Полный текст (1 141 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
وقال أبو الفتح كشاجم برثى منديل كم:
من يبك من وجد على هالك ... فإنما أبكى على دستجه «١»
جاذبنيها رشأ أغيد ... فجادت النفس بها محرجه
بديعة فى نسجها، مثلها ... يفقد من يحسن أن ينسجه
كأنما رقّة أشكالها ... من رقّة العشّاق مستخرجه
كأنما مفتول أهدا بها ... أيدى دبا فى نسق مزوجه «٢»
كأنما تفريق أعلامها ... طاوسة تختال أو درّجه
لبيسة جدّدها حسنها ... لارثّة السّلك ولا منهجه «٣»
كم رقعة من عند معشوقة ... ترسل فى أثنائها مدرجه
أو مسحة من شفة عذبة ... تبرد حرّ الكبد المنضجه
إلى تحيات لطاف بها ... تسكن منى مهجة مزعجه
كانت لمسح الكاس حتى ترى ... منها لآثار القذى مخرجه
وخاتمى يعقد فيها إذا ... آثرت من كفى أن أخرجه
وأتّقى الجام بها كلّما ... كلله المازج أو توّجه
فاستأثر الدّهر بها؛ إنه ... ذو همّة مجلية مرهجه «٤»
فأصبحت فى كمّ مختالة ... ملجمة فى هجرنا مسرجة
وقال أيضا يصف سقوط الثلج:
الثلج يسقط أم لجين يسبك ... أمّ ذا حصى الكافور ظلّ يفرّك
راحت به الأرض الفضاء كأنها ... فى كل ناحية بثغر تضحك
стр. 912
شابت مفارقها فبيّن ضحكها ... طورا، وعهدى بالمشيب ينسّك
أربى على خضر الغصون فأصبحت ... كالدرّ فى قضب الزبرجد يسلك
وتردّت الأشجار منه ملاءة ... عمّا قليل بالرياح تهتّك
كانت كعود الهند طرّى فانكفى ... فى لون ابيض وهو أسود أحلك
والجوّ من أرج الهواء كأنه ... خلع تعنبر تارة وتمسّك «١»
فخذى من الأوتار حظّك إنما ... يتحرّك الإطراب حين تحرّك
فاليوم يوزن بالملاحة، إنه ... سيطلّ فيه دم الدّنان ويسفك «٢»
وقال أيضا:
باكر فهذى صبيحة قرّه ... واليوم يوم سماؤه ثرّه
ثلج وشمس وصوب غادية ... والأرض من كل جانب غرّه
باتت وقيعانها زبرجدة ... فأصبحت قد تحوّلت درّه
كأنها والثلوج تضحكها ... تعار ممن أحبّه ثغره
كأنّ فى الجو أيديا نثرت ... درّا علينا فأسرعت نثره
شابت فسرّت بذاك وابتهجت ... وكان عهدى بالشيب يستكره
قد جلّيت بالبياض بلدتنا ... فاجل علينا الكؤوس بالحمره
وقال الصنوبرى:
ذهّب كؤوسك يا غلا ... م فإنّ ذا يوم مفضّض
الجوّ يجلى فى البيا ... ض وفى حلى الكافور يعرض
أزعمت ذا ثلج وذا ... ورد على الأغصان بنفض
ورد الربيع مورّد ... والورد فى تشرين أبيض
стр. 913
وقال البستى:
كم نظمنا عقود لهو وأنس ... وجعلنا الزمان للهو سلكا
وفتقنا الدّنان فى يوم ثلج ... عزل الكأس فيه رشدا ونسكا
فكأنّ السماء تنحلّ كافو ... را علينا، ونحن نفتق مسكا
وقال الأمير أبو الفضل الميكالى يصف الجمد:
ربّ جنين من حيا النمير ... مهتّك الأستار والضمير
سللته من رحم الغدير ... كأنها صحائف البلّور
أو أكر تجسّمت من نور ... أو قطع من خالص الكافور
لو بقيت سلكا على الدهور ... لعطّلت قلائد النّحور «١»
وأخجلت جواهر البحور ... [وسميت ضرائر الثغور]
يا حسنه فى زمن الحرور ... إذ قيظه مثل حشى المهجور «٢»
يهدى إلى الأكباد والصدور ... روحا يجلّى نفثة المصدور
ويجلب السرور للمقرور
ألفاظ لأهل العصر فى وصف الثلج والبرد والأيام الشتوية
ألقى الشتاء كلكله، وأحلّ بنا أثقاله. مد الشتاء رواقه، وألقى أوراقه، وحلّ نطاقه. ضرب الشتاء بجرانه، واستقل بأركانه، وأناخ بنوازله، وأرسى بكلا كله، وكلح بوجهه، وكشّر عن أنيابه. قد عادت [هامات] الجبال شيبا، ولبست من الثلج بردا قشيبا. شابت مفارق البروج، لتراكم الثلوج، ألمّ الشيب بها وابيضّت لممها «٣» . قد صار البرد حجابا، والثلج حجازا. برد يغير الألوان، وينشف الأبدان. برد يقضقض الأعضاء، وينفض الأحشاء. برد يجمد الريق فى الأشداق، والدمع فى الآماق. برد حال بين الكلب وهريره،
стр. 914
والأسد وزئيره، والطير وصفيره، والماء وخريره. نحن بين لثق، ورثق، وزلق «١» يوم كأنّ الأرض شابت لهوله. يوم فضّى الجلباب، مسكى النقاب، عبوس قمطرير، كشّر عن باب الزمهرير، وفرش الأرض بالقوارير. يوم أخذت الشّمال زمامه، وكسا الصّر «٢» ثيابه. يوم كأن الدنيا فيه كافورة، والسماء بلّورة.
يوم أرضه كالقوارير اللامعة، وهواؤه كالزنابير اللاسعة. يوم أرضه كالزجاج، وسماؤه كأطراف الزّجاج «٣» . يوم يثقل فيه الخفيف إذا هجم، ويخف الثقيل إذا هجر، نحن فيه بين أطباق البرد فما نستغيث إلا بحرّ الراح، وسورة الأقداح.
ليس للبرد كالبرد، والخمر، والجمر. إذا كلب الشتاء، فترياق سمومه الصّلاء، ودرق سيوفه الطّلاء «٤» .
نقيض ذلك من كلامهم فى وصف القيظ وشدة الحر
قوى سلطان الحرّ، وبسط بساط الجمر. حرّ الصيف، كحدّ السيف.
أوقدت الشمس نارها، وأذكت أوارها. حرّ يلفح حرّ الوجه. حرّ يشبه قلب الصبّ، ويذيب دماغ الضّبّ. هاجرة كأنها من قلوب العشاق، إذا اشتعلت فيها نار الفراق. هاجرة تحكى نار الهجر، وتذيب قلب الصخر. كأن البسيطة من وقدة الحر، بساط من الجمر. حرّ تهرب له الحرياء من الشمس، قد صهرت الهاجرة الأبدان، وركبت الجنادب العيدان. حر ينضج الجلود، ويذيب الجلمود أيام كأيام الفرقة امتدادا، وحرّ كحر الوجد اشتدادا. حرّ لا يطيب معه عيش، ولا ينفع معه ثلج ولا خيش. حمارّة القيظ، تغلى كدم ذى الغيظ. آب آب يجيش «٥» مرجله، ويثور قسطله. هاجرة كقلب المهجور، أو التنور المسجور. هاجرة كالجحيم الجاحم، تجر أذيال السمائم.
стр. 915
[العجلة أمّ الندامة]
قال بعض الحكماء: إياك والعجلة فإنّ العرب كانت تكنيها امّ الندامة؛ لأنّ صاحبها يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويعزم قبل أن يفكّر، ويقطع قبل أن يقدّر، ويحمد قبل أن يجرّب، ويذمّ قبل أن يخبر، ولن يصحب هذه الصفة أحد إلّا صحب الندامة، واعتزل السلامة.
[تأميل ورجاء]
ولما ولّى المهتدى «١» سليمان بن وهب وزارته قام إليه رجل من ذوى حرمته، فقال: أعزّ الله الوزير؛ أنا خادمك المؤمّل لدولتك، السعيد بأيامك، المنطوى القلب على ودّك، المنشور اللسان بمدحك، المرتهن بشكر نعمتك، وقد قال الشاعر:
وفيت كل صديق ودّنى ثمنا ... إلا المؤمل دولاتى وأيّامى
فإننى ضامن ألّا أكافئه ... إلا بتسويغه فضلى وإنعامى
وإنى لكما قال القيسى: ما زلت أمتطى النهار إليك، وأستدلّ بفضلك عليك، حق إذا جنّنى الليل فغضّ البصر، ومحا الأثر، أقام بدنى، وسافر أملى، والاجتهاد عذر، فإذا بلغتك فقد «٢» . قال سليمان: لا عليك؛ فإنى عارف بوسيلتك، محتاج إلى كفايتك واصطناعك، ولست أؤخر عن يومى هذا تولينك ما يحسن عليك أثره، ويطيب لك خبره، إن شاء الله.
وكتب محمد بن عباد إلى أبى الفضل جعفر بن محمود الإسكافى وزير المعتز بالله وكان المعتز يختصّ به، ويتقرّب إليه قبل الوزارة: ما زلت- أيدك الله تعالى- أذم الدهر بذمّك إياه، وأنتظر لنفسى ولك عقباه، وأتمنى زوال حال من لا ذنب له
стр. 916
إلا عاقبة محمودة تكون لك بزوال حاله، وأترك الإعذار «١» فى الطلب على الاختلال الشديد؛ ضنّا بالمعروف عندى إلّا عن أهله، وحبسا لشعرى إلا عن مستحقه.
