← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 10776

فقه النوازل

بكر أبو زيد

Полный текст (480 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

دونها ". وانظر: مجلة مجمع اللغة العربية ١٩ / ٦٨. ٥- إعدام المجرم: هذا من أساليب المحدثين في العقوبات الشرعية لقاء الجناية على النفس فيقولون: أعدم الجلاد المجرم. ويقول القاضي في حكمه: حكمت بعقوبة إعدام المجرم.. أي: قتله. والمسموع عن العرب: أعدم الرجل أي: افتقر، وأعدم فلاناً: منعه وأعدم الله فلاناً الشيء، جعله عادماً له. ولهذا فإن الوضع اللغوي لا يساعد على ذلكم الاصطلاح، إضافة إلى أنه أجنبي عن المواضعات المعهودة لدى الفقهاء نحو " القصاص من القاتل " " قتل المحارب " وهكذا. انظر: مجلة مجمع اللغة العربية بمصر ٩ / ١٣٠: من ألفاظ الكتاب المحدثين لأحمد حسن الزيات. ٦- الأحوال الشخصية: وهذا الاصطلاح يُعنى به أحكام النكاح والفرق وتوابعها. وقد اكتسب من الشيوع في العوالم كافة ما لم يكن لغيره. وله من المساوئ بقدر شيوعه. وقد ذكرتها في مقدمة كتاب: " الحدود والتقريرات " وبسطتها في كتاب " معجم المناهي ". وبالله التوفيق. ٧- المحامي: كانت كلمة " أفوكاتو " في مصر تعني الوكيل في الخصومات، ثم استبدلها المجمعيون بلفظ " المدره " وهو في لغة العرب زعيم القوم المنافح

стр. 177

عن حقوقهم. ولكن لم يكتب لها الشيوع. ثم ماتت اللفظتان، وعاشت بعدهما كلمة " محامي " على إثر حلول القوانين الوضعية في الديار الإسلامية، ولن تجد لهذا اللفظ في فقه الشريعة أثراً، ولهذا فإن أحكام المحامين والمحاماة هي أحكام الوكالة والوكلاء. وعليه يعقد المحدثون والفقهاء " باب الوكالة " فلماذا نذهب بعيداً عن مواضعاتنا الشرعية، وفي مادة " حمى " من القاموس ٤ / ٣٢٢ (وحاميت عنه محاماةً وحماءً مَنَعْتُ عنه) اهـ. لكن لا تحس لها بأثر ولا إثارة في اصطلاح الفقهاء فإذا اعتمدنا هذا الاصطلاح أحيينا سنة الإبعاد عن فقه الشريعة ومصطلحاتها والله أعلم. مجلة مجمع اللغة بمصر ٧ / ١٢٤. ٨- نظرية الظروف الطارئة: تعني هذه النظرية إذا أبرم شخصان عقداً كعقد توريد، أو إجازة ثم حصل سبب قاهر لا يستطيع معه الوفاء بالتوريد، أو استغلال منفعة العين المؤجرة مثلاً، فهل هذا سبب يلغي لزوم هذا العقد تأسيساً على قواعد العدل، والإحسان، ونفي الضرر، أم يبقى ملزماً لأن العقد لازم شرعاً وقد وقع برضاهما؟ . ليعلم أن هذه المواضعة " الظروف الطارئة " اصطلاح كنسي وفرنسي في قضائهما الإداري دون المدني، وهي في اصطلاح القانون الدولي باسم " نظرية الظروف المتغيرة ". وفي القانون الإنكليزي باسم " نظرية استحالة تنفيذ الالتزام تحت ضغط الظروف الاقتصادية التي نشأت بسبب الحرب ". وفي القضاء الدستوري الأمريكي باسم " نظرية الحوادث المفاجئة ".

стр. 178

على أن هناك طرفاً مقابلاً من دول الغرب لم يأخذ بهذه النظرية، وهو الأكثر، وهذا الاصطلاح " الظروف الطارئة " لا وجود لمبناه في الفقه الشرعي لكن محتواه الدلالي موجود في الشريعة بصفة موسعة في عدة مظاهر هي على ما يلي: أولاً: قواعد نفي الضرر، ومنها: الضرر يزال. لا ضرر ولا ضرار. الضرورات تبيح المحظورات. الضرر الأشد يزال بالأخف. يدفع الضرر بقدر الإمكان، يحتمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام. وهكذا. ثانياً: في جملة كبيرة من الفروع الفقهية سواء كانت على سبيل رعاية مصالح المسلمين العامة كالتسعير، ونزع الملكية، ومنع الاحتكار، والحجر لاستصلاح الأديان والأبدان كالحجر على المفتي الماجن المتعالم، وعلى الطبيب الجاهل المتطبب، والمكاري المفلس، أو في سبيل رعاية مصلحة الفرد من المسلمين، كعقد الإجارة عند تعذر استيفاء المنفعة وذلك مثل الفَرَّان عد نزوح أهل المحلَّة، أو حدوث عيب في العين ونحو ذلك من الأسباب، والتي اتسع لها مذهب الحنفية أكثر من غيرهم. ثالثاً: وضع الجوائح: وهي ما تصيب الحبوب والثمار مما يتلفها أو يعيبها من برد أو نار ونحوهما للحديث الثابت في ذلك عن النبي ﷺ . فهذه التطبيقات الفقهية سواء من باب التقعيد والتأصيل أم التفريع والتفصيل في غيرها في جملة من الفروع هي: أوسع شمولاً وأكثر إحاطة وأسبق حكماً من " نظرية الظروف الطارئة ". فالمواضعة على هذا الاصطلاح لدى المسلمين فيه منابذة للمصطلحات الشرعية التي يقف الناظر فيها على معانيها من غير عناء ولا تكلف، أما هذه المواضعة الوافدة ففيها سنة الإبعاد، والتبعية، وقطع فتية

