اشتهر بالنسخ من العلماء والطلاب والوراقين وخلق سواهم. وقد حفلت
كتب التراجم بذكرهم وبأصحاب الخط المنسوب (أي الجميل) منهم.
فكم رأى الناظر في التراجم قولهم: ونسخ ما لا يحصى كثرة، وقول
بعضهم: وكان ينسخ بأجر، أو كان يحترف النسخ، أو: كان يتقوت به
أو: كانت منه بلغته أو: يتبلغ من النسخ، أو: كان ذا حظ فيه.
واهتم العلماء - وبخاصة المحدثين منهم - بأمر النسخ وضبطه لتلافي
ما يقع من بلايا النسخ من أمور عظام من التصحيف والتحريف فأفردت
من أجله مصنفات طوال، وقد قال بعضهم: " الناسخ ماسخ ". ونقل الشاعر
أحاسيسهم فقال:
وكم ناسخ أضحى لمعنى مغيراً ... وجاء بشيء لم يرده المصنف
ولو شاهد هذا القائل ما يقع في الطبع لا سيما الطبعات التجارية أو
التي ينشرها المتعالمون لرأى ذلك مضاعفاً.
والمهم هنا ذكر أمثلة النسخ في عصور الإسلام، فهؤلاء كتاب النبي
ﷺ وقد أفردت بأخبارهم المصنفات من أكبرها: المصباح المضيء لابن
حديدة، وقد أوصلهم العراقي في ألفيته إلى (٤٢) كاتباً. ومن الصحابة
رضي الله تعالى عنهم من اشتهر بكتابة المصاحف منهم: ناجية الطفاوي،
ونافع بن ظريب النوفلي وكم كان ابتهاج المسلمين في جميع الأقطار
بمصحف عثمان ﵁ وانظر التراتيب الإدارية (١) .
وكان لابن عمر كتب ينظر فيها قبل أن يخرج إلى الناس لكن إسناده
стр. 352
غريب كما في: السير للذهبي (١) ، وفيها أن مالك بن دينار (م سنة ١٢٧ هـ)
من أعيان كتبة المصاحف كان من ذلك بلغته (٢) ، وفيها أيضاً (٣) قال رباح
بن عمرو القيسى سمعت مالك بن دينار يقول: دخل عليَّ جابر بن زيد
وأنا أكتب فقال: يا مالك، مالك عمل إلا هذا تنقل كتاب الله، هذا والله
الكسب الحلال، وفيها أن مطر الوراق (م سنة ١٢٩ هـ) كان يكتب
المصاحف ويتقن ذلك (٤) . وفي التهذيب قال (٥) : كان يكتب المصاحف
بالأجرة ويتقوت بأجرته وكان لا يأكل شيئاً من الطيبات من المتعقدة الصبر
والمتقشفة الخشن.
وقال جعفر بن سليمان: كان ينسخ المصحف في أربعة أشهر فيدع
أجرته عند البقال فيأكله. اهـ.
وفيها أن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى (م سنة ٢٣١) لما
سرقت ثيابه لم يقبل الصدقة فنسخ سماعه من ابن عيينة بدراهم اكتسى
منها ثوبين (٦) .
وفي المنتظم (٧) بأن محمد بن أحمد المعروف بابن أبي الشيخ (م سنة
٤٣٣ هـ) يذكرون في ترجمته أنه كان يكتب الشيء الكثير من الحديث.
وابن مقلة: الحسن بن علي (م سنة ٣٣٨ هـ) كان أكتبَ من أخيه في
стр. 353
قلم الدفاتر والنسخ وكان أبوهما كاتباً مليح الخط ثم ذكر ياقوت جمعاً من
أولادهما شهروا بالنسخ ثم ذكر من خبر أبي عبد الله هذا ما يستظرف (١) .
وهذا يحي الأرزني (م سنة ٤١٥ هـ) يكتب الفصيح لثعلب في كل يوم
ويبيعه بنصف دينار ويشتري به قوته، ولا يبيت حتى ينفق ما معه منه (٢) .
وفي تاريخ ابن كثير أن العكبري الحنبلي (م سنة ٤٢٨ هـ) كان
يسترزق من الوراقة وهي النسخ (٣) وابن الخاضبة المحدث الحافظ (م سنة
٤٨٩ هـ) قال عنه أبو سعد السمان المعتزلي: نسخ ابن الخاضبة صحيح
مسلم بالأجرة سبع مرات (٤) .
وفيها أيضاً (٥) (أن أُبياً النرسي الحافظ المسند (م سنة ٥١٠ هـ) كان
ينسخ بالأجرة يستعين على العيال.
وفيها (٦) أن الماوردي المحدث محمد بن الحسن البصري (م سنة
٥٢٥ هـ) كان ينسخ للناس بالأجرة.
وفي المنتظم (٧) أن عبد الملك بن عبد الله (الكرخي م سنة ٥٤٨ هـ)
كان يكتب نسخاً من جامع الترمذي ويبيعها فيتقوت بها.
وفي السير للذهبي (٨) أن أحمد بن علي الداني (م سنة ٦٠٩ هـ) كان
ينسخ التيسير بأسبوع ويقتات بثمنه، وكان ورعاً.
стр. 354
وفيها (١) أن النشنبري (م سنة ٥٤٨ هـ) كان ثقة صالحاً يتبلغ من
النسخ.
وفيها (٢) أن ابن المجد الحافظ أحمد بن المحدث عيسى بن الموفق
ابن قدامه (م سنة ٦٤٣ هـ) كتب لنفسه وبالأجرة وأفاد الطلبة.
وفي شذرات الذهب (٣) أن محمد بن محمد الأعزازي (م سنة ٩٦٨ هـ)
يذكرون في ترجمته من نسخ الكتب المبسوطة ما يكاد يخرج عن طوق
البشر وكتب نحو خمسين مصحفاً.
ومن الغريب أن جوهرة التوحيد للقاني (م سنة ١٠٤١ هـ) كتب منها
في يوم واحد خمسمائة نسخة (٤) .
وفيها (٥) أن القشاش المغربي (م سنة ١٠٣١ هـ) كان في خزانته ألف
نسخة من صحيح البخاري. وفي معجم الأدباء (٦) أن المبارك بن المبارك
الكرخي كان أوحد زمانه في حسن الخط على طريقة ابن البواب وكان
ضنيناً بخطه جداً فلذلك قل وجوده. والأخبار من هذا النوع كثيرة جداً،
وتجد طائفة منها في كتاب تحقيق النصوص ونشرها لعبد السلام هارون (٧) .
стр. 355
وفي اللطف للثعالبي قال: (وكان بعضهم يقول: الوراق يأكل من دية عينيه) اهـ.
وقد استمرت الحال على هذا حتى صار ظهور المطابع فاختفت حرفة
النسخ أو كادت، وبقي تدوين أصل التأليف فحسب بقلم مؤلفه ثم دفعه
للمطابع فتنشر منه مئات أو آلاف النسخ في أيام قلائل. فتضعف قيمة
النسخة الخطية للمؤلف إن لم يكن لا قيمة لها. فلا بد إذن من خلاصة
معتصرة عن تاريخ الطباعة التي على أعقابها تولدت نازلة (حقوق الطبع)
مجسدة.
وعليه (١) : فهذه إلمامة مختصرة عن تاريخ الطباعة وتدرج انتشارها حتى
يحصل تمام التصور لنقطة الانطلاق التاريخي لنازلة الاحتفاظ بحقوق
الطبع والتأليف والنشر. لأن ظهور هذه في أعقاب تلك، فلم يعهد قبل
هذا البروز والانتشار ما يسمى بحقوق التأليف أو بحقوق الطبع والنشر
والتوزيع، إذ قاعدة العلم قبول الشركة فيه، لكن في خصوص العلوم
الشرعية يشترط في تحملها أن تكون عن طريق وسائل تحمل العلم
كالإجازة والعرض والمناولة عند المحدثين.
ولهذا فإن من تَسَوَّر العلم بغير طريقه الشرعي يلحقه الإدبار بوصفه
(سارقاً) وكم يرى الناظر في التراجم والمؤلفات ما اكتسب بعد اسم (سرقة
الكتب) ، أو: (استلال الكتب) أو: (السطو العلمي) . وعليه فبيان تاريخ
الطباعة كما يلي:
стр. 356
يقصد بفن الطباعة الذي أحدث انقلاباً في فكر الإنسان وحياته وهو
في أول نشأته: (نقش الحروف المفردة على المعادن بشكل يجعلها تجمع
فتصبح كلاماً يطبع على الورق ثم تُحَل ويعاد جمعها بصيغة أخرى فتطبع
كلاماً آخر ... وهكذا. ثم توضع هذه الحروف المجموعة في آلات تطبع
منها نسخ كثيرة في وقت قصير.
