← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 10776

فقه النوازل

بكر أبو زيد

Полный текст (480 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المبحث الثالث عشر في أن تغيير مصطلحات الشريعة من ضراوة المخالفين لها قال الزبيدي في: تاج العروس ١ / ٩٩ (من بَغُضَ اللسان العربي أداه بغضه إلى بغض القرآن وسنة الرسول ﷺ وذلك كفر صراح، وهو الشقاء الباقي. نسأل الله العفو) . اهـ. إذاً فما يبغض لسان العرب إلا من يبغض جنسهم وعنصرهم وفي بغض جنسهم يقول شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى في اقتضاء الصراط المستقيم (وقد حكي الإجماع على أن بغض جنس العرب كفر أو سبب يؤدي إلى الكفر) اهـ. وعليه فإن من ينابذ أسماء الشريعة ومصطلحاتها. مستبدلاً لها بمصطلحات وافدة من أمم الكفر والعدوان، فهو على خطر عظيم ولا يبرر صنيعه حسن نيته، فليتق الله أقوام خذلوا أمتهم: أمة القرآن، تحت شعارات زائفة من التطور والحضارة، والرقي، والتقدم، والمرونة، ومراعاة روح العصر، ومسايرة الركب، وأن هذه أسماء والأسماء لا تغير الحقائق، فهي قشور، والمقصود سلامة اللباب، إلى غير ذلك من شعارات التذويب، والتهالك، وما يزالون كذلك حتى يخرجون من اللباب كما خرجوا من القشور - على حد قولهم - نسأل الله العافية، وحسن العاقبة.

стр. 142

وإن هذا التغير في الظاهر والصورة والشكل هو عربون للفتنة في الحقيقة والمضمون. فعلى أهل الإسلام اليقظة والحذر. والسير على السَّنَنِ الأقوم، والمنهج الأرشد من هدي الشريعة ودلها في أمرها ونهيها، واعتبار مقاصدها، وليكونوا على حذر عظيم من مجارات أهل الأهواء والبدع، والوقوع في الفتن المرققة للدين والمنابذةِ لشريعة رب العالمين. وليعلموا أن للمخالفين ضراوة أشد من ضراوة السباع الكاسرة، وأنه يداخل أهل الإسلام أقوام ما هم منه دأبهم إدباب الفساد في جسم الإسلام النامي، ولا يحقرون من الوقيعة شيئاً. وأن من سَننهم جلب فاسد الاصطلاح والرمي به بين المسلمين، فيكسون الحق بلباس الباطل وهذا نصف الطريق، ثم ينخرون في الحقيقة بالتغيير، والتبديل والتحريف، والتأويل حتى تُضْحي قضايا الشرع من شرع منزل إلى شرع مبدل أو مؤول. وعليهم أن يفهموا جيداً أن العصمة بقدر ما هي في حقائق الشريعة فهي في ألفاظها ودوالِّها، ولهذا فإن العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى عقد الفائدة التاسعة من فوائد المفتي وإرشاداته في: " إعلام الموقعين " ٤ / ١٧٠ - ١٧٢ إذا دعا المفتي إلى الاعتصام بلفظ الشارع ما أمكنه وأنا أسوقه بتمامه لنفاسته وهذا نصه: " الفائدة التاسعة: ينبغي للمفتي أن يفتي بلفظ النص مهما أمكنه؛ فإنه يتضمن الحكم والدليل مع البيان التام، فهو حكم مضمون له الصواب، متضمن للدليل عليه في أحسن بيان، وقول الفقيه المعين ليس كذلك، وقد كان الصحابة والتابعون والأئمة الذين سلكوا على منهاجهم يتحرون ذلك غاية التحري، حتى خلفت من بعدهم خُلُوف رغِبوا عن النصوص،

стр. 143

واشتقوا لهم ألفاظاً غير ألفاظ النصوص، فأوجب ذلك هجر النصوص، ومعلوم أن تلك الألفاظ لا تفي بما تفي به النصوص من الحكم والدليل وحسن البيان، فتولد من هجران ألفاظ النصوص والإقبال على الألفاظ الحادثة وتعليق الأحكام بها على الأمة من الفساد ما لا يعلمه إلا الله، فألفاظ النصوص عصمة وحجة بريئة من الخطأ والتناقض والتعقيد والاضطراب ولما كانت هي عهد (*) الصحابة وأصولهم التي إليها يرجعون كانت علومهم أصَحَّ من علوم مَنْ بعدهم، وخطؤهم فيما اختلفوا فيه أقل من خطأ مَنْ بعدهم، ثم التابعون بالنسبة إلى مَنْ بعدهم كذلك، وهلم جرا، ولما استحكم هجران النصوص عند أَكثر أهل الأهواء والبِدَع كانت علومهم في مسائلهم وأدلتهم في غاية الفساد والاضطراب والتناقض، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا سئلوا عن مسألة يقولون: قال الله كذا، قال رسول الله كذا، أو فعل [رسول] الله كذا، ولا يعدلون عن ذلك ما وجدوا إليه سبيلاً قط، فمن تأمل أجوبتهم وجدها شفاء لما في الصدور، فلما طال العهد وبَعُد الناس من نور النبوة صار هذا عيباً عند المتأخرين أن يذكروا في أصول دينهم وفروعه قال الله، وقال رسول الله. أما أصول دينهم فصرحوا في كتبهم أن قول الله ورسوله لا يفيد اليقين في مسائل أصول الدين، وإنما يحتج بكلام الله ورسوله فيها الحشوية والمجسِّمة والمشبهة، وأما فروعهم فقنعوا بتقليد من اختصر لهم بعض المختصرات التي لا يذكر فيها نص عن الله ولا عن رسول الله ﷺ ولا عن الإمام الذي زعموا أنهم قلدوه دينهم، بل عمدتهم فيما يفتون ويقضون به وينقلون به الحقوق ويبيحون به الفروج والدماء والأموال على قول ذلك المصنف، وأجلهم عند نفسه وزعيمُهم عند بني جنسه مَنْ يستحضر لفظ الكتاب، ويقول: هكذا قال، وهذا لفظه؛ فالحلال ما أحله ذلك الكتاب والحرام

стр. 144

ما حرمه، والواجب ما أوجبه، والباطل ما أبطله، والصحيح ما صححه. هذا، وأنى لنا بهؤلاء في مثل هذه الأزمان، فقد دفعنا إلى أمر تضج منه الحقوق إلى الله ضجيجاً، وتعج منه الفروج والأموال والدماء إلى ربها عجيجاً، تبدل فيه الأحكام ويقلب فيه الحلال بالحرام، ويجعل المعروف فيه أعلى مراتب المنكرات، والذي لم يشرعه الله ورسوله من أفضل القربات، الحقُّ فيه غريبٌ، وأغرب منه من يعرفه، وأغرب منهما من يدعو إليه وينصح به نفسَه والناس، قد فلق بهم فالق الإصباح صُبْحَه عن غياهب الظلمات وأبان طريقه المستقيم من بين تلك الطرق الجائرات، وأراه بعين قلبه ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه مع ما عليه أكثر الخلق من البدَع المضلات، رفع له علم الهداية فشمر إليه، ووضح له الصراط المستقيم فقام واستقام عليه، وطوبى له من وحيد على كثرة السكان، غريب على كثرة الجيران، بين أقوام رؤيتهم قذَى العيون، وشَجَى الحلوق، وكرب النفوس، وحُمَّى الأرواح وغم الصدور، ومرض القلوب، وإن أنصفتهم لم تقبل طبيعتهم الإنصاف، وإن طلبته منهم فأين الثريّا من يد الملتمس، قد انتكست قلوبهم، وعمي عليهم مطلوبهم، رَضُوا بالأماني، وابتلوا بالحظوظ، وحصلوا على الحرمان، وخاضوا بحار العلم لكن بالدعاوي الباطلة وشقائق الهذيان، ولا والله ما ابتلت من وَشَلِهِ أقدامهم، ولا زكت به عقولهم وأحلامهم، ولا ابيضت به لياليهم وأشرقت بنوره أيامهم، ولا ضحكت بالهدى والحق منه وجوه الدفاتر إذا بُلّت بمداده أقلامهم، أنْفَقُوا في غير شيء نفائس الأنفاس، واتبعوا أنفسهم وحيروا من خلفهم من الناس، ضيعوا الأصول، فحرموا الوصول، وأعرضوا عن الرسالة، فوقعوا في مَهَامه الحيرة وبيداء الضلالة. والمقصود أن العصمة مضمونة في ألفاظ النصوص ومعانيها في أتم

