← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 10776

فقه النوازل

بكر أبو زيد

Полный текст (480 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ج - أنه لا يباح شيء من بدنه بالإباحة، فكما يحرم على الإنسان: قتل نفسه، أو قطع عضو منه، فيحرم عليه إباحة شيء من ذلك لغيره. قال القرافي في " الفروق ": " وحرم الله القتل والجرح، صوناً لمهجته، وأعضائه، ومنافعها عليه، ولو رضي العبد بإسقاط حقه من ذلك، لم يعتبر رضاه، ولم ينفذ إسقاطه ". ونحوه في (الموافقات) للشاطبي، وفي (كشاف القناع) . د - وإلى أبعد من هذا ذهب بعض أهل العلم فقالوا بوجوب القصاص على من جرح ميتاً أو كسر عظمه، لعموم آيات القصاص. وممن قال بذلك ابن حزم رحمه الله تعالى (١) . هـ - حماية الشرع له قبل ولادته، فأوجبت الدية في الجناية على الجنين، مع الإثم (٢) . و تحريم الإجهاض، فلو أجهضت أمه لوجبت عقوبتها بديته لورثته (٣) . ز - النهي عن تمني الموت لضر نزل به، والأحاديث في هذا في الصحاح من حديث أنس، وأبي هريرة وغيرهما كحديث خباب ﵁ " لا تتمنوا الموت " رواه أحمد وابن ماجه وغيرهما. ح - حث المسلم على إنقاذ الأنفس من الهلكة، وأن ذلك من أعظم

стр. 282

القربات، وأجل الطاعات، قال الله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ . ومن أسباب الهلاك (المرض) فبذل السبب من المسلم لأخيه في إنقاذه من مرضه، إنقاذ له من الهلاك بأي سبب من علاج، أو تغذيته بدم مضطر إليه ... ط - تحريم التمثيل به تشفياً وانتقاماً، وإهانة وإيذاء، وإهداراً لحرمته وكرامته، وتغييراً لخلق الله كالتمثيل في الحروب والمعارك وكتغيير خلق الله مثل: خصاء الآدمي، والوسم، والوشم، والتنمص، والتفلج، ووصل شعر الرأس من آدمي بآخر. والنصوص في هذا متظاهرة من الكتاب والسنة، قال الله تعالى عن عدوه إبليس: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٩] . فهذه الآية: تشمل ما ذكر، وتشمل نقل عضو من عين ونحوها، حتى ولو كان لا يضر المنقول منه مطلقاً مثل نقل شعر من آدمي لوصله في رأس آخر. وقد كان نزول هذه الآية في " فقء عيون الأنعام، وشق آذانها " والعبرة بعموم ألألفاظ لا بخصوص الأسباب، ويشهد لهذا العموم، حديث ابن مسعود ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : " لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله تعالى. مالي لا ألعن ما لعن رسولُ الله ﷺ ، وهو في كتاب الله تعالى".

стр. 283

وفي الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر ﵂، قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن لي ابنة عريساً أصابها حصبة، فتمزق شعرها أفأصله؟ فقال: " لعن الله الواصلة والمستوصلة ". فهذا يدل على أمرين: ١- أن العلاج بنقل عضو لا يجوز، للوعيد المذكور، فهو مثله. ٢- أن من أصيب بداء من ذلك لا يجوز التعالج بتعويضه من بدن إنسان آخر. وهذا تغيير لخلق الله. ولهذا قال النووي رحمه الله تعالى في وجه الدلالة من هذه الأحاديث (١) : إن وصلت بشعر رجل أو امرأة، وسواء شعر المحرم والزوج، وغيرهما بلا خلاف، لعموم الأحاديث، ولأنه يحرم الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه، لكرامته، بل يدفن (٢) شعره وظفره، وسائر أجزائه. اهـ. وفي تفسير هذه الآية تكلم القرطبي على حرمة خصاء الآدمي ونقل عن ابن عبد البر قوله: (لا يختلف فقهاء الحجاز، وفقهاء الكوفة، أن خصاء بني آدم لا يحل، ولا يجوز لأنه مُثْلَة، وتغيير لخلق الله تعالى وكذلك قطع سائر أعضائهم في غير حد ولا قود) اهـ. وقال النووي - رحمه الله تعالى - أيضاً: (ولا يجوز أن يقطع - أي الآدمي - لنفسه من معصوم غيره بلا خلاف، وليس للغير أن يقطع من

стр. 284

أعضائه شيئاً ليدفعه إلى المضطر بلا خلاف) اهـ. لكن هذا الوجه من الاستدلال في حرمة التمثيل على حرمة النقل والتعويض والتشريح فيه نظر لما يلي: وهو أن الأمور بمقاصدها، فالتمثيل المحرم هو المبني على التشفي والحقد والانتقام والإيذاء. لهذا جاز القصاص في النفس وما دونها: " العين بالعين، والسن بالسن، والبادئ أظلم " ولم يعد مثلة محرمة، فتلحق بالتمثيل المحرم، بل هذا عين العدل لأنه مبني على العقوبة بالمثل. وهكذا يمكن أن يقال في التشريح لجثة الميت لكشف الجريمة مثلاً لمصلحته ومصلحة وارثه، ومصلحة أمن الجماعة. وهكذا في النقل والتعويض الإنساني فهذا والله أعلم يعد من باب الإحسان والإيثار. فالصورة في قلع العين كما ترى واحدة، والنتيجة الحكمية مختلفة. فقلع العين كفعل العرنييْن مثلة محرمة، وقلع القرنية من العين لمصلحة حي لا يحتسب مثلة بل يحتسب إحساناً، وقلع العين قصاصاً يعتبر عدلاً. والله أعلم. ي - رعاية حرمة المسلم ميتاً كرعاية حرمته حياً. وقد جاءت النصوص بتحريم كسر عظم الميت والنهي عن إيذائه، والنهي عن وطء قبره.. عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: " كسر عظم الميت ككسر عظم الحي " رواه أبو داود، وابن ماجه، والدارقطني، ولفظه: " كسر عظم الميت ككسر عظم الحي في الإثم ". ورواه ابن أبي شيبة بلفظ: " أذى المؤمن في موته كأذاه في حياته ".