فوقع فى كتابه: لم أؤخر ذكرك ناسيا لحقّك، ولا مهملا لواجبك، ولا مرجيا «٢» لمهمّ أمرك، ولكنى ترقّبت اتساع الحال، وانفساح الآمال؛ لأخصّك بأسناها خطرا، وبأجلّها قدرا، وأعودها بنفع عليك، وأوفرها رزقا لك، وأقربها مسافة منك؛ فإذا كنت ممن يحفزه الإعجال، ولا يتّسع له الإمهال، فسأختار لك خير ما يشير إليه الوقت، وأنعم النظر فيه، وأجعله أول ما أمضيه، إن شاء الله.
ولما ولى سليمان بن وهب الوزارة كتب إليه عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
أبى دهرنا إسعافنا فى نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحبّ ونكرم
فقلت له: نعماك فيهم أتمّها ... ودع أمرنا؛ إن المهمّ المقدّم
فعجب من لطيف شكواه فى تهنئته، وقضى حوائجه.
[ووقّع عبيد الله فى كتاب رجل اعتدّ عنده بأثر جميل: وقفت على ما ذكرته من شكايتك، فوقع ذلك عندنا الموقع الذى أردته، وصدر جوابنا إليك بما شكرته، ولم تعد ظننا، وما قدرنا فيك، ثم اعتدت الاعتداد حتى كأنك لم تكاتبنا؛ فلا تفسدنّ تالد إحسانك بطارف امتنانك، واقتصر من وصف سالفك على ذكر مستأنفك] .
[من حسن التقسيم]
ووقّع عبيد الله فى أمر رجل خرج عن الطاعة: أنا قادر على إخراج هذه النعرة «٣» من رأسه، والوحرة من نفسه «٤» .
стр. 917
ونحو هذا التقسيم قول قتيبة بن مسلم بخراسان: من كان فى يده شىء من مال عبد الله فلينبذه، أو فى فمه فليلفظه، أو فى صدره فلينفثه.
وقال عبد الله بن على، بعد قتله من قتل من بنى أمية، لإسماعيل بن عمرو:
أساءك ما فعلت بأصحابك؟ قال: كانوا يدا فقطعتها «١» ، [وعضدا ففتتها، ومرة فنقضتها] ، وركنا فهدمته، [وجبلا فهضته] ، وجناحا فقصصته، قال: إنى لخليق بأن ألحقك بهم، قال: إنى إذا لسعيد.
وقال المنصور لجرير بن عبد الله: إنى لأعدّك لأمر كبير! قال: يا أمير المؤمنين قد أعدّ الله لك منى قلبا معقودا بنصيحتك، ويدا مبسوطة بطاعتك، وسيفا مسلولا على أعدائك.
وكتب الحسن بن وهب إلى القاسم بن الحسن بن سهل يعزّيه: مدّ الله فى عمرك موفورا غير منتقص، وممنوحا غير ممتحن، ومعطى غير مستلب.
ومن جيد التقسيم مع المطابقة قول بعض الكتاب: إنّ أهل النصح والرّأى لا يساويهم أهل الأفن والغشّ، وليس من جمع إلى الكفاية الأمانة كمن أضاف إلى العجز الخيانة.
وقالت هند بنت النعمان بن المنذر لرجل دعت له وقد أولاها يدا: شكرتك يد نالتها خصاصة بعد ثروة، وأغناك الله عن يد نالتها ثروة بعد فاقة.
ومن بديع التقسيم فى هذا النوع قول البحترى:
كأنك السيف حدّاه ورونقه ... والغيث وابله الدّانى وريّقه
هل المكارم إلا ما تجمّعه ... أو المواهب إلا ما تفرّقه
وقال الحسن بن سهل يوما للمأمون: الحمد لله يا أمير المؤمنين على جزيل ما آتاك؛
стр. 918
وسنىّ ما أعطاك؛ إذ قسم لك الخلافة، ووهب لك معها الحجّة، ومكّنك بالسلطان، وحلّاه لك بالعدل، وأيّدك بالظفر، وشفعه لك بالعفو، وأوجب لك السعادة، وقرنها بالسياسة، فمن فسح له فى مثل عطيّة الله لك؟ أم من ألبسه الله تعالى من زينة المواهب ما ألبسك؟ أم من ترادفت نعم الله تعالى عليه ترادفها عليك؟ أم من حاولها وارتبطها بمثل محاولتك؟ أم أى حاجة بقيت لرعيّتك لم يجدوها عندك؟ أم أى قيّم للاسلام انتهى إلى غايتك ودرجتك؟
تعالى الله! ما أعظم ما خصّ القرن الذى أنت ناصره! وسبحان الله! أية نعمة طبّقت الأرض بك إن أدّى شكرها إلى بارئها، والمنعم على العباد بها؟ إن الله تعالى خلق الشمس فى فلكها ضياء يستنير بها جميع الخلائق؛ فكلّ جوهر زها حسنه ونوره فهى ألبسته زينته لما اتصل به من نورها؟ وكذلك كل ولىّ من أوليائك سعد بأفعاله فى دولتك، وحسنت صنائعه عند رعيّتك، فإنما نالها بما أيّدته من رأيك وتدبيرك، وأسعدته من حسنك وتقويمك.
[بين قينة وأربعة من عشاقها]
قال بعض الظرفاء: اجتمع لقينة أربعة من عشّاقها، وكلّهم يورّى عن صاحبه أمره، ويخفى عنه خبره، ويومىء «١» إليها بحاجبه، ويناجيها بلحظه؛ وكان أحدهم غائبا فقدم، والآخر مقيما قد عزم على الشخوص، والثالث قد سلفت «٢» أيامه، والرابع مستأنفة مودّته؛ فضحكت إلى واحد، وبكت إلى آخر، وأقصت «٣» آخر، وأطمعت آخر؛ واقترح كل واحد منهم ما يشاكل بثّه وشأنه؛ فأجابته، فقال القادم: جعلت فداك، أتحسنين:
ومن ينأ عن دار الهوى يكثر البكا ... وقول لعلّى أو عسى سيكون
стр. 919
وما اخترت نأى الدار عنك لسلوة ... ولكن مقادير لهنّ شؤون
فقالت: أحسنه، ولا أقيم لحنه، ولكن مطارحه لتستغنى به عنه، لقربه منه، وأنا به أحذق، ثم غنّت:
وما زلت مد شطّت بك الدار باكيا ... أؤمّل منك العطف حين تؤوب
فأضعفت ما بى حين أبت وزدتنى ... عذابا وإعراضا وأنت قريب
وقال الظاعن: جعلت فداك، أتحسنين:
أزف الفراق فأعلنى جزعا ... ودعى العتاب فإننا سفر
إنّ المحبّ يصدّ مقتربا ... فإذا تباعد شفّه الذّكر
قالت: نعم، وأحسن منه ومن إيقاعه، ثم غنت:
لأقيمنّ مأتما عن قريب ... ليس بعد الفراق غير النّحيب
ربما أوجع النّوى للقلوب ... ثم لا سيّما فراق الحبيب «١»
ثم قال السالف: جعلت فداك، أتحسنين:
كنّا نعاتبكم ليالى عودكم ... حلو المذاق وفيكم مستعتب
فالآن حين بدا التنكّر منكم ... ذهب العتاب فليس عنكم مذهب
قالت: لا، ولكن أحسن منه فى معناه، ثم غنت:
وصلتك لما كان ودّك خالصا ... وأعرضت لما صار نهبا مقسّما
ولن يلبث الحوض الجديد بناؤه ... إذا كثر الورّاد أن يتهدّما
فقال المستأنف: أتحسنين، جعلت فداك:
إنى لأعظم أن أبوح بحاجتى ... وإذا قرأت صحيقتى فتفهّمى
وعليك عهد الله إن أبثثته ... أحدا ولا آذنته بتكلّم «٢»
стр. 920
فقالت: نعم، ومن غناء صاحبه «١» ؛ ثم غنّت:
لعمرك ما استودعت سرّى وسرّها ... سوانا، حذارا أن تذيع السرائر
ولا خالطتها مقلتاى بنظرة ... فتعلم نجوانا العيون النواظر
ولكن جعلت الوهم بينى وبينها ... رسولا فأدّى ما تجنّ الضمائر
أكاتم ما فى النفس خوفا من الهوى ... مخافة أن يغرى بذكرك ذاكر
فتفرقوا وكلّهم قد أومأ بحاجته، وأجابته بجوابه.
[بين ابن المعتز وقينة]
قال أبو العباس بن المعتز: كان لنا مجلس حظّ أرسلت بسببه خادمة إلى قينة فأجابت، فلما مرّت فى الطريق وجدت فيه حارسا فرجعت، فأرسلت أعاتبها فكتبت إلى: لم أتخلّف عن المسير إلى سيدى فى عشيتى أمس لأرى وجهه المبارك وأجيب دعاءه، إلا لعلة قد عرفتها فلانة، ثم خفت أن يسبق إلى قلبه الطاهر أنّى قد تخلّفت بغير عذر؛ فأحببت أن تقرأ عذرى بخطّى، ووالله ما أقدر على الحركة، ولا شىء أسرّ إلى من رؤيتك، والجلوس بين يديك، وأنت يا مولاى جاهى وسندى، لافقدت قربك، ولك رأيك فى بسط العذر موفقا.
