المبحث الأول
بيع المرابحة عند متقدمي الفقهاء (١)
يستقرئ بعض أهل العلم أنواع البيوع فيجعلها أربعة:
١- بيع المساومة، ويقال: المماكسة، أو المكايسة.
٢- بيع المزايدة.
٣- بيع المرابحة.
٤- بيع الأمانة.
ومنهم من يجعل بيع المرابحة منه، فتكون أقسامه ثلاثة:
بيع المرابحة: وهو البيع بأزيد من رأس المال.
بيع الوضيعة: وهو البيع بأنقص من رأس المال.
بيع التولية: وهو البيع برأس المال سواء.
وإنما سميت هذه (بيوع أمان) للإتمان بين الطرفين على صحة خبر
رب السلعة بمقدار رأس المال.
فبيع المرابحة مثلاً: حقيقته بيع السلعة بثمنها المعلوم بين
المتعاقدين، بربح معلوم بينهما. ويسمى أيضاً (بيع السلم الحال) (٢) .
стр. 317
فيقول رب السلعة: رأس مالي فيها مائة ريال، أبيعك إياها به وربح
عشرة ريالات.
وهذا هو معنى ما هو جارٍ على الألسنة من قولهم: اشتريت السلعة
مرابحة، أو بعتها مرابحة.
وركن هذا العقد: هو العلم بين المتعاقدين بمقدار الثمن ومقدار
الربح، فحيث توفر العلم منها فهو بيع صحيح وإلا فباطل.
وهذه الصورة من البيوع (بيع المرابحة) جائزة بلا خلاف بين أهل
العلم، كما ذكره ابن قدامه (١) ، بل حكى ابن هبيرة (٢) : الإجماع عليه،
وكذا الكاساني (٣) .
والخلاف في الكراهة تنزيهاً، وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀
تعالى، وروي عن ابن عمر، وابن عباس ﵃ وعن الحسن،
ومسروق وعكرمة، وعطاء بن يسار - رحمهم الله تعالى -
وقد عللت الكراهة تنزيهاً بأن فيه جهالة، فيما إذا قال: بعتكه برأسماله
مائة ريال، وربح درهم في كل عشرة، فالجهالة أن المشتري يحتاج إلى
جمع الحساب ليعلم مقدار الربح، لكن هذه الجهالة مرتفعة لأنها تعلم
بالحساب، بل لا ينبغي وصفها بالجهالة، وليس فيها تغرير ولا مخاطرة.
وهذه العلة هي مستند ما يُحكى عن ابن راهويه - رحمه الله تعالى -
من قوله بعدم الجواز.
стр. 318
وقد علمت ارتفاعها بالحساب، على أن من وراء ذلك الوقوف على
صحة السند المروي.
فصح الاتفاق إذاً حكماً على الجواز، وطرداً لقاعدة الشريعة من أن
الأصل في المعاملات الجواز والحل حتى يقوم دليل على المنع.
هذا هو بيع المرابحة المسطر في كتب أهل العلم تحت هذا اللقب
في: أبواب البيوع، وفي مطاويه صور وفروع. وما زال الناس يتوارثون
العمل به في معاملاتهم بأسواقهم من غير نكير.
لكن هذه الصورة غير مرادة في هذه الرسالة، وإنما جاء الحديث عنها
للاشتراك اللفظي مع (بيع المرابحة للآمر بالشراء) في صورته الحادثة
المتعامل بها في المصارف الإسلامية، فلينظر:
هل يشتركان في حكم الجواز؟ كما اشتركا في الاسم أم أن الحكم
هو التحريم بإطلاق أم بتفصيل هذا ما ستراه - إن شاء الله تعالى - في
أبحاث هذه الرسالة.
стр. 319
المبحث الثاني
في مدى لزوم الوفاء بالوعد ديانة وقضاء (١)
стр. 320
بحث مدى لزم الوفاء بالوعد أساس في معرفة الحكم في هذه
المعاملة.
أجمع المسلمون على أن الوفاء بالوعد (العهد) محمود وأن إخلاف
الوعد (العهد) وعدم الوفاء به مذموم. وقد أثنى الله تعالى على رسوله ونبيه
إسماعيل أنه كان صادق الوعد فقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ
إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾
وهو بدليل مخالفته يفيد أن إخلاف الوعد مذموم. وهذا المفهوم قد
جاء مصرحاً به في آيات من الكتاب كما في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا
وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ .
والسنة جاءت بهذا. ومنه حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول
الله ﷺ قال: (آية المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف ... ) الحديث.
هذا من حيث الوفاء بالوعد بصفة عامة. أما (الوعد المالي) فإن العلماء
يجرون الخلاف في حكم الوفاء به (قضاء) (على أساس حقيقته
الاصطلاحية التي تواضعوا عليها وهي كما قال ابن عرفة المالكي - رحمه
الله تعالى - (١) : العدة: (إخبار عن إنشاء المُخبر معروفاً في المستقبل) .
فهو (الوعد بالمعروف) وعلى هذا يدور كلامهم في حكم الإلزام كما حكى
стр. 321
الشيخ عليش الخلاف بعد بيان الحقيقة المذكورة له.
وعليه تجده مبحثاً مشتركاً بين: المفسرين، والمحدثين، والفقهاء،
وكتب الرقائق وفضائل الأعمال، كما ساق البخاري رحمه الله تعالى بعض
الأحاديث في (العدة) في كتابه (الأدب المفرد) والنووي في (الأذكار) .
أما هذا النوع الجديد من (الوعد التجاري) الذي يريد به العمل مع
المصرف: تداول سلعة بالثمن والربح ولما تحصل ملكيتها بعد فإن
خلافهم في (الوعد) لا ينسحب على هذا بل هو يتنزل على حد حديث
حكيم بن حزام وما في معناه " لا تبع ما ليس عندك ". وعلى مسألة البيع
المعلق.
فتحرر من هذا عقود المعاوضات، وهي التي يقصد بها تحصيل
المنافع وإدرار الربح لا تدخل في المواعدة هذه وخلافهم فيها، إذ جميع
الأمثلة التي يسوقها العلماء على إثر الخلاف في (لزوم الوفاء بالوعد من
عدمه إنما هو فيما سبيله الإرفاق المعروف لا (الكسب التجاري) (١) .
ولهذا فإن (عقد الاستصناع) - وهو: عقد على بيع عين موصوفة في
الذمة مطلوب صنعها - يقرر من قال به أنه عقد لا وعد، فهو من عقود
المعاوضات الخالية من الغرر (٢)
وبناء على جميع ما تقدم فإن أهل العلم يذكرون هذه الصورة من
المبيع في " بيوع المعاوضات المحرمة " فيذكرونها في:
стр. 322
١- بيع العينة.
٢- وفي الحيل المحرمة.
٣- وفي شرح حديث حكيم وغيره " لاتبع ما ليس عندك ".
٤- وفي: بيوع الغرر.
٥- وفي: تعليق العقود بالشروط.