الطباعة على هذا الأساس يرجع اختراعها تاريخاً إلى قبيل منتصف
القرن الخامس عشر الميلادي وحصل خلاف في نسبة الاختراع هل هو
إلى الهولنديين أم الألمان؟ لكن الذي عليه جلّ الكاتبين أن مخترع
الطباعة هو (جوتمبرج) الألماني، وأن بعض المحاولات قد سبقته.
وخلاصة تاريخ هذا الاختراع أن الألماني المذكور ولد بمدينة (مينز)
عام ١٤٠٠ م وكان يعمل في حرف صناعية بالمشاركة. وفي عام ١٤٤٤ م
اتفق مع (حنا فوست) العامل في مهنة الصياغة وقد أثرى منها. وبتعاون
هذين وامتداداً لحرفة الصياغة صنعا أولها من الخشب بحجم كبير ثم صنعا
حروفاً ذات حجم صغير من الخشب أيضاً ثم توصلا إلى صناعتها من
الرصاص كما هو سائد الآن.
وكان قد انضم إلى (جوتمبرج) صانع ألماني ماهر هو (بطرس شوفير)
نكن سرعان ما انفصلا لخلاف حصل بينهما. واستمر (جوتمبرج) بعمله
حتى افتتح مطبعة فكان أول كتاب طبع بحروف مستقلة تجمع وتفك هو
(الإنجيل) إذ طبع باللغة اللاتينية عام ١٤٥٥ م بمدينة مينز.
ثم انتقل فن الطباعة إلى إيطاليا عام ١٤٦٧ م، ثم إلى فرنسا عام
١٤٦٩ م ولقيت محاربة من الكهنوت وكفروا صاحبها، وبعدها ظهرت أول
مطبعة عام ١٥٠٧ م في باريس، ثم انتقلت إلى أسبانيا وانتشرت بها بعد
стр. 357
مقاومة أيضاً.
وفي نفس العام تقريباً انتقلت إلى إنجلترا ولقيت محاربة أيضاً وظهر
أول كتاب بها عام ١٤٧٧م مطبوعاً باللغة الإنجليزية. وقد بلغ من حماس
النصارى لديانتهم تحويل الطباعة إلى اللغة العبرية وهي لغة الإنجيل
والتوراة وفي الربع الأخير من القرن الخامس عشر الميلادي تم مع التوراة
بالعبرية بإيطاليا، ثم اتجهت عنايتهم إلى نشر ديانتهم إلى العرب فكانت
ثمة حروف باللغة العربية.
وفي أوائل القرن السادس عشر الميلادي وعلى وجه التحديد في عام
١٥١٤ م طبع في إيطاليا أول كتاب في اللغة العربية وهو كتاب (صلاة
السواعي) ويقع في ٢١١ صفحة. ثم طبع الزبور عام ١٥١٦م باللغات
المذكورة.
وفي عام ١٥٣٠ م طبع القرآن الكريم باللغة العربية لكن النسخ
أعدمت خوفاً من أن تؤثر على عقائد المسيحيين.
ثم أخذت الطباعة تنتشر انتشاراً ذريعاً في أوروبا وغيرها وبعد أن كان
الطَّابَع الديني يتحكم بتوجيه المطابع في إنتاجها أصبحت تتحول إلى
الناحية العلمية ولم يشارف القرن السادس عشر الميلادي على الانتهاء إلا
وكانت المطابع العربية منتشرة في أوروبا وغيرها وهي علمية ليس من بينها
من الكتب التي تخدم الديانات الأخرى المخالفة للإسلام إلا القليل.
وكان من أوائل المطبوعات العربية في روما: نزهة المشتاق في ذكر
الأمصار والآفاق لأبي عبد الله محمد المعروف بالشريف الإدريسي. وفي
عام ١٥٩٣ م نشرت أيضاً: قانون ابن سينا في الطب وفي عام ١٦١٦ م طبع
стр. 358
كتاب: قصة يوسف من القرآن الكريم مضبوطاً بالشكل الكامل وكان أول
كتاب يطبع مشكولاً وهو من مخترعات مطبعة ليدن المشهورة في هولندا.
وما كادت الطباعة تنتشر في أوروبا إلا وقد أخذت تنتقل إلى الشرق
الأوسط وكان غرض الأوروبيين من انتشارها في الشرق الأوسط دسيسة دينية
كغرضهم في أول نشرهم لكتبهم باللغات الشرقية، وكما كانت اللغة العبرية
هي أول لغة شرقية نالت عناية الطابعين ثم تلتها اللغة العربية فقد كان
دخول الطباعة بهاتف اللغتين إلى بلدان المشرق على هذا الترتيب اللغة
العبرية ثم اللغة العربية.
وأشهر مطابع اللغة العبرية كما يلي:
مطبعة الأستانة العبرية في استانبول أنشأها رجل يهودي اسمه اسحق
جرسون وكان ذلك في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي وكان أول
كتاب طبع بها هو (ملخص تاريخ اليهود ليوسيفوس) عام ١٤٩٠ م.
ومطبعة دير فريحا العبرية جنوب طرابلس وكانت أول مطبعة دخلت
بلاد الشام وذلك في أوائل القرن السابع عشر ثم بعد ذلك دخلت الطباعة
العربية بلدان الشرق وانتشرت فيه، وقد كانت حلب أول مدينة شرقية تنشأ
فيها مطبعة عربية في أوائل القرن الثامن عشر الميلادي.
ثم الآستانة في العشر الثاني من القرن الثامن عشر أي في ١١٢٩
هجرية إذ صدر الترخيص من السلطان أحمد الثالث لسعيد أفندي ابن
السفير محمد أفندي حلبي ويتضمن الترخيص: الإذن بطبع جميع الكتب
إلا التفسير، الحديث، والفقه، والكلام، بعد أن أصدر الشيخ عبد الله
أفندي فتوى بجواز ذلك. وكان أول مطبوعاتها (صحاح الجوهري)
стр. 359
واستمرت هذه المطبعة إلى عام ١٢٣٠ هـ تقريباً ولم تصدر سوى أربعة
وتسعين كتاباً.
وبعد أن صدرت الفتوى بعد ذلك بجواز طبع كتب التفسير ونحوها
نهضت وانتشرت مطبوعاتها لكن جلّها باللغة التركية ثم أنشئت المطبعة
العربية الثالثة في: دير مرحنا إحدى قرى لبنان عام ١٧٣٢ م تقريباً. ثم
الرابعة حوالي عام ١٧٥١ م في بيروت. ثم جاءت المطبعة الخامسة في
الشرق الأوسط وهي أول مطبعة تدخل مصر قامَ بها نابليون أثناء حملته
على مصر في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي وكانت طبيعة منشوراتها
سياسية لحملة نابليون على مصر لطبع المناشير والأوامر. ثم المطبعة
الأهلية بالقاهرة سنة ١٧٩٨ م.
وفي عام ١٢٣٥ هـ أي ١٨١٩ م أنشأ محمد علي، المطبعة الشهيرة
باسم (مطبعة بولاق) على اختلاف موسع في تاريخ إنشائها. (وبولاق اسم
حي من أحياء القاهرة) ، وفي حدود ١٩٥٨ م تغير هذا الاسم فصارت باسم
(المطبعة الأميرية) .
وفي عام ١٨٢٢ م أنشأ المراسلون الأمريكيون في مالطة (مطبعة مالطة)
تحت نظارة أحمد فارس الشدياق ثم نقلها إلى بيروت عام ١٨٣٤م، وفي
فلسطين قامت مطبعة القدس عام ١٨٤٦ م للنصارى الفرنسيين، وفي
العراق قامت مطابع الجزيرة بالعراق عام ١٨٥٦ م.
ثم انتشر فن الطباعة في الشرق الأوسط وبلدانه:
ففي الأردن أول مطبعة عام ١٩٠٩م قامت في حيفا ثم في عمان عام
١٩٢٢ م.
стр. 360
وفي اليمن عرفت الطباعة فيها منذ عام ١٨٧٧ م في صنعاء بأمر
السلطان عبد الحميد الثاني.