وكتبت فى أسفل الكتاب:
أليس من الحرمان حظّ سلبته ... واحوجنى فيه البلاء إلى العذر
فصبرا فما هذا بأوّل حادث ... رمتنى به الأقدار من حيث لا أدرى
فأجبتها: كيف أردّ عذر من لا تتسلّط التهمة عليه، ولا تهتدى الموجدة إليه! وكيف أعلمه قبول المعاذير، ولست آمن بعض خواطره «٢» أن تشير إلى انتهاز فرصة فيما دعا إلى الفرقة؛ وإن سلمت من ذلك فمن يجيرنى من توكله
стр. 921
على تقديم العذر، ووقوعه مواقع التصديق فى كل وقت، فتتّصل أيام الشغل والعلّة، وتنقضى أيام الفراغ والصحة، فتطول مدة الغيبة، وتدرس آثار المودّة، وكتبت فى آخر الرقعة:
إذا غبت لم تعرف مكانى لذة ... ولم يلق نفسى لهوها وسرورها
وحدّثت سمعا واهنا غير ممسك ... لقولى، وعينا لا يرانى ضميرها
[بين ابن المعتز وبعض الوزراء]
وكتب إلى بعض الوزراء: ما زال الحاسد لنا عليك أيها الوزير ينصب الحبائل، ويطلب الغوائل، حتى انتهز فرصته، وأبلغك تشنيعا زخرفه «١» ، وكذبا زوّره، وكيف الاحتراس ممن يحضر وأغيب، ويقول وأمسك؟ مرتصدا لا يغفل وماكرا لا يفتر؛ وربما استنصح الغاش، وصدق الكاذب؛ والحظوة لا تدرك بالحيلة، ولا يجرى أكثرها على حسب السّبب والوسيلة.
فأجابه: حصول الثقة بك- أعزّك الله! - تغنى عن حضورك، وصدق حالتك يحتجّ عنك، وما تقرّر عندنا من نيّتك وطويّتك يغنى عن اعتذارك.
[من شعر ابن المعتز]
وقد قال ابن المعتز:
أخنى عليك الدهر مقتدرا ... والدهر ألأم غالب ظفرا
ما زلت تلقى كلّ حادثة ... حتى حناك وبيّض الشّعرا
فالآن هل لك فى مقاربة ... فلقد بلغت الشّيب والكبرا
لله إخوان فقدتهم ... سكنوا بطون الأرض والحفرا
أين السبيل إلى لقائهم ... أم من يحدّث عنهم خبرا
كم مورق بالبشر مبتسم ... لا أجتنى من غصنه ثمرا
стр. 922
ما زال يولينى خلائقه ... وصبرت أرقبه وما صبرا
وعدو غيب طالب لدمى ... لو يستطيع لجاوز القدرا
يورى زنادى كى يخادعنى ... ويطير فى أثوابى الشّررا
وقال أيضا:
وإنى على إشفاق عينى من القذى ... لتجمح منى نظرة ثم أطرق «١»
كما حلّئت من برد ماء طريدة ... تمدّ إليه جيدها وهى تفرق «٢»
وقال:
وما زلت مذ شدّت يدى عقد مئزرى ... غناى لغيرى وافتقارى على نفسى
ودلّ علىّ الحمد مجدى وعفّتى ... كما دلّ إشراق الصّباح على الشمس
وقال:
سعى إلى الدّن بالمبزال ينقره ... ساق توشّح بالمنديل حين وثب
لما وجاها بدت صفراء صافية ... كأنما قدّ سيرا من أديم ذهب
وقال:
لبست صفرة فكم فتنت من ... أعين قد رأيتها وعقول
مثل شمس الغروب تسحب ذيلا ... صبغته بزعفران الأصيل
والشمس عند طلوعها، وعند غروبها، تمكّن الناظر إليها فيمكن التشبيه بها؛ قال قيس بن الخطيم:
فرأيت مثل الشمس عند طلوعها ... فى الحسن أو كدنوّها لغروب
стр. 923
[جرير فى المدينة يغرى بشعر قيس بن الخطيم]
ولما قدم جرير بن الخطفى المدينة اجتمع إليه أهلها، وقالوا: يا أبا حزرة! أنشدنا من شعرك، قال: ما تصنعون به؟ وفيكم من يقول:
أنّى سربت وكنت غير سروب ... وتقرّب الاحلام غير قريب
ما تمنعى يقظى فقد نوّلته ... فى النوم غير مصرّد محسوب «١»
كان المنى يلقى بها فلقيتها ... فلهوت عن لهو امرىء مكذوب «٢»
فرأيت مثل الشمس عند طلوعها ... فى الحسن أو كدنوّها لغروب
تخطو على برديّتين غذاهما ... غدق بساحة حائر يعبوب «٣»
[يعقوب بن داود]
وقّع يزيد بن خالد الكوفى رقعة إلى يعقوب بن داود ضمنها:
قل لابن داود والأنباء سائرة: ... لا يحرز الأجر إلّا من له عمل
يا ذا الذى لم تزل يمناه مذ خلقت ... فيها لباغى نداه العلّ والنهل
إن كنت مسدى معروف إلى رجل ... لفضل شكر فإنى ذلك الرجل
فامنن علىّ ببرّ منك ينعشنى ... فإننى شاكر المعروف محتمل
قال يعقوب: قد جرّبنا شكرك فوجدناه قد سبق برّنا، وقد أمرت لك بعشرة آلاف درهم [تصلح حالك] ، وليست آخر ما عندنا لك، فاستوفاها حتى مات.
стр. 924
ولما سخط المهدىّ على يعقوب أحضره، فقال: يا يعقوب! قال: لبّيك يا أمير المؤمنين تلبية مكروب لموجدتك، شرق بغصّتك، قال: ألم أرفع قدرك وأنت خامل، وأسيّر ذكرك وأنت هامل، وألبسك من نعم الله تعالى ونعمى ما لم أجد عندك طاقة لحمله، ولا قياما بشكره؟ فكيف رأيت الله تعالى أظهر عليك، وردّ كيدك إليك؟
قال: يا أمير المؤمنين؛ إن كنت قلت هذا بتيقّن وعلم فإنى معترف، وإن كان بسعاية الباغين، ونمائم المعاندين، فأنت أعلم بأكثرها؛ وأنا عائذ بكرمك، وعميم شرفك.
فقال: لولا الحنث «١» فى دمك لألبستك قميصا لا تشد عليه زرّا «٢» ؛ ثم أمر به إلى الحبس، فتولّى وهو يقول: الوفاء يا أمير المؤمنين كرم؛ والمودة رحم، وما على العفو ندم، وأنت بالعفو جدير، وبالمحاسن خليق. فأقام فى السجن إلى أن أخرجه الرشيد.
أخذ معنى قول المهدى: «لألبسنك قميصا لا تشدّ عليه زرا» أبو تمام فقال:
طوّقته بالحسام طوق ردّى ... أغناه عن مسّ طوقه بيده
وقال ابن عمر فى معنى قول الطائى.
طوّقته بحسام طوق داهية ... لا يستطيع عليه شدّ أزرار
стр. 925
ولما قبض المهدى على يعقوب ورأى أبو الحسن النميرى ميل الناس عليه، وكان مختلطا به قال:
يعقوب لا تبعد وجنّبت الردى ... فلأبكينّ كما بكى الغصن النّدى «١»
لو أنّ خيرك كان شرّا كله ... عند الذين عدوا عليك لما عدا
أخذ هذا المعنى بعض المحدثين [فى الغزل] فقال:
لو أن هجرك كان وصلا كله ... مما أقاسى منك كان قليلا
[بين أحمد بن أبى دواد والواثق]
قال أبو العيناء: قال لى أحمد بن أبى دواد: دخلت على الواثق فقال لى:
ما زال اليوم قوم فى ثلبك ونقصك! فقال: يا أمير المؤمنين، لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم، والذى تولّى كبره منهم له عذاب عظيم، والله ولىّ جزائه؛ وعقاب أمير المؤمنين من ورائه، وما ذلّ- يا أمير المؤمنين- من كنت ناصره، وما ضاق من كنت جارا له، فما قلت لهم يا أمير المؤمنين؟
قال: قلت يا أبا عبد الله:
وسعى إلىّ بصرم عزّة معشر ... جعل الإله خدودهنّ نعالها «٢»
قال الفتح بن خاقان: ما رأيت أظرف من ابن أبى دواد؛ كنت يوما ألاعب المتوكل بالنّرد، فاستؤذن له عليه، فلما قرب منا هممت برفعها، فمنعنى المتوكل وقال: أجاهر الله وأستره من عباده؟ فقال له المتوكل: لما دخلت أراد الفتح أن يرفع النّرد! قال: خاف يا أمير المؤمنين أن أعلم عليه! فاستحليناه، وقد كنا تجهّمناه.
стр. 926
[من خطباء العرب شبيب بن شيبة وخالد بن صفوان]
قيل لبعض الأمراء: إن شبيب بن شيبة «١» يتعمّل الكلام ويستدعيه، فلو أمرته أن يصعد المنبر فجأة لافتضح؛ فأمر رسولا فأخذ بيده فصعد به المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبى ﷺ ثم قال: إنّ لأمير المؤمنين أشبّاها أربعة: الأسد الخادر، والبحر الزاخر، والقمر الباهر، والربيع الناضر، فأما الأسد الخادر فأشبه صولته ومضاءه، وأما البحر الزاخر فأشبه جوده وعطاءه، وأما القمر الباهر فأشبه نوره وضياءه، وأما الربيع الناضر فأشبه حسنه وبهاءه، ثم نزل.