لهذا: فإن جماعة من الباحثين المعاصرين وهموا بإجراء البحث فيها
تفريعاً على (حكم الوعد هل هو ملزم أم غير ملزم) فأوْهموا الدارسين لهذه
المعاملة، والذي نعرفه نجا من هذا ممن كتب فيها بحثاً أو فتيا:
١- شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز في فتواه حيث خرّجها على
حديث " لا تبع ما ليس عندك ".
٢- وتلميذه الشيخ العلامة محمد الأشقر في رسالة (بيع المرابحة) .
فإذا أخلف الواعد وعده، هل يلزم به قضاء وحكماً. الخلاف في هذا على
أقوال ثلاثة:
القول الأول: عدم الإلزام بالوفاء به مطلقاً.
وهو مذهب الجمهور منهم: الثلاثة ورواية عن مالك، ومذهب داود،
وابن حزم. وقد حكى عليه الإجماع: المهلب، وابن بطال، وابن عبد
البر، وتعقبه الحافظ ابن حجر بوجود المخالف لكنه قليل.
القول الثاني: الإلزام بالوفاء بالوعد مطلقاً.
قال به: عمر بن عبد العزيز، وابن الأشوع الهمداني الكوفي، وابن
شبرمة.
стр. 323
القول الثالث: إن أدخل الواعد بوعده في (ورطة) لزم الوفاء به وإلا
فلا يلزم الوفاء به. وهو رواية عن مالك رحمه الله تعالى.
ومثاله: من قال لرجل تزوج. فقال: ليس عندي ما أصدق به الزوجة.
فقال: تزوج والتزم لها الصداق وأنا أدفع عنك، فتزوج على هذا الأساس
فقد احتمل الوعد (ورطة) فيلزم الوفاء به.
أدلة القول الأول:
وهو قول الجمهور من عدم الإلزام بالرد قضاءً مطلقاً فقد استدل له
بالإجماع على أن الموعود لا يضارب بما وعد به مع الغرماء. حكاه:
المهلب، وابن بطال، وابن عبد البر، قال المهلب (١) : " إنجاز الوعد مأمور
به مندوب إليه عند الجميع، وليس بفرض لاتفاقهم على أن الموعود لا
يضارب بما وعد به مع الغرماء) اهـ.
وقال ابن بطال (٢) : " لم يرو أحد من السلف وجوب القضاء بالعدة،
أي مطلقاً، وإنما نقل عن مالك أنه يجب منه ما كان بسبب " اهـ.
وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى تعقب الإجماع في ذلك
فقال (٣) : " ونقل الإجماع في ذلك مردود، فإن الخلاف مشهور لكن القائل
به قليل، وقال ابن عبد البر وابن العربي: أجلُّ من قال به عمر بن عبد
العزيز" اهـ.
стр. 324
ووجه هذا القول من حيث النظر: أنه وعد بمعروف محض (١) ، ولا
سبيل عليه بالإلزام في المعروف. والله أعلم
واستدل له أيضاً بالهبة فإنها لا تتم عند الجمهور إلا بالقبض خلافاً
للمالكية. وذلك يقتضي على مذهب الجمهور: عدم الحكم بها قضاء فيما
لو رجع الواهب عنها قبل قبض الموهوب إياها.
وعليه:
فإذا كانت الهبة لا تلزم إلا بالقبض فكيف يلزم بالهبة لو وعده بها
مجرد وعد إذا قال له: سوف أهبك إياها (٢) .
ولهذا استدل بهذا الفرع على وجوب الوفاء بالوعد: ابن قدامه في
(المغني) والنووي في (الأذكار) وقال:
(واستدل من لم يوجبه بأنه في معنى الهبة، والهبة لا تلزم إلا بالقبض
عند الجمهور، وعند المالكية قبل القبض) اهـ.
أدلة القول الثاني:
الإلزام به - النصوص المتقدمة، ومنها أيضاً حديث " العدة دين " رواه
عن ابن مسعود ﵁ مرفوعاً الطبراني في (الأوسط) ، والقضاعي
وأبو نعيم، والبخاري في: الأدب المفرد والديلمي، والخرائطي في " مكارم
الأخلاق " وأبو داود في " المراسيل "، وابن أبي الدنيا في (الصمت) ، وغيرهم
стр. 325
جميعهم بألفاظ متقاربة وأسانيده لا تخلو من ضعف (١) .
القول الثالث - القائل بالتفصيل - (٢) :
إن احتمل ورطة ألزم به قضاء وإلا فلا، فحجته عموم حديث رفع
الضرر في قوله ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار ".
قال شيخنا الأمين - رحمه الله تعالى- في (أضواء البيان) بعد أن ساق
الخلاف محرراً: (الذي يظهر لي في هذه المسألة والله تعالى أعلم: أن
إخلاف الوعد لا يجوز لكونه من علامات المنافقين، ولأن الله تعالى يقول
﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ وظاهر عمومه يشمل إخلاف
الوعد، ولكن الواعد إذا امتنع عن إنجاز الوعد لا يحكم عليه به ولا يلزم
به جبراً بل يؤمر به ولا يجبر عليه، لأن أكثر علماء الأمة على أنه لا يجبر
الوفاء به لأنه وعد بمعروف محض، والعلم عند الله تعالى اهـ.
стр. 326
المبحث الثالث
البحوث والمؤلفات في هذه النازلة
تم الوقوف على المؤلفات والأبحاث الآتية:
١- بيع المرابحة كما تجريه البنوك الإسلامية. تأليف: محمد بن
سليمان الأشقر. طبع: عام ١٤٠٤ هـ. نشر مكتبة الفلاح بالكويت.
٢- فقه المرابحة في التطبيق الاقتصادي المعاصر. تأليف: عبد
الحميد بن محمود البعلي. نشر مكتبة السلام العالمية بالقاهرة.
٣- بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه المصارف الإسلامية.
تأليف: يوسف القرضاوي. طبع دار القلم بالكويت عام ١٤٠٥ هـ.
٤- المرابحة: أصولها وأحكامها وتطبيقاتها في المصارف الإسلامية.
تأليف: أحمد علي عبد الله. نشر: الدار السودانية. الخرطوم. عام
١٤٠٧ هـ.
٥- كشف الغطاء عن بيع المرابحة للآمر بالشراء. تأليف: رفيق
المصري.
٦- الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية ... الاتحاد الدولي
للبنوك الإسلامية.
стр. 327
٧- المرابحة في البنوك الإسلامية ومناقشة وضعها على ضوء الأدلة.
تأليف: بدر بن عبد الله المطوع. نشر مطبعة الجذور بالكويت.
٨- الاستثمار اللاربوي في نطاق عقد المرابحة. بحث: حسن بن عبد
الله الأمين.
٩- تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية. سامي
حمود - الأردن.
١٠- الودائع المصرفية واستثمارها في الإسلام ص / ٣٢٥ - ٣٣٠.
حسن عبد الله الأمين. السودان.