стр. 179

المسلمين عن فقههم في شكله وحقيقته والله المستعان. ٩- تكنولوجيا: أي (تِقْنِيَّة) على وزن (عِلْمِيَّة) وهي مصدر صناعي من (التَّقَنْ) بوزن (العَلَمْ) - والتقن: الرجل الذي يتقن عمله. وما شاع من نطقها بوزن كلمة (الأدبية) أو بوزن كلمة (التربية) فهو خطأ. مجلة المجمع العلمي العراقي الجزء الرابع المجلد / ٣٣ لعام ١٤٠٣ هـ. ص / ٣١٣. من ألفاظ الحضارة لمقرر المجمع محمد بهجت الأثري. ١٠- الأكاديمية: أي " المجمع العلمي " أو " الدراسات العليا " وقد عربها الكرملي بلفظ " المحفى " للمكان الذي يجتمع فيه الأحفياء، أو المتخصصون لكنها استثقلت فلم تنتشر. مجلة مجمع اللغة العربية بمصر ٩ / ٤٤. علم اللغة لوافي ص / ٥٤. ١١- الحرية: ونحوها " التسوية ". وهي في الشريعة (قواعد العدل والإِحسان) . انظر: الإسلام والحضارة الغربية ص / ٢٩. ١٢- محبة الوطن: وهي (محبة الدين وحمايته) . الإسلام والحضارة الغربية ص / ٢٩. ١٣- المجلس التشريعي: يراد به (أهل الحل والعقد) .

стр. 180

انظر: تدوين الدستور الإسلامي ص / ٣٠ - ٣٣. ١٤- المسؤولية التقصيرية: ويقابله في الشريعة " أحكام الضمان ". انظر: التعسف لسعيد الزهاوي ص / ٢٥٦. ١٥- الإيتيمولوجيا: وهو: (علم أصول الكلمات) أي البحث في أصولها التي جاءت منها في لغة ما. تنبيه: لوجيا بمعنى (علم) وهي يونانية الأصل. انظر: مجلة مجمع اللغة بمصر ٣٣ / ١٢٨. مغامرات لغوية لعبد الحق فضل ص / ٢٠٣. علم اللغة لوافي ص / ١٠ - ١١. ١٦- الستيليستيك: وهو (علم الأساليب) أي: أساليب اللغة واختلافها باختلاف فنونها من شعر ونثر. انظر: علم اللغة ص / ٩ - ١٠، ١٥، ٧٣ مهم. ١٧- علم الدياليسكتوجي: وهو: علم اللهجات. وموضوعه: دراسة الظواهر المتعلقة بانقسام اللغة إلى لهجات. وتفرع اللغات العامية من كل لهجة من لهجاتها. انظر: علم اللغة ص / ٦.

стр. 181

١٨- علم الفونيتيك: وهو: علم الصوت. وموضوعه: الدلالة الصوتية للألفاظ. انظر: علم اللغة ص / ٧، ٣٣. ١٩- السيمنتيك: وهو: علم دلالة اللفظ. انظر: علم اللغة ص / ٧، ٣٣. ٢٠- ليكسيكولوجيا: وهو: (علم المفردات) . انظر: علم اللغة ص / ٧. ٢١- المورفولوجيا: وهو: (علم البنية) أي بنية الكلمة. انظر: علم اللغة ص / ٧، ١٥، ٧١. ٢٢- الفيلولوجيا: وهو: (علم آداب اللغة وتاريخها) . انظر: علم اللغة ص / ١٣ - ١٤. ٢٣- الدياليكتولوجيا: وهو: (اللغة العامية) . علم اللغة ص / ٦٦.

стр. 182

٢٤- الجرامير: وهو: (قواعد اللغة) . علم اللغة ص / ٩. ٢٥- السوسيولوجيا: وهو: (علم الاجتماع) . علم اللغة ص / ٢٧، ٦١. ٢٦- السيكولوجيا: وهو: (علم النفس) . علم اللغة ص / ٢٤، ٢٦. ٢٧- الفيزيولوجيا: وهو: (علم وظائف أعضاء الإنسان) . علم اللغة ص / ٢٦، ٣٢. ٢٨- الأونوماستيك: وهو: (علم أصول الأعلام) أي: أعلام الأشخاص، والقبائل والأنهار. علم اللغة ص / ١١. ٢٩- البيولوجيا: وهو: (علم الحياة) . علم اللغة ص / ٣٢.

стр. 183

٣٠- الأنثروبولوجيا: وهو: (علم الإنسان) . علم اللغة ص / ٣٢. ٣١- الجيولوجيا: وهو: (علم طبقات الأرض) أو (علم الأرض) . وأول من سمي ذلك بالجيولوجيا هو (دولوك) عام ١٧٧٨ م. مجلة مجمع اللغة بمصر ١٤ / ١٦٦ - ١٧٢ بحث في كلمة: جيولوجيا. ٣٢- بيداغوجيا: وهو: (علم التربية) . مجلة مجمع اللغة بمصر ٣٣ / ١٢٨. ٣٣- ديموغرافيا: وهو (علم السكان) . مجلة مجمع اللغة بمصر ٣٣ / ١٢٨. ٣٤- تيولوجيا: وهو: (علم تشكل الإنسان) . مجلة مجمع اللغة بمصر ٣٣ / ١٢٨. ٣٥- السنتكس: وهو: (علم تنظيم الكلمات) أي تقسيمها وأحوالها من تذكير وتأنيث ... .

