← Адаб

Адаб · id 10768

زهر الآداب وثمر الألباب

الحصري القيرواني

Полный текст (1 141 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

ابن الرومى: ليس تغنى شهادة الشّعر الأسود ... شيئا إذا استشنّ الأديم أفيرجو مسوّد أن يزكّى ... شاهد الخضب؟ أين ضلّ الحليم؟! لا لعمرى ما للخضاب لدى الأبصار ... إلا التكذيب والتأثيم يدّعى للكبير شرخ شباب ... قد تولّى به الشباب القديم والسواد الدّعىّ أوجب تكذيبا ... إذا كذّب السواد الصميم وله أيضا فى هذا المعنى: كما لو أردنا أن نحيل شبابنا ... مشيبا ولم يأت المشيب تعذّرا كذلك يعنينا إحالة شيبنا ... شبابا إذا ثوب الشباب تحسّرا أبى الله تدبير ابن آدم نفسه ... وأنّى يكون العبد إلّا مدبّرا وقال: قل للمسوّد حين شيّب: هكذا ... غشّ الغوانى فى الهوى إيّاكا كذب الغوانى فى سواد عذاره ... فكذبنه فى ودهنّ كذاكا «١» هيهات غرّك أن يقال غرائر ... أىّ الدواهى غيرهنّ دهاكا لا تحسبن خدعتهنّ بحيلة ... بل أنت ويحك خادعتك مناكا؟ وقال أبو الطيب المتنبى: ومن هوى كلّ من ليست مموهة ... تركت لون مشيبى غير مخضوب ومن هوى الصدق فى قولى وعادته ... رغبت عن شعر فى الوجه مكذوب ليت الحوادث باعتنى الذى أخذت ... منى بحلمى الذى أعطت وتجريبى فما الحداثة من حلم بمانعة ... قد يوجد الحلم فى الشبّان والشيب

стр. 947

غيره: يا خاضب الشيب بالحنّاء يستره ... سل الإله له سترا من النار وقد سلك أبو القاسم مسلكا طريفا فى قوله: أفدى المغاضبة التى أتبعتها ... نفسا يشيّع عيسها إذ آبا «١» والله لولا أن يسفّهنى الصّبا ... ويقول بعض القائلين تصابى لكسرت دملجها لضيق عناقه ... ولثمت من فيها البرود رضابا «٢» بنتم فلولا أن أغيّر لمتى ... عتبا وألقاكم علىّ غضابا «٣» لخضبت شيبا فى عذارى كامنا ... ومحوت محو النّقس منه شبابا «٤» وخلعته خلع النجاد مذمما ... واعتضت من جلبابه جلبابا ولبست مبيضّ الحداد عليكم ... لو أننى أجد البياض خضابا وإذا أردت إلى المشيب وفادة ... فاجعل إليه مطيّك الأحقابا فلتأخذنّ من الزمان حمامة ... ولتدفعنّ إلى الزمان غرابا ماذا أقول لريب دهر خائن ... جمع العداة وفرّق الأحبابا [الوليد بن يزيد وقد غلبت عليه لذاته] وقيل للوليد بن يزيد بن عبد الملك لمّا غلبت عليه لذّاته. وملكته شهواته: يا أمير المؤمنين؛ إن الرعية ضاعت بتضييعك أمرها، وتركك ما يجب عليك من مصلحتها. فقال: ما الذى أغفلناه من واجب حقّها، وأسقطناه من مفروض ذمامها؟ أما كرمنا دائم، ومعروفنا شامل، وسلطاننا قائم؛ وإنما لنا ما نحن فيه، بسط لنا فى النعمة، ومكّن لنا فى المكرمة، وأذلت لنا الأمة «٥» ، ومدّ لنا فى الحرمة، فإن تركت ما به وسع، وامتنعت عما به أنعم، كنت أنا

стр. 948

المزيل لنعمتى بمالا ينال الرعية ضره، ولا يؤودهم ثقله «١» . يا حاجب لا تأذن لأحد فى الكلام. وقال عمرو بن عتبة للوليد بن يزيد، وكان خاصا به: يا أمير المؤمنين؛ أنطقتنى بالأنس، وأنا أسكت بالهيبة، وأراك تأمرنا بأشياء أنا أخافها عليك، أفأسكت مطيعا أم أقول مشفقا؟ قال: كلّ مقبول منك، معلوم فيه ثقتك «٢» ؛ ولله فينا علم غيب نحن صائرون إليه! وتعود فتقول. فقتل الوليد بعد ذلك بشهر. [بين الحجاج وأهل العراق] وقال عبد الملك بن مروان للحجاج: إنى استعملتك على العراق، فاخرج إليها كميش الإزار «٣» ، شديد الغرار، قليل العثار، منطوى الخصيلة، قليل الثميلة «٤» ، غرار النوم، طويل اليوم، واضغط الكوفة ضغطة تحبق منها البصرة. وشكا الحجاج يوما سوء طاعة أهل العراق، وسقم مذهبهم، وسخط طريقتهم، فقال له جامع المحاربى: أما إنهم لو أحبوك لأطاعوك، على أنهم ما شنئوك لبلدك، ولا لذات يدك، إلا لما نقموه من أفعالك؛ فدع ما يبعدهم عنك إلى ما يدنيهم منك، والتمس العافية ممن دونك تعطها ممن فوقك، وليكن إيقاعك بعد وعيدك، ووعيدك بعد وعدك ثلاثا. فقال له الحجاج: والله ما أرى أن أردّ بنى اللّخناء إلى طاعتى إلا بالسيف. فقال جامع: أيها الأمير؛ إنّ السيف إذا لاقى السيف ذهب الخيار. قال الحجاج:

стр. 949

الخيار يومئذ لله. قال جامع: أجل، ولكن لا ندرى لمن يجعله الله. فغضب الحجاج وقال: يا هناه؛ إنك من محارب، فقال جامع: وللحرب سمّينا وكنا محاربا ... إذا ما القنا أمسى من الطعن أحمرا فقال له الحجاج: والله لقد هممت أن أخلع لسانك، فأضرب به وجهك. فقال جامع: إن صدقناك أغضبناك، وإن كذبناك أغضبنا الله. فقال الحجاج: أجل، وسكن سلطانه، وشغل ببعض الأمر، وخرج جامع وانسلّ من صفوف الناس، وانحاز إلى جبل العراق. [جامع المحاربى] وكان جامع لسنا مفوّها، وهو الذى يقول للحجاج حين بنى واسطا: بنيتها فى غير بلدك، وأورثتها غير ولدك. وكان الحجاج من الفصحاء البلغاء، ويقال: ما رئى حضرى أفصح من الحجاج ومن الحسن البصرى. وكان يحبّ أهل الجهارة والبلاغة، ويؤثرهم ويقربهم. [أيوب بن القرية] ولما دخل أيوب بن القرّية على الحجاج- وكان فيمن أسر من أصحاب عبد الرحمن بن الأشعث بن قيس الكندى- قال له: ما أعددت لهذا الموقف؟ قال: ثلاثة حروف، كأنّها ركب وقوف: دنيا، وآخرة، ومعروف. فقال له الحجاج: بئسما منّيت به نفسك يابن القرّية، أترانى ممن تخدعه بكلامك وخطبك؟ والله لانت أقرب إلى الآخرة من موضع نعلى هذه. قال: أقلنى عثرتى، وأسغنى ريقى، فإنه لا بدّ للجواد من كبوة، والسيف من نبوة، والحليم من صبوة. قال: أنت إلى القبر أقرب منك إلى العفو، ألست القائل وأنت تحرّض حزب الشيطان، وعدوّ الرحمن: تغدّوا بالحجاج قبل أن يتعشّى بكم! وقد رويت هذه اللفظة للغضبان بن القبعثرى. ثم قدمه فضرب عنقه.

стр. 950

قال الخريمى لأبى دلف وأخذه من قول ابن القرّية: له كلم فيك معقولة ... إزاء القلوب كركب وقوف [كثير بن أبى كثير] وبعث الحجاج إلى عامله بالبصرة: اخترلى عشرة من عندك، فاختار رجالا فيهم كثير بن أبى كثير، وكان عربيّا فصيحا، فقال كثير: ما أرانى أفلت من يد الحجاج إلّا باللّحن، فلما دخلنا عليه دعانى فقال: ما اسمك؛ فقلت: كثير. قال: ابن من؟ فقلت فى نفسى: إن قلت ابن أبى كثير لم آمن أن يتجاوزها، قلت: ابن أبا كثير، فقال: اعزب «١» لعنك الله ولعن من بعث معك!! [من قولهم فى المديح] وقال النابغة الذبيانى يمدح آل جفنة: ولله عينا من رأى أهل قبة ... أضرّ بمن عادى وأكثر نافعا «٢» وأعظم أحلاما وأكثر سيّدا ... وأفضل مشفوعا إليه وشافعا متى تلقهم لا تلق للبيت عورة ... فلا الضيف ممنوعا ولا الجار ضائعا وأنشد محمد بن سلام الجمحىّ للنابغة الجعدى: فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقى من المال باقيا فتى تمّ فيه ما يسرّ صديقه ... على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا [أشم طويل الساعدين شمردل ... إذا لم يرح للمجد أصبح غاديا] ومن حرّ المدح وجيّد الشعر قول الحطيئة: تزور امرأ يعطى على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المحامد يحمد يرى البخل لا يبقى على المرء ماله ... ويعلم أنّ المرء غير مخلّد

