزم، والجبناء من ذوى الحزم؛ فإنّ الجبان لا يألو برأيه ما يقى مهجكم، والشجاع لا يألو برأيه ما يشيد ذكركم، ثم اخلصوا من الرأى بنتيجة تبعد عنكم معرّة نقص الجبان، وتهوّر الشجعان، فإذا نجم الرأى على هذا كان أنفذ على عدوكم من السّهم الصائب، والحسام القاضب.
стр. 886
[قضاء الله وعدله]
قال الأصمعى: سمعت أعرابية تقول لرجل تخاصمه: والله لو صوّر الجهل لأظلم معه النهار، ولو صوّر العقل لأضاء معه الليل، وإنك من أفضلهما لمعدم؛ فخف الله، واعلم أنّ من ورائك حكما لا يحتاج المدّعى عنده إلى إحضار البينة.
[بنو كليب]
قال الفرزدق يهجو كليبا:
ولو يرمى بلؤم بنى كليب ... نجوم الليل ما وضحت لسارى
ولو لبس النهار بنو كليب ... لدنّس لؤمهم وضح النهار
[من جيد كلام الأعراب]
وقال سفيان بن عيينة: سمعت أعرابيا يقول عشية عرفة: اللهم لا تحرمنى خير ما عندك لشرّ ما عندى، وإن لم تتقبّل تعبى ونصبى فلا تحرمنى أجر المصاب على مصيبته.
وقال آخر منهم لصديق استبطأه فلامه: كانت لى إليك زلّة يمنعنى من ذكرها ما أمّلت من تجاوزك عنها، ولست أعتذر إليك منها إلا بالإقلاع عنها.
وقال آخر لابن عم له: والله ما أعرف تقصيرا فأقلع، ولا ذنبا فأعتب، ولست أقول: إنك كذبت، ولا إننى أذنبت.
وقال آخر لابن عم له: سأتخّطى ذنبك إلى عذرك، وإن كنت من أحدهما على يقين، ومن الآخر على شكّ، لتتمّ النعمة منى إليك، وتقوم الحجّة لى عليك.
وأصيب أعرابىّ بابن له فقال- وقد قيل له: اصبر- أعلى الله أتجلّد، أم فى مصيبتى أتبلّد؟ والله للجزع من أمره أحبّ إلىّ الآن من الصبر! لأن الجزع استكانة، والصبر قساوة، ولئن لم أجزع من النقص لا أفرح بالمزيد.
ودعا أعرابى فقال: اللهم إنى أعوذ بك أن افتقر فى غناك، أو أضلّ فى هداك، أو أذلّ فى عزّك، أو أضام فى سلطانك، أو أضطهد والأمر إليك.
стр. 887
قال الأصمعى: سمعت أعرابيا يعظ رجلا وهو يقول: ويحك! إنّ فلانا وإن ضحك إليك، فإنه يضحك منك، ولئن أظهر الشفقة عليك، إنّ عقاربه لتسرى إليك؛ فإن لم تتخذه عدوّا فى علانيتك، فلا تجعله صديقا فى سريرتك.
سمع أعرابىّ رجلا يقع فى السلطان، فقال: إنك غفل لم تسمك التجارب، وفى النصح لسع العقارب، كأنى بالضاحك إليك، وهو باك عليك.
وحذّر بعض الحكماء صديقا له صحبه رجل، فقال: احذر فلانا فإنه كثير المسألة، حسن البحث، لطيف الاستدراج، يحفظ أول كلامك على آخره، ويعتبر ما أخّرت بما قدّمت، فلا تظهرنّ له المخافة فيرى أن قد تحرّزت؛ واعلم أنّ من يقظة الفطنة إظهار الغفله مع شدة الحذر، فباثثه مباثّة الآمن، وتحفّظ منه تحفظ الخائف؛ فإنّ البحث يظهر الخفىّ الباطن، ويبدى المستكنّ الكامن.
أتى أعرابىّ رجلا لم يكن بينه وبينه حرمة فى حاجة له، فقال: إنى امتطيت إليك الرجاء، وسريت على الأمل، ورافقت الشكر، وتوسّلت بحسن الظن، فحقق الأمل، وأحسن المثوبة، وأكرم الصّفد «١» ، وأقم الأود «٢» ، وعجّل السّراح «٣» .
قال الأصمعى: وسمعت أعرابيا يقول: إذا ثبتت الأصول فى القلوب، نطقت الألسنة لفروع! والله يعلم أنّ قلبى لك شاكر، ولسانى ذاكر، ومحال أن يظهر الودّ المستقيم، من الفؤاد السقيم.
ومدح أعرابى رجلا، فقال: إنه ليغسل من العار وجوها مسودّة، ويفتح من الرأى أبوابا منسدّة.
وقال أعرابى:
كم قد ولدتم من رئيس قسور ... دامى الأظافر فى الخميس الممطر
سدكت أنامله بقائم مرهف ... [وبنشر فائدة وجذوة منبر
стр. 888
ما إن يريد إذا الرماح تشاجرت ... درعا سوى سربال طيب العنصر
يلقى السيوف بوجهه وبنحره] ... ويقيم هامته مقام المغفر
ويقول للطّرف اصطبر لشبا القنا ... فعقرت ركن المجد إن لم تعقر
وإذا تأمل شخص ضيف مقبل ... متسربل سربال محل أغبر «١»
أومى إلى الكوماء هذا طارق ... نحرتنى الأعداء إن لم تنحرى «٢»
وقال:
قامت تصدّى له عمدا لغفلته ... فلم ير الناس وجدا كالذى وجدا
جيداء ربداء لم تعقد قلائدها ... وناهد مثل قلب الظّبى ما خضدا
فراح كالحائم الصّديان ليس له ... صبر ولا يأمن الأعداء إن وردا
وقال آخر:
ومكتتمات بعد وهن طرقننى ... بأردية الظلماء ملتحفات
دسسن رسولا ناصحا وتلونه ... على رقبة منهنّ مستترات
فبتّ أعاطيهن صرف صبابة ... وبتن على اللذات معتكفات
فياوجد قلبى يوم أتبعت ناظرى ... سليمى وجادت بعدها عبراتى
وقال الأحنف بن قيس: من لم يستوحش من ذلّ المسألة لم يأنف من الرد.
وقال سفيان الثورى لأخ له: هل بلغك شىء مما تكرهه عمن لا تعرف؟
قال: لا، قال: فأقلل ممن تعرف.
أخذه ابن الرومى، فقال:
عدوّك من صديقك مستفاد ... فأقلل ما استطعت من الصحاب
فإنّ الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب
فدع عنك الكثير فكم كثير ... يعاف، وكم قليل مستطاب؟
стр. 889
وما اللّجج الملاح مرويّات ... ويلفى الرّىّ فى النّطف العذاب
[جمل من ألوان المديح]
وقال رجل لخالد القسرى: والله إنك لتبذل ماجلّ، وتجبر ما انفلّ، وتكثر ما قلّ؛ ففضلك بديع، ورأيك جميع، تحفظ ما شذّ، وتؤلف ما ندّ.
وسئل أعرابى عن قومه، فقال: يقتلون الفقر، عند شدّة القرّ، وأرواح الشتاء، وهبوب الجر بياء «١» ، بأسنمة الجزور، ومترعات القدور، تهش وجوههم عند طلب المعروف، وتعبس عند لمعان السيوف.
ووصف أعرابى قوما فقال: لهم جود كرام اتّسعت أحوالها، وبأس ليوث تتبعها أشبالها، وهمم ملوك انفسحت آمالها، وفخر آباء شرفت أخوالها.