стр. 184

ومن فصائله (علم النحو) من أبحاث (السنتكس التعليمي) لدى الفرنجة. علم اللغة ص / ٨ - ٩، ١٥. إلى غير ذلك من المواضعات الدخيلة مما نجد التنبيه عليها منتشراً في عدد من بحوث المعاصرين كقولهم (قاعة البحث) في مجلة مجمع اللغة العربية ١ / ١٠٦، ٢ / ١١٩، وقولهم (التعسف في استعمال الحق) وهذا الاصطلاح هو عين التعسف. وقولهم (البرلمان، ومجلس الشيوخ) كما في مجلة اللغة بمصر ١ / ١١٤ - ١١٩، ٨ / ١٣٣، وقولهم (التأمين التعاوني) ونحوها مما أرجو أن يُهيء الله من يجمع هذه المصطلحات ويناقشها على ميزان اللغة والشرع. والله الموفق وصلَّى الله على نبينا محمد وسلم.

стр. 185

" ٣ " خطاب الضمان حقيقته، وحكمه

стр. 186

خطاب الضمان الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد: فإن من نوازل العصر وقضاياه جريان المعاملة بخطابات الضمان لدى البنوك الأهلية مع المستفيد شخص اعتباري أو طبيعي أو حُكْمِي وتجلية موقعها من الشريعة المطهرة يقتضي إعطاء التصور الكامل لطبيعة خطابات الضمان وخطواتها الإجرائية وأنواعها وما جرى مجرى ذلك من القوالب التي تسير عليها ثم تنزيل الفقه الشرعي عليها. فاقتضى الحال إدارة التقييد فيها في مبحثين: المبحث الأول: خطاب الضمان. تعريفه.. نوع الطرف المستفيد.. الغرض منه.. خطواته الإجرائية ... أنواعه. المبحث الثاني: الفقه الشرعي لخطاب الضمان. وبيان كل منها على ما يلي:

стр. 187

المبحث الأول خطاب الضمان (١) وفيه الفروع الآتية: ١- حقيقته: خطاب الضمان المصرفي: هو تعهد قطعي مقيد بزمن محدد غير قابل للرجوع يصدر من البنك بناء على طلب طرف آخر (عميل له) بدفع مبلغ معين لأمر جهة أخرى مستفيدة من هذا العميل لقاء قيام العميل بالدخول في مناقصة أو تنفيذ مشروع بأداء حسن ليكون استيفاء المستفيد من هذا التعهد (خطاب الضمان) متى تأخر أو قصر العميل في تنفيذ ما التزم به للمستفيد في مناقصة أو تنفيذ مشروع ونحوهما، ويرجع البنك بعد على العميل بما دفعه عنه للمستفيد. ٢- أركانه: من هذا يتضح أن أركان خطاب الضمان أربعة وهي: ١- البنك: وهو الطرف (الضامن) . والضامن هو من التزم ما على غيره.

стр. 188

٢- العميل: وهو الطرف (المضمون عنه) . ٣- المستفيد: وهو الطرف (المضمون له) . وهو رب الحق الذي التزمه الضامن. ٤- قيمة الضمان: وهو (المبلغ المضمون) . والمضمون به هو الحق الذي التزم الضامن. فإذا أطلق خطاب الضمان حوى هذه الأركان. ٣- الشخص العميل (المضمون عنه) : يكون شخصية حكمية (اعتبارية) كالشركة أو المؤسسة ممثلة في (مديرها المسؤول) ، ويكون شخصاً طبيعياً. ٤- المستفيد: (المضمون له) : عادة لا يكون إلا شخصية اعتبارية كمصلحة حكومية أو مؤسسة أو شركة معروفة ومن النادر أن يكون شخصاً طبيعياً. ٥- أهدافه: لخطاب الضمان أهمية كبيرة في حماية المستفيد (المضمون له) حكومة أو شركة لضمان تنفيذ المشاريع أو تأمين المشتريات وفق شروطها ومواصفاتها وفي أوقاتها المحددة. ففيها توفير الضمان للمستفيد عن أي تقصير تنفيذي أو زمني من الطرف العميل إضافة إلى أن البنك لا يقبل في استقبال خطاب الضمان، وأن يكون طرفاً مع العميل لصالح المستفيد إلا إذا توفرت لديه القناعة بكفاءة العميل المالية والمعنوية. ففي هذا ضمان إضافي إلى سابقه أن لا يدخل في المشاريع والمناقصات إلا شخص قادر على الوفاء بما التزم به.

стр. 189

٦- طريقة إصدار خطاب الضمان: يقدم طالب خطاب الضمان طلباً للبنك يحدد فيه مبلغ الضمان ومدته والجهة المستفيدة والغرض من الضمان، ويجب أن تكون لدى البنك قبل إصداره الضمان المذكور القناعة بأن كفاءة العميل المالية والمعنوية كفيلة بالوفاء بالتزامه فيما إذا طلب منه دفع قيمة الضمان أو تمديده، وإذا كان مبلغ الضمان كبيراً فإن البنك يطلب عادة تأمينات لقاء ذلك إما أن تكون رهناً عقارياً مسجلاً أو رهن أسهم في شركات بإيداع أوراق مالية لدى البنك يسهل تحويلها إلى نقد فيما لو طلب من البنك دفع قيمة مبلغ الكفالة مع خطاب من مودعها ما يتنازل عنها إذا اقتضى الأمر أو كفالة بنك خارجي معروف، وإضافة إلى كل ذلك فإن البنك يحتفظ عادة بتأمينات نقدية يودعها العميل بنسبة حوالي ٢٥% من قيمة الضمان وقد تزيد هذه النسبة أو تقل تبعاً لمركز العميل المالي والمعنوي ولطبيعة المشروع الذي قدم الضمان من أجله، وبعد كل هذه الإجراءات يقوم البنك بإصدار الضمان. ٧- أنواع خطابات الضمان: تجري المعاقدة عليها على أنواع: أولاً: خطاب الضمان الابتدائي: ويكون مقابل الدخول في مناقصات أو مشاريع ويكون مبلغ الضمان مساوياً لـ ١% من قيمة المناقصة أو أكثر، وساري المفعول لمدة معينة وعادة تكون لثلاثة أشهر، وهذا التعهد المصرفي (خطاب الضمان) يقدمه العميل للمستفيد من مصلحة حكومية أو غيرها. ليسوغ له الدخول في

стр. 190

المناقصة مثلاً فهو كتأمين ابتدائي يعطي المستفيد الاطمئنان على قدرة العميل على الدخول في المناقصة. ولا يسوغ إلغاء هذا الخطاب إلا بإعادته بصفة رسمية من الجهة المقدم إليها (المستفيد) . ثانياً: خطاب الضمان النهائي: وهذا يكون مقابل حسن التنفيذ وسلامة الأداء في العملية من مناقصة أو مشروع ونحو ذلك ويكون مبلغه بنسبة ٥% من قيمة المشروع أو المناقصة وهو مغياً بمدة عام كامل مثلاً قابل للزيادة. وهذا التعهد البنكي (خطاب الضمان النهائي) يقدمه العميل للمستفيد من مصلحة حكومية أو غيرها ليستحق المستفيد الاستيفاء منه عند تخلف العميل عن الوفاء بما التزم به فهو كتأمين نهائي عند الحاجة إليه، ولا يكون إلغاؤه إلا بخطاب رسمي من الطرف المستفيد. ثالثاً: خطاب الضمان مقابل غطاء كامل لنفقات المشروع أو المناقصة: (أي مقابل سلفة يقدمها العميل إلى البنك على حساب المشروع مثلاً لصالح الطرف المستفيد والغاية منه كما في سابقه) ثانياً: - الخطاب النهائي -. رابعاً: خطاب الضمان: (ضمان المستندات) : وهناك نوع رابع من خطابات الضمان يقدمه المصرف لصالح شركات الشحن أو وكالات البواخر، في حالة وصول البضاعة المستوردة إلى الميناء المحدد وتأخر وصول مستندات الشحن الخاصة بالبضاعة إلى ذلك المصرف الذي جرى الاستيراد عن طريقه. فخشية من أن يلحق بالبضاعة

стр. 191

تلف من جراء تأخر بقائها في جمرك الميناء يكون الضمان المذكور تعهداً من المصرف بتسليم مستندات الشحن الخاصة بالبضاعة إلى وكلاء البواخر فور وصولها. واستناداً إلى هذا الضمان يتم فسح البضاعة للمستورد. ولإصدار مثل هذا الضمان يقدم العميل المستورد طلباً بذلك إلى المصرف ويسدد قيمة اعتماد الاستيراد بالكامل (وهي قيمة البضاعة المستوردة) ومن ثم يصدر المصرف خطاب الضمان ويسلمه إلى العميل فيقوم العميل بتسليمه إلى وكلاء الباخرة المعنيين. ٨- مدى استفادة البنك من خطاب الضمان: هذا التعهد الذي ألزم البنك به نفسه مع العميل له بأن يدفع للطرف المستفيد من عميله المبلغ الصادر بموجبه خطاب الضمان ووفق ما فيه من شروط وإجراءات للبنك من وراء هذا مصلحة مادية وهي ما تسمى بالعمولة بمعنى أن البنك يستحق بالشرط على العميل نسبة مئوية معينة مقابل هذا التعهد وهذه الخدمة نحو ٢% حسبما يتم الاتفاق عليه. (وبهذا ينتهي المبحث الأول الذي يعطي التصور الكامل لخطابات الضمان الجارية في المصارف مع عملائها أمام المستفيدين منهم) .

стр. 192

المبحث الثاني الفقه الشرعي لخطاب الضمان قد علم بأصل الشرع جواز الضمان وهو: ضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون في التزام الحقوق المستحقة، بمعنى التزام دين على آخر، وهو عقد إرفاق وإحسان جاء به الشرع مع ما فيه من توثيق للحقوق وحفظ لها. وخلاصة ما تقدم في المبحث الأول لطبيعة خطاب الضمان تنحصر في الفقرتين الأخيرتين منه وهما: ١- أنواعه. ٢- عمولة البنك لقاءه. أما أنواعه الأربعة المتقدمة فلم يظهر في ماهيتها ما يخرج عن المنصوص عليه في أحكام الضمان شرعاً، وتوفر شروطه فالضامن البنك ممن يصح تبرعه، ولوجود رضى الضامن وكون الحق معلوماً حالاً أو مآلاً وأن أجله معلوم غير مجهول. سوى ما جاء في النوع الأول وهو خطاب الضمان الابتدائي. فإنه من باب ضمان ما سيجب وضمان ما لم يجب عقد معلق، وقد علم أن الضمان عقد التزام لازم فلا يعلق كغيره من العقود اللازمة، ولأن الضامن التزم ما لم يلزم الأصيل المضمون عنه وهو (العميل) بعد، لكن الجمهور من أهل العلم على جوازه وهو مذهب الأئمة الثلاثة - أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، والشافعي - في القديم والخلاف المذكور للشافعي في الجديد وما ذهب إليه الجمهور ألصق بأصول الشرع لا سيما