стр. 145

بيان وأحسن تفسير، ومَنْ رام إدراك الهدى ودين الحق من غير مِشْكَاتها فهو عليه عسير غير يسير ". ثم في مقابلة هؤلاء طائفة أخرى تسعى لتبديل الأحكام والحقائق الشرعية بجب الحقائق الفاسدة وتبريرها بالأسماء الشرعية ليسارع المسلمون إلى تقبلها، والوقوع في شركها كتسمية الربا (قرضاً) ، وتسميته (ضماناً) وتسميته (فائدة) ونحو ذلك. وهؤلاء لهم سلف في الماضين وقد حذر منهم النبي ﷺ وكشف سوء فعلتهم بقوله ﵊ " يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ". وفي بسط هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في: " إعلام الموقعين ٣ / ١٢٧ - ١٣٠ ". " وما مَثَلُ من وقف مع الظواهر والألفاظ ولم يُرَاعِ المقاصدَ والمعاني إلا كَمثَل رجل قيل له: لا تسلم على صاحب بِدْعةٍ، فَقبَّل يده ورجله ولم يسلم عليه، أو قيل له: اذهب فاملأ هذه الجرةَ، فذهب فملأها ثم تركها على الحوض وقال: لم تقل ايتني بها، وكمن قال لوكيله: بع هذه السلعة، فباعها بدرهم وهي تساوي مائة، ويلزم منْ وقف مع الظواهر أن يصحح هذا البيع ويلزم به الموكل، وإن نظر إلى المقاصد تناقض حيث ألقاها في غير موضع، وكمن أعطاه رجل ثوباً فقال: والله لا ألبسه لما [له] فيه من المنة، فباعه وأعطاه ثمنه فقبله، وكمن قال: والله لا أشرب هذا الشراب، فجعله عقيداً أو ثَرَدَ فيه خبزاً وأكله، ويلزم منْ وقف مع الظواهر والألفاظ أن لا يحد مَنْ فعل ذلك بالخمر، وقد أشار النبي ﷺ إلى أن من الأمة مَنْ يتناول المحرم ويسميه بغير اسمه فقال: " ليشربَنَّ ناسٌ من أمتي الخمر

стр. 146

يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير " رواه أحمد وأبو داود، وفي مسند الإِمام أحمد مرفوعاً: " يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها " وفيه عن عُبادة بن الصامت عن النبي ﷺ : " يشرب ناسٌ من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه ". وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي أمامة يرفعه: " لا تذهب الليالي والأيام حتى تشرب طائفة من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها " قال شيخنا ﵁: وقد جاء حديث آخر يوافق هذا مرفوعاً وموقوفاً من حديث ابن عباس: " يأتي على الناس زمانٌ يستحل فيه خمسة أسوياء بخمسة أشياء: يستحلون الخمر باسم يسمونها إياه والسحت بالهدية، والقتل بالرهبة، والزنا بالنكاح، والربا بالبيع) وهذا حق؛ فإن استحلال الربا باسم البيع ظاهر كالحيل الربوية التي صورتها صورة البيع وحقيقتها حقيقة الربا، ومعلوم أن الربا إنما حرم لحقيقته ومفسدته لا لصورته واسمه، فَهَبْ أن المرابي لم يسمه رباً وسماه بيعاً فذلك لا يخرج حقيقته وماهيته عن نفسها. وأما استحلال الخمر باسم آخر فكما استحلَّ من استحل المسكر من غير عصير العنب وقال: لا أسميه خمراً، وإنما هو نبيذ، وكما يستحلها طائفة من المُجَّان إذا مزجت ويقولون: خرجت عن اسم الخمر، كما يخرج الماء بمخالطة غيره له عن اسم الماء المطلق، وكما يستحلها من يستحلها إذا اتخذت عقيداً ويقول: هذه عقيد لا خمر، ومعلوم أن التحريم تابع للحقيقة والمفسدة لا للاسم والصورة، فإن إيقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة لا تزول بتبديل الأسماء والصورة عن ذلك، وهل هذا إلا من سوء الفهم وعدم الفقه عن الله ورسوله؟ وأما استحلال السحت

стр. 147

باسم الهدية - وهو أظهر من أن يذكر - كرشوة الحاكم والوالي وغيرها، فإن المرتشي ملعون هو والراشي، لما في ذلك من المفسدة، ومعلوم قطعاً أنهما لا يخرجان عن الحقيقة، وحقيقة الرشوة بمجرد اسم الهدية، وقد علمنا وعلم الله وملائكته ومن له اطلاع على الحيل أنها رِشْوَة. وأما استحلال القتل باسم الإرهاب الذي تسميه وُلاة الجور سياسة وهيبة وناموساً وحرمة للملك فهو أظهر من أن يذكر. وأما استحلال الزنا باسم النكاح فهو الزنا بالمرأة التي لا غَرَضَ له أن يقيم معها ولا أن تكون زوجته، وإنما غرضه أن يقضي منها وَطَرَه، أو يأخذ جُعْلاً على الفساد بها، ويتوصل إلى ذلك باسم النكاح وإظهار صورته، وقد علم الله ورسوله والملائكة والزوج والمرأة أنه محلل لا ناكح، وأنه ليس بزوج، وإنما هو تيس مستعار للضِّراب بمنزلة حمار العشريين. فيالله العجب! أي فرق في نفس الأمر بين الزنا وبين هذا؟ نعم هذا زنا بشهود من البشر، وذلك زنا بشهود من الكرام الكاتبين كما صرح به أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: لا يزالان زانيين وإن مكَثَا عشرين سنة إذا علم الله أنه إنما يريد أن يحللها، والمقصود أن هذا المحلل إذا قيل له: هذا زنا، قال: ليس بزنا، بل نكاح، كما أن المرابي إذا قيل له: هذا رباً، قال: بل هو بَيع، وكذلك كل من استحل محرماً بتغيير اسمه وصورته كمن يستحل الحشيشة باسم الراحة، ويستحل المعازف كالطنبور والعود والبربط باسم يسميها به، وكما يسمي بعضهم المغني بالحادي والمطرب والقوال، وكما يسمى الديوث بالمصلح والموفق والمحسن، ورأيت من يسجد لغير الله من الأحياء والأموات ويسمي ذلك وَضْعَ الرأس للشيخ، قال: ولا أقول هذا سجود، وهكذا الحيل سواء، فإن أصحابها يعمدون إلى الأحكام

стр. 148

فيعلقونها بمجرد اللفظ، ويزعمون أن الذي يستحلونه ليس بداخل في لفظ الشيء المحرم، مع القطع بأن معناه معنى الشيء المحرم، فإن الرجل إذا قال لمن له عليه ألف: اجعلها ألفاً ومائة إلى سنة بإدخال هذه الخرقة وإخراجها صورةً لا معنى، لم يكن فرق بين توسطها وعدمه، وكذلك إذا قال: مكنيني من نفسك أقْضِ منك وَطَراً يوماً أو ساعة بكذا وكذا، لم يكن فرق بين إدخال شاهدين في هذا أو عدم إدخالهما وقد تواطئا على قضاء وطر ساعة من زمان. ولو أوْجَبَ تبديلُ الأسماء والصور تبدلَ الأحكام والحقائق لفسدت الديانات، وبدلت الشرائع، واضمحل الإسلام، وأي شيء نَفَعَ المشركين تسميتهم أصنامَهم آلهةٌ وليس فيها شيء من صفات الإلهية وحقيقتها؟ وأي شيء نَفَعهم تسمية الإشراك بالله تقرباً إلى الله؟ وأي شيء نَفَع المعطلين لحقائق أسماء الله وصفاته تسميةُ ذلك تعظيماً واحتراماً؟ وأي شيء نفع نُفَاة القدر المخرجين لأشرف ما في مملكة الرب تعالى من طاعات أنبيائه ورسله وملائكته وعباده عن قدرته تسمية ذلك عدلاً؟ وأي شيء نَفَعهم نفيهم لصفات كماله تسمية ذلك توحيداً؟ وأي شيء نفع أعداء الرسل من الفلاسفة القائلين بأن الله لم يخلق السماوات والأرض في ستة أيام ولا يحيي الموتى ولا يبعث مَنْ في القبور ولا يعلم شيئاً من الموجودات ولا أرسل إلى الناس رسلاً يأمرونهم بطاعته تسمية ذلك حكمة؟ وأي شيء نفع أهل النفاق تسمية نفاقهم عقلاً معيشياً وقَدْحُهم في عقل من لم ينافق نفاقهم ويُدَاهن في دين الله؟ وأي شيء نفع المَكَسةَ تسمية ما يأخذونه ظلماً وعدواناً حقوقاً سلطانية وتسمية أوضاعهم الجائرة الظالمة المناقضة لشرع الله ودينه شرع الديوان؟ وأي شيء نفع أهل البدَعِ والضلال تسمية

стр. 149

شبههم الداحضة عند ربهم وعند أهل العلم والدين والإيمان عقليات وبراهين؟ وتسمية كثير من المتصوفة الخيالاتِ الفاسدةَ والشطحات حقائق؟ فهؤلاء كلهم حقيق أن يتلى عليهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ " انتهى والله أعلم.