وقد عقد لمناقشتها عدد من الندوات وفي عدد من مؤتمرات المصارف
الإسلامية والمجامع وصدرت فيها عدة فتاوى. منها:
١- المؤتمر الدولي الثاني للاقتصاد الإسلامي المنعقد في: إسلام آباد
في باكستان عام ١٩٨٣ م.
٢- مؤتمر المصرف الإسلامي الأول بدُبي عام ١٣٩٩ هـ.
٣- مؤتمر المصرف الإسلامي الثاني بالكويت عام ١٤٠٣ هـ.
٤- المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية / عمان عام
١٤٠٧ هـ.
٥- فتوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز / السعودية.
٦- فتوى الشيخ بدر المتولي عبد الباسط / الكويت.
стр. 328
المبحث الرابع
صور بيع المواعدة
وفيه: الصورة الجارية في المصارف الإسلامية (بيع المرابحة للآمر
بالشراء) . بالتتبع يمكن أن تكون صور بيع المواعدة، أو يقال صور بيع
المرابحة للآمر بالشراء) كما يلي:
الصورة الأولى: وتنبني على التواعد غير الملزم بين الطرفين مع عدم
ذكر مسبق لمقدار الربح.
وهي: أن يرغب العميل شراء سلعة بعينها فيذهب إلى المصرف
ويقول: اشتروا هذه البضاعة لأنفسكم ولي رغبة بشرائها بثمن مؤجل أو
معجل بربح، أو سأربحكم فيها.
الصورة الثانية: وتنبني على التواعد غير الملزم بين الطرفين، مع ذكر
مقدار ما سيبذله من ربح.
وهي: أن يرغب العميل شراء سلعة معينة ذاتها أو جنسها،
فيذهب إلى المصرف ويقول: اشتروا هذه السلعة لأنفسكم، ولي رغبة
بشرائها بثمن مؤجل أو معجل، وسأربحكم زيادة عن رأس المال: ألف
ريال مثلاً.
الصورة الثالثة: وتنبني على المواعدة الملزمة بالاتفاق بين الطرفين،
стр. 329
مع ذكر مقدار الربح.
وهي: أن يرغب العميل شراء سلعة معينة ذاتها أو جنسها
المنضبطة عينها بالوصف، فيذهب إلى المصرف ويتفقان على أن يقوم
المصرف ملتزماً بشراء البضاعة من عقار أو آلات أو نحو ذلك، ويلتزم
العميل بشرائها من المصرف بعد ذلك، ويلتزم المصرف ببيعها للعميل
بثمن اتفقا عليه مقداراً أو أجلاً أو ربحاً.
стр. 330
المبحث الخامس
سبب وجودها
تئن الديار الإسلامية من المعاملات الربوية الضاربة بجرانها في البنوك
والمصارف الربوية، ومن دور المحاربة لله ولرسوله ﷺ ، وأكبر مركز يهز
الاقتصاد ويخرب الديار، ويمتص روح الحياء والحياة، ويؤول بالأمة إلى
جمع فقير غارم.
وفي طليعة المعاملات التي يهرع إليها كثيرون (صريح الربا) المجلل
بالاسم الكاذب (القرض بالفائدة) .
وإن من مآثر المد الإسلامي المعاصر: حركة المصارف والبنوك
الإسلامية، فكان حقيقاً عليها إيجاد المعاملات الإسلامية لرد الأمة في
معاملاتها إلى دين الله وشرعه، وكف الدخيل عليها.
فكما ولد المسلم من نكاح بعقد شرعي فَلْيَسِرْ في حياته وكسبه وما
فيه قوام دينه ودنياه على جادة العقود الشرعية المتخلصة من الربا وضرره.
فرفضاً لذلك الربا الصريح (القرض بفائدة) ، صار إيجاد المصارف
الإسلامية لهذه المعاملة التي أطلق عليها اسم: بيع المرابحة، أو بيع
المرابحة للآمر بالشراء، والذي يناسب أن يطلق عليها اسم: (بيع
المواعدة) . لأن فيه وعداً من الطرفين: وعداً من العميل بالشراء من البنك،
стр. 331
ووعداً من البنك بشراء السلعة وبيعها عليه. والمواعدة في هذا البيع ملزمة
أو غير ملزمة هي أساس الاختلاف فيه حِلاًّ وحرمة فصارت تسميته (بيع
مواعدة) أولى، والأسماء قوالب للمعاني.
فهل هذه المعاملة كالقرض بالفائدة في التحريم؟ أم تجوز مطلقاً أم
فيها تفصيل؟ كما يوضحه المبحث التالي. والله أعلم.
стр. 332
المبحث السادس
حكمها
وَهِلَ جماعة من الباحثين في أبحاثهم فحسبوها من نوازل العصر
وقضاياه، فصار الوقوع في أنواع من الغلط والوهم، سيأتي التنبيه عليها
بَعْدُ - إن شاء الله تعالى - في هذا المبحث.
والحال أن هذا الفرع الفقهي بصوره مدوَّن عند الفقهاء المتقدمين في
مباحث الحيل، والبيوع، فهو عند: محمد بن الحسن الشيباني في كتاب
(الحيل) ص / ٧٩، ص / ١٢٧، ومالك في (الموطأ) ومعه (المنتقى للباجي)
ص / ٣٨ - ٣٩، والشافعي في (الأم) ٣ / ٣٩، وابن القيم في (أعلام
الموقعين) ٤ / ٣٩. وغيرها كثير.
وهذه نصوصهم فيها:
١- الحنفية:
ففي كتاب (الحيل) لمحمد بن الحسن الشيباني قال: (قلت: أرأيت
رجلاً أمر رجلاً أن يشتري داراً بألف درهم، وأخبره أنه إن فعل اشتراها
الآمر بألف درهم ومائة درهم، فأراد المأمور شراء الدار، ثم خاف إن
اشتراها أن يبدو للآمر فلا يأخذها. فتبقى في يد المأمور، كيف الحيلة في
ذلك.؟
стр. 333
قال: يشتري المأمور الدار على أنه بالخيار ثلاثة أيام، ويقبضها،
ويجيء الآمر ويبدأ فيقول: قد أخذت منك هذه الدار بألف ومائة درهم.
فيقول المأمور: هي لك بذلك، فيكون ذلك للآمر لازماً، ويكون استيجاباً
من المأمور للمشتري أي ولا يقل المأمور مبتدئاً: بعتك إياها بألف ومائة،
لأن خياره يسقط بذلك فيفقد حقه في إعادة البيت إلى بائعه، وإن لم
يرغب الآمر في شرائها تمكن المأمور من ردها بشرط الخيار، يدفع عنه
الضرر بذلك) اهـ.
وفي الموطأ للإمام مالك رحمه الله تعالى في: باب بيعتين في
بيعة: " أنه بلغه أن رجلاً قال لرجل: ابتع لي هذا البعير بنقد حتى أبتاعه
منك إلى أجل فسأل عن ذلك عبد الله بن عمر فكرهه ونهى عنه " اهـ.
والمسألة مبسوطة لدى المالكية كما في (١) المنتقى للباجي ٥ / ٣٨ -
٣٩، والكافي لابن عبد البر. والمقدمات لابن رشد ٢ / ٥٣٧، وخليل في:
المختصر، وشرَّاحه كافة.