وقال خالد بن صفوان، وقد دخل على بعض الولاة: قدمت فأعطيت كلّا بقسطه من نظرك [ومجلسك] ، وصوتك، وعدلك، حتى كأنك من كلّ أحد، وحتى كأنك لست من أحد.
وذكر خالد رجلا فقال: كان والله بديع المنطق، ذلق الجرأة، جزل الألفاظ، عربىّ اللسان، ثابت العقدة، رقيق الحواشى، خفيف الشفتين، بليل الريق، رحب الشرف، قليل الحركات، خفىّ الإشارات، حلو الشمائل، حسن الطلاوة، حييّا جريّا، قؤولا صموتا، يفل الحزّ، ويصيب المفاصل، لم يكن بالهذر فى منطقه، ولا بالزمر فى مروءته، ولا بالخرق فى خليقته، متبوعا غير تابع، كأنه علم فى رأسه نار.
وقال بعض البلغاء لرئيسه: إنّ من النعمة على المثنى عليك أنه لا يأمن التقصير، ولا يخاف الإفراط، ولا يحذر أن تلحقه نقيصة الكذب، ولا ينتهى به المدح إلى غاية إلّا وجد فى فضلك عونا على تجاوزها. ومن سعادة جدّك أن الداعى لا يعدم كثرة المشايعين، ومساعدة النيّة على ظاهر القول.
стр. 890
ألفاظ لأهل العصر، فى ضروب الممادح
قد وضعت كثرة التجارب، فى يده مرآة العواقب. قد نجّدته صروف الدهور، وحنّكته مصاير الأمور. قد أرضعته الحنكة بلبانها، وأدّبته الدّربة فى إبانها.
فلان نوازل التجارب حنّكته، وفوادح الأيام عركته. هو عارف بتصاريف [الأيام، آخذ برهان التجارب، نافذ فى مجال التحصيل والتمييز. قد صحب الأيام، وتولّى] النقض والإبرام. هو ابن الدهر حنكة وتجريبا، وعودا على الدهر صليبا.
قد أدّبه الليل والنهار، ودارت على رأسه الأدوار، واختلفت به الأطوار. له همّة علا جناحها إلى عنان النجم. وامتدّ صباحها من شرق إلى غرب، لا يتعاظمه إشراف الأمر إذا أخطره بفكره، وانتساف الصّخر إذا ألقاه فى وهمه، همّته أبعد من مناط الفرقد، وأعلى من منكب الجوزاء. أوسع من الأرض ذات العرض. هو حىّ القلب، منشرح الصّدر، ذكىّ الذهن، شجاع الطبع، ليس بالنؤوم ولا السؤوم، فذّ فرد، وأسدورد، وكأنّ له فى كل جارحة قلبا. كأنّ قلبه عين، وكأن جسمه سمع.
شهاب مقدّم، وقدح مقوّم. [وهو شهم] مشدود النطاق، قائم على ساق، قد جدّ واجتهد، وحشر وحشد، شمّر عن ساق الجد ما أطاق، قد ركب الصعب والذّلول، وتجشّم الحزن والسّهول، وقطع البر والبحر، وأعمل السيف والرمح، وأسرج الدّهم والشهب «١» . هو مولود فى طالع الكمال، وهو جملة الجمال. قد أصبح عين المكارم، وزين المحافل. هو فرد دهره، وشمس عصره، وزبن مصره، وهو علم الفضل، وواسطة عقد الدهر، ونادرة الفلك، ونكتة الدنيا، وغرّة العصر. قد بايعته يد المجد، ومالت به الشورى إلى النصر. فلان يزيد عليهم زيادة الشمس على البدر، والبحر على القطر. هو رائش نبلهم، ونبعة فضلهم، وجمّة وردهم،
стр. 891
وواسطة عقدهم. هو صدرهم وبدرهم، ومن عليه يدور أمرهم، ينيف عليهم إنافة صفحة الشمس على كرة الأرض، كأنهم فلك هو قطبه، وجسد هو قلبه، ومملوك هو ربّه. هو مشهور بسيادتهم، وواسطة قلادتهم. موضعه من أهل الفضل موضع الواسطة من العقد، وليلة التّمّ من الشهر، بل ليلة القدر إلى مطلع الفجر.
أفضل وأنعم، وأسدى فى الإحسان وألحم، وأسرج فى الإكرام وألجم، قسم من إنعامه ما يسع أمما، وتلقى السعادة أمما «١» ، أعطاه عنان الاهتمام، حتى استولى على قصب المرام. ردّ عنه الدهر أحصّ الجناح «٢» ، وملّكه مقادة النجاح. أولاه من معهود البرّ ومألوفه، وقصّرت الأعداء عن مئاته وألوفه. أولاه إسعافا سمحا وعطاء سحّا، ومننا صفوا وعفوا. أفاض عليه شعاب البرّ ومسايله، وجمع له شعوب الجميل وقبائله، وهطلت عليه سحائب عنايته، ورفرفت حوله أجنحة رعايته. قد فكه بكرمه من قيد السؤال، ومعرّة الاختلال. راشه بعد ما حصّه الفقر، وأرضاه وقد أسخطه الدهر. ملأ العيون، وسهر دوننا لتحقيق الظنون. قد شمت من كرمه أكرم سحاب، وحصلت من إنعامه فى أخصب جناب. قد سد ثلمة حالى، وأدرّ حلوبة آمالى. ما أخلو من طلّ إحسانه ووابله، وغابر إنعامه وقابله. قد استمطرت منه بنوء غزير. وسريت فى ضوء قمر منير. قد كرعت من برّه فى مشارع تغزر ولا تنزر، ورفلت من طوله فى ملابس تطول ولا تقصر. إقامته فى ظلّ ظليل، وفضل جزيل، وريح بليل، ونسيم عليل، وماء روىّ، ومهاد وطىّ، وكنّ كنين، ومكان مكين. أنا آوى إلى ظلّه كما يأوى الطير المذعور إلى الحرم، وأواجه منه وجه المجد وصورة الكرم. أنا من إنعامه بين خير مستفيض، وجاه عريض، ونعم بيض.
قد استظهرت على جور الآيام بعد له، واستترت من دهرى بظلّه. ما أردد فيه طرفى
стр. 892
وأعدّه من خالص ملكى منتسب إلى عطائه، أو مكتسب بجميل آرائه. مسافة بصرى تبعد إن سافرت فى مواهبه، وركائب فكرى تطلح «١» إن أنضيتها فى استقراء صنائعه.
نعمته نعمة عمّت الأمم، وسبقت النعم، وكشفت الهموم ورفعت الهمم، نعمه قد سطع صباحها مستنيرا، وطنب شعاعها مستطيرا، قد عرفتنى نعمه حتى استنفدت شكر لسانى ويدى وأتعبت ظهرى، وملأت صدرى. نعمه عندى مشرقة الجوّ، مغرقة النوء، مونقة الضوء. تتابعت نعمه تتابع القطر على القفر، وترادفت مننه ترادف الغنى إلى ذوى الفقر. نعمه أشرقت بها أرضى، ومطر بها روضى، وورى لها زندى، وعلامعها جدّى، وأتانى الزمان يعتذر من إساءته، وجاءنى الدهر ينتظر أمرى.
