← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 10776

فقه النوازل

بكر أبو زيد

Полный текст (480 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الاصطلاح منها ما يلي: أ - القضاء، والزكاة، والحج: ألفاظ عربية: لأحمد رضا. جلد ٢ عام ١٩٢٢ م. ب - اللغة العلمية: محمد جميل الخاني، جلد ٤ عام ١٩٢٤ م. ج - الأوضاع الجديدة والاصطلاحات الفنية: عز الدين التنوخي، جلد ١٣ عام ١٩٣٦ م. د - أسماء لمسميات حديثة: أحمد رضا، جلد ١٦ عام ١٩٤١ م. هـ - تعريب الاصطلاحات العلمية: جميل صليبا، جلد ٢٨ عام ١٩٥٣ م. ٥٢- مجلة مجمع اللغة العربية بمصر: أ - الاصطلاحات الفقهية: عبد الوهاب خلاف ٧ / ٢٣٥ - ٢٤١. ب - نشأة المصطلحات الفلسفية في الإسلام: إبراهيم بيومي مدكور ٧ / ٢٦١ - ٢٦٨. ب - توحيد المصطلحات: محمد رضا الشبيبي ٨ / ١٣١ - ١٣٥. د - القواعد العامة لوضع المصطلحات العلمية: محمد كامل حسين. ١١ / ١٣٧ - ١٤٢. هـ - مدى حق العلماء في التصرف في اللغة: إبراهيم بيومي مدكور ١١ / ١٤٣ - ١٥١.

стр. 107

و - توحيد المصطلحات العلمية في البلاد العربية: للأمير مصطفى الشهابي ١١ / ١٥٧ - ١٦٤. ز - في المصطلحات الإسلامية: محمد يوسف موسى ١١ / ٢٠٩ - ٢٢٠. ح - اللغة والعلوم: محمد كامل حسين ١٢ / ١٧ - ٣٠. ط - ملاحظات على وضع المصطلحات العلمية: للأمير مصطفى الشهابي ١٢ / ٣١ - ٣٦. ي - العلم: دلالة اللفظ في اصطلاح الفلاسفة الإسلاميين وأقسام العلم عندهم: مصطفى نظيف ١٣ / ١٩ - ٢٩. ك - مصطلحات العلوم في اللغة العربية، ودور المجمع فيها: عبد الفتاح الصعيدي ١٣ / ٢٠٩ - ٢١٨. ل - مشكلة المصطلحات العلمية، والطريقة العلمية لحلها: عبد الحليم منتصر ١٣ / ٢٠٣ - ٢٠٧. م - تراثنا القديم من المصطلحات. مظانه، ومصادره: محمد رضا الشبيبي ١٤ / ٥٣ - ٧٣. ن - قضية اللغة في علم القانون: صبحي المحمصاني ١٩ / ٦٥ - ٦٩. س - لغة العلم: إبراهيم مدكور ٢٠ / ٥ - ٨. ع - أثر المغرب في العلم واللغة: عبد الله كنون ٢١ / ٢١ - ٢٩. ف - لغة العلم في الإسلام: إبراهيم مدكور ٢٩ / ٧ - ١٣، ٣٠ / ١٦ - ٢٠.

стр. 108

المبحث الثاني في ألقاب هذا الفن عُني العلماء بموضوع معاني الألفاظ، ومن مبلغ عنايتهم به نرى المؤلفين منهم في " أحوال العلوم " يشيرون إليه في مباحث اللغة وعلومها كما فعل صاحب " مفتاح السعادة " إذ أشار إلى بعض الكتب المؤلفة في الاصطلاح في مبحث العلوم التي تتعلق بالألفاظ فقال في ١ / ١٢٥: (ومما يختص بلغة الفقهيات. فذكر كتابين هما: المغرب، وطَلِبة الطلبة) . ونتيجة أيضاً لهذه المواطآت الاصطلاحية، يرى الناظر في كتب الفنون عامة قولهم: تعريف هذا اللفظ: لغة وشرعاً أو: لغة واصطلاحاً. ولهذا يقول ابن فارس ﵀ في كتابه: الصاحبي ص / ٨٦: (لكل لفظ اسمان: لغوي، وصناعي، ويقصد بالصناعي الاصطلاحي) . وهذه المواطآت أو المواضعات الصناعية، اكتسبت بعد اسم " علم المصطلحات " لكثرتها وشيوعها، في كل علم وفن وبالتتبع حصل عدد من ألقاب هذا الفن على ما يلي: ١- الحدود. ٢- التعريفات. ٣- الاصطلاح أو المصطلحات.

стр. 109

٤- لغة العلم. ويقولون لكل علم لغته: أي مصطلحاته. ٥- لغة الفهم، ويقولون: اللغة لغتان: لغة التفاهم وهي اللغة العامة. ولغة الفهم: وهي لغة العلم. ٦- السلطة العلمية. ٧- علم الدلالة. ٨- الأسباب الإسلامية، كما ذكره ابن فارس في: الصاحبي، فعقد باباً باسم: " باب في الأسباب الإسلامية ". وعنه السيوطي في: المزهر. وهذا في خصوص الألفاظ التوقيفية: أي التي ورد النص الشرعي بها. ٩- الشرعيات. كثيراً ما ترى لدى علماء الشريعة في تعريف ألفاظها قولهم: وهو " شرعاً " أي في معناه الشرعي وهو إخراج للشيء عن المعنى اللغوي إلى الحقيقة الشرعية، وهي ما تلقى معناها عن الشارع، وإن لم يتلق عن الشارع: سمي اصطلاحاً، وعرفاً. وقد غلط جمع من المتأخرين في عدم الاعتداد بهذا التفريق. والذي يتعين هو: التزامه فيما ورد به النص من كتاب أو سنة فيقال فيه: تعريفه " شرعاً " ولا يقال: " اصطلاحاً "، لأن الاصطلاح والمواضعة عليه إنما تكون من جماعة، فالقول مثلاً في لفظ الصلاة تعريفها اصطلاحاً: هو كذا وكذا. اطلاق فاسد لغة وشرعاً. وإنما يقال: " تعريفها شرعاً ". والله أعلم. ١٠- الأسماء الشرعية. ١١- المصطلحات الإسلامية. ١٢- الألفاظ الإسلامية. ويسمى هذا الفن في لغة الفرنجة " سيما

стр. 110

سيولوجيا " أو " سيمانتكس ". وسيما: بمعنى الإشارة والرمز، كما في مقدمة: محقق الزينة ص ١٥.

стр. 111

المبحث الثالث في حقيقة الاصطلاح لغة واصطلاحاً قال العلماء " لا مشاحة في الاصطلاح " والمشاحة: الضنة كما في مادة: شحح. من القاموس وشرحه. وقد ذكر الشارح هذه القاعدة ولم يعزها لأحد، وقال: (ومنه قول بعضهم: لا مشاحة في الاصطلاح) . ولم أقف على من قالها، ولا أول عصر قيلت فيه، وهي من الكَلِم الدارج في كلام أهل العلم وعلى ألسنتهم وهي في الشيوع نحو قولهم: لا إنكار في مسائل الخلاف. وقولهم: النادر لا حكم له. وقولهم: نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر. وهذا كثيراً ما يلهج به الأصوليون مرفوعاً ولا أصل له في المرفوع، وانظر القول عنه محققاً في: المعتبر للزركشي ص / ٩٩ مع حاشية حمدي السلفي. وقولهم أيضاً: الناس مؤتمنون على أنسابهم. وهو لا أصل له مرفوعاً، ويؤثر عن الإمام مالك رحمه الله تعالى. وههنا فائدة يحسن تقييدها والوقوف عليها وهو أن هذا ليس معناه تصديق من يدعي نسباً قبلياً بلا برهان، ولو كان كذلك لاختلطت الأنساب، واتسعت