стр. 193

إباحة التعامل في الأصل ما لم يعتوره مانع من غرر ونحوه ولا يظهر في ضمان ما لم يجب بعد ما يمنع فيبقى على الأصل (١) . والله أعلم، ولهذا قال الحنابلة في تعريف الضمان: هو التزام ما وجب أو يجب على غيره مع بقائه عليه. أو: هو ضم الإنسان ذمته إلى ذمة غيره فيما يلزمه حالاً أو مآلاً (٢) . وقالوا في ضمان ما يؤول إلى الوجوب (يصح الضمان بالحق الذي يؤول إلى الوجوب فيصح الضمان بما يثبت على فلان أو بما يقر به أو بما يخرج بعد الحساب عليه أو بما يداينه فلان) . أخذ العمولة عليه: أي أخذ (الأجرة) لا (الجعالة) فإن الجعالة: أن يجعل جائز التصرف شيئاً معلوماً لمن يعمل له عملاً معلوماً أو مجهولاً من مدة معلومة أو مجهولة فلا يشترط العلم بالعمل ولا المدة ولا تعيين العامل للحاجة. فهي إذن: التزام مال في مقابلة عمل لا على وجه الإجارة فليس ما هنا مما هنالك إضافة إلى أن الجعالة: عقد جائز من الطرفين لكل من العاقدين فسخها بخلاف الإجارة فهي عقد لازم ابتداء. وإن كان وقع في عبارات بعضهم باسم الجعل على الضمان ففي هذا

стр. 194

تسامح في التعبير أو على سبيل النزول بمعنى: أنه إذا لم يجز الجعل فالإجارة من باب أولى، وإن كانت الجعالة في معنى الإجارة لكن الجعالة أوسع من باب الإجارة فالجعالة كما علمت في تعريفها فلا يشترط العلم بالعمل ولا المدة ويجوز فسخها من الطرفين بخلاف الإجارة فهي عقد على منفعة أو عين لازم من الطرفين لا يملك أحدهما فسخها. وعليه فإن جمهور أهل العلم على تقرير عدم الجواز لأخذ العوض على الضمان كما في مجمع الضمانات على مذهب الإمام أبي حنيفة للبغدادي ص / ٢٨٢. والشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي ٣ / ٤٠٤. والشرح الصغير ٣ / ٢٤٢ والفروع لابن مفلح الحنبلي ٤ / ٢٠٧، وكشاف القناع ٣ / ٢٦٢. وغيرها مصرحة بالمنع وعدم الجواز، وجماع تعليلهم للمنع فيما يلي: ١- إنه يؤول إلى قرض جر نفعاً وجه ذلك: إنه في حال أداء الضامن للمضمون له يكون العوض مقابل هذا الدفع الذي هو بمثابة قرض في ذمة المضمون عنه. وفي خطاب الضمان: أقوى في بعض أحواله لأن المستفيد يستوفي عادة من البنك لا من العميل. ٢- إن هذا العقد مبناه على الإرفاق والتوسعة والإحسان ففي أخذ العوض لقاءه دفع لمقصد الشارع منه. ٣- إنه في بعض حالات الضمان يستوفي المضمون له من المضمون عنه فيكون أخذ الضامن للعوض بلا حق وهذا باطل، لأنه من أكل المال بالباطل. وفي خطاب الضمان الابتدائي أو المستندي مثلاً يستوفي المضمون له المستفيد من العميل لا من البنك.

стр. 195

وههنا تنبيهان: الأول: جرى في القواعد الفقهية قولهم: الأجر والضمان لا يجتمعان. وهذه القاعدة ليست مما نحن فيه من أحكام الضمان، لأن الضمان هنا يقصد به (ضمان المتلفات) . الثاني: جرى في القواعد الفقهية لهم قولهم: (ليس كل ما جاز فعله جاز إعطاء العوض عليه) بل فيه ما يجوز كالجعالة على رد الآبق. وما يمتنع كالعوض على الضمان واللهو المباح ونحو ذلك. كما جاء في فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية ٣٠ / ٢١٥ - ٢١٦.

стр. 196

النتيجة مما تقدم تُعلم الحقيقتان الآتيتان: الأولى: إن خطاب الضمان من حيث الغطاء له من قبل العميل ثلاثة أحوال: ١- خطاب ضمان ليس له غطاء البتة: فهذا ينسحب عليه ما قرره جمهور العلماء من منع العوض على الضمان فهكذا في هذه الحالة من خطابات الضمان. ٢- خطاب ضمان له غطاء كامل من العميل: فهذه الحالة والله أعلم لا يظهر في العوض عليها " أجرة المثل " ما يمنع في حق الضامن أو المضمون عنه، لأن هذا العوض (العمولة) مقابل الخدمات الإجرائية ففي حال دفع المصرف للمستفيد فهو من مال المضمون عنه، وفي حال عدم دفعه فهو مقابل حفظه لماله وخدماته لذلك. ٣- خطاب ضمان قد صار الغطاء لنسبة منه: فهذه تنسحب عليها أحكام الحالتين قبلها فيجوز فيما قابل المغطى لا فيما لم يقابله - والله أعلم -. وأختم هذا المبحث برأي رشيد للعلامة الشيخ عمر بن عبد العزيز المترك في كتابه (الربا والمعاملات المصرفية) إذا قال - رحمه الله تعالى

стр. 197

وغفر له آمين - ص / ٣٠٩: (والذي أرى أنه إذا كان الضمان مسبوقاً بتسليم جميع المبلغ المضمون للمصرف أو كان له غطاء كامل فلا يظهر في أخذ الجعالة عليه شيء، لأن العمولة التي يأخذها المصرف في هذه الحالة مقابل خدماته كالعمولة التي تؤخذ من قبله في عملية التحويل بالشيكات، لأن هذه العملية ليست مقابل عملية قرض ولا ما يؤول إلى قرض، لأن المصرف لا يدفع من ماله شيئاً، وإنما يدفع ما التزمه بموجب الضمان من مال المضمون عنه الموجود لديه، أما إذا كان خطاب الضمان غير مغطى فلا أرى جواز أخذ الجعالة عليه، لأن هذا الضمان قد يؤدي إلى قرض فيكون قرضاً جر فائدة، والربا أحق ما حميت مراتعه وسدت الطرائق المفضية إليه. لذا فإني أرى أن على طالب الضمان أن يضع لدى الجهة الضامنة له مبلغاً يساوي المبلغ المضمون وهذا إجراء متفق مع الأصول الائتمانية المتبعة في بعض المصارف حيث تطلب من العميل المضمون أن يحجز لديه مبلغاً مساوياً لقيمة خطاب الضمان، وهو ما يسمى بالغطاء الكامل يكون رهناً لكي يسدد منه فيما لو اضطر المصرف إلى تنفيذ التزامه ويفرج عنه عندما يتحرر المصرف من ضمانه. وفي هذا الإجراء من الفوائد مما لا يخفى منها: ١- عدم إفساح المجال لمن ليس لهم المقدرة على الوفاء بالتزاماتهم في الدخول في المناقصات والعطاءات. ٢- إن فيه حداً من التعامل الجشع والتوسع في الأعمال بما ليس في استطاعة الإنسان القيام به مما يعود عليه بالضرر وتنعكس عليه آثاره السيئة

стр. 198

ذلك أن المناقص قد يقدم ضماناً مصرفياً بمبلغ ليس في استطاعته الوفاء به مما قد يضطره في النهاية إلى الخضوع لما تفرضه عليه المصارف من فوائد ربوية لقاء تسديده بمقتضى الضمان الذي التزمته) . اهـ. والله تعالى أعلم.

стр. 199

" ٤ " جهاز الإنعاش وعلامة الوفاة بين الأطباء والفقهاء

стр. 200

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فهذا بحث في: نازلة الإنجاز الطبي الحديث في: حال المريض تحت جهاز الإنعاش وعلامات الوفاة بين الطب والفقه، ليس لي فيه فضل سوى الجمع والترتيب في مباحثه الخمسة وهي: المبحث الأول في: التصور لأجهزة الإنعاش. المبحث الثاني في: حقيقة الوفاة عند الأطباء، وعلاماتها. المبحث الثالث في: حقيقة الوفاة عند الفقهاء، وعلاماتها. المبحث الرابع في: حالات المريض تحت الإنعاش. المبحث الخامس في: التكييف الفقهي لهذه النازلة. وإلى بيانها والله الموفق.

стр. 201

المبحث الأول التصور لأجهزة الإنعاش (١) أجهزة الإنعاش. أجهزة الإنعاش المعقدة. العناية المكثفة. العناية المركزة. إبقاء آلة الطبيب. كلها أسماء لمسمى واحد. ومن مفرداتها: جهاز التنفس الصناعي. جهاز مانع الذبذبات. جهاز التنظيم لضربات القلب. العقاقير. مجموعة الأطباء المدربة ومساعدوهم. حقيقة الإنعاش: إذا أصيب شخص بتوقف القلب أو التنفس نتيجة لإصابة الدماغ

стр. 202

بصدمة مثلاً، الذي به مركز التنفس، أو إصابته بأي عرض آخر كغرق أو خنق، أو مواد سامة، أو جلطة للقلب، أو اضطراب في النبض ... فإنه يترقب الأمل بإنعاش ما توقف من دقات قلبه أو تنفسه إذا أدخل في غرفة الإنعاش " العناية الطبية المكثفة " بوسائلها الحديثة كالمنفسة (جهاز التنفس) ونحوه.

стр. 203

المبحث الثاني علامة الموت عند الأطباء أو نازلة موت الدماغ (١) وبحثها في الفقرات التالية: ١- تاريخها. ٢- تكوين الدماغ. ٣- المفهوم الطبي لموت الدماغ. ٤- علامات موت الدماغ. وبيانها على ما يلي: ١- تاريخها: إن أول من نبه إلى موضوع موت الدماغ هو: المدرسة الفرنسية عام ١٩٥٩ م فيما أسمته " مرحلة ما بعد الإغماء " ثم أعقبتها المدرسة الأمريكية عام ١٩٦٨ م. وأخذت الأبحاث بعد تتسع وتنتشر مبينين عدة أبحاث وهي: تكوين الدماغ، ومفهوم موته، وعلاماته، والخلاف بين الأطباء في كون: موت الدماغ نهاية للحياة الإنسانية، إذ عقدت لهذا مؤتمرات وندوات ومنظمات.

стр. 204

٢- تكوين الدماغ: يتكون الدماغ من أجزاء ثلاثة هي: المخ: وهو مركز التفكير، والذاكرة، والإحساس. المخيخ: ووظيفته توازن الجسم. جذع المخ: وهو المركز الأساس للتنفس والتحكم في القلب، والدورة الدموية. ٣- مفهوم موت الدماغ: هو توقفه عن العمل تماماً وعدم قابليته للحياة. فإذا ما مات المخ أو: المخيخ من أجزاء الدماغ: أمكن للإنسان أن يحيا حياة غير عادية وهي: ما تسمى بالحياة النباتية. أما إذا مات " جذع الدماغ " فإن هذا هو الذي تصير به نهاية الحياة الإنسانية عند أكثر الأطباء على الصعيد الغربي. ويمكن حصر خلاف الأطباء في ذلك على رأيين: الأول: الاعتراف بموت جذع الدماغ: نهاية للحياة الإنسانية بدلاً من توقف القلب والدورة الدموية. الثاني: عدم الاعتراف بموت الدماغ: نهاية للحياة الإنسانية، فيكون الشخص محكوماً بموته على الرأي الأول دون الثاني. ٤- علامات موت الدماغ " جذع المخ ": هي على ما يلي: أ - الإغماء الكامل.

стр. 205

ب - عدم الحركة. ج - عدم التنفس بعد إبعاد جهاز المنفسة. د - عدم وجود أي انفعالات منعكسة. هـ - عدم وجود أي نشاط كهربائي في رسم المخ بطريقة معروفة عند الأطباء. ويشير الطبيب أحمد شوقي إبراهيم إلى ظنية بعض هذه العلامات فيقول كما في كتاب الحياة الإنسانية ص / ٣٧٦: (١- ما هي علامات موت المخ؟ ليس لدينا من العلم في ذلك إلا رسم المخ الكهربائي وهو قطعي في بعض الحالات، ولا يكون كذلك في بعض الحالات، كحالات التسمم بالأدوية المنومة مثلاً) . اهـ. وفيه أيضاً في مبحث فقهي للأستاذ / توفيق الواعي ص / ٤٨٤ قال: (ركز القائلون بالموت إذا فقد المخ الحياة على فقدان الشعور. وهذا لا ينهض دليلاً على الموت وإلا كان المجنون والمغمى عليه والمشلول ميتاً، وهذا ما لم يقل به إنسان إلى اليوم) . اهـ.

стр. 206

المبحث الثالث في حقيقة الموت عند الفقهاء وعلاماته حقيقة الموت عند الفقهاء: الموت يراد به: الوفاة، المنية، المنون، الأجل، الحمام، السام، ونحوها كانقطاع الوتين، وانقطاع الأبهر. جميعها أسماء لمسمى واحد هو: مفارقة الروح البدن. وهذه هي حقيقة الوفاة عد الفقهاء وتكاد كلمتهم تتوارد على هذا، ولم يتم الوقوف على خلافه في كلامهم من أنه مفارقة الروح البدن، بل هو حقيقة شرعية لا يعلم فيها خلاف. والروح قال الله تعالى في شأنها: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فأوقف العقل عند حده وأتي عن الروح بخبر لا يمكن نقضه، هذا على أحد التفسيرين للآية. ولهذا قال البعض لا يجوز الكلام في الروح، لأنه مما استأثر الله بعلمه كما في هذه الآية. والذي عليه الأكثرون الجواز فقالوا الروح جسم نوراني لطيف مشتبك بالبدن اشتباك الماء بالعود الأخضر. قال الله تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ وفي أخرى ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ . والنفخ لا يتحقق إلا في جسم لطيف كما في كتاب: أصول الدين للبزدوي ص / ٢٢٢. وقد جاء حديث عظيم النفع جليل القدر وهو حديث: البراء بن عازب

стр. 207

رضي الله عنه الطويل المشهور بطوله في مسند أحمد رحمه الله تعالى، والذي جمع طرقه: الدارقطني في جزء مفرد، وبسط ابن القيم القول فيه سنداً ومتناً في كتاب " الروح ". قال البراء ﵁: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر إلى أن قال: ثم قال رسول الله ﷺ في شأن قبض روح المؤمن " فتخرج نفسه تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها ملك الموت ". الحديث. وأما الكافر فقال: " فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها " ... الحديث. وفي سورة الحاقة قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ. لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِاليَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ﴾ قال المفسرون: " الوتين: نياط القلب، أي لأهلكناه وهو: عرق يتعلق به القلب إذا انقطع مات صاحبه، قاله ابن عباس وأكثر الناس ". اهـ من تفسير القرطبي ١٨ / ٢٧٦ وذكر أقوالاً بمعناه. وفي باب مرض النبي ﷺ ووفاته من صحيح البخاري في كتاب المغازي ٨ / ١٣١. " قالت عائشة ﵂ كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه: " يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم " اهـ. قال الحافظ ابن حجر في: الفتح ٨ / ١٣١: (قال أهل اللغة: الأبهر، عرق مستبطن بالظهر متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه. وقال الخطابي: يقال أن القلب متصل به) . اهـ.

стр. 208

والأبهر في اصطلاح الطب الحديث باسم " الأورطي " وهو شريان يندفع منه الدم إلى الدماغ وبقية أعضاء الجسم كما في بحث: البار، ص / ٨، وفي إحياء علم الدين للغزالي ٤ / ٤٩٣ نص مهم ترجمه بقوله: الباب السابع: في حقيقة الموت، وما يلقاه الميت في القبر إلى نفخة الصور، ثم قال: بيان حقيقة الموت: (اعلم أن للناس في حقيقة الموت ظنوناً كاذبة قد أخطئوا فيها - فذكرها وأبطلها ثم قال: وكل هذه ظنون فاسدة ومائلة عن الحق، بل الذي تشهد له طرق الاعتبار وتنطق به الآيات والأخبار أن الموت معناه: تغير حال فقط، وأن الروح باقية بعد مفارقة الجسد، إما معذبة وإما منعمة. ومعنى مفارقتها للجسد: انقطاع تصرفها عنه بخروج الجسد من طاعتها فإن الأعضاء آلات للروح تستعملها حتى إنها لتبطش باليد.. إلى قوله: والموت عبارة عن استعصاء الأعضاء كلها، وكل الأعضاء آلات والروح مستعملة لها - إلى أن قال: نعم لا يمكن كشف الغطاء عن كنه حقيقة الموت من لا يعرف الحياة) . اهـ. وعند قول الطحاوي في عقيدته ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين (قال شارحها ص / ٤٤٦ في مبحث: هل تموت الروح أو لا؟) والصواب أن يقال: (موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها..) . اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ٤ / ٢٢٣: (قد استفاضت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بأن الأرواح تقبض وتنعم وتعذب، ويقال لها اخرجي أيتها

стр. 209

الروح الطيبة) . اهـ. الخلاصة: فمن مجموع ما تقدم نستخلص ما يلي: ١- إن حقيقة الوفاة هي: مفارقة الروح البدن. ٢- وأن حقيقة المفارقة: خلوص الأعضاء كلها عن الروح، بحيث لا يبقى جهاز من أجهزة البدن فيه صفة حياتية.

стр. 210

أمارات الوفاة عند الفقهاء ثبت في صحيح مسلم عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: " إن الروح إذا قبض أتبعه البصر ". وفي حديث شداد بن أوس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيراً فإنه يؤمن على ما يقول أهل الميت " رواه أحمد. فشخوص بصر المحتضر علامة ظاهرة على قبض روحه ومفارقتها لجسده. والفقهاء رحمهم الله تعالى يذكرون العلامات والأمارات الظاهرة التي بموجبها يحكم بموت المحتضر كما في حاشية ابن عابدين ١ / ١٨٩، والفتاوى الهندية ١ / ١٥٤، ومختصر خليل ١ / ٣٧، وروضة الطالبين ٢ / ٩٨، وشرح المنهاج ١ / ٣٢٢، والمغني ٢ / ٤٥٢، ومنتهى الإرادات ١ / ٣٢٣. وجماع ما ذكروه من العلامات هي (١) : ١- انقطاع النفس. ٢- استرخاء القدمين مع عدم انتصابهما. ٣- انفصال الكفين. ٤- ميل الأنف.

стр. 211

٥- امتداد جلدة الوجه. ٦- انخساف الصدغين. ٧- تقلص خصيتيه إلى فوق مع تدلي الجلدة. ٨- برودة البدن. وبالجملة فالحكم بالموت بانعدام جميع أمارات الحياة. والملحوظ في هذه الأمارات أنها أدلة وظواهر تدرك بالمشاهدة والحس ويشترك في معرفتها عموم الناس. تنبيه: ويضيف النووي في روضة الطالبين عن الرافعي ٢ / ٩٨ نصاً مهماً عند الشك فيقول: (فإن شك بأن لا يكون به علة، واحتمل أن يكون به سكتة، أو ظهرت أمارات فزع أو غيره، أخر إلى اليقين بتغير الرائحة أو غيره) . اهـ. الخلاصة الجامعة للأبحاث المتقدمة: ١- إن أجهزة الإنعاش: إنجاز طبي مهم في حياة الإنسان. ٢- إن حقيقة الموت عند الفقهاء هي: مفارقة الروح البدن. ٣- إن علامة الموت عند الأطباء هي: موت جذع الدماغ بتعطل جميع وظائفه وأخذه في التحلل، لا موت الدماغ كما هو رأي لبعضهم. ٤- إن علامة الموت عند الفقهاء: توقف القلب والتنفس توقفا تاماً لا رجعة فيه. وهي كذلك عند الأطباء فيما لا يدخل تحت جهاز الإنعاش. ٥- إن لهذه العلامات عند الفقهاء وعند الأطباء أمارات، وأن هذه من الجائز تخلفها عند الفقهاء وعند الأطباء.

стр. 212

واعلم أن الأطباء مع الفقهاء في الحكم على عامة الوفيات بالوفاة بمفارقة الروح البدن فالتقت الحقيقة الطبية مع الحقيقة الشرعية. والبحث لدى الأطباء بالحكم بنهاية الحياة الإنسانية بموت " جذع الدماغ " هو في الحالات التي تدخل تحت جهاز الإنعاش، لهذا فإن البحث يعني في حدود حالات ضيقة وهي: ما يدخل تحت جهاز الإنعاش " لا غير، فإلى بيانها:

стр. 213

المبحث الرابع حالات المريض تحت جهاز الإنعاش (١) قرر الباحثون من الأطباء والعلماء حصر أحوال المريض في غرفة الإنعاش في صور ثلاث: الصورة الأولى: عودة أجهزة المريض من التنفس، وانتظام ضربات القلب و ... إلى حالتها الطبيعية. وحينئذٍ يقرر الطبيب رفع الجهاز لتحقق السلامة وزوال الخطر. الصورة الثانية: التوقف التام للقلب والتنفس، وعدم القابلية لآلة الطبيب. وحينئذٍ يقرر الطبيب موت المريض تماماً بموت أجهزته من الدماغ والقلب، ومفارقة الحياة لهما. فحينئذٍ يقرر الطبيب رفع الجهاز لتحقق الوفاة. الصورة الثالثة: فيها قيام علامات موت الدماغ من الإغماء وعدم الحركة وعدم أي نشاط كهربائي في رسم المخ بآلة الطبيب، لكن بواسطة العناية المركزة وقيام أجهزتها عليه كجهاز التنفس، وجهاز ذبذبات القلب و ... لا يزال القلب ينبض، والنفس مستمر نبضاً وتنفساً صناعيين لا حقيقيين.

стр. 214

وحينئذٍ: يقرر الطبيب موت المريض بموت جذع الدماغ مركز الإمداد للقلب، وقرر أنه بمجرد رفع الآلة عن المريض يتوقف القلب والنفس تماماً.

стр. 215

المبحث الخامس التكييف الفقهي لهذه النازلة أما في الصورتين الأولى والثانية فلا ينبغي الخلاف برفع جهاز الإنعاش لسلامة المريض في الأولى، وتحقق موته في الثانية. وأما في الصورة الثالثة: فهي محل البحث والنظر في هذه النازلة وعليها ترد الأسئلة الثلاثة الآتية: ١- ما حكم رفع جهاز الإنعاش؟ ٢- ما حكم نزع عضو منه كالقلب ونحوه - وهو تحت الإنعاش - لحي آخر؟ ٣- هل تنسحب عليه أحكام الميت من التوارث وغيره. في هذه الصورة التي تحقق فيها موت جذع الدماغ، وقيام نبضات القلب والتنفس بقوة الأجهزة الآلية؟ هذه هي الأسئلة الثلاثة الواردة حالاً على هذه النازلة. ويعد التصور الطبي لها مستخلصاً من كلام الأطباء الباحثين لها، فإن التكييف الفقهي ببيان الحكم التكليفي لهذه الأسئلة الثلاثة هو فرع عن بيان الحكم الشرعي لحقيقة الوفاة عند الأطباء " موت جذع الدماغ " هل هذه الحقيقة مسلمة شرعاً أم لا؟ . وعليه: فبما أن هذه الحقيقة محل خلاف بين الأطباء، وأن علاماتها
следующие страницы →