стр. 951

كسوب ومتلاف إذا ما سألته ... تهلّل واهتزّ اهتزاز المهنّد متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد وسمع عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه هذا البيت فقال: ذاك رسول الله ﷺ ، وقوله: يسوسون أحلاما بعيدا أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والجدّ أقلّوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذى سدّوا أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدّوا وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدّروها ولا كدّوا مطاعين فى الهيجا مكاشيف للدجى ... بنى لهم آباؤهم وبنى الجدّ وتعذلنى أبناء سعد عليهم ... وما قلت إلا بالذى علمت سعد وقال منصور النمرى: ترى الخيل يوم الحرب يظمأن تحته ... ويروى القنا فى كفّه والمناصل حلال لأطراف الأسنة نحره ... حرام عليها منه متن وكاهل «١» وقال آخر: فتى دهره شطران فيما ينوبه ... ففى بأسه شطر وفى جوده شطر فلا من بغاة الخير فى عينه قذى ... ولا من زئير الحرب فى أذنه وقر [الشراب وخطره] وقال بعض الظرفاء: الشراب أول الخراب، ومفتاح كلّ باب، يمحق الأموال «٢» ، ويذهب الجمال، ويهدم المروءة، ويوهن القوة «٣» ، ويضع الشريف،

стр. 952

ويهين الظريف، ويذلّ العزيز، ويفلس التجار، ويهتك الأستار، ويورث الشّنار «١» . وقال يزيد بن محمد المهلبى: لعمرك ما يحصى على الكأس شرّها ... وإن كان فيها لذّة ورخاء مرارا تريك الغىّ رشدا، وتارة ... تخيّل أن المحسنين أساءوا وأن الصديق الماحض الودّ مبغض ... وأنّ مديح المادحين هجاء وجرّبت إخوان النبيذ فقلّما ... يدوم لإخوان النبيذ إخاء [من اعتلال الطفيليين، وحيلهم] عوتب طفيلى على التطفيل فقال: والله ما بنيت المنازل إلا لتدخل، ولا نصبت الموائد إلا لتؤكل، وإنى لأجمع فيها خلالا؛ أدخل مجالسا، وأقعد مؤانسا، وأنبسط وإن كان ربّ الدار عابسا؛ ولا أتكلّف مغرما، ولا انفق درهما، ولا أتعب خادما. وقال ابن الدراج «٢» الطفيلى لأصحابه: لا يهولنّكم إغلاق الباب، ولا شدّة الحجاب، وسوء الجواب، وعبوس البواب، ولا تحذير الغراب، ولا منابذة الألقاب؛ فإنّ ذلك صائر بكم إلى محمود النوال، ومغن لكم عن ذلّ السؤال، واحتملوا اللّكزة الموهنة، واللطمة المزمنة، فى جنب الظفر بالبغية، ولدرك للأمنية، والزموا الطّوزجة للمعاشرين «٣» ، والخفّة للواردين والصادرين، والتملّق للملهين والمطربين، والبشاشة للخادمين والموكلين؛ فإذا وصلتم إلى مرادكم فكلوا محتكرين، وادّخروا لغدكم مجتهدين؛ فإنكم أحقّ بالطعام ممن دعى إليه، وأولى به ممن وضع له، فكونوا لوقته حافظين، وفى طلبه مشمّرين، واذكروا قول أبى نواس:

стр. 953

لنخمس مال الله من كلّ فاجر ... وذى بطنة للطيّبات أكول «١» هذا يقوله أبو نواس فى أبيات تستندر كلّها، ويستظرف جلّها، وهى: وخيمة ناطور برأس منيفة ... تهمّ يدا من رامها بزليل «٢» إذا عارضتها الشمس فاءت ظلالها ... وإن واجهتها آذنت بدخول حططنا بها الأثقال فلّ هجيرة ... عبوريّة تذكى بغير فتيل «٣» تأنّت قليلا ثم فاءت بمذقة ... من الظلّ فى رثّ الإناء ضئيل «٤» كأنّا لديها بين عطفى نعامة ... جفا زورها عن مبرك ومقيل حلبت لأصحابى بها درّة الصبّا ... بصفراء من ماء الكروم شمول إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى ... دعا همّه من صدره برحيل فلما توافى الليل جنحا من الدجى ... تصابيت واستجملت غير جميل وأعطيت من أهوى الحديث كما بدا ... وذلّلت صعبا كان غير ذلول فغنّى وقد وسّدت يسراى خدّه ... ألا ربما طالبت غير منيل فأنزلت حاجاتى بحقوى مساعدى ... وإن كان أدنى صاحب وخليل فأصبحت ألحى السكر والسكر محسن ... ألا ربّ إحسان عليك ثقيل كفى حزنا أنّ الجواد مقتّر ... عليه، ولا معروف عند بخيل سأبغى الغنى إما وزير خليفة ... يقوم سواء أو مخيف سبيل بكل فتى لا يستطار فؤاده ... إذا نوّه الزحفان باسم قتيل لنخمس مال الله من كل فاجر ... وذى بطنة للطيبات أكول ألم نر أنّ المال عون على التقى ... وليس جواد معدم كبخيل

стр. 954

ألفاظ لأهل العصر فى صفة الطفيليين والأكلة وغيرهم شيطان معدته رجيم، وسلطانها ظلوم. هو آكل من النار، وأشرب من الرمل. لو أكل الفيل ما كفاه، ولو شرب النيل ما أرواه، يجوب البلاد، حتى يقع على جفنة جواد. يرى ركوب البريد، فى حضور الثّريد «١» . أصابعه ألزم للشّواء، من سفّود الشّوّاء، وأنامله كالشبكة، فى صيد السمكة. هو أجوع من ذئب معتس بين أعاريب. العيون قد تقلّبت، والأكباد قد تلهبت، والأفواه قد تحلبت. امتدت إلى الخوان الأعناق، [واحتدت نحوه الأحداق] ، وتحلّبت له الأشداق. [وصف طائر] سأل المهدى صباح بن خاقان عن طائر له جاء من آفاق الغابة فقال: يا أمير المؤمنين، لو لم بين بحسن الصفة لبان بحسن الصورة. قال: صفه لى. قال: نعم، يا أمير المؤمنين، قدّ قدّ الجلم «٢» ، وقوّم تقويم القلم، ينظر من جمرتين، ويلفظ بدرّتين، ويمشى على عقيقتين، تكفيه الحبّة، وترويه الغبّة «٣» ، إن كان فى قفص فلقه، أو تحت ثوب خرقه، إذا أقبل فديناه، وإذا أدبر حميناه. [أحظى النساء عند المهدى] ودخل عبد الله بن مصعب الزبيرى على المهدى، فقال: ويحك يا زبيرى؛ دخلت على الخيزران، فلما قامت لتصلح من شأنها نظرت إلى حسنة! فقلت: يا أمير المؤمنين؛ أدركك فى ذلك ما أدرك المخزومى حيث قال: بينما نحن بالبلاكث بالقا ... ع سراعا والعيس تهوى هويّا

стр. 955

خطرت خطرة على القلب من ذك ... راك وهنا فما استطعت مضيّا قلت: لبيك إذ دعانى لك الشّو ... ق وللحاديين كرّا المطيّا فأمر فرفعت الستور عن حسنة. ثم قال لى: يا زبيرى، واسوأتاه من الخيزران! ثم انثنى راجعا إليها فقلت: يا أمير المؤمنين، أدركك فى هذا ما أدرك جميلا «١» حيث يقول: وأنت التى حبّبت شغبا إلى بدا ... إلىّ وأوطانى بلاد سواهما حللت بهذا حلّة ثم حلّة ... بهذا فطاب الواديان كلاهما فدخل على الخيزران، فما لبث أن خرج؛ قال الزبيرى: فدخلت، فقال: أنشدنى فأنشدته لصخر بن الجعد: هنيئا لكأس جذّها الحبل بعد ما ... عقدنا لكأس موثقا لا نخونها وإشماتها الأعداء لما تألّبوا ... حوالىّ واشتدّت علىّ ضغونها فإن تصبحى وكّلت عينىّ بالبكا ... وأشمتّ أعدائى فقرّت عيونها فإنّ حراما أن أخونك ما دعا ... بيليل قمرىّ الحمام وجونها «٢» وما طرد الليل النهار، وما دعت ... على فنن ورقاء شاك رنينها «٣» فأمر لى على كل بيت بألف دينار، وكانت الخيزران وحسنة أحظى النساء عند المهدى. [وصف غلام] ووصف اليوسفى علاما فقال: كان يعرف المراد باللّحظ، كما يعرفه باللّفظ، ويعاين فى الناظر، ما يجرى فى الخاطر «٤» ، أقرب إلى داعيه، من يد معاطيه؛