стр. 112

الدعوى، وعاش الناس في أمرٍ مريج، ولا يكون بين الوضيع والنسب الشريف إلا أن ينسب نفسه إليه. وهذا معنى لا يمكن أن يقبله العقلاء فضلاً عن تقريره. إذا تقرر هذا فمعنى قولهم " الناس مؤتمنون على أنسابهم " هو قبول ما ليس فيه جر مغنم أو دفع مذمةٍ ومنقصة في النسب كدعوى الاستلحاق لولد مجهول النسب. والله أعلم. وقاعدة الباب هنا ليست على عمومها، فلا مشاحة في الاصطلاح ما لم يخالف اللغة والشرع، وإلا فالحجر والمنع. ولهذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى في: مدارج السالكين ٣ / ٣٠٦: " والاصطلاحات لا مشاحة فيها إذا لم تتضمن مفسدة " اهـ. وهذا نظير قولهم (لا إنكار في مسائل الخلاف) إذ ليست على عمومها كما بسطه ابن القيم في الإعلام ٣ / ٣٠٠ - ٣٠١. يبقى ما حقيقة الاصطلاح: لغة واصطلاحاً. فهذا مما تواردت فيه الحقيقتان: اللغوية، والاصطلاحية. فهو لغة: مصدر اصطلح. وحقيقته (اتفاق طائفة مخصوصة على شيء مخصوص) كما في: المعجم الوسيط ١ / ٥٢٢، ومتن اللغة ٣ / ٤٧٨. والكليات لأبي البقاء ١ / ٢٠١ / ٢٠٢ ولكل علم اصطلاحه. أو يقال: (اتفاق طائفة على وضع اللفظ بإزاء المعنى) كما في التعريفات للجرجاني ص / ٢٢. وتاج العروس ٢ / ١٨٣ وغيرهما. فالحقيقان إذاً متواردتان. ونستطيع إذاً أن نكيف حقيقة الاصطلاح في ضوء ما ذكر أنه: (اللفظ المختار للدلالة على شيء معلوم ليتميز به عما سواه) .

стр. 113

ثم ليعلم أن من هذه الألفاظ الاصطلاحية مالا تثبت دلالته على وتيرة واحدة، بل يعتريها الاستبدال والسعة والضيق بحيث تتسع مدلولاتها أو تضيق، وتختص بمعنى ما - لكن هذا التغير في نطاق مقاييس اللغة والشرع. وهذا التطور أيضاً في الألفاظ المتلقاة بنص من الشارع غير وارد. ولهذا حصل التفريق في ألقابها فيقال فيما ورد به نص (حقيقته الشرعية) ولا يقال (حقيقته الاصطلاحية) . والله أعلم.

стр. 114

المبحث الرابع في العلاقة بين المعنيين اللغوي والاصطلاحي نمت اللغة العربية في ربوعها فصيحة محكمة تسير مع حماتها بقدر سيرهم في حياتهم الفكرية والمدنية، فلما جاء الله بالإسلام ظهر للعيان حكمة اختيارها لغة للقرآن المنزل على قلب النبي العربي محمد ﷺ في وسط العرب الخلص لساناً ونسباً وداراً فتبدي من حكمة وضعها، وقواعد استعمالها ما يشهد بكونها اللغة الأم للغات العالم إذ سارت مع المسلمين في جميع الأعصار والأمصار لغة الدعوة والتبليغ، والفتح والبيان تسير معهم حيث ساروا وتنتقل معهم حيثما انتقلوا وحلوا.. يوم أن كانت على أيدي رجالها الحماة الكماة العارفين لقدرها المتشرفين بحملها لم تضق يوماً ما عما يرد إليها. ومن صادق البرهان أنها لما دخلت في أمم ذات علوم وحضارات وجدت في لغتها ما وسع حاجاتها وعلومها فصارت لسان كل علم من علومها الشرعية والعربية، والأدبية، والصناعية والسياسية.. وكل ما تريد احتضانه ونقله، فصار الاصطلاح لهذا من مظاهر ألفاظها المنتشر في تراثها ومن هنا جرى تقسيم اللفظ إلى: لغوي وشرعي، أو لغوي وديني وشرعي (١) . وجرى الخلاف سلفاً وخلفاً في العلاقة بين هذين القسمين اللفظ

стр. 115

بمعناه اللغوي، واللفظ بمعناه الشرعي هل استعمال اللفظ في هذا المعنى الشرعي بطريق النقل لهذا اللفظ من معناه اللغوي إلى المعنى الشرعي الاصطلاحي أم بطريق تخصيص اللفظ ببعض ما وضع له لغة. وذلك كلفظ: الصلاة والزكاة والصيام، والحج. فالصلاة في اللغة مثلاً الدعاء. وفي الشرع: الركن الثاني من أركان الإسلام بأفعالها وأقوالها وأوقاتها ومن مشتملاتها: الدعاء. والذي عليه الأكثر أن هذا نقل لا تخصيص. والمهم أن هذه الألفاظ وما جرى مجراها بعد استعمالها في هذه الحقائق الشرعية أصبحت لا يفهم منها عند الإطلاق إلا المعنى الشرعي على ما اصطلح عليه المسلمون وفهموه منه، وأصبح المعنى اللغوي لا يفهم إلا بقرينة تدل عليه. وبناءً على هذا الشيوع للمعنى الشرعي في هذه الألفاظ، فإن من القواعد الجارية أن اللفظة ذات المعنى الشرعي إذا مرت في مساق كلامٍ ما فإنما تحمل عليه لا على اللغوي إلا بقرينة. والله أعلم.

стр. 116

المبحث الخامس في أن المواضعات سنة لأهل كل فن امتداداً لسنة التطور والارتقاء، فإن العلوم الإسلامية على اختلافها وتنوعها صاحب تقسيمها مصطلحات استقل بها كل علم واصطلح أهلوه عليها، وما زالت تنمو وتزداد حتى صار لها سمة الظهور، وبالغ الاهتمام في كل فن وعلم. كما تراه لدى: المفسرين، والمحدثين، والفقهاء، والأصوليين والكلاميين، وأرباب علوم الآلة واللسان، ونحوهم، مما تجد فنونهم مرتبة مشروحة في " أبجد العلوم " وغيره من كتب هذا الضرب المؤلفة في " أحوال العلوم " وهذا التعدد وسع دائرة الاصطلاح، وأثراها، وساهم في غزارتها وارتقائها. فالمواضعات إذاً تمتد بامتداد العلوم، وتتأثر بصفاتها من النمو، والدقة، والتنظيم، وقابلية الامتداد على بعد المدى. وهذا من أعظم الدلائل، وأصدق البراهين على ما امتازت به اللغة العربية من حيوية خالدة، وطاقة هائلة، تلتهم كل ما يرد إليها، ولا تضيق بورَّادها. وهو أيضاً من أصدق الأدلة على عظيم الجهود المبذولة في خدمة العلم، وتذليل صعابه، وتقريب بعيده، وجمع متفرقه من أهل العلم في كل عصر ومصر. والله أعلم.