نعمه أنعمت البال، وسرّت النفس والحال. نعم تعمّ عموم المطر، وتزيد عليه بإفراد النفع عن الضرر. نعم تضعف الخواطر عن التماسها، وتصغر القرائح عن اقتراحها. له أياد قد عمّت الآفاق، ووسمت الأعناق، وأياد قد حبست عليك الشكر، واستعبدت لك الحر. منن توالت توالى القطر، واتسعت سعة البرّ والبحر، وأثقلت كاهل الحرّ. عندى قلادة منتظمة من مننه قد جعلتها وقفا على نحور الأيام، وجلوتها على أبصار الأنام. أياد يقصر عن حقوقها جهد القول، وتزهر فيها سواطع الإنعام والطّول. أياديه أطواق فى أجياد الأحرار، وأفلاك تدور على ذوى الأخطار. له منن تضعف عن تحملها عواتق الأطواد، ويتضاعف حملها على السّبع الشداد، لو تحمل الثّقلان ثقل هذا الامتنان لأثقل كواهلهم وأضعف عواتقهم. أياد يفرض لها الشكر ويحتم، ومنن يبتدأ بها الذكر ويختم. أياد تثقل الكاهل، ومنن تتعب الأنامل.
منن تضعف منن الشكر «٢» ، وينشر معها قوى النّشر، منن هى أحسن أثرا من الغيث فى أزاهير الربيع، وأحلى موقعا من الأمن عند الخائف المروع. إن أتعبت نفسى فى
стр. 893
تعداد مننه وحصرها فسأطمع فى إحصاء السحاب وقطرها. أياد لا تحصى أو تحصى محاسن النجوم، ومنن لا تحصر أو تحصر أقطار الغيوم. أياد كعدد الرمل والنمل، أعيت على العدّ، ولم تقف عند حد. زادت أياديه حتى كادت تجهد الأعداد، وتسبق الإعداد. أياديه عندى أغزر من قطر المطر، وعوارفه لدىّ أسرع من رجع البصر. رفعتنى من قعر التراب، إلى سمك السحاب. استنبطه من الحضيض الأوهد، إلى السناء الأمجد، وقد نبّهه عن خمول، وأجرى الماء فى عوده بعد ذبول، ورقّاه إلى ذروة من المجد بعد نزول. فضائل تزل أقدام النجوم لو وطئتها، وتقصر همم الأفلاك لو طلبتها، ثبت قدمه فى المحلّ المنيف، ومكّنه من جوامع التشريف.
جذب بضبعه من المسقط المنحطّ، إلى المرفع المشتطّ.
ولهم فى أدعية من صدور الكتب تليق بهذه الأثنية والممادح
أطال الله له البقاء، كطول يده بالعطاء، ومدّ له فى العمر، كامتداد ظله على الحرّ، وأدام له المواهب، كما أفاض به الرغائب، وحرس لديه الفضائل، كما عوّذ به الشمائل «١» .
تولّى الله عنى مكافأته، وأعان على الخير نيّته وفعله، وأصحب بقاءه عزّا يبسط يديه لأوليائه على أعدائه، وكلاءة تذبّ عن ودائع مننه عنده «٢» ، وزاد فى نعمه وإن عظمت، وبلغه آماله وإن انفسحت، ولا زال الفضل يأوى منه إلى ركن منيع، وجناب مريع. لا زالت الألسن عليه بالثناء ناطقة، والقلوب على مودته متطابقة، والشهادات له بالفضل متناسقة. لا زال يعطف على الصادر والوارد، عطف الأم والوالد. أبقاه الله للجميل يعلى معالمه، ويحمى مكارمه، ويعمر مدارجه، ويثمّر نتائجه. أدام الله أيامه التى هى أيام الفضائل ومواقيتها، وأزمان المآثر وتواريخها. أدامه الله
стр. 894
للمواهب، سامية الذوائب، موفية على منية الراجى وبغية الطالب. أبقاه الله للعطاء يفضّه بين خدمه، والجمال يفيضه على إنشاء نعمه، والله يتابع له أيام العلاء والغبطة، والنماء والبسطة، ليرتع أنواع الخدم فى رياض فواضله، ويكرع أصناف الحشم فى حياض مواهبه، والله يبقيه طويل الذراع، مديد الباع، مليّا بالاتصال «١» والاصطناع. جزاه الله عن نعمة هيّأها بعد أن أسبغها، وعارفة ملّاها «٢» بعد أن سوّغها. أفضل ما جازى به مبتدىء إحسان، ومجير إنسان، لا زال مكانه مصانا «٣» للكرم، معانا للنعم، لا تريمه المواهب، ولا ترومه النوائب، بسطت بالعلا يده، وقرن بالسعادة جدّه، وجعل خير يوميه غده، ولا زالت الأيام والليالى مطاياه، فى أمانيه وآماله [وأيامه] ، وصرف صروف الغير عن إصابة إقباله وكماله.
وقال ابن المعتز فى القاسم بن عبيد الله:
أيا حاسدا يكوى التلهف قلبه ... إذا ما رآه غازيا وسط عسكر
تصفّح بنى الدنيا فهل فيهم له ... نظير ترى ثم اجتهد وتفكّر
فإن حدّثتك النفس أنك مثله ... بنجوى ضلال بين جنبيك مضمر
فجد، وأجد رأيا، وأقدم على العدا ... وشدّ عن الإثم المازر واصبر
وعاص شياطين الشباب وقارع النوائب ... وارفع صرعة الضر واجبر
فإن لم تطق ذا فاعذر الدهر واعترف ... لأحكامه واستغفر الله يغفر
[منزلة صناعة الكلام]
قال الجاحظ: صناعة الكلام علق نفيس، وجوهر ثمين، هو الكنز الذى لا يفنى ولا يبلى، والصاحب الذى لا يملّ ولا يقلى، وهو العيار على كلّ
стр. 895
صناعة، والزمام لكل عبارة، والقسطاس الذى به يستبين نقص كلّ شىء ورجحانه، والراووق الذى يعرف به صفاء كلّ شىء وكدره، والذى كلّ علم عليه عيال، وهو لكلّ تحصيل آلة ومثال وقال ابن الرومى:
ما عذر معتزلىّ موسر منعت ... كفّاه معتزليا مثله صفدا»
أيزعم القدر المحتوم ثبّطه ... إن قال ذاك فقد حلّ الّذى عقدا
وقال [ابن الرومى] :
لذوى الجدال إذا غدوا لجدالهم ... حجج تضلّ عن الهدى وتجور
وهن كآنية الزّجاج تصادمت ... فهوت، وكلّ كاسر مكسور
فالقاتل المقتول ثمّ لضعفه ... ولوهيه، والآسر المأسور
وقال أبو العباس الناشىء يفتخر بالكلام:
ونحن أناس يعرف الناس فضلنا ... بألسننا زينت صدور المحافل
تنير وجوه الحقّ عند جوابنا ... إذا أظلمت يوما وجوه المسائل
صمتنا فلم نترك مقالا لصامت ... وقلنا فلم نترك مقالا لقائل
وقال يصف أصحابه:
فلو شهدت مقاماتى وأنديتى ... يوم الخصام وماء الموت يطّرد
فى فتية لم يلاق الناس مذ وجدوا ... لهم شبيها ولا يلفون إن فقدوا «٢»
مجاور والفضل أفلاك العلا سبل التقوى ... محلّ الهدى عمد النّهى الوطد