стр. 150

المبحث الرابع عشر في العدوان على مصطلحات الشريعة إن حفاوة الأمة والتزامها بمصطلحاتها عنوان لعزتها، ومفتاح لاستقلالها، وأداة بناءة في سبيل وحدتها وأصالتها، وحصانة لكيانها تقاوم عوامل الانحلال، والتفكك، والتحدي لكل وافد عليها في هذا المجال، من هجنة في اللسان، وإقراف في المعان، ومنابذة لشريعة الإسلام. وقد تكرر في التاريخ أكثر من مرة (١) : أن الأمة إذا ضعفت ودب فيها الوهن انطوت تحت سلطان الغالب ودانت له بالتبعية الماسخة منصهرة في قالبه وعاداته ابتغاء مرضاته، وهكذا قل في أمتنا اليوم فإنها لاستقبال كل

стр. 151

وافد أجنبي عنها أسرع إليه من قالة السوء إلى أهلها، بل تبدي التباهي وإظهار الفخار، وأن هذا من علائم التقدم والرقي ومن أسوء مظاهر التبعيات الماسخة في جو تلكم الأهواء الهادرة منابذة مصطلحات الشريعة، والإجهاز عليها بمصطلحات دخيلة مرفوضة لغة وشرعاً، وحساً ومعنى. وما علم المتهافتون عليها أن وأد مصطلحاتهم أقبح من وأد أمتعتهم وأموالهم. ولكن: وإذا الفساد عرا المزاج فإنه ... يجد الدواء لديه عين الداء وما ابتليت الأمة بشيء مثل ابتلائها بإهدار لغتها والزوال عن سننها والحيدة عن معانيها وفي مقدمتها مواضعاتها الشرعية، فاستبعدت أسماء الشريعة المطهرة، الواردة في التنزيل، وسنة النبي الكريم وعلى لسان صدور الأمة من الصحابة فمن بعدهم من أساطين العلماء ونجوم الهدى واستبدل بكل هذا لغة القانون المختلق المصنوع، وهي لغة إلى اللغو أقرب، بل يقصر عن وصف قصورها، وعجمتها، وسماجتها يراع كل بليغ: فبالله كيف تحولت تلك العقول من رفيع العزة والمكانة إلى حضيض الذلة والمهانة: أخذت بالحجة رأساً أزعراً ... وبالثنايا الواضحات الدردرا وفد أضحى من سوالب هذا العدوان غربة مصطلحات الشريعة في ديار الإسلام، واستحكام الانفصام بين المسلم وتراثه الأثيل. يقول أبو الأعلى المودودي في كتابه: تدوين الدستور الإسلامي ص / ٩ - ١٠ في بيان أن غرابة المصطلحات الشرعية على أهل هذا العصر تُكوِّن عائقاً دون التدوين فقال تحت عنوان:

стр. 152

غرابة المصطلحات: (المشكلة الأولى جاءت من جهة اللغة، وبيان ذلك أن الناس عامةً في هذا الزمان، قليلاً ما يتفطنون لما ورد في القرآن وفي كتب الحديث والفقه من المصطلحات عن الأحكام، والمبادئ الدستورية، ذلك بأن نظام الإسلام السياسي قد تعطل فينا منذ أمدٍ غير يسير، فلا يكاد اليوم يسمع بتلك المصطلحات. ففي القرآن الكريم كثير من الكلمات نقرؤها كل يوم ولكن لا نكاد نعرف أنها من المصطلحات الدستورية، كالسلطان، والملك والحكم، والأمر، والولاية، فلا يدرك مغزى هذه الكلمات الدستوري الصحيح إلا قليل من الناس. ومن ثم نرى كثيراً من الرجال المثقفين يقضون عجباً ويسألوننا في حيرة إذا ذكرنا لهم الأحكام الدستورية في القرآن: أو في القرآن آية تتعلق بالدستور والواقع أنه لا داعي إلى العجب لحيرة مثل هؤلاء الأفراد، فإن القرآن ما نزلت فيه سورة سميت بالدستور ولا نزلت فيه آية بمصطلحات القرن العشرين) . اهـ. هذا في خصوص مصطلحات الشريعة في جانب واحد من جوانبها، وأما العدوان على جوانبها الأخرى خاصة في القضاء والإثبات وعلى المواضعات اللغوية وفي أسماء العلوم، والفنون الأخرى والصناعات، وأنواع التجارات.. فتضيق عليها دائرة الحصر، وتنتهي دونها أرقام الحاسبين. ومن مبلغ هذه التجاوزات والاعتداءات الأثيمة أن نفثة مولدة استشراقية تنال من الأمة فرداً فرداً في كل دار وفي كل قطر - سرت في عقولنا وتراثنا سريان الماء في العود حتى في علية الأمة من العلماء المفكرين، وهي ذلكم الاصطلاح الحادث (الجنس السامي) بدلاً من المواضعة الأصيلة

стр. 153

المحددة (الجنس العربي) . وهذا الاصطلاح (الجنس السامي) . لم يمض عليه من العمر سوى ٢٠٠ عام تقريباً على لسان المستشرقين، منتزعين له من: سفر التكوين. فقالوا: (الشعوب السامية) وللغتها (اللغة السامية) . وقد سرى إلى الأمة بعد اختلاقه وهو لا يستند إلى علم أثيل ولا يلجأ فيه إلى ركن شديد. ولهذه المواضعة أبعادها الانتحارية لأخلاق الجنس العربي وعاداته ومقوماته، وأخيراً تسلط خفي على النبوة والرسالة وحكمة بعث الرسول محمد ﷺ من خصوص العرب لا من عمل الساميين وهي تسمية من حيث تاريخها مبنية أيضاً على المغالطة والمكابرة فقد ورد اسم العرب في: كتب اليونان والرومان، وأشعار العهد القديم قبل البعثة المحمدية بنحو من ألف ومائتي عام تقريباً. فهذه التسمية الحديثة الأعجمية الوافدة تحكم لا تمت إلى العلم والواقع بشيء. وهؤلاء وغيرهم يعلمون أن سام بن نوح (١) انحدر منه: العرب والروم،

стр. 154

والفرس، فهذه الأمم الثلاث هم الساميون فانظر إلى هذه التسمية (الجنس السامي) كيف يسوى فيها بين الماء والخشب، والتبر والتبن أيجعل الفرس كالعرب!! . فيقال إن النبي ﷺ من الأمة السامية، وأن القرآن نزل بلغة الساميين!! وأني لأدعو المسلمين بما دعا إليه الأستاذ محمد عزه دروزه في مقال له مهم نشر في مجلة الأزهر (لواء الإسلام) جلد ٣٣ ص / ٢٩٧ - ٣٠٤ بعنوان (قولوا الجنس العربي لا السامي) : " وإني لأناشد علماءنا ومؤرخينا، وكتابنا أن يعيروا هذا الأمر عنايتهم، وأن يتبنوه، وأن يحلوا اسم الجنس العربي محل: اسم الساميين، في الإشارة إلى سكان جزيرة العرب ومن هاجر منها في القرون القديمة: فيساعدوا بذلك على توثيق الصلة بين تاريخ جنسنا القديم والحديث، وواقعنا الراهن بما هو الأولى والأصح ويحبطوا مكر الماكرين أعداء قومنا وبلادنا، ويبثوا في ناشئتنا على اختلافهم شعور الفخار بجنسهم العظيم الذي كان أول من حمل مشاعل الحضارة والهداية ثم ظل يحمل ليهتدي بها الناس في مشارق الأرض ومغاربها) . اهـ. وليس بعيداً عن هذا الاصطلاح الأثيم (الجنس السامي) ذلكم الزفير المتأجج من الدعوات القومية المفرقة من دعوتهم للمسلمين بالشعب. وهل الشعب إلا تشعب وفرقة، وتسميتهم لهم بالجمهور والمجتمع وما هو إلا تجمع يصدق على كل تجمع من أهل كل ملة ومن أي أمةٍ حتى من البهيم والبهائم وثالثة الأثافي (المواطن والمواطنون) فغاب أمام هذا (المسلمون، المؤمنون، المتقون) هو سماكم المسلمين من قبل، وفي هذا فهل من متيقظ للتخلص من هذا الحداء الذي لا يطرب الأمة بل يهينها ويضيع