стр. 285

وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر " رواه مسلم والأربعة. وجه الاستدلال: إذا كانت حرمة المسلم ميتاً مساوية لحرمته حياً فكيف تكون الجرأة بهتك حرمته، من تمزيق بدنه بتشريحه، وانتزاع عضو بل أعضاء منه. قال الحافظ ابن حجر: (يستفاد منه أن حرمة المؤمن بعد الموت باقية كما كانت في حياته) اهـ. ك - الحجر والمنع للمتطبب الجاهل رعاية للنوع البشري من العبث، وتضمينه (١) " من تطبب ولم يُعلم منه طب فهو ضامن " رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم. ٤- الموازنة بين المصالح والمفاسد، والمنافع والمضار. ثم هذه القاعدة العظيمة التي تعني الحفظ العام، والرعاية الشاملة لهذه المقاصد الخمسة بجزئياتها، تدور مفرداتها في قاعدة الشريعة الأخرى وهي: (الموازنة ... الخ) . فإن تغالبتا فالحكم للغالبة منهما، وإن تساوتا قُدّم الحظر درءاً للمفسدة. ٥- اعتبار المصالح. ثم إن (المصلحة في الشرع) ، وهي مفسرة بما يعني: جلب المنفعة، ودفع المضرة، تحقيقاً لأي من المقاصد الخمسة المذكورة - هي بالاعتبار لا تخلو من واحدة من ثلاث:

стр. 286

١- مصلحة شهد الشرع باعتبارها، كالحدود. ٢- مصلحة لم يشهد الشرع لها بالاعتبار، بل هي منحطة عن مصالحه المعتبرة. وهي ما شهد النص بإلغائها. كقول من قال من العلماء: بوجوب كفارة الصيام دون الإعتاق على من جامع من الملوك في نهار رمضان، وهو صائم. ٣- وثالثة لم يشهد لها الشرع نصاً بأي من هذين الاعتبارين، وهذه تسمى (المصلحة المرسلة) . وسميت مرسلة لعدم ورود النص بها. ٦- مراتب المصالح: ثم هذه المصالح المرسلة تدور بين رتب ثلاث: ١- مرتبة الضرورة. ٢- مرتبة الحاجة. ٣- مرتبة التحسين. فما يتطلبه بدن الآدمي الحي من بدن إنسان آخر لا يخلو أن يكون أمراً تحسينيا تجميلياً فهل تنتهك حرمة بدن الميت مثلاً لغرض تحسيني.؟ ومثله في غير الآدمي: يسير الذهب في الإناء كالضبة. وإما أن يكون حاجياً بمعنى أن يكون مكملاً لعمل كفائي في بدن الإنسان، دون منزلة الضرورة. فهل تنتهك حرمة الانتهاك لغرض حاجي..؟ ومثل الحاجة في غير الآدمي: يسير الفضة التابع كما في حديث أنس ﵁: " إن قدح رسول الله ﷺ لما انكسر شعب بالفضة "، وإما أن يكون ضرورياً بمعنى توقف حياته عليه. فهذا انتهاك حرمة بدن ميت بجانب العمل على حياة آدمي معصوم، فما الحكم.؟

стр. 287

٧- قواعد دفع الضرر ورفع المشقة: ١- الضرر يزال. ٢- والضرورات تبيح المحظورات. ٣- ويرتكب أخف الضررين لدفع أعظمهما. ٤- ويتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام. ٥- والضرورة تقدر بقدرها. ٦- والمشقة تجلب التيسير. ٧- والأمر إذا ضاق اتسع. ثم الضرورات إذا حصلت، فإن: الضرر يزال، والضرورة تبيح المحظور، والمشقة تجلب التيسير. وتأسيساً على هذه القواعد المترابطة الآخذ بعضها بحجز بعض، جالت أنظار العلماء المتقدمين في عدد من الفروع الفقهية في غذاء الآدمي عند الاضطرار أو دوائه وأشياء أخرى كلها واردة على مقصد الشرع في ضرورة (حفظ النفس) - بين الجواز والمنع، والقبول والكراهة، أسوق رؤوس المسائل فيها دون التعرض لذكر الخلاف فضلاً عن تحريره، لأن هذا مما يطول، ولا يعنينا هنا تحرير الحكم البات في كل مسألة بعينها، أكثر مما يعنينا ذكرها وإن أنظار العلماء جالت فيها، وإن كان الأكثر على جواز أكثرها وقلَّ كتاب من كتب المذاهب المعتبرة إلا ويذكرها أو بعضها لعموم البلوى، وقد ذكر أكثرها: العز بن عبد السلام في (قواعد الأحكام ١ / ٨٦ - ٩٨) في مبحث: (ما لا يمكن تحصيل مصلحته إلا بإفساد بعضه) .

стр. 288

وابن قدامه في (المغني ٩ / ٤١٧ - ٤١٩، ١١ / ٧٨ - ٨٠) وأتى على عامة النقول من المذاهب الأربعة اليعقوبي في: (شفاء التباريح والأدواء ص / ٤٥ - ٧٤) وإلى رؤوس المسائل فيها. ١- شق بطن المرأة الميتة التي في بطنها حمل متحرك يضطرب، وفي هذا إنقاذ لحياة معصوم، وهي مصلحة أعظم من مفسدة انتهاك حرمة الميت (١) . لكن هذا الشق يطابق وظيفة الأم الطبيعية، وقد توصل الطب الحديث إلى عمله في المرأة الحية، إذا تعسرت ولادتها، فهو عملية مجردة في محل واحد، هو: الميت متصلاً به حي أو حي متصل به ميت أو حي، ولا سبيل إلى إنقاذ الحي إلا بهتك حرمة وعائه (الحي المتلبس به) بخلاف المفارق كأخذ عضو من ميت إلى حي آخر فلا مماسة، فافترقا، فبطل إذاً التنظير والقياس للاستدلال بها في النقل من ميت إلى حي. والله أعلم.

стр. 289

٢- رمي من تترس به الكفار من أسارى المسلمين في الحرب (١) . ٣- رمي الكفار بالمنجنيق إذا تترسوا بالحصون، وإن كان فيهم النساء والأطفال (١) . ٤- أكل المضطر لحم آدمي ميت إذا لم يجد غيره مما يؤكل لسد رمقه (٢) : قال الحنابلة لا يجوز، وقال الشافعية والحنفية يجوز، لأن حرمة الحي أعظم. ٥- بقر بطن الميت إذا ابتلع دنانير للغير (٣) . لكن هذا جاز شق بطنه لأنه هتك حرمة نفسه بتعديه على مال الغير كالسارق إذا سرق قطعت يده. والله أعلم. ٦- استهام ركاب السفينة لإلقاء بعضهم في حال مشاهدة العطب تلافياً للغرق (٤) .