كأنهم فى صدور الناس أفئدة ... تحسّ ما أخطئوا فيها وما عمدوا
يبدون للناس ما تخفى ضمائرهم ... كأنهم وجدوا منها الذى وجدوا
دلّوا على باطن الدنيا بظاهرها ... وعلم ما غاب عنهم بالذى شهدوا
مطالع الحقّ ما من شبهة غسقت ... إلّا ومنهم لدينا كوكب يقد «٣»
стр. 896
وقال سعيد بن حميد:
قالت: اكتم هواى واكن عن اسمى ... بالعزيز المهيمن الجبّار
قلت: لا أستطيع ذلك، قالت: ... صرت بعدى تقول بالإجبار
وتخلّيت عن مقالة بشر بن ... غياث لمذهب النجّار
وقال أبو القاسم بن عباد الصاحب:
كنت دهرا أقول بالإستطاعة ... وأرى الجبر ضلّة وشناعه
ففقدت استطاعتى فى هوى ظبى؛ ... فسمعا للمجبرين وطاعه
وقال أيضا:
ولما تناءت بالحبيب دياره ... وصرنا جميعا من عيان إلى وهم «١»
تمكّن منّى الشوق غير مخالس ... كمعتزلىّ قد تمكّن من خصم
[بعض ما قيل فى النسيب]
وأنشد محمد بن سلام بعض هذه الأبيات التى أنشدها، وزعم أنها لأبى كبير الهذلى، ورويت ليزيد بن الطّثريّة وغيره، والرواة يدخلون بعض الشعر فى بعض، وهى:
عقيلية، أمّا ملاث إزارها ... فوعث، وأمّا خصرها فبتيل «٢»
تقيّظ أكناف الحمى، ويظلها ... بنعمان من وادى الأراك مقيل
فياخلّة النفس التى ليس دونها ... لنا من أخلّاء الصفاء خليل
ويا من كتمنا حبّه، لم يطع له ... عدوّ، ولم يؤمن عليه دخيل
أما من مقام أشتكى غربة النوى ... وخوف العدا فيه إليك سبيل
أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك؟ وكلا ليس منك قليل
стр. 897
وإن عناء النفس- مادمت هكذا ... عنود النوى محجوبة- لطويل
أراجعة قلبى علىّ فرائح ... مع الرّكب لم يكتب عليك قتيل
فلا تحملى وزرى وأنت ضعيفة ... فحمل دمى يوم الحساب ثقيل
فياجنّة الدنيا، ويا منتهى المنى ... ويا نور عينى، هل إليك سبيل؟
فديتك، أعدائى كثير، وشقّتى ... بعيد، وأشياعى لديك قليل
وكنت إذا ما جئت جئت بعلّة ... فأفنيت علّاتى، فكيف أقول؟
فما كلّ يوم لى بأرضك حاجة ... ولا كلّ يوم لى إليك رسول
وأنشد ابن سلّام لأبى كبير الهذلى:
وإنى لمستسق لها الله كلّما ... لوى الدّين معتلّ وشحّ غريم
سحائب لا من صيّب ذى صواعق ... ولا محرقات ماؤهن حميم
ولا مخلفات حين هجن بنسمة ... إليهن هوجاء المهبّ عقيم
إذا ما هبطن القاع قد مات نبته ... بكين به حتى يعيش هشيم
[عمران بن حطان والحجاج]
ولما ظفر الحجّاج بعمران بن حطان الشارى «١» قال: اضربوا عنق ابن الفاجرة، فقال عمران: لبئسما أدّبك أهلك يا حجّاج! كيف أمنت أن أجيبك بمثل ما لقيتنى به؟ أبعد الموت منزله أصانعك عليها؟ فأطرق الحجاج استحياء، وقال: خلّوا عنه؛ فخرج إلى أصحابه، فقالوا: والله ما أطلقك إلا الله، فارجع إلى حربه معنا، فقال: هيهات! غلّ يدا مطلقها، واسترقّ رقبة معتقها! وأنشد:
أأقاتل الحجاج عن سلطانه ... بيد تقرّ بأنها مولاته؟
إنى إذا لأخو الدّناءة، والذى ... عفّت على عرفانه جهلاته
стр. 898
ماذا أقول إذا وقفت موازيا ... فى الصفّ وأحتجّت له فعلاته؟
وتحدّث الأكفاء أنّ صنائعا ... غرست لدىّ فحنظلت نخلاته
أأقول جار علىّ؟ إنى فيكم ... لأحقّ من جارت عليه ولاته
تالله ما كدت الأمير بآلة ... وجوارحى وسلاحها آلاته
أخذ أبو تمام هذا فقال معتذرا إلى أبى المغيث موسى بن إبراهيم الرافعى:
أألبس هجر القول من لو هجوته ... إذا لهجانى عنه معروفه عندى
كريم متى امدحه أمدحه والورى ... معى، وإذا مالمته لمته وحدى
وعمران بن حطان هو القائل:
لم يعجز الموت شىء دون خالقه ... والموت فان إذا ما غاله الأجل
وكلّ كرب أمام الموت منقطع ... بالموت، والموت فيما بعده جلل «١»
وكان الفرزدق عمل بيتا، وحلف بالطلاق أنّ جريرا لا ينقضه، وهو:
فإنى أنا الموت الذى هو نازل ... بنفسك فانظر كيف أنت محاوله
فاتصل ذلك بجرير، فقال: أنا أبو حزرة، طلقت امرأة الخبيث، وقال:
أنا الدّهر يفنى الموت والدهر خالد ... فجئنى بمثل الدهر شيئا يطاوله
وإنما أشار جرير إلى قول عمران.
وهو عمران بن حطّان بن ظبيان بن سهل بن معاوية بن الحارث بن سدوس ابن سنان بن ذهل بن ثعلبة، ويكنى أبا شهاب، وكان من الشّراة، وكان من أخطب الناس وأفصحهم، وكان إذا خطب ثارت الخوارج إلى سلاحها، وكان من أقبح الناس وجها، قالت له امرأته وكانت فى الجمال مثله فى القبح:
إنى لأرجو أن أكون وإياك فى الجنة؛ لأن الله رزقك مثلى فشكرت، وابتلانى بمثلك فصبرت!
стр. 899
[بين أعرابى وبعض الولاة]
ودخل أعرابى على بعض الولاة فقال: أصلح الله الأمير، اجعلنى زماما من أزمّتك، فإنى مسعر حرب «١» ، وركّاب نجب، شديد على الأعداء، ليّن على الأصدقاء، منطوى الحصيلة، قليل الثّميلة «٢» ، [قليل] غرار النوم، قد غذتنى الحروب أفاويقها، وحلبت الدهر أشطره، فلا يمنعك منى الدّمامة، فإنّ تحتها لشهامة.
[الدنيا، وأهلها]
قال المسيح ﵇: الدّنيا لإبليس مزرعة، وأهلها له حرّاث.
وقال إبليس لعنه الله: العجب لبنى آدم يحبّون الله ويعصونه، ويبغضوننى ويطيعوننى.
[أربع كلمات طيبات]
خرج الزهرى يوما من عند هشام بن عبد الملك فقال: ما رأيت كاليوم، ولا سمعت كأربع كلمات تكلّم بهن رجل عند هشام؛ دخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين؛ احفظ عنى أربع كلمات، فيهن صلاح ملكك، واستقامة رعيّتك.
قال: هاتهنّ؟ قال: لا تعدن عدة لا تثق من نفسك بإنجازها، ولا يغرنّك المرتقى وإن كان سهلا إذا كان المنحدر وعرا، واعلم أن للأعمال جزء فاتّق العواقب، وأن للأمور بغتات فكن على حذر.