стр. 155

ماهيتها وجوهرها؟ . وكم رأينا تلقيب جملة كبيرة من ديار الإسلام باسم (الشرق الأوسط) والمقصود به قاعدته منبع الرسالة لمحو علميتها عن الأسماع في إسلامها وعروبتها! إلى غير ذلك من الألقاب المضللة والمنتجة لعملية خصاء للذاكرة الإسلامية العربية. فيالله كم ضربوا بقرونهم صخرة العروبة والإسلام!! ألا إن هذا الغطاء الوافد على المصطلحات الإسلامية، يمثل في عدوانه على انتزاعها بذور الفلسفة والمنطق اليوناني في إفساد الفكر الإسلامي. وبذور الشعوبية البغيضة في مسخ العرب من مكانتهم، وبذور المذاهب المادية في الانقلاب على الدين وأنها هي البديل الحتمي، وبذور النزعات العرقية كالقومية العربية، والبعثية التي أغرقت في عصبيتها المنتنة. وقد انتهى بأكثرهم المطاف حتى خرجوا من العروبة والإسلام معاً. وما علم أولئك الأغمار أن هذا الضرب من العصبية قد أسقط النبي ﷺ رايته. وأنه الإسلام وحده. وهذا لا يعني إغفال شأن العرب والمحافظة على جنسهم، ونقاء نطفهم، وصفاء أنسابهم (فالعصبية ممقوتة والمحافظة مطلوبة) كما قرره الإمامان الحافظان ابن تيميه وابن حجر رحمهما الله تعالى في آخرين من أهل العلم، وإلى غير هذه البذور المهينة من بذور الحرب، والعداء، والإغارة، والتوهين الفكري في سلسلة متصلة ومتلاحقة يمسك بها الجزارون من طرف وذوو الفسالة (المنافقون) من طرف آخر. مستغلين مناخ الفرقة وانكسار الوحدة، وانفصام عرى العزة، بإدباب وميض نار الفتنة بين صفوف المسلمين من غير دخان، ودس كلمات تتفجر في عقل الأمة وفكرها من غير صوت. وكل جنود الإغارة هؤلاء ينزعون من قوس واحدة ويدقون على وتر واحد

стр. 156

هو القضاء على المسلمين بكل مقوماتهم. وبالجملة فهذه الظاهرة العدوانية، والحملة المسعورة تمثل شوكة في الظهر، ووصمة عار في الجبين، وثغرة ينال العدو ما كان يرجوه الغرب من التفات المسلمين إلى تغيير مجريات حياتهم على نحو ما هم عليه حقيقة وشكلاً، وبالتالي تفتيت الإسلام عن طريق تطويره محققاً غرضين له (١) : أحدهما: الانفصام بين المسلم وتراثه ليقطع تفكيره في شريعة الله. وإذا فقد المسلم قاعدته التي ينطلق منها أضحى محلاً قابلاً للأطماع، والتموجات الفكرية. ثانيهما: تفكيك الوحدة الإسلامية. وهل نشدان الوحدة اليوم وعلى هذه الحال إلا سعي وراء السراب؟؟ .

стр. 157

المبحث الخامس عشر (١) في ضرورة توحيد المصطلحات في الولايات الإسلامية يسعى بناة دار الإسلام إلى ترسيخ وحدة الأمة الإسلامية وبذل العوامل في سبيلها، وإنه لذلك ولقوة عوامل الاتصال بين العوالم الإسلامية وتعددها حتى أصبحت على اختلاف أقطارها وتباعد ديارها كالمدينة الواحدة: ينبغي بذل الخطى الجادة لتوحيد المصطلحات العلمية، وتداولها رسمياً ومدرسياً وتكثيف نشرها والدعوة إليها، وفي ذلك: شد لآصرة الوحدة الإسلامية. ودفع للبلبلة والالتباس. وإيناس لغربة الأبدان عند الارتحال بوحدة الأفكار واللسان في الاصطلاح. والحاكم في ذلك: لغة العرب، وقواعد الشريعة. وهذا التوحيد غير عسير في هذا العصر الذي تمهدت فيه من أسباب العلم ما لم يكن في غيره. ولنا في مجامع الفقه ومجامع لغة العرب: عظيم المأمول. ولكن بعد إرساء سلطان الحاكمية لشريعة الإسلام على كراسي القضاء بين العباد. أما إن عدم السعي لذلك فإنه نتيجة لمواطن الاختلاف في الاصطلاح يبقى عملة كاسدة غير متداولة وتتعرض للكساد من حين لآخر. وكم رأينا

стр. 158

نتيجة لذلك مصطلحاً مات من حين استهل وليداً. وَحُمَادَى القول: إن الاصطلاح شعار للأمة فلا بد من توحيد شعارها تثبيتاً لقواعد وحدتها. وإنه يتعين السعي الحاث لذلك، والمصابرة في سبيله، وليعلم السالكون لهذه الجادة أنه سيصادفهم في الطريق كُدية (١) ، لكن التسلح بالتقوى يحيل تلكم الكدية بإذن الله كثيباً مهيلاً. ولنا بعد الله في ذوي العقول النيرة، والقرائح المتوقدة عظيم المأمول في تحقيق ذلك، وإخراجه من مراتع الأماني إلى تحقيق العزمات ولتجاوز الشكوى من البلوى إلى حمل لواء الإسلام والنزول به في ساحة الجلاد وبعثاً للإسلام في منهاجه المتكامل وتخلصاً من سقط المتاع العقلاني في كل ضروبه وأشكاله. ولاستنهاض ذوي الألباب يقول بشار معدود في الشعراء: إذا أيقظتك حروب العدا ... فنبه لها عمراً ثم نم وحتى لا نكون كما قال أبو تمام: من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولاً

стр. 159

المبحث السادس عشر في تقسيم التشريع إلى أصول وفروع انتشر في كلام أهل العلم أن أحكام الشريعة منقسمة إلى أصول وفروع، ويقصدون بالأصول: ما يتعلق بالتوحيد وأمور الاعتقاد. وبالفروع: فقه أحكام أفعال العبيد، وشيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى كشف لنا في فتاويه ٢٣ / ٣٤٦ - ٣٤٧ منشأ هذا التقسيم، وأنه من تَفَعُّلِ المعتزلة، ويقرر رحمه الله تعالى: أن الاعتقاد لموجب النصوص وما تمليه الشريعة في مساق واحد من حيث لزوم الاعتقاد، وداعي الامتثال، وأن التقسيم منقوض بعدم الحد الفاصل. وقد أنحى المقبلي في العلم الشامخ ص / ٥٢٩ على من قال: الخلاف في الفروع سهل، وما جرى مجرى ذلك مما تجده منتشراً اليوم، بل تحول إلى مقولة هزيلة بحيث أوردوا قولهم (هذا قشور وذاك لباب) ويعنون بالقشور: المسائل الفقهية الدائرة في محيط الاستحباب أو الكراهة، ونحو ذلك من أمور التحسينات والحاجيات. ونجد ابن القيم رحمه الله تعالى في " الأعلام " ٤ / يسوق العتاب على لسان السلف رحمهم الله تعالى، لسلف هؤلاء الذين إذا سُئل الواحد منهم عن حكم فقهي قال: هذا سهل، يقصد به تخفيف شأنه والله تعالى يقول: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ . وللإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا مبحث مطول مهم لم تر

стр. 160

العيون مثله (١) وذلك في " مختصر الصواعق المرسلة " ٢ / ٥٠٩ - ٥١٦ فيقول في مبحث حجية خبر الواحد ما نصه: (المقام الخامس: إن هذه الأخبار لو لم تفد اليقين فإن الظن الغالب حاصل منها، ولا يمتنع إثبات الأسماء والصفات بها كما لا يمتنع إثبات الأحكام الطلبية بها فما الفرق بين باب الطلب وباب الخبر بحيث يحتج بها في أحدهما دون الآخر وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة، فإنها لم تزل تحتج بهذه الأحاديث في الخبريات العلميات كما تحتج بها في الطلبيات العمليات، ولا سيما والأحكام العملية تتضمن الخبر عن الله بأنه شرع كذا وأوجبه ورضيه ديناً، فشرعه ودينه راجع إلى أسمائه وصفاته، ولم تزل الصحابة والتابعون وتابعوهم وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام، ولم ينقل عن أحد منهم البتة أنه جوز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الأخبار عن الله وأسمائه وصفاته.