وهذا نص ابن رشد في (المقدمات) (٢) : (فصل: والعينة على ثلاثة
أوجُه: جائزة ومكروهة ومحظورة، فالجائزة أن يمر بالرجل من أهل العينة
فيقول له: هل عندك سلعة أبتاعها منك فيقول له: لا، فيخبره أنه قد
اشترى السلعة التي سأل عنها فيبيعها بما شاء من نقد أو نسيئة.
والمكروهة: أن يقول له اشتر سلعة كذا وكذا فأنا أربحك فيها
وأشتريها منك من غير أن يراوضه على الربح.
стр. 334
والمحظورة: الأولى: أن يراوضه على الربح فيقول له اشتر سلعة كذا
وكذا بعشرة دراهم نقداً وأنا أبتاعها منك باثني عشر نقداً.
والثانية: أن يقول له اشترها لي بعشرة نقداً وأنا أشتريها منك باثني
عشر إلى أجل.
والثالثة: عكسها وهي أن يقول له اشترها لي باثني عشر إلى أجل وأنا
أشتريها منك بعشرة نقداً.
والرابعة: أن يقول له اشترها لنفسك بعشرة نقداً وأنا أشتريها منك
باثني عشر نقداً.
والخامسة: أن يقول له اشترها لنفسك بعشرة نقداً وأنا أبتاعها منك
باثني عشر إلى أجل.
والسادسة: عكسها وهي أن يقول له اشترها لنفسك أو اشتر ولا يزيد
على ذلك باثني عشر إلى أجل وأنا أبتاعها منك بعشرة نقداً.
فأما الأول وهو أن يقول اشترها لي بعشرة نقداً وأنا أشتريها منك باثني
عشر نقداً فالمأمور أجير على شراء السلعة للآمر بدينارين، لأنه إنما
اشتراها له.
وقوله: (وأنا أشتريها منك) لغو لا معنى له، لأن العقدة له بأمره فإن
كان النقد من عند الآمر أو من عند المأمور بغير شرط فذلك جائز وإن كان
النقد من عند المأمور بشرط فهي إجارة فاسدة، لأنه إنما أعطاه الدينارين
أن يبتاع له السلعة بالنقد من عنده الثمن عنه فهي إجارة وسلف ويكون
للمأمور إجارة مثله إلا أن تكون أجرة مثله أكثر من الدينارين فلا يزاد
عليهما على مذهب ابن القاسم في البيع والسلف إذا كان السلف من غير
стр. 335
البائع، وفاتت السلعة أن للبائع أقل من القيمة بالغة ما بلغت يلزم أن يكون
للمأمور هاهنا أجرة مثله بالغة ما بلغت وإن كانت أكثر من الدينارين،
والأصح أن لا تكون له أجرة، لأنا إن جعلنا الأجرة كانت للسلف فكان
تتميماً للربى الذي عقدا فيه وهو قول سعيد بن المسيب: فهي ثلاثة أقوال
فيما يكون له من الأجرة إذا نقد المأمور الثمن بشرط وهذا إذا عثر على
الأمر يحدثانه ورد السلف إلى المأمور قبل أن ينتفع به الآمر وأما إن لم
يعثر على الأمر حتى انتفع الآمر بالسلف قدوماً يرى أنهما كانا قصداً فلا
يكون في المسألة إلا قولان:
أحدهما: أن للمأمور أجرته بالغة ما بلغت.
الثاني: أنه لا شيء له ولو عثر على الأمر قبل الابتياع وقبل أن ينقد
المأمور الثمن لكان النقد من عند الآمر ولكان فيما يكون للأجير قولان:
أحدهما: أن له إجارة مثله بالغة ما بلغت.
الثاني: أن له الأقل من إجارة مثله أو الدينارين، وابن حبيب يرى أن
المأمور إذا نقد فقد تقدم الحرام بينهما فتدبر ذلك.
وأما الثانية وهو أن يقول اشتر لي سلعة كذا بعشرة نقداً وأنا أبتاعها
منك باثني عشر إلى أجل فذلك حرام لا يحل ولا يجوز لأنه رجل ازداد
في سلفه فإن وقع ذلك لزمت السلعة للآمر لأن الشراء كان له وإنما أسلفه
المأمور ثمنها ليأخذ به منه أكثر منه إلى أجل، فيعطيه العشرة معجلة ويطرح
عنه ما أربى، ويكون له جعل مثله بالغاً ما بلغ، في قول، والأقل من
جُعْلِ مثلها أو الدينارين اللذين أربى بهما في قول، وفي قول سعيد بن
المسيب لا أجرة له بحال لأن ذلك تتميم للربا كالمسألة المتقدمة قال في
стр. 336
سماع سحنون: وإن لم تفت السلعة فسخ البيع وهو بعيد. فقيل: معنى
ذلك إذا علم البائع الأول بعلمهما.
وأما الثالثة: هي أن يقول له اشترها لي باثني عشر إلى أجل وأنا
أبتاعها منك بعشرة نقداً فذلك أيضاً حرام لا يجوز، ومكروهه أنه استأجر
المأمور على أن يبتاع له السلعة بسلف عشرة دنانير تدفع إليه ينتفع بها إلى
الأجل يردها إليه فيلزم الآمر السلعة باثني عشر إلى أجل ولا يتعجل المأمور
منه العشرة النقد وإن كان قد دفعها إليه صرفها عليه ولم تترك عنده إلى
الأجل وكان له جعْلُ مثله بالغاً ما بلغ في هذا الوجه باتفاق.
وأما الرابعة: وهي أن يقول له اشتر سلعة كذا بعشرة نقداً وأنا أشتريها
منك باثني عشر نقداً فاختلف في ذلك قول مالك فمرة أجازه إذا كانت
البيعتان جميعاً بالنقد وانتقد، ومرة كرهه للمراوضة التي وقعت بينهما في
السلعة قبل أن تصير في ملك المأمور.
وأما الخامسة: وهي أن يقول اشتر لي سلعة كذا بعشرة نقداً وأنا
أبتاعها منك باثني عشر إلى أجل فهذا لا يجوز، إلا أنه يختلف فيه إذا
وقع، فروى سحنون عن ابن القاسم وحكاه عن مالك أن الآمر يكره الشراء
باثني عشر إلى أجل لأن المشتري كان ضامناً لها لو تلفت في يده قبل
أن يشتريها منه الآمر، ولو أراد أن لا يأخذها بعد اشتراء المأمور كان ذلك
له، واستحب للمأمور أن يتورع فلا يأخذ من الآمر إلا ما نقد في ثمنها.
وقال ابن حبيب: يفسخ البيع الثاني إن كانت السلعة قائمة وترد إلى
المأمور فإن فاتت ردت إلى قيمتها معجلة يتم قبضها الآمر كما يصنع بالبيع
الحرام لأنه كان على مواطأة بيعها قبل وجوبها للمأمور فدخله بيع ما ليس
عندك.