قال عيسى بن دأب: فحدّثت بهذا الحديث الهادى وفى يده لقمة قد رفعها إلى فيه فأمسكها، وقال: ويحك أعد علىّ! فقلت: يا أمير المؤمنين، أسغ لقمتك، فقال: حديثك أحبّ إلىّ.
стр. 900
[بين معاوية وعمرو بن سعيد]
ولما عقد معاوية البيعة ليزيد قام الناس يخطبون؛ فقال لعمرو بن سعيد:
قم يا أبا أمية، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أمّا بعد فإنّ يزيد بن معاوية أجل تؤمونه، وأمل تؤملونه، إن استضفتم إلى حلمه وسعكم «١» ، وإن احتجتم إلى رأيه أرشدكم، وإن افتقرتم إلى ذات يده أعناكم، جذع قارح «٢» ، سوبق فسبق، وموجد فمجد، وقورع فقرع، وهو خلف أمير المؤمنين، ولا خلف عنه، فقال له معاوية: اجلس، فقد أبلغت.
وعمرو بن سعيد هذا هو الأشدق؛ [وإنما سمى الأشدق] لتشادقه فى الكلام، وقيل: بل كان أفقم مائل الشدق، وهذا قول عوانة بن الحكم الكلبى، وهو خلاف قول الشاعر:
تشادق حتى مال فى القول شدقه ... وكلّ خطيب لا أبالك أشدق
وكان أبوه سعيد بن العاص أحد خطباء بنى أمية وبانائهم.
ولما مات سعيد دخل عمرو على معاوية فاستنطقه فقال: إن أوّل كل مركب صعب، وإن مع اليوم غدا، فقال معاوية: وفى هذه العلة إلى من أوصى بك أبوك؟ قال: أوصى إلىّ ولم يوص بى، فقال معاوية: إن ابن سعيد هذا لأشدق!
[من تواضع الرشيد]
قال ابن السماك للرشيد: يا أمير المؤمنين، تواضعك فى شرفك أفضل من شرفك؛ إنّ رجلا آتاه الله مالا وجمالا وحسبا، فواسى فى ماله، وعفّ فى جماله، وتواضع فى شريه؟؟؟، كتب فى ديوان الله .
стр. 901
[للمتنبى فى حمى أصابته بمصر]
نالت أبا الطيب المتنبّى علّة بمصر، فكان بعض إخوانه من المصريين يكثر الإلمام «١» به: فلما أبلّ قطعه، فكتب إليه: وصلتنى أعزّك الله معتلا، وقطعتنى مبلّا، فإن رأيت ألّا تسكدر الصحة علىّ، وتحبّب العلة إلىّ، فعلت.
وفى هذه العلة يقول:
أقمت بأرض مصر؛ فلا ورائى ... تخبّ بى الركاب، ولا أمامى
عليل الجسم ممتنع القيام ... شديد السّكر من غير المدام
وزائرتى كأنّ بها حياء ... فليس تزور إلا فى الظّلام
بذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها، وباتت فى عظامى
يضيق الجلد عن نفسى وعنها ... فتوسعه بأنواع السّقام
إذا ما فارقتنى غسّلتنى ... كأنا عاكفان على حرام
كأن الصّبح يطردها فتجرى ... مدامعها بأربعة سجام
أراقب وقتها من غير شوق ... مراقبة المشوق المستهام
ويصدق وعدها والصدق شرّ ... إذا ألقاك فى الكرب العظام
ألفاظ لأهل العصر فى العيادة وما جانسها من ذكر التّشكّى والمرض وتلونه، وسوء أثره، والانزعاج لعوارضه
عرض لى مرض أساء بالنجاة ظنى، وكاد يصرف وجه الإفاقة عنى.
هو شورى بين أمراض أربعة: صداع لا يخفّ، وحمّى لا تغبّ «٢» ، وزكام لا يجف، وسعال لا يكفّ. علّة هو فى أسرها معتقل، وبقيدها مكبّل.
стр. 902
أمراض تلوّنت علىّ، وأساءت بى وإلىّ، فأنا أشكر الله تعالى إذ جعلها عظة وتذكيرا، ولم يبق منها الآن إلا يسيرا، أحسب أن الأمراض قد أقسمت على أن تجعل أعضائى مراتعها، [وآلت على أن تصيّر جوارحى مرابعها] .
علل لا يصدر منها [آت إلا لتكدير ورد] ولا يعزل منها وال إلا بولىّ عهد.
قد كرّت تلك العلة فعادت عللا، [وسقتنى بعد نهل عللا] «١» . علل برته برى الأخلّة، ونقصته نقص الأهلّة، وتركته حرضا، وأوسعته مرضا، وغادرته والخيال أكثف منه جثّة، والطيف أوفر منه قوّة. عرض له من المرض ما صار معه القنوط يغاديه ويراوحه، واليأس يخاطبه ويصافحه.
قد ورد من سوء الظن أو خم المناهل، وبات من حسن الرجاء على مراحل.
طالعت الكرم يترجّح نجمه بين الإضاءة والأفول، وتمثل شمسه بين الإشراق والغروب. أصبح فلان لا يقلّ رأسه «٢» ، ولا يحور ظله، ويد المنية تقرع بابه.
ما هو للعلة إلا عرض، ولسهام المنية إلا غرض. شاهدت نفسى وهى تخرج، ولقيت روحى وهى تعرج، وعرفت كيف تكون السّكرة، وكيف تقع الغمرة، وكيف طعم البعد والفراق، وكيف تلتفّ الساق بالساق. مرض لحقتنى روعته، وملكتنى لوعته. وجدت فى نفسى ألما أوحشه آنسه وآنسه أوحشه.
بلغنى من شكايته ما أوحش جناب الأنس، وأرانى الظلّمة فى مطلع الشمس.
قد بلغنى ما عرض لك من المرض، وألمّ بك من الألم؛ فتحامل على سوداء صدرى، وأقذى سواد طرفى، وفد استنفد القلق لعلّتك ما أعدّه الصبر من ذخيرة، وأضعف ما قوّاه العزم من بصيرة. قلبى يتقلّب على حدّ السيف إلى أن أعرف انكشاف العارض وزياله، وأتحقّق انحساره وانتقاله. أنهى إلى من الخبر العارض، حسم الله مادّته، وقصّر مدّته، ما أرانى الأفق مظلما، والعيش مبهما.
стр. 903
فقر فى تهوين العلة بحسن الرجاء، وذكر المشاركة والاهتمام بحلولها والاستبشار بزوالها
إن الذى بلغنى من ضعفه قد أضعف المنّة، وإن لم يضعف الظنّ بالله والثّقة. قد استشفّ العافية من ثوب رقيق. ما أكثر ما رأينا هذه العلل حلّت ثم تجلّت وتوالت ثم تولّت. خبّرنى فلان بعلّتك فأشركنى فيها ألما وقلقا، فلا أعلّ الله لك جسما ولا حالا، فليست نكاية الشغل فى قلبى بأقلّ من نكاية الشكاية فى جسمك، ولا استيلاء القلق على نفسى بأيسر من اعتراض السّقم لبدنك، ومن ذا الذى يصحّ جسمه إذا تألمت إحدى يديه، ومن يحل محلّها فى القرب إليه؟ أنا منزعج لشكاتك، مبتهج بمعافاتك، إن كانت علّتك قد قرحت وجرحت، فإنّ صحتك قد آست وآنست «١» . بلغتنى شكاتك فارتعت، ثم عرفت خفّتها فارتحت. الحمد لله على قرب المدة بين المحنة والمنحة، والنقمة والنعمة، وعلى أنّا لم نتهالك بأيدى المخافة حتى تدارك بحسن الرأفة، ولم نستسلم لخطّة الحذر حتى سلم من ورطة القدر.
ولهم فى شكاة أهل الفضل والسؤود
شكاته التى تتألّم منها المروءة والفضل. ويسقم منها الكرم المحض.
شكاته التى غصّت بها حلوق المجد، وحرجت لها صدور أهل الأدب والعلم «٢» ، وبدا الشحوب معها على وجه الحرية، وحرم معها البشر على غرّة المروءة. قد اعتلّ بعلّته الكرم، وشكا بشكايته السيف والقلم. شكاة عرضت منه لشخص الكرم الغضّ، والشرف المحض. لو قبلت مهجتى فدية، دون وعكة تجدها،
стр. 904
لجدت بها، وساعة أنس تفقدها لبذلتها، عالما بأنى أفدى الكرم لا غير، والفضل ولا ضير.
ولهم فى تنسّم الإقبال، وذكر الإبلال
قد شمت بارقة العافية، وشممت رائحة الصحة. أقبل صنع الله من حيث لم أحتسب، وجاءنى لطفه من حيث لا أرتقب، وتدرّجت إلى الإبلال وقد حسبته حلما، ورضيت به دون الاستقلال غنما، وقد تخلّصت إلى شطّ العافية لما تداركنى الله تعالى بلطيفة من لطائفه، وجعل هبة الروح عارفة من عوارفه، وتنسمت روح الحياة، بعد أن أشفيت على الوفاة «١» ، وثنيت وجهى إلى الدنيا بعد مواجهتى للدار الأخرى. قد صافح الإقبال والإبلال، وقارب النهوض والاستقلال. سيريك الله من العافية التى أذاقك ويسبغ ثوبها، ولا يعيد عليك مكروهها. قد استقلّ استقلال اليف حودث عهده وأعيد فرنده «٢» ، والقمر انكشف سراره، وذاعت أسراره «٣» . حين استقلّت يدى بالقلم، بشّرتك بانحسار الألم. قد أتاك الله بالسلامة الفائضة، وعافاك من الشكاة العارضة. أبلّ فانشرحت الصدور، وشمل السرور. الحمد لله الذى حرس جسمك وعافاه، ومحا عنه أثر السقم وعفّاه. الحمد لله الذى جعل العافية عقبى ما تشكيت، والسلامة عوضا عما عاينت. الحمد لله الذى أعفاك من معاناة الألم، وعافاك للفضل والكرم، ونظمنى معك فى سلك النعمة، وضمّنى إليك فى منبلج الصحّة. الحمد لله الذى جعل السلامة ثوبك الذى لا تنضوه «٤» ، وسيفك فيما تأمله وترجوه. الله يجعل السلامة أطول برديك، وأشدّهما سبوغا عليك، ويدفع
стр. 905
فى صدور المكاره دون ربعك، وفى نحور المحاذير قبل الانتهاء إلى ظلك. لا زالت العافية شعارك، ما واصل ليلك نهارك.
فقر فى أذعية العيادة، والاستشفاء بكتبها
أغناك الله عن الطبّ والأطباء، بالسلامة والشفاء، وجعله عليك تمحيصا «١» لا تنغيصا، وتذكيرا لا نكيرا، وأدبا لا غضبا. الله يدرّ لك صوب العافية، ويضفى عليك ثوب الكفاية الوافية. أوصل الله تعالى إليك من برد الشفاء ما يكفيك حرّ الأدواء. كتابك قد أدّى روح السلامة فى أعضائى، وأوصل برد العافية إلى أحشائى. تركنى كتابك والنعم تثب إلى صحتى، والخطوب تتجافى عن مهجتى، بعد أمراض اكتنفت، وأسقام اختلفت. قد استبق كتابك والعافية إلى جسمى كأنهما فرسا رهان تباريا، ورسيلا مضمار تجاريا. أبدلنى كتابك من حزون الشكاية سهول المعافاة، ومن شدّة التألّم، رخاء التنعّم.
قطعة من كلام الأطباء والفلاسفة
العاقل يترك ما يحبّ ليستغنى عن العلاج بما يكره.
جالينوس: المرض هرم عارض، والهرم مرض طبيعى.
وله: مجالسة الثقيل حمّى الروح.
بختيشوع: أكل القليل مما يضرّ أصلح من أكل الكثير مما ينفع.
يوحنا بن ماسويه: عليك من الطعام بما حدث، ومن الشراب بما قدم.
وقال له المأمون: ما أحسن ما يتنقّل به على النبيذ؟ قال: قول أبى نواس، يريد قوله:
الحمد لله ليس لى مثل ... خمرى شرابى ونقلى القبل
стр. 906
ثابت بن قرة: ليس شىء أضر بالشيخ من أن تكون له جارية حسناء، وطبّاخ حاذق؛ لأنه يكثر من الطعام فيسقم، ومن الجماع فيهرم.
غيره: ليس لثلاث حيلة: فقر يخالطه كسل، وخصومه يخامرها حسد، ومرض يمازجه هرم.
ثلاثة يجب مداراتهم: السلطان، والمريض، والمرأة.
ثلاثة يعذرون على سوء الخلق: المريض، والمسافر، والصائم.
فقر فى ذكر المرض والصحة والموت والحياة لغير واحد
شيئان لا يعرفان إلّا بعد ذهابهما: الصحة والشباب. بمرارة السقم توجد حلاوة الصحة. هذا كقول أبى تمام:
إساءة دهر أذكرت حسن فعله ... إلىّ، ولولا الشّرى لم يعرف الشّهد «١»
وقوله أيضا:
والحادثات وإن أصابك بؤسها ... فهو الذى أدراك كيف نعيمها
ما سلامة بدن معرّض للآفات، وبقاء عمر معرض للساعات؟
قال أبو النجم:
إنّ الفتى يصبح للسقام ... كالغرض المنصوب للسّهام
أخطأ رام وأصاب رام
وقيل لبعض الأطباء وقد نهكته العلّة: ألا تتعالج؟ فقال: إذا كان [الداء من] السماء بطل الدواء، وإذا قدّر الرب بطل حذر المربوب، ونعم الدواء الأمل، وبئس الداء الأجل.
بزرجمهر: إن كان شىء فوق الحياة فالصحة، وإن كان شىء فوق الموت فالمرض، وإن كان شىء مثل الحياة فالغنى، وإن كان شىء مثل الموت فالفقر.
стр. 907
غيره: خير من الحياة ما لا تطيب الحياة إلا به، وشرّ من الموت ما يتمنى الموت له.
قال المتنبى فى مرثية أم سيف الدولة:
أطاب النفس أنك متّ موتا ... تمنّته البواقى والخوالى
وزلت ولم ترى يوما كريها ... تسرّ النفس فيه بالزوال
رواق العزّ فوقك مسبطرّ ... وملك علىّ ابنك فى كمال
الموت باب الآخرة الحسن: ما رأيت يقينا لا شكّ فيه أشبه بشكّ لا يقين فيه من الموت.