стр. 161

فأين سلف المفرقين بين البابين، نعم سلفهم بعض متأخري المتكلمين الذين لا عناية لهم بما جاء عن الله ورسوله وأصحابه، بل يصدون القلوب عن الاهتداء في هذا الباب بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة، ويحيلون على آراء المتكلمين، وقواعد المتكلفين، فهم الذين يعرف عنهم التفريق بين الأمرين، فإنهم قسموا الدين إلى مسائل علمية وعملية وسموها أصولاً وفروعاً وقالوا الحق في مسائل الأصول واحد، ومن خالفه فهو كافر أو فاسق. وأما مسائل الفروع فليس لله تعالى فيها حكم معين ولا يتصور فيها الخطأ وكل مجتهد مصيب لحكم الله تعالى الذي هو حكمه، وهذا التقسيم لو رجع إلى مجرد الاصطلاح لا يتميز به ما سموه أصولاً مما سموه فروعاً، فكيف وقد وضعوا عليه أحكاماً وضعوها بعقولهم وآرائهم (منها) التكفير بالخطأ في مسائل الأصول دون مسائل الفروع، وهذا من أبطل الباطل كما سنذكره (ومنها) إثبات الفروع بأخبار الآحاد دون الأصول وغير ذلك، وكل تقسيم لا يشهد له الكتاب والسنة وأصول الشرع بالاعتبار فهو تقسيم باطل يجب إلغاؤه. وهذا التقسيم أصل من أصول ضلال القوم فإنهم فرقوا بين ما سموه أصولاً وما سموه فروعاً، وسلبوا الفروع حكم الله المعين فيها، بل حكم الله فيها يختلف باختلاف آراء المجتهدين، وجعلوا ما سموه أصولاً من أخطأ فيه عندهم فهو كافر أو فاسق، وادعوا الإجماع على هذا التفريق، ولا يحفظ ما جعلوه إجماعاً عن إمام من أئمة المسلمين ولا عن أحد من الصحابة والتابعين، وهذا عادة أهل الكلام يحكون الإجماع على ما لم يقله أحد من أئمة المسلمين، بل أئمة الإسلام على خلافه، وقال الإمام

стр. 162

أحمد: من ادعى الإجماع فقد كذب، أما هذه دعوى الأصم وابن علية وأمثالها يريدون أن يبطلوا سنن رسول الله ﷺ بما يدعونه من الإجماع. ومن المعلوم قطعاً بالنصوص وإجماع الصحابة والتابعين وهو الذي ذكره الأئمة الأربعة نصاً أن المجتهدين المتنازعين في الأحكام الشرعية ليسوا كلهم سواء، بل فيهم المصيب والمخطئ، فالكلام فيما سموه أصولاً وفيما سموه فروعاً، ينقسم إلى مطابق للحق في نفس الأمر وغير مطابق، كانقسام الاعتقاد في باب الخبر إلى مطابق وغير مطابق، فالقائل في الشيء حلال والقائل حرام في إصابة أحدهما وخطأ الآخر كالقائل إنه سبحانه يُرى، والقائل أنه لا يُرى في إصابة أحدهما وخطأ الآخر، والكذب على الله تعالى خطأ أو عمد في هذا كالكذب عليه عمداً أو خطأ في الآخر، فإن المخبر يخبر عن الله أنه أمر بكذا وأباحه، والآخر يخبر أنه نهى عنه وحرمه، فأحدهما مخطئ قطعاً. (فإن قيل) الفرق بينهما أنه يجوز أن يكون في نفس الأمر لا حلالاً ولا حراماً، بل هو حلال في حق من اعتقد حله، حرام في حق من اعتقد تحريمه. (قيل) هذا باطل من وجوه عديدة، وقد ذكرناها في كتاب المفتاح وغيره (منها) إنه خلاف نص القرآن والسنة وخلاف إجماع الصحابة وأئمة الإسلام (ومنها) أن يكون حكم الله تعالى تابعاً لآراء الرجال وظنونها. (ومنها) أن يكون الشيء الواحد حسناً قبيحاً مرضياً لله مسخوطاً له محبوباً له مبغوضاً. (ومنها) أنه ينفي حقيقة حكم الله في نفس الأمر. (ومنها) أن تكون الحقائق تبعاً للعقائد، فمن اعتقد بطلان الحكم المعين كان باطلاً، ومن اعتقد صحته كان صحيحاً، ومن اعتقد حله كان حلالاً، ومن اعتقد تحريمه كان

стр. 163

حراماً، وهذا القول كما قال فيه بعض العلماء: أوله سفسطة، وآخره زندقة، فإنه يتضمن بطلان حكم الله تعالى قبل وجود المجتهدين، وإن الله لم يشرع لرسوله ﷺ حكماً أمره به ونهاه عنه. (ومنها) إن حكم الله يرجع إلى خبره وإرادته، فإذا أراد إيجاب الشيء وأخبر به صار واجباً، وإذا أراد تحريمه وأمر بذلك صار حراماً، فإنكار أن يكون لله حكم إنكار لخبره وإرادته وإلغاء لتعلقهما بأفعال المكلفين. (ومنها) إنه يرفع ثبوت الأجرين للمصيب، والأجر للمخطئ، فإنه لا خطأ في نفس الأمر عندهم، بل كل مجتهد مصيب لحكم الله تعالى في نفس الأمر. (ومنها) أنه يبطل أن يوافق أحد حكم الله تعالى، فليس لقول رسول الله ﷺ : " لقد حكمت فيهم بحكم الله تعالى الملك " معنى، ولا لقوله: وإن سألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تفعل فإنك لا تدري أتصيب حكم الله تعالى فيهم أم لا معنى، ولا لقوله: " إن سليمان سأل ربه حكماً يصادف حكمه فأعطاه إياه " معنى، ولا لقوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ معنى، إذ كل منهما حكم بعين حكم الله تعالى عندهم، ولا لقوله: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر " معنى. وأيضاً فهذا إجماع من الصحابة، قال الصديق في الكلالة: " أقول فيها برأيي فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله بريء منه ورسوله "، وقال عمر لكاتبه: " اكتب هذا ما رآه عمر، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمن عمر "، وقال في قضية قضاها: " والله ما يدري عمر أصاب الحق أم أخطأه "، ذكره أحمد. وقال علي لعمر في المرأة التي أرسل إليها فأجهضت ذا بطنها وقد

стр. 164

استشار عثمان وعبد الرحمن فقالا ليس عليك، إنما أنت مؤدب فقال له علي: إن كانا اجتهدا فقد أخطآ، وإن لم يجتهدا فقد غشاك: عليك الدية فرجع إلى رأيه، واعترف علي ﵁ بخطئه في خبر صفين وندم على ذلك وكان مجتهداً فيه. وقال ابن مسعود في قصة بروع: " أقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله بريء منه ورسوله "، وقال ابن عباس " أو لا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابناً ولا يجعل أبا الأب أباً، وقال: من شاء باهلته في العول "، وقالت عائشة لأم ولد زيد بن أرقم " أخبري زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب "، وقال ابن عباس وقد ناظروه في مسألة متعة الحج واحتجوا عليه بأبي بكر وعمر: " أما تخشون أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون قال أبو بكر وعمر "، وكان ابن عمر يأمر بالتمتع فيقولون له إن أباك نهى عنه فقال: " أيهما أولى أن يتبع كتاب الله أو كلام عمر ". وقال عمران بن حصين " نزل بها القرآن وفعلناها مع رسول الله ﷺ قال رجل برأيه ما شاء "، يعرض بعمر، وقال ابن الزبير لابن عباس في متعة النساء " لئن فعلتها لأرجمنك فجرّب إن شئت ". وقال علي لابن عباس منكراً عليه إباحة الحمر الأهلية ومتعة النساء " أنك امرؤ تائه "، أي تهت عن القول الحق، وفسخ عمر بيع أمهات الأولاد وردهن حبالى من تستر، وفسخ حكم الصديق في استرقاق نساء أهل الردة وكان يضرب عن الركعتين بعد العصر وكان أبو طلحة وأبو أيوب وعائشة يصلونها، فتركها أبو طلحة وأبو أيوب مدة حياة عمر خوفاً منه، فلما مات عاوداها. وقال ابن مسعود لما طلب منه موافقة أبي موسى في مسألة بنت ابن

стр. 165

وأخت، فأعطى البنت النصف والأخت النصف: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين، فجعل القول الآخر الذي جعله المصوبة صواباً عند الله ضلالاً، وهذا أكثر من أن يحيط به إلا الله تعالى. وأيضاً فالأحاديث والآيات الناهية عن الاختلاف في الدين المتضمنة لذمه كلها شهادة صريحة بأن الحق عند الله واحد، وما عداه فخطأ، ولو كانت تلك الأقوال كلها صواباً لم ينه الله ورسوله عن الصواب ولا ذمه. وأيضاً فقد أخبر الله تعالى أن الاختلاف ليس من عنده وما لم يكن من عنده فليس بالصواب، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ وهو وإن كان في اختلاف ألفاظه فهو يدل على أن ما اختلفت معانيه ليس من عند الله، إذ المعنى هو المقصود. وأيضاً فإذا اختلف المجتهدان فرأى أحدهما إباحة دم إنسان، والآخر تحريمه ورأى أحدهما تارك الصلاة كافرا مخلداً في النار، والآخر رآه مؤمناً من أهل الجنة، فلا يخلو إما أن يكون الكل حقاً وصواباً عند الله تعالى في نفس الأمر، أو الجميع خطأ عنده، أو الصواب والحق في واحد من القولين، والآخر خطأ، والأول والثاني ظاهر الإحالة وهما بالهوس أشبه منهما بالصواب، فكيف يكون إنسان واحد مؤمناً كافراً مخلداً في الجنة وفي النار. وكون المصيب واحداً هو الحق وهو منصوص الإمام أحمد ومالك والشافعي، كما حكاه أبو إسحاق في شرح اللمع له أن مذهب الشافعي أن المصيب واحد، وهذا قوله في القديم والجديد. قال القاضي أبو الطيب وليس عنده مسألة تدل على أن كل مجتهد مصيب، وأقوال الصحابة كلها صريحة أن الحق عند الله في واحد من الأقوال المختلفة وهو دين الله في نفس الأمر الذي لا دين له سواه.

стр. 166

وليس الغرض استقصاء هذه المسألة، بل المقصود أن الخطأ يقع فيما سموه فروعاً كما يقع فيما جعلوه أصولاً فنطالبهم بفرق صحيح بين ما يجوز إثباته بخبر الواحد من الدين وما لا يجوز، ولا يجدون إلى الفرق سبيلاً إلا بدعاوٍ باطلة، ثم نطالبهم بالفرق بين مسائل الأصول والفروع وما ضابط ذلك، ثم نطالبهم بالفرق بين ما يأثم أهو إثم كفر أو فسوق وما لا يأثم جاحده، ونطالبهم بالفرق بين ما المطلوب منه القطع اليقيني، وما يكتفي فيه بالظن ولا سبيل لهم إلى تقرير شيء من ذلك البتة. قال الجويني وقد تكلموا في الفرق بين الأصول والفروع فقالوا: الأصل ما فيه دليل قطعي والفرع بخلافه. قلت: وهذا يلزم منه الدور فإنه إذا قيل لا تثبت الأصول إلا بالدليل القطعي، ثم قيل والأصل ما عليه دليل قطعي كان ذلك دوراً ظاهراً. وأيضاً فإن كثيراً من المسائل العملية بل أكثرها عليها أدلة قطعية كوجوب الطهارة والصلاة والصيام والحج والزكاة ونقض الوضوء بالبول والغائط ووجوب الغسل بالاحتلام، وهكذا أكثر الشريعة أدلتها قطعية، وكثير من المسائل التي هي عندهم أصول أدلتها ظنية. وهكذا في أصول الدين وأصول الفقه أكثر من أن يذكر، كالقول بالمفهوم والقياس، وتقدمهما على العموم والأمر بعد الحظر ومسألة انقراض العصر، وقول الصحابي، والاحتجاج بالمراسيل وشرع من قبلنا، وأضعاف ذلك. وكذلك في أصول الدين كمسألة الحال وبقاء الرب تعالى وقدمه، هل هما ببقاء وقدم زائدين على الذات والوجود الواجب، هل هو نفس الماهية أو زائد عليها، وإثبات المعنى القائم بالنفس وغير ذلك، فعلى هذا الفرق

стр. 167

تكون هذه المسائل ونحوها فرعية وتلك المسائل العملية أصولية. (قال) وقيل: الأصل ما لا يجوز التعبد فيه إلا بأمر واحد معين والفرع بخلافه. (قلت) وهذا الفرق أفسد من الأول، فإن أكثر الفروع لا يجوز التعبد فيها إلا بالمشروع على لسان كل نبي، فلا يجوز التعبد بالسجود للأصنام وإباحة الفواحش وقتل النفوس والظلم في الأموال، وانتهاك الأعراض وشهادة الزور ونحو ذلك، وإن كان نفاة التحسين والتقبيح يجوزون التعبد بذلك، ويقولون يجوز أن تأتي الشرائع من عند الله تعالى بذلك، فقولهم من أبطل الباطل، وقد ذكرنا فساده من أكثر من ستين وجهاً في غير هذا الكتاب، وإنه مما يعلم بطلانه بالضرورة. (قال) وقيل: الأصل ما يجوز أن يعلم من غير تقديم ورود الشرع والفرع بخلافه، وهذا الفرق أيضاً في غاية الفساد، فإن أكثر المسائل التي يسمونها أصولاً لم تعلم إلا بعد ورود الشرع، كاقتضاء الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، وكون القياس حجة، بل أكثر مسائل أصول الدين لم تعلم إلا بالسمع، فجواز رؤية الرب ﵎ يوم القيامة واستواؤه على عرشه بخلاف مسألة علوه فوق المخلوقات بالذات فإنها فطرية ضرورية، وأكثر مسائل المعاد وتفصيله لا يعلم قبل ورود الشرع، ومسائل عذاب القبر ونعيمه وسجل الملكين وغير ذلك من مسائل الأصول التي لا تعلم قبل ورود الشرع. وقال القاضي أبو بكر بن الباقلاني: كل مسألة يحرم الخلاف فيها مع استقرار الشرع ويكون معتقد خلافها جاهلاً، فهي من الأصول، عقلية كانت أو شرعية، والفرع ما لا يحرم الخلاف فيه أو ما لا يأثم المخطئ

стр. 168

فيه، وهذا وأن كان أقرب مما قبله فهو باطل أيضاً، فإن كثيراً من مسائل الفروع قطعي وإن كان فيها خلاف، وإن كان لا يأثم المخطئ فيها لخفاء الدليل عليه وإن كان قطعياً فلا يلزم الاشتراك في القطعيات، وقد سلم القاضي ذلك فيما إذا خفي عليه النص. وقد ذكر بعضهم فرقاً آخر فقال الأصوليات هي المسائل العمليات، والفروعيات هي المسائل العملية المطلوب منها أمران: العلم والعمل، والمطلوب من العمليات العلم والعمل أيضاً، وهو حب القلب وبغضه وحبه للحق الذي دلت عليه وتضمنته، وبغضه الباطل الذي يخالفها، فليس العمل مقصوراً على عمل الجوارح، بل أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح، وأعمال الجوارح تبع، فكل مسألة علمية فإنه يتبعها إيمان القلب وتصديقه وحبه وذلك عمل، بل هو أصل العمل، وهذا مما غفل عنه كثير من المتكلمين في مسائل الإيمان، حيث ظنوا أنه مجرد التصديق دون الأعمال، وهذا من أقبح الغلط وأعظمه، فإن كثيراً من الكفار كانوا جازمين بصدق النبي ﷺ غير شاكين فيه، غير أنه لم يقترن بذلك التصديق عمل القلب من حب ما جاء به والرضا به وإرادته والموالاة والمعاداة عليه. فلا تهمل هذا الموضع فإنه مهم جداً، به تعرف حقيقة الإيمان، فالمسائل العلمية عملية، والمسائل العملية علمية، فإن الشارع لم يكتف من المكلفين في العمليات بمجرد العمل دون العلم، ولا في العلميات بمجرد العلم دون العمل. وفرّق آخرون بين الأصول والفروع بأن مسائل الأصول هي التي يكفر جاحدها، كالتوحيد والرسالة والمعاد وإثبات الصفات، ومسائل الفروع ما لا يكفر جاحدها، كوجوب قراءة الفاتحة في الصلاة واشتراط الطمأنينة

стр. 169

ووجوب مسح الرأس كله في الوضوء ونحو ذلك، وهذا الفرق غير مطرد ولا منعكس، فإن كثيراً من مسائل الفروع يكفر جاحدها، وكثير من مسائل الأصول لا يكفر جاحدها كما تقدم بيانه. وأيضاً فالتكفير حكم شرعي، فالكافر من كفره الله ورسوله، والكفر جحد ما علم أن الرسول جاء به، سواء كان من المسائل التي تسمونها علمية أو عملية، فمن جحد ما جاء به الرسول ﷺ بعد معرفته بأنه جاء به فهو كافر في دق الدين وجله. وفرَّق آخرون بين الأصول والفروع بأن الأصول ما تتعلق بالخبر، والفروع ما تتعلق بالطلب، وهذا الفرق غير خارج عن الفروق المتقدمة، وهو فاسد أيضاً، فإن العبد مكلف بالتصديق بهذا وهذا، علماً وإيماناً وعملاً، وحباً ورضاً، وموالاة عليه ومعاداة كما تقدم. وفرَّق آخرون بينهما بأن مسائل الأصول هي ما لا يسوغ التقليد فيها، ومسائل الفروع يجوز التقليد فيها، وهذا مع أنه دور ممتنع فإنه يقال لهم: ما الذي يجوز فيه التقليد؟ فيقولون مسائل الفروع، والذي لا يجوز التقليد فيه مسائل الأصول، وهو أيضاً فاسد طرداً وعكساً، فإن كثيراً من مسائل الفروع لا يجوز التقليد فيها كوجوب الطهارة والصيام والصلاة والزكاة وتحريم الخمر والربا والفواحش والظلم، فإن من لم يعلم أن الرسول ﷺ جاء بذلك وشك فيه لم يعرف أنه رسول، كما أن من لم يعلم أنه جاء بالتوحيد وتصديق المرسلين وإثبات معاد الأبدان وإثبات الصفات والعلو والكلام، لم يعرف كونه مرسلاً فكثير من المسائل الخبرية والطلبية يجوز فيها التقليد للعاجز عن الاستدلال، كما أن كثيراً من المسائل العملية لا يجوز فيها التقليد.

стр. 170

فتقسيم الدين إلى ما يثبت بخبر الواحد وما لا يثبت به، تقسيم غير مطرد ولا منعكس ولا عليه دليل صحيح. اهـ.

стр. 171

المبحث السابع عشر في ذكر أمثلة لتغيير المصطلحات في الديار الإسلامية نتيجة لغياب الحكم بالإسلام عن سلطان الحاكمية في جل دياره ولقاء إقصاء القضاء الشرعي عن كراسي القضاء في جل أحكامه. وأثراً من آثار نفوذ الاستعمار الفكري إلى ديار الإسلام، ولغير ذلك من دواعي الفرقة والتفكك، وعوامل الانحلال والتفسخ، النافذة إلى أفئدة الأمة على مسارب التبعيات الماسخة للأمم الكافرة - تجسدت أمام المصلحين نازلة المواضعات الأثيمة على خلاف اللغة والشريعة. لان العلماء في لغة العرب شكر الله سعيهم قد بذلوا جهوداً مكثفة في القديم والحديث فأنشؤا سدوداً منيعة وحصوناً حصينة للغة القرآن عن عوادي الهجنة والدخيل، ويظهر ذلك في المجامع وهي كُثر، وفي كتب الملاحن وهي أكثر، فدب يراعهم وسالت سوابق أقلامهم وانتشرت سوابح أفكارهم في نقض الدخيل، ونفي المقرف والهجين فحمى الله سبحانه اللغة حماية لكتابه. وأما علماء الشريعة فلهم القِدح المعلى والمكان الأسنى فضموا إلى كفاح أولئك: فائق العناية في الاصطلاح الشرعي، ومتانة التقعيد والتأصيل، وعدم السماح لأي مصطلح دخيل بالدخول في اصطلاح التشريع، وإن كان في بعض المتأخرين من المعاصرين من خفض لها

стр. 172

الجناح، ونفخ في بوقها وأناخ. والله يغفر لنا ولهم. ومفردات هذا المبحث متكاثرة، فهي بحاجة إلى تتبع واستقراء، وترتيبها ترتيباً موضوعياً أو معجمياً، ومن ثم بيان منزلة كل مصطلح من لغة العرب ومن هدى الشريعة، فلعل الله أن يهيئ لهذا العمل الجليل من يخدمه ليُسْهِم عامله في صون الشريعة والذب عن سياجها، إسهاماً يشكره عليه الأولون والآخرون. وفي هذا المبحث قيدت عدة ألفاظ واصطلاحات هي لضرب المثال وليعلم المسلم إلى أي حد بلغ العدوان على لغة الشريعة فقلَّب العدوان لنا الأمور، وثلة أخرى من المسلمين نكثوا أيديهم مما عهد إليهم في دينهم وشريعة ربهم، وليأخذ طلاب العلم الحذر في عناوين رسائلهم ومؤلفاتهم وبحوثهم، والنابه من إذا ذكر تذكر، وإذا بصر استبصر، وحتى يقول لسان حال المسلم للعداء: أقول لمحرز لما التقينا ... تنكب لا يقطرك الزحام وما قيدته هنا هو في مواضع مختلفة، لكن يجمعها حضار الشريعة والتطهر من رجس المشابهة، وذلة المتابعة، فإلى الأخذ برأس القلم لسياقها: ١- الفقه المقارن: هذا اصطلاح حقوقي وافد يراد به مقارنة فقه شريعة رب الأرض والسماء بالفقه الوضعي المصنوع المختلق الموضوع من آراء البشر وأفكارهم.

стр. 173

وهو مع هذا لا يساعد عليه الوضع اللغوي للفظ " قارن " إذ المقارنة هي المصاحبة فليست على ما يريده منها الحقوقيون من أنها بمعنى " فاضل " التي تكون بمعنى وازن إذ الموازنة بين الأمرين الترجيح بينهما، أو بمعنى " وازن " لفظاً ومعنى. أو بمعنى " قايس " إذ المقايسة بين الأمرين التقدير بينهما. يقول الشاعر: عن المرء لا تسل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي وقد اشتق القدامى من مادة القَرَن " الاقتران " بمعنى الازدواج، فقالوا " اقترن فلان بفلانة " أي تزوجها، وسمي النكاح " القران " وزان الحِصان. وأصل ذلك في لغة العرب، أن العرب كانت تربط بين قرني الثورين بمسد تُسميه " قَرَنْ " على وزن بقر فسميا " قرنين " وسمى كل منهما قريناً للآخر. فلتهنأ الزوجة الراقية بلسان العصر من تسميتها " قرينة " فصاحبها ذلكم الثور! وعليه: فهذا الاصطلاح " الفقه المقارن " تنبغي منابذته وضعاً وشرعاً دفعاً للتوليد والمتابعة. انظر: مجلة اللغة العربية بمصر ١ / ١٣٨ - ١٦٩ مغامرات لغوية ص / ٧٨ - ٨٠ عبد الحق فاضل. المدخل للزرقا ٢ / ٩٥٥. أخطاء المنهج الغربي للجندي ص / ١١ - ١٤. كتابي الحدود والتعزيرات ص / ١١ - ١٤. ٢- القانون: ليعلم أن هذه الكلمة " قانون " يونانية الأصل، وقيل فارسية، دخلت إلى العربية عن طريق السريانية، وكان معناها الأصلي " المسطرة " ثم أصبحت تعني " القاعدة الكلية " التي يتعرف منها أحكام جزئياتها. وهي

стр. 174

اليوم تستعمل في اللغات الأجنبية بمعنى " التشريع الكنسي " وهي في البلاد العربية تستعمل بمعنى " القاعدة " لكل شيء، ثم توسع في استعمالها في الاصطلاح القانوني بمعنى " جامع الأحكام القانونية " فهو عبارة عن مجموعة الأوامر والنواهي الواجب الالتزام بها في البلاد. والقوانين الوضعية متعددة بتعدد واضعها، ومنها ما هو قديم كقانون حمورابي، والقانون الروماني، ومنها ما هو حديث كالقانون الفرنسي والألماني، والبلجيكي، والإنجليزي، والأمريكي، والإيطالي، والسويسري.. وتسمى في اصطلاح المسلمين " القوانين الوضعية " تمييزاً للشريعة الإسلامية عنها إذ هي من عند الله ﵎، أما القوانين فهي من وضع البشر واختلاقهم. وعليه فإن هذه اللفظة " قانون " وافدة على مصطلحاتنا، وقد انتزع بسببها " النص الشرعي " و " قول الله تعالى " وقول رسوله ﷺ و " الشريعة " و" الشرع الإسلامي ". وانتشارها لدى بعض علماء المسلمين، وتسمية بعض مؤلفاتهم بها لا يبررها. وفي بحث للشيخ أبي شهبة رحمه الله تعالى بعنوان " فضل الشريعة الإسلامية على الشرائع السماوية السابقة، والقوانين الوضعية " قال فيها: (أما القوانين فهي من وضع البشر، ولفظ " القانون " أو " القوانين " عند الإطلاق ينصرف إليها، ولا يجوز أن يطلق عليها شرائع كما يفعل المسلمون، ورجال القانون اليوم في مؤلفاتهم ومحاضراتهم، وكذلك لا يجوز ولا ينبغي أن نطلق على التشريعات الإسلامية اسم " القوانين " مهما

стр. 175

كان من توافر حسن النية لما في هذا التعبير من اللبس والإبهام) . اهـ. انظر: مجلة مجمع اللغة العربية بمصر ١٩ / ٦٧ - ٦٨ وفلسفة التشريع في الإسلام للمحمصاني ص / ١٦ - ١٨ وتاج العروس للزبيدي ٩ / ٣١٥، ولسان العرب ٧ / ٢٢٩، والقاموس ٤ / ٢٦١، ٢٦٩. وندوة محاضرات رابطة العالم الإسلامي لعام ١٣٩٤ هـ ص / ١٧ - ٣٢. وكتابي: التقنين والإلزام. ٣- القانون المدني: أو: القانون التجاري. ويسمونه: أبا القوانين. ويعبر عن بعض أقسامه باسم: قانون الموجبات. مجلة الالتزامات. وهذا المركب بجزأيه " قانون مدني " لا مكان له في معاجم الشريعة، وقد رفع بوفادته اصطلاحها " كتاب البيوع ". وانظر: مجلة اللغة العربية بمصر ١٩ / ٦٨. ٤- قانون العقوبات: أو: قانون الجزاء. كما في العهد العثماني. أو: القانون الجنائي. كما في قوانين مصر القديمة. وأي من هذه المواضعات غريبة بجزئيها أو بفصل منها عن الاصطلاح الشرعي. فإن التراجم المعقودة لذلك في الشريعة على ما يلي: ١- كتاب الجنايات. ٢- كتاب الجراح. ونحو ذلك مما تجده مبسوطاً في كتابي " الجناية على النفس وما

стр. 176

دونها ". وانظر: مجلة مجمع اللغة العربية ١٩ / ٦٨. ٥- إعدام المجرم: هذا من أساليب المحدثين في العقوبات الشرعية لقاء الجناية على النفس فيقولون: أعدم الجلاد المجرم. ويقول القاضي في حكمه: حكمت بعقوبة إعدام المجرم.. أي: قتله. والمسموع عن العرب: أعدم الرجل أي: افتقر، وأعدم فلاناً: منعه وأعدم الله فلاناً الشيء، جعله عادماً له. ولهذا فإن الوضع اللغوي لا يساعد على ذلكم الاصطلاح، إضافة إلى أنه أجنبي عن المواضعات المعهودة لدى الفقهاء نحو " القصاص من القاتل " " قتل المحارب " وهكذا. انظر: مجلة مجمع اللغة العربية بمصر ٩ / ١٣٠: من ألفاظ الكتاب المحدثين لأحمد حسن الزيات. ٦- الأحوال الشخصية: وهذا الاصطلاح يُعنى به أحكام النكاح والفرق وتوابعها. وقد اكتسب من الشيوع في العوالم كافة ما لم يكن لغيره. وله من المساوئ بقدر شيوعه. وقد ذكرتها في مقدمة كتاب: " الحدود والتقريرات " وبسطتها في كتاب " معجم المناهي ". وبالله التوفيق. ٧- المحامي: كانت كلمة " أفوكاتو " في مصر تعني الوكيل في الخصومات، ثم استبدلها المجمعيون بلفظ " المدره " وهو في لغة العرب زعيم القوم المنافح

стр. 177

عن حقوقهم. ولكن لم يكتب لها الشيوع. ثم ماتت اللفظتان، وعاشت بعدهما كلمة " محامي " على إثر حلول القوانين الوضعية في الديار الإسلامية، ولن تجد لهذا اللفظ في فقه الشريعة أثراً، ولهذا فإن أحكام المحامين والمحاماة هي أحكام الوكالة والوكلاء. وعليه يعقد المحدثون والفقهاء " باب الوكالة " فلماذا نذهب بعيداً عن مواضعاتنا الشرعية، وفي مادة " حمى " من القاموس ٤ / ٣٢٢ (وحاميت عنه محاماةً وحماءً مَنَعْتُ عنه) اهـ. لكن لا تحس لها بأثر ولا إثارة في اصطلاح الفقهاء فإذا اعتمدنا هذا الاصطلاح أحيينا سنة الإبعاد عن فقه الشريعة ومصطلحاتها والله أعلم. مجلة مجمع اللغة بمصر ٧ / ١٢٤. ٨- نظرية الظروف الطارئة: تعني هذه النظرية إذا أبرم شخصان عقداً كعقد توريد، أو إجازة ثم حصل سبب قاهر لا يستطيع معه الوفاء بالتوريد، أو استغلال منفعة العين المؤجرة مثلاً، فهل هذا سبب يلغي لزوم هذا العقد تأسيساً على قواعد العدل، والإحسان، ونفي الضرر، أم يبقى ملزماً لأن العقد لازم شرعاً وقد وقع برضاهما؟ . ليعلم أن هذه المواضعة " الظروف الطارئة " اصطلاح كنسي وفرنسي في قضائهما الإداري دون المدني، وهي في اصطلاح القانون الدولي باسم " نظرية الظروف المتغيرة ". وفي القانون الإنكليزي باسم " نظرية استحالة تنفيذ الالتزام تحت ضغط الظروف الاقتصادية التي نشأت بسبب الحرب ". وفي القضاء الدستوري الأمريكي باسم " نظرية الحوادث المفاجئة ".

стр. 178

على أن هناك طرفاً مقابلاً من دول الغرب لم يأخذ بهذه النظرية، وهو الأكثر، وهذا الاصطلاح " الظروف الطارئة " لا وجود لمبناه في الفقه الشرعي لكن محتواه الدلالي موجود في الشريعة بصفة موسعة في عدة مظاهر هي على ما يلي: أولاً: قواعد نفي الضرر، ومنها: الضرر يزال. لا ضرر ولا ضرار. الضرورات تبيح المحظورات. الضرر الأشد يزال بالأخف. يدفع الضرر بقدر الإمكان، يحتمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام. وهكذا. ثانياً: في جملة كبيرة من الفروع الفقهية سواء كانت على سبيل رعاية مصالح المسلمين العامة كالتسعير، ونزع الملكية، ومنع الاحتكار، والحجر لاستصلاح الأديان والأبدان كالحجر على المفتي الماجن المتعالم، وعلى الطبيب الجاهل المتطبب، والمكاري المفلس، أو في سبيل رعاية مصلحة الفرد من المسلمين، كعقد الإجارة عند تعذر استيفاء المنفعة وذلك مثل الفَرَّان عد نزوح أهل المحلَّة، أو حدوث عيب في العين ونحو ذلك من الأسباب، والتي اتسع لها مذهب الحنفية أكثر من غيرهم. ثالثاً: وضع الجوائح: وهي ما تصيب الحبوب والثمار مما يتلفها أو يعيبها من برد أو نار ونحوهما للحديث الثابت في ذلك عن النبي ﷺ . فهذه التطبيقات الفقهية سواء من باب التقعيد والتأصيل أم التفريع والتفصيل في غيرها في جملة من الفروع هي: أوسع شمولاً وأكثر إحاطة وأسبق حكماً من " نظرية الظروف الطارئة ". فالمواضعة على هذا الاصطلاح لدى المسلمين فيه منابذة للمصطلحات الشرعية التي يقف الناظر فيها على معانيها من غير عناء ولا تكلف، أما هذه المواضعة الوافدة ففيها سنة الإبعاد، والتبعية، وقطع فتية

стр. 179

المسلمين عن فقههم في شكله وحقيقته والله المستعان. ٩- تكنولوجيا: أي (تِقْنِيَّة) على وزن (عِلْمِيَّة) وهي مصدر صناعي من (التَّقَنْ) بوزن (العَلَمْ) - والتقن: الرجل الذي يتقن عمله. وما شاع من نطقها بوزن كلمة (الأدبية) أو بوزن كلمة (التربية) فهو خطأ. مجلة المجمع العلمي العراقي الجزء الرابع المجلد / ٣٣ لعام ١٤٠٣ هـ. ص / ٣١٣. من ألفاظ الحضارة لمقرر المجمع محمد بهجت الأثري. ١٠- الأكاديمية: أي " المجمع العلمي " أو " الدراسات العليا " وقد عربها الكرملي بلفظ " المحفى " للمكان الذي يجتمع فيه الأحفياء، أو المتخصصون لكنها استثقلت فلم تنتشر. مجلة مجمع اللغة العربية بمصر ٩ / ٤٤. علم اللغة لوافي ص / ٥٤. ١١- الحرية: ونحوها " التسوية ". وهي في الشريعة (قواعد العدل والإِحسان) . انظر: الإسلام والحضارة الغربية ص / ٢٩. ١٢- محبة الوطن: وهي (محبة الدين وحمايته) . الإسلام والحضارة الغربية ص / ٢٩. ١٣- المجلس التشريعي: يراد به (أهل الحل والعقد) .

стр. 180

انظر: تدوين الدستور الإسلامي ص / ٣٠ - ٣٣. ١٤- المسؤولية التقصيرية: ويقابله في الشريعة " أحكام الضمان ". انظر: التعسف لسعيد الزهاوي ص / ٢٥٦. ١٥- الإيتيمولوجيا: وهو: (علم أصول الكلمات) أي البحث في أصولها التي جاءت منها في لغة ما. تنبيه: لوجيا بمعنى (علم) وهي يونانية الأصل. انظر: مجلة مجمع اللغة بمصر ٣٣ / ١٢٨. مغامرات لغوية لعبد الحق فضل ص / ٢٠٣. علم اللغة لوافي ص / ١٠ - ١١. ١٦- الستيليستيك: وهو (علم الأساليب) أي: أساليب اللغة واختلافها باختلاف فنونها من شعر ونثر. انظر: علم اللغة ص / ٩ - ١٠، ١٥، ٧٣ مهم. ١٧- علم الدياليسكتوجي: وهو: علم اللهجات. وموضوعه: دراسة الظواهر المتعلقة بانقسام اللغة إلى لهجات. وتفرع اللغات العامية من كل لهجة من لهجاتها. انظر: علم اللغة ص / ٦.
следующие страницы →