стр. 290

٧- وصل عظم الرجل بعظم أنثى وعكسه. قال عبد الحميد الشرواني في حاشيته على تحفة المحتاج شرح المنهاج (١) : " يجوز للذكر الوصل بعظم الأنثى وعكسه، ثم قال: وينبغي أن لا ينقض وضوءه، ووضوء غيره به، وإن كان طاهراً، ولم تحلّه الحياة، لأن العضو المبان لا ينقض الوضوء بمسه إلا إذا كان من الفرج وأطلق عليه اسمه " اهـ. ٨- قال بعض أصحاب الشافعي: للمضطر إذا لم يجد شيئاً أن يأكل بعض أعضائه، لأن له أن يحفظ الجملة بقطع عضو كما لو وقعت فيه الأكَلَةُ (٢) . ٩- إذا لم يجد المضطر آدمياً، فإن كان معصوماً محقون الدم فليس له قتله ليسد به رمقه إجماعاً ولا إتلاف عضو منه مسلماً كان أو كافراً. وإن كان مباح الدم كالحربي والمرتد، فذكر القاضي أن له ذلك، وبه قال أصحاب الشافعي (٣) .

стр. 291

١٠- نبش القبر لمصلحة، وله وقائع متعددة (١) . ١١- قطع اليد المتآكلة حتى لا تسري إلى البدن (٢) . ١٢- شرب لبن الميتة للمضطر، وانتشار المحرمية به (٣) . ١٣- إجراء العمليات الجراحية إن غلب على الظن نجاحها (٤) . مثل بطّ القرحة بالكي، وقطع الأصبع الزائدة، وشق المثانة إذا كانت فيها حصاة. ١٤- تنبيه: في المغني وغيره ما نصه (٥) " قال أبو بكر بن داود: أباح الشافعي أكل لحوم الأنبياء ... " اهـ. وقال الباجوري (٦) : " وللمضطر أكل ميتة الآدمي إذا لم يجد ميتة غيره لأن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت، إلا إن كان الميت نبياً فلا يجوز الأكل منه جزماً، لشرفه على غيره بالنبوة " اهـ. وقال التاج ابن السبكي في ترجمة المزني (٧) ، بعد جزمه بأن

стр. 292

الصحيح في المذهب أن المضطر يأكل لحم الآدمي الميت وقال التاج: " إبراهيم المروزي: إلا أن يكون الميت نبياً " اهـ. وقال النووي (١) : " قال الشيخ إبراهيم المروزي: إلا إذا كان الميت نبياً فلا يجوز الأكل منه بلا خلاف لكمال حرمته، ومزيته على غير الأنبياء " اهـ. وقال القرطبي (٢) " ولا يأكل - أي المضطر - ابن آدم ولو مات، قاله علماؤنا، وبه قال أحمد وداود، احتج أحمد بقوله ﵇: " كسر عظم الميت ككسره حياً "، وقال الشافعي: يأكل لحم ابن آدم، ولا يجوز أن يقتل ذمّياً لأنه محترم الدم، ولا مسلماً، ولا أسيراً، لأنه مال الغير، فإن كان حربياً، أو زانياً محصناً: جاز قتله والأكل منه " اهـ. وهذا كله يدل على أن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى لم يقل بإباحة أكل لحوم الأنبياء، إضافة إلى أنه لا سند لذلك إليه، وعلى فرض أنه قال ذلك - وحاشاه من أن يقوله - يكون ذلك من قبيل ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في الاستقامة ١ / ٢١٩ عن ابن المبارك أنه قال: " رب رجل في الإسلام له قدم حسن وآثار صالحة كانت منه الهفوة، والزلة لا يقتدى به في هفوته وزلته " اهـ. ١٥- وقد بلغ الحال إلى اتخاذ أعضاء مصطنعة من الذهب والخشب. ونحوهما. وحصل بالتتبع عدد من الواقعات من عصر النبي ﷺ إلى القرن السادس. ومنه اتخاذ عرفجة ﵁ أنفاً من فضة لما

стр. 293

أصيبت أنفه يوم كلاب. والنبي ﷺ رد عين قتادة بن النعمان لما أصيبت يوم بدر. ورد ﷺ عين أبي سفيان لما أصيبت يوم حنين. وهكذا في وقائع على تعاقب العصور. ومنها اتخاذ الزمخشري سنة ٥٣٨ هـ رجْلاً من خشب. والله أعلم.

стр. 294

المبحث السادس تخريج وتنزيل الإجراءات الطبية المعاصرة على المدارك الشرعية وبعد هذا التطواف المبين لمدارك ومآخذ الأحكام التي فيها إجراءات على بدن الإنسان، وتنزيل الفروع الفقهية المعاصرة لمتقدمي الفقهاء عليها. وبعد أن أحاط الناظر خبراً بأنواع الأعمال الطبية الفاعلة على بدن الإنسان وأوعيتها الثلاثة العامة وهي: ١- إجراء العمليات. ٢- التشريح. ٣- النقل والتعويض الإنساني. وعلم أقسام كُلٍّ على سبيل التتبع والاستقراء، مما به يعلم " التصور الطبي للنازلة الطبية " حتى يمكن معرفة تقبل القواعد الشرعية لها جوازاً أو منعاً. بعد هذا كله نأخذ بها واحدة إثر الأخرى في أوعيتها العامة على ما يلي: أولاً: إجراء العمليات:

стр. 295

طرداً لمشروعية التداوي في الشرع، فإن إجراء العمليات الطبية الفاعلة على بدن الإنسان في عملية شق البطن لرتق فتق، أو قطع زائدة دودية ونحو ذلك مما فيه دفع مرض، والعادة جارية بنجاحه في عرف الطب الذي يعايشه الإنسان ... فهذا مما لا خلاف في جوازه إلحاقاً له بحكم الأصل. نعم الخلاف في بعض متعلقات العملية من التخدير بالبنج، والمشارطة على البرء ... وهذه ونحوها محررة أحكامها في المدونات الفقهية. والله أعلم. ثانياً: التشريح علم التشريح مرتكز أساس لحذق الطبيب، وطريق اكتسابه إما أن يكون عملياً أو نظرياً، ولا غنى للطبيب عن عملياً. والتشريح أيضاً هو الأساس في تشخيص الأمراض. والتشريح مفيد إلى حدٍ ما في تحديد سبب الوفاة هل هو باعتداء أو بدون اعتداء؟ وفي كشف الجريمة هل هي بمثقل أو محدد؟ وهل الوفاة بسبب الجناية أو ليست بسببها؟ . والتشريح أساس للطب في إطار " النقل والتعويض الإنساني ". ومن إفادات التشريح في بعض المسائل الفقهية: ١- أن بعض أهل العلم قرروا في: عين الأعور الدية كاملة. والعلة أن العين العوراء يرجع نورها للصحيحة. والتشريح يكشف عن تحديد هذا حتى يصحح القول بوجوب الدية كاملة، أو نصف الدية كالشأن فيمن له عينان سليمتان فجُني على إحداهما

стр. 296

ففيها نصف الدية (١) . ٢- ومنه البحث في طهارة المني ونجاسته (٢) . فقد علل القائلون بنجاسته وهم: المالكية، والحنفية، بأنه من مجرى البول. والشافعية قالوا بأن لكل منهما مجرى فهو طاهر. قال القاضي أبو الطيب: " وقد شق ذكر رجل فوجد كذلك ". فالحكم في قيام هذا التعليل أو إلغائه للتشريح. وبعد: فيرد السؤال المعاصر هل يُخَرَّجُ التشريح في صوره الثلاث أو في أحدها على الجواز أم المنع؟ . فيقال: أ - أما تشريح الميت لكشف الجريمة، فإنه متى استدعى الحال - لخفاء في الجريمة، وسبب الوفاة باعتداء وهل هذه الآلة المعتدى بها قاتلة، فمات بسببها أو لا - فإنه يتخرج القول بالجواز، صيانة للحكم عن الخطأ، وصيانة لحق الميت الآيل إلى وارثه، وصيانة لحق الجماعة من داء الاعتداء والاغتيال. وحقناً لدم المتهم من وجه، فتحقيق هذه المصالح غالبت ما يحيط بالتشريح من هتك لحرمة الميت، وقاعدة الشريعة ارتكاب أخف الضررين. والضرورات تبيح المحظورات. والله أعلم. وهذا الجواز - عند من قال به - في ضوء الشروط الآتية:

стр. 297

١- أن يكون في الجناية متهم. ٢- أن يكون علم التشريح لكشف الجريمة بلغ إلى درجة تفيد نتيجة الدليل، كالشأن في اكتشاف تزوير التوقيعات والخطوط. ٣- قيام الضرورة للتشريح بأن تكون أدلة الجناية ضعيفة لا تقوى على الحكم بتقدير القاضي. ٤- أن يكون حق الوارث قائماً لم يسقطه. ٥- أن يكون التشريح بواسطة طبيب ماهر. ٦- إذن القاضي الشرعي. ٧- التأكد من موت من يراد تشريحه لكشف الجريمة: الموت المعتبر شرعاً. ب - أما التشريح لكشف المرض. ج - وأما التشريح للتعلم والتعليم. فحيث أن جثث الموتى من الوثنيين وغيرهم من الكفار ميسورة الشراء لهذين الغرضين برخص الأسعار، وأموال المسلمين نهاباً يبذل قسط منها في غير مصارفه الشرعية فهي غير منتظمة المصارف على رسم الشرع، ولذا لم أجرؤ على بحثهما. ثالثاً - النقل والتعويض الإنساني في أقسامه الأربعة يقصد بالنقل والتعويض الإنساني: نقل قطعة من جلد إلى مكان آخر من بدنه، أو نقل عضو، أو دم، من بدن إنسان متبرع به إلى بدن إنسان آخر، يقوم مقام ما هو تالف فيه أو مقام ما لا يقوم بكفايته، ولا يؤدي وظيفته بكفاءة.

стр. 298

وقد اشتهر بلقب: زراعة الأعضاء الإنسانية. غرس الأعضاء. انتفاع الإنسان بأعضاء الإنسان. ترقيع الأعضاء. والدم بخصوصه اشتهر بلقب: " نقل الدم "، و " التلقيح بالدم ". لكن هنا من النقولات ما لم يشمله هذان اللقبان وهو: النقل لغير دمٍ أو عضو كنقل قطعة من جلد، إذ لا يطلق عليها " عضو "، وأن يكون النقل إليه أو إلى إنسان آخر. ويمكن تقسيمها باعتبارين: أولاً: أقسامها باعتبار المنقول وهي ثلاثة: ١- نقل الدم. ٢- نقل عضو. ٣- نقل ما دون العضو كقطعة جلد، أو بعض شريان. ثانياً: أقسامها باعتبار طرفي النقل: ١- النقل الذاتي أي من بدن الإنسان إليه ذاته من مكان إلى آخر مثل ترقيع الشفة بقطعة من الفخذ، وترقيع الجفن بقطعة من الشفة. ٢- النقل من حي إلى حي. ٣- النقل من ميت إلى حي. وللترابط بين هذين التقسيمين بهذين الاعتبارين في ترتيب الحكم،

стр. 299

فإنه يمكن لنا حصر النقولات في أقسامها الأربعة الآتية: القسم الأول: نقل الدم من إنسان حي إلى آخر. ويقال: التبرع بالدم وهذا أوسعها انتشاراً. القسم الثاني: النقل الذاتي: من الإنسان إليه ذاته. وهذا يليه في الانتشار، خاصة في عمليات التجميل. القسم الثالث: النقل لعضو ونحوه من حي إلى حي، للعلاج. القسم الرابع: النقل لعضو ونحوه من إنسان ميت إلى حي، للعلاج. وقد وصل الطب إلى عدد من مفردات النقل منها: ١- نقل القرنية: وقد أقيم لها مراكز عالمية. والقرنية، هي الجزء الأمامي من جدار المقلة، وهي قرص صلب شفاف يغطي سواد العين وتمتاز عن معظم أنسجة العين، وأنسجة الجسم كلها بأنها شفافة للضوء. ٢- نقل الكلى وزرعها. وقد أقيم مراكز عالمية لها. ٣- العظام. ٤- نقل شريان من الساق مثلاً للقلب. ٥- توصيل الأمعاء المستأصلة. استئصال الأمعاء، وتوصيلها. ٦- المفاصل. ٧- البنكرياس وخلاياه. ٨- نقل القلب وزرعه. ٩- الكبد. ١٠- الرئتان. ١١- العضو التناسلي، والغدد التناسلية.

стр. 300

النقل والتعويض بين رتب المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية يمكن تصنيف دواعي النقل والتعويض إلى ثلاث مراتب: ١- ما يقع في مرتبة الضرورة، والضرورة تكون فيما تتوقف حياة الإنسان عليه. ٢- ما يقع في مرتبة الحاجة، كالقرنية. ٣- ما يقع في مرتبة التحسينات، كسن وتسوية شفة ونحوها. تقسيمها باختلاف الدين النقل والتعويض ينقسم باعتبار اختلاف الملة إلى قسمين: النقل من مسلم إلى كافر، وعكسه، لا سيما إذا كان بين ولد مسلم ووالدته الكتابية. وللأطباء تقسيمات أخر باعتبار (١) : الذاتية: أي كونها من الجسم ذاته وإليه من منطقة إلى أخرى. والتماثل: كالنقل بين التوأمين. والتباين: كالنقل بين آدميين. والدخيلة: كالنقل من حيوان، أو مصنَّعة إلى آدمي. لكن هذه التقسيمات الطبية لا يترتب عليها اختلاف في الحكم الشرعي، سوى " الدخيلة " وستعلم ما فيها بعدُ إن شاء الله تعالى.

стр. 301

وباعتبار عملية التعويض يقسمها الأطباء إلى تقسيم آخر إلى قسمين (١) : ١- الموضع السوي: بمعنى غرس أو زرع العضو في مكان التالف ذاتاً أو منفعة. وهذا في: القلب والرئتين والكبد والقرنية. ٢- الموضع المختلف: بمعنى زرع العضو في غير محله التالف. مثاله: زرع الكلى في الحفرة الحرقفية بدلاً من موضعها في الخاصرة. النقل من ميت لحي يتصور من حيث الإذن وعدمه إلى الصور الآتية: ١- ميت أذن قبل وفاته. ٢- ميت لم يعقب وارثاً. ٣- ميت عقب وارثاً ولم يأذن الوارث. ٤- ميت عقب ورثة فأذن بعضهم. ٥- ميت عقب ورثة فأذنوا جميعهم. التخريج الشرعي للمنقولات أولاً: التخريج للتغذية بالدم في أعقاب الإنجاز الطبي الحديث بنقل الدم من إنسان إلى آخر تعويضاً له عن نقص في مادة الدم أو عن نزيف حصل له كالحال في بعض الحوادث، وحالات الولادة ولقاء إجراء العمليات وهكذا - حصل

стр. 302

تقليب العلماء للنظر فيها وتخريجها على ما يمكن تخريجها عليه، والتنظير لها بفروع من بابها، وكيف الاعتذار في نظر المبيح عن حديث النهي عن التداوي بالمحرمات وكتبت في هذا أبحاث، ورسائل، وبعد تطواف كبير استقرت كلمة أهل العلم على الجواز في محيط الشروط والضوابط الآتية وهي: ١- قيام الضرورة وتحققها. ٢- عدم وجود بديل له مباح. ٣- غلبة الظن على نفع التغذية به. ٤- تحقق عدم الخطر على المأخوذ منه. ٥- توفر رضا المأخوذ منه وطواعيته. ٦- أن يكون النقل بالتعويض بإجراء طبيب ماهر. ٧- أن تكون التغذية به بقدر ما ينقذه فالضرورة تقدر بقدرها. والمدرك الفقهي لهذه المسألة، الذي ينفي الاضطراب ويقطع اختلاف الأقوال هو: أن نقل الدم من إنسان إلى آخر في إطار الشروط المذكورة ومن أهمها (الاضطرار) هو: (من باب الغذاء لا الدواء) فكمية الدم نقصت مادتها فيحتاج إلى تغذيتها (١) ، ولهذا فهو داخل في حكم المنصوص عليه بإباحة تناول المضطر في مخمصة من المحرمات لإنقاذ نفسه من الهلكة كما في آيات الاضطرار ومنها قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

стр. 303

ولو قيل هو من باب الدواء فيقال (١) : (إذا اضطررنا إليه فلم يحرم علينا حينئذ، بل هو حلال فهو لنا حينئذ شفاء) . هذا وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مواضع: أن دم الآدمي طاهر ما دام في جسده فإذا ظهر وبرز كان نجساً، ورد على من قال بنجاسته ما دام في جسد الآدمي بوجوه متعددة من أهمها (٢) : عدم الدليل على تنجيسها والأصل الطهارة، وإن خاصية النجس وجوب مجانبته في الصلاة، وهذا مفقود فيها في البدن من الدماء وغيرها، ومنها: (أن الدماء المستخبثة في الأبدان وغيرها، هي أحد أركان الحيوان التي لا تقوم حياته إلا بها حتى سميت نفساً، فالحكم بأن الله يجعل أحد أركان عباده من الناس والدواب نوعاً نجساً في غاية البعد) . لكن بقي هنا أبحاث: الأول: أن الأصل هو التبرع به، وبيعه فيه إهدار لكرامة الإنسان وقيمته. وفي هذا بحث سيأتي إن شاء الله تعالى في آخر أبحاث هذه النازلة. الثاني: النقل والتعويض للدم بين مختلفي الديانة كمسلم وكافر، كحال من كانت أمه كتابية ووالده مسلم. الثالث: جمع الدم في (بنوك الدم) تحسباً لوجود المضطر ومفاجأة أحوال الاضطرار وتكاثرها، تقتضي ذلك. فهو تبرع من مالكه بشرطه من عدم التأثير على صحته ... لمضطر يحتاج إليه.

стр. 304

وقد نص بعض أهل العلم على ما هو أقل من هذا في تزود المضطر مما أبيح له أكله ضرورة. قال البهوتي في (كشاف القناع) : (وللمضطر أن يتزود من المحرَّم إن خاف الحاجة إن لم يتزود) اهـ. ثانياً: التخريج الشرعي للنقل الذاتي النقل الذاتي من مكان من بدن الإنسان إلى مكان آخر منه ذاته هو في الحكم كإجراء عملية له كالفتق، والزائدة الدودية، وقطع العضو المتآكل، وهذا طرداً لقاعدة التداوي: " الجواز " في إطار شروط التداوي العامة. والله أعلم. ثالثاً: النقل من حي إلى حي النقل من حي إلى حي، لا يخلو من حيث التأثير على حياة المنقول منه وصحته من واحد من الأحوال الآتية: ١- لا تأثير له بأي ضرر مطلقاً كنقل قطعة من جلد ونحوه مما لا تتوقف حياته ولا صحته عليه. وهذا أمر افتراضي ولم نعلم في أبحاث الطب نقلاً من هذا النوع. ٢- نقل يؤدي إلى ضرر جزئي محتمل لا خطر معه على صحته ولا حياته، مثل: نقل سن، أو نقل دم. فهذا افتراض لا نعلمه في أبحاث الطب سوى نقل الدم للتغذية به وقد تقدم بيانه. ٣- نقل يؤدي إلى ضرر بالغ بتفويت أصل الانتفاع أو جلّه كقطع

стр. 305

كلية، أو يد، أو رجل ... والذي يظهر والله أعلم تحريمه وعدم جوازه، لأنه تهديد لحياة متيقنة بعملية ظنية موهومة أو إمداد بمصلحة مفوتة لمثلها بل أعظم منها. ولأن حق الله تعالى متعلق ببدن الإنسان قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ فمن يفتقد عضواً عاملاً في بدنه يرتفع عنه بمقدار عجزه عدد من تكاليف الشريعة ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ ... ﴾ . فكيف يفعل الإنسان هذا بنفسه وإرادته ويفوت تكاليف مما خلق من أجْلِها ليوفرها لغيره بسبيل مظنون، فالضرر لا يزال بمثله، فهذه المصلحة المظنونة بتفويت المتيقنة مما يشهد الشرع بإلغائها وعدم اعتبارها. ٤- نقل يؤدي إلى الخطر على الحياة أو الصحة، أو يؤدي إلى الموت، كنزع القلب، والرئة ... فهذا قتل للنفس، وانتحار بطيء، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وهو من أشد المحرمات في الشرع والفطرة. الرابع: النقل من ميت إلى حي اعلم أن المراد بالميت هنا هو من فارقت روحه بدنه بانقطاعها عن بدنه انقطاعاً تاماً من توقف دقات قلبه طبعياً، أو صناعياً، واستكمال أماراته. فهذه هي الوفاة التي تترتب عليها أحكام مفارقة الإنسان للدنيا من انقطاع أحكام التكليف، وخروج زوجته من عهدته، وماله لوارثه، وتغسيله، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه ... أما نصب (موت الدماغ، أو: جذع الدماغ) تحقيقاً لمدته مع نبض قلبه

стр. 306

ولو آليا فهذا في نفس الأمر ليس موتاً لكنه نذير وسير إلى الموت، فما زال له حكم الأحياء حتى يتم انفصال الروح عن البدن. ولذا: لا بد لنا هنا من تصور الأحوال حتى يكون بإذن الله تعالى تنزيل الحقيقة الشرعية على الحقيقة الواقعية الطبعية لكل مسألة بخصوصها، وهنا طرفان: ميت، وحي. أما الميت المأخوذ منه: فتصور الحال من حيث الإذن وعدمه إلى ما يلي: ١- ميت أذن قبل وفاته بانتزاع عضو منه لمعين أو لغير معين. ٢- ميت لم يعقب وارثاً. ٣- ميت عقب وارثاً ولم يأذن الوارث. ٤- ميت عقب ورثة فأذن البعض. ٥- ميت عقب ورثة فأذن جميعهم. أما الحي فلا تخلو مصلحته من مراتب المصالح الثلاث: ١- إما أن تكون ضرورية تتوقف حياته إلى ذلك العضو. ٢- وإما أن تكون حاجية لا تتوقف حياته عليه كالحاجة إلى قرنية ونحوها. ٣- وإما أن تكون تحسينية كترقيع شفة أو نحوها. وعليه: فإذا كانت المصلحة تحسينية فلا ينبغي الخلاف بعدم الجواز، سواء أذن الميت قبل وفاته أم لا، لأن حرمته ميتاً كحرمته حياً، فلا يجوز انتهاك حرمته المحرمة لتوفير مصلحة تحسينية تجميلية، وفي هذا تعريض لجثة

стр. 307

الميت للانتهاك، وتسويغ العبث بها. وأما إن كانت مصلحة الحي حاجية، فإن حرمة الميت واجبة كحرمة الحي، وهتكها وقوع في محرم. فلا ينبغي خرق الحرمة والوقوع في الحرام لمصلحة مكملة للانتفاع. وأما إن كانت ضرورية، والضرورية هنا مفسرة بما تتوقف حياته عليه كالقلب، والكلى، والرئتين ونحوها من أصول الانتفاع الضرورية. فهنا يتخرج الجواز عند من قال به، لما يأتي: ١- بالموازنة بين المصالح والمفاسد، والمنافع والمضار، فإن مصلحة الحي برعاية إنقاذ حياته أعظم من مصلحة الميت بانتهاك حرمة بدنه وقد فارقته الروح، وأذن به فتفوت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما. ولهذا نظائر في الفروع المتقدمة عند عدد من أهل العلم من التناول في حال الاضطرار من: لبن المرأة الميتة، ولحم الآدمي، وشق بطن المرأة الميتة الحامل إذا كان حملها يضطرب وقد علمت ما فيه، ونبش القبر لمصلحة حي، وبقر بطن ميت ابتلع مال حي وقد علمت ما فيه أيضاً ... إلخ. إلى آخر ما تقدم من فروع على قواعد الضرر من أنه يزال، وأن الضرورات تبيح المحظورات. والله أعلم. ٢- وَشُرِطَ إذنه أو إذن ورثته، لأن رعاية كرامته حق مقرر له في الشرع لا ينتهك إلا بإذنه، فهو حق موروث كالحال في المطالبة من الوارث في - حدّ قاذفه - ولذا فإن الإذن هو إيثار منه أو من مالكه الوارث - لرعاية حرمة الحي على رعاية حرمته بعد موته في حدود ما أذن به. ولذا صح ولزم شرط الإذن منه قبل موته، أو من ورثته جميعهم.

стр. 308

أما إن فات هذا الشرط ولم يتحقق بإذنه، أو أذن جميع ورثته بأن أذن بعض دون بعض فلا يجوز انتزاع عضو منه بل المراغمة في هذا: هتك تعسفي للحق وحرمة الرعاية له. أما من لا وارث له إذا مات ببلد إسلام تحت ولاية سلطان مسلم يحكم الشرع ويقيم الحدود، وينفذ أحكام الإسلام فالسلطان ولي من لا ولي له فهو مقام الوارث له. وللمخالف أن يقول: وهذا الوجه غير وجيه، لأن (الكرامة) لا يجوز لمسلم أن يتنازل عنها، فكيف يتنازل وارث عن كرامة مورثه.

стр. 309

المبحث السابع في الشروط العامة اعلم أن من قال بالجواز في أي من مسائل (النقل والتعويض الإنساني) لم يقل ذلك بفتيا مطلقة، بل أحاطها بشروط شرعية يجب توفرها فمتى فقدت شرطاً فقدت الصفة الشرعية. وهذه الشروط منها شروط عامة لا بد من توفرها على صفة الثبات والدوام في أي مسألة قيل بجوازها، وشروط خاصة في بعض منها. وهذه الشروط منها ما يرجع إلى المنقول منه ومنها ما يرجع إلى المنقول إليه، ومنها ما يرجع إلى الواسطة. وهي على ما يلي: الشرط الأول: تحقيق قيام الضرورة بطريق اليقين، بأي دلالة يقوم بها اليقين كإخبار طبيب حاذق ولا يشترط كونه مسلماً، وما ورد من شرط إسلامه عند بعضهم فهو قيد اتفاقي. الشرط الثاني: تحقيق انحصار التداوي به، لعدم وجود بديل له يقوم مقامه، ويؤدي وظيفته بكفاءة. الشرط الثالث: أن تكون العملية بواسطة طبيب ماهر لا متعلم. الشرط الرابع: تحقق أمن الخطر على المنقول منه في حال انتقل من حي.

стр. 310

الشرط الخامس: غلبة الظن على نجاحها في المنقول إليه. الشرط السادس: عدم تجاوز القدر المضطر إليه. الشرط السابع: تحقق الموازنة بتقدير ظهور مصلحة المضطر المنقول إليه على المفسدة اللاحقة بالمنقول منه. الشرط الثامن: تحقق توفر شروط الرضا والطواعية والأهلية من المنقول منه. الشرط التاسع: توفر الشرط الثامن في المنقول إليه أو إذن وليه إن كان قاصر الأهلية. الشرط العاشر: توفر متطلبات العملية التي بلغها الطب. وإلا كان الطبيب مفرطاً يحمل جزاء تفريطه. والله أعلم.

стр. 311

المبحث الثامن في حكم بيع الآدمي لدم أو عضو منه إذا علمت أن الأصل هو الحظر على الغير استعمال جزء من الإنسان أو دمه، حفظاً للنوع الإنساني، وصيانة لقيمته وكرامته، وسداً للطرق الموصلة إلى إهدارها. وإذا كان انتزاع دم من حي، أو عضو من ميت عند من قال به جائزاً عند الاضطرار، والضرورة المقدرة خوف هلاك حي أو عضو فيه تتوقف عليه حياته - مقدرة بقدرها لا يجوز تجاوزها، وهذا القدر المضطر إليه لا يعد إخلالاً بآدمية المنزوع منه، فاعلم أن الأصل لذلك البذل أيضاً يكون بطريق التبرع والهبة لمنفعة حي بسد ضرورته، لوجوب تلاحم النوع الإنساني على جسر من التعاون والإخاء، وشد بعضهم ببعض استيفاء لنوعهم، ورعاية لحرمتهم وحرمة مصالحهم. لكن يبقى هنا تساؤل عن حكم المعاوضة المالية عليها، وهل المعاوضة تتنافى مع هذا القصد والتأسيس الإنساني؟ وأن هذا استرقاق جزئي لآدميته في دم أو عضو، وامتهان لحرمته ليعود كالسلعة والبهيمة محلاً للتجارة في دم أو عضو أو تشريح لكامل جسده، ويزاد - على الخلاف المتقدم - أن الدم نجس، وما قطع من حي فهو كميتته نجس، والنجس لا يجوز بيعه، وأنه وإن جوز الانتفاع به تبرعاً لمضطر فلا يجوز بيعه لقاعدة: إن جواز الانتفاع لا يستلزم جواز البيع، وعليه: فبيعها محرم لا

стр. 312

يجوز، لكن إن لم يحصل عليه مضطر إلا بثمن فيجوز من باذل لدفع الضرر لا في حق آخذ. هذا ما يمكن أن يقال من وجهة مانع المعاوضة. أم أن المعاوضة تجوز في وجهة نظر المجيز من أن ذلك لا يناقض آدميته، بل يسيران في ركاب واحد فلا يُنقض على الآدمي آدميته وكرامته، كالشأن فيمن قتل قتيلاً فإن له سلبه بشرط الشرع، والشأن فيمن حج عن الغير بمال إذا أخذ ليحج، والشأن في الاحتفاظ بحقوق التأليف مع بيعها ونفع المسلمين بها، فهذه الأمور المتزامنة المتضامنة غير متضاربة فلا تفسد كرامةً قائمة ولا نيةً صالحة. وهل كما يجوز هذا البيع من الحي لدمه، والميت لعضو منه قبل موته - يجوز لوارثه.؟ كل هذه أمور وأحوال لا بد من تحرير الحكم فيها للترابط بينها، وهي بحاجة إلى نظر من حاز قصب السبق في الفقه والتفقه، وجميع ما ذكرته في هذه الرسالة من مواطن الخلاف أسوقه بحثاً ولم أجرؤ على الانفصال عنه برأي. منح الله الجميع الفقه في الدين. وصلى الله وسلم على نبينا ورسولنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. بكر بن عبد الله أبو زيد ٥ / ٥ / ١٤٠٨ هـ

стр. 313

" ٧ " بيع المواعدة المرابحة في المصارف الإسلامية وحديث " لا تبع ما ليس عندك "

стр. 314

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فهذه مجموعة أبحاث في تصور، وحكم (بيع المواعدة) الجاري في المصارف الإسلامية باسم (بيع المرابحة للآمر بالشراء) في بعض صوره. وإنما اخترت تلقيبها باسم (بيع المواعدة) لأنها في جميع صورها مبنية على الوعد ملتزماً به كان أو غير ملتزم، ولئلا تختلط على البعض مع (بيع المرابحة) المحرر عند متقدمي الفقهاء رحمهم الله تعالى - في (بيوع الأمان) . وعلى أن صورتها تدخل تحت اسم (السلَم الحالّ) المنهي عنه في قصة حديث حكيم بن حزام ﵁ كما في (زاد المعاد) ويأتي نقله في المبحث السادس وسترى في (المبحث الثاني) موقعها الصحيح من مباحث الفقهاء. وهذه المجموعة من الأبحاث معقودة فيما يلي: ١- المبحث الأول: بيع المرابحة في اصطلاح متقدمي الفقهاء. ٢- المبحث الثاني: في مدى لزوم الوفاء بالوعد. ٣- المبحث الثالث: المؤلفات والبحوث فيها. ٤- المبحث الرابع: صور بيع المرابحة في المصارف الإسلامية. ٥- المبحث الخامس: سبب وجودها في المصارف الإسلامية.

стр. 315

٦- المبحث السادس: حكمها. ٧- المبحث السابع: في ضوابطها الشرعية. فإلى بيانها، والله ولي الهداية والتوفيق

стр. 316

المبحث الأول بيع المرابحة عند متقدمي الفقهاء (١) يستقرئ بعض أهل العلم أنواع البيوع فيجعلها أربعة: ١- بيع المساومة، ويقال: المماكسة، أو المكايسة. ٢- بيع المزايدة. ٣- بيع المرابحة. ٤- بيع الأمانة. ومنهم من يجعل بيع المرابحة منه، فتكون أقسامه ثلاثة: بيع المرابحة: وهو البيع بأزيد من رأس المال. بيع الوضيعة: وهو البيع بأنقص من رأس المال. بيع التولية: وهو البيع برأس المال سواء. وإنما سميت هذه (بيوع أمان) للإتمان بين الطرفين على صحة خبر رب السلعة بمقدار رأس المال. فبيع المرابحة مثلاً: حقيقته بيع السلعة بثمنها المعلوم بين المتعاقدين، بربح معلوم بينهما. ويسمى أيضاً (بيع السلم الحال) (٢) .

стр. 317

فيقول رب السلعة: رأس مالي فيها مائة ريال، أبيعك إياها به وربح عشرة ريالات. وهذا هو معنى ما هو جارٍ على الألسنة من قولهم: اشتريت السلعة مرابحة، أو بعتها مرابحة. وركن هذا العقد: هو العلم بين المتعاقدين بمقدار الثمن ومقدار الربح، فحيث توفر العلم منها فهو بيع صحيح وإلا فباطل. وهذه الصورة من البيوع (بيع المرابحة) جائزة بلا خلاف بين أهل العلم، كما ذكره ابن قدامه (١) ، بل حكى ابن هبيرة (٢) : الإجماع عليه، وكذا الكاساني (٣) . والخلاف في الكراهة تنزيهاً، وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ تعالى، وروي عن ابن عمر، وابن عباس ﵃ وعن الحسن، ومسروق وعكرمة، وعطاء بن يسار - رحمهم الله تعالى - وقد عللت الكراهة تنزيهاً بأن فيه جهالة، فيما إذا قال: بعتكه برأسماله مائة ريال، وربح درهم في كل عشرة، فالجهالة أن المشتري يحتاج إلى جمع الحساب ليعلم مقدار الربح، لكن هذه الجهالة مرتفعة لأنها تعلم بالحساب، بل لا ينبغي وصفها بالجهالة، وليس فيها تغرير ولا مخاطرة. وهذه العلة هي مستند ما يُحكى عن ابن راهويه - رحمه الله تعالى - من قوله بعدم الجواز.

стр. 318

وقد علمت ارتفاعها بالحساب، على أن من وراء ذلك الوقوف على صحة السند المروي. فصح الاتفاق إذاً حكماً على الجواز، وطرداً لقاعدة الشريعة من أن الأصل في المعاملات الجواز والحل حتى يقوم دليل على المنع. هذا هو بيع المرابحة المسطر في كتب أهل العلم تحت هذا اللقب في: أبواب البيوع، وفي مطاويه صور وفروع. وما زال الناس يتوارثون العمل به في معاملاتهم بأسواقهم من غير نكير. لكن هذه الصورة غير مرادة في هذه الرسالة، وإنما جاء الحديث عنها للاشتراك اللفظي مع (بيع المرابحة للآمر بالشراء) في صورته الحادثة المتعامل بها في المصارف الإسلامية، فلينظر: هل يشتركان في حكم الجواز؟ كما اشتركا في الاسم أم أن الحكم هو التحريم بإطلاق أم بتفصيل هذا ما ستراه - إن شاء الله تعالى - في أبحاث هذه الرسالة.

стр. 319

المبحث الثاني في مدى لزوم الوفاء بالوعد ديانة وقضاء (١)

стр. 320

بحث مدى لزم الوفاء بالوعد أساس في معرفة الحكم في هذه المعاملة. أجمع المسلمون على أن الوفاء بالوعد (العهد) محمود وأن إخلاف الوعد (العهد) وعدم الوفاء به مذموم. وقد أثنى الله تعالى على رسوله ونبيه إسماعيل أنه كان صادق الوعد فقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ وهو بدليل مخالفته يفيد أن إخلاف الوعد مذموم. وهذا المفهوم قد جاء مصرحاً به في آيات من الكتاب كما في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ . والسنة جاءت بهذا. ومنه حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (آية المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف ... ) الحديث. هذا من حيث الوفاء بالوعد بصفة عامة. أما (الوعد المالي) فإن العلماء يجرون الخلاف في حكم الوفاء به (قضاء) (على أساس حقيقته الاصطلاحية التي تواضعوا عليها وهي كما قال ابن عرفة المالكي - رحمه الله تعالى - (١) : العدة: (إخبار عن إنشاء المُخبر معروفاً في المستقبل) . فهو (الوعد بالمعروف) وعلى هذا يدور كلامهم في حكم الإلزام كما حكى
следующие страницы →