ابن المعتز: الموت سهم مرسل إليك، وعمرك بقدر سفره نحوك أخذه بعض أهل العصر فقال:
لا تأمن الدهر الخؤو ... ن وخفّ بوادر آفته
فالموت سهم مرسل ... والعمر قدر مسافته
البستى:
لا يغرنك أننى ليّن الم ... سّ فعزمى إذا انتضيت حسام
أنا كالورد فيه راحة قوم ... ثم فيه لآخرين زكام
وقال آخر:
إن الجهول تضرّنى أخلاقه ... ضرر السّعال لمن به استسقاء
ولآخر، وهو البستى:
فلا تكن عجلا فى الأمر تطلبه ... فليس يحمد قبل النّضج بحران
وقال آخر:
لا تعتمد إلا رئيسا فاضلا ... إن الكبار أطبّ للأوجاع
وقال آخر:
وإنى لأختصّ بعض الرجال ... وإن كان فدما ثقيلا عباما «١»
стр. 908
فإنّ الجبنّ على أنه ... ثقيل وخيم يشهّى الطّعاما
وقال المتنبى:
لعلّ عتبك محمود عواقبه ... وربما صحّت الأجسام بالعلل
وقال أيضا:
أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
[من الأجوبة المفحمة]
قال أبو المنذر هشام بن محمد السائب الكلبى: كان بلال بن أبى بردة جلدا حين ابتلى، أحضره يوسف بن عمر فى قيوده لبعض الأمر، وهم بالحيرة؛ فقام خالد بن صفوان فقال ليوسف: أيها الأمير، إنّ عدوّ الله بلالا ضر بنى وحبسنى ولم أفارق جماعة؛ ولا خلعت يدا من طاعة، ثم التفت إلى بلال فقال: الحمد لله الذى أزال سلطانك، وهدّ أركانك، وأزال جمالك، وغيّر حالك، فوالله لقد كنت شديد الحجاب، مستخفّا بالشريف، مظهرا للعصبية! فقال بلال:
يا خالد؛ إنما استطلت علىّ بثلاث معك هنّ علىّ: الأمير مقبل عليك، وهو عنى معرض. وأنت مطلق، وأنا مأسور. وأنت فى طينتك، وأنا غريب! فأفحمه، [ويقال: إن آل الأهتم زعنفة دخلت فى بنى منقر فانتسبت إليهم] «١» وكان سبب ضرب بلال خالدا فى ولايته أن بلالا مرّ بخالد فى موكب عظيم، فقال خالد:
سحابة صيف عن قليل تقشّع
فسمعه بلال، فقال: والله لا تقشع أو يصيبك منها شؤبوب «٢» برد، وأمر بضربه وحبسه.
[رثاء قدح]
وقال أبو الفتح كشاجم يرثى قدحا له انكسر:
стр. 909
عرانى الزمان بأحداثه ... فبعضا أطقت، وبعض فدح «١»
وعندى فجائع للحادثات ... وليس كفجعتنا بالقدح
وعاء المدام، وتاج البنان ... ومدنى السرور، ومقصى التّرح «٢»
ومعرض راح متى تكسه ... ويستودع السرّ منها يبح
وجسم هواء وإن لم يكن ... يرى للهواء بكفّ شبح
يردّ على الشخص تمثاله ... وإن تتّخذه مراة صلح
ويعبق من نكهات المدام ... فتحسب منه عبيرا نفح
ورقّ؛ فلو حلّ فى كفّة ... ولا شىء فى أختها ما رجح
يكاد مع الماء إن مسّه ... لما فيه من شكله ينفسح
هوى من أنامل مجدولة ... فيا عجبا من لطيف رزح
فأفقدنيه على ضنّة ... به للزمان غريم ملح
كأنّ له ناظرا ينتقى ... فمتى يتعمّد غير الملح
أقلّب ما أبقت الحادثا ... ت منه وفى العين دمع يسح
وقد قدح الوجد منى به ... على القلب من ناره ما قدح
وأعجب من زمن مانح ... وآخر يسلب تلك المنح
فلا تبعدنّ فكم من حشّى ... عليك كليم وقلب قرح
سيقفر بعدك رسم الغبوق ... وتوحش منك مغانى الصّبح
[من طرائف الوصف]
ومن أحسن ما قيل فى وصف قدح، قول ابن الرومى يصف قدحا أهداه إلى على بن يحيى المنجم:
стр. 910
وبديع من البدائع يسبى ... كلّ عقل، ويطّبى كلّ طرف «١»
رقّ فى الحسن والملاحة حتى ... ما يوفّيه واصف حقّ وصف
كفم الحبّ فى الملاحة بل أشهى ... وإن كان لا يناجى بحرف
تنفذ العين فيه حتى تراها ... أخطأته من رقّة المستشفّ
كهواء بلا هباء مشوب ... بضياء، أرقق بذاك وأصف
صيغ من جوهر مصفّى طباعا ... لا علاجا بكيمياء مصفّ
وسط القدر، لم يكبّر لجرع ... متوال، ولم يصغّر لرشف
لا عجول على العقول جهول ... بل حليم عنهنّ فى غير ضعف «٢»
فيه نون معقرب عطّفته ... حكماء القيون أحكم عطف
مثل عطف الأصداغ فى وجنات ... من حبيب يزهى بحسن وظرف
ما رأى الناظرون قدّا وشكلا ... مثله فارسا على بطن كفّ
وقال أبو القاسم التنوخى:
وراح من الشمس مخلوقة ... بدت لك فى قدح من نهار
هواء ولكنه جامد ... وماء ولكنه غير جار
إذا ما تأملتها وهى فيه ... تأمّلت نورا محيطا بنار
فهذا النهاية فى الابيضاض ... وهذا النهاية فى الاحمرار
وما كان فى الحق أن يقرنا ... لفرط التّنافى وبعد النّفار
ولكن تجاور شكلاهما ال ... بسيطان فاتّفقا فى الجوار
كأنّ المدير لها باليمين ... إذا قام للسّقى أو باليسار
تدرع ثوبا من الياسمين ... له فردكم من الجلنار
стр. 911
وقال أبو الفتح كشاجم برثى منديل كم:
من يبك من وجد على هالك ... فإنما أبكى على دستجه «١»
جاذبنيها رشأ أغيد ... فجادت النفس بها محرجه
بديعة فى نسجها، مثلها ... يفقد من يحسن أن ينسجه
كأنما رقّة أشكالها ... من رقّة العشّاق مستخرجه
كأنما مفتول أهدا بها ... أيدى دبا فى نسق مزوجه «٢»
كأنما تفريق أعلامها ... طاوسة تختال أو درّجه
لبيسة جدّدها حسنها ... لارثّة السّلك ولا منهجه «٣»
كم رقعة من عند معشوقة ... ترسل فى أثنائها مدرجه
أو مسحة من شفة عذبة ... تبرد حرّ الكبد المنضجه
إلى تحيات لطاف بها ... تسكن منى مهجة مزعجه
كانت لمسح الكاس حتى ترى ... منها لآثار القذى مخرجه
وخاتمى يعقد فيها إذا ... آثرت من كفى أن أخرجه
وأتّقى الجام بها كلّما ... كلله المازج أو توّجه
فاستأثر الدّهر بها؛ إنه ... ذو همّة مجلية مرهجه «٤»
فأصبحت فى كمّ مختالة ... ملجمة فى هجرنا مسرجة
وقال أيضا يصف سقوط الثلج:
الثلج يسقط أم لجين يسبك ... أمّ ذا حصى الكافور ظلّ يفرّك
راحت به الأرض الفضاء كأنها ... فى كل ناحية بثغر تضحك
стр. 912
شابت مفارقها فبيّن ضحكها ... طورا، وعهدى بالمشيب ينسّك