стр. 956

حديد الذهن، ثاقب الفهم، خفيف الجسم، يغنيك عن الملامة، ولا يحوجك إلى لا استزادة. وقال أبو نواس: ومنتظر رجع الحديث بطرفه ... إذا ما انثنى من لينه فضح الغصنا إذا جعل اللحظ الخفىّ كلامه ... جعلت له عينى لتفهمه أذنا وقال: وإنى لطرف العين بالعين زاجر ... فقد كدت لا يخفى علىّ ضمير وقد طرق هذا المعنى وإن لم يكن منه [من قال] : بلوت أخلّاء هذا الزمان ... فأقللت بالهجر منهم نصيبى وكلّهم إن تصفّحته ... صديق العيان عدوّ المغيب تفقّد مساقط لحظ المريب ... فإن العيون وجوه القلوب وهو كقول المهدى: ومطّلع من نفسه ما يسرّه ... عليه من اللحظ الخفىّ دليل إذا القلب لم يبد الذى فى ضميره ... ففى اللّحظ والألفاظ منه رسول [بين خالد بن صفوان وعلى بن الجهم] ودخل خالد بن صفوان على علىّ بن الجهم بن أبى حذيفة فألفاه يريد الركوب فقرّب إليه حمار ليركبه، فقال خالد: أما علمت أن العير «١» عار، والحمار شنار، منكر الصوت، قبيح الفوت، متزلّج «٢» فى الضّحل، مرتطم فى الوحل، ليس بركوبة فحل، ولا بمطية رحل، راكبه مقرف «٣» ، ومسايره مشرف. فاستوحش ابن أبى حذيفة من ركوب الحمار ونزل عنه، وركب فرسا ودفع الحمار إلى خالد فركبه، فقال له: ويحك يا خالد! أتنهى عن شىء وتأتى مثله؟ فقال: أصلحك الله! عير من بنات الكربال «٤» ، واضح السربال، مختلج

стр. 957

القوائم «١» ، يحمل الرّجلة، ويبلغ العقبة، ويمنعنى أن أكون جبارا عنيدا، إن لم أعترف بمكانى فقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين. [كرّ الحدثان] قال ابن دأب: خرجت مع بعض الأمراء فى سفر إلى الشام، فمرّ بى رجل كنت أعرفه حسن الحال من أصحاب الأموال الظاهرة فى حال رثّة، فسلّم علىّ فقلت: ما الذى غيّر حالك؟ فقال: تنقل الزمان، وكرّ الحدثان؛ فآثرت الضّرب فى البلدان، والبعد عن المعارف والخلّان، وقد كان الأمير الذى أنت معه صديقا لى فاخترت البعد من الأشكال، حين حصّنى «٢» الإقلال، واستعملت قول الشاعر: سأعمل نصّ العيس حتى يكفّنى ... غنى المال يوما أو غنى الحدثان «٣» فللموت خير من حياة يرى لها ... على المرء ذى العلياء مسّ هوان متى يتكلم يلغ حكم كلامه ... وإن لم يقل قالوا عديم بيان كأن الفتى فى أهله بورك الفتى ... بغير لسان ناطق بلسان قال ابن دأب: فلما اجتمعت مع الأمير فى المنزل وصفت له الرجل، فقال لى: ويحك! اطلبه حتى أصلح من حاله، فطلبته فأعوزنى. [من قولهم فى الرثاء] وقال أبو الشيص يرثى [قتيلا] : ختلته المنون بعد اختيال ... بين صفّين من قنا ونصال فى رداء من الصفيح صقيل ... وقميص من الحديد مذال «٤»

стр. 958

وقال حارثة بن بدر الغدانى يرثى زيادا: صلّى الإله على قبر وطهّره ... عند الثويّة يسفى فوقه المور «١» تهدى إليه قريش نعش سيّدها ... فثمّ حلّ الندى والعزّ والخير «٢» أبا المغيرة والدنيا مفجّعة ... وإنّ من غرّت الدنيا لمغرور قد كان عندك للمعروف عارفة ... وكان عندك للنّكراء تنكير وكنت تغشى فتعطى المال من سعة ... فالآن بابك أمسى وهو مهجور ولا تلين إذا عوشرت معتسرا ... وكان أمرك ما يوسرت ميسور لم يعرف الناس مذغيّبت فتيتهم ... ولم يجلّ ظلاما عنهم نور «٣» فالناس بعدك قد خفّت حلومهم ... كأنما نفّخت فيها الأعاصير أخذ هذا البيت من قول مهلهل بن ربيعة فى أخيه كليب، وكان إذا انتدى «٤» لم تحلّ حبوته، ولم ينطق أحد إلا مجيبا له، إجلالا ومهابة: أنبئت أن النار بعدك أوقدت ... واستبّ بعدك يا كليب المجلس وتحدثوا فى أمر كلّ عظيمة ... لو كنت حاضر أمرهم لم ينبسوا وكان حارثة ذا بيان وجهارة [وأدب] ، وكان شاعرا عالما بالأخبار [والأنساب] ، وكان قد غلب على زياد، وكان حارثة منهوما فى الشراب، فعوتب زياد فى الاستئثار به، فقال: كيف أطّرح رجلا يسايرنى مذ دخلت العراق، ولم يصكك ركابه ركابى، ولا تقدّمنى فنظرت إلى قفاه، ولا تأخر عنى فلويت عنقى إليه، ولا أخذ علىّ الشمس فى شتاء قط، ولا الرّوح فى صيف، ولا سألته عن باب فى العلم إلا قدّرت أنه لا يحسن غيره. وقال له زياد: من أخطب؟ أنا أم أنت؟ فقال: الأمير أخطب إذا توعّد

стр. 959

أو وعد، وبرق ورعد، وأنا أخطب فى الوفادة، والثناء، والتحبير، وأنا أكذب إذا خطبت، وأحشو كلامى بزيادات [مليحة] شهيّة، والأمير يقصد إلى الحق، وميزان العدل، ولا يزيد فى كلامه، ولا ينقص منه. فقال له زياد: [قاتلك الله!] لقد أجدت تخليص صفتى وصفتك. ولما مات زياد جفاه عبيد الله [ابنه] ، فقال [له حارثة: أيها الأمير، ما هذا الجفاء مع معرفتك بالحال عند أبى المغيرة؟ فقال له عبيد الله] : إن أبا المغيرة بلغ مبلغا لا يلحقه فيه عيب، وأنا أنسب إلى من يغلب علىّ، وأنت تديم الشراب، وأنا حديث السن؛ فمتى قرّبتك فظهرت منك رائحة الشراب لم آمن أن يظنّ بى [ذلك] ، فدع الشراب وكن أول داخل وآخر خارج. فقال له حارثة: أنا لا أدعه لمن يملك ضرى ونفعى، أأدعه للحال عندك؟ ولكن صرّفنى فى بعض أعمالك. فولّاه سرّق من بلاد الأهواز. وقال أبو الأسود الدؤلى، وكان صديقا لحارثة: «١» أحار بن بدر قد وليت ولاية ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق ولا تدعن للناس شيئا تصيبه ... فحظّك من ملك العراقين سرّق فما الناس إلا قائل فمكذب ... يقول بما يهوى وإمّا مصدّق يقولون أقوالا بظنّ وتهمة ... فإن قيل هاتوا حقّقوا لم يحقّقوا فقال له حارثة: جزاك إله العرش خير جزائه ... فقد قلت معروفا وأوصيت كافيا أمرت بشىء لو أمرت بغيره ... لألفيتنى فيه لأمرك عاصيا

стр. 960

[وصف امرأة] قال الأصمعى: سمعت امرأة من العرب تصف امرأة وهى تقول: سطعاء بضّة، بيضاء غضّة، درماء رخصة، قبّاء طفلة، تنظر بعينى شادن ظمآن، وتبسم عن منوّر الأقحوان، فى غبّ التّهتان، وتشير بأساريع الكثبان، خلقها عميم، وكلامها رخيم، فهى كما قال الشاعر: كأنها فى القمص الرقاق ... مخّة ساق بين كفّى ساق «١» أعجلها الشاوى عن الإحراق ووصف أعرابى امرأة يحبّها فقال: هى زينة [فى] الحضور، وباب من أبواب السّرور، ولذكرها فى المغيب، والبعد من الرقيب، أشهى إلينا من كل ولد ونسيب، وبها عرفت فضل الحور العين، واشتقت بها إليهنّ يوم الدين. [من كلام الأعراب] وسئل أعرابى عن سفر أكدى فيه، فقال: ما غنمنا إلا ما قصرنا من صلاتنا، فأمّا ما أكلته منا الهواجر، ولقيته منا الأباعر، فأمر استخففناه، لما أمّلناه. وقال عبد قيس بن خفاف البرجمى لحاتم الطائى، وقد وفد عليه فى دماء حملها، قام ببعضها وعجز عن بعض: إنى حملت دماء عوّلت فيها على مالى وآمالى، فأمّا مالى فقدّمته، وكنت أكبر آمالى، فإن تحملها فكم من حقّ قضيت، وهمّ كفيت، وإن حال دون ذلك حائل لم أذمم يومك، ولم آيس من غدك. وقيل لأعرابى: لم لا تضرب فى البلاد «٢» ؟ فقال: يمنعنى من ذلك طفل بارك، ولصّ سافك، ثم إنى لست مع ذلك واثقا بنجح طلبتى، ولا معتقدا بقضاء

стр. 961

حاجتى، ولا راجيا عطف قرابتى؛ لأنى أقدم على قوم أطغاهم الشيطان، واستمالهم السلطان، وساعدهم الزّمان، وأسكرتهم حداثة الأسنان. وخرج المهدى بعد هدأة من الليل يطوف بالبيت، فسمع أعرابية من جانب المسجد تقول: قوم متظلّمون، نبت عنهم العيون، وفدحتهم الدّيون؛ وعضّتهم السنون، باد رجالهم، وذهبت أموالهم، وكثر عيالهم، أبناء سبيل، وأنضاء طريق «١» ، وصية الله، ووصية رسول الله، فهل آمر بخير، كلأه الله فى سفره، وخلفه فى أهله. فأمر نصرا الخادم، فدفع إليها خمسمائة درهم. [من مقامات البديع] ومن إنشاء البديع فى مقامات أبى الفتح الإسكندرى: حدثنى عيسى بن هشام قال: كنت ببغداذ، فى وقت الأراذ «٢» ؛ فخرجت إلى السوق أعتام «٣» من أنواعه، لابتياعه، فسرت غير بعيد إلى رجل قد أخذ أنواع الفواكه وصفّفها، وجمع أنواع الرّطب وصنّفها؛ فقبضت من كل شىء أحسنه، وقرضت من كل نوع أجوده؛ وحين جمعت حواشى الإزار، على تلك الأوزار، أخذت عيناى رجلا قد لفّ رأسه [ببرقع] حياء، ونصب جسده، وبسط يده، واحتضن عياله، وتأبّط أطفاله، وهو يقول بصوت يدفع الضعف فى صدره، والحرض فى ظهره: ويلى على كفّين من سويق ... أو شحمة تضرب بالدقيق أو قصعة تملأ من خرديق ... تفثأ عنّا سطوات الرّيق تقيمنا عن منهج الطريق ... يا رازق الثروة بعد الضيق سهّل على كفّ فتى لبيق ... ذى حسب فى مجده عريق

стр. 962

يهدى إلينا قدم التوفيق ... ينقذ عيشى من يد الترنيق قال عيسى بن هشام: فأخذت من فاضل الكيس أخذة وأنلته إياها، فقال: يا من حبانى بجميل برّه ... أفضى إلى الله بحسن سره واستحفظ الله جميل ستره ... إن كان لا طقلة لى بشكره فالله ربّى من وراء أمره قال عيسى بن هشام: فقلت: إن فى الكيس فضلا، فابرز لى عن باطنك أخرج لك عن آخره، فأماط لثامه، فإذا شيخنا أبو الفتح السكندرى، فقلت: ويحك! أى داهية أنت؟ فقال: نقضّى العمر تشبيها ... على الناس وتمويها أرى الأيام لا تبقى ... على حال فأحكيها فيوما شرّها فىّ ... ويوما شرّتى فيها [من رسائل بديع الزمان] وسأل البديع أبا نصر بن المرزبان- عارية- بعض ما يتجمّل به، فأمسك عن إجابته؛ فأعاد الكتاب إليه بما نسخته: لا أزال- أطال الله تعالى بقاء مولانا الشيخ! - لسوء الانتقاد، وحسن الاعتقاد، أمسح جبين الخجل، وأمدّ يمين العجل، ولضعف الحاسّة، فى الفراسة، أحسب الورم شحما «١» ، والسراب شرابا، حتى إذا تجشمت موارده، لأشرب بارده، لم أجد شيئا. وما حسبت الشيخ سيدى ممن تعنيه «٢» هذه الجملة حتى عرضت على النار عوده، ونشرت بالسؤال جوده، وكإتبته أستعيره حلية جمال، سحابة يوم أو شطره، بل مسافة ميل أو قدره، فعاص فى الفطنة غوصا عميقا، ونظر فى الكيس

стр. 963

نظرا دقيقا، وقال: هذا رجل مشحوذ المدية، فى أبواب الكدية «١» ، قد جعل استعارة الأعلاق طريق افتراسها، وسبب احتباسها، وقد منّى ضرسه، وحدّث بالمحال نفسه، ولا لطيفة فى هذا الباب، أحسن من التغافل عن الجواب، فضلا عن الإيجاب، وكلا فما فى أبواب الردّ أقبح مما قرع، ولا فى شرائع البخل أوحش مما شرع؛ ثم العذر له من جهتى مبسوط إن بسطه الفضل، ومقبول إن قبله المجد، وإنما كاتبته لأعيد الحال القديمة، وأشرط له على نفسى أن أريحه من سوم الحاجات من بعد، فمن لم يستحى من «أعطنى» ، لم يستحى له من «أعفنى» ؛ وعلى حسب جوابه أجرى المودة فيما بعد، فإن رأى أن يجيب فعل إن شاء الله. وله إلى سهل بن محمد بن سليمان: أنا إذا طويت عن خدمة مولاى- أطال الله بقاءه- يوما لم أرفع له بصرى، ولم أعدّه من عمرى، وكأنى بالشيخ- أعزه الله- إذا أغفلت مفروض خدمته، من قصد حضرته، والمثول فى حاشيته، وجملة غاشيته، يقول: إن هذا الجائع لمّا شبع تضلّع، واكتسى وتلفّع، وتجلّل، وتبرقع، تربّع وترفّع، فما يطوف بهذا الجناب، ولا يظهر بهذا الباب؛ وأنا الرجل الذى آواه من قفر، وأغناه من فقر، وآمنه من خوف، إذ لا حرّ بوادى عوف؛ حتى إذا وردت عليه رقعتى هذه، وأعارها طرف كرمه، وظرف شيمه، ونظر فى عنوانها اسمى قال: بعدا وسحقا، [وسبّا وتبّا] وحتّا ونحتا، وطعنا ولعنا، فما أكذب سراب أخلاقه، وأكثر أسراب نفاقه، فالآن انحلّ من عقدته، وانتبه من رقدته وكاتبنى يستعيدنى، كلّالا أزوّجه الرّضا ولا قلامة، ولا أمنحه المنى ولا كرامة، بل أدعه يركب راسه، ويقاسى أنفاسه، فستأتينى به الليالى، والكيس الخالى، ثم أريه ميزان قدره، وأذيقه وبال أمره، حتى

стр. 964

إذا بلغ موضع الحاجة من الرقعة قال: مأربة لا حفاوة، ووطر ساقه، لا نزاع شاقه «١» ، فهذا بذا، ولا أبعد من تلك الهمم العالية، والأخلاق السامية أن يقول: مرحبا بالرّقعة وكاتبها، وأهلا بالمخاطبة وصاحبها [وقضاء الحاجة بإنحائها، وإبرازها، وهى الرقعة التى سالت إلى من التمسته، كما اقترحته بما طالبته، فرأيه فيه موفق إن شاء الله تعالى] . وله أيضا إلى بعض الرؤساء يسأله إطلاق محبوس [بسببه] . الشيخ- أطال الله بقاءه- إذا وصل يدى بيده لم ألمس الجوزاء، إلا قاعدا، وقد ناطها منّة فى عنق الدهر، وصاغها إكليلا لجبين الشّكر. وما أقصر يدى عن الجزاء، ولسانى عن الثناء. وهذا الجاهل قد عرف نفسه، وقلع ضرسه، ورأى ميزان قدره، وذاق وبال أمره، وجهز إلىّ كتيبة عجائز عاجزات «٢» ؛ فأطلقن العويل والأليل، وبعثننى شفيعا إلى، واستعنّ بى علىّ، وتوسّلن بكلمة الاستسلام، ولحمة الإسلام، فى فكّ هذا الغلام؛ فإن أحبّ الشيخ أن يجمع فى الطّول بين الحوض والكوثر «٣» ، وينظم فى الفضل ما بين الروض والمطر، شفّع فى إطلاقه مكارمه، وشرّف بذلك خادمه، وأنجزنا بالإفراج عنه، موفّقا إن شاء الله تعالى. [عفو عن ذى جريرة] وقال رجل لإبراهيم بن المهدى: اشفع لى إلى أمير المؤمنين فى فك أخى من حبسه، وكان محبوسا فى عداد العصاة، فقال للمأمون: ليس للعاصى بعد القدرة عليه ذنب، وليس للمصاب بعد الملك عذر «٤» . فقال: صدقت؛ فما طلبتك؟ قال: فلان هبه لى. قال: هو لك.

стр. 965

وسأل أبو عبادة أحمد بن أبى خالد أن يطلق له أسارى، ففعل، فقال له: قد فككنا أسراك. فقال: لا فكّ الله رقاب الأحرار من أياديك! ألفاظ لأهل العصر فى التهنة بالإطلاق من الأسر الحمد لله حمد الإخلاص، على حسن الخلاص، الذى أفضى بك من ذلّة رقّ، إلى عزّة عتق، ومن تصلية جحيم، إلى جنّة نعيم. خرج من العقال، خروج السيف من الصّقال. خرج من إساره، خروج البدر من سراره. الحمد لله الذى فكّ أسرا، وجعل من بعد العسر يسرا. خرج من البلاء، خروج السيف من الجلاء. قد جعل الله لك من مضايق الأمور مخرجا نجيحا؟؟؟، ومن مغالق الأهوال مسرحا فسيحا «١» . [أبو نواس يمدح الأمين] مدح أبو نواس الأمين محمدا فى [أول] خلافته بقصيدته التى يقول فيها: أقول والعيس تعرورى الفلاة بنا ... صعر الأزمة من مثنى ووحدان يا ناق لا تسأمى أو تبلغى ملكا ... تقبيل راحته والرّكن سيّان مقابلا بين أملاك تفضله ... ولادتان من المنصور ثنتان متى تحطّى إليه الرّحل سالمة ... تستجمعى الخلق فى تمثال إنسان قال [الحسن] : هذا لأن محمدا ولده المنصور مرتين من قبل أن أباه هرون الرشيد بن المهدى بن أبى جعفر المنصور، ومن قبل أن أمه أمة العزيز بنت جعفر ابن [أبى جعفر] المنصور، وكان المنصور دخل عليها وهى طفلة تلعب، فقال: ما أنت إلا زبيدة، فغلب عليها هذا اللقب، ولم يل الخلافة من أبواه هاشميان غير على بن أبى طالب وأمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وابنه الحسن، وأمه فاطمة بنت النبى ﷺ ، والأمين محمد بن الرشيد.