стр. 337
وأما السادسة: وهي أن يقول له اشترها لنفسك باثني عشر إلى أجل
وأنا أبتاعها منك بعشرة نقداً. فروى سحنون عن ابن القاسم أيضاً أن البيع
لا يرد إذا فات ولا يكون على الآمر إلا العشرة، وأحب إليه أن لو أردفه
الخمسة الباقية لأن العقدة الأولى كانت للمأمور ولو شاء المشتري لم
يشتر، وقال ابن حبيب: يفسخ البيع الثاني على كل حال كما يصنع بالبيع
الحرام للمواطأة التي كانت للبيع قبل وجوبها للمأمور فإن فاتت ردت إلى
قيمتها يوم قبضها الثاني، وهو ظاهر رواية سحنون أن البيع يفسخ ما لم
تفت السلعة وبالله التوفيق وهو الهادي إلي أقوم طريق.
وقال الدردير (في الشرح الصغير ٣ / ١٢٩) قالوا (١) :
" العينة: وهي بيع من طلبت منه سلعة للشراء وليست عنده، لطالبها
بعد شرائها - جائز، إلا أن يقول الطالب: اشترها بعشرة نقداً، وأنا آخذها
منك باثني عشر إلى أجل فيمنع فيه من تهمة (سلف جر نفعاً) ، لأنه كأنه
سلفه ثمن السلعة يأخذ عنها بعد الأجل اثني عشر " اهـ.
وفي (الأم) للإمام الشافعي - رحمه الله تعالى:
(إذا أرى الرجل الرجل: السلعة، فقال: اشترها وأربحك فيها كذا
فاشتراها الرجل فالشراء جائز، والذي قال: أربحك فيها بالخيار، إن شاء
أحدث فيها بيعاً وإن شاء تركه.
وهكذا إن قال: اشتر لي متاعاً ووصفه له، أو متاعاً أي متاع شئت
وأنا أربحك فيه فكل هذا سواء.
стр. 338
ويجوز البيع الأول، ويكون فيما أعطى من نفسه بالخيار. وسواء في
هذا ما وصفت إن كان قال: ابتعه وأشتريه منك بنقد أو دين، يجوز البيع
الأول، ويكون بالخيار في البيع الآخر، فإن جدّداه جاز. وإن تبايعا به على
أن ألزما أنفسهما فهو من قبيل شيئين:
أحدهما: أنه تبايعاه قبل أن يملكه البائع.
والثاني: أنه على مخاطرة أنك إن اشتريته على كذا أربحك فيه كذا.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في (أعلام الموقعين) :
(المثال الموفي مائة - أي من أمثلة الحيل - رجل قال لغيره: اشتر هذه
الدار أو هذه السلعة من فلان بكذا وكذا وأنا أربحك فيها كذا وكذا، فخاف
إن اشتراها أن يبدو للآمر فلا يريدها ولا يتمكن من الرد.
فالحيلة: أن يشتريها على أنه بالخيار ثلاثة أيام، أو أكثر ثم يقول
للآمر: قد اشتريتها بما ذكرت، فإن أخذها منه وألا تمكن من ردها على
البائع بالخيار، فإن لم يشترها الآمر إلا بالخيار فالحيلة: أن يشترط له خياراً
أنقص من مدة الخيار، التي اشترطها هو على البائع، ليتسع له زمن الرد
إن ردت عليه) اهـ.
هذه جملة من نصوص العلماء في هذا الفرع الفقهي الذي تبنته
المصارف الإسلامية للتعامل به مع العميل لها مستبعدة معاملة البنوك
التجارية الربوية من معاملة صريح الربا (القرض بفائدة) .
ومن هذه النقول يتضح الحكم في كل واحد من الصور الثلاث
المتقدمة على ما يلي:
стр. 339
الصورة الأولى: التي تنبني على التواعد بين الطرفين - غير الملزم مع
عدم ذكر مسبق لمقدار الربح وتراوض عليه - فالظاهر الجواز: عند الحنفية
والمالكية والشافعية، كما تقدم نقله من كلام ابن رشد في المذهب
المالكي.
وذلك لأنه ليس في هذه الصورة التزام بإتمام الوعد بالعقد أو
بالتعويض عن الضرر لو هلكت السلعة فلا ضمان على العميل فالبنك
يخاطر لشراء السلعة لنفسه وهو على غير يقين من شراء العميل لها بربح،
فلو عدل أحدهما عن رغبته فلا إلزام ولا يترتب عليه أي أثر فهذه الدرجة
من المخاطرة هي التي جعلتها في حيز الجواز والله أعلم (١) .
الصورة الثانية: التي تنبني على التواعد غير الملزم بين الطرفين مع
ذكر مسبق لمقدار ما سيبذله من الربح ومراوضته عليه فقد تقدم في كلام
ابن رشد أنها من العينة المحظورة لأنه رجل ازداد في سلفه وتقدم نقل كلام
الشرح الصغير والله أعلم.
الصورة الثالثة: التي تنبني على المواعدة والالتزام بالوفاء بها بالاتفاق
بين الطرفين قبل حوزة المصرف للسلعة، واستقرارها في ملكه، مع ذكر
مقدار الربح مسبقاً واشتراط أنها إن هلكت فهي من ضمان أحدهما
بالتعيين - فهذه حكمها البطلان والتحريم فهي أخية القرض بفائدة، وذلك
للأدلة الآتية:
١- أن حقيقتها عقد بيع على سلعة مقدرة التملك للمصرف بثمن
مربح قبل أن يملك المصرف السلعة ملكاً حقيقياً وتستقر في ملكه.
стр. 340
٢- عموم الأحاديث النبوية التي نصت على النهي عن بيع الإنسان ما
ليس عنده.
منها حديث حكيم بن حزام ﵁، قال: قلت: يا رسول الله
يأتيني الرجل فيسألني المبيع لما ليس عندي فأبيعه منه ثم أبتاعه من
السوق، فقال ﷺ : " لا تبع ما ليس عندك " رواه أصحاب السنن وقال
الترمذي: حديث حسن.
فسبب الحديث نص في بيع الإنسان ما لا يملك فحكم ﷺ بالنهي
عنه. قال ابن قدامه في (المغني) (١) :
وعلته والله أعلم (الغرر في القدرة على التسليم وقت العقد) (٢) .
وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " لا يحل سلف
وبيع ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك ".
رواه أصحاب السنن وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٣) :
" فاتفق لفظ الحديثين على نهيه ﷺ عن بيع ما ليس عنده فهذا هو
المحفوظ من لفظه ﷺ ، وهو يتضمن نوعاً من الغرر فإنه إذا باعه شيئاً معيناً
وليس في ملكه ثم مضى ليشتريه ويسلمه له كان متردداً بين الحصول
وعدمه فكان غرراً يشبه القمار فنهى عنه.
стр. 341
وقد ظن بعض الناس: أنه إنما نهى عنه لكونه معدوماً فقال: لا يصح
بيع المعدوم، وروى في ذلك حديثاً أنه ﷺ نهى عن بيع المعدوم. وهذا
الحديث لا يعرف في شيء من كتب الحديث ولا له أصل " اهـ.