وهذا الكلام ينسب إلى ابن عباس يقوله فى على بن أبى طالب رضى الله عنهما.
وكان شبيب بن شيبة من أفصح الناس وأخطبهم، ويشبّه بخالد بن صفوان؛ غير أن خالدا كان أعلى منه قدرا فى الخاصة والعامة. وذكر خالد شبيبا فقال:
ليس له صديق فى السرّ ولا عدوّ فى العلانية. وكانت بينهما معارضة «٢» للنسب والجوار والصناعة، ولما قال الشاعر:
فنحّ شبيبا عن قراع كتيبة ... وأدن شبيبا من كلام ملفّق
وكان لا ينظر إليه أحد وهو يخطب إلا تبين فيه الخجل.
وقال أبو تمام لعلى بن الجهم:
لو كنت يوما بالنجوم مصدّقا ... لزعمت أنّك نلت شكل عطارد
أو قدّمتك السّنّ خلت بأنّه ... من لفظك اشتقّت بلاغة خالد
وقالت له امرأة: إنك لجميل يا أبا صفوان. قال: كيف تقولين هذا وما فىّ عمود الجمال ولا رداؤه، ولا برنسه. عموده الطول، ولست بطويل، ورداؤه
стр. 927
البياض، ولست بأبيض، وبرنسه سواد الشّعر، وأنا أشمط! ولكن قولى:
إنك لمليح.
وكان خالد حافظا لأخبار الإسلام، وأيام الفتن، وأحاديث الخلفاء، ونوادر الرواة، وكل ما تصرف فيه أهل الأدب، وله يقول مكى بن سوادة:
عليم بتنزيل الكتاب ملقّن ... ذكور لما سدّاه أول أولا
يبذّ قريع القوم فى كل محفل ... ولو كان سحبان الخطيب ودغفلا
ترى خطباء الناس يوم أرتجاله ... كأنهم الكروان صادف أجدلا «١»
أما سحبان الذى ذكره فهو خطيب العرب بأسرها غير منازع ولا مدافع، وكان إذا خطب لم يعد حرفا، ولم يتوقّف، ولم يتحبّس، ولم يفكر فى استنباط، وكان يسيل غربا، كأنه آذىّ بحر «٢» .
ويقال: إنّ معاوية قدم عليه وفد من خراسان وجّههم سعيد بن عثمان، وطلب سحبان فلم يوجد عامّة النهار، ثم اقتضب من ناحية كان فيها اقتضابا، فدخل عليه فقال: تكلّم، فقال: انظروا لى عصا تقيم من أودى، فقال له معاوية: ما تصنع بها؟ فقال: ما كان يصنع موسى ﵊ وهو يخاطب ربّه وعصاه بيده، فجاءوه بعصا فلم يرضها. فقال: جيئونى بعصاى، فأخذها، ثم قام فتكلم منذ صلاة الظهر إلى [أن فاتت] صلاة العصر، ما تنحنح، ولا سعل، ولا توقّف، ولا تحبّس، ولا ابتدأ فى معنى فخرج منه إلى غيره حتى أتمّه ولم يبق منه شىء، ولا سأل عن أى جنس من الكلام يخطب فيه، فما زالت تلك حاله وكلّ عين فى السماطين؟؟؟ إلى أن أشار له معاوية بيده أن اسكت، فأشار سحبان بيده أن دعنى لا تقطع علىّ كلامى، فقال له معاوية:
[الصلاة، فقال: هى أمامك ونحن فى صلاة يتبعها تحميد وتمجيد، وعظة وتنبيه
стр. 928
وتذكير ووعد ووعيد، فقال معاوية:] إنك أخطب العرب، فقال سحبان:
والعجم، والجنّ، والإنس.
[عجلان بن سحبان]
وكان ابنه عجلان حلو اللسان، جيّد الكلام، مليح الإشارة، يجمع مع خطابته شعرا جيدا، ويضرب الأمثال إذا خطب، وينتزع النادر من الشعر، والسائر من المثل، فتحلو خطبته، وكان يزن كلامه وزنا.
[دغفل بن حنظلة النسابة]
وأما دغفل الذى ذكره مكى بن سوادة فهو دغفل بن حنظلة بن يزيد أحد بنى ذهل بن ثعلبة النسّابة، وكان أعلم الناس بأنساب العرب، والآباء والأمهات، وأحفظهم لمثالبها، وأشدّهم تنقيرا وبحثا عن معايب العرب، ومثالب النسب.
قال له معاوية يوما: والله لئن قلت فى هذا البيت «١» من قريش ما تجد فى آل حرب مقالا؛ فتبسّم دغفل؛ فقال له معاوية: والله لتخبرنّى بتبسمك، وما انضمّت عليه جوانحك، أو لأضربنّ عنقك، وما آمن أن تكذب أو تزيد.
فقال: يا أمير المؤمنين، أنتم من بنى عبد مناف كسنام كوماء فتيّة «٢» ، ذات مرعى خصيب، وماء عذب، وأكمة بارزة، فهل يوجد فى سنام هذه مدبّ قراد من عاهة؟ فقال له معاوية: أولى لك! لو قلت غير هذا؛ أما على ذلك لو رأيت هندا وأباها، وزوجها، وأخاها، وعمّها، وخالها، لرأيت رجالا تحار أبصار من رآهم فيهم، فلا تجاوزهم إلى غيرهم، جلالة وبهاء.
[وصف العصا لأعرابى بين يدى الحجاج]
وعلى ذكر العصا لقى الحجّاج أعرابيا فقال: من أين أقبلت؟ قال: من
стр. 929
البادية. قال: ما بيدك؟ قال: عصا أركزها لصلاتى، وأعدّها لعداتى، وأسوق بها دابّتى، وأقوى بها على سفرى، وأعتمد بها فى مشيتى، ليتّسع بها خطوى، وأعبر بها «١» النهر فتؤمننى؛ وألقى عليها كسائى فتسترنى من الحرّ، وتقينى من القرّ، وتدنى ما بعد منى، وهى محمل سفرتى، وعلاقة إداوتى، ومشجب ثيابى، أعتمد بها عند الضّراب، وأقرع بها الأبواب، وأتّقى بها عقور الكلاب، تنوب عن الرّمح فى الطّعان، وعن الحرز «٢» عند منازلة الأقران، ورثتها عن أبى، وأورثها بعدى ابنى، وأهشّ بها على غنمى، ولى فيها مآرب أخرى، كثيرة لا تحصى.
[عزّة الخليل بن أحمد]
قال النضر بن شميل: كتب سليمان بن على إلى الخليل بن أحمد يستدعيه الخروج إليه، وبعث إليه بمال كثير، فردّه وكتب إليه:
أبلغ سليمان أنى عنه فى سعة ... وفى غنّى غير أنى لست ذا مال
يسخو بنفسى أنى لا أرى أحدا ... يموت هزلا ولا يبقى على حال
والفقر فى النفس لا فى المال نعرفه ... ومثل ذاك الغنى فى النفس لا المال
والمال يغشى أناسا لا خلاق لهم ... كالسّيل يغشى أصول الدّندن البالى «٣»
كلّ امرىء بسبيل الموت مرتهن ... فاعمل لنفسك، إنى شاغل بالى
أخذ هذا الطائى فقال:
لا تنكرى عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالى
وقال أيضا يصف قوما خضوا بابن أبى دواد:
نزلوا مركز النّدى وذراه ... وعدتنا من دون ذاك العوادى
стр. 930
غير أن الرّبا إلى سبل الأن ... واء أدنى، والحظّ حظ الوهاد «١»
وهذا الشعر من أصلح شعر الخليل، وكان شعره قليلا ضعيفا، بالإضافة إليه وهو أستاذ النحو والغريب، وقد اخترع علم العروض من غير مثال تقدمه، وعنه أخذ سيبويه، وسعيد بن مسعدة، وأئمة البصريين، وكان أوسع الناس فطنة، وألطفهم ذهنا. قال الطائى:
فلو نشر الخليل إذا لعفّت ... رزاياه على فطن الخليل
[من رسائل الصابى]
وكتب أبو إسحاق الصابى إلى محمد بن عباس يعزيه عن طفل:
الدنيا، أطال الله بقاء الرئيس، أقدار ترد فى أوقاتها، وقضايا تجرى إلى غاياتها، ولا يردّ منها شىء عن مداه، ولا يصدّ عن مطلبه ومنحاه؛ فهى كالسهام التى تثبت فى الأغراض، ولا ترجع بالاعتراض؛ ومن عرف ذلك معرفة الرئيس لم يغضّ من الزيادة، ولم يقنط من النقيصة «٢» ، وأمن أن يستخفّ أحد الطرفين حلمه، ويستنزل أحد الأمرين حزمه، لم يدع أن يوطّن نفسه على النازلة قبل نزولها، ويأخذ الأهبة للحادثة قبل حلولها، وأن يجاور الخير بالشكر، ويساور المحنة بالصبر؛ فيتخيّر فائدة الأولى عاجلا، ويستمرىء عائدة الأخرى آجلا.
وقد نفذ من قضاء الله تعالى فى المولى الجليل قدرا، الحديث سنّا، ما أرمض، وأومض، وأقلق وأقضّ؛ ومسنى من التألم له ما يحقّ على مثلى ممن توافت أيادى الرئيس إليه، ووجبت مشاركته فى الملمّ عليه، فإنا لله وإنا إليه راجعون وعند الله نحتسبه غصنا ذوى، وشهابا خبا، وفرعا دلّ على أصله، وخطّيا أنبته
стр. 931
وشيجه؛ وإياه أسأل أن يجعله للرئيس فرطا صالحا، وذخرا عتيدا، وأن ينفعه يوم الدين، حيث لا ينفع إلا مثله بين البنين، بجوده ومجده.