стр. 117

المبحث السادس في الاجتهاد اللغوي علم بالضرورة أن لغة كل أمة عنصر من عناصر تكوينها ورقيها وذلك بقدر التزامها واحتفائها بها، أو هبوطها وتدليها بقدر الفوت منها. وأن اللغة أيضاً تخضع لحياة الأمة ونموها وتتطور بتطورها، لكن متى وقع زمام ذلك في أيد أمينة تقودها بحزم وأناة، وإلا جلبت لها أمراضاً تنذر بموتها، وعيوباً تذهب بمحاسنها. ولهذا قرر حماتها، المخلصون لها، البارزون في حلائبها أن باب الاجتهاد اللغوي ما زال نافذاً، وأمره راشداً، وأن دعوى إغلاقه لا تُسمع إلا بدليل يساوي الدليل الذي انفتح به ذلكم الباب الراشد أولاً. فالاجتهاد إذاً مقيد بان يكون على يد أهله، موزوناً بمقاييس اللغة المأخوذة من موارد الكلام الفصيح، لا أن يفرض على الأمة بما لم يفه به فصحاؤها وبناتها أو تؤيده قواعد لغتها وسنن كلامها. وإلا كان الاجتهاد فيها سبيلاً إلى إفنائها وإحداث لغة أخرى. ولهذا وجب على حماتها وحدهم دون من سواهم تكميل حاجة الأمة بوضع مصطلحات لما يتجدد من العلوم والفنون مما تسعه مقاييسها، ومعاييرها الدقيقة.

стр. 118

ودراسة أي مصطلح علمي وافد بوضعه تحت مجهر اللغة والشريعة إعمالاً لوصل حاضر الأمة بماضيها، وكف أي دخيل عليها في لغتها وشريعتها.

стр. 119

المبحث السابع في تاريخ الأسباب الإسلامية ونشأة المصطلحات الشرعية للأسماء شأن كبير في الإسلام، ولهذا قال الله سبحانه ممتناً على آدم ﵇: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ . فالاسم بداية العلم، والعلم به مفتاح للعلم بالمسمى. وعصر النبي ﷺ هو عصر التشريع بآية من القرآن الكريم أو سنة من حديثه الشريف، وكان ﷺ بحكم نبؤته ورسالته، وسلطانه في البيان كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ، بين للصحابة رضي الله عنهم الحقائق الشرعية من الألفاظ اللغوية التشريعية بياناً شافياً بأقواله وأفعاله وتقريراته ﷺ . كما في لفظ " الصلاة " في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية، فليست الصلاة ما يعرفه العربي من معناها أنه مطلق " الدعاء " بل هي عبارة مخصوصة في أوقات مخصوصة تشتمل على أقوال وأفعال مخصوصة بيَّنها ﷺ غاية البيان وأدقه في قوله: " صلوا كما رأيتموني أصلي ". وكذا في بيانه ﷺ للزكاة، والصيام، والحج، وجميع أحكام التشريع في الأمر والنهي في قوالبه الشرعية فسبحان من نقل أفهام العرب وهداها إلى هذه المعاني التشريعية المقصودة من تلك الألفاظ العربية التي أريد

стр. 120

بها غير ما وضعت له. وفي هذا يقول العلامة ابن فارس رحمه الله تعالى في كتابه الصاحبي ص ٧٨ - ٨٦ باب الأسباب الإسلامية ثم ساق ما نصه: (كانت العربُ في جاهليتها على إرْثٍ من إرْث آبائهم في لُغاتهم وآدابهم ونسائِكهم وقَرَابينهم. فلما جاءَ الله جلّ ثناؤه بالإسلام حالت أحْوَالٌ، ونُسِخَت دِيانات، وأُبطلت أمورٌ، ونُقِلت من اللغة ألفاظ عن مواضعَ إلى مواضع أخر بزيادات زِيدَت، وشرائع شُرِعت، وشرائط شُرِطت. فعَفّى الآخرُ الأوّلَ، وشُغل القوم - بعد المُغَاوَرَات والتِّجارات وتَطَّلُّب الأرباح والكَدْحِ للمعاش في رحلة الشِّتاء والصَّيف، وبعد الإغْرَام بالصَّيد والمُيَاسَرة - بتلاوة الكتاب العزيز الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ وبالتَّفقّه في دين الله ، وحفظ سنن رسول الله ﷺ ، مع اجتهادهم في مُجَاهَدَةِ أعداء الإسلام. فصار الذي نَشأَ عليه آباؤهم ونَشَؤُوا [هم] عليه كأن لم يكن، وحتى تكلَّموا في دقائق الفقه، وغوامض أبواب المواريث، وغيرها من علم الشريعة وتأويل الوحي بما دُوِّن وحُفِظ حتى الآن. فصاروا - بعد ما ذكرناه - إلى أن يُسئل إمامٌ من الأئمة وهو يخطب على منبره عن فريضة فَيُفْتي وَيحْسُبُ بثلاث كلمات. وذلك قول أمير المؤمنين عليٍّ صلوات الله عليه حين سُئل عن ابنتين وأبوين وامرأة (صار ثُمْنُها تُسْعاً) فسميت (المِنْبريَّة) . والى أن يقول هو صلوات الله عليه على منبره والمهاجرون والأنصار متوافرون: " سلوني فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم

стр. 121

في سهل أم في جبل؟ " وحتى قال صلوات الله عليه - وأشار إلى ابنيه - " يا قوم، استنبطوا مني ومِن هذين عِلْمَ ما مضى وما يكون! " وإلى أن يتكلم هو وغيره في دقائق العلوم بالمشهور من مسائلهم في الفَرْض وَحده، كالمُشْتَركَة، ومسألة المُباهَلَة والغَرَّاء، وأُمّ الفُروخ، وأمّ الأرَامل، ومسئلة الامتحان، ومسئلة ابن مسعود، والأكْدَرِيَّة. ومُخْتَصَرَةُ زَيْد، والخَرْقاء، وغيرها ممّا هو أغْمَضُ وأدقُّّ. فسبحان من نقل أولئك في الزمن القريب بتوفيقه عمّا ألفوه ونشؤوا عليه وغذُوا به، إلى مثل هذا الذي ذكرناه. وكل ذلك دليل على حقّ الإيمان، وصِحَّةِ نُبوةِ نبينا محمد ﷺ . فكان مما جاء في الإسلام - ذكر المؤمن والمسلم والكافر والفاسق. وأنَّ العرب إنِّما عَرَفت المؤمن من الأمان والإيمان وهو التصديق. ثم زادت الشريعة شَرَائِطَ وأوصافاً بها سُمِّيَ المؤمن بالإطلاق مُؤْمِناً، وكذلك الإسلام والمسلم، إنَّما عَرَفت منه إسلامَ الشيء، ثم جاء في الشَّرع مِن أوصافه ما جاء. وكذلك كانت لا تعرِف من الكُفر إلا الغِطاء والسَّتْر. فأما المنافق فاسمٌ جاء به الإسلام لقوم أبْطَنُوا غير ما أظهروه، وكان الأصل من نَافِقَاءِ اليَرْبُوع. ولم يعرفوا في الفِسْق إلا قولهم: " فَفَسَقَتِ الرُّطَبَةُ " إذا خرجت من قِشْرِها، وجاء الشرع بأن الفِسق: الإفحاش في الخروج عن طاعة الله جل ثَناؤه. وما جاء في الشرع الصّلاة، وأصله في لغتهم: الدُّعاء. وقد كانوا عَرَفوا الركوعَ والسجودَ، وإن لم يكن على هذه الهيئة، فقالوا: أوْ دُرَّةٍ صَدَفِيةٍ غَوَّاصُها ... بَهِجٌ، مَتَى يَرَها يُهِلَّ وَيَسْجُد