وقال الخطابي رحمه الله تعالى (١) :
قوله " لا تبع ما ليس عندك " يريد بيع العين دون بيع الصفة ألا ترى
أنه أجاز السلم إلى الآجال، وهو بيع ما ليس عند البائع في الحال، وإنما
نهى عن بيع ما ليس عند البائع من قبل الغرر، وذلك مثل أن يبيعه عبده
الآبق، أو جمله الشارد.
ويدخل في ذلك: كل شيء ليس بمضمون عليه، مثل أن يشتري
سلعة فيبيعها قبل أن يقبضها ... اهـ.
٣- عموم الأحاديث النبوية التي نصت على نهي الإنسان عن بيع ما
اشتراه ما لم يقبضه (٢) .
وقد صحت الأحاديث في هذا من حديث ابن عمر، وابن عباس وابن
عمرو ﵃ وغيرهم رضي الله عن الجميع.
منها حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " من
ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه " رواه الستة إلا الترمذي.
وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ " نهى عن ربح ما لم
يضمن وعن بيع ما لم يقبض " رواه الترمذي وغيره.
стр. 342
وقد حكى: ابن المنذر، والخطابي، وابن القيم، وغيرهم: الإجماع
على أن من اشترى طعاماً فليس له بيعه حتى يقبضه.
وأما بيع ما يشتريه الإنسان قبل قبضه من غير الطعام من مكيل أو
موزون أو عقار وغير ذلك ففيه خلاف على أقوال أربعة. والذي عليه
المحققون هو: أنه لا يجوز بيع شيء من المبيعات قبل قبضه بحال وهو
مذهب ابن عباس ومحمد بن الحسن، وإحدى الروايات عن أحمد، حكى
ذلك ابن القيم واختاره فقال (١) : (وهذا القول هو القول الصحيح الذي
نختاره) اهـ.
ثم حرر ابن القيم رحمه الله تعالى الخلاف في علة المنع من بيع
ما لم يقبض وقال (٢) :
(فالمأخذ الصحيح في هذه المسألة أن النهي معلل بعدم تمام
الاستيلاء وعدم انقطاع علاقة البائع عنه، فإنه يطمع في الفسخ والامتناع
عن الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه ... ) اهـ.
ووجه الاستدلال من هذا في مسألتنا هذه: أن النصوص إذا كانت
صريحة صحيحة عن النبي ﷺ في النهي عن بيع ما لم يقبض، وأنه على
عمومه، وأن العلة عدم تمام الاستيلاء والاستقرار في ملك المشتري -
فكيف يجوز للمصرف أن يبيع ما لم يملك أصلاً ويصافق ويربح فيه فملكه
تقديري لا حقيقي، واستيلاؤه عليه تقديري لا حقيقي. فالمنع من هذا
يكون من باب الأولى، والله أعلم.
стр. 343
٤- إن حقيقة هذا العقد: بيع نقد بنقد أكثر منه إلى أجل بينهما سلعة
محللة فغايته (قرض بفائدة) .
ولهذا قال ابن عباس ﵄ في بيع ما لم يقبض (١) :
" أنه يكون قد باع دراهم بدراهم والطعام مرجى " رواه البخاري ومسلم
والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه.
قال الخطابي:
(وهو غير جائز لأنه في التقدير بيع ذهب بذهب والطعام مؤجل غائب
غير حاضر ... ) اهـ.
والذي عليه المحققون هو شمول النهي عن بيع ما لم يقبض من طعام
وغيره وإن ذكر الطعام خرج مخرج الغالب. والله أعلم (٢) .
٥- أن البيوعات المنهي عنها ترجع إلى قواعد ثلاث:
١- الربا.
٢- الغرر.
٣- أكل أموال الناس بالباطل.
وقد روى الجماعة إلا البخاري من حديث أبي هريرة ﵁
أن النبي ﷺ نهى عن بيع الغرر.
وفي معناه أحاديث أخر، وهذا الحديث ليس من باب إضافة الموصوف
стр. 344
إلى صفته فيكون ﷺ نهى عن بيع الذي هو غرر وإنما من باب إضافة
المصدر إلى مفعوله، فالمبيع نفسه هو الغرر كبيع الثمار قبل بدو صلاحها
(وبيع ما لا يملكه) وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما
الله تعالى (١) .
ولهذا لما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى المعدوم وهي:
معدوم موصوف في الذمة (السلم) وهو جائز اتفاقاً.
ومعدوم تبع للموجود مثل بيع الثمار بعد بدو صلاحها وهو جائز اتفاقاً.
ومثل بيع المقاهي والمطابخ على التحقيق قال، وأما الثالث (٢) :
(الثالث: معدوم لا يدري يحصل أو لا يحصل ولا ثقة لبائعه بحصوله
بل يكون المشتري منه على خطر فهذا الذي منع الشارع بيعه لا لكونه
معدماً بل لكونه غرراً فمنه صورة النهي التي تضمنها حديث حكيم بن حزام
وابن عمر ﵄، فإن البائع إذا باع ما ليس في ملكه ولا له
قدرة على تسليمه ليذهب ويحصله ويسلمه إلى المشتري كان ذلك شبيهاً
بالقمار والمخاطرة من غير حاجة بهما إلى هذا العقد ولا تتوقف مصلحتهما
عليه) اهـ.
وجهة نظر المخالف:
يتضح مما تقدم أنه ليس من خلاف يؤثر عند أهل العلم في أن البيع
في (الصورة الثالثة) باطل محرم. لكن لما أثيرت في العصر الحاضر،
стр. 345
وكتب فيها من كتب وجرى الخلاف بين الكاتبين فيها بين الجواز والمنع.
قرر المجيزون الجواز لعدة وجوه:
وهي أن الوعد ملزم، وأن العين مرادة (حقيقية) في هذا العقد، والعقد
حقيقي وليس صورياً، فالعميل يقصد الانتفاع بالعين ولا يريدها للتوصل
إلى دراهم يحتاجها.
وأن النهي عن بيع الإنسان ما ليس عنده: خاص فيما كان فيه البيع
حالاً بتسليم العين المباعة أما إذا كانت العين المباعة مؤجلة إلى أجل
محدود فلا، وينسحب عليها حكم بيوع الآجال.
وأن النهي عن بيع المعدوم: هو ما كان المعدوم فيه مجهول الوجود
في المستقبل أما العين هنا فهي محققة الوجود مستقبلاً حسب العادة (١) .
وأنه في هذه الصورة لو تأخر العميل في أداء الثمن لم يفرض عليه
أي زيادة في الثمن.