ولئن كان المصاب عظيما، والحادث فيه جسيما، لقد أحسن الله إليه، وإلى الرئيس فيه؛ أمّا إليه فإن الله نزّهه بالاخترام «١» ، عن اقتراف الآثام، وصانه بالاحتضار، عن ملابسة الأوزار، فورد دنياه رشيدا، وصدر عنها سعيدا، نقى الصحيفة من سواد الذنوب، برىّ الساحة من درن العيوب، لم تدنّسه الجرائر، ولم تعلق به الصغائر والكبائر، قد رفع الله عنه دقيق الحساب، وأسهم له الثواب مع أهل الصواب، وألحقه بالصدّيقين الفاضلين فى المعاد، وبوّأه حيث أفضلهم من غير سعى ولا اجتهاد.
وأما الرئيس فإن الله لما اختار ذلك له قبضه قبل رؤيته إياه على الحالة «٢» التى تكون معها الرقة، ومعاينته التى تتضاعف معها لحرقة، وحماه من فتنه المرافقة، ليرفعه عن جزع المفارقة، [وكان هو المبقّى] فى دنياه، وهو الواحد الماضى الذخيرة لأخراه، وقد قيل: إن تسلم الجلّة فالسّخل هدر «٣» ؛ وعزيز علىّ أن أقول قول المهوّن للأمر من بعده، وألّا أوفى التوجّع عليه واجب فقده، فهو له سلالة، ومنه بضعة، ولكن ذلك طريق التسلية، وسبيل التعزية، والمنهج المسلوك فى مخاطبة مثله، ممن يقبل منفعة الذكرى وإن أغناه الاستبصار، ولا يأبى ورود الموعظة وإن كفاه الاعتبار، والله تعالى يقى الرئيس المصائب، ويعيذه من النوائب، ويرعاه بعينه التى لا تنام، ويجعله فى حماه الذى لا يرام، ويبقيه موفورا غير منتقص، ويقدّمنا إلى السوء أمامه، وإلى المحذور قدّامه، ويبدأ بى من بينهم فى هذه الدعوة، إذ كنت أراها من أسعد أحوالى، وأعدّها من أبلغ أمانىّ وآمالى.
стр. 932
وكتب إلى بعض الرؤساه:
قد جرت العادة- أطال الله بقاء الأمير! - بالتمهيد للحاجة قبل موردها، وإسلاف الظنون الداعية إلى نجاحها، وسالك هذه السبيل يسىء الظن بالمسئول، فهو لا يلتمس فضله إلّا جزاء، ولا يستدعى طوله إلّا قضاء؛ والأمير بكرمه الغريب، ومذهبه البديع، يؤثر أن يكون السلف له، والابتداء منه، ويوجب للمهاجم برغبته عليه حقّ الثقة به منه، والحمد لله الذى أفرده بالطرائق الشريفة، وتوحّده «١» بالخلائق المنيفة، وجعله عين زمانه البصيرة، ولمعته الثاقبة المنيرة «٢» .
[من رسائل البديع]
وكتب البديع فى بابه إلى بعض أصحابه:
لك أعزّك الله عادة فضل، فى كل فضل، ولنا شبه مقت، فى كل وقت؛ ولعمرى إن ذا الحاجة مقيت الطّلعة، ثقيل الوطأة، ولكن ليسوا سواء [؛ أولو «٣» حاجة تحتاج إليهم الأموال، وأولو حاجة تحوجهم الآمال.
والأمير أبو تمام عبد السلام بن الفضل «٤» المطيع لله أمير المؤمنين- أيده الله- إن أحوجه الزمان فطالما خدمه، وإن أهانه فكثيرا ما أكرمه ونعّمه. وقديما أقلّه السرير، وعرفه الخورنق والسدير. وإن نقصه المال فالعرض وافر، وإن جفاه الملك فالفضل ظاهر، وإن ابتلاه الله فليبتليكم به فينظر كيف تفعلون.
وأنت تقابل مورده عليك من الإعظام، بما يستحقّ من الإكرام، فلا تنظرن إلى ثوب بال، فتحته شرف عال، ولا تقس على البرد، ما وراءه من المجد، ولكن إن نظرت ففى شامخ أصله، وراسخ عقله، وشهادة الفراسة له. ثم ليأت بعد هذه الآيات ما هو قضية المروءة معه، والأخوة معى، بالغا فى ذلك غاية جهده، والسّيف لا يرى فى غمده، والحمد لله حق حمده.
стр. 933
وله إلى أبى إسحاق إبراهيم بن أحمد بن حمزة:
لو كانت الدنيا أطال الله بقاء الشيخ! - على مرادى تجرى، لاخترت أن أضرب بهذه الحضرة أطناب عمرى، وأنفق على هذه الخدمة أيام دهرى، ولكن فى أولاد الزنا كثرة. ولعين الزمان نظرة، وقد كنت حظيت من خدمة الشيخ المحسن بشرعة أنس نغّصها بعض الوشاة علىّ، وذكر أنى أقمت بطوس بعد استئذانى إلى مرو، وفى هذا ما يعلمه الشيخ، فإن رأى أن يحسن جبرى بكتاب يطرز به مقدمى فعل إن شاء الله تعالى.
وله فى هذا الباب إلى أبى نصر الميكالى:
الشيخ- أعزه الله- ملك من قلبى مكانا فارغا «١» ، فنزله غير منزل قلعة، ومن مودتى ثوبا سابغا، فلبسه غير لبسه خلعة، ومن نصب تلك الشمائل شبكا، وأرسل تلك الأخلاق شركا، قنص الأحرار فاستحثّهم، وصاد الإخوان واسترقهم.
وتالله ما يغبن إلا من اشترى عبدا وهو يجد حرّا بأرخص من العبد ثمنا، وأقلّ فى البيع غبنا، ثم لا يهتبل «٢» غرّة وجوده، وينتهز فرصة امتلاكه بجوده، وأنا أنم للشيخ على مكرمة يتيمة، ونعمة وسيمة. فليعتزل من الرأى ما كان بهيما، وليطلق من النشاط ما كان عقيما، وليحلل حبوة التقصير، وليتجنب جانب التأخير، وليفتضّ عذرتها، وينقض حجّتها وعمرتها، برأى يجذب المجد باعه، ويعمر النشاط رباعه؛ وتلك حاجة سيدى أبى فلان وقد ورد من الشيخ بحرا، وعقد به جسرا، وما عسر وعد هو مستنجزه، ولا بعد أمر هو منتهزه، ولا ضاعت نعمة أنا بريد شكرها، وعزيم نشرها، وولىّ أمرها؛ وهذا الفاضل قرارة مائها، وعماد بنائها؛ وقد شاهدت من ظرفه، ما أعجز عن وصفه، وعرفت من باطنه ما لم يدر بظاهره، ورأيت من أوله ما نمّ على آخره، ثم له البيت المرموق، والنسب الموموق، والأولية
стр. 934
القديمة، والشيمة الكريمة؛ وقد جمعتنا فى الود حلقة، ونظمتنا فى السفر رفقة، وعرفنى بما أنهض له وفيه، فضمنت له عن الشيخ كرما لا يغلق بابه، وغدقا «١» لا يخلف سحابه؛ فليخرجنى الشيخ من عهدة هذه الثقة، زادها إليه تأكدا، وإن رأى أن أسأل الشيخ فى معناه عرفنى كيف المأتى له، وإنما أطلت ليعلم صدق اهتمامى، وفرط تقليدى للمنّة والتزامى.
وله جواب عن صنيعة بصاحب هذه العناية:
ورد فلان سيدى وهو عين بلدتنا وإنسانها، ومقلتها ولسانها؛ فأظهر آيات فضله، لا جرم أنه وصل إلى الصميم، من الإيجاب الكريم، وهو الآن مقيم بين روح وريحان وجنة نعيم، تحيّته فيها سلام، وآخر دعواه ذكرك وحسن الثناء عليك بما أنت أهله، وأنا أصدق دعواه، وأفتخر به افتخار الخصىّ بمتاع مولاه، وقد عرفته ولسنه، وكيف يجرّ «٢» فى البلاغة رسنه، فما ظنك به؟ وقد ملكتها المجالس ولحظتها العيون، وسلّ صارما من فيه، يعيد شكرك ويبديه، وينشر ذكرك ويطويه؛ والجماعة تمدح لمدحه، وتجرح بجرحه، فرأيك فى تحفظ أخلاقك التى أثمرت هذا الشكر، وأنتجت هذه المآثر الغر، موفقا إن شاء الله تعالى.
ومن إنشائه فى مقامات الاسكندرى، قال:
حدثنا عيسى بن هشام، قال: لما نطّقنى الغنى بفاضل ذيله، اتّهمت بمال سلبته، أو كنز أصبته، فخفرنى الليل، وسرت بى الخيل. وسلكت فى هربى مسالك لم يرضها السير، ولا اهتدت إليها الطير، حتى طويت أرض الرّعب وتجاوزت حدّه، وصرت إلى حمى الأمن ووجدت برده، وبلغت أذربيجان وقد حفيت الرواحل، وأكلّتها المراحل، ولما بلغتها:
стр. 935
نزلنا على أن المقام ثلاثة ... فطابت لنا حتى أقمنا بها شهرا
فبينا أنا يوما فى بعض أسواقها إذ طلع رجل بركوة قد اعتضدها «١» ، وعصا قد اعتمدها، ودنيّة قد تقلّسها، وفوطة قد تطيلسها؛ فرفع عقيرته وقال: اللهم يا مبدئ الأشياء ومعيدها، ومحيى العظام ومبيدها، وخالق المصباح ومديره، وفالق الإصباح ومنيره، وموصل الآلاء سابغة إلينا، وممسك السماء أن تقع علينا، وبارئ النّسم أزواجا، وجاعل الشمس سراجا، والسماء سقفا، والأرض فراشا، وجاعل الليل سكنا والنهار معاشا، ومنشىء السحاب ثقالا، ومرسل الصواعق نكالا، وعالم ما فوق النجوم، وما تحت التخوم. أسألك الصلاة على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين، وأن تعيننى على الغربة أثنى حبلها، وعلى العسرة أعدو ظلّها، وأن تسهّل لى على يدى من فطرته الفطرة، وأطلعته الطّهرة، وسعد بالدّين المتين، ولم يعم عن الحق المبين، راحلة تطوى هذا الطريق، وزادا يسعنى والرفيق.
قال عيسى بن هشام: فناجيت نفسى بأن هذا الرجل أفصح من إسكندرّينا أبى الفتح، والتفتّ لفتة، فإذا هو أبو الفتح. فقلت: يا أبا الفتح، بلغ هذه الأرض كيدك، وانتهى إلى هذا الشّعب صيدك؟! فأنشأ يقول:
أنا جوّالة البلا ... د وجوّابة الأفق
أنا خذروفة الزما ... ن وعمّارة الطّرق
لا تلمنى لك الرشا ... د على كديتى وذق
وقال الطرماح بن حكيم:
وما أنس م الأشياء لا أنس بيعة ... من الدهر إذ أهل الصفاء جميع
стр. 936
وإذ دهر نافيه اعتزاز، وطيرنا ... سواكن فى أوكارهنّ وقوع
فهل لليالينا بنعف مليحة ... وأيامهنّ الصالحات رجوع؟
كأن لم يرعك الظاعنون إلى بلّى ... ومثل فراق الظاعنين يروع] «١»
[أيام الشباب وأيام المشيب]
وقال على بن محمد [بن الحسن] العلوى:
واها لأيام الشبا ... ب وما لبسن من الزخارف
وذهابهن بما عرفن ... من المناكر والمعارف
أيام ذكرك فى دوا ... وين الصّبا صدر الصحائف
واها لأيّامى وأيّا ... م الشهيات المراشف
الغارسات البان قضبا ... نا على كثب الرّوادف
والجاعلات البدر ما ... بين الحواجب والسوالف
أيام يظهرن الخلا ... ف بغير نيّات المخالف
وقف النعيم على الصّبا ... وزللت من تلك المواقف
وقال ابن المعتز:
دعتنى إلى عهد الصبّا ربّة الخدر ... وألقت قناع الخزّ عن واضج الثّغر
وقالت وماء العين يخلط كحلها ... بصفرة ماء الزعفران على النّحر
لمن تطلب الدنيا إذا كنت قابضا ... عنانك عن ذات الوشاحين والشذر
أراك جعلت الشيب للهجر علّة ... كأن هلال الشهر ليس من الشهر
وقال [أحمد بن أبى طاهر] :
стр. 937
يا من كلفت بحبّه ... كلفى بكاسأت العقار
وحياة ما فى وجنتي ... ك من الشقائق والبهار
وولوع ردفك بالترجرج ... تحت خصرك فى الإزار
ما إن رأيت لحسن وجهك ... فى البريّة من نجار
لما رأيت الشيب من ... وجهى بما يحكى الخمار
[قالت غبار قد علا ... ك فقلت ذا غير الغبار
هذا الذى نقل الملو ... ك إلى القبور من الديار]
قالت ذهبت بحجّتى ... عنى بحسن الاعتذار
يا هذه أرأيت ليلا مذ خلقت بلا نهار
وقال خالد الكاتب:
نظرت إلىّ بعين من لم يعدل ... لما تمكّن طرفها من مقتلى
لما رأت شيبا ألمّ بمفرقى ... صدّت صدود مفارق متحمّل
وظللت أطلب وصلها بتملّق ... والشيب يغمزها بألّا تفعلى
وقال ابن الرومى:
كفى حزنا أن الشباب معجّل ... قصير الليالى والمشيب مخلّد
وعزّاك عن ليل الشباب معاشر ... فقالوا: نهار الشيب أهدى وأرشد
فقلت: نهار المرء أهدى لسعيه ... ولكنّ ظلّ الليل أندى وأبرد
محار الفتى شيخوخة أو منيّة ... ومرجوع وهّاج المصابيح رمدد «١»
وقال:
كان الشباب وقلبى فيه منغمس ... فى لذة لست أدرى ما دواعيها
стр. 938
روح على النفس منه كاد يبردها ... برد النسيم ولا ينفك يحييها
كأن نفسى كانت منه سارحة ... فى جنّة بات ساقى المزن يسقيها
يمضى الشباب ويبقى من لبانته ... شجو على النفس لا ينفكّ يشجيها «١»
ما كان أعظم عندى قدر نعمته ... لنفسه لا لحلم كان يصبيها
ما كان يوزن إعجاب النساء به ... والنفس أوجب إعجابا بما فيها
وقال:
إذا ما رأتك البيض صدّت، وربما ... غدوت وطرف البيض نحوك أصور «٢»
وما ظلمتك الغانيات بصدّها ... وإن كان فى أحكامها ما يجوّر «٣»
أعر طرفك المرآة وانظر؛ فإن نبا ... بعينيك عنك الشيب فالبيض أعذر
إذا شنئت عين الفتى شيب نفسه ... فعين سواء بالشناءة أجدر «٤»
وقال كشاجم:
وقفتنى ما بين حزن وبوس ... وثنت بعد ضحكة بعبوس
إذ رأتنى مشطت عاجا بعاج ... وهى الآبنوس بالآبنوس
وقال أبو نواس:
بكرت تبصّرنى الرّشاد كأننى ... لا أهتدى لمذاهب الأبرار
وتقول: ويحك قد كبرت عن الصّبا ... ورمى الزمان إليك بالأعذار
فإلى متى تصبو وأنت متيّم ... متقلّب فى راحة الإقتار
فأجبتها إنى عرفت مذاهبى ... فصرفت معرفتى إلى الإنكار
стр. 939
وقال أحمد بن زياد الكاتب:
ولما رأيت الشيب حلّ بياضه ... بمفرق رأسى قلت: أهلا ومرحبا
ولو خلت أنى إن تركت تحيتى ... تنكّب عنى رمت أن يتنكبا
ولكن إذا ما حلّ كرة فسامحت ... به النفس يوما كان للكره أذهبا
كأن هذا البيت ينظر إلى قول الأول:
وجاشت إلىّ النفس أول مرة ... فردّت إلى معروفها فاستقرّت
أبو الطيب:
أنكرت طارقة الحوادث مرة ... ثم اعترفت بها فصارت ديدنا
ابن الرومى:
لاح شيبى فصرت أمرح فيه ... مرح الطّرف فى العذار المحلّى
وتولّى الشباب فازددت غيّا ... فى ميادين باطلى إذ تولّى
إنّ من ساءه الزمان بشىء ... لأحقّ الورى بأن يتسلّى
[المتنبى:
أترانى أسوء نفسى لمّا ... ساءنى الدهر؟ لا، لعمرى، كلّا]
المتنبى:
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عمّا مضى فيها وما يتوقّع
ولمن يغالط فى الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فيطمع
[البحترى «١» ] :
يكفيك من حق تخيل باطل ... تردى به نفس اللهيف فترجع
стр. 940
وقلما تصحّ مغالطات أهل العقول، عند أهل التحصيل، وما أحسن ما قال الطائى:
لعب الشيب بالمفارق، بل جدّ ... فأبكى تماضرا ولعوبا «١»
يا نسيب الثّغام ذنبك أبقى ... حسناتى عند الحسان ذنوبا «٢»
لو رأى الله أنّ فى الشيب فضلا ... جاورته الأبرار فى الخلد شيبا
وقد جاء فى التشاغل عن الدهر وأحداثه، ونكباته، ومصائبه، وفجعاته، والتسلى عن الهموم، بماء الكروم، شعر كثير؛ فمما يتعلّق منه بذكر الشيب قول ابن الرومى:
سأعرض عمّن أعرض الدهر دونه ... وأشربها صرفا وإن لام لوّم
فإنى رأيت الكأس أكرم خلّة ... وفت لى ورأسى بالمشيب معمّم
وصلت فلم تبخل علىّ بوصلها ... وقد بخلت بالوصل عنى تكتم «٣»
ومن صارم اللذات إن خان بعضها ... ليرغم دهرا ساءه فهو أرغم
أمن بعد مثوى المرء فى بطن أمه ... إلى ضيق مثواه من القبر يسلم
ولم يبق بين الضيق والضيق فرجة ... أبى الله! إنّ الله بالعبد أرحم!