стр. 122

وقال الأعشى: يُراوِحُ من صلوات المَلِيكِ ... طَوْراً سُجُوداً، وطَوْراً، جُؤراً والذي عرفوه منه أيضاً: ما أخبرنا به عليٌّ عن علي بن عبد العزيز، عن أبي عُبَيد قال: قال أبو عمرو: " أسْجدَ الرجلُ: طأطأ [رأسه] وانْحَنَى ". قال حُمَيْدُ بن ثَوْر: فُضُولُ أزِمِّتها أَسْجَدَتْ ... سُجُود النَّصارى لأَرْبَابِهَا وأنشد: فقُلْنَ له: أسْجِدْ لِلَيْلَى، فأسْجَدَا يعني البعير إذا طأطأ رأسه لِترْكَبَهُ. وهذا وإن كان كذا، فإن العرب لم تعرِفه بمثل ما أتَت به الشريعة من الأعدادِ، والمواقيت، والتَّحريم للصلاة، والتحليل منها. وكذلك الصِّيَامُ، أصله عندهم: الإمساكُ، ويقول شاعرهم: خيلٌ صيام، وأُخْرَى غيرُ صَائمةٍ ... تَحْتَ العَجَاج، وأخْرى تَعْلكُ الُّلجُمَا ثم زادت الشريعة النيَّةَ، وحَظَرَت الأكلَ والمُبَاشرَةَ، وغير ذلك من شرائع الصوم. وكذلك الحَجُّ، لم يكن عندهم فيه غير القصد، وسَبْوُ الجِرَاح. من ذلك قولهم: وأَشْهَدُ مِنْ عَوْفٍ حُلُولاً كثيرةً ... يَحجُّون سِبَّ الزِّبرِقانِ المُزَعْفَرَا

стр. 123

ثم زادت الشريعة ما زادته من شرائط الحج وشعائره. وكذلك الزَّكاة، لم تكن العرب تعرفها إلا من ناحية النَّماءِ وزاد الشرع ما زاره فيها مما لا وجه لإطالة الباب بذكره. وعلى هذا سائر ما تركنا ذِكرَه من العُمْرةِ والجهاد، وسائر أبواب الفقه. فالوجه في هذا إذا سُئِل الإِنسان عنه أن يقول: في الصلاة اسمان لُغويٌّ وشرعيٌّ، ويذكر ما كانت العرب تعرفه، ثم ما جاءَ الإسلام به. وهو قياسُ ما تركنا ذكرَه من سائر العلوم، كالنحو والعروض والشِّعر: كل ذلك له اسمان لُغوي وصِناعيُّ) اهـ. ويقول الرازي في كتاب الزينة ١ / ١٤٦ - ١٥٢ ما يلي: فالإسلام هو اسم لم يكن قبل مبعث النبي ﷺ . وكذلك أسماء كثيرة مثل " الآذان " و " الصلوات " و " الركوع " و " السجود " لم تعرفها العرب إلى على غير هذه الأصول، لأن الأفعال التي كانت هذه الأسماء لها لم تكن فيهم. وإنما سَنَّها النبي ﷺ [٦٠] وعلَّمها الله إيَّاه. فكانوا يعرفون " الصلوات " أنها الدعاء. قال الأعشى في صفة الخمر: فإن ذُبِحَتْ صلَّي عليها وزَمْزَمَا أي دعا لها. وعلى هَذا كانت سائر الأسامي. وقد كانت الصلاة والصيام وغير ذلك في اليهود والنصارى، وقد كانت اليهودية والنصرانية في العرب. ويقال إن المجوسية لم تكن فيهم على ما ذكره الرواة. ورووا أن أول من تمجَّسَ من العرب حَاجب بن زُرَارَة الدارمي هو وأهل بيته، ولم

стр. 124

يتمجَّس منهم أحد قبله قالوا: سَمَّى ابنته دُخْتِنُوس باسم ابنة كِسْرَى، وتَزَوَّجَها؛ فعُير بذلك. فقال: أو ليست لي حلالاً في ديني؟ ثم ندم على ذلك وأنْشَأ يقول: لَحا الله دِينَك من أَغْلَفٍ ... يُحلُّ البَنَاتِ لَنا والخَوَاتِ أَحَشْتُ على أسْرَتي سَوْءَةً ... وطَوَّقْتُ جِيليَ بالمُخْزِيَاتِ وأَبْقَيْتُ في عَقِبي سُبَّةً ... مَشَاتِمَ يَحْيَيْنَ بعد المَمَاتِ وروى عن أبي عمرو بن العلاء أن نَسْراً كان صنماً لبعض حِمْيَر، وكانوا فيما يزعمون مجوساً. وهم الذين [ذُكِروا] في كتاب الله : ﴿وَجَدْتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ . ويقال: إن بقايا المجوس الذين كانوا باليمن والبحرين منهم. ونقول: إن الأعمال التي هي في شريعة الإسلام قد كان مثلها في اليهود والنصارى، ولكن لم يكونوا يُسَمُّونها بهذه الأسماء، لأن شرائعهم لم تكن بلسان العرب فلما جاء الله بالإسلام وبيَّن هذه الأسماء اقْتدَوا بأهل الإسلام، وصاروا عيالاً عليهم فيها، وقد عرفيا فضيلة رسول الله ﷺ ، وإن كانوا كاتِمين لما كانوا قد عرفوه، كافرين بنعمة الله عليهم حسداً وعناداً. هذا مع قبولهم وقبول سائر الأمم معهم آيات مُحْكَمَاتٍ وكلمات [٦١] بَيِّنَات أتى بها رسول الله ﷺ في هذه الشريعة لم تعرفها الأمم. فلمَّا وردت عليهم قبلوها قبولاً اضطرارياً مع إنكارهم نبَّوته ﵇، فجبلهم الله على المعرفة بأحكامها، وصرف قلوبهم إلى قبولها والاقتداء بها والإقرار بفضلها. فأول ذلك كلمة الإخلاص، وهو قول: " لا إله إلا الله "، هذه كلمة جعلها مركزاً لدين الإسلام وقطْباً له ولم تكن الأمم السالفة تقولها على هذا

стр. 125

اللفظ، وبهذا الاختصار، مع ما فيها من الحكمة البالغة، واشتمالها على نَفْي الكفر، وإثبات التوحيد، وإزالة الشرك، ووجوب الإيمان. فلما قالها ﷺ ، ودعا الناس إليها، استعظمت العرب ذلك، لأنهم يُسَمُّون أصْنَامهم آلِهَة، فقال الله حكاية عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ. وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ. بَلْ جَاءَ بِالحَقِّ وَصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ يعني جاء بها وهي الحق. وهي تشتمل على هذه المعاني التي ذكرناها، وإلى ذلك دعا المُرسَلون، ولكن لم يوردها على هذا اللفظ بهذا الكمال والاختصار مشتملة على هذه المعاني. فلما قالها ﷺ قَبِلَها أهل الكتاب من اليهود والنصارى والمجوس، وجامَعوه على الإقرار بها، وبايَنُوه على الكلمة المقرونة بها: " محمد رسول الله " فكانوا على الإقرار بالأولى مؤمنين بالله، وعلى إنكارهم الثانية مشركين. قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ . ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ : هي أية أنزلها الله على محمد رسول الله ﷺ ، وجعلها فاتِحَة كتابه وفاتحة كل سورة، فصار ذلك قُدْوَة لجميع الأمم قد تَرَاضَوْا بها، واتبعوا رسول الله ﷺ على ذلك، فجعلوها فاتحة كتبهم مُصَدَّرة في صَدْر [٦٢] كل كتاب مُسْتَحْسَنَة عندهم. قد أقَرُّوا بفَضْلها حتى إن كل كتاب لم يفْتَتح بها هو عندهم ناقِصٌ مَبْتُور، مَسْلوبُ البَهَاء مَهجور ولم يكن ذلك لسائر الأمم ولا عرفوها إلا ما ذكره الله في كتابه أن سليمان ﵇ كتب بها إلى بلْقيس ولم يُدَوِّنها هذا التدوين، ولا زَيَّنُوا بها كُتبهم هذا التزيين، ولا عرفوا لها الفَضْل المُبِين، حتى جاءَ الله بالإسلام، وأحْكَمَها على لِسان رسوله محمد ﷺ ، فقَبِلتْهَا الأمم أحسن قبول، وصار فَصْلها في كتبهم أفضل فُصُول.