وأنه على أقل الأحوال فإن الحاجة في التعامل داعية إليه كما دعت
إلى السلم، والاستصناع - واغتفر ما يعتريها من الغرر تقديراً للحاجة،
والحاجة هنا داعية، لاتساع رقعة التعامل وتضخم رؤوس الأموال، وحاجة
المنشآت إلى دعمها بالآلات والمباني التي لا قوام لها إلا بها، فإذا لم
تتم تلك المعاملة وقع المسلم في حرج ومشقة الفوات لمصالح يريد
تحقيقها فإن لم تكن من هذا الباب، اضطر إلى (القرض بفائدة) ودينه
يعصمه من هذا الربا المحرم، فليقرر هذا التعامل تحت وطأة الحاجة
(الضرورة) والانتشال من المحرم وتحقيق مصالح المسلمين.
стр. 346
المبحث السابع
في الضوابط الكلية
الضوابط الكلية التي تجعل (بيع المواعدة) أي (المرابحة للآمر
بالشراء كما تجريه المصارف الإسلامية) في دائرة الجواز هي على ما يلي:
١- خلوها من الالتزام بإتمام البيع كتابة أو مشافهة. قبل الحصول على
العين بالتملك والقبض.
٢- خلوها من الالتزام بضمان هلاك (السلعة) أو تضررها من أحد
الطرفين: العميل أو المصرف، بل هي على الأصل من ضمان المصرف.
٣- أن لا يقع العقد المبيع بينهما إلا بعد قبض المصرف للسلعة
واستقرارها في ملكه.
والله أعلم.
стр. 347
" ٨ "
حق التأليف تاريخاً وحكماً
стр. 348
الحمد لله بجميع محامده على جميع آلائه ونعمه، والصلاة والسلام
على خاتم أنبيائه ورسله، ورضي الله عن صحابته ومن اهتدى بهديه واستن
بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد - فإن نازلة الحقوق المعنوية مهمة في: حكم تملكها
والتصرفات الواردة عليها مثل بيع الاسم التجاري والترخيص وحقوق الإنتاج
العلمي أو (الإنتاج الذهني) ومن مفرداتها (نازلة حقوق التأليف) هل تملك
وترد عليها التصرفات من بيع ونحوه أم لا؟ .
وقد عقدت من أجل هذه مؤتمرات وألفت فيها مؤلفات، حتى صارت
محلاً لعدد من البحوث الجامعية، لكنها من وجهة القانون الوضعي، وأما
لدى علماء الشريعة ففيها مقالات، ومباحث وفي أعقاب ثورة الإنتاج
الطباعي لقاء (ثورة الإنتاج الذهني) وإحياء مآثر الأسلاف كثرت في هذه
المسألة التساؤلات وصارت قضايا وخصومات وأهل العلم فيها بين الحظر
والإباحة والحرمة والجواز، ولكل وجهة هو موليها.
فمن الضرورة تحرير النظر فيها لرفع التهارج أمام القضاء، ودفع
التواثب والتغالب بين المؤلفين والباعة من الكتبيين والوراقين، وغيرهم من
دور الطباعة والنشر ولأن هذه النازلة قد اشتهرت في الدلائل وتبارت فيها
الأنظار، وظهر لدى بعض الباحثين عسر الاحتجاج كما سترى التنبيه عليه
في هذا الكتاب، وهم مع نظرائهم متفاوتون على قدر القرائح والفهوم،
стр. 349
والشأن فيما ينتظمه الدليل، ويستقيم فيه النظر والتعليل. وهده قبلة
الإنصاف وبها تتساقط الاحتمالات والأقاويل الضعاف، وهل هي من ذوات
الدليل في التشريع أم أن الشريعة أرسلتها فلم تنط بها حكماً معيناً فتجول
في دائرة (المصالح المرسلة) فيبقى تقدير التمايز بين المصالح المجلوبة
والمفاسد المطرودة فيحصل القول الراجح ويهمل المرجوح.
ولهذا قيدت خلاصة ما وقفت عليه بعد طول تتبع واستقراء، عاقداً له
الأبحاث الآتية:
المبحث الأول: في الطباعة، تاريخها وانتشارها.
المبحث الثاني: حق التأليف في المجالات الدولية والحكومية
والفردية.
المبحث الثالث: التاريخ القديم لحق التأليف.
المبحث الرابع: في عنوان هذه النازلة والتعريف به.
المبحث الخامس: الحقوق الواردة على التأليف وبيان حكمها
الشرعي.
المبحث السادس: في حق النشر والتوزيع وحكمه شرعاً.
والله الموفق
стр. 350
المبحث الأول
في فن الطباعة
تاريخ اختراعها، وتدرج انتشارها في الديار الإسلامية
كان النسخ قبل ظهور المطابع هو الأداة الوحيدة لتقييد العلم تخطه
أيدي العلماء بأقلامهم على (الورق) بأنواعه في تطوراته من الصحف
والقرطاس والرق وهي من ألفاظ القرآن الكريم، وهو الجلد - والمهرق -
وهو: الصحيفة معرّب جمعه (مهارق) والكاغد - وهو اصطلاح فارسي -
وكانت تستورده العرب من فارس، والورق هو الذي اكتسب الصفة بعد.
قال حسان ﵁:
عرفت ديار زيد بالكثيب ... كخط الوحي بالورق القشيب
وقد عني المتقدمون ومنهم ابن النديم في الفهرست بذكر أنواع الورق
فعقد لها باباً، والقلقشندي في (صبح الأعشى) ، وفي (مجلة المجمع
العلمي العراقي) لعام ١٣٨٥ هـ بحث حافل.
وبما أنه هو الوسيلة لتقييد العلم وتداوله محرراً فإن النسخ أصبح حرفة
رائجة وسوقاً نافقة. فإن المؤلف بعد أن يبذل جهداً من الوقت والتفكير
والكتابة والورق والمداد يقي كتابه لديه لَقىً ليس من وسيلة لإبرازه ونشره
إلا عن طريق النسخ، ولهذا انتشر في طبقات العلماء في العصور كافة من
стр. 351
اشتهر بالنسخ من العلماء والطلاب والوراقين وخلق سواهم. وقد حفلت
كتب التراجم بذكرهم وبأصحاب الخط المنسوب (أي الجميل) منهم.
فكم رأى الناظر في التراجم قولهم: ونسخ ما لا يحصى كثرة، وقول
بعضهم: وكان ينسخ بأجر، أو كان يحترف النسخ، أو: كان يتقوت به
أو: كانت منه بلغته أو: يتبلغ من النسخ، أو: كان ذا حظ فيه.
واهتم العلماء - وبخاصة المحدثين منهم - بأمر النسخ وضبطه لتلافي
ما يقع من بلايا النسخ من أمور عظام من التصحيف والتحريف فأفردت
من أجله مصنفات طوال، وقد قال بعضهم: " الناسخ ماسخ ". ونقل الشاعر
أحاسيسهم فقال:
وكم ناسخ أضحى لمعنى مغيراً ... وجاء بشيء لم يرده المصنف
ولو شاهد هذا القائل ما يقع في الطبع لا سيما الطبعات التجارية أو
التي ينشرها المتعالمون لرأى ذلك مضاعفاً.