وقال العطوى:
أعجبتنّ إن أناخ بى الدهر ... فحاكمته إلى الأقداح
لا تردّ الهموم ينشبن أظفا ... را حدادا بشرب ماء قراح
أحمد الله، صارت الكأس تأسو ... دون إخوانى الثقات جراحى
وقال ابن الرومى [ونحله بشارا] :
وقد كنت ذا حال أطيل ادّكارها ... وإرعاءها قلبى لأهتز معجبا «٤»
стр. 941
فبدّلت حالا غير هاتيك، غايتى ... تنأسىّ ذكراها لتغرب مغربا
وكنت أدير الكأس ملأى رويّة ... لأجذل مسرورا بها ولأطربا
وكانت مزيدا فى سرورى ومتعتى ... فأضحت مفرّا من همومى ومهربا «١»
وهذا كما قال فى قينة وإن لم يكن من هذا الباب:
شاهدت فى بعض ما شاهدت مسمعة ... كأنّما يومها يومان فى يوم
ظللت أشرب بالأرطال، لا طربا ... بذاك، بل طلبا للسّكر والنوم
ومن مليح شعره فى الشيب:
ومن نكد الدنيا إذا ما تنكرت ... أمور- وإن عدّت صغارا- عظائم
إذا رمت بالمنقاش نتف أشاهبى ... أتيح له من بينهن الأداهم
يروّع منقاشى نجوم مسائحى ... وهنّ لعينى طالعات نواجم «٢»
وقال أبو الفتح كشاجم:
أخى قم فعاونّى على نتف شيبة ... فإنى منها فى عذاب وفى حرب
إذا ما مضى المنقاش يأتى بها أتت ... وقد أخذت من دونها جارة الجنب
كجان على السلطان يجزى بذنبه ... تعلّق بالجيران من شدّة الرعب
وقد وشّحت هذا الكتاب بقطع مختارة فى الشيب والشباب، وجئت ههنا بجملة، وهذا النوع أعظم من أن نحيط به اختيارا، أو نبلغه اختبارا.
شذور لأهل العصر، فى وصف الشيب ومدحه وذمه
ذوى غصن شبابه. بدت فى رأسه طلائع المشيب، [أخذ الشيب بعنان شبابه] ، غزاه الشّيب بجيوشه، طرّز الشيب شبابه، أقمر ليل شبابه، ألجمه
стр. 942
بلجامه، وقاده بزمامه، علاه غبار وقائع الدهر. وزن هذا لابن المعتز
هذا غبار وقائع الدهر
بينا هو راقد فى ليل الشباب، أيقظه صبح المشيب. طوى مراحل الشباب، وأنفق عمره بغير حساب. جاوز من الشباب مراحل، وورد من الشّيب مناهل. فلّ الدهر شبا شبابه، ومحا محاسن روائه. قضى باكورة الشباب، وأنفق نضارة الزمان. أخلق بردة الصّبا، ونهاه النهى عن الهوى. طار غراب شبابه. انتهى شبابه، وشاب أترابه. استبدل بالأدهم الأبلق، وبالغراب العقعق «١» .
انتهى إلى أشدّ الكهل، واستعاض من حلك الغراب بقادمة النّسر. افترّ عن ناب القارح، وقرع ناجذ الحلم، وارتاض بلجام الدّهر، وأدرك عصر الحنكة وأوان المسكة. جمع قوّة الشباب إلى وقار المشيب. أسفر صبح المشيب، وعلته أبهة الكبر. خرج عن حدّ الحداثة، وارتفع عن غرّة الغرارة. نفض حبرة الصبا، وولّى داعية الحجا. لما قام له الشيب مقام النصيح، عدل عن علائق الحداثة بتوبة نصوح. الشيب حلية العقل وشيمة الوقار. الشيب زبدة مخضتها الأيام، وفضّة سبكتها التجارب. سرى فى طريق الرّشد بمصباح الشّيب. عصى شياطين الشباب، وأطاع ملائكة الشّيب. الشيخ يقول عن عيان، والشاب عن سماع.
فى الشيب استحكام الوقار وتناهى الجلال، وميسم التجربة، وشاهد الحنكة الشيب مقدّمة الموت والهرم، والمؤذن بالخرف، والقائد للموت. الشيب رسول المنية. الشيب عنوان الفساد. والموت ساحل، والشيب سفينة تقرب من الساحل. صفا فلان على طول العمر، صفاء التّبر على شغب الجمر «٢» . لقد تناهت به الأيام تهذيبا وتحليما، وتناهت به السّنّ تجريبا وتحنيكا. قد وعظه الشّيب
стр. 943
بوخطه، وخبطه السن بابنه وسبطه، قد تضاعفت عقود عمره، وأخذت الأيام من جسمه. وجد مسّ الكبر، ولحقه ضعف الشيخوخة، وأساء إليه أثر السنّ، واعتراض الوهن. هو من ذوى الأسنان العالية، والصحبة للأيام الخالية. هو همّ هرم، فد أخذ الزمان من عقله. كما أخذ من عمره. ثلمه الدهر ثلم الإناء «١» ، وتركه كذى الغارب المنكوب، والسّنام المجبوب. رماه من قوسه «٢» الكبر. أريق ماء شبابه، واستشنّ أديمه كسر الزمان جناحه، ونقض مرّته. طوى الدهر منه ما نشر، وقيّده الكبر، يرسف رسفان المقيّد، هو شيخ مجتثّ «٣» الجثّة، واهى المنّة، مغلول القوة ومفلول الفتوة «٤» ، ثقلت عليه الحركة، واختلفت إليه رسل المنيّة. ما هو إلا شمس العصر، على القصر. أركانه قد وهت، ومدّته قد تناهت.
هل بعد الغاية منزلة، أو بعد الشيب سوى الموت مرحلة؟ ما الذى يرجى ممن كان مثله فى تعاجز الخطا، وتخاذل القوى، وتدانى المدى، والتوجّه إلى الدار الأخرى، أبعد دقّة العظم، ورقّة الجلد، وضعف الحسّ، وتخاذل الأعضاء، وتفاوت الاعتدال، والقرب من الزوال. والذى بقى منه ذماء «٥» يرقبه المنون بمرصد، وحشاشة هى هامة اليوم أوغد. قد خلق عمره، وانطوى عيشه، وبلغ ساحل الحياة، ووقف على ثنيّة الوداع، وأشرف على دار المقام، فلم يبق إلا أنفاس معدودة، وحركات محصورة. نضب غدير شبابه.
فقر لغير واحد فى المشيب
قيس بن عاصم: الشيب خطام المنية. أكثم بن صيفى: المشيب عنوان الموت. الحجاج بن يوسف: الشيب نذير الآخرة. غيره: الشيب نوم الموت.
стр. 944
العتبى: الشيب مجمع الأمراض. العتابى: الشيب نذير المنيّة. محمود الوراق: الشيب أحد الميتتين. ابن المعتز: الشيب أول مواعد الفناء. وقال: عظّم الكبير فإنه عرف الله قبلك، وارحم الصغير فإنه أغرّ بالدنيا منك. غيره: الشبب قناع الموت.
الشيب غمام قطره الغموم. الشيب قذى عين الشباب.
نظر سليمان بن وهب فى المرآة فرأى الشيب، فقال: عيب لا عدمناه! وقيل لأبى العيناء: كيف أصبحت؟ فقال: فى داء يتمناه الناس! ابن المعتز:
أنكرت شرّ مشيبى وولّت ... بدموع فى الرداء سجوم
اعذرى يا شرّ شيبى بهمّ ... إنّ شيب الرأس نور الهموم
مسلم بن الوليد:
الشّيب كره، وكره أن أفارقه ... أعجب لشىء على البغضاء مودود
يمضى الشباب فيأتى بعده بدل ... والشيب يذهب مفقودا بمفقود
وقال آخر:
لو أنّ عمر الفتى حساب ... كان له شيبه فذالك «١»
وقال بعضهم:
ولى صاحب ما كنت أهوى اقترابه ... فلمّا التقينا كان أكرم صاحب
عزيز علينا أن يفارق بعد ما ... تمنّيت دهرا أن يكون مجانبى
يعنى الشيب، يقول: لم أكن أشتهى اقترابه، فلمّا حل كان أكرم صاحب، عزيز علىّ مجانبته؛ لأنه لا يجانب إلّا بالموت.
стр. 945
أبو إسحاق الصابى:
والعمر مثل الكاس ير ... سب فى أواخرها القذى
أبو الفضل الميكالى:
أمتع شبابك من لهو ومن طرب ... ولا تصخ لملام سمع مكترث
فخير عمر الفتى ريعان جدّته ... والعمر من فضة والشيب من خبث
[بعض ما قالوه فى الخضاب]
فى ذكر الخضاب: الخضاب أحد الشبابين عبدان الأصبهانى:
فى مشيبى شماتة لعداتى ... وهو ناع منغّص لى حياتى
ويعيب الخضاب قوم، وفيه ... لى أنس إلى حضور وفاتى
لا ومن يعلم السرائر إنى ... ما تطلبت خلّة الغانيات «١»
إنما رمت أن يغيّب عنى ... ما ترينيه كلّ يوم مراتى
وهو ناع إلىّ نفسى، ومن ذا ... سرّه أن يرى وجوه النّعاة؟
ابن المعتز:
رأت شيبة قد كنت أغفلت قصّها ... ولم تتعهّدها أكفّ الخواضب
فقالت: أشيب ما أرى؟ قلت: شامة ... فقالت: لقد شانتك عند الحبائب
الأمير أبو الفضل الميكالى:
قد أبى لى خضاب شيبى فؤاد ... فيه وجد بكتم سرى ولوع «٢»
خاف أن يحدث الخضاب نصولا ... ونصول الخضاب شىء بديع
وقالوا: الخضاب من شهود الزور، والخضاب حداد المشيب، [إن خضب الشعر] فكيف يخضب الكبر. الخضاب كفن الشيب.