стр. 126

هذا إلى كلمات غيرها، مثل قوله: ﴿الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ . وقد كان فيما قد تَقدَّم من الكتب المُنَزَّلة تحْميد وتمجيد، ولكن لم يكن على هذا الاختصار بهذا اللفظ، ولم يُدَوَّن هذا التدوين، وقوله: ﴿لا حول ولا قُوَّة إلا بالله العلي العظيم﴾ . وقوله: ﴿تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ﴾ . وقوله: ﴿السلام عليكم﴾ . لم تكن هذه التحيَّة للأمم الماضية، وهي تحية أهل الجنّة قال الله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ . وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: " أُعْطِيت أمَّتي ثلاث خِصال لم يُعْطها أحد قبلهم، صُفُوف الصلاة، وتحيَّة أهل الجنَّة، وآمين، إلا ما كان من موسى وهارون، فقد روى أن موسى كان يدعو وهارون يُؤمِّن ". وقوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ . وقوله: ﴿ما شَاءَ الله كان﴾ . قال أبو عبيدة: حدَّثنا مَرْوان بن مُعاوية عن سُفْيان بن زياد، قال: سمعت [٦٣] سعيد بن جبير يقول: ما أعطى ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ و ﴿مَا شَاءَ الله كان﴾ إلا النبي ﷺ . ولو أوتيه أحد لأوتيه يعقوب حين يقول: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ فهذه الكلمة كلُّها ظهرت في الإسلام على لسان محمد ﷺ بلسان عربيٍّ، ولم تكن لسائر الأمم على هذا النظم العجيب والاختصار الحسن. فلما وردت عليهم اضطرُّوا إلى قبولها وتدوينها، والإقرار بفضلهم، ولفظوا بها عند وجوب الشكر، وطلب الصبر، وفي وقت الاتِّكال والتسليم لأمر الله ، وعند فاتحة كلامهم وخاتمته، وعند كلِّ حادِث نِعْمة، أو نازِل مُلمة. وإن كان الأنبياء الماضون صلوات الله عليهم أجمعين ومن دَرَج من الصالحين عرفوا معانيها، فإنهم لم يرْسموها لأممهم على هذا الرَّسْم على هذا الكمال والإحكام. وادَّخَرَها الله لمحمد ﷺ تفضيلاً له

стр. 127

وتشريفاً لمنزلته ورفعة لدرجته، وأبرزَها على لسانه، فَنَطَقَ بها باللسان العربي المُبين، وأحْكَمَهَا في كتابه، وجَعَلَها فَضَائِلَ له وَمَناقب لأمته، وألْهَمَ جميع الأمم الاقتداء به واتِّباعه عليه) . اهـ. وللرافعي في كتابه: " تاريخ الآداب ... " بحث نفيس عن المصطلحات في الجزء الأول منه. هذا هو مجمل الأسباب الإسلامية في عصر النبوة، وفي عصر الخلفاء الراشدين التزام الأثر الشريف، والحفاوة بمنهجه المنيف. فاللبنات الأساس، والمحاور التقعيدية للتعاريف والاصطلاحات من حيث المقاصد كامنة في دور التشريع إلا أنه لصفاء أذهان الصحابة رضي الله عنهم، وثاقب فهمهم وسلامة لغتهم، وسرعة طاعتهم وانقيادهم للخير، ومتابعتهم لنبيه ﷺ ما كانوا يحتاجون إلى الاستفصال في كثير من مواطن الإجمال، فلما شرع الله الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة و (الصلاة) عندهم الدعاء، عرفوا المراد من التشريع بسماع التنزيل، ومشاهدة التطبيق من النبي ﷺ لها بأعدادها وأقوالها وأفعالها، وتروكها فعرفوا الواجب من المسنون، والمحرم من المكروه، وهكذا في وقائع التشريع ولغته. ثم بعد انتقال العلم إلى الأمصار، وكثرة الداخلين في دين الإسلام على اختلاف الأجناس واللغات والبلدان أخذ حفاظ الشريعة يقربونها للناس، ويجمعون متفرق الأحكام في قواعد كلية، وتعريفات جامعة مانعة، فبدأت الصيغ العلمية للتعاريف مستوحاة من نور التشريع جارية على قواعد اللغة وسننها، وهم على اختلاف تعاريفهم لا تجدهم يختلفون في قاعدة التعريف ومحوره، وإنما من حيث بعض التعريفات، ودخولها في مشمول المعرف من عدمه، وبجانب هذا أخذوا أيضاً في قسمة هذه

стр. 128

التشريعات على أحكام خمسة حسب واقع نصوصها من الدلالة والمفهوم. وهذا ما دل عليه استقراؤهم بتقسيمها إلى تكليفي (١) وهو هذه، وإلى وضعي وهو ما يشمل: السبب والشرط، والمانع.

стр. 129

وهكذا أخذت تنمو وتتطور بتطور الأزمان والأفكار، ومهما حصل من التضاد الصوري في إبرازها اصطلاحاً فإن الحقيقة هي كما أنزل الله تعالى وبين رسوله ﷺ ، وصنعة الكلمات لا تخرج في صورتها عن لغة العرب وسننها في كلامها. فكانت خدمة جليلة من علماء الإسلام للإسلام، شكر الله سعيهم، وأعظم مثوبتهم وأجرهم. وقد صاحبت هذه اللغة (لغة العلم) التدوين تنمو بنموه وتتسع دائرتها بانتشاره، وقد بدأت التعاريف الاصطلاحية في القرن الثالث فما بعده، وذلك حسبما يظهر في كل باب من أبواب الفقه، وفي كل مبحث من مباحث أصوله وهكذا في سائر العلوم الشرعية. ومما تقدم يعلم أن لغة الشريعة لم تتكون دفعة واحدة، بل مرت بأدوار متعددة، وأن نشأتها مصاحبة للتنزيل. ثم أخذت في نطاق التوسع والنمو بتطور التفريع الفقهي في الفقهيات مثلاً ونموه، وهذا يدل على تقدم الذهن البشري في محيط الزمن، وأن الشريعة لا تضيق بواردها وقد أكسب هذا الارتقاء للمواضعات سمة الظهور في جميع العلوم، بل وأفردت بالتأليف والتدوين. وما زال العلماء على هذا النحو في المواضعات وهم يرمون من قوس واحدة في أصالة الاصطلاح وملاقاته للشريعة واللغة. وربما دخل بعد في اصطلاحهم ألفاظ غير عربية تلقيباً لبعض الواقعات، لأن وقوعها كان في أقاليم العجم ويظهر هذا في الفقهيات كالسفتجة (١) في كتاب البيوع،

стр. 130

والكدك (١) في باب الإجارة. لكن تكاثر هذه الظاهرة يكون في مصطلحات العلوم الأخرى كالفلسفة والاجتماع، والكيمياء والطب، ونحوها، لأن هذه العلوم لما ترجمت بعض كتبها كان المترجمون من مستعربة الأعاجم، فهو لعجمتهم وضعف عربيتهم ترجموا كيفما اتفق لا كيفما يجب أن يكون، فعمت البلوى باستعمال هذه الدوال، وتداولها بين العلماء وفي مؤلفاتهم. ولهذا عيب على صاحب القاموس نقله لكثير من أسماء النبات والحيوان، والعقاقير بالأعجمية. لكن لا ترى هذا يزيل لقباً شرعياً اصطلح عليه وهكذا على هذا النهج والتدرج من التطور من التأليف والتفنن في الصياغة والتقريب، وتتابع النوازل والواقعات تكاثرت الاصطلاحات، والتعاريف حتى مثلت ظاهرة إغناء للعلوم الشرعية، بما تستحق أن تحمل بعد اسم (الاصطلاح الشرعي) . ومن هنا فإن الناهضين برد الاصطلاح إلى منحاه الشرعي لن يجدوا ضيقاً ولا حرجاً في إيجاد البديل له من الشريعة واللغة. والله المستعان.

стр. 131

المبحث الثامن في أنواع المصطلحات إن لغة العلم التي يلجأ أهل كل فن إلى المواضعة عليها تكون بحسبه، وبما تتم المواضعة عليه من أهل ذلك الفن. وقد حصل بالتتبع أن هذه المصطلحات تتنوع على ما يلي: أولاً: مصطلح الرمز بالحرف، كما هو لدى المحدثين في ألفاظ التصحيح والتضعيف، والعزو والتخريج. ومن قبلهم لدى علماء الجبر، والكيمياء والهندسة ونحوها. ثانياً: مصطلح الأرقام لدى من ذكر في النوع قبله ولدى المؤرخين والأخباريين في حروف أبي جاد. ثالثاً: المواضعات اللفظية صناعة: مفردةً كلفظ الصلاة والزكاة ونحوهما، أو مركبةً مثل: بسم الله الرحمن الرحيم، لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم وفي بيانها بسط الرازي في: الزينة ١ / ١٤٩ - ١٥١ القول فيها كما تقدم في المبحث السابع قبله.

стр. 132

المبحث التاسع في طرق المواضعة الوصول إلى المواضعة لتكوين المصطلح العلمي بواحد من طريقين: الأول: طريق النقل للكلمة من مدلولها الأصلي إلى مدلول جديد لها به صلة ليصبح المعنى المتواضع عليه حقيقة عرفية، وقد يُنسى من أجله المدلول القديم كالشأن في ألفاظ أركان الإسلام العملية الأربعة الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج. وأجل ألفاظ هذا الطريق ما علم نقله بأصل الشرع كهذه الألفاظ. وكلفظ: التوحيد، ونحو ذلك مما ورد إطلاقه بنص من القرآن أو السنة. فهذا هو أصل المواضعات الشرعية ولا خيار لأحد فيه بتغيير، أو تحريف، أو تبديل. ثم ما علم بلسان الصحابة ﵃ فهم أهل اللسان وأرباب الفصاحة والبيان، وأقرب الأمة للشرع علماً وعملاً. وذلك مثل المصطلحات التي مرت في كلام ابن فارس في: الصاحبي في المبحث الثاني المتقدم. فلمواضعاتهم حرمتها والتحول عنها من باب استبدال الأدنى بالذي هو

стр. 133

خير. وهكذا في تطورات الاصطلاح والحقائق الشرعية المسجلة بأقلام علماء الإسلام في شتى مراحله، وبنيت عليها مؤلفاتهم، وتأسست عليها تفريعاتهم. فاللجوء إليها، وإحياؤها، وإخراجها إلى سوق التداول العلمي: هو السنن القويم، والهدي المستقيم وهو من أقوى عوامل اتصال حاضر الأمة بماضيها، وثباتها على دينها. الثاني: طريق الوضع: ويراد به إيجاد لفظ جديد لأداء معنى خاص. وله عدة وسائل أهمها: النحت، وهو الكُبَّار من أقسام الاشتقاق: والاشتقاق هو أخذ كلمة أو أكثر مع تناسب بين المأخوذ والمأخوذ منه في اللفظ والمعنى. وأقسامه أربعة: صغير، وكبير، وكبار، وكبَّار. والمراد هنا: الكُبَّار؛ وهو: انتزاع كلمة من كلمتين أو أكثر مع تناسب بين المأخوذ والمأخوذ منه في اللفظ والمعنى وتسمى نحتاً (١) . وثَمَّةَ وسيلة أخرى وهي وسيلة: التعريب، وهو نوعان: تعريب الكلمة: وهو إدخال العرب في كلامها كلمةً أعجمية. وتعريب الأساليب: وهو إدخال العرب في أساليبها أسلوباً أعجمياً. وهذا الطريق محل خلاف كبير بين أهل اللغة. وفي مجلة مجمع اللغة العربية بمصر ١ / ١٩٩ - ٢٠٢ قرار المجمع فيه. وبعد مقدمة تاريخية

стр. 134

استقرائية نافعة منها: أن التعريب سماعي لقلة ما ورد فيه في اللغة وهو لا يزيد على بضع مئات من الألفاظ قرر في آخره قوله: (ولذلك لم يجز التعريب) . وأصدر قراره المتضمن إجازة واستعمال بعض الأعجمي إذا عجز عن إيجاد مقابل له عربي فاضطر إلى استعماله اضطراراً وقال: (يجيز المجمع أن يستعمل بعض الألفاظ الأعجمية عند الضرورة على طريقة العرب في تعريبهم) اهـ. وهذا هو ما يسمى في علم اللغة الحديث بـ (الاقتراض) .

стр. 135

المبحث العاشر (١) في ضوابط المواضعة على الاصطلاح تقرر في مباحث العلوم المتعلقة بالألفاظ اللغوية أن أهم ظواهر اللغة تنقسم قسمين: الأول: الظواهر الصوتية. أي المتعلقة بالصوت. الثاني: الظواهر الدلالية. أي المتعلقة بدلالة الألفاظ. ومن الثاني المواضعات الاصطلاحية، وقد تقدم أنها باعتبار ألفاظها منقولة، وليعلم هنا أيضاً أنها باعتبار أحكامها معقولة. وفي خصوص الشرعيات منها يرى وضوح الدلالة الاصطلاحية وسهولتها وهذا من توفيق الله سبحانه تحقيقاً لحفظ الشريعة ويسرها. ويجد الناظر كذلك أن المعنى الواحد قد تتم المواضعة عليه باصطلاحين فأكثر، وهذا اختلاف صوري يدل على سعة لغة الضاد، وأنها كما قال بعضهم: إن لغة الضاد هي لغة التضاد بمعنى كثرة المترادف فيها وسبل الاشتقاق. ولهذا اشتهر قول بعضهم كما في تاج العروس ٢ / ١٧٠ في مادة

стр. 136

شحح (لا مشاحة في الاصطلاح) والمشاحة: الضِّنَّة، والنزاع. ويمكن تكييف ضوابط المواضعة الصناعية بأمرين هما: الأول: تنزيل المواضعات على مقاييس اللغة العربية وقواعدها لتحقيق سلامة المفردات، وصحة الدلالة، وباستقامة تأليف المركبات منها على وجه مقبول في لسان العرب ونسجها. الثاني: تنزيلها على مقاييس الشريعة وقواعدها حتى تثبت على قرارة اليقين منها. والله أعلم.

стр. 137

المبحث الحادي عشر في فوائد الاصطلاح العلمي لأهمية المصطلحات العلمية يمكن أن يقال: إن تاريخ العلوم تاريخ لمصطلحاتها، وأنه لا حياة لعلم بدونها، وعلمية الاصطلاح في العلوم كعلمية الاسم على المولود في إيضاح المقصود، وتحديد المفهوم. وقد علم أن مصطلحات كل علم توجد معه أو بعده بالضرورة، فيسعى العلماء حين وجود الشيء إلى تسميته فتتم على أساس من العلاقة بين اللغة والاصطلاح. فالمصطلحات إذاً ضرورة علمية، ووسيلة مهمة من وسائل التعليم ونقل المعلومات، وقد أصبحت لضرورتها تمثل جزءاً مهماً في المناهج العلمية، مساعدة على حسن الأداء، ودقة الدلالة وسرعة الاستحضار، وتقريب المسافة، وتوفير المجهود في الإلمام بالمتون. وفيها جمع أفكار المتعلمين على دلالات واضحة. وهي ملتقى للعلماء في تناقل أفكارهم ومداركهم. وعلى أساسها يقوم التأليف والنشر. وبالجملة فالاصطلاح عملة نافقة بواسطتها يبدأ التعليم، وينتشر العلم وتلتقي أفكار العلماء ويخطو التأليف والتدوين، وينتفع الخلف بمجهود من سلف. وإنه بقدر ما يتم من ثبات وحفاوة ودقة يكون توفر هذه المنافع وعلى النقيض عند كسر العملة، وكساد السكة، والله المستعان.

стр. 138

المبحث الثاني عشر (١) اختلاف أهل الاصطلاح فيه وأسباب التحول عنه طبيعة أي علم من العلوم أو لغة من اللغات جريان الخلاف فيها، وقد اختلف أهل الاصطلاح في مصطلحاتهم، وما زال ينمو بنمو هذا الفن إلا أنه مهما بلغ فإنه قليل، ثم إن هذا القليل اختلافه اختلاف تنوع لا تضاد ثم قد يكون منه اختلاف من جهة التقسيم بالبسط أو الاختصار ومن أمثلة ذلك لدى الأصوليين، اختلافهم في مصطلح الدلالات فنجد الاختلاف بين المذهبين الحنفي والشافعي فيها: فالحنفية تُقَسِّمُها إلى دلالة لفظية، ودلالة غير لفظية وتوسعوا في التقسيم لكل منهما. فانقسمت دلالة اللفظ عندهم إلى: عبارة النص، وإشارة النص، ودلالة النص، واقتضاء النص. وهكذا. وأما الشافعية فالدلالة تنقسم إلى: منطوق، ومفهوم، والمنطوق إلى صريح، وغير صريح، والمفهوم إلى مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة وهكذا، أو في الفروع في ألقاب بحوثه ومسائله لدى الفقهاء مثلاً: عقد السَّلَم: سماه بعضهم عقد السلف.

стр. 139

وعقد المضاربة: سمي عقد القراض. وعقد الإجارة: سمي عقد الكراء. وهكذا في تنوع الاختلاف في المصطلح الواحد، لكن هذا الاختلاف إما أن يكون مما سطر لدى الفقهاء بين مذهبين فأكثر، وقد يكون في المذهب نفسه. أو يكون اختلافه إقليمياً لعادة عرفية قولية أو فعلية. أو يكون تحت تأثير وطأة القوانين الوضعية في البلاد العربية الإسلامية. وقد أعمل هذا في بعض الرسائل الجامعية، والبحوث الطوعية، وفي سن القوانين والأنظمة في هذه البلدان. ولم تستطع التخلص من أوضارها إلا فيما ندر. أو يكون لمداخلة العجمة تحت وطأة السلطان الأعجمي كما هو الحال في الأنظمة المتأخرة في أخريات الدولة العثمانية حتى أصبح الدخيل على مصطلحات هذه البلاد يغالب الأصيل من لغتها العربية وحتى من لهجتها المحلية ولا يزال سريانها جارياً رغم محاولات الإصلاح بإحلال المصطلحات الأصلية محل المصطلحات الدخيلة إلى غير ذلك من أنواع الاختلاف سوء في تسمية المشروع نفسه، كتسميته بالقانون، أو المدونة أم المجلة، أم أسماء عناصره التي يتكون منها مثل: أحكام البيوع تسمى بالمعاملات، أو القانون المدني. أو الموجبات، أو مجلة الالتزامات أو في أسماء مفرداتها الفقهية وهي من الكثرة بمكان مثل حق الانتفاع، وحق الاستثمار والجنسية، والرعوية، والتابعية، وحافظة النفوس. إلى غير ذلك من أنواع الاختلاف. ومهما كانت جوانبه متعددة ومتنوعة فإنه بتنزيل المختلف فيه على اللغة

стр. 140

العربية بمقاييسها والشريعة بقواعدها يزول الاختلاف ويتوحد الاصطلاح وانظر المبحثين في (توحيد المصطلحات) و (العدوان على مصطلحات الشريعة) .

стр. 141

المبحث الثالث عشر في أن تغيير مصطلحات الشريعة من ضراوة المخالفين لها قال الزبيدي في: تاج العروس ١ / ٩٩ (من بَغُضَ اللسان العربي أداه بغضه إلى بغض القرآن وسنة الرسول ﷺ وذلك كفر صراح، وهو الشقاء الباقي. نسأل الله العفو) . اهـ. إذاً فما يبغض لسان العرب إلا من يبغض جنسهم وعنصرهم وفي بغض جنسهم يقول شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى في اقتضاء الصراط المستقيم (وقد حكي الإجماع على أن بغض جنس العرب كفر أو سبب يؤدي إلى الكفر) اهـ. وعليه فإن من ينابذ أسماء الشريعة ومصطلحاتها. مستبدلاً لها بمصطلحات وافدة من أمم الكفر والعدوان، فهو على خطر عظيم ولا يبرر صنيعه حسن نيته، فليتق الله أقوام خذلوا أمتهم: أمة القرآن، تحت شعارات زائفة من التطور والحضارة، والرقي، والتقدم، والمرونة، ومراعاة روح العصر، ومسايرة الركب، وأن هذه أسماء والأسماء لا تغير الحقائق، فهي قشور، والمقصود سلامة اللباب، إلى غير ذلك من شعارات التذويب، والتهالك، وما يزالون كذلك حتى يخرجون من اللباب كما خرجوا من القشور - على حد قولهم - نسأل الله العافية، وحسن العاقبة.

стр. 142

وإن هذا التغير في الظاهر والصورة والشكل هو عربون للفتنة في الحقيقة والمضمون. فعلى أهل الإسلام اليقظة والحذر. والسير على السَّنَنِ الأقوم، والمنهج الأرشد من هدي الشريعة ودلها في أمرها ونهيها، واعتبار مقاصدها، وليكونوا على حذر عظيم من مجارات أهل الأهواء والبدع، والوقوع في الفتن المرققة للدين والمنابذةِ لشريعة رب العالمين. وليعلموا أن للمخالفين ضراوة أشد من ضراوة السباع الكاسرة، وأنه يداخل أهل الإسلام أقوام ما هم منه دأبهم إدباب الفساد في جسم الإسلام النامي، ولا يحقرون من الوقيعة شيئاً. وأن من سَننهم جلب فاسد الاصطلاح والرمي به بين المسلمين، فيكسون الحق بلباس الباطل وهذا نصف الطريق، ثم ينخرون في الحقيقة بالتغيير، والتبديل والتحريف، والتأويل حتى تُضْحي قضايا الشرع من شرع منزل إلى شرع مبدل أو مؤول. وعليهم أن يفهموا جيداً أن العصمة بقدر ما هي في حقائق الشريعة فهي في ألفاظها ودوالِّها، ولهذا فإن العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى عقد الفائدة التاسعة من فوائد المفتي وإرشاداته في: " إعلام الموقعين " ٤ / ١٧٠ - ١٧٢ إذا دعا المفتي إلى الاعتصام بلفظ الشارع ما أمكنه وأنا أسوقه بتمامه لنفاسته وهذا نصه: " الفائدة التاسعة: ينبغي للمفتي أن يفتي بلفظ النص مهما أمكنه؛ فإنه يتضمن الحكم والدليل مع البيان التام، فهو حكم مضمون له الصواب، متضمن للدليل عليه في أحسن بيان، وقول الفقيه المعين ليس كذلك، وقد كان الصحابة والتابعون والأئمة الذين سلكوا على منهاجهم يتحرون ذلك غاية التحري، حتى خلفت من بعدهم خُلُوف رغِبوا عن النصوص،

стр. 143

واشتقوا لهم ألفاظاً غير ألفاظ النصوص، فأوجب ذلك هجر النصوص، ومعلوم أن تلك الألفاظ لا تفي بما تفي به النصوص من الحكم والدليل وحسن البيان، فتولد من هجران ألفاظ النصوص والإقبال على الألفاظ الحادثة وتعليق الأحكام بها على الأمة من الفساد ما لا يعلمه إلا الله، فألفاظ النصوص عصمة وحجة بريئة من الخطأ والتناقض والتعقيد والاضطراب ولما كانت هي عهد (*) الصحابة وأصولهم التي إليها يرجعون كانت علومهم أصَحَّ من علوم مَنْ بعدهم، وخطؤهم فيما اختلفوا فيه أقل من خطأ مَنْ بعدهم، ثم التابعون بالنسبة إلى مَنْ بعدهم كذلك، وهلم جرا، ولما استحكم هجران النصوص عند أَكثر أهل الأهواء والبِدَع كانت علومهم في مسائلهم وأدلتهم في غاية الفساد والاضطراب والتناقض، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا سئلوا عن مسألة يقولون: قال الله كذا، قال رسول الله كذا، أو فعل [رسول] الله كذا، ولا يعدلون عن ذلك ما وجدوا إليه سبيلاً قط، فمن تأمل أجوبتهم وجدها شفاء لما في الصدور، فلما طال العهد وبَعُد الناس من نور النبوة صار هذا عيباً عند المتأخرين أن يذكروا في أصول دينهم وفروعه قال الله، وقال رسول الله. أما أصول دينهم فصرحوا في كتبهم أن قول الله ورسوله لا يفيد اليقين في مسائل أصول الدين، وإنما يحتج بكلام الله ورسوله فيها الحشوية والمجسِّمة والمشبهة، وأما فروعهم فقنعوا بتقليد من اختصر لهم بعض المختصرات التي لا يذكر فيها نص عن الله ولا عن رسول الله ﷺ ولا عن الإمام الذي زعموا أنهم قلدوه دينهم، بل عمدتهم فيما يفتون ويقضون به وينقلون به الحقوق ويبيحون به الفروج والدماء والأموال على قول ذلك المصنف، وأجلهم عند نفسه وزعيمُهم عند بني جنسه مَنْ يستحضر لفظ الكتاب، ويقول: هكذا قال، وهذا لفظه؛ فالحلال ما أحله ذلك الكتاب والحرام

стр. 144

ما حرمه، والواجب ما أوجبه، والباطل ما أبطله، والصحيح ما صححه. هذا، وأنى لنا بهؤلاء في مثل هذه الأزمان، فقد دفعنا إلى أمر تضج منه الحقوق إلى الله ضجيجاً، وتعج منه الفروج والأموال والدماء إلى ربها عجيجاً، تبدل فيه الأحكام ويقلب فيه الحلال بالحرام، ويجعل المعروف فيه أعلى مراتب المنكرات، والذي لم يشرعه الله ورسوله من أفضل القربات، الحقُّ فيه غريبٌ، وأغرب منه من يعرفه، وأغرب منهما من يدعو إليه وينصح به نفسَه والناس، قد فلق بهم فالق الإصباح صُبْحَه عن غياهب الظلمات وأبان طريقه المستقيم من بين تلك الطرق الجائرات، وأراه بعين قلبه ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه مع ما عليه أكثر الخلق من البدَع المضلات، رفع له علم الهداية فشمر إليه، ووضح له الصراط المستقيم فقام واستقام عليه، وطوبى له من وحيد على كثرة السكان، غريب على كثرة الجيران، بين أقوام رؤيتهم قذَى العيون، وشَجَى الحلوق، وكرب النفوس، وحُمَّى الأرواح وغم الصدور، ومرض القلوب، وإن أنصفتهم لم تقبل طبيعتهم الإنصاف، وإن طلبته منهم فأين الثريّا من يد الملتمس، قد انتكست قلوبهم، وعمي عليهم مطلوبهم، رَضُوا بالأماني، وابتلوا بالحظوظ، وحصلوا على الحرمان، وخاضوا بحار العلم لكن بالدعاوي الباطلة وشقائق الهذيان، ولا والله ما ابتلت من وَشَلِهِ أقدامهم، ولا زكت به عقولهم وأحلامهم، ولا ابيضت به لياليهم وأشرقت بنوره أيامهم، ولا ضحكت بالهدى والحق منه وجوه الدفاتر إذا بُلّت بمداده أقلامهم، أنْفَقُوا في غير شيء نفائس الأنفاس، واتبعوا أنفسهم وحيروا من خلفهم من الناس، ضيعوا الأصول، فحرموا الوصول، وأعرضوا عن الرسالة، فوقعوا في مَهَامه الحيرة وبيداء الضلالة. والمقصود أن العصمة مضمونة في ألفاظ النصوص ومعانيها في أتم

стр. 145

بيان وأحسن تفسير، ومَنْ رام إدراك الهدى ودين الحق من غير مِشْكَاتها فهو عليه عسير غير يسير ". ثم في مقابلة هؤلاء طائفة أخرى تسعى لتبديل الأحكام والحقائق الشرعية بجب الحقائق الفاسدة وتبريرها بالأسماء الشرعية ليسارع المسلمون إلى تقبلها، والوقوع في شركها كتسمية الربا (قرضاً) ، وتسميته (ضماناً) وتسميته (فائدة) ونحو ذلك. وهؤلاء لهم سلف في الماضين وقد حذر منهم النبي ﷺ وكشف سوء فعلتهم بقوله ﵊ " يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ". وفي بسط هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في: " إعلام الموقعين ٣ / ١٢٧ - ١٣٠ ". " وما مَثَلُ من وقف مع الظواهر والألفاظ ولم يُرَاعِ المقاصدَ والمعاني إلا كَمثَل رجل قيل له: لا تسلم على صاحب بِدْعةٍ، فَقبَّل يده ورجله ولم يسلم عليه، أو قيل له: اذهب فاملأ هذه الجرةَ، فذهب فملأها ثم تركها على الحوض وقال: لم تقل ايتني بها، وكمن قال لوكيله: بع هذه السلعة، فباعها بدرهم وهي تساوي مائة، ويلزم منْ وقف مع الظواهر أن يصحح هذا البيع ويلزم به الموكل، وإن نظر إلى المقاصد تناقض حيث ألقاها في غير موضع، وكمن أعطاه رجل ثوباً فقال: والله لا ألبسه لما [له] فيه من المنة، فباعه وأعطاه ثمنه فقبله، وكمن قال: والله لا أشرب هذا الشراب، فجعله عقيداً أو ثَرَدَ فيه خبزاً وأكله، ويلزم منْ وقف مع الظواهر والألفاظ أن لا يحد مَنْ فعل ذلك بالخمر، وقد أشار النبي ﷺ إلى أن من الأمة مَنْ يتناول المحرم ويسميه بغير اسمه فقال: " ليشربَنَّ ناسٌ من أمتي الخمر
следующие страницы →