стр. 966

رجع القول- فلما أنشده القصيدة قال: ما ينبغى أن يسمع مدحك بعد قولك فى الخصيب بن عبد الحميد: إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا ... فأىّ فتى بعد الخصيب تزور؟ فتى يشترى حسن الثناء بماله ... ويعلم أن الدائرات تدور فما فاته جود، ولا حلّ دونه ... ولكن يسير الجود حيث يسير «١» فقال: يا أمير المؤمنين، كلّ مدح فى الخصيب وغيره فمدح فيك؛ لأنى أقول، ثم ارتجل: ملكت على طير السعادة واليمن ... وجاءت لك العلياء مقتبل السنّ بمحيا وجود الدّين تحيا مهنأ ... بحسن وإحسان مع اليمن والأمن لقد طابت الدنيا بطيب ثنائه ... وزادت به الأيام حسنا إلى حسن «٢» لقد فك أرقاب العفاة محمد ... وأسكن أهل الخوف فى كنف الأمن «٣» إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت كما نثنى وفوق الذى نثنى وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة ... لغيرك إنسانا فأنت الذى نعنى قال: صدقت، مدح عبدى مدح لى؛ ووصله وقرّبه. وأما قول أبى نواس: إذا نحن أثنينا عليك بصالح فمن قول الخنساء: فما بلغ المهدون للناس مدحة ... وإن أطنبوا إلّا الذى فيك أفضل وما بلغت كف امرئ متناولا ... من المجد إلّا والذى نلت أطول

стр. 967

[بين الأخطل ومعاوية] وفد الأخطل على معاوية، فقال: إنى قد امتدحتك بأبيات فاسمعها، فقال: إن كنت شبّهتنى بالحية، أو الأسد، أو الصقر، فلا حاجة لى بها، وإن كنت [قلت] كما قالت الخنساء، وأنشد البيتين، فقل. فقال الأخطل: والله لقد أحسنت، وقد قلت فيك بيتين ما هما بدونهما، ثم أنشد: إذا متّ مات العرف وانقطع النّدى ... فلم يبق إلا من قليل مصرّد وردّت أكفّ السائلين وأمسكوا ... عن الدين والدنيا بحزن مجدّد وقول أبى نواس: وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة من قول كثير فى عبد العزيز بن مروان: متى ما أقل فى سالف الدهر مدحة ... فما هى إلّا لابن ليلى المعظّم وقال الفرزدق: وما أمرتنى النفس فى رحلة لها ... إلى أحد إلا إليك ضميرها ولما أنشد أبو تمام أحمد بن أبى دواد قصيدته: سقى عهد الحمى صوب العهاد وانتهى إلى قوله: وما سافرت فى الأفاق إلّا ... ومن جدواك راحلتى وزادى مقيم الظنّ عندك والأمانى ... وإن قلقت ركابى فى البلاد قال له ابن أبى دواد: هذا المعنى لك أو أخذته؟ قال: هو لى، وقد ألممت فيه بقول أبى نواس: وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة ... لغيرك إنسانا فأنت الذى نعنى وأخذه المتنبى فقال:

стр. 968

أشرت أبا الحسين بمدح قوم ... نزلت بهم فرحت بغير زاد وظنّونى مدحتهم قديما ... وأنت بما مدحتهم مرادى وأما قول أبى تمام: «وما سافرت فى الآفاق- البيت» فمن قول المثقب العبدى، [وذكر ناقته: إلى عمرو بن حمدان أبينى ... أخى النّجدات والمجد الرصين «١» وأما قول أبى نواس: فما فاته جود ولا حلّ دونه البيت، فمن قول الشمردل بن شريك [اليربوعى] : ما قصّر المجد عنكم يا بنى حكم ... ولا تجاوزكم يا آل مسعود يحل حيث حللتم لا يريمكم ... ما عاقب الدّهر بين البيض والسّود «٢» إن يشهدوا يوجد المعروف عندهم ... خدنا وليس إذا غابوا بموجود وقد قال الكميت الأسدى: يسير أبان قريع السما ... ح والمكرمات معا حيث سارا وقول أبى نواس أيضا: فتى يشترى حسن الثناء بماله مأخوذ من قول الراعى: فتى يشترى حسن الثناء بماله ... إذا ما اشترى المخزاة بالمجد بيهس [بين السفاح وأبى نخيلة] دخل أبو نخيلة على أبى العباس السفاح، فاستأذنه فى الإنشاد، فقال: لعنك الله! ألست القائل لمسلمة بن عبد الملك: أمسلمة يا نجل خير خليفة ... ويا فارس الهيجا ويا جبل الأرض

стр. 969

شكرتك إنّ الشكر حبل من التقى ... وما كلّ من أوليته نعمة يقضى وألقيت لما أن أتيتك زائرا ... علىّ لحافا سابغ الطول والعرض ونبهت من ذكرى وما كان خاملا ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض ثم أمره بأن ينشد، فأنشده أرجوزة يقول فيها: كنّا أناسا نرهب الهلّاكا ... ونركب الأعجاز والأوراكا وكلّ ما قد سرّ فى سواكا ... زور، وقد كفّر هذا ذاكا واسم أبى نخيلة؟؟؟ الجنيد بن الجون، [وهو مولى لبنى حماد] ، كان مقصّدا راجزا. قيل للحنساء: لئن مدحت أخاك لقد هجوت أباك! فقالت: جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الحضر «١» حتى إذا جدّ الجراء وقد ... ساوى هناك القدر بالقدر «٢» وعلا صياح الناس: أيهما؟ ... قال المجيب هناك: لا أدرى برقت صحيفة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجرى أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السنّ والكبر وهما كأنهما وقد برزا ... صقران قد حطّا على وكر وقيل لأبى عبيدة: ليس هذا فى شعر الخنساء. فقال: العامّة أسقط من أن يجاد عليها بمثل هذا. وقد أحسن البحترى فى نحو هذا؛ إذ يقول فى يوسف بن أبى سعيد، [ومحمد] بن يوسف الطائى: جدّ كجد أبى سعيد إنه ... ترك السماك كأنه لم يشرف

стр. 970

قاسمته أخلاقه وهى الردى ... للمعتدى وهى الندى للمعتفى وإذا جرى فى غاية وجريت فى ... أخرى النقى شأوا كما فى المنصف «١» قول الخنساء: يتعاوران ملاءة الحضر أبرع استعارة، وأنصع عبارة، وقد قال عدى بن الرقاع: يتعاوران من الغبار ملاءة ... غبراء محكمة هما نسجاها تطوى إذا وردا مكانا جاسيا ... فإذا السنابك أسهلت نشراها «٢» وإلى هذا أشار الطائى فى قوله: تثير عجاجة فى كل ثغر ... يهيم بها عدىّ بن الرّقاع وأول من نظر إلى هذا المعنى شاعر جاهلى من بنى عقيل «٣» فقال: ألا يا ديار الحىّ بالسّبعان ... عفت حججا بعدى وهنّ ثمان فلم يبق منها غير نؤى مهدّم ... وغير أثاف كالرّكىّ رعان وآيات هاب أورق اللون سافرت ... به الريح والأمطار كل مكان «٤» قفار مروراة تحار بها القطا ... وتمسى بها الجابان تقتربان «٥» يثيران من نسج الغبار عليهما ... قميصين أسمالا ويرتديان ومن مستحسن رثاء الخنساء وليلى وغيرهما من النساء قال أبو العباس أحمد بن يحيى النحوى: أنشد أبو السائب المخزومى قول الخنساء: وإنّ صخرا لمولانا وسيّدنا ... وإنّ صخرا إذا نشتو لنحّار

стр. 971

وإن صخرا لتأتمّ الهداة به ... كأنه علم فى رأسه نار فقال: الطلاق لى لازم إن لم تكن قالت هذا وهى تتبختر فى مشيها، وتنظر فى عطفها. ومن مستحسن رثاء الخنساء قولها ترثى أخاها صخرا: اذهب فلا يبعدنك الله من رجل ... منّاع ضيم وطلّاب لأوتار قد كنت فينا صريحا غير مؤتشب ... مركبا فى نصاب غير خوّار فسوف أبكيك ما ناحت مطوّقة ... وما أضاءت نجوم الليل للسارى أبكى فتى الحىّ نالته منيته ... وكل نفس إلى وقت بمقدار وقولها [تعنيه] : شهاد أنجية شدّاد أوهية ... قطّاع أودية للوتر طلابا سمّ العداة وفكّاك العناة إذا ... لاقى الوغى لم يكن للموت هيّابا يهدى الرّعيل إذا جار السبيل بهم ... نهد التليل لزرق السّمر ركابا [من ترجمة الخنساء، وليلى الأخيلية] والخنساء اسمها تماضر بنت عمرو [بن الحارث] بن الشريد بن رياح بن [يقظة بن عصيّة بن خفاف] بن امرئ القيس، وتكنى أم عمرو، ومصداق ذلك قول أخيها [صخر] : أرى أمّ عمرو لا تملّ عيادتى ... وملّت سليمى مضجعى ومكانى سليمى: امرأته، وإنما لقبت الخنساء كناية عن الظبية، وكذلك [تسميتهم] الذلفاء. والذلف: قصر فى الأنف؛ وإنما يريدون به أيضا أن ذلك من صفات الظباء، وهى أشعر نساء العرب عند كثير من الرّواة؛ وكان الأصمعى يقدم ليلى الأخيلية، وهى ليلى بنت عبد الله بن كعب بن ذى الرحالة بن معاوية بن عبادة بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وقيل لها الأخيلية لقول جدها كعب:

стр. 972

نحن الأخايل ما يزال غلامنا ... حتى يدبّ على العصا مذكورا قال أبو زيد: [هذا البيت لها فسمّيت به، وليلى أغزر بحرا] ، وأكثر تصرفا، وأقوى لفظا؛ والخنساء أذهب فى عمود الرثاء. قال المبرد: كانت الخنساء وليلى الأخيلية فى أشعارهما متقدمتين لأكثر الفحول، وقلما رأيت امرأة تتقدّم فى صناعة، وإن قل ذلك، فالجملة ما قال الله تعالى: «أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ» . ومن أحسن المرائى ما خلط فيه مدح بتفجع على المرثى، فإذا وقع ذلك بكلام صحيح، ولهجة معربة، ونظام غير متفاوت، فهو الغاية من كلام المخلوقين. واعلم أن من أجلّ الكلام قول الخنساء: يا صخر ورّاد ماء قد تناذره ... أهل المياه فما فى ورده عار مشى السّبنتى إلى هيجاء معضلة ... لها سلاحان أنياب وأظفار «١» وما عجول على بوّ تطيف به ... لها حنينان إعلان وإسرار ترتع فى غفلة حتى إذا ادّكرت ... فإنما هى إقبال وإدبار «٢» يوما بأوجع منى حين فارقنى ... صخر، وللعيش إحلاء وإمرار لم تره جارة يمشى بساحتها ... لريبة حين يخلى بيته الجار قال: ومن كامل قولها: فلولا كثرة الباكين حولى ... على إخوانهم لقتلت نفسى وما يبكون مثل أخى، ولكن ... أسلّى النفس عنه بالتأسّى يذكّرنى طلوع الشمس صخرا ... وأذكره لكلّ غروب شمس

стр. 973

يعنى أنّها تذكره أول النهار للغارة، ووقت المغيب للأضياف. وقد قال ابن الرومى فيما يتعلق بطرف من هذا المعنى: رأيت الدهر يجرح ثم يأسو ... ويوسى أو يعوض أو ينسّى أبت نفسى الهلاع لرزء شىء ... كفى شجوا لنفى رزء نفسى أتجزع وحشة لفراق إلف ... وقد وطنتها لحلول رمس وقد أنكر على من تعلّل بالتأسى بما قال غيره «١» ، فقال فى ذلك: خليلىّ قد علّلتمانى بالاسى ... فأنعمتما لو أننى أتعلّل أللناس آثارى، وإلّا فما الأسى ... وعيشكما إلّا ضلال مضلّل وما راحة المرزوء فى رزء غيره ... أيحمل عنه بعض ما يتحمّل كلا حاملى عبء الرزية مثقل ... وليس معينا مثقل الظّهر مثقل وضرب من الظلم الخفىّ مكانه ... تعزّيك بالمرزوء حين تأمّل لأنك يأسوك الذى هو كلمه ... بلا بصر لو أن جورك يعدل وقالت الخنساء: وقائلة والنعش قد فات خطوها ... لتدركه يا لهف نفسى على صخر ألا ثكلت أمّ الذين غدوا به ... إلى القبر! ماذا يحملون إلى القبر؟! وماذا يوارى القبر تحت ترابه ... من الجود يا بؤس الحوادث والدهر فشان المنايا إذ أصابك ريبها ... لتغد على الفتيان بعدك أو تسرى وهذا المعنى كثير قد مرّت منه قطعة جيدة، ولم تزل الخنساء تبكى على أخويها صخر ومعاوية، حتى أدركت الإسلام؛ فأقبل بها بنو عمّها وهى عجوز كبيرة إلى عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه، فقالوا: يا أمير المؤمنين! هذه الخنساء،

стр. 974

وقد قرّحت آماقها من البكاء فى الجاهلية والإسلام، فلو نهيتها لرجونا أن تنتهى، فقال لها عمر رضى الله عنه: اتقى الله وأيقنى بالموت، قالت: أبكى أبى وخير بنى مضر صخرا ومعاوية، وإنّى لموقنة بالموت، قال: أتبكين عليهم وقد صاروا جمرة فى النار؟ قالت: ذلك أشدّ لبكائى عليهم! فرقّ لها عمر وقال: خلّوا عن عجوزكم لا أبا لكم! فكل امرىء يبكى شجوه، ونام الخلىّ عن بكاء الشجى. وكان عمرو بن الشريد يأخذ بيد ابنيه معاوية وصخر فى الموسم، ويقول: أنا أبو خيرى مضر، فمن أنكر فليغيّر، فلا يغير ذلك عليه أحد، وكان يقول: من أتى بمثلهما أخوين من قبل فله حكمه، فتقرّ له العرب بذلك. وكان النبى ﷺ يقول: أنا ابن الفواطم من قريش، والعواتك من سليم، وفى سليم شرف كثير. وكان يقال لمعاوية: فارس الجون، والجون من الأضداد، يقال للأسود والأبيض، وقتلته بنو مرّة، قتله هاشم بن حرملة، فطلبه دريد بن الصّمّة حتى قتله، وأما صخر فغزا أسد بن خزيمة فأصاب فيهم، وطعنه ثور ابن ربيعة الأسدى، فأدخل فى جوفه حلقا من الدرع فأندمل عليه، فنتأت قطعة من جنبه مثل اليد، فمرض لها حولا، ثم أشير عليه بقطعها، فأحموا له شفرة ثم قطعوها، فما عاش إلا قليلا. ومن جيد شعر ليلى الأخيلية ترثى توبة بن الحمير الخفاجى، وكان لها محبّا، وله فيها شعر كثير، وقتله بنو عوف بن عقيل، قتله عبد الله بن سالم: نظرت وركن من عماية دوننا ... وأركان جسمى أىّ نظرة ناظر «١» فآنست خيلا بالرقىّ مغيرة ... سوابقها مثل القطا المتواتر

стр. 975

فإن تكن القتلى بواء فإنكم ... فتى ما قتلتم آل عوف بن عامر «١» فلا يبعدنك الله يا توب إنما ... لقاء المنايا دارعا مثل حاسر أتته المنايا بين درع حصينة ... وأسمر خطى وجرداء ضامر «٢» كأنّ فتى الفتيان توبة لم ينخ ... قلائص بفحصن الحصى بالكراكر «٣» ولم يدع يوما للحفاظ وللنّهى ... وللحرب ترمى نارها بالشّرائر «٤» وللبازل الكوماء يرغو حوارها ... وللخيل تعدو بالكماة المساعر «٥» فتى لا تخطّاه الرّفاق، ولا يرى ... لقدر عيالا دون جار مجاور فتى كان أحيا من فتاة حييّة ... وأشجع من ليث بخفّان خادر «٦» فتى لا تراه النّاب إلفا لسقبها ... إذا اختلجت بالناس إحدى الكبائر وكنت إذا مولاه خاف ظلامة ... أتاك فلم يقنع سواك بناصر وقد كنت مرهوب السّنان وبيّن ال ... لّسان ومدلاج السّرى غير فاتر ولا تأخذ الكوم الجلاد سلاحها ... لتوبة فى حدّ الشتاء الصّنابر «٧» وقال بعض الرواة: بينا معاوية يسير إذ رأى راكبا، فقال لبعض شرطه: ائتنى به وإياك أن تروعه. فأتاه فقال: أجب أمير المؤمنين، فقال: إياه أردت، فلما دنا الراكب حدر لثامه فإذا ليلى الأخيلية، فأنشأت تقول: معاوى لم أكد آتيك تهوى ... برحلى نحو ساحتك الركاب

стр. 976

تجوب الأرض نحوك ما تأنّى ... إذا ما الأكم قنعها السّراب وكنت المرتجى وبك استغاثت ... لتنعشها إذا بخل السحاب قال: فقال: ما حاجتك؟ قالت: ليس مثلى يطلب إلى مثلك حاجة، فتخيّر أنت! فأعطاها خمسين من الإبل؛ ثم قال: أخبرينى عن مضر، قالت: فاخر بمضر، وحارب بقيس، وكاثر بتميم، وناظر بأسد، فقال: ويحك يا ليلى! أكما يقول الناس كان توبة؟ قالت: يا أمير المؤمنين، ليس كل الناس يقول حقا، الناس شجرة بغى، يحسدون النّعم حيث كانت، وعلى من كانت؛ كان يا أمير المؤمنين سبط البنان، حديد اللسان، شجى الأقران، كريم المخبر، عفيف المئزر، جميل المنظر، وكان كما قلت، ولم أتعدّ الحق فيه: بعيد الثّرى لا يبلغ القوم قعره ... ألدّ ملدّ يغلب الحقّ باطله «١» فقال معاوية: ويحك يا ليلى! يزعم الناس أنه كان عاهرا خاربا، فقالت من ساعتها مرتجلة: معاذ إلهى كان والله توبة ... جوادا على العلّات جمّا نوافله «٢» أغرّ خفاجيّا يرى البخل سبة ... تحالف كفّاه النّدى وأنامله عفيفا بعيد الهمّ صلبا قناته ... جميلا محيّاه قليلا غوائله وكان إذا ما الضيف أرغى بعيره ... لديه أتاه نيله وفواضله وقد علم الجوع الذى كان ساريا ... على الضيف والجيران أنك قاتله وأنك رحب الباع يا توب بالقرى ... إذا ما لئيم القوم ضاقت منازله يبيت قرير العين من كان جاره ... ويضحى بخير ضيفه ومنازله فقال لها معاوية: ويحك يا ليلى! لقد جزت بتوبة قدره، فقالت: يا أمير المؤمنين. والله لو رأيته وخبرته لعلمت أنى مقصرة فى نعته، لا أبلغ كنه ما هو له أهل. فقال لها معاوية: فى أى سنّ كان؟ فقالت: يا أمير المؤمنين:

стр. 977

أتته المنايا حين تمّ تمامه ... وأقصر عنه كلّ قرن يناضله وصار كليث الغاب يحمى عرينه ... فترضى به أشباله وحلائله عطوف حليم حين يطلب حلمه ... وسمّ ذعاف لا تصاب مقاتله فأمر لها بجائزة، وقال: أى ما قلت فيه أشعر؟ قالت: يا أمير المؤمنين، ما قلت شيئا إلّا والذى فيه من خصال الخير أكثر، ولقد أجدت حيث أقول: جزى الله خيرا والجزاء بكفّه ... فتى من عقيل ساد غير مكلّف فتى كانت الدنيا تهون بأسرها ... عليه فلم ينفكّ جمّ التّصرّف ينال عليات الأمور بهونة ... إذا هى أعيت كلّ خرق مسوّف «١» هو المسك بالأرى الضحاكى شبته ... بدرياقة من خمر بيسان قرقف «٢» ويقال: إنها دخلت على مروان بن الحكم فقال: ويحك يا ليلى! أكما نعتّ توبة كان؟ قالت: أصلح الله الأمير! والله ما قلت إلا حقا، ولقد قصرت، وما رأيت رجلا قطّ كأن أربط على الموت جأشا، ولا أقلّ انحياشا حين تحتدم براكاء الحرب، ويحمى الوطيس بالطّعن والضرب، كان والله كما قلت: فتى لم يزل يزداد خيرا لدن نشا ... إلى أن علاه الشّيب فوق المسايح تراه إذا ما الموت حلّ بورده ... ضروبا على أقرانه بالصفائح شجاع لدى الهيجاء ثبت مشايح ... إذا انحاز عن أقرانه كلّ سابح فعاش حميدا لا ذميما فعاله ... وصولا لقرباه يرى غير كالح فقال لها مروان: كيف يكون توبة على ما تقولين وكان خاربا؟ «والخارب سارق الإبل خاصة» ، فقالت: والله ما كان خاربا، ولا للموت هائبا، ولكنه

стр. 978

كان فتى له جاهلية، ولو طال عمره وأنسأه الموت لارعوى قلبه، ولقضى فى حب الله نحبه، وأقصر عن لهوه، ولكنه كما قال ابن عمه مسلمة بن زيد: فلله قوم غادروا ابن حميّر ... قتيلا صريعا للسيوف البواتر لقد غادروا حزما وعزما ونائلا ... وصبرا على اليوم العبوس القماطر إذا هاب ورد الموت كلّ غضنفر ... عظيم الحوايا لبّه غير حاضر مضى قدما حتى يلاقى ورده ... وجاد بسيب فى السنين القواشر «١» فقال لها مروان: يا ليلى، أعوذ بالله من درك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، فوالله لقد مات توبة، وإن كان من فتيان العرب وأشدائهم، ولكنه أدركه الشقاء، فهلك على أحوال الجاهلية، وترك لقومه عداوة. ثم بعث إلى ناس من عقيل فقال: والله لئن بلغنى عنكم أمر أكرهه من جهة توبة لأصلبنكم على جذوع النخل، إياكم ودعوى الجاهلية، فإن الله قد جاء بالإسلام، وهدم ذلك كله. وروى أبو عبيدة عن محمد بن عمران المرزبانى قال: قال أبو عمرو بن العلاء الشيبانى: قدمت ليلى الأخيلية على الحجاج بن يوسف وعنده وجوه أصحابه وأشرافهم، فبينا هو جالس معهم إذ أقبلت جارية فأشار إليها وأشارت إليه؛ فلم تلبث أن جاءت جارية من أجمل النساء وأكملهن، وأتمهن خلقا، وأحسنهن محاورة؛ فلما دنت منه سلّمت ثم قالت: أتأذن أيها الأمير؟ قال: نعم، فأنشدت: أحجّاج إن الله أعطاك غاية ... يقصّر عنها من أراد مداها. أحجّاج لا يفلل سلاحك إنما ال ... منايا بكفّ الله حيث يراها

стр. 979

إذا ورد الحجاج أرضا مريضة ... تتبّع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العياء الذى بها ... غلام إذا هزّ القناة ثناها إذا سمع الحجاج صوت كتيبة ... أعدّ لها قبل النزول قراها أعدّ لها مصقولة فارسيّة ... بأيدى رجال يحلبون صراها «١» حتى أتت على آخرها. فقال الحجاج لمن عنده: أتعرفون من هذه؟ قالوا: ما نعرفها، ولكن ما رأينا امرأة أطلق لسانا منها، ولا أجمل وجها، ولا أحسن لفظا، فمن هى أصلح الله الأمير؟ قال: هى ليلى الأخيلية صاحبة توبة بن الحمير التى يقول فيها: ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت ... علىّ ودونى جندل وصفائح لسلّمت تسليم البشاشة أوزقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح ثم قال لها: يا ليلى، أنشدينا بعض ما قاله فيك توبة، فأنشدته: نأتك بليلى دارها لا تزورها ... وشطّت نواها واستمرّ مريرها وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت ... وقد رابنى منها الغداة سفورها علىّ دماء البدن إن كان زوجها ... يرى لى ذنبا غير أنى أرورها وأنى إذا ما زرتها قلت: يا اسلمى ... فهل كان فى قولى اسلمى ما يصيرها حمامة بطن الواديين ترنمى ... سقاك من الغرّ الغوادى مطيرها أبينى لنا لا زال ريشك ناعما ... ولا زلت فى خضراء دان بريرها «٢» وقد تذهب الحاجات يطلبها الفتى ... شعاعا وتخشى النفس ما لا يضيرها أيذهب ريعان الشباب ولم أزر ... عرائر من همدان بيضا نحورها ولو أن ليلى فى ذرى متمنّع ... بنجران لالتفّت علىّ قصورها

стр. 980

يقرّ بعينى أن أرى العيس ترتمى ... بنا نحو ليلى وهى تجرى صقورها وأشرف بالغور اليفاع لعلنى ... أرى نار ليلى أو يرانى بصيرها أرتنا حمام الموت ليلى، وراقنا ... عيون نقيّات الحواشى تديرها حتى أنت على آخرها. فقال: يا ليلى، ما رابه من سفورك؟ فقالت: أيها الأمير؛ ما رآنى قظ إلا متبرقعة، فأرسل إلىّ رسولا إنه ملمّ بنا، فنظر أهل الحىّ رسوله فأعدّوا له وكمنوا؛ ففطنت لذلك من أمرهم، فلما جاء ألفيت برقعى وسفرت فأنكر ذلك، فما زاد على التسليم وانصرف راجعا. فقال لها الحجاج: لله درك! فهل كانت بينكما ريبة قط؟ قالت: لا والذى أسأله صلاحك، إلا أنى رأيت أنه قال قولا فظننت أنه خضع لبعض الأمر، فقلت: وذى حاجة قلنا له: لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل لنا صاحب لا ينبغى أن نخونه ... وأنت لأخرى صاحب وخليل فما كلمنى بشىء بعد ذلك حتى فرّق الموت بينى وبينه. فقال لها: حاجتك! قالت: أن تحملنى إلى قتيبة بن مسلم على البريد إلى خراسان، فحملها فاستظرفها قتيبة ووصلها، ثم رجعت فماتت بساوة «١» ، وقبرها هناك. وروى المبرد أنها لما أنشدته الأبيات «أحجاح إن الله أعطاك» .. إلى قولها «غلام إذا هز القناة ثناها» قال لها: لا تقولى غلام، ولكن قولى: همام، ثم قال لها: أى نسائى أحبّ إليك أن أنزلك عندها؟ قالت: ومن نساؤك أيها الأمير؟ قال: أم الجلاس بنت سعيد بن العاص الأموية، وهند بنت أسماء بن خارجة الفزارية، وهند بنت المهلب بن أبى صفرة العتكية «٢» . قالت: هذه أحب إلى. فلما كان الغد دخلت إليه فقال: يا غلام أعطها خمسمائة. قالت: أيها الأمير، اجعلها أدما «٣» .

стр. 981

قيل لها: إنما أمر لك بشاء، فقالت: الأمير أكرم من ذلك؛ فجعلها إبلا أدما استحياء؛ وإنما كان أمر لها بشاء [أولا، والأدم أكرمها] . وأول هذا الحديث عن رجل من بنى عامر بن صعصعة يقال له ورقاء قال: كنت عند الحجاج فدخل الآذن «١» فقال: أصلح الله الأمير! بالباب امرأة تهدر كما يهدر البعير النادّ «٢» . قال: أدخلها، فلما دخلت نسبها فانتسبت له. فقال: ما أتى بك يا ليلى؟ قالت: إخلاف النجوم، وقلّة الغيوم، وكلّب البرد، وشدة الجهد، وكنت لنا بعد الله الرّفد. قال لها: أخبرينى عن الأرض. قالت: الأرض مغبرّة، والفجاج مقشعرّة، وأصابتنا سنون مجحفة مظلمة، لم تدع لنا هبعا ولاربعا، ولا عافطة ولا نافطة «٣» أهلكت الرجال، ومزّقت العيال، وأفسدت الأموال، وأنشدت الأبيات التى مضت آنفا؛ فالتفت الحجاج [إلى أصحابه] . وقال: هل تعرفون هذه؟ قالوا: لا. قال: هذه ليلى الأخيلية التى تقول: نحن الأخايل لا يزال غلامنا ... حتى يدبّ على العصا مذكورا تبكى الرماح إذا فقدن أكفّنا ... حزنا وتلقانا الرّفاق؟؟؟. ورا وفى آخر حديثها قال لها: أنشدينا بعض شعرك، فأنشدته: لعمرك ما بالموت عار على الفتى ... إذا لم تصبه فى الحياة المعاير ومن كان مما يحدث الدهر جازعا ... فلابدّ يوما أن يرى وهو صابر فلا يبعدنك الله يا توب هالكا ... لدى الحرب إن دارت عليك المقادر فكل جديد أو شباب إلى بلى ... وكل امرئ يوما إلى الله صائر وكل قرينى ألفة لتفرّق ... شتات وإن ضنّا وطال التّعاشر

стр. 982

فأقسمت أبكى بعد توبة هالكا ... وأحفل من دارت عليه الدوائر فقال الحجاج لصاحب له: اذهب بها فاقطع عنى لسانها، فدعا لها بالحجام ليقطع لسانها. فقالت له: ويحك! إنما قال لك الأمير: اقطع لسانى بالعطاء، فارجع إليه فاسأله، فسأله فاستشاط غيظا، وهمّ بقطع لسانه، [ثم أمر بها فأدخلت] فقالت: أيها الأمير، كاد يقطع مقولى، وأنشدته: حجّاج أنت الذى ما فوقه أحد ... إلا الخليفة والمستغفر الصّمد حجاج أنت شهاب الحرب إن لقحت ... وأنت للناس نور فى الدّجا يقد «١» احتذى الحجاج فى قوله: «اقطع لسانها» قول النبى ﷺ لما أعطى المؤلفة قلوبهم يوم حنين مائة من الإبل، وأعطى العباس بن مرداس أربعين فسخطها وقال: أتجعل نهيى ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع وما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس فى مجمع وما كنت إلا امرأ منهم ... ومن تضع اليوم لا يرفع «٢» العبيد: اسم فرسه، وحصن [الذى ذكره] هو أبو عيينة بن حصن بن حذيفة ابن بدر سيد فزارة، وحابس: أبو الأقرع بن حابس، وقد تقدم نسبه- فأمر النبى ﷺ بإحضاره، فقال: أنت القائل: أتجعل نهبى ونهب العبيد ... بين الأقرع وعيينة وكان النبى ﵊ كما قال الله : «وما علّمناه الشّعر وما ينبغى له» . فقال: قم يا على فاقطع لسانه. قال العباس: فقلت: يا علىّ؛

стр. 983

وإنك لقاطع لسانى؟ قال: إنى ممض فيك ما أمرت، فمضى بى حتى أدخلنى الحظائر، فقال: اعتدّ ما بين الأربعين إلى مائة، قلت: بأبى أنت وأمى! ما أحلمكم وأعلمكم وأعدلكم وأكرمكم! فقال: إن رسول الله ﷺ أعطاك أربعين، وجعلك من المهاجرين [فإن شئت] فخذها، وإن شئت فخذ مائة، وكن من المؤلّفة قلوبهم. فقلت: أشر علىّ. فقال: إنى آمرك أن تأخذ ما أعطاك. فأخذتها. وكانت ليلى الأخيلية قد حاجّت النابغة الجعدى فأفحمته. ودخلت على عبد الملك ابن مروان وقد أسنّت فقال: ما رأى توبة فيك حتى أحبك؟ قالت: رأى فىّ ما رأى الناس فيك حين ولّوك! فضحك عبد الملك حتى بدت له سن سوداء كان يخفيها. [عود إلى رثاء شواعر العرب] وقالت هند بنت أسد الضبابية: لقد مات بالبيضاء من جانب الحمى ... فتى كان زينا للمواكب والشّرب يلوذ به الجانى محافة ما جنى ... كما لاذت العصماء بالشاهق الصعب تظلّ بنات العمّ والخال حوله ... صوادى لا يروين بالبارد العذب وقالت أم خالد النميرية [تشبب بأثال الكلابى «١» ] : إذا ما أتتنا الريح من نحو أرضه ... أتتنا بريّاه فطاب هبوبها «٢» أتتنا بمسك خالط المسك عنبر ... وريح خزامى باكرتها جنوبها أحنّ لذكراه إذا ما ذكرته ... وتنهلّ عبرات تفيض غروبها «٣» حنين أسير نازح شدّ قيده ... وإعوال نفس غاب عنها حبيبها

стр. 984

وأنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى [ثعلب] ، لأم الضحاك المحاربية وكانت تحب رجلا من الضّباب حبا شديدا: يأيها الراكب الغادى لطيّته ... عرّج أبثّك عن بعض الذى أجد ما عالج الناس من وجد تضمّنهم ... إلا وجدت به فوق الذى وجدوا حسبى رضاه وأنّى فى مسرّته ... ووده آخر الأيام أجتهد وقالت: هل القلب إن لاقى الضّبابىّ خاليا ... لدى الرّكن أو عند الصّفا ينحرّج وأزعجنا قرب الفراق، وبيننا ... حديث كتنفيس المريضين مزعج حديث لو أنّ اللحم يشوى بحره ... غريضا أتى أصحابه وهو منضج وأنشد الزبير بن بكار لحليمة الخضرية، وقد أنشدها المبرد لنبهان العبشمى «١» وهو أشبه «٢» : يقرّ بعينى أن أرى من مكانه ... ذرى عقدات الأجرع المتقاود وأن أرد الماء الذى شربت به ... سليمى وإن ملّ السّرى كلّ واحد وألصق أحشائى ببرد ترابه ... وإن كان مخلوطا بسمّ الأساود وقالت الفارعة بنت شداد ترثى أخاها مسعودا: يا عين بكّى لمسعود بن شدّا ... بكاء ذى عبرات شجوه بادى من لا يذاب له شحم السّديف ولا ... يجفو العيال إذ ما ضنّ بالزاد ولا يحلّ إذ ما حلّ منتبذا ... يخشى الرزية بين المال والنادى قوّال محكمة، نقّاض مبرمة ... فتاح مبهمة، حبّاس أوراد قتّال مسغبة، وثّاب مرقبة ... منّاع مغلبة، فكّاك أقياد حلّال ممرعة، فرّاج مفظعة ... حمّال مضلعة، طلّاع أنجاد

стр. 985

حمّال ألوية، شهّاد أندية ... شدّاد أوهية، فرّاج أسداد جمّاع كلّ خصال الخير قد علموا ... زين القرين ونكل الظالم العادى أبا زرارة لا تبعد فكلّ فتى ... يوما رهين صفيحات وأعواد هلا سقيتم، بنى جرم، أسيركم ... نفسى فداؤك من ذى كربة صادى نعم الفتى، ويمين الله، قد علموا ... يخلو به الحىّ أو يغدو به الغادى هو الفتى يحمد الجيران مشهده ... عند الشتاء وقد همّوا بإخماد الطاعن الطعنة النّجلاء يتبعها ... مثعنجرا بعد ما تغلى بإزباد والسابىّ الزّق للأضياف إن نزلوا ... إلى ذراه وغيث المحوج الغادى والمحسنات من النساء كثير، وقد تفرّق لهن فى أضعاف هذا الكتاب ما اختير. [عبرات المحبين] وأنشد أحمد بن يحيى ثعلب: ومستنجد بالحزن دمعا كأنه ... على الخد مما ليس يرقا حائر «١» إذا ديمة منه استقلّت تهلّلت ... أوائل أخرى مالهنّ أواخر ملا مقلتيه الدمع حتى كأنه ... لما انهلّ من عينيه فى الماء ناظر «٢» وينظر من بين الدموع بمقلة ... رمى الشوق فى إنسانها فهو ساهر وقال آخر- ورويت لقيس بن الملوّح: نظرت كأنى من وراء زجاجة ... إلى الدار من ماء الصبابة أنظر فعيناى طورا يغرقان من البكا ... فأعشى، وطورا تحسران فأبصر وقال غيلان: وما شنّتا خرقاء واهية الكلى ... سقى بهما ساق ولما تبلّلا بأضيع من عينيك للدّمع كلّما ... توهمت ربعا أو توسّمت منزلا
следующие страницы →