стр. 946
ابن الرومى:
ليس تغنى شهادة الشّعر الأسود ... شيئا إذا استشنّ الأديم
أفيرجو مسوّد أن يزكّى ... شاهد الخضب؟ أين ضلّ الحليم؟!
لا لعمرى ما للخضاب لدى الأبصار ... إلا التكذيب والتأثيم
يدّعى للكبير شرخ شباب ... قد تولّى به الشباب القديم
والسواد الدّعىّ أوجب تكذيبا ... إذا كذّب السواد الصميم
وله أيضا فى هذا المعنى:
كما لو أردنا أن نحيل شبابنا ... مشيبا ولم يأت المشيب تعذّرا
كذلك يعنينا إحالة شيبنا ... شبابا إذا ثوب الشباب تحسّرا
أبى الله تدبير ابن آدم نفسه ... وأنّى يكون العبد إلّا مدبّرا
وقال:
قل للمسوّد حين شيّب: هكذا ... غشّ الغوانى فى الهوى إيّاكا
كذب الغوانى فى سواد عذاره ... فكذبنه فى ودهنّ كذاكا «١»
هيهات غرّك أن يقال غرائر ... أىّ الدواهى غيرهنّ دهاكا
لا تحسبن خدعتهنّ بحيلة ... بل أنت ويحك خادعتك مناكا؟
وقال أبو الطيب المتنبى:
ومن هوى كلّ من ليست مموهة ... تركت لون مشيبى غير مخضوب
ومن هوى الصدق فى قولى وعادته ... رغبت عن شعر فى الوجه مكذوب
ليت الحوادث باعتنى الذى أخذت ... منى بحلمى الذى أعطت وتجريبى
فما الحداثة من حلم بمانعة ... قد يوجد الحلم فى الشبّان والشيب
стр. 947
غيره:
يا خاضب الشيب بالحنّاء يستره ... سل الإله له سترا من النار
وقد سلك أبو القاسم مسلكا طريفا فى قوله:
أفدى المغاضبة التى أتبعتها ... نفسا يشيّع عيسها إذ آبا «١»
والله لولا أن يسفّهنى الصّبا ... ويقول بعض القائلين تصابى
لكسرت دملجها لضيق عناقه ... ولثمت من فيها البرود رضابا «٢»
بنتم فلولا أن أغيّر لمتى ... عتبا وألقاكم علىّ غضابا «٣»
لخضبت شيبا فى عذارى كامنا ... ومحوت محو النّقس منه شبابا «٤»
وخلعته خلع النجاد مذمما ... واعتضت من جلبابه جلبابا
ولبست مبيضّ الحداد عليكم ... لو أننى أجد البياض خضابا
وإذا أردت إلى المشيب وفادة ... فاجعل إليه مطيّك الأحقابا
فلتأخذنّ من الزمان حمامة ... ولتدفعنّ إلى الزمان غرابا
ماذا أقول لريب دهر خائن ... جمع العداة وفرّق الأحبابا
[الوليد بن يزيد وقد غلبت عليه لذاته]
وقيل للوليد بن يزيد بن عبد الملك لمّا غلبت عليه لذّاته. وملكته شهواته: يا أمير المؤمنين؛ إن الرعية ضاعت بتضييعك أمرها، وتركك ما يجب عليك من مصلحتها. فقال: ما الذى أغفلناه من واجب حقّها، وأسقطناه من مفروض ذمامها؟ أما كرمنا دائم، ومعروفنا شامل، وسلطاننا قائم؛ وإنما لنا ما نحن فيه، بسط لنا فى النعمة، ومكّن لنا فى المكرمة، وأذلت لنا الأمة «٥» ، ومدّ لنا فى الحرمة، فإن تركت ما به وسع، وامتنعت عما به أنعم، كنت أنا
стр. 948
المزيل لنعمتى بمالا ينال الرعية ضره، ولا يؤودهم ثقله «١» . يا حاجب لا تأذن لأحد فى الكلام.
وقال عمرو بن عتبة للوليد بن يزيد، وكان خاصا به: يا أمير المؤمنين؛ أنطقتنى بالأنس، وأنا أسكت بالهيبة، وأراك تأمرنا بأشياء أنا أخافها عليك، أفأسكت مطيعا أم أقول مشفقا؟ قال: كلّ مقبول منك، معلوم فيه ثقتك «٢» ؛ ولله فينا علم غيب نحن صائرون إليه! وتعود فتقول. فقتل الوليد بعد ذلك بشهر.
[بين الحجاج وأهل العراق]
وقال عبد الملك بن مروان للحجاج: إنى استعملتك على العراق، فاخرج إليها كميش الإزار «٣» ، شديد الغرار، قليل العثار، منطوى الخصيلة، قليل الثميلة «٤» ، غرار النوم، طويل اليوم، واضغط الكوفة ضغطة تحبق منها البصرة.
وشكا الحجاج يوما سوء طاعة أهل العراق، وسقم مذهبهم، وسخط طريقتهم، فقال له جامع المحاربى: أما إنهم لو أحبوك لأطاعوك، على أنهم ما شنئوك لبلدك، ولا لذات يدك، إلا لما نقموه من أفعالك؛ فدع ما يبعدهم عنك إلى ما يدنيهم منك، والتمس العافية ممن دونك تعطها ممن فوقك، وليكن إيقاعك بعد وعيدك، ووعيدك بعد وعدك ثلاثا.
فقال له الحجاج: والله ما أرى أن أردّ بنى اللّخناء إلى طاعتى إلا بالسيف.
فقال جامع: أيها الأمير؛ إنّ السيف إذا لاقى السيف ذهب الخيار. قال الحجاج:
стр. 949
الخيار يومئذ لله. قال جامع: أجل، ولكن لا ندرى لمن يجعله الله. فغضب الحجاج وقال: يا هناه؛ إنك من محارب، فقال جامع:
وللحرب سمّينا وكنا محاربا ... إذا ما القنا أمسى من الطعن أحمرا
فقال له الحجاج: والله لقد هممت أن أخلع لسانك، فأضرب به وجهك.
فقال جامع: إن صدقناك أغضبناك، وإن كذبناك أغضبنا الله. فقال الحجاج:
أجل، وسكن سلطانه، وشغل ببعض الأمر، وخرج جامع وانسلّ من صفوف الناس، وانحاز إلى جبل العراق.
[جامع المحاربى]
وكان جامع لسنا مفوّها، وهو الذى يقول للحجاج حين بنى واسطا:
بنيتها فى غير بلدك، وأورثتها غير ولدك.
وكان الحجاج من الفصحاء البلغاء، ويقال: ما رئى حضرى أفصح من الحجاج ومن الحسن البصرى. وكان يحبّ أهل الجهارة والبلاغة، ويؤثرهم ويقربهم.
[أيوب بن القرية]
ولما دخل أيوب بن القرّية على الحجاج- وكان فيمن أسر من أصحاب عبد الرحمن بن الأشعث بن قيس الكندى- قال له: ما أعددت لهذا الموقف؟
قال: ثلاثة حروف، كأنّها ركب وقوف: دنيا، وآخرة، ومعروف.
فقال له الحجاج: بئسما منّيت به نفسك يابن القرّية، أترانى ممن تخدعه بكلامك وخطبك؟ والله لانت أقرب إلى الآخرة من موضع نعلى هذه.
قال: أقلنى عثرتى، وأسغنى ريقى، فإنه لا بدّ للجواد من كبوة، والسيف من نبوة، والحليم من صبوة.
قال: أنت إلى القبر أقرب منك إلى العفو، ألست القائل وأنت تحرّض حزب الشيطان، وعدوّ الرحمن: تغدّوا بالحجاج قبل أن يتعشّى بكم! وقد رويت هذه اللفظة للغضبان بن القبعثرى. ثم قدمه فضرب عنقه.
стр. 950
قال الخريمى لأبى دلف وأخذه من قول ابن القرّية:
له كلم فيك معقولة ... إزاء القلوب كركب وقوف
[كثير بن أبى كثير]
وبعث الحجاج إلى عامله بالبصرة: اخترلى عشرة من عندك، فاختار رجالا فيهم كثير بن أبى كثير، وكان عربيّا فصيحا، فقال كثير: ما أرانى أفلت من يد الحجاج إلّا باللّحن، فلما دخلنا عليه دعانى فقال: ما اسمك؛ فقلت: كثير.
قال: ابن من؟ فقلت فى نفسى: إن قلت ابن أبى كثير لم آمن أن يتجاوزها، قلت: ابن أبا كثير، فقال: اعزب «١» لعنك الله ولعن من بعث معك!!
[من قولهم فى المديح]
وقال النابغة الذبيانى يمدح آل جفنة:
ولله عينا من رأى أهل قبة ... أضرّ بمن عادى وأكثر نافعا «٢»
وأعظم أحلاما وأكثر سيّدا ... وأفضل مشفوعا إليه وشافعا
متى تلقهم لا تلق للبيت عورة ... فلا الضيف ممنوعا ولا الجار ضائعا
وأنشد محمد بن سلام الجمحىّ للنابغة الجعدى:
فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقى من المال باقيا
فتى تمّ فيه ما يسرّ صديقه ... على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا
[أشم طويل الساعدين شمردل ... إذا لم يرح للمجد أصبح غاديا]
ومن حرّ المدح وجيّد الشعر قول الحطيئة:
تزور امرأ يعطى على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المحامد يحمد
يرى البخل لا يبقى على المرء ماله ... ويعلم أنّ المرء غير مخلّد
следующие страницы →