وفي المملكة العربية السعودية كانت أول مطبعة في الحجاز عام
١٣٠٠ هـ مطبعة تدار بالقدم في مكة حرسها الله تعالى ثم مطبعة أخرى
في عام ١٩١٩ م. ولما استتب الأمر للملك عبد العزيز آل سعود أطلق على
المطبعة اسم (مطبعة أم القرى) وفي عام ١٩٣٧ م سميت (مطبعة الحكومة)
ثم تتابع إنشاء المطابع في مدن المملكة بصفة متكاثرة وأرقى آلات الطباعة
الحديثة المدهشة.
وفي البحرين كانت أول مطبعة عام ١٩٣٨م باسم " مطبعة البحرين ".
وفي الكويت عام ١٩٤٧ م أسست مطبعة المعرفة من قبل بعض
مواطني الكويت ثم أنشأت مطبعة حكومية عام ١٩٥٤ م.
وفي قطر أسست أول مطبعة عام ١٩٥٦ م باسم: مطابع العروبة.
ومن هذا العرض الموجز نستخلص الحقائق التالية:
أولاً: أن تاريخ الطباعة بدأ عام ١٤٠٠ م في ألمانيا.
ثانياً: أن الطباعة لاقت معارضات شديدة من رجال الدين النصراني
حتى كان لها سلطان التحكم فيما تنتجه هذه المطابع.
ثالثاً: أنه بعد انتشارها أصبحت تسير في منهج علمي وضَعُفَ التحكم
الكنسي فيها أو زال.
رابعاً: وأن أول بلد شرقي تدخلها الطباعة بالعبرية هو الآستانة بتركيا
في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي. وأول بلد شرقي تدخله الطباعة
стр. 361
بالعربية حلب في أوائل القرن الثامن عشر الميلادي.
خامساً: وأن غرض إدخال الطباعة في البلدان الشرقية كانت حملة
تبشيرية نصرانية عن قرب لمناهضة الإسلام فيها.
سادساً: وأنه لذلك وجد من علماء المسلمين في هذه الديار توقف
وممانعة في طباعة القرآن الكريم والسنة النبوية وعلم الشريعة لذلك
ولتفسيرات أخرى يجد الراغب خبرها في كتب تاريخ الطباعة.
سابعاً: ثم صار انتشار الطباعة حتى أصبحت أساساً في الحياة
الحضارية للأمم.
стр. 362
المبحث الثاني
الاحتفاظ بحق المؤلف
في المجالات الدولية والحكومية والفردية
لم يكن هذا المبحث معروفاً من قبل بهذه الصفة، وإنما صار وجوده
بحدوث المطابع، وأخذ يتطور بتطورها وبحكم أوضاع الحياة المدنية
والاقتصادية والثقافية الحديثة، فهو وليد تلك العوامل والوسائل، ولذا لم
يكن محلاً للتأليف والبحث المستفيض. وبما أن المطابع إنما
ولدت على الصعيد الغربي فإن مبدأ الاحتفاظ بحقوق الطبع إنما شب
ونضج على الصعيد الغربي كذلك، ولهذا يجد الناظر البحث مستفيضاً
على مستوى القوانين الغربية والدراسات الفردية، وله عقدت المؤتمرات
وصدرت الاتفاقيات العالمية، ونال اهتمام القانونيين بصفة بالغة وصار
مجالاً للأطروحات في هذا المجال ويمكن تسجيل ما تم الوقوف عليه في
هذا على ما يلي:
أولاً: المؤتمرات العالمية (١) :
فأهم المؤتمرات التي عقدت عالمياً لحق المؤلف هي:
стр. 363
١- مؤتمر برن بسويسرا في ٩ سبتمبر عام ١٨٨٦ م، وبلغ عدد الدول
الأطراف الممثلة فيه (٧٣) دولة كلها غربية سوى: تونس، والجزائر
والمغرب، ولبنان، والهند. وهي أول اتفاقية دولية لحماية المصنفات الأدبية
والفنية. وتقع في (٣٨) مادة مع ملاحق لها.
٢- مؤتمر باريس عام ١٨٩٦ م.
٣- مؤتمر برلين عام ١٩٠٨ م.
٤- مؤتمر روما عام ١٩٢٨ م.
م- مؤتمر بروكسل في بلجيكا في ٢٦ يونيو عام ١٩٤٨ م.
٦- مؤتمر اليونسكو عقد في صيف عام ١٩٥٢ م.
٧- الاتفاقية العربية لحماية حق المؤلف، وعقد لها مؤتمر الوزراء
المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي وذلك في بغداد شهر
محرم عام ١٤٠٢ هـ وتتكون هذه الاتفاقية من (٣٣) مادة.
٨- المنظمة العالمية للملكية الفردية التي يشار إليها باللغة العربية
بلفظ موجز هو (الويبو) ويرجع تاريخها إلى عام ١٨٨٣ م وهي إحدى
الوكالات المتخصصة التابعة لمنظمة الأمم المتحدة. وقد انضمت المملكة
العربية السعودية إلى العضوية في هذه المنظمة.
ثانياً: القوانين الغربية المحلية (١) :
يحرر بعض الكاتبين أن أول مشروع قانون لحقوق التأليف صدر عن
стр. 364
مجلس العموم في بريطانيا عام ١٧٠٩ م، وفي الولايات المتحدة الأمريكية
عام ١٧٨٩ م وفي فرنسا عام ١٧٩١ م.
ثالثاً: القوانين العربية المحلية (١) :
حصل بالتتبع أن أقدمها هو:
١- قانون حق التأليف العثماني الصادر عام ١٣٢٦ هـ /١٩١٠ م. ونشر
مترجماً في مجلة القضاء التي تصدرها نقابة المحامين في بغداد في
العددين (١، ٢) عام ١٩٤٨ م ويقع في (٤٢) مادة وهو منشور بنصه في
مجلة عالم الكتب ص / ٦٥٧ - ٦٥٨.
٢- القانون المغربي الصادر عام ١٩١٦ م.
ثم تتابعت الدول العربية من مصر عام ١٩٥٤ م وليبيا عام ١٩٦٨ م
والعراق عام ١٩٧١ م بعد إلغاء القانون العثماني. والسودان عام ١٩٧٤ م.
وهذه القوانين متشابهة. ونقطة انطلاقها من القانون المصري الذي استمده
من القانون الفرنسي.
رابعاً: المؤلفات القانونية الفردية:
التأليف في هذا المجال قد بلغ حد الكثرة سواء كان التتبع في
مجموعات النظم أم الأفراد بالتأليف حتى صارت مجالاً فسيحاً للأطروحات
العلمية في كليات الحقوق. ومن المناسب الإشارة إلى بعض منها:
١- الحقوق على المصنفات الأدبية والفنية والعلمية لأبي يزيد علي
стр. 365
المتيت ط / أولى عام ١٩٦٧ م نشر منشأة المعارف بالإسكندرية.
٢- حقوق المؤلف المعنوية في القانون العراقي - سهيل القلاوي -
طبع جمهورية العراق عام ١٩٧٨ م.
٣- حقوق الإنتاج الذهني: أحمد سويلم العمري - طبع دار الكتاب
العربي بمصر عام ١٣٨٧ هـ.
٤- حق المؤلف في القانون المصري: محمد فرج الصده - نشر معهد
البحوث والدراسات العربية بالقاهرة عام ١٩٥٦ م.
٥- الوسيط في شرح القانون المدني للسنهوري. حق الملكية.
المجلد ٨ / ٢٨٢ - ٤٦١.
٦- الحق الأدبي للمؤلف. النظرية العامة وتطبيقاتها - عبد الرشيد
مأمون شديد ط / القاهرة دار النهضة العربية يقع في (٦٢٩) صفحة.
ومن هذا العرض يتبين لنا أن تاريخ حقوق التأليف في العصر الحديث
على الصعيد الغربي عرف منذ قرنين من الزمان تقريباً.
وهذه النظم العربية والغربية وإن كانت متفقة في الأصل على ضرورة
الحماية لحقوق المؤلفين لصالحهم ولصالح الأمة أيضاً إلا أنها تختلف من
بلد لآخر في بعض جزئيات النظام ومواده، وهذا الاختلاف تفرضه السلطة
القضائية التي تتبناها أي حكومة تُصْدِرُ نظاماً في هذا.
وهكذا شأن ما كان من عند غير الله يكون فيه الاختلاف. والله
المستعان.