والمهم هنا ذكر أمثلة النسخ في عصور الإسلام، فهؤلاء كتاب النبي
ﷺ وقد أفردت بأخبارهم المصنفات من أكبرها: المصباح المضيء لابن
حديدة، وقد أوصلهم العراقي في ألفيته إلى (٤٢) كاتباً. ومن الصحابة
رضي الله تعالى عنهم من اشتهر بكتابة المصاحف منهم: ناجية الطفاوي،
ونافع بن ظريب النوفلي وكم كان ابتهاج المسلمين في جميع الأقطار
بمصحف عثمان ﵁ وانظر التراتيب الإدارية (١) .
وكان لابن عمر كتب ينظر فيها قبل أن يخرج إلى الناس لكن إسناده
стр. 352
غريب كما في: السير للذهبي (١) ، وفيها أن مالك بن دينار (م سنة ١٢٧ هـ)
من أعيان كتبة المصاحف كان من ذلك بلغته (٢) ، وفيها أيضاً (٣) قال رباح
بن عمرو القيسى سمعت مالك بن دينار يقول: دخل عليَّ جابر بن زيد
وأنا أكتب فقال: يا مالك، مالك عمل إلا هذا تنقل كتاب الله، هذا والله
الكسب الحلال، وفيها أن مطر الوراق (م سنة ١٢٩ هـ) كان يكتب
المصاحف ويتقن ذلك (٤) . وفي التهذيب قال (٥) : كان يكتب المصاحف
بالأجرة ويتقوت بأجرته وكان لا يأكل شيئاً من الطيبات من المتعقدة الصبر
والمتقشفة الخشن.
وقال جعفر بن سليمان: كان ينسخ المصحف في أربعة أشهر فيدع
أجرته عند البقال فيأكله. اهـ.
وفيها أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى (م سنة ٢٣١) لما
سرقت ثيابه لم يقبل الصدقة فنسخ سماعه من ابن عيينة بدراهم اكتسى
منها ثوبين (٦) .
وفي المنتظم (٧) بأن محمد بن أحمد المعروف بابن أبي الشيخ (م سنة
٤٣٣ هـ) يذكرون في ترجمته أنه كان يكتب الشيء الكثير من الحديث.
وابن مقلة: الحسن بن علي (م سنة ٣٣٨ هـ) كان أكتبَ من أخيه في
стр. 353
قلم الدفاتر والنسخ وكان أبوهما كاتباً مليح الخط ثم ذكر ياقوت جمعاً من
أولادهما شهروا بالنسخ ثم ذكر من خبر أبي عبد الله هذا ما يستظرف (١) .
وهذا يحي الأرزني (م سنة ٤١٥ هـ) يكتب الفصيح لثعلب في كل يوم
ويبيعه بنصف دينار ويشتري به قوته، ولا يبيت حتى ينفق ما معه منه (٢) .
وفي تاريخ ابن كثير أن العكبري الحنبلي (م سنة ٤٢٨ هـ) كان
يسترزق من الوراقة وهي النسخ (٣) وابن الخاضبة المحدث الحافظ (م سنة
٤٨٩ هـ) قال عنه أبو سعد السمان المعتزلي: نسخ ابن الخاضبة صحيح
مسلم بالأجرة سبع مرات (٤) .
وفيها أيضاً (٥) (أن أُبياً النرسي الحافظ المسند (م سنة ٥١٠ هـ) كان
ينسخ بالأجرة يستعين على العيال.
وفيها (٦) أن الماوردي المحدث محمد بن الحسن البصري (م سنة
٥٢٥ هـ) كان ينسخ للناس بالأجرة.
وفي المنتظم (٧) أن عبد الملك بن عبد الله (الكرخي م سنة ٥٤٨ هـ)
كان يكتب نسخاً من جامع الترمذي ويبيعها فيتقوت بها.
وفي السير للذهبي (٨) أن أحمد بن علي الداني (م سنة ٦٠٩ هـ) كان
ينسخ التيسير بأسبوع ويقتات بثمنه، وكان ورعاً.
стр. 354
وفيها (١) أن النشنبري (م سنة ٥٤٨ هـ) كان ثقة صالحاً يتبلغ من
النسخ.
وفيها (٢) أن ابن المجد الحافظ أحمد بن المحدث عيسى بن الموفق
ابن قدامه (م سنة ٦٤٣ هـ) كتب لنفسه وبالأجرة وأفاد الطلبة.
وفي شذرات الذهب (٣) أن محمد بن محمد الأعزازي (م سنة ٩٦٨ هـ)
يذكرون في ترجمته من نسخ الكتب المبسوطة ما يكاد يخرج عن طوق
البشر وكتب نحو خمسين مصحفاً.
ومن الغريب أن جوهرة التوحيد للقاني (م سنة ١٠٤١ هـ) كتب منها
في يوم واحد خمسمائة نسخة (٤) .
وفيها (٥) أن القشاش المغربي (م سنة ١٠٣١ هـ) كان في خزانته ألف
نسخة من صحيح البخاري. وفي معجم الأدباء (٦) أن المبارك بن المبارك
الكرخي كان أوحد زمانه في حسن الخط على طريقة ابن البواب وكان
ضنيناً بخطه جداً فلذلك قل وجوده. والأخبار من هذا النوع كثيرة جداً،
وتجد طائفة منها في كتاب تحقيق النصوص ونشرها لعبد السلام هارون (٧) .
стр. 355
وفي اللطف للثعالبي قال: (وكان بعضهم يقول: الوراق يأكل من دية عينيه) اهـ.
وقد استمرت الحال على هذا حتى صار ظهور المطابع فاختفت حرفة
النسخ أو كادت، وبقي تدوين أصل التأليف فحسب بقلم مؤلفه ثم دفعه
للمطابع فتنشر منه مئات أو آلاف النسخ في أيام قلائل. فتضعف قيمة
النسخة الخطية للمؤلف إن لم يكن لا قيمة لها. فلا بد إذن من خلاصة
معتصرة عن تاريخ الطباعة التي على أعقابها تولدت نازلة (حقوق الطبع)
مجسدة.
وعليه (١) : فهذه إلمامة مختصرة عن تاريخ الطباعة وتدرج انتشارها حتى
يحصل تمام التصور لنقطة الانطلاق التاريخي لنازلة الاحتفاظ بحقوق
الطبع والتأليف والنشر. لأن ظهور هذه في أعقاب تلك، فلم يعهد قبل
هذا البروز والانتشار ما يسمى بحقوق التأليف أو بحقوق الطبع والنشر
والتوزيع، إذ قاعدة العلم قبول الشركة فيه، لكن في خصوص العلوم
الشرعية يشترط في تحملها أن تكون عن طريق وسائل تحمل العلم
كالإجازة والعرض والمناولة عند المحدثين.
ولهذا فإن من تَسَوَّر العلم بغير طريقه الشرعي يلحقه الإدبار بوصفه
(سارقاً) وكم يرى الناظر في التراجم والمؤلفات ما اكتسب بعد اسم (سرقة
الكتب) ، أو: (استلال الكتب) أو: (السطو العلمي) . وعليه فبيان تاريخ
الطباعة كما يلي: