١- نوع داخلي.
٢- ونوع خارجي معملي.
ومن هذه الصور ما يجمع هذه التقاسيم أو بعضها فضلاً: ماء رجل
وزوجة يلقح ماؤه ببييضة امرأة أجنبية ثم تنقل من وسطها المعملي إلى رحم
زوجته أو أجنبية أخرى سوى صاحبة البييضة. فهذا تلقيح معملي أجنبي
باعتبار البييضة، أجنبي باعتبار الرحم.
هذا ما يمكن فيه تقسيم صور هذه النازلة التي حدثت حتى تاريخه
ووصل إلينا علمها وأصبحت حقيقة تنتظر الفتيا بشأنها.
وبعد هذا فإلى بيان هذه الصور والأساليب على ما يلي كما وردت
محررة مبينة في قرار المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة رقم ٢ في
عام ١٤٠٤ هـ:
للتلقيح الداخلي فيه أسلوبان، وللخارجي خمسة من الناحية الواقعية،
بقطع النظر في حلها أو حرمتها شرعاً، وهي الأساليب التالية:
في التلقيح الاصطناعي الداخلي:
الأسلوب الأول:
أن تؤخذ النطفة الذكرية من رجل متزوج وتحقن في الموقع المناسب
داخل مهبل زوجته أو رحمها حتى تلتقي النطفة التقاء طبيعياً بالبييضة التي
يفرزها مبيض زوجته، ويقع التلقيح بينهما ثم العلوق في جدار الرحم بإذن
الله، كما في حالة الجماع، وهذا الأسلوب يلجأ إليه إذا كان في الزوج
قصور لسبب ما عن إيصال مائه في المواقعة إلى الموضع المناسب.
стр. 247
الأسلوب الثاني:
أن تؤخذ نطفة من رجل وتحقن في الموقع المناسب من زوجة رجل
آخر حتى يقع التلقيح داخلياً ثم العلوق في الرحم كما في الأسلوب
الأول، ويلجأ إلى هذا الأسلوب حين يكون الزوج عقيماً لا بذرة في مائه،
فيأخذون النطفة الذكرية من غيره.
في طريق التلقيح الخارجي:
الأسلوب الثالث:
أن تؤخذ نطفة من زوج وبويضة من مبيض زوجته فتوضعا في أنبوب
اختبار طبي بشروط فيزيائية معينة حتى تلقح نطفة الزوج بييضة زوجته في
وعاء الاختبار ثم بعد أن تأخذ اللقيحة بالانقسام والتكاثر تنقل في الوقت
المناسب من أنبوب الاختبار إلى رحم الزوجة نفسها صاحبة بييضة لتعلق
في جداره وتنمو وتتخلق ككل جنين. ثم في نهاية مدة الحمل الطبيعية تلده
طفلاً أو طفلة. وهذا هو طفل الأنبوب الذي حققه الإنجاز العلمي الذي
يسره الله، وولد به إلى اليوم عدد من الأولاد ذكوراً وإناثاً وتوائم تناقلت
أخبارها الصحف العالمية ووسائل الإعلام المختلفة، ويلجأ إلى هذا
الأسلوب الثالث عندما تكون الزوجة عقيماً بسبب انسداد القناة التي تصل
بين مبيضها ورحمها (قناة فالوب) .
الأسلوب الرابع:
أن يجري تلقيح خارجي في أنبوب الاختبار بين نطفة مأخوذة من
زوج، وبييضة مأخوذة من مبيض امرأة ليست زوجته (يسمونها متبرعة) ثم
стр. 248
تزرع اللقيحة في رحم زوجته.
ويلجأون إلى هذا الأسلوب عندما يكون مبيض الزوجة مستأصلاً أو
معطلاً، ولكن رحمها سليم قابل لعلوق اللقيحة فيه.
الأسلوب الخامس:
أن يجري تلقيح خارجي في أنبوب اختبار بين نطفة رجل وبييضة من
امرأة ليست زوجة له (يسمونهما متبرعين) ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة
أخرى متزوجة.
ويلجأون إلى ذلك حينما تكون المرأة المتزوجة التي زرعت اللقيحة
فيها عقيماً بسبب تعطل مبيضها لكن رحمها سليم وزوجها أيضاً عقيم ويريدان
ولداً.
الأسلوب السادس:
أن يجري تلقيح خارجي في وعاء الاختبار بين بذرتي زوجين، ثم
تزرع اللقيحة في رحم امرأة تتطوع بحملها.
ويلجأون إلى ذلك حين تكون الزوجة غير قادرة على الحمل لسبب
في رحمها، ولكن مبيضها سليم منتج، أو تكون غير راغبة في الحمل
ترفهاً، فتتطوع امرأة أخرى بالحمل عنها.
الأسلوب السابع:
هو السادس نفسه إذا كانت المتطوعة بالحمل هي زوجة ثانية للزوج
صاحب النطفة فتتطوع لها ضرتها لحمل اللقيحة عنها.
стр. 249
وهذا الأسلوب لا يجري في البلاد الأجنبية التي يمنع نظامها تعدد
الزوجات، بل في البلاد التي تبيح هذا التعدد.
هذه هي أساليب التلقيح الاصطناعي الذي حققه العلم لمعالجة
أسباب عدم الحمل.
стр. 250
المبحث السابع
في تنزيل الحكم الشرعي على هذه النازلة
بعد استيعاب التصور لما وصل إليه الطب من طرائق للإنجاب، وبيان
تقاسيمها باعتبارات مختلفة فإن النظر الشرعي يختبر أوصاف المحل بمنظار
الشرع المطهر حتى ينزل هذه الدخولات منزلتها.
لمعرفة المحرم لذاته فهو تحريم غاية لا مجال لإباحته في أي حال.
أو المحرم لما يحف به فهو تحريم وسيلة، وهل يباح بحال؟ أو لا يباح؟؟
والانفصال عن هذا في الفروع الآتية:
الفرع الأول: ماءان أجنبيان في رحم امرأة متزوجة أو أحد المائين
أجنبي.
الفرع الثاني: الماء من الزوجين في رحم الزوجة ذات البييضة بعد
وفاة زوجها.
الفرع الثالث: الماء من الزوجين والرحم أجنبي من الزوجية.
الفرع الرابع: الماء من الزوجين في رحم زوجة له أخرى بتلقيح
داخلي أو خارجي.
الفرع الخامس: الماء من الزوجين في رحم الزوجة ذات البييضة
بتلقيح داخلي أو خارجي. وتأسيساً على هذا التفريع فإلى بيان ما يظهر
فيها شرعاً:
стр. 251
حكم الفرع الأول:
وهو ما كان فيه الماءين أجنبيان سواء في أجنبية الحيوان المنوي
والبييضة أم أحدهما.
فإذا حملت الزوجة من مائين أجنبيين أو من بييضتها وماء أجنبي فهو:
حمل سفاح محرم لذاته في الشرع تحريم غاية لا وسيلة قولاً واحداً.