خامساً: الجهود الفقهية الإسلامية في هذا المجال:
بعد طول الكشف تحصل ما يلي:
стр. 366
١- في مجلة عالم الكتب بالرياض:
وقد خصصت العدد الرابع من المجلد الثاني لعام ١٤٠٢ هـ لموضوع
حق المؤلف واستكتبت عدداً من العلماء فنشرت فيه مجموعة مهمة من
الاتفاقيات والقوانين المحلية في بعض الدول العربية ومقالات تحمل
دراسات تاريخية وفقهية وهذه على ما يلي:
أ - الفارق بين المصنف والسارق للسيوطي " م سنة ٩١١ هـ " تحقيق -
قاسم السامرائي ص / ٧٤١ - ٧٥٢.
ب - سرقات الكتب وانتحالها في العصور الإسلامية: محمد ماهر
حمادة ص / ٧٠٧ - ٧١٢.
ج - أمانة تحمّل العلم: عبد الفتاح الحلو ص / ٧٠٣ - ٧٠٦.
وقد أحسن القائمون على تلك المجلة أيما إحسان في تخصيص هذا
العدد لهذا المبحث المهم.
٢- كتاب حق الابتكار في الفقه الإسلامي - فتحي الدريني - طبع
مؤسسة الرسالة عام ١٣٩٧ هـ.
ومعه خمسة أبحاث جوابية لبعض المعاصرين منهم: أبو الحسن
الندوي، وعماد الدين خليل، وعبد الحميد طهماز، ووهبه الزحيلي.
وفي المقدمة (١) ذكر أن هذا الموضوع لم يتناوله أحد من متقدمي
الفقهاء بسطاً إلا ما عثر عليه من مقتضبات للقرافي في الفروق ١ / ٢٠٨
стр. 367
وما يليها ثم في ص / ٥٥ حتى ص / ٨٠ عقد عنواناً باسم (منشأ شبهة
القرافي في طبيعة حق المؤلف والرد عليه) . فساق نص القرافي مختصراً
للمقصود منه مع إخلال في الاختصار ص / ٥٥ ثم أخذ يناقشه في نحو من
ثلاثين صفحة.
وقد ذهب بعبارة القرافي إلى غير المراد منها وحملها على ما لا تحتمله
لا من قرب ولا من بعد ولذا ضرب وجوهاً من التعسف في تفسيرها وبيانها.
وفي واقع الأمر أن كلمة القرافي من بدائه العلم، فقد علم سلفاً وخلفا أن
الأفكار (الاجتهادات) لا تملك وليست حقاً لمبتكرها وإلا فما فائدة التفكير
والاجتهاد والزراعة في ذلك والاستماع إليها. وهذا محل اتفاق بين أهل
الملل ففي القوانين الوضعية في الوقت الذي تحمي فيه حق المؤلف على
مؤلفاته تقول (إن حماية حقوق المؤلف لا تمنع أي شخص من استخدام
الأفكار التي وردت في المقالة من أجل ما هدفت إليه) فهي من الأمور
المعنوية المشاعة النفع ولهذا قرنها المؤلف بقوله (وأفعاله الدينية فهو دينه،
لا يرث شيئاً من ذلك لأنه لم يرث مستنده وأصله) أي ليس في أمر مادي
محسوس كتأليف، فالتأليف شيء والفكرة التي يحملها شيء آخر فالأول
يورث والثاني لا يورث، ولهذا فإن القوانين التي تحمي حقوق المؤلفين
تحمي التعبير عن الفكرة في ذات المؤلف أما الفكرة نفسها فلا سبيل إلى
منع الاستفادة منها.
وقد حُكي الاتفاق على أن الحقوق الشخصية الخالصة أي التي ليست
بمال ولا تابعة للمال أنها لا تورث ولا تعتبر تركة للمورث وذلك كالوظيفة
والوكالة والولاية لأن هذه الحقوق تثبت لمعنى في صاحبها والمعاني لا
تورث.
стр. 368
٣- حقوق التأليف والابتكار من وجهة نظر الفقه الإسلامي لعبد الله
العماري القاضي بدولة قطر. نشر في مجلة الدوحة عدد " ٩٤ " لشهر ذي
الحجة عام ١٤٠٣ هـ ص / ١٢ - ١٥.
٤- مقدمة الدستور الإسلامي لتقي الدين النبهاني. ذكر عرضاً خفيفاً
لهذه النازلة قرر فيه عدم مشروعية الاحتفاظ.
٥- حكم الإسلام في حقوق التأليف والترجمة والتوزيع والنشر لأحمد
الحجي الكردي المدرس بجامعة دمشق. مقال نشر في ص / ٥٨ - ٦٤ من
مجلة هدي الإسلام المجلد ٢٥ في العددين السابع والثامن عام
١٤٠١ هـ - الأردن.
٦- حق التأليف في القوانين الوضعية المعاصرة وفي نظر الشرع
الإسلامي لصلاح الدين الناهي، مقال نشر في ص / ٣٧ - ٥٧ من المجلة
المذكورة رد به على الأستاذ / الكردي المذكور وهذا المقال قد فاق جميع
من تقدم ذكره.
٧- في كتاب المدخل لمصطفى الزرقا ٢١٣ - ٢٢٢، إلمامة موجزة عنه.
٨- وفي كتاب دراسات في الحديث النبوي للأعظمي ص / ٣٧٩
كلمات تاريخية عنه.
٩- وفي مجلة العربي عدد (١٤٨) لعام ١٩٧١ م مقال بعنوان: الكتاب
العربي في هذا العصر الحديث ص / ٢٠ - ٢٦ لأبي النجا رئيس مجلس
إدارة دار المعارف بالقاهرة.
١٠- وقبل هذه يوجد في كتب الشريعة الإسلامية نصوص وأبحاث
стр. 369
لتَقهّم التكييف الفقهي لهذه النازلة بفروعها من بيع الحق ووراثته وعقد
التوزيع والترجمة ونحو ذلك.. وبيانها في المبحث بعد هذا.
١١- وجهة نظر حول الحكم الشرعي لحق التصنيف والتأليف لمحمد
برهان الدين السنبهلي من دار العلوم بالهند طبع في العدد الأول عام
١٤٠٨ هـ من مجلة المجمع الفقهي بمكة - حرسها الله تعالى -
ص / ١٥٣ - ١٦٢. ونشر قبل في مجلة البعث الإسلامي ص / ٦٩ -٨٠
عدد / ٢ المجلد / ٣٠ شوال عام ١٤٠٥ هـ.
١٢- وفي كتاب: خلو الرجل للأستاذ مشهور حسن تعليق في هذا
ص / ٢٩ - ٣٢. طبع دار الفيحاء / عمان عام ١٤٠٧ هـ.
١٣- في (تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم) للشيخ محمد تقي
عثماني ١ / ٣٦٥ بحث في هذا.
١٤- ولوالده مفتي باكستان الشيخ محمد شفيع رحمه الله تعالى فتوى
باسم (ثمرات التقطيف من ثمرات الصنعة والتأليف) . وقد وصلت إلى
مصورتها مطبوعة باللغة الأردية فترجمها بعض إخواننا. ولندرتها أسوقها
مترجمة كما يلي:
السؤال:
١- يسجل المصنفون كتبهم لئلا ينشرها أحد غيرهم. هل هذا
التسجيل جائز شرعاً أم لا.؟
٢- ما حكم البيع والشراء لحق التصنيف والاختراع.؟
الجواب:
стр. 370
لا يجوز المنع عن النشر والصنعة لمن يسجل تأليفه أو اختراعه لأن
منع أحد عن التصرف في الأمر المباح لا يخلو من وجهين:
أحدهما: أن يتم التصرف في ملك الآخر بلا إذنه.
والآخر: أن يؤدي هذا التصرف إلى إلحاق ضرر للفرد أو الجماعة.
والمسألة التي نحن بصدد بحث عنها تفقد هذين الوجهين لأن الناشر أو
الصانع لا يتصرف في ملك أحد بل يقوم بالكتابة وتوفير الأوراق ودفع أجرة
الطباعة من عنده. هذا وأن ما ينقل منه إما أن يشتريه أو يحصل عليه من
أي طريق مباح.
وأما حق التصنيف: فليس بمال. ولا يصلح أن يكون ملكاً لأحد بل
إن الحكومة الحاضرة كما أنها قررت أن يكون حقاً للأشياء الكثيرة التي
ليست بقابلة أن تكون حقاً. فهكذا قررت أن يكون هذا الشيء حقاً أي
حق التصنيف والاختراع (الإبداع) .
والوجه الثاني مفقود كذلك لأن الناشر لا يمنع المصنف ولا أحداً عن
النشر الذي هو سبب في إلحاق الضرر بل النشر يؤدي إلى حرمان المصنف
أو المبتكر من الغلاء ولا يضر الناس على منفعتهم الشخصية - فهذا ليس
بضرر بل تقليل للنفع والفرق ظاهر بين الضرر وتقليل النفع.
وقد صرح شمس الأئمة في المبسوط - كتاب السير والجهاد - بأنه لا
يجوز لأحد أن يكون سبباً في المضارة لأحد، ولكن لو نقص ربح فرد فهذا
جائز. فلو كثر عدد المحلات التجارية في السوق وأدى ذلك إلى نقص
الربح أو عدمه لشخص معين فعندئذ لا يقال إن التجار الآخرين ألحقوا
به الضرر، فلذا ليس من ثم مبرر عقلي أو نقلي على الحجر ومنع الناس
стр. 371
من شيء.
لعل منع المصنف أو المبتكر لأحد عن الطباعة والنشر إنما يحتمل
أن يقرر نسبة الربح أكثر من العادة أو ألا تكون المنافع التجارية إلا له
وأن لا يستفيد الآخرون من ربح هذه الصفقة التجارية وبهذا يتضرر الناس
فهذا يؤدي إلى الحجر عليه فضلاً عن أن يمنع الآخرين.
ولأن النفع الفردي الذي يكون سبباً لإضرار عامة الناس فالشرع لا
يبيحه ولهذا الأمر نظائر وشواهد كثيرة واردة في الأحاديث الصحيحة نحو
حديث الصحيحين من رواية عبد الله بن عباس ﵄: نهى
رسول الله ﷺ أن تتلقى الركبان، وأن يبيع حاضر لباد.
أي أن النبي ﷺ منع أن تشترى الحبوب في القرى والمزارع قبل
أن تصل إلى المدن وأن يكون رجل من أهل المدينة سمساراً في بيع
البضائع لأن في ذلك تبقى الحبوب في سيطرة شخص واحد أو بعض
أشخاص، وهذا موجب لإرضاء عامة الناس لما حددوا من الأسعار وبهذا
يتم حرمان الناس من رخص الأسعار من قبل أهل القرى والبدو. وهذا
يؤدي إلى إلحاق ضرر للناس.
وحرفة السمسرة صارت سبباً مباشراً في غلاء الأسعار ولهذا ورد النهي
عن ذلك في الحديث المذكور. وكذلك ورد النهي عن الاحتكار في
الأحاديث الصحيحة. أي أن يتم شراء الحبوب واحتكارها حتى تباع عند
الغلاء. فهذا كذلك سبب مباشر في إلحاق الضرر لعامة الناس رغم أن
هذه التصرفات كلها تتم في ملك شخص معين ومع ذلك لم يبح له الشرع
ذلك ... فكيف يسمح ويتحمل أمر تسجيل حق الطبع والابتكار ما ليس
بملك له وأنه سبب ضرر للناس.
стр. 372
وهناك قاعدة وهي: (الضرر يزال) في كتاب الأشباه والنظائر حيث
اتخذه الفقهاء مستنبطاً من الكتاب والسنة. وذكرت فيه شواهدها الكثيرة.
فالحاصل أنه يتحمل أحياناً خسائر فردية لإزالة الضرر عن عامة
الناس. فعند الحاجة يحق للحاكم تسعير السلع اللازمة حتى لا يسمح
لأحد أن يبيع بسعر زائد على التسعيرة (الأشباه والنظائر) .
فلذا إزالة الضرر الذي يعم الجميع والذي لا يلحق به الضرر لأحد،
بل ولا حرمان من النفع. قد يكون هناك تقليل في نسبة الربح وهذا أيضاً
موهوم فكيف تُبقي الشريعة الإسلامية مثل هذا الضرر الذي يعم الناس.
ولو أمعن النظر لتبين أن العالم في قلق واضطراب بحيث لا سكون
فيه لفقير ولا لغني وتظهر كل يوم آلاف من الطرق والوسائل المباحة وغير
المباحة لكسب الأموال. فسببه الكبير هو السيطرة من قبل الحكومات
الرأسمالية وأعوانها على طرق الكسب المباحة من قبل الشرع الإسلامي.
أو أن الحكومة تملك كل شيء وتجبر الناس على أداء الضرائب، وأدى
ذلك إلى نشأة الصراع بين العمال والأغنياء الرأسماليين. وبدأ جنون
الرأسمالية الذي يخالف الفطرة (السليمة) وهذا صار سبباً لنشأة مصائب
كثيرة. ولا شك أن هذا الاضطراب لن يزول ولا يحصل للناس أمن عام
إذا لم يعتمد على نظام اقتصادي إسلامي سليم. وملاك هذا الأمر أن يتم
تحرير المصالح العامة والمنافع من سيطرة الأفراد، ولا يسمح لأحد أن يرفع
نظره الطامع إلى أجزاء مشتركة المنافع في الكون نحو البحر وما فيه من
الخلق والجبال ومما ينبت فيها من الغابات والعيون الطبيعية بقدرة الله تبارك
وتعالى، وما يتبعها من المنافع ينبغي تحريرها، فلا يحفظ حق النشر
للمصنف أو المبتكر بل يتم إتاحة فرصة الانتفاع به لكل تاجر وهذا هو
стр. 373
النظام الاقتصادي السليم الذي يكفل الأمن للجميع.
وخلاصة الأمر أن حق التصنيف والابتكار ليس بشيء قابل أن يكون
ملكاً لأحد. فلو طبع أحد كتاباً أو نقله أو قلد صناعة بجهوده فالمنع عن
ذلك ليس بأمر مباح. بل هذا من حقه. فلا يخفى أن هذا المنع ظلم لا
ينبغي.
التنبيه:
١- وقد يتأول في ذلك بعض الناس بأن من مصلحة التسجيل حفظ
الكتاب عن الطباعة المحرفة والمشحونة بالأخطاء، فبهذا يفوت الهدف
الأصيل الذي ألف الكتاب من أجله.
فالجواب: أنه يحق للمصنف في مثل هذه الحالة أن يرفع دعواه ضد
الطابع المحرف بأنه نسب إليّ شيئاً لم يصدر مني. فلذا يحكم عليه
بالمنع من الطبع والنشر ويجبر " ويكره " على أن يحتاط في العودة إلى مثل
ذلك.
فإذاً الحجر والمخالفة من الإشاعة مطلقاً ليس من حق أحد أن يفعله
شرعاً. والله أعلم.
٢- لما ثبت أنه ليس من حق المصنف والمخترع أن يخصص
التصنيف أو الابتكار لنفسه فلا يجوز شرعاً بيع هذا الحق وشراؤه ويشترط
في المبتاع والمشترى أن يكون مالاً والحق المحض المجرد ليس بمال.
ولو من صلاحيته أن يكون وسيلة إلى كسب المال ...
والله أعلم.
انتهت الرسالة مترجمة
стр. 374
المبحث الثالث
التاريخ القديم لملكية التأليف (١)
ما تقدم في الفصل قبل أن يعطي إلمامة مختصرة للوقوف على تاريخ
الاحتفاظ بملكية الابتكار بوحدته الموضوعية المتكاملة.
لكن تبقى الإشارة بكل ثبات إلى أن أصول ذلك المبدأ وجذوره تمتد
في تاريخ الأمة الإسلامية إلى أعماق بعيدة وهي وإن لم تكن معروفة بهذا
الاصطلاح الشائع في العصر الراهن إلا أننا نستطيع تكييفها بعدة مظاهر
وهي وإن لم يكن لديهم ضوابط إجرائية لها وأخرى جزائية فمرد ذلك إلى
أنهم يحتكمون إلى شريعة الله في كل أمورهم وشؤونهم ويعالجون كل
قضية بعينها بحكم ما يحيط بها والأصل أن الوازع الديني كان يفرض
سلطانه على النفوس فكان أقوى من أي مشروع زجري آخر. وما حدا بأمم
الغرب إلى وضع قانون لذلك إلا انتشار آفة السرقة والسطو والانتحال
والاختلاق لأنها تفقد صمام الأمان: العقيدة القويمة في دين الإسلام
الخالد.
ونستطيع بمسلك التتبع والاستقراء تكييف التدليل على ذلك بالمظاهر
الآتية:
стр. 375
أولاً: الأمانة العلمية:
وهذا يعني العناية الفائقة بموجبات الثقة لأمانة تحمل العلم المتمثلة
فيما يلي:
١- توثيق النصوص بالإسناد: وهذا يتجلى في تراث الإسلام العظيم
في كتب السنة والأثر، الدائرة قبولاً ورداً على الإسناد الموثق بمعاييره
الدقيقة المدونة في علم مصطلح الحديث.
٢- تخريج النص بمعنى نسبة القول إلى قائله وذكر المصادر المعتمد
عليها. ومن نظر في أيّ من كتب أهل الإسلام رأى معاناة الدقة في ذلك
حتى بلغ بعضهم أنه إذا نقل النص وفيه تصحيف أو تحريف نقله بذلك
ثم نوه عنه (كذا وجدته وهو تصحيف مثلاً صوابه كذا) .
ثانياً: طرق التحمل والأداء عند المحدثين.
منها الإجازة، والمناولة، والوجادة ... ونحوها. وهذه مبسوطة بحثاً في
كتب الاصطلاح ومن غريب ما يسطر هنا أن الشيخ أحمد شاكر ﵀
تعالى لحظ في آخر الرسالة للشافعي رحمه الله تعالى وجود إجازة بخط
الناسخ وهو الربيع تلميذ الشافعي ولكنها ليست إجازة رواية كالمألوف في
الإجازات ولكنها إجازة النسخ ونصها: (أجاز الربيع بن سليمان صاحب
الشافعي نسخ كتاب الرسالة وهي ثلاثة أجزاء في ذي القعدة سنة خمس
وستين ومائتين وكتب الربيع بخطه) (١) اهـ.
ثالثاً: تحريم الكذب والتدليس:
стр. 376
ونصوص الكتاب والسنة وكتب سلف الأمة صريحة بتحريمه والتنديد
بالكاذب ولعنه وزجره، ويروى في الحديث أن النبي ﷺ قال: " أترعون عن
ذكر الفاجر اذكروه بما فيه ليحذره الناس ".
وكم من كتاب ألف في الوضع والوضاعين والكذب والكذابين لكشفهم
وإسقاط حرمة أعراضهم بطرحهم من حساب مجتمعاتهم.
رابعاً: تحريم السرقة والانتحال: المعروف باسم " قرصنة الكتب ".
ومردّ هذا إلى قواعد الإسلام الكلية وأصوله التشريعية وجهود العلماء
في كشف غارات السارقين وعبث الورّاقين وأن هذا مسلك من لم يتحمل
أعباء العلم ولم يلجأ منه إلى ركن وثيق، فأراد أن ينتج قبل أن ينضج،
لكنه احترق، لكشف العلماء لسرقته وانتحاله وسطوه واختلاقه.
والحديث عن هذا يفوق الحصر في عدد من فنون العلم:
فهذا أبو عبيد القاسم بن سلام (المتوفى سنة ٢٣٨ هـ) يحذر من
انتحال الشعر في مقدمة كتابه: (طبقات فحول الشعراء) .
وقد ألفت كتب في كشف السرقات في مختلف الفنون منها ما يلي:
في مجال الشعر: الوساطة بين المتنبي وخصومه للجرجاني (المتوفى
سنة ٣٩٢ هـ) وكتاب الصناعتين للعسكري (المتوفى سنة ٣٩٥ هـ) والإبانة
عن سرقات المتنبي للعميدي (م سنة ٤٣٣ هـ) والحجة في سرقات ابن
حجة للنواجي (المتوفى سنة ٨٥٩ هـ) .
وكتاب سرقات البحتري من أبي تمام (١) .
стр. 377
وكتاب السرقات الكبير (١) .
وكتاب السرقات (٢) .
وكتاب السل والسرقة (٣) .
وكتاب سرقات الكتب من القرآن لابن كناسة (٤) .
وفي المجالات الأخرى: كتاب معين الحكام مستل من تبصرة الحكام
لابن فرحون.
وكُتُبُ الشمس ابن طولون استلها من كتب السيوطي وقد ألف بعض
المعاصرين رسالة في ذلك باسم: الفلك المشحون.
وللإمام ابن القيم رحمه الله تعالى (٥) مقطع لطيف في مبحث الحيل
المحرمة من كتابه أعلام الموقعين إذ يقول رحمه الله تعالى: (وكحيل
اللصوص والسراق على أخذ أموال الناس وهم أنواع لا تحصى فمنهم
السراق بأيديهم ومنهم السراق بأقلامهم ومنهم السراق بأمانتهم، ومنهم
السراق بما يظهرونه من الدين والفقر والصلاح والزهد وهم في الباطن
بخلافه، ومنهم السراق بمكرهم وخداعهم ونمشهم، وبالجملة فحيل هذا
الضرب من الناس من أكثر الحيل) اهـ. إلى غير ذلك مما هو موضح ومبين
في مؤلفات العلماء وأبحاثهم ولَدَيَّ كتاب في ذلك باسم (المؤلفات
стр. 378
المنحولة) جمعت فيه طائفة كبيرة على حروف المعجم يسر الله إتمامه
وطبعه.
ومن أراد الوقوف على بعض الأبحاث في هذا فلينظر بعض المقالات
المسطرة في مجلة (عالم الكتب) العدد الرابع لعام ١٤٠٢ هـ ففيها مقالان
مهمان:
أحدهما: للأستاذ / عبد الستار الحلوجي.
والثاني: للأستاذ / محمد ماهر حمادة.
وفيها نشر الأستاذ / قاسم السمرائي رسالة السيوطي باسم: (الفارق
بين المصنف والسارق) وقد نال اهتمام الكاتبين في شتى المجالات
العلمية الشرعية وعلوم الآلة وغيرها. ولها ألقاب متعددة عندهم منها ما ذكره
ابن الأثير في (كفاية الطالب) (١) استخلصها من (حلية المحاضرة) للحاتمي
وهي: السرقة، والنظر، والملاحظة، والإلمام، والتغاير، والاختلاس،
والاصطراف، والإغارة، والغصب، والالتقاط، والتلفيق، والتوليد، ...
وغيرها. مما شرح معانيها في مجال الشعر وسطو الشعراء.. والله أعلم.
لطيفة: ومن لطيف الاستطراد في ذلك أن أحد الشعراء من السودانيين
النزلاء المقيمين في جدة أنشد قصيدة له أعدها لحفل سيقام. وبينما هو
يتغنى بها ليثقف أوزانها ويهذب ألفاظها، وإذا بأحد المجاورين له يسمعه
ويكتب على حين غفلة منه حتى استوعبها كتابة فسجل اسمه في الحفل
وسعى حتى قدمت قصيدته في البرنامج فلما ألقاها أصيب أخونا السوداني
بالذهول فاعتذر عن إلقائها..
стр. 379
تنبيه: في ترجمة محمد بن إسحق (١) قال أبو داود سمعت أحمد يقول:
(كان ابن اسحق يشتهي الحديث فيأخذ كتب الناس ويضعها في
كتبه. قلت: هذا الفعل سائغ فهذا الصحيح للبخاري فيه تعليق كثير) اهـ.
خامساً: التخليد " الإيداع ":
الإيداع (٢) يعني: (وضع نسخة من المصنف في المكتبات العامة أو
دور المحفوظات للاحتفاظ بمجموعة منه أو الاحتفاظ به كإثبات لنسبة
المصنف إلى مؤلفه ونشر المصنف بالفعل أو تاريخ نشره) .
ويجوز أحياناً إيداع نسخ عن جميع المنشورات كشرط للتمتع بحقوق
تأليف المصنف.. وبناء على اتفاقية (برن) يجب أن يكون التمتع بحق
المؤلف وممارسة هذا الحق غير مشروطين بالإيداع، نظراً إلى أن الإيداع
ليس إلا مجرد إجراء شكلي. وتعفي الدول الأطراف في الاتفاقية العالمية
لحقوق المؤلف بالمثل من ضرورة الإيداع كأحد شروط حق المؤلف.
ويشير الأستاذ / محمد ماهر حمادة بسبق المسلمين إلى ذلك فقال في
خاتمة بحثه (٣) : (لا نحب أن نختم بحثنا هذا دون التوقف لحظة عند
الإيداع القانوني الذي افتتحنا مقالنا هذا به وأهميته في حسن ضبط عملية
التأليف، وحفظ المؤلفين، وقطع دابر السرقة والتزوير، وإغناء مكتبات
الدول الوطنية بالمؤلفات التي يؤلفها أبناء تلك البلاد، ذلك أن البلاد
الإسلامية كما هو معلوم شهدت إبان ازدهار الحضارة الإسلامية في القرون
стр. 380
الأولى التي سبقت سقوط بغداد بيد المغول سنة ٦٥٦ هـ حركة تأليف رائعة
عزّ نظيرها في مختلف مجالات العلوم الإنسانية، وليس هنا المجال للكلام
عن مثل هذه الأمور، ولكنا نحب أن ننوه أن المسلمين آنذاك عرفوا نظاماً
يشبه نظام الإيداع القانوني المعروف الآن. وإن كنا نجهل الكثير عن
طبيعته والضمانات التي يقدمها وحقوق المؤلفين وطرق حمايتهم. فهذه
الأمور كثيرة بحاجة إلى من يبحثها ويجلي غوامضها، ولعل فيما نكتبه
حافزاً للبعض لطرق هذا الموضوع المهم الغامض الشائك.
فقد عرف المسلمون كما قلنا نظاماً يشبه الإيداع القانوني وأسموه
(التخليد) فقد ازدهرت مكتبة دار العلم التي بناها ببغداد سنة ٣٨٢ هـ
الوزير البويهي: سابور بن أردشير ازدهاراً رائعاً وطار صيتها في الآفاق
وارتفعت سمعتها حتى قصدها الأدباء والعلماء والشعراء من كل مكان
وضربوا إليها آباط الإبل. ويعتبر أبو العلاء المعري الشاعر المشهور أشهر
من قصد بغداد بخاصة لزيارة دار العلم هذه والتعرف على محتوياتها وعلى
الأدباء والعلماء الذين كانوا يرتادونها ويرِدُ ذكرها في مؤلفاته. وقد كان يسر
المؤلف - أي مؤلف كان - أن تقبل هذه الدار نسخة من كتابه كهدية وهذا
هو ما نسميه نحن بالإيداع وكانوا يسمونه (التخليد) .
يذكر ياقوت أثناء حديثه عن أحمد بن علي بن خيران الكاتب
أنه.... سلم إلى أبي منصور بن الشيرازي رسول ابن النجار إلى مصر
من بغداد جزئين من شعره ورسائله واستصحبهما إلى بغداد ليعرضهما على
الشريف المرتضى أبي القاسم - المشرف على مكتبة دار العلم في بغداد
آنذاك ... وغيره ممن يأنس به من رؤساء البلد، ويستشير في تخليدها دار
العلم لينفذ بقية الديوان والرسائل، إن علم أن ما أنفذه منها قد ارتضي
واستجيد) .
стр. 381
سادساً: الجزاءات:
لم يحصل الوقوف على عقوبة في قضية عينية إلا أن تقعيد العلماء
لمنع الانتحال وكشفهم قطاع الطريق في ذلك وأن قاعدة التشريع أن ما لا
حد فيه فجزاؤه أمر تعزيري يقدر لكل حالة بقدرها، وإن من العقوبات
التعزيرية التشهير والنقض بالمثل فنستطيع أن نكيف في ضوء ذلك أنهم
يرون الاكتفاء بالتشهير بالمنتحل والنقض عليه بالمثل وهذا وحده كاف في
الاحتفاظ بالحق الأدبي لحقوق المؤلف إذ أن التأليف في ذلك الوقت لم
يكن تسويقه وانتشاره عن طريق المطابع التي تخرج آلاف النسخ بل كان
الكتاب يخرج منه نسخ معدودة والعلم للجميع وكانت تسجل عليه
الانتقالات للملكية ... والله أعلم.
سابعاً: الاستنساخ:
وقد تقدم في فاتحة البحث الأول في " تاريخ الطباعة " ولزيادة الفائدة
تنظر البحوث المعاصرة الآتية:
١- الوراقة والوراقون: لحبيب الزيات في مجلة المشرق المجلد / ٤١
ص / ٣٠٥.
٢- الكاغد والورق: لكوركيس عواد. مجلة المجمع العلمي بدمشق
المجلد / ٢٣ ص / ٤٠٩.
٣- الورق والوراقون في الحضارة الإسلامية: مجلة المجمع العلمي
العراقي المجلد / ١٢ ص / ٨٢ لعام ١٩٦٥ م.
٤- الوراقة والوراقون: مجلة رسالة المكتبة العدد الأول ص / ١٠ - ١٢.
стр. 382
٥ - تحقيق مخطوطات العلوم الشرعية: محي هلال سرحان
ص / ٢٠٠ - ٢٠٢ بعنوان الوراقة والنَّساخة.
ثامناً: بيعها:
وهذا بيعها من غير نكير في عامة ديار الإسلام وعلى تطاول الأزمان
ويقرره الفقهاء في البيوع وغيرها كما في مبحثي الاستطاعة وطواف الوداع
من كتاب الحج. وكم رأينا أن فلاناً كان دلاّلاً للكتب.
وفي السير للذهبي جمل وافرة من أخبار التعامل بها بيعاً وشراء فمنها:
أن عبد الله بن المبارك العكبري (م سنة ٥٢٨ هـ) باع ملكاً له واشترى
كتاب الفنون وكتاب الفصول لابن عقيل، ووقفها على المسلمين (١) .
وإسماعيل بن أحمد السمرقندي (م سنة ٥٣٦ هـ) كان له بخت في
بيع الكتب باع مرة الصحيحين بعشرين ديناراً (٢) .
وأبو المعالي الكتبي (م سنة ٥٦٨ هـ) كان دلاّل الكتب في بغداد (٣) .
وهذه كتب قاضي الجماعة القرطبي (م سنة ٤٠٢ هـ) بيعت كتبه
بأربعين ألف دينار (٤) .
وابن الملقن (م سنة ٨٠٤ هـ) قال ابن الحجر (٥) : (وكان يقتني
стр. 383
الكتب، بلغني أنه حضر في الطاعون العام بيع كتب شخص من المحدثين
فكان وصيّه لا يبيع إلا بالنقد الحاضر، قال: فتوجهت إلى منزلي فأخذت
كيساً من الدراهم ودخلت الحلقة فصببته فصرت لا أزيد في الكتاب شيئاً
إلا فالربع له، فكان فيها اشتريت مسند الإمام أحمد بثلاثين درهماً) اهـ.
وابن جماعة (م سنة ٧٩٠ هـ) ذكر ابن حجر عنه في شراء الكتب
عجباً (١) .
والإمام ابن فارس (م سنة ٣٩٥ هـ) رحمه الله تعالى كان يصنف كل
ليلة جمعة كتاباً ويبيعه يوم الجمعة قبل الصلاة وتصدق بثمنه وكان هذا
دأبه (٢) .
الحافظ البارع عبد الله بن محمد البغدادي كان وراقاً يورق على جده
وعمه وغيرهما وكان يبيع أصل نفسه كل وقت (٣) .
والقيرواني حماس بن مروان الزاهد (م سنة ٤٠٤ هـ) .
قال أبو زيد في (معالم الإيمان) (٤) أنه قال لورثته: (بيعوا من كتبي ما
تكفنوني به) .
المرسي محمد بن عبد الله الأندلسي ترجمه الذهبي. وذكر غرامه
بالكتب وأن السلطان رسم ببيعها فبيعت في نحو من سنة وأحرزت ثمناً
عظيماً (٥) .
стр. 384
وفي أيام المستنصر بالله (م سنة ٦٤٠ هـ) بيعت الكتب بأغلى الأثمان
لرغبته فيها ولوقفها (١) .
والقاضي الفاضل عبد الرحيم بن الأشرف (م سنة ٥٩٦ هـ) اقتنى من
الكتب نحواً من مائة ألف كتاب قال ابن كثير: هذا شيء لم يفرح به أحد
من الوزراء ولا العلماء ولا الملوك (٢) .
وهذه مكتبة ابن قيم الجوزية (م سنة ٧٦١ هـ) صار أولاده بعده يبيعونها
زمناً طويلاً.. واشترى ابن السكيت مكتبة أبي حاتم السجستاني النحوي
(م سنة ٢٥٠ هـ) بأقل مما قوّمت به وهو: أربعة عشر ألف دينار (٣) .
وكانت كتب ابن منده الحافظ (م سنة ٣٩٥ هـ) أربعين حملاً من
الجمال (٤) .
وكان ابن حمدون الكاتب من المحبين للكتب وحصل من أصولها ما
لم يحصل لغيره ثم أصابته فاقة فكان يخرجها فيبيعها وعيناه تذرفان
بالدموع (٥) .
واشترى الشريف المرتضى من القالي الإمام النحوي كتاب الجمهرة
لابن دريد بستين ديناراً فإذا عليها للقالي (٦) .
стр. 385
أنست بها عشرين حولاً وبعتها ... لقد طال وجدي بعدها وحنيني
وما كان ظني أنني سأبيعها ... ولو خلدتني في السجون ديوني
ولكن لضعف وافتقار وصبية ... صغار عليهم تستهل شؤوني
وقد تخرج الحاجات يا أم مالك ... كرائم من رب بهن ضنين
وكان يحيى بن أبي طي الحلبي المعاصر لياقوت الحموي وقال عنه:
(كان يدّعي العلم والأدب والفقه والأصول على مذهب الإمامية وجعل
التأليف حانوته ومنه قوته ومكسبه) (١) اهـ.
ومحمد بن إبراهيم الشيرازي (م سنة ٤٧٤ هـ) كان له حانوت ببغداد
يبيع الكتب (٢) .
تاسعاً: وقفيتها:
وهذا مما اعتنى الفقهاء بتقريره في كتاب الوقف من كتب الفقه. وكم
رأينا على طررها والتسجيل لوقفيتها وفي كتب السير أخباراً كثاراً عن وقفيتها
من الخلفاء والسلاطين والعلماء وسائر طبقات الناس منها:
دار العلم: وقفها سابور عام ٣٨١ هـ وفيها عشرة آلاف مجلد (٣) .
خزانة الكتب: في فيروز آباد وقفها الوزير بهرام سنة ٤٣٣ هـ (٤) .
والخطيب البغدادي (م سنة ٤٦٣ هـ) وقف كتبه على المسلمين
стр. 386
وسلمها إلى الفضل (١) .
ودار غرس النعمة في بغداد وقفها الصابي محمد بن هلال الملقب
بغرس النعمة (م سنة ٤٨٠ هـ) فيها نحو أربعمائة مجلد. وخبرها مطول في
المنتظم.
وخزانة الكتب بمرو لعبد الله بن أحمد البزاز (م سنة ٥٣٩ هـ) اشترى
كتباً كثيرة ووقفها على أهل الحديث (٢) .
خزائن المستنصر بالله صاحب الأندلس (م سنة ٣٦٦ هـ) كان مشغوفاً
بالكتب حتى ضاقت خزائنه عنها (٣) .
والتقي الفاسي (م سنة ٨٦٩ هـ) وقف كتبه واشترط عدم إعارتها
لمكي (٤) .
مقصورة ابن سنان لزيد بن الحسن الكندي الحنبلي ثم الحنفي (م
سنة ٦١٣ هـ) ذكر ابن كثير أنه وقف كتبه وهي سبعمائة وواحد وستون
مجلداً فجعلت في المقصورة المذكورة.. إلخ (٥) .
ومكتبة أبي شامة (م سنة ٦٦٥ هـ) وقف كتبه بخزانة العادلية (٦) .
стр. 387
وابن أبي حاتم وقف تصانيفه (١) .
عاشراً: الوصية بها:
ومنها جريان الوصية بها. وفي حديث ابن عمر ﵄ أن
رسول الله ﷺ قال: " ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين
إلا ووصيته مكتوبة عنده " [متفق عليه] وفي رواية عند أحمد: وله ما يوصي
فيه. وفي مستخرج الإسماعيلي: له مال. قال الحافظ بن حجر بعد سياقها
في (الفتح ٥ / ٣٥٧) [فرواية (شيء) أشمل لأنها تعم ما يتمول وما لا
يتمول كالمختصات] اهـ. وقال أيضاً ٥ / ٣٦٠: [واستدل بقوله (له شيء) أو
له (مال) على صحة الوصية بالمنافع وهو قول الجمهور، ومنعه ابن أبي
ليلى وابن شبرمة، وداود، واختاره ابن عبد البر] اهـ.
الحادي عشر: إعارتها:
في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ
يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ الآية ١٦١ من سورة آل عمران قال القرطبي (٢) [ومن الغلول
حبس الكتب عن أصحابها ويدخل غيرها في معناها. قال الزهري: إياك
وغلول الكتب فقيل له: وما غلول الكتب قال: حبسها عن أصحابها] اهـ.
والمؤلفون الجامعون في الاصطلاح وآداب الرواية يعقدون البحث
لإعارة الكتب كما في الجامع للخطيب. وفيه أسند الخطيب كلمة الزهري
المذكورة (٣) .
стр. 388
وذكر آثاراً كثاراً في تأثيم السلف لمن استعار كتاباً ولم يرده على من
أعاره إياه. كما ذكر جملة من الآثار في امتناع أقوام من الإعارة خشية الآفة
عليها. وأن بعضهم ما كان يعير كتابه إلا بعد توثقته برهن.
الثاني عشر: المصحف:
للفقهاء أبحاث مهمة في حكام بيعه ورهنه والمبادلة به، وفي ذلك
روايتان عن الإمام أحمد ﵁ الجواز والمنع، كما في: المغني (١)
وكتاب الروايتين لأبي يعلى (٢) وفيه قال: (وكثير من الفقهاء يجيز بيعه)
وانظر: شرح المحلى للمنهاج في الفقه الشافعي (٣) وفي حكام إجارته
وجهان عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى كما في المغني (٤) .
وفي حكم إرث المصحف تنظر: حاشية ابن عابدين (٥) .
وبحثاً جامعاً في (الرسالة المفصلة في أحوال المتعلمين)
للقابسي. (٦)
الثالث عشر:
وفي إجازة الكتاب يقررون الجواز كما في: المبسوط
للسرخسي (٧) . وروضة القضاة للسمناني (٨) .
الرابع عشر: الأجرة على التحديث:
في كتب الاصطلاح وآداب الرواية يذكر المؤلفون الجامعون منهم
стр. 389
حكم أخذ الأجرة على التحديث كما في:
علوم الحديث لابن الصلاح ص / ١٠٧.
والكفاية للخطيب البغدادي ص / ٢٤١.
والجامع له ١ / ٣٥٦ - ٣٥٨.
وفتح المغيث للسخاوي وفي غيرها كثير ...
ومحصّل كلامهم جريان الخلف فيها عند السلف على أقوال ثلاثة:
١- الجواز والترخص، وبه قال أبو نعيم الفضل بن دكين، وعلي بن
عبد العزيز المكي، وغيرهما، ورجحه السخاوي في فتح المغيث.
٢- المنع: وبه قال اسحق، وأحمد، وابن أبي حاتم وغيرهم....
٣- الكراهة في حق الموسر. وهذه هي نقطة الدفاع عن تضعيف
الراوي بأخذ الأجرة على التحديث. وممن كان يأخذ الأجرة على التحديث
من الرواة:
أ - علي بن عبد العزيز البغوي (١) كما في التقييد لابن نقطة (٢) .
ب - الحارث بن أبي أسامة (٣) .
ج - أبو القاسم عد الله بن محمد البغوي (٤) .
стр. 390
د - أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني (١) .
هـ - الحسن بن سفيان.
و ابن الأعرابي (٢) .
ز - هاشم بن عمار (٣) .
ح - عبد الله بن وهب المصري (م سنة ١٩٧) قال الذهبي بعد أن أثنى
عليه وذكر قدره وجلالته: [وقد تمعقل بعض الأئمة على ابن وهب في أخذه
للحديث وأنه كان يترخص في الأخذ، وسواء ترخص ورأى ذلك سائغاً أو
تستر فمن يروي مائة ألف حديث ويندر المنكر في سعة ما روى فإليه
المنتهى في الإتقان] اهـ.
ط - أحمد بن عبد الرحمن بن وهب وهو ابن أخي عبد الله بن وهب. ففي
السير (٤) للذهبي قال رحمه الله تعالى:
قال خالد بن سعد الأندلسي: سمعت سعيد بن عثمان الأعناقي،
وسعد بن معاذ، ومحمد بن فطيس يحسنون الثناء على أحمد بن أخي ابن
وهب، ويوثِّقونه، قال الأعناقي: قدمنا مصر، فوجدنا يونس أمره صعباً،
ووجدنا أحمد أسهل، فجمعنا له دنانير، وأعطيناه، وقرأنا عليه " موطأ " عمه
وجامعه. وسمعت ابن فطيس يقول: فصار في نفسي، فأردت أن أسأل
محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، فقلت: أصلحك الله، العالم يأخذ