أربى على خضر الغصون فأصبحت ... كالدرّ فى قضب الزبرجد يسلك
وتردّت الأشجار منه ملاءة ... عمّا قليل بالرياح تهتّك
كانت كعود الهند طرّى فانكفى ... فى لون ابيض وهو أسود أحلك
والجوّ من أرج الهواء كأنه ... خلع تعنبر تارة وتمسّك «١»
فخذى من الأوتار حظّك إنما ... يتحرّك الإطراب حين تحرّك
فاليوم يوزن بالملاحة، إنه ... سيطلّ فيه دم الدّنان ويسفك «٢»
وقال أيضا:
باكر فهذى صبيحة قرّه ... واليوم يوم سماؤه ثرّه
ثلج وشمس وصوب غادية ... والأرض من كل جانب غرّه
باتت وقيعانها زبرجدة ... فأصبحت قد تحوّلت درّه
كأنها والثلوج تضحكها ... تعار ممن أحبّه ثغره
كأنّ فى الجو أيديا نثرت ... درّا علينا فأسرعت نثره
شابت فسرّت بذاك وابتهجت ... وكان عهدى بالشيب يستكره
قد جلّيت بالبياض بلدتنا ... فاجل علينا الكؤوس بالحمره
وقال الصنوبرى:
ذهّب كؤوسك يا غلا ... م فإنّ ذا يوم مفضّض
الجوّ يجلى فى البيا ... ض وفى حلى الكافور يعرض
أزعمت ذا ثلج وذا ... ورد على الأغصان بنفض
ورد الربيع مورّد ... والورد فى تشرين أبيض
стр. 913
وقال البستى:
كم نظمنا عقود لهو وأنس ... وجعلنا الزمان للهو سلكا
وفتقنا الدّنان فى يوم ثلج ... عزل الكأس فيه رشدا ونسكا
فكأنّ السماء تنحلّ كافو ... را علينا، ونحن نفتق مسكا
وقال الأمير أبو الفضل الميكالى يصف الجمد:
ربّ جنين من حيا النمير ... مهتّك الأستار والضمير
سللته من رحم الغدير ... كأنها صحائف البلّور
أو أكر تجسّمت من نور ... أو قطع من خالص الكافور
لو بقيت سلكا على الدهور ... لعطّلت قلائد النّحور «١»
وأخجلت جواهر البحور ... [وسميت ضرائر الثغور]
يا حسنه فى زمن الحرور ... إذ قيظه مثل حشى المهجور «٢»
يهدى إلى الأكباد والصدور ... روحا يجلّى نفثة المصدور
ويجلب السرور للمقرور
ألفاظ لأهل العصر فى وصف الثلج والبرد والأيام الشتوية
ألقى الشتاء كلكله، وأحلّ بنا أثقاله. مد الشتاء رواقه، وألقى أوراقه، وحلّ نطاقه. ضرب الشتاء بجرانه، واستقل بأركانه، وأناخ بنوازله، وأرسى بكلا كله، وكلح بوجهه، وكشّر عن أنيابه. قد عادت [هامات] الجبال شيبا، ولبست من الثلج بردا قشيبا. شابت مفارق البروج، لتراكم الثلوج، ألمّ الشيب بها وابيضّت لممها «٣» . قد صار البرد حجابا، والثلج حجازا. برد يغير الألوان، وينشف الأبدان. برد يقضقض الأعضاء، وينفض الأحشاء. برد يجمد الريق فى الأشداق، والدمع فى الآماق. برد حال بين الكلب وهريره،
стр. 914
والأسد وزئيره، والطير وصفيره، والماء وخريره. نحن بين لثق، ورثق، وزلق «١» يوم كأنّ الأرض شابت لهوله. يوم فضّى الجلباب، مسكى النقاب، عبوس قمطرير، كشّر عن باب الزمهرير، وفرش الأرض بالقوارير. يوم أخذت الشّمال زمامه، وكسا الصّر «٢» ثيابه. يوم كأن الدنيا فيه كافورة، والسماء بلّورة.
يوم أرضه كالقوارير اللامعة، وهواؤه كالزنابير اللاسعة. يوم أرضه كالزجاج، وسماؤه كأطراف الزّجاج «٣» . يوم يثقل فيه الخفيف إذا هجم، ويخف الثقيل إذا هجر، نحن فيه بين أطباق البرد فما نستغيث إلا بحرّ الراح، وسورة الأقداح.
ليس للبرد كالبرد، والخمر، والجمر. إذا كلب الشتاء، فترياق سمومه الصّلاء، ودرق سيوفه الطّلاء «٤» .
نقيض ذلك من كلامهم فى وصف القيظ وشدة الحر
قوى سلطان الحرّ، وبسط بساط الجمر. حرّ الصيف، كحدّ السيف.
أوقدت الشمس نارها، وأذكت أوارها. حرّ يلفح حرّ الوجه. حرّ يشبه قلب الصبّ، ويذيب دماغ الضّبّ. هاجرة كأنها من قلوب العشاق، إذا اشتعلت فيها نار الفراق. هاجرة تحكى نار الهجر، وتذيب قلب الصخر. كأن البسيطة من وقدة الحر، بساط من الجمر. حرّ تهرب له الحرياء من الشمس، قد صهرت الهاجرة الأبدان، وركبت الجنادب العيدان. حر ينضج الجلود، ويذيب الجلمود أيام كأيام الفرقة امتدادا، وحرّ كحر الوجد اشتدادا. حرّ لا يطيب معه عيش، ولا ينفع معه ثلج ولا خيش. حمارّة القيظ، تغلى كدم ذى الغيظ. آب آب يجيش «٥» مرجله، ويثور قسطله. هاجرة كقلب المهجور، أو التنور المسجور. هاجرة كالجحيم الجاحم، تجر أذيال السمائم.
стр. 915
[العجلة أمّ الندامة]
قال بعض الحكماء: إياك والعجلة فإنّ العرب كانت تكنيها امّ الندامة؛ لأنّ صاحبها يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويعزم قبل أن يفكّر، ويقطع قبل أن يقدّر، ويحمد قبل أن يجرّب، ويذمّ قبل أن يخبر، ولن يصحب هذه الصفة أحد إلّا صحب الندامة، واعتزل السلامة.
[تأميل ورجاء]
ولما ولّى المهتدى «١» سليمان بن وهب وزارته قام إليه رجل من ذوى حرمته، فقال: أعزّ الله الوزير؛ أنا خادمك المؤمّل لدولتك، السعيد بأيامك، المنطوى القلب على ودّك، المنشور اللسان بمدحك، المرتهن بشكر نعمتك، وقد قال الشاعر:
وفيت كل صديق ودّنى ثمنا ... إلا المؤمل دولاتى وأيّامى
فإننى ضامن ألّا أكافئه ... إلا بتسويغه فضلى وإنعامى
وإنى لكما قال القيسى: ما زلت أمتطى النهار إليك، وأستدلّ بفضلك عليك، حق إذا جنّنى الليل فغضّ البصر، ومحا الأثر، أقام بدنى، وسافر أملى، والاجتهاد عذر، فإذا بلغتك فقد «٢» . قال سليمان: لا عليك؛ فإنى عارف بوسيلتك، محتاج إلى كفايتك واصطناعك، ولست أؤخر عن يومى هذا تولينك ما يحسن عليك أثره، ويطيب لك خبره، إن شاء الله.
وكتب محمد بن عباد إلى أبى الفضل جعفر بن محمود الإسكافى وزير المعتز بالله وكان المعتز يختصّ به، ويتقرّب إليه قبل الوزارة: ما زلت- أيدك الله تعالى- أذم الدهر بذمّك إياه، وأنتظر لنفسى ولك عقباه، وأتمنى زوال حال من لا ذنب له
следующие страницы →