والإِنجاب منه شر الثلاثة فهو " ولد زنا " وهذا ما لا نعلم فيه خلافاً بين
من بحثوا هذه النازلة.
وهذا ما توجبه الفطرة السليمة وتشهد به العقول القويمة، وقامت عليه
دلائل الشريعة. وقد أبان الشيخ محمود شلتوت عن مجامع الاستدلال في
هذا، في فتاويه ص / ٣٢٨ - ٣٢٩ بما يشفي ويكفي فيحسن الرجوع إليه
فإنه مهم.
حكم الفرع الثاني:
تلقيح ماء الزوجة بعد انفصام عقد الزوجية بوفاة أو طلاق.
حكم الفرع الثالث:
الرحم أجنبي مستعار: فهذان الفرعان يشملهما حكم الفرع الأول وهو
التحريم لعدم قيام الزوجية في الفرع الثاني، ولاختلال رحم الزوجية في
الفرع الثالث الذي هو من دعائم الهيئة الشرعية المحصلة للأبوة والأمومة.
وقد أثبتت الإحصائيات، والأخبار العالمية الموثقة وجود أعداد غير
قليلة من القضايا والمنازعات على المواليد من هذه الطرق بين ذات الرحم
وذات الماء. وبين ذات الرحم وصاحب الماء. وهكذا في سلسلة مشاكل
стр. 252
طويلة الحلقات في ذات البنية الآدمية.
كما أثبتت وجود ربع مليون طفل لا يعرف لهم أب نتيجة التلقيح
الصناعي.
حكم الفرع الخامس:
ما كان فيه الماء من الزوجين في رحم الزوجة ذاتها ذات البييضة حال
قيام الزوجية بتلقيح داخلي أو خارجي، وهذا الفرع محل خلاف كبير بين
علماء العصر على أقوال:
الأول: التحريم فيهما.
الثاني: الجواز فيهما بشروط.
الثالث: الجواز في الداخلي دون الخارجي بشروط.
الرابع: التوقف.
الخامس: أنه من مواطن الضرورات فلا يفتى فيه بفتوى عامة. وعلى
المكلف المبتلى سؤال من يثق بدينه وعلمه.
هذا مع اتفاق الجميع على أن هذا الطريق يحف به عدد من المخاطر
والمحاذير وبيانها على ما يلي:
المخاطر والمحاذير:
إن هذه المخاطر والمحاذير الشرعية هي واردة على جميع أنواع طرق
الإنجاب، لكن لما كانت الأربعة الأولى منها محرمة لذاتها فهو من باب
حرمة الغايات لا الوسائل اكتفى بذلك عن ذكرها معه. أما في هذا الفرع
الخامس فإن هذه المحاذير اعتباراً وعدماً يتأسس عليها القول بالحكم
стр. 253
التكليفي جوازاً أو منعاً.
ويمكن تكييف هذه المحاذير من خلال الأبحاث الصادرة في ذلك
على ما يلي (١) :
١- ففي النسب:
الاحتمال الكبير بحدوث الخطأ بأن تؤخذ عينة من شخص وتنسب
لشخص آخر، فإذا استبدل عمداً أو خطأ ماء رجل أو بييضة امرأة بآخر
تحقق: هدم المحافظة على النسب وحفظه من ضروريات الشرع.
٢- وفي العرض:
فإن هذا المولود الذي حصل بطريقة يكتنفها الإخلال سيعرض هذه
البنية الأنسانية إلى توجيه الشكوك حولها، وتوسيع دائرة الكلام في الوسط
الاجتماعي تصريحاً أو تعريضاً، والمحافظة على العرض من ضروريات
الشرع.
وليست هذه قضايا أعيان لا يحتمل وقوعها في المدينة الواحدة إلا لفرد
أو فردين، بل لها صفة التكاثر والانتشار وتسبيبات يبديها المتاجرون
لتحسين النسل وأمن التشويه، ونحو ذلك، وحينئذٍ على الصعيد بقوة
الوضع: جنس موهوم النسب مقذوف العرض. وهذا ما يأباه دين الله
وشرعه.
١- في مجموعة الضروريات الست التي جاء بها الشرع وهي:
стр. 254
١- حفظ الدين.
٢- حفظ النفس.
٣- حفظ العقل.
٤- حفظ النسب.
٥- حفظ العرض.
٦- حفظ المال.
شرع الله أحكاماً للمحافظة عليها فللمحافظة على النسب شرع الله
حد الزنا، وحرم كل وسيلة تؤدي إليه.
وللمحافظة على العرض: شرع الله حد القذف، وحرم كل وسيلة
تؤدي إليه. وكل هذا محافظة على كيان المسلم وسلامة بنيته ومعنويته
وخلوصها من أي مؤثرعلى قوتها وشرفها حساً ومعنى.
وعليه فإن طريق الإنجاب هذه فيها محاذير على النسب وأخرى على
العرض، بل موجبات للشك في شرعيته أصلاً.
٢- وقد أثبت الواقع الأثيم المطالبة بوجود بنوك المني " مراكز لحفظ
المني ".
وهذه سوق جديدة للمتاجرة بالنطف ووجود طراز جديد لاسترقاق بني
الإنسان فأين هذا من تحططهم على الإسلام ببيع الرقيق.
وعند قيام تلك فإن عامل الحصول على المال ونحن في عصر المادة
والاستمتاع بالخلاق - سيدفع من لا خلاق له بالتغرير بالرجل العقيم بأن
ماءه يصلح للإنجاب فيأتي محله بماء رجل آخر سليم من العقم.. وهذا
ليس ببعيد أبداً فهو امتداد لإفساد قديم عرف بمصر باسم " الصدفة "،
стр. 255
وهي طريقة بدائية تقوم على أساس من التضليل ذلك أن المرأة التي
تشتكي عدم الإنجاب تذهب إلى من نصبت نفسها للعلاج، فتمدها
المتطببة بصدفة فيها " ماء رجل أجنبي " لتضعها في قبلها فتحمل على
أساس أنه دواء، وترتب لها أن يواقعها زوجها بعد فستحملين بإذن الله
تعالى. فحملت المرأة ففوجىء زوجها بهذا، لأنه يعلم أنه عقيم لا يولد
له، فرفعت القضية للمحكمة وانكشفت القصة " قصة الصدفة " واتضح أن
الولد من ماء أجنبي فهو منفي النسب من زوجها.
فهذه القصة عملت عملها تحت ستار العلاج على شكل شعبي،
واليوم تأتي نفس النتيجة على مستوى الطب الحديث بالتلاعب العضوي
في الخلايا الإنسانية.
بل في هذا تجسيد لطموحات أخرى أخذت تستغل في: الحيوان،
والنبات، وبدأ تطبيقها على الإنسان في عدة مظاهر منها:
١- بحث التحكم في جنس الجنين يكون ذكراً أو أنثى.
٢- إشباع الرغبة بجهاز الكتروني.
٣- تكاثر الخلايا الجسدية بتحويلها إلى خلايا جنينية.
٤- وجود إنسان مجتر بخلط خلاياه مع خلايا بهيمية.
والنتيجة: إن هذه نتائج وخلفيات تالية لا يسوغ التمهيد لفتحها
ودخولها على النوع الإنساني بصفة عامة ولا على المسلمين بصفة خاصة.
وعليه: يتعين سد أي وسيلة إلى هذا، وأن هذا الطريق من طرق
الإنجاب هو عتبة الدخول للخوض في هذه البلايا.
٥- إن هذه الطرق موصلة إلى المواليد التوائم ومعلوم ما في هذا من
стр. 256
مضاعفة الخطر على المرأة في حملها ووضعها.. ذلك أن الطبيب عندما
يشفط من مبيض المرأة مجموعة من البييضات قد تصل إلى اثني عشر
بويضة يضعها في طبق الاختبار " أنبوب الاختبار " لتلقيحهن، والطبيب إذا
أدخل بييضة واحدة فإن نسبة النجاح ضئيلة جداً لا تتجاوز ١٠%، ولهذا
وللتطلع لنجاح اللقاح فإنه يدخل بييضتين فأكثر وقد يحصل بإذن الله تعالى
نجاحهما، فتعيش الأم تحت الخوف والخطر. ومعلوم أن الإنسان لا يسوغ
له التصرف في بدنه بما يلحقه الضرر والهلاك.
٦- ومن وراء هذه المخاطر مشكلة أثارت ضجة كبرى في الغرب هي:
أنه من مزاولة العملية المذكورة يبقى لدى الطبيب في المختبر مجموعة من
البييضات الملقحة مجمدة " الأجنة المجمدة " تحسباً لفشل العملية ليقوم
بإعادتها مرة ثانية وهكذا لكن في حال نجاحها ما مصير هذه " الأجنة
المجمدة "؟ .
فهو سبيل لنقلها إلى أجنبي عنها، وهذا ينسحب عليه الحرمة القطعية
كما في النوع الأول من طرق الإنجاب، فقد وجد مجموعة من النساء
يلقحن من ماء رجل واحد فكأنهن أبقار يلقحن من ثور واحد وهو سبيل
لتنميتها في المختبر وإجراء تجارب طبية عليها، وفي هذا اعتداء على
الحرمة الإنسانية.
وهذا السبيل محل جدل عنيف بين الكفرة منعاً وجوازاً؟؟؟ .
وهو سبيل إلا إتلافها حال نجاح العملية وهذا أمر مستبعد في عرف
الأطباء لأنها عملية صعبة يتعسر الحصول عليها وتوفيرها يدر أرباحاً كبيرة،
وخاصة في المستشفيات التجارية.
стр. 257
٧- أثبت الطب ازدياد نسبة تشوهات الأجنة بطريقته الحديثة هذه،
وذلك أن الطب الحديث اكتشف في: الطريق الطبيعي الشرعي للإنجاب
وجود مقاومة للحيوانات المريضة والمصابة في صبغتها، وهذا ما يفتقده
التلقيح الصناعي.
٨- بل ثبت في الواقع الأثيم الظالم، وجود شركات لبيع الأرحام
وتأجيرها، وشركات لبنوك المني وبيع مني العباقرة والفنانين.. وشركات
لبيع الحيوانات المنوية والبييضات.
وقد ثارت قضايا أمام القضاء بأنها مثلاً رغبت ماء رجل أبيض فولدت
أسود أو بالعكس، أو أنها حصلت على ماء رجل مصاب بمرض جنسي،
وهكذا مما يثبت أن الطب الغربي أخذ بتقدمه الجنوني إلى أعمال:
الانهيار الأخلاقي والكيان الإنساني من أساس بنيته.
والله سبحانه لم يمن على خلقه بخلقه لهم إلا بطريق الإنجاب
الشرعي السليم من الشوائب في النسب والعرض.
٩- إن في طريق الإنجاب هذه أبشع صورة للتعري وفحص السوءة أو
السوأتين من رجل أجنبي عنها، بل وربما فريق عمل لها، وعمل الإنجاب
لا يحتسب ضرورة يباح في سبيلها هذا التبذل والهبوط.
هذه مجموعة من المخاطر والمحاذر التي تحصل فعلاً في هذه
الطريق، ويرتقب حصولها فيكون سبباً ووسيلة إليها.
وعليه: فيظهر أن من نزع إلى المنع من باب تحريم الوسائل وما
تفضي إليه من هتك المحارم فإنه قد نزع بحجج وافرة، وما لبس المسلم
стр. 258
في حياته ولآخرته أحسن من لباس التقوى والعزة، وعيشة في محيط الكرامة
الإنسانية وسلامة بنيتها ومقوماتها لتعيش في جو سليم من الوخز والهمس
محافظاً على دينه وعلى نفسه، وكما يحافظ على ماله من الربا وغباره،
يحافظ على نسبه وعرضه من آثاره الضارة عليهما بالشكوك والأوهام التي
تصرع شرفه وعزته، وأخيراً تخل بتماسك أمته وحفظها وصيانتها.
وقد علم من مدارك الشرع أن جملة من المحرمات تحريم وسائل قد
تباح في مواطن الاضطرار والضرورة تقدر بقدرها وعليه:
فإن المكلف إذا ابتلي بهذه فعليه أن يسأل من يثق بدينه وعلمه، والله
تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بكر بن عبد الله أبو زيد
١٠ / ١٠ / ١٤٠٦ هـ
стр. 259
" ٦ "
التشريح الجثماني والنقل
والتعويض الإنساني
стр. 260
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد:
فإن الطبيب يعايش في الوقت الحاضر، أنواعاً من الممارسات الطبية
الفاعلة على بدن الإنسان، في مفردات متعددة من العمليات يجمعها أوعية
ثلاثة:
١- العمليات المجردة.
٢- التشريح.
٣- النقل والتعويض الإنساني.
والعمليات المجردة كالزائدة الدودية، والفتق.. حكمها الجواز شرعاً
بالإجماع، طرداً لقاعدة الشرع في أصل مشروعية الجواز، والذي قد يصل
إلى (الوجوب) إذا توقفت عليه الحياة.
والبحث إنما يكون في متعلقاتها من: التخدير والعلاج بها على
البرء..
والنظر الشرعي هنا يتجاذب معها؟ الحوار في:
١- حرفة التشريح.
٢- وصور النقل والتعويض الإنساني، في دم، أو عضو، أو أنسجة،
أو شرايين..
قد عُقدت لهذا، أو لبعض مفرداته مؤتمرات: وأعدت له ندوات،
وكتبت فيه أبحاث ومؤلفات، وصدرت به فتاوى، بين الإباحة والحظر، في
стр. 261
إطار التفصيل والضوابط والشروط.
فصار لابد من تحرير النظر لتلتقي الحقيقة الشرعية مع الحقيقة
الطبية، إذ الحكم فرع التصور، عسى أن ينتج من هذا: القولُ الصحيح،
المبنيُّ على الدليل الصريح، والنظر الرجيح.
ويجري البحث في هذين على سبيل تخريج النوازل على قواعدها،
وإرجاع الفروع إلى أصولها، وإناطة الأحكام بعللها ومداركها.
لتعلم بعد حين: أن البحث في حكم التشريح للتعلم والتعليم يستلزم
البحث في حصر صور التشريح.
وأن البحث في حكم القرنية، والترقيع، فرع البحث في أحكام النقل
والتعويض الإنساني.
وإن هذين الوعائين، بفروعهما المتكاثرة، والتي زادت في إنجاز
الطب عن عشرة فروع، تلتقي في البحث والاستدلال، وتجاذب الخلاف
واختلاف الأنظار، لأنها تنزع من قوس واحدة: (التصرف الفاعل في بدن
الإنسان إدخالاً وإخراجاً) فهي مشتبكة، اشتباك الروح بالهيكل، وكما أن
محلها بدن الإنسان، فهي تلتقي في المآخذ الشرعية من حيث الأصول
والقواعد الكلية من جهة:
بدن الإنسان في: طهارته، ورعاية حرمته وكرامته، وهل هو مالك لبدنه
أم أمين ووصي عليه، والموازنة بين المصالح والمفاسد، والمنافع
والمضار، في إطار مقصد الشرع في (حفظ النفس) .
والمهم في بيان أحكام هذه النوازل المستجدة تحرير النتيجة الحكمية
стр. 262
من القواعد التي تُخَرَّجُ عليها، وسلامة التخريج، وتثبيت مدرك الحكم
والتعليل، فإنه متى صحت مع الباحث هذه المطالب سهل عليه بإذن الله
تعالى ترتيب الحكم بأمان واطمئنان.
وهذه رؤوس المُقَيَّدات فيها مع أبحاث تمهيدية لها:
المبحث الأول: ما كتب فيها.
المبحث الثاني: حكم التداوي في أصل الشرع.
المبحث الثالث: التاريخ القديم لها.
المبحث الرابع: حصر التصرفات الطبية الفاعلة على بدن الإنسان.
المبحث الخامس: القواعد والأصول الشرعية التي تخرج عليها هذه
النوازل الطبية جوازاً أو تحريماً.
المبحث السادس: التخريج لهذه القضايا عليها:
١- العمليات المجردة.
٢- التشريح.
٣- النقل والتعويض الإنساني.
المبحث السابع: الشروط العامة للنقل والتعويض.
المبحث الثامن: حكم المعاوضات المالية على الدم والأعضاء.
وهذا أوانها، والله الموفق والمعين.
стр. 263
المبحث الأول
وفيه بيان ما كتب في هذه النازلة من:
١- مؤلفات، ورسائل.
٢- أبحاث وأجوبة في مؤلفات.
٣- بحوث مجمعية، مؤتمرات، ندوات.
٤- أبحاث ومقالات في: الدوريات.
٥- الفتاوى.
وهذا تقييدها:
أولاً: المؤلفات والرسائل:
١- الأحكام الشرعية للأعمال الطبية.
تأليف: أحمد شرف الدين. ص / ٢٣ - ١٦٠ - طبع عام ١٤٠٧ هـ
بمصر.
٢- نطاق الحماية الجنائية لعمليات زرع الأعضاء في الشريعة الإسلامية
والقانون الوضعي.
رسالة (دكتوراه) قدمت لكلية الشريعة بالجامعة الأزهرية فرع أسيوط.
стр. 264
تقع في (٨٥٠) صفحة.
٣- نقل الدم وأحكامه الشرعية. تأليف محمد صافي، نشر: مؤسسة
الزعبي، حمص عام ١٣٩٢ هـ.
٤- شفاء التباريح والأدواء في حكم التشريح ونقل الأعضاء.
للشيخ إبراهيم يعقوب - رحمه الله تعالى - طبع بدمشق عام ١٤٠٧ هـ. نشر
مكتبة الغزالي. وهو مهم في بابه لما حواه من النقول المتناثرة.
٥- تعريف أهل الإسلام بأن نقل العضو حرام. لأبي الفضل عبد الله بن
الصديق الغماري.
رسالة في (٢٨) صفحة طبعت عام ١٤٠٧ هـ في دار مصر للطباعة.
٦- تشريح جسم الإنسان لأغراض التعليم الطبي.
بحث: قنديل شاكر شبير. نشر عام ١٩٧٨ م في ليبيا.
٧- زرع الأعضاء بين الحظر والإباحة. أحمد محمود سعيد.
الطبعة الأولى عام ١٤٠٦ هـ. نشر دار النهضة العربية بمصر.
ثانياً: أبحاث وأجوبة في مؤلفات:
٨- الفتاوى السعدية. للشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله تعالى.
بحث فيه جواب عن سؤال ١ / ٣٢٠ - ٣٢٥. طبع عام ١٣٨٨ هـ.
٩- مجموعة بحوث فقهية. تأليف: عبد الكريم زيدان. ص / ١٦٣ -
١٦٤.
стр. 265
١٠- ردود على أباطيل، للشيخ: محمد الحامد - رحمه الله تعالى -
ص / ١٢٥ - ١٢٦.
١١- بحث في تفسير (معارف القرآن) . أردو. لمفتي باكستان: محمد شفيع
(م سنة ١٣٩٦ هـ) رحمه الله تعالى. ترجم جملة منه: محمد برهان
الدين السنبهلي في مجلة البعث الإسلامي عدد / ١ المجلد / ٣٢ لعام
١٤٠٧ هـ. ص / ٦٧ - ٦٨.
١٢- من حقيبة المفتي. تأليف: أحمد العسكري. ص / ١٦٨، ٢١٢،
٢٣٩.
ثالثاً: بحوث مجمعية. مؤتمرات. ندوات.
١٣- ١٥- ثلاثة بحوث في: نزع القرنية من عين إنسان وزرعها في إنسان
آخر، إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة: سماحة
الشيخ / عبد العزيز بن باز. عام ١٣٩٦ هـ و ١٣٩٧ هـ.
١٦- قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية رقم / ٦٦ في عام
١٣٩٨ هـ بشأن نقل القرنية من عين إنسان إلى آخر.
١٧- قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية رقم / ٩٩ لعام
١٤٠٢ هـ بشأن نقل العضو من إنسان حي أو ميت إلى آخر.
١٨- بحث: زراعة الأعضاء الإنسانية في جسم الإنسان. إعداد: الشيخ
عبد الله بن عبد الرحمن البسام. نشر في: مجلة المجمع الفقهي
بمكة العدد / ١ عام ١٤٠٨ هـ السنة الأولى. من ص / ١٣ - ٢٢.
١٩- حكم العلاج بنقل دم الإنسان أو نقل أعضاء أو أجزاء منها. إعداد:
стр. 266
أحمد فهمي أبو سنة. نشر في مجلة المجمع الفقهي بمكة المكرمة
ص / ٢٣ - ٢٦. العدد / ١ السنة / ١ عام ١٤٠٨ هـ. بحث مقدم:
للمجمع الفقهي بمكة. ونشر أيضاً في مجلة التضامن الإسلامي.
٢٠- زراعة الأعضاء الإنسانية في جسم الإنسان. إعداد: محمد رشيد
رضا قباني. نشر في مجلة المجمع الفقهي بمكة ص / ٢٧ - ٣٤.
العدد / ١ السنة / ١ لعام ١٤٠٨ هـ.
٢١ - قرار المجمع الفقهي بمكة - حرسها الله تعالى - في دورته الثامنة
لعام ١٤٠٥ هـ بشأن زراعة الأعضاء.
٢٢- انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً. الطبيب: محمد
علي البار. بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي بجدة، الدورة الرابعة
عام ١٤٠٨ هـ.
٢٣- انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً. إعداد الشيخ
خليل محي الدين الميس. لبنان. بحث مقدم لمجمع الفقه
الإسلامي بجدة عام ١٤٠٨هـ.
٢٤- انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً. للشيخ / محمد
ابن عبد الرحمن، بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي بجدة. الدورة
الرابعة عام ١٤٠٨ هـ.
٢٥- انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسان آخر حياً أو ميتاً. إعداد محمد
سعيد رمضان البوطي. بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي بجدة عام
١٤٠٨ هـ.
٢٦- بحوث بشأن نقل الأعضاء. من محفوظات قسم الطب الإسلامي في
стр. 267
مركز الملك فهد للبحوث الطبية بجامعة الملك عبد العزيز بجدة.
٢٧- المؤتمر الإسلامي الدولي. انعقد في ماليزيا في شهر إبريل عام
١٩٦٩ م. وبحث فيه: نقل قرنية العين، والأعضاء. بواسطة بحث
رئاسة الإفتاء بالرياض: البحث الثالث لعام ١٣٩٧ هـ ص / ٢٢.
٢٨- ندوة نقل الكُلَى. عقدها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية
بالقاهرة عام ١٩٧٨ هـ.
٢٩- ندوة المركز الطبي لنقل الكُلَى في الرياض. محرم عام ١٤٠٨ هـ.
رابعاً: أبحاث ومقالات في الدوريات.
٣٠- تشريح الميت. فتوى: للشيخ يوسف الدجوي. نشرت في مجلة
الأزهر عام ١٣٥٥ هـ العدد / ٧، ٨. المجلد / ٩. وفي مجلة نور
الإسلام. المجلد السابع. وخلاصتها في: شفاء التباريح والأدواء.
٣١- حرمة التشريح. للشيخ محمد عبد الوهاب بحيري. نشر في مجلة
نور الإسلام. وهو رد على مقال الشيخ الدجوي.
٣٢- ورد على الدجوي أيضاً الشيخ العربي بو عياد الطنجي وخلاصته في:
شفاء التباريح والأدواء.
٣٣- استخدام أعضاء الإنسان في جسم غيره من الإنسان، والأخطار
الناشئة عنه. بحث للشيخ أبي الأعلى المودودي. نشر في مجلة
البعث الإسلامي ص / ٥٣ - ٥٥. العدد / ٢ المجلد / ٣٢ لعام
١٤٠٧ هـ.
٣٤- نقل الكُلَى وموقف الإسلام منها. إعداد عبد الرحمن النجار. نشر
стр. 268
في المجلة الجنائية القومية بالقاهرة عام ١٩٧٨ م. العدد / ١.
٣٥- حكم الشريعة الإسلامية في التداوي بالأشياء النجسة ودم الإنسان.
بحث للشيخ برهان الدين السنبهلي. نشر في مجلة البعث الإسلامي
ص / ٦٢ - ٧٣. العدد / ١ المجلد ٣٢ رمضان لعام ١٤٠٧ هـ.
٣٦- حكم الشريعة الإسلامية في زرع الأعضاء الإنسانية. بحث: الشيخ
محمد برهان الدين السنبهلي. نشر في مجلة البعث الإسلامي
ص / ٤٤ - ٥٥. العدد / ٢ المجلد / ٣٢ عام ١٤٠٧ هـ.
٣٧- التصرف في أعضاء الإنسان. إعداد محمد فوزي فيض الله. نشر
في مجلة الوعي الإسلامي. العدد / ٢٧٦. لشهر ذي الحجة عام
١٤٠٧ هـ.
٣٨- الإنسان لا يملك جسده، فكيف يتبرع بأجزائه أو يبيعها، بحث
للشيخ محمد متولي الشعراوي. نشر في مجلة اللواء الإسلامي.
العدد / ٢٢٦. لشهر جمادى الآخرة عام ١٤٠٧ هـ.
خامساً: الفتاوى. وتقدم بعضها، ومنها:
٣٩- فتوى الشيخ محمد بخيت المطيعي. وخلاصتها في شفاء التباريح
والأدواء.
٤٠- فتوى مفتي مصر: الشيخ محمد حسنين مخلوف. في فتاويه
١ / ٣٦٠.
٤١- فتوى الشيخ حسن مأمون في جواز نقل الدم، مفتي مصر سابقاً.
رقم الفتوى / ١٠٦٥.
стр. 269
٤٢- فتوى الشيخ حسن مأمون. مصر. رقم / ١٠٨٧ عام ١٣٧٨ هـ.
٤٣- فتوى الشيخ محمد خاطر. مصر. عام ١٣٩٢ هـ بشأن علاج حروق
الأحياء من جلد الميت بشرطه.
٤٤- فتوى الشيخ أحمد هريدي. مصر. برقم ٩٩٢ عام ١٩٦٦ م بشأن
سلخ القرنية من الميت للحي، بشرطه.
٤٥- فتوى الشيخ جاد الحق علي جاد الحق. مصر. برقم / ١٣٢٣ عام
١٤٠٠هـ بشأن: نقل العضو من إنسان إلى آخر بشرطه.
٤٦- فتوى مفتي سوريا: الشيخ محمد أبو اليسر عابدين. وخلاصتها في
شفاء التباريح والأدواء.
٤٧- فتوى لجنة الإفتاء في المجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر. عام
١٣٩٢ هـ. موجودة بنصها في البحث الثالث من أبحاث اللجنة
الدائمة في رئاسة الإفتاء بالرياض. ص / ١٧ - ٢١.
٤٨- فتوى من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت. رقم / ١٣٢ / ٧٩
عام ١٤٠٠ هـ بشأن نقل الأعضاء من حي أو ميت.
стр. 270
المبحث الثاني
في حكم التداوي
قال العز بن عبد السلام (١) :
" الطب كالشرع، وضع لجلب مصالح السلامة والعافية ولدرء مفاسد
المعاطب والأسقام ".
وقد علم من الشرع بالضرورة مشروعية التداوي، وأن حكمه في
الأصل الجواز، توفيراً لمقاصد الشرع في حفظ النوع الإنساني، المعروف
في ضرورياته باسم " حفظ النفس ".
وقد حُكي الإجماع على أن حكمه الجواز، لكن قيل إن أحكام
التكليف تنسحب عليه، فمنه ما هو واجب، وهو ما يعلم حصول بقاء
النفس به لا بغيره ... (٢) .
فهو يختلف حكماً باختلاف الغاية منه، ومنها (٣) :
١- حفظ الصحة الموجودة.
стр. 271
٢- إعادة الصحة المفقودة بقدر الإمكان.
٣- إزالة العلة أو تقليلها بقدر الإمكان.
٤- تحمل أدنى المفسدتين لإزالة أعظمهما.
٥- تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمهما.
стр. 272
المبحث الثالث
التاريخ القديم لعمليات النقل والتعويض
لقاء تزاحم التطورات الطبية في العصر الحديث، وغرابتها في
الإبداع، وبُعد الإنسان خاصة المسلم عن قراءة التاريخ ومآثر الأسلاف -
ظن أن هذه من مولدات العصر، وأنها منقطعة الاتصال بالقرون الخوالي،
والحال ليس كذلك بل إن تاريخها يرجع إلى ما قبل الإسلام، لدى:
اليونان، والرومان، وسكان الأمريكيتين، والهند.. (١)
لكن كانت بحكم ما يملكونه من وسائل وإمكانات في تلك العصور.
وعليه فالذي حصل إنما هو تطور في التشريح، والترقيع. وامتداده من
الإنسان إلى الإنسان.
والذي يهمنا هنا هو ذكر الوقائع التي حصل الوقوف عليها في سالف
عصور الإسلام منها: يد، ورجل، وأصابع، وشعر للرأس، ولحية،
وأسنان، وشدها بالذهب إلى غير ذلك. وفي (مجلة المجمع العلمي
العراقي) بحث حافل في هذه الوقائع، وبأكثر في " النظائر".
стр. 273
المبحث الرابع
حصر التصرفات الطبية الفاعلة على بدن الإنسان
من أعظم المطالب حصر المتفرق في ضوابط جامعة، وعبارات
مترابطة تكون كالمتن، وما يلحقها كالشرح لها، فإن ذلك أدعى للفهم
وجمع الذهن وعليه:
اعلم أن التصرفات الطبية الفاعلة على بدن الإنسان، تنقسم بحكم
التتبع والاستقراء إلى أقسام ثلاثة:
١- عمليات مجردة: كعملية الفتق، و (الزائدة الدودية) ونحوهما. وهذا لا
يعلم في جوازه خلاف، طرداً لأصل مشروعية التداوي، وستعلم بَعْدُ
مدى انسحاب أحكام التكليف الخمسة على التداوي.
٢- عمليات (النقل والتعويض الإنساني) بين شخصين، أو في الشخص
ذاته في نقولاتها الأربعة: نقل الدم، النقل الذاتي، النقل من حي إلى
حي، النقل من ميت إلى حي. كزراعة الأعضاء ...
٣- حرفة التشريح في واحد من أغراضه الثلاثة، لكشف الجريمة، أو
لكشف المرض، أو للتعلم والتعليم.
وهذان القسمان هما محل التجاذب، والنزاع بين أهل العلم في
مفرداتهما بالجملة، فمنها ما هو محل نزاع قوي كنقل عضو من حي إلى
حي، ومنها ما هو محل خلاف ضعيف كنقل دم من حي إلى حي، ومنها
стр. 274
ما هو متفق على تحريمه كنقل مضر بالحي إلى حي، ومنها ما ليس محل
خلاف على جوازه كترقيع الشفة من بدن الحي ذاته. وتحرير النظر فيها
تراه بعد تحرير التصور الطبي الواقعي لها وهذا أوانها.
стр. 275
المبحث الخامس
القواعد والأصول الشرعية التي تخَُرَّجُ عليها هذه النوازل
الطبية
يمكن إجمال القول في تصنيف مهماتها إلى ما يلي:
١- طهارة الآدمي:
القاعدة الفقهية أن (ما أُبين من حي فهو كميتته) . للحديث في
ذلك، - ويأتي - أي: كميتته طهارة ونجاسةً فما أُبين من بهيمة الأنعام وهي
حية فله حكم الميتة منها حتف أنفها (النجاسة) أي فهو نجس.
وما أبين من السمك والجراد وهو حي فله حكم الميتة منها (الطهارة)
أي: فهو طاهر.
قالوا: والكافر نجس، فما أبين منه حياً أو ميتاً فهو نجس، لقوله
تعالى ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ ، وللأمر باغتساله إذا أسلم.
والآدمي المسلم ميتته نجسة، فما أبين منه وهو حي فله حكم
ميتته " النجاسة " فهو نجس. وبدليل تغسيله بعد موته.
وعليه: فإن ترقيع المسلم بما هو نجس فيه إخلال بواجبات الشريعة
كصحة الصلاة. لكن هذا التقعيد يرد عليه أمور:
أولاً: أن تعلم أن أصل قول الفقهاء رحمهم الله تعالى ما أبين من
стр. 276
حي فهو كميتته) يذكرونه في بابي الطهارة، والصيد، ويريدون ما أبين من
حيوان مأكول.
وأصل هذا قد ورد مقيداً بالبهيمة في حديث أبي واقد الليثي رضي
الله عنه، وحديث ابن عمر ﵄، وحديث أبي سعيد الخدري
﵁، وحديث تميم الداري ﵁.
وهذا الحديث له قصة وهي كما في رواية أبي واقد ﵁
قال:
(كان الناس في الجاهلية قبل الإسلام يجبُّونَ أسنمة الإبل ويقطعون
إليات الغنم، فيأكلونها، ويحملون منها الوَدَك، فلما قدم النبي ﷺ سألوه
عن ذلك، فقال:
" ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت " رواه أحمد، وابن الجعد،
وأبو يعلى، وأبو داود، والترمذي، والدارمي، والدارقطني، والطبراني، وابن
عدي، والحاكم، والبيهقي.
ترجم عليه أبو داود في الصيد بقوله: باب في صيد قُطِعَ منه قطعة.
وترجم عليه الترمذي في الصيد بقوله: باب ما جاء: ما قطع من الحي
فهو ميت.
وترجم له البيهقي ترجمتين في الطهارة بقوله: باب المنع من الانتفاع
بشعر الميتة، وفي الصيد بقوله: ما قطع من الحي فهو ميتة.
وأما حديث ابن عمر فهو بلفظ: ما قطع من البهيمة وهي حية فهو
ميت، رواه ابن ماجه، والبزار، والدارقطني.
وحديث أبي سعيد: " ما قطع من حي فهو ميت " رواه الحاكم.
стр. 277
ورواه أبو نعيم في الحلية وابن عدي في الكامل: كل شيء قطع من
الحي فهو ميت.
وحديث تميم الداري ﵁ بلفظ: " ما أخذ من البهيمة وهي
حية فهو ميت ". رواه الطبراني. وابن عدي.
ورواه ابن ماجه بسنده عنه بلفظ: " يكون في آخر الزمان قوم يجبون
أسنام الإبل، ويقطعون إليات الغنم، ألا فما قطع من حي فهو ميت ".
وهذا اللفظ فيه: الهذلي وهو متروك.
هذا الحديث مقيد بسببه ولفظه بالبهيمة، فلا يتجاوزها إلى غيرها والله
أعلم.
وقد قال المناوي في شرحه له ٥ / ٤٦١: (فإن كان طاهراً فطاهر، أو
نجساً فنجس، فيد الآدمي طاهرة، وإلية الخروف نجسة، ما خرج عن ذلك
إلا نحو شعر المأكول وصوفه وريشه ووبره ومسك فأرته فإنه طاهر لعموم
الاحتياج له) اهـ.
ثانياً: وأما آية التوبة / ٢٨ ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فقد علم أن النجاسة
أنواع:
نجاسة خبث وحدث، ونجاسة عينية وحكمية.
والمراد بنجاسة المشركين في هذه الآية هي النجاسة الحكمية. وعلى
هذا المحققون من المفسرين بدليل: أن سؤر اليهودي والنصراني طاهر،
وآنيتهم التي يضعون فيها المائعات ويغمسون فيها أيديهم طاهرة، وقد أباح
الله للمسلمين التزوج بالكتابيات ولم يوجب عليهم غسل الأيدي عند
стр. 278
ملامستهم أو غسل ما لامسوه وهكذا - (٢١ / ٦٧ الفتاوى) . وأما غُسل الكافر
عند إسلامه، فليس لنجاسته ولكن لما عسى أن يكون عليه من جنابة،
وإعلاناً بغسل الكفر وحبه للإسلام.
وأما تغسيل المسلم بعد وفاته فهو أمر تعبدي، لم يعلله أحد
بالنجاسة، إذ لو كان نجساً ويطهر بالغسل لما صلى النبي ﷺ على قتلى
أحد وغيرهم من الشهداء، بلا غسل لهم. فغسل المسلم الميت، لأنه
قادم على ربه فيكون في طهارة من الحدث متيقنة، والله أعلم.
وبناء على ما تقدم، فلم يظهر دليل يفيد نجاسة بدن الآدمي مسلماً
كان أو كافراً، فالكافر طاهر طهارة نسبية، والمسلم طاهر البدن طهارة
كاملة، ولهذا ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي
ﷺ لقيه في بعض طرق المدينة وهو جُنُب، قال: فانخنست منه، فذهبت
فاغتسلت ثم جئت، فقال أين كنت يا أبا هريرة قال: كنت جنباً فكرهت
أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال ﷺ : " سبحان الله إن المؤمن لا
ينجس ".
وقال البخاري: قال ابن عباس: المسلم لا ينجس حياً أو ميتاً.
٢- بدن الإنسان (١) :
يتردد البحث في بدن الإنسان، قولاً، وتخريجاً على بعض القواعد
الأصولية، والقواعد الفقهية الكلية - بعبارات كلها بمعنىً:
стр. 279
فيقال: بدن الإنسان مملوك له أو لا.؟
ويقال: بدن الإنسان مملوك له أم هو أمين ووصي عليه.؟
ويقال: بدن الإنسان حق لله، أو حق للعبد، أو فيه الحقان وأي:
الحقين أغلب.؟
ثم إذا قيل بملكية الآدمي لبدنه، وأحقيته له، فهل هي مثل تملكه
للمال والمتاع، تدخل عليه مطلق التصرفات من بيع، وهبة، وتبرع
وإسقاط، ونحو ذلك مما يدور في محيط المصلحة، وتحقيقها كالشأن في
التصرف في الأموال لا يكون إلا بدائرة المصالح، فلو كان مبذراً سفيهاً،
حُجر عليه، ومُنع من التصرف في ماله، وأُقيم عليه وصي لإدارة شؤونه
على ضوء المصلحة.
وإذا قيل بأنه حق لله تعالى، فهل حق الله سبحانه: هو الاستعباد.
وحق العباد: الاستعمال والاستمتاع، والانتفاع؟ فكما أن له في حال
الجناية عليه: حق الإسقاط وأخذ العوض، والمجازاة في العمد عليه، فله
حق التصرف ابتداء في عضو ونحوه تبرعاً كما أن له بنص الشرع الخوض
في معارك الجهاد الشرعي، وإلقاء نفسه حال المسايفة والمبارزة ومقاتلة
المشرك لينال سلبه.
كل هذا محل تجاذب ونظر، ولم ينفصل عن راقموه بكبير شأن، وإن
كان أظهرها اجتماع الحقين: حق الله، وحق عبده، والأخذ بأحدهما
يختلف باختلاف الأحوال والتصرفات ومعلوم أن ما اجتمع فيه الحقان فإن
إسقاط العبد لحقه مشروط بعدم إسقاط حق الله تعالى، وحق الله تعالى
هو الغاية من خلق الآدميين ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
فليس له حق التصرف في بدنه بما يضر في الغاية من خلقه ولا بما
стр. 280
يخدشها. والله أعلم.
٣- قاعدة الشريعة في حفظ " الضروريات الخمس " والمعروفة أيضاً باسم:
مقاصد الإسلام الخمسة وهي:
حفظ الدين.
فحفظ النفس.
فحفظ العقل.
فحفظ النسل " والعرض ".
فحفظ المال.
ومسائلها في الشرع معلومة. والقصد هنا ما يتعلق بثانيها رتبة " حفظ
النفس " وعليه:
فاعلم أن " حفظ النفس " بما أنه من مقاصد الشرع الكلية ومقاصده
الضرورية، فقد أحاطته الشريعة بكل ما يمنع النيل من هذه الصيانة،
والحفظ في إطارات كلية وجزئية، منها ما يلي:
أ - أن حرمة دم المسلم أو أي عضو منه، وعصمته. ذلك مما عُلم من
الدين بالضرورة، والنصوص بهذا متظاهرة فلا يجوز الاعتداء عليه
بقتل، أو خدش فأكثر، ولا قتل نفسه ولا العبث ببدنه، والتصرف فيه
بما يضره ولا ينفعه كالخصاء، والوسم، والوشم، ونحوه. سوى ما كان
لموجب شرعي من حد أو قود في نفسه أو طرف، أو بتر عضو من
مريض لمرضه حتى لا يسري إلى بدنه.
ب - أن الشرع رتب التدابير الجزائية الرادعة عن الاعتداء عليه من
قصاص، ودية، وكفارة، وإثم.
стр. 281
ج - أنه لا يباح شيء من بدنه بالإباحة، فكما يحرم على الإنسان: قتل
نفسه، أو قطع عضو منه، فيحرم عليه إباحة شيء من ذلك لغيره.
قال القرافي في " الفروق ": " وحرم الله القتل والجرح، صوناً لمهجته،
وأعضائه، ومنافعها عليه، ولو رضي العبد بإسقاط حقه من ذلك، لم يعتبر
رضاه، ولم ينفذ إسقاطه ".
ونحوه في (الموافقات) للشاطبي، وفي (كشاف القناع) .
د - وإلى أبعد من هذا ذهب بعض أهل العلم فقالوا بوجوب القصاص على
من جرح ميتاً أو كسر عظمه، لعموم آيات القصاص.
وممن قال بذلك ابن حزم رحمه الله تعالى (١) .
هـ - حماية الشرع له قبل ولادته، فأوجبت الدية في الجناية على الجنين،
مع الإثم (٢) .
و تحريم الإجهاض، فلو أجهضت أمه لوجبت عقوبتها بديته لورثته (٣) .
ز - النهي عن تمني الموت لضر نزل به، والأحاديث في هذا في الصحاح
من حديث أنس، وأبي هريرة وغيرهما كحديث خباب ﵁ " لا
تتمنوا الموت " رواه أحمد وابن ماجه وغيرهما.
ح - حث المسلم على إنقاذ الأنفس من الهلكة، وأن ذلك من أعظم
стр. 282
القربات، وأجل الطاعات، قال الله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى
بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا
قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ .
ومن أسباب الهلاك (المرض) فبذل السبب من المسلم لأخيه في إنقاذه
من مرضه، إنقاذ له من الهلاك بأي سبب من علاج، أو تغذيته بدم مضطر
إليه ...
ط - تحريم التمثيل به تشفياً وانتقاماً، وإهانة وإيذاء، وإهداراً لحرمته
وكرامته، وتغييراً لخلق الله كالتمثيل في الحروب والمعارك وكتغيير خلق
الله مثل: خصاء الآدمي، والوسم، والوشم، والتنمص، والتفلج، ووصل
شعر الرأس من آدمي بآخر.
والنصوص في هذا متظاهرة من الكتاب والسنة، قال الله تعالى عن
عدوه إبليس: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ
اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٩] .
فهذه الآية: تشمل ما ذكر، وتشمل نقل عضو من عين ونحوها، حتى
ولو كان لا يضر المنقول منه مطلقاً مثل نقل شعر من آدمي لوصله في رأس
آخر.
وقد كان نزول هذه الآية في " فقء عيون الأنعام، وشق آذانها " والعبرة
بعموم ألألفاظ لا بخصوص الأسباب، ويشهد لهذا العموم، حديث ابن
مسعود ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : " لعن الله الواشمات،
والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله
تعالى. مالي لا ألعن ما لعن رسولُ الله ﷺ ، وهو في كتاب الله تعالى".
стр. 283
وفي الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر ﵂، قالت:
جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن لي ابنة عريساً
أصابها حصبة، فتمزق شعرها أفأصله؟ فقال: " لعن الله الواصلة
والمستوصلة ".
فهذا يدل على أمرين:
١- أن العلاج بنقل عضو لا يجوز، للوعيد المذكور، فهو مثله.
٢- أن من أصيب بداء من ذلك لا يجوز التعالج بتعويضه من بدن إنسان
آخر. وهذا تغيير لخلق الله.
ولهذا قال النووي رحمه الله تعالى في وجه الدلالة من هذه
الأحاديث (١) : إن وصلت بشعر رجل أو امرأة، وسواء شعر المحرم والزوج،
وغيرهما بلا خلاف، لعموم الأحاديث، ولأنه يحرم الانتفاع بشعر الآدمي
وسائر أجزائه، لكرامته، بل يدفن (٢) شعره وظفره، وسائر أجزائه. اهـ.
وفي تفسير هذه الآية تكلم القرطبي على حرمة خصاء الآدمي ونقل
عن ابن عبد البر قوله: (لا يختلف فقهاء الحجاز، وفقهاء الكوفة، أن خصاء
بني آدم لا يحل، ولا يجوز لأنه مُثْلَة، وتغيير لخلق الله تعالى وكذلك قطع
سائر أعضائهم في غير حد ولا قود) اهـ.
وقال النووي - رحمه الله تعالى - أيضاً: (ولا يجوز أن يقطع - أي
الآدمي - لنفسه من معصوم غيره بلا خلاف، وليس للغير أن يقطع من
стр. 284
أعضائه شيئاً ليدفعه إلى المضطر بلا خلاف) اهـ.
لكن هذا الوجه من الاستدلال في حرمة التمثيل على حرمة النقل
والتعويض والتشريح فيه نظر لما يلي: وهو أن الأمور بمقاصدها، فالتمثيل
المحرم هو المبني على التشفي والحقد والانتقام والإيذاء. لهذا جاز
القصاص في النفس وما دونها: " العين بالعين، والسن بالسن، والبادئ
أظلم " ولم يعد مثلة محرمة، فتلحق بالتمثيل المحرم، بل هذا عين العدل
لأنه مبني على العقوبة بالمثل.
وهكذا يمكن أن يقال في التشريح لجثة الميت لكشف الجريمة مثلاً
لمصلحته ومصلحة وارثه، ومصلحة أمن الجماعة.
وهكذا في النقل والتعويض الإنساني فهذا والله أعلم يعد من باب
الإحسان والإيثار. فالصورة في قلع العين كما ترى واحدة، والنتيجة
الحكمية مختلفة. فقلع العين كفعل العرنييْن مثلة محرمة، وقلع القرنية من
العين لمصلحة حي لا يحتسب مثلة بل يحتسب إحساناً، وقلع العين
قصاصاً يعتبر عدلاً. والله أعلم.
ي - رعاية حرمة المسلم ميتاً كرعاية حرمته حياً.
وقد جاءت النصوص بتحريم كسر عظم الميت والنهي عن إيذائه،
والنهي عن وطء قبره..
عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " كسر عظم الميت ككسر
عظم الحي " رواه أبو داود، وابن ماجه، والدارقطني، ولفظه: " كسر عظم
الميت ككسر عظم الحي في الإثم ".
ورواه ابن أبي شيبة بلفظ: " أذى المؤمن في موته كأذاه في حياته ".
стр. 285
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لأن يجلس
أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده، خير له من أن
يجلس على قبر " رواه مسلم والأربعة.
وجه الاستدلال:
إذا كانت حرمة المسلم ميتاً مساوية لحرمته حياً فكيف تكون الجرأة
بهتك حرمته، من تمزيق بدنه بتشريحه، وانتزاع عضو بل أعضاء منه.
قال الحافظ ابن حجر: (يستفاد منه أن حرمة المؤمن بعد الموت باقية
كما كانت في حياته) اهـ.
ك - الحجر والمنع للمتطبب الجاهل رعاية للنوع البشري من العبث،
وتضمينه (١) " من تطبب ولم يُعلم منه طب فهو ضامن " رواه أبو داود،
والنسائي، وابن ماجه، والحاكم.
٤- الموازنة بين المصالح والمفاسد، والمنافع والمضار. ثم هذه القاعدة
العظيمة التي تعني الحفظ العام، والرعاية الشاملة لهذه المقاصد الخمسة
بجزئياتها، تدور مفرداتها في قاعدة الشريعة الأخرى وهي: (الموازنة
... الخ) . فإن تغالبتا فالحكم للغالبة منهما، وإن تساوتا قُدّم الحظر درءاً
للمفسدة.
٥- اعتبار المصالح. ثم إن (المصلحة في الشرع) ، وهي مفسرة بما يعني:
جلب المنفعة، ودفع المضرة، تحقيقاً لأي من المقاصد الخمسة المذكورة
- هي بالاعتبار لا تخلو من واحدة من ثلاث: