وسلمها إلى الفضل (١) .
ودار غرس النعمة في بغداد وقفها الصابي محمد بن هلال الملقب
بغرس النعمة (م سنة ٤٨٠ هـ) فيها نحو أربعمائة مجلد. وخبرها مطول في
المنتظم.
وخزانة الكتب بمرو لعبد الله بن أحمد البزاز (م سنة ٥٣٩ هـ) اشترى
كتباً كثيرة ووقفها على أهل الحديث (٢) .
خزائن المستنصر بالله صاحب الأندلس (م سنة ٣٦٦ هـ) كان مشغوفاً
بالكتب حتى ضاقت خزائنه عنها (٣) .
والتقي الفاسي (م سنة ٨٦٩ هـ) وقف كتبه واشترط عدم إعارتها
لمكي (٤) .
مقصورة ابن سنان لزيد بن الحسن الكندي الحنبلي ثم الحنفي (م
سنة ٦١٣ هـ) ذكر ابن كثير أنه وقف كتبه وهي سبعمائة وواحد وستون
مجلداً فجعلت في المقصورة المذكورة.. إلخ (٥) .
ومكتبة أبي شامة (م سنة ٦٦٥ هـ) وقف كتبه بخزانة العادلية (٦) .
стр. 387
وابن أبي حاتم وقف تصانيفه (١) .
عاشراً: الوصية بها:
ومنها جريان الوصية بها. وفي حديث ابن عمر ﵄ أن
رسول الله ﷺ قال: " ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين
إلا ووصيته مكتوبة عنده " [متفق عليه] وفي رواية عند أحمد: وله ما يوصي
فيه. وفي مستخرج الإسماعيلي: له مال. قال الحافظ بن حجر بعد سياقها
في (الفتح ٥ / ٣٥٧) [فرواية (شيء) أشمل لأنها تعم ما يتمول وما لا
يتمول كالمختصات] اهـ. وقال أيضاً ٥ / ٣٦٠: [واستدل بقوله (له شيء) أو
له (مال) على صحة الوصية بالمنافع وهو قول الجمهور، ومنعه ابن أبي
ليلى وابن شبرمة، وداود، واختاره ابن عبد البر] اهـ.
الحادي عشر: إعارتها:
في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ
يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ الآية ١٦١ من سورة آل عمران قال القرطبي (٢) [ومن الغلول
حبس الكتب عن أصحابها ويدخل غيرها في معناها. قال الزهري: إياك
وغلول الكتب فقيل له: وما غلول الكتب قال: حبسها عن أصحابها] اهـ.
والمؤلفون الجامعون في الاصطلاح وآداب الرواية يعقدون البحث
لإعارة الكتب كما في الجامع للخطيب. وفيه أسند الخطيب كلمة الزهري
المذكورة (٣) .
стр. 388
وذكر آثاراً كثاراً في تأثيم السلف لمن استعار كتاباً ولم يرده على من
أعاره إياه. كما ذكر جملة من الآثار في امتناع أقوام من الإعارة خشية الآفة
عليها. وأن بعضهم ما كان يعير كتابه إلا بعد توثقته برهن.
الثاني عشر: المصحف:
للفقهاء أبحاث مهمة في حكام بيعه ورهنه والمبادلة به، وفي ذلك
روايتان عن الإمام أحمد ﵁ الجواز والمنع، كما في: المغني (١)
وكتاب الروايتين لأبي يعلى (٢) وفيه قال: (وكثير من الفقهاء يجيز بيعه)
وانظر: شرح المحلى للمنهاج في الفقه الشافعي (٣) وفي حكام إجارته
وجهان عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى كما في المغني (٤) .
وفي حكم إرث المصحف تنظر: حاشية ابن عابدين (٥) .
وبحثاً جامعاً في (الرسالة المفصلة في أحوال المتعلمين)
للقابسي. (٦)
الثالث عشر:
وفي إجازة الكتاب يقررون الجواز كما في: المبسوط
للسرخسي (٧) . وروضة القضاة للسمناني (٨) .
الرابع عشر: الأجرة على التحديث:
في كتب الاصطلاح وآداب الرواية يذكر المؤلفون الجامعون منهم
стр. 389
حكم أخذ الأجرة على التحديث كما في:
علوم الحديث لابن الصلاح ص / ١٠٧.
والكفاية للخطيب البغدادي ص / ٢٤١.
والجامع له ١ / ٣٥٦ - ٣٥٨.
وفتح المغيث للسخاوي وفي غيرها كثير ...
ومحصّل كلامهم جريان الخلف فيها عند السلف على أقوال ثلاثة:
١- الجواز والترخص، وبه قال أبو نعيم الفضل بن دكين، وعلي بن
عبد العزيز المكي، وغيرهما، ورجحه السخاوي في فتح المغيث.
٢- المنع: وبه قال اسحق، وأحمد، وابن أبي حاتم وغيرهم....
٣- الكراهة في حق الموسر. وهذه هي نقطة الدفاع عن تضعيف
الراوي بأخذ الأجرة على التحديث. وممن كان يأخذ الأجرة على التحديث
من الرواة:
أ - علي بن عبد العزيز البغوي (١) كما في التقييد لابن نقطة (٢) .
ب - الحارث بن أبي أسامة (٣) .
ج - أبو القاسم عد الله بن محمد البغوي (٤) .
стр. 390
د - أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني (١) .
هـ - الحسن بن سفيان.
و ابن الأعرابي (٢) .
ز - هاشم بن عمار (٣) .
ح - عبد الله بن وهب المصري (م سنة ١٩٧) قال الذهبي بعد أن أثنى
عليه وذكر قدره وجلالته: [وقد تمعقل بعض الأئمة على ابن وهب في أخذه
للحديث وأنه كان يترخص في الأخذ، وسواء ترخص ورأى ذلك سائغاً أو
تستر فمن يروي مائة ألف حديث ويندر المنكر في سعة ما روى فإليه
المنتهى في الإتقان] اهـ.
ط - أحمد بن عبد الرحمن بن وهب وهو ابن أخي عبد الله بن وهب. ففي
السير (٤) للذهبي قال رحمه الله تعالى:
قال خالد بن سعد الأندلسي: سمعت سعيد بن عثمان الأعناقي،
وسعد بن معاذ، ومحمد بن فطيس يحسنون الثناء على أحمد بن أخي ابن
وهب، ويوثِّقونه، قال الأعناقي: قدمنا مصر، فوجدنا يونس أمره صعباً،
ووجدنا أحمد أسهل، فجمعنا له دنانير، وأعطيناه، وقرأنا عليه " موطأ " عمه
وجامعه. وسمعت ابن فطيس يقول: فصار في نفسي، فأردت أن أسأل
محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، فقلت: أصلحك الله، العالم يأخذ
стр. 391
على قراءة العلم، فشعر فيما ظهر لي أني إنما سألته عن ابن أخي ابن
وهب، فقال لي: جائز، عافاك الله، حلال أن لا أقرأ لك ورقة إلا بدرهم
ومن أخذني أن أقعد معه طول النهار وأترك ما يلزمني من أسبابي ونفقة
عيالي.
هذا الذي قاله ابن عبد الحكم متوجه في حق متسبب يفوته الكسب
والاحتراف لتعوقه بالرواية. وقال علي بن بيان الرزاز الذي تفرد بجزء ابن
عرفة بعلو، وكان يطلب على تسميعه ديناراً: أنتم إنما تطلبون مني العلو
وألا فاسمعوا الجز من أصحابي ففي الدرب جماعة سمعوه مني، فإن كان
الشيخ عسيراً ثقيلاً لا شغل له وهو غني فلا يعطى شيئاً ... والله الموفق.
ي - عبد الله بن حسان التميمي: كان فيما زعموا إذا قعد احتوشه
الناس فيحدثهم حديثاً بعشرة ثم بخمسة ثم بدرهمين ثم بدرهم ثم بأربعة
دوانق ثم بثلاثة ثم بدانقين (١) .
ك - أبو عمر الحوضي.
ل - وكان شيخ القراء القلانسي (م سنة ٥٢١ هـ) يأخذ الذهب على
إقراء العشرة (٢) .
م - وأبو النعيم الفضل بن دكين، في بيان يطول سياقه فلينظر (٣) .
ن - والدارقطني في قصة ساقها الذهبي في ترجمته من السير (٤) .
стр. 392
س - والمبارك بن كامل الخفاف البغدادي (م سنة ٥٤٣ هـ) قال ابن
الجوزي (١) : (لو قيل إنه سمع من ثلاثة آلاف شيخ لما رد القائل إلا أنه
كان قليل التحقيق فيما ينقل من السماعات مجازفة لكونه يأخذ على ذلك
ثمناً وكان فقيراً كثير التزوج والأولاد) .
ش - محمد بن سفيان الأسنوي (م سنة ٣٣١ هـ) كان يأخذ على
السماع أجراً.
وفي كل واحد من الأقوال المذكورة يذكرون قصصاً وحكايات يؤيد بها
كل مذهبه.
وقد قال السخاوي في فتح المغيث (٢) الدليل المطلق للجواز القياس
على القرآن فقد جوز أخذ الأجرة على تعليمه الجمهور ولقوله ﷺ في
الحديث الصحيح: " أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله " اهـ.
الخامس عشر: الجوائز على التأليف:
وأما خبر الجوائز على التأليف وقبول العلماء لذلك من غير نكير فأمر
يضيق عنه الحصر، وينظر على سبيل المثال:
١- شرح سيبويه لابن خروف (م سنة ٦٠٦ هـ) قدمه إلى صاحب
المغرب فأعطاه ألف دينار (٣) .
٢- غريب القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلام (٤) .
стр. 393
٣- الأغاني لأبي الفرج (١) .
٤- الحيوان للجاحظ (٢) .
٥- الإصعاد إلى الاجتهاد للفيروز آبادي (٣) .
السادس عشر: كوائن تاريخية حول المؤلفات:
يذكر نقلة السير جملة وقائع في هذا منها:
١- كائنة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وقد تقدمت.
٢- كائنة الإمام اللغوي ابن فارس رحمه الله تعالى وقد تقدمت.
٣- كائنة عبد الصمد السليطي (٤) (م سنة ٤٨٢ هـ) إذ اشترى كتباً كانت
نهباً فقال مسعود بن ناصر السجزي: أشهد أن كل كتاب بغدادي عند عبد
الصمد السليطي كلها غارة ونهب من نهب نوبة البساسيري ببغداد لا ينتفع
بها دنيا ولا دين. اهـ.
[كيف بحال الذين ينهبون حقوق المؤلفين] .
٤- كائنة أسد بن الفرات في مدونته الأسدية كما في معالم الإيمان
وهي بأبسط في رياض النفوس. وفيها (٥) :
стр. 394
(لما عزم على الرحيل إلى أفريقيا قام عليه أهل مصر فسألوه في كتبه
أن ينسخوها فأبى عليهم فقدموه إلى القاضي بمصر فقال لهم القاضي:
وأي سبيل لكم عليه، رجل سأل رجلاً فأجابه وهو بين أظهركم فاسألوه كما
سأله، فرغبوا إلى القاضي في سؤاله أن يقضي حاجتهم فسأله القاضي
فأجابه إلى ذلك فنسخوها حتى فرغوا منها) اهـ. فهذا حكم قضائي بالحق
للمؤلف لكن سحنوناً - لمكارم أخلاقه - قَبِل شفاعة القاضي.
٥- كائنة السيوطي مع القسطلاني (م سنة ٧٢٣ هـ) كما في: الشذرات
قال (٥) : (ويحكى أن الحافظ السيوطي (م سنة ٩١١ هـ) كان يحط منه
ويزعم أنه يأخذ من كتبه ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى
عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد مواضع
قال: إنه نقل فيها عن البيهقي وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر في
أي مؤلفاته لنعلم أنه نقل عن البيهقي، ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك عن
البيهقي، فنقله برمته، وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن
البيهقي.
وحكى الشيخ جار الله بن فهد: أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد إزالة
ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة إلى باب
السيوطي ودق الباب فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك
حافياً مكشوف الرأس ليطب خاطرك عليّ، فقال له: قد طاب خاطري
عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله اهـ.
٦- ومنها: كائنة الفراء مع الوراقين في كتابه: معاني القرآن كما في
стр. 395
تاريخ بغداد، وغير ذلك (١) : أنه لما فرغ من كتاب المعاني أخفاه الوراقون
عن الناس ليكسبوا به فقالوا: لا نخرجه إلا لمن أراد أن ننسخه له على
خمس أوراق بدرهم فشكى الناس إلى الفراء فدعا الوراقين فقال لهم
ذلك، قالوا: إنما صحبناك لننتفع بك وكل ما صنفته فليس بالناس إليه من
الحاجة ما بهم إلى هذا الكتاب، فدعنا نعِشْ منه، قال: فقاربوهم تنتفعوا
وينفعوا فأبوا عليه فقال: سأريكم، وقال للناس: إنني مملٍ كتاب معان
أتم شرحاً وأبسط قولاً من الذي أمليت، فجلس يُملي فأملى الحمد في
مائة ورقة فجاء الوراقون إليه وقالوا: نحن نبلغ الناس ما يحبون فنسخوا
كل عشرة أوراق بدرهم اهـ.
٧- ٨- ذكرها الخطيب البغدادي في: الجامع فقال بسنده (٢) عن أبي
زرعة الرازي قال: [ادعى رجل على رجل بالكوفة سماعاً منعه إياه،
فتحاكما إلى حفص بن غياث - وكان على قضاء الكوفة - فقال حفص
لصاحب الكتاب: أخرج إليه كتبك، فما كان من سماع هذا الرجل بخط
يدك ألزمناك، وما كان بخطه أعفيناك منه. فقيل لأبي زرعة: ممن سمعته
قال: من إسحق بن موسى الأنصاري، قال ابن خلاد: سألت أبا عبد الله
الزبيري عن هذا، فقال: لا يجيء في هذا الباب حكم أحسن من هذا،
لأن خط صاحب الكتاب دال على رضاه باستماع صاحبه معه. وقال غيره:
ليس بشيء] .
حدثت عن القاضي أبي الحسن علي بن الحسن الجراحي قال:
حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة بن الصلت، قال: [رأيت رجلاً
стр. 396
قدم رجلاً إلى إسماعيل بن إسحق القاضي، فادعى عليه أن له سماعاً في
الحديث في كتابه، وأنه قد أبى أن يعيره، فسأل إسماعيل المدعى عليه،
فصدقه، فقال: في كتابي سماع، ولست أعيره، فأطرق إسماعيل ملياً، ثم
رفع رأسه إلى المدعى عليه، فقال له: عافاك الله إن كان سماعه في كتابك
بخطك فيلزمك أن تعيره وإن كان في سماعه في كتابك بخط غيرك، فأنت
أعلم. قال: سماعه في كتابي بخطي، ولكنه يبطئ برده عليّ، فقال:
أخوك في الدين أحب أن تعيره، وأقبل على الرجل فقال: إذا أعارك شيئاً
فلا تبطئ به] .
стр. 397
المبحث الرابع
التعريف بعنوان هذه النازلة
في هذا أمران:
أحدهما: من حيث الدلالة وشمولها.
الثاني: من جهة تركيبه اللغوي.
أما مبحث دلالته:
فإن هذا المبحث انطلق من قولهم (حقوق الطبع محفوظة للمؤلف)
لكن أصبح لدينا عدة حقوق من هذا القبيل منها: هذه وهي ما تسمى
بحقوق المؤلف الأدبية أو الأدبية والفنية أو الأدبية الفنية العلمية. ومنها: حق
المخترع، وهو ما اصطلح على تسميته باسم: (الملكية الصناعية) وتتضمن
الحق في المخترعات والمكتشفات الصناعية والتقنية والعلامات الفارقة
(الامتياز ... وغيرها.
وهي من مباحث القانون التجاري لدى القانونيين ومنها: الحق
المتعلق بالرسالة وهو ما اصطلح عليه باسم: (ملكية الرسائل) ويقصد بها
الأخبار الخاصة المرسلة إلى أشخاص معينين، وهذا من كل منتج لأثر
مبتكر. فصار أمام هذا لا بد من المواضعة على اصطلاح يشمل الاحتفاظ
بهذه الحقوق ومن المواضعات الجارية في هذا ما يلي:
стр. 398
١- حق الإنتاج الذهني:
يقول صاحب الوسيط (١) :
(ويجمع بين هذه الحقوق جميعاً أنها حقوق ذهنية، فهي نتاج الذهن
..... وابتكاره) اهـ.
فمن هنا يصلح أن نطلق على مجموعها اصطلاح (حق الإنتاج
الذهني) وقد ألف بعض المعاصرين كتاباً باسم: (حق الإنتاج الذهني) .
٢- حق الابتكار:
بينما نرى الأستاذ مصطفى الزرقا يرى أن يشملها اسم: (حقوق
الابتكار) (٢) .
والابتكار يعني: أن يكون الإنتاج كالتأليف ذا قيمة، بمعنى أن تبرز
مغالبة المؤلف في تأليفه. ويرجع تقدير الابتكار الذي بموجبه يحسب تأليفاً
تحمى حقوقه لمؤلفه إلى القضاء، أما المصنف الذي يكون مجرد ترديد
لمصنف سابق فهذا لا ينسحب عليه حكم الحماية لحقوق المؤلف (٣) .
ومنه جمع بعض المعاصرين أبحاثاً باسم: (حق الابتكار في الفقه
الإسلامي) .
٣- الملكية المعنوية:
стр. 399
وفي كتاب (محاضرات في القانون المدني) لعبد المنعم فرج الصده
طبع عام ١٩٦٧ م.
ذكر اندراج هذه تحت هذا الاسم فقال (١) :
(تندرج تحت الملكية المعنوية أنواع متعددة من الحقوق المعنوية
يمكن ردها إلى طائفتين، تشمل أولاهما: الحقوق التي اصطلح على
تسميتها بالملكية الصناعية، وتشمل الثانية: حقوق المؤلفين، وهي التي
اصطلح على تسميتها بالملكية الأدبية والفنية) اهـ.
٤- الحقوق الواردة على أموال غير عادية.
٥- الحقوق المتعلقة بالعملاء.
(ذكرهما الصده في كتابه المذكور) .
٦- الحقوق الفكرية:
هي في: النظام التركي كما في مقال الأستاذ الناهي (٢) .
وكل واحدة من هذه المواضعات تفيد عند مبديها: الشمولية لمفردات
الإنتاج المتحصل من ذوي المواهب المتفتحة والمدارك العميقة بما
نستطيع أيضاً أن نسميه.
٧- حق الإبداع:
وإذا لحظنا أيضاً أن ركيزة الإنتاج هو (العلم) ساغ لنا المواضعة
стр. 400
باسم: الإنتاج العلمي.
٨- حقوق الإنتاج العلمي:
وقد يكون أكثر وضوحاً، وأوسع شمولاً لجمع أي إنتاج مصدره العلم
النظري أو العملي مع غض النظر عن مستوى هذا الإنتاج في: الإبداع،
والابتكار، وفي إعمال الذهن، وفي أغراض التأليف الثمانية، ولأننا وإن كنا
في عصر تفجر المعلومات فنحن كذلك في عصر المحاكاة وغياب التقوى
من كثير من القلوب.
فهذا طالب يستغل جهل أستاذه في جامعة أوروبية باللغة العربية
فيستل واحداً من المؤلفات العربية ويترجمه أطروحة من تأليفه وصنعه
ويستحق على ذلك لقب (دكتور) .
وعكسه فمن عبث المستشرقين الناطقين بالعربية أن يختار واحداً من
كتب المسلمين ويترجمه إلى لغة أخرى وينسبه لنفسه محرفاً ومشوهاً
لمعلوماته.
ومع هذا يظهر الكل مطبوعاتهم بأن (حقوق الطبع محفوظة
للمؤلف) (أيكذب ويقابل) ؟ فأي حرمة لك يا هذا؟؟ .
فهذا لا نسميه إبداعاً ولا ابتكاراً ولا إنتاجاً علمياً، لكنه إنتاج علمي
مقنع بدعوى كاذبة فالإضافة الوهمية والإنتاج العلمي يعاد إلى نصابه بنسبته
إلى مؤلفه أصلاً. ويكون هذا الاحتفاظ بعد نذير عذاب لمدعيه. فصارت
التسمية إذا بحق (الإنتاج العلمي) فيها شمول لجميع الحقوق.
على أنني بعد هذا، وبعد أن تحررت مالية التأليف، ولكف إبعاد
الأذهان عن مدارك الأحكام تبينت لي تسمية سهلة ميسورة المدرك وهي
стр. 401
أن يقال: ملكية التأليف.
٩- ملكية التأليف:
وهذا في خصوص التأليف وهو أهم أنواع الإنتاج فيقال: (ملكية
التأليف محفوظة للمؤلف) أو (الناشر) . فهذا يعني: رقبة الملك (التأليف)
وماله من حقوق مترتبة عليه شرعاً ... والله أعلم.
الثاني: في تركيبه اللغوي:
الجملة الجاري رسمها على المؤلفات كالآتي:
(حقوق الطبع محفوظة للمؤلف) أو (الناشر) . وفي كتاب (كبوات
اليراع) لأبي تراب بن أبي محمد عبد الحق قرر أن الصواب: (حقوق
الطبع محفوظة على المؤلف) وهذا نصه بتمامه (١) :
(يقولون: حقوق الطبع محفوظة للمؤلف. أو الناشر وهو غلط
والصواب: حقوق الطبع محفوظة على المؤلف أو على الناشر ... قال
مصطفى جواد: يقال: حفظ فلان عليه الشيء حفظاً فالشيء محفوظ
عليه) .
وفي شرح نهج البلاغة (ج ٤ ص / ٣٧١) من كلام علي بن أبي
طالب: فإن نسيت مقالتي حفظها غيرك. فإن الكلام كالشاردة يتقنها هذا
ويخطئها هذا. هذا هو كلام الفصحاء، وكان زين العابدين علي بن
الحسين يقول في دعائه اللهم احفظ علي سمعي وبصري إلى انتهاء أجلي
كما أورده ابن أبي الحديد (ج ٣ ص / ٢٩) .
стр. 402
وفي سيرة ابن هشام والروض الأنف للسهيلي (ج ٢ ص / ٢٤١) وتاريخ
الطبري (ج ٣ ص ٩٦) . وكتب الحديث: لما انصرف رسول الله ﷺ إلى
خيبر فكان ببعض الطريق قال من آخر الليل: " من رجل يحفظ علينا الفجر
لعلنا ننام؟ " قال بلال: أنا يا رسول الله أحفظه عليك.
وفي تاريخ اليعقوبي (ج ٣ ص ١٢٧) قال محمد المهدي ابن أبي
جعفر المنصور يعني أباه: وكان يحفظ عليكم ما لا تحفظون على أنفسكم.
وفي لباب الآداب لأسامة بن منقذ (ص ١٤١) والأغاني لأبي الفرج
(ج ١٨ ص ١٠) واللفظ له: قال عمرو بن بانة لمحمد بن جعفر بن موسى
الهادي: أنا أتحمل هذه الرسالة وكرامة على ما فيها حفظ لروحك عليك
فإني لا آمن من أن يتمادى بك هذا الأمر.
وفي اللباب (ص ٧٠) قال أبو الحسن علي بن محمد الصغاني في
كتاب الفرائد والقلائد: ومما يديم لك نصحهم ووفاءهم ويحفظ عليك
ودهم وولاءهم قلة الطمع فيهم وحسن المقابلة لمساعيهم يعني العمال.
وفي تاريخ الطبري (ج ٥ ص ٩٧) قال الحجاج بن علاط السلمي
للعباس بن عبد المطلب: احفظ علي حديثي يا أبا الفضل فإني أخشى
الطلب ثلاثاً.
وفي معجم الأدباء لياقوت الحموي (ج ٥ ص ٣٥١) جاء في رقعة لأبي
الفتح ابن العميد: فإن لم يحفظ علينا النظام بإهداء المدام عدنا كبنات
نعش، والسلام.
وفي الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي (ج ٢ ص ١١) قال
المقدسي محمد بن معشر: الشريعة طب المرضى، والفلسفة طب
стр. 403
الأصحاء، والأنبياء يطبون للمرضى حتى لا يتزايد مرضهم وحتى يزول
المرض بالعافية فقط. فأما الفلاسفة فإنهم يحفظون الصحة على
أصحابها ...
وقال أبو حيان في (الإمتاع) (ج ٢ ص ١٨٦) : ولما لم يرد من الإنسان
أن يكون حماراً حفظ عليه ما هو إنسان ودرج إلى كمال الملك الذي هو
شبيه به.
وفي كتاب الأوراق للصولي قول أبي القاسم الأديب الشاعر:
وكم ملك قد خصني بكرامة ... حفظت عليه أمره وهو ضائع
ولا نود أن نطيل بذكر الشواهد أكثر مما فعلنا. وإنما نذكر أن لقولهم:
حفظ له كذا معنى آخر. كقولك أحسنت إلى فلان فحفظ لي ذلك. أي
ذكر الإحسان ورعى ذكراه فهو كالوفاء والجزاء.
قال أبو تراب:
اختلاق صلات الأفعال يجعل المعنى مختلفاً فما كان من هذا القبيل
يجب التثبت فيه فالمحافظة مثلاً تعدى بعلى، قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا
عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ والاستحفاظ جاءت صلته بمن، قال تعالى: ﴿بِمَا
اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ والاحتفاظ بعلى. قال العجير السلولي:
بعيد من الشيء القليل احتفاظه ... عليك ومنزور الرضا حين يغضب
ويقال: احتفظ بالشيء وتحفظ به أي عني بحفظه. وعليك بالتحفظ
من الناس وهو التوقي وهو حفيظ عليه أي رقيب.
وفي اللسان: الحفيظ من صفات الله لا يعزب عن حفظه
стр. 404
الأشياء كلها مثقال ذرة في السماوات والأرض. وقد حفظ على خلقه وعباده
ما يعملون من خير أو شر.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ قال الزجاج - حفظه الله
من الوقوع على الأرض إلا بإذنه، وقيل محفوظاً بالكواكب كما قال
تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الكَوَاكِبِ. وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾
ويقال: احتفظت بالشيء لنفسي واستحفظت فلاناً إذا سألته أن يحفظ لك.
والحفيظ: المحافظ، ومنه قوله تعالي: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ .
ماهية التأليف
المقصود هنا التعريف بالتآليف المحمية، والتي لصاحبها الاحتفاظ
بحقوقها وهي بالتتبع على نوعين (١) .
الأول: المحررات:
وهذه تعني أي تأليف مكتوب في أي من العلوم كالتفسير والحديث،
والفقه وأصولها والتوحيد، وعلوم الآلة، والرياضيات، والتاريخ، والجغرافيا،
والطب، والهندسة، وما جرى مجرى ذلك.
الثاني: الشفويات:
كالخطب، والمحاضرات، والمواعظ، والندوات، وما جرى مجرى
ذلك مما يلقى شفاها. فلا يصح في القانون الوضعي تسجيل أي من هذه
ونشره دون سابق إذن المؤلف. لكن العرف في كثير من البلدان الإسلامية
أن هذا حق مشاع لكل مسلم تلقيه وتسجيله ونشره لتأصيل عامل الحسبة
فيه. ولهذا فلا يدخل في ماهية التأليف في بحثنا هذا. والله أعلم.
стр. 405
المؤلف
يعتبر الشخص مؤلفاً إذا نشر المصنف المبتكر منسوباً إليه سواء بذكر
اسمه على المصنف أو بأي طريقة أخرى ما لم يقم دليل على نفيه (١) .
وهذه النسبة لا يسوغ لصاحبها التنازل عنها لينتحلها شخص آخر،
فكما لا يجوز التنازل عن الإنتاج الذري كذلك لا يجوز التنازل عن الإنتاج
العلمي.
ومن لطيف حفاوة العلماء بمؤلفاتهم أنهم جعلوها بمنزلة أعلى وأغلى
من نسل أصلابهم فقال بعضهم:
ما نسل قلبي كنسل صلبي ... من قاس رد له قياسه
(أي رد له قياسه في المحبة) .
ولهذا فمن حقه الأدبي فيها أيضاً لا يصح التنازل عنه لأي جهة حكومية
أو غيرها فرداً أو غير فرد بل تبقى له صفته الأدبية في التأليف، ولو فرض
وجود اتفاق على شرط التنازل عن ذلك لما صح، نعم يصح الاتفاق على
شرط إسقاط ما يتعلق بحقوقه المالية في المؤلف. هذا ملخص ما في
الاتفاقيات الدولية وبعض القوانين العربية لحقوق المؤلفين.
وبتنزيله على أصول الشريعة وقواعدها لا يظهر معارضته لها بشيء.
وكيف يصح التنازل عن نسبة التأليف إلى مؤلفه مثلاً في علوم الشريعة التي
تعتمد أبحاثها جلب الأدلة ومناقشتها والترجيح والاختيار، ولهذا يرى الناظر
стр. 406
في آداب التأليف عند المسلمين التنويه بلزوم التصريح باسم المؤلف
وللوثوق به، وعند بعضهم أن المؤلف المجهول النسبة كالرواية عن مجهول
الحال، أو العين والحال فالكل لا يحتج به استقلالاً. والله أعلم.
стр. 407
المبحث الخامس
الحقوق الواردة على المؤلفات (١) وحكمها
يرد عليها بالجملة حقان:
الأول: حق خاص: وهو حق للمؤلف نفسه، ومن أتى من طريقه وهو
ما اصطلح عليه بالحقوق الأدبية والمالية ... الخ. وهذا مخدوم بنظام
الاحتفاظ بحقوق المؤلف ومن أتى من طريقه كالناشر، والوارث.
الثاني: حق عام: وهو حق للأمة لحاجتها إلى ما فيه من علوم ومعارف
سداً لحاجتها وتنمية لمواهبها.
يبقى كيف السبيل إلى أن تكون الحقوق الخاصة لا تقضي على الحق
العام وحتى يتم التوازن بين الحقين.؟
ومن المتعذر أن تملك الأفكار بل هي حق مشاع لكل منتفع وإلا فما
فائدة التفكير والقراءة عنه وتفهمه لولا إعمال الأمة جهدها لإنزاله في ميدان
التنمية والاستفادة.
ولهذا ذكر القرافي رحمه الله تعالى في الفروق (٢) أن الاجتهادات لا
стр. 408
تملك. وعليه فإن الاحتفاظ من المؤلف بحقوق وحماية من بسط الله يده
لهذه الحقوق ليس معنى هذا إهدار (الحق العام) وتعميم نفعه. بل هناك
حقوق عامة ترد على المؤلفات وهي:
(أ) حق الاقتباس.
(ب) حق الترجمة.
(ج) حق الدولة عند ممانعة المؤلف من نشر مؤلفه مع قيام الحاجة
إليه.
وبيانها على ما يلي:
(أ) حق الاقتباس:
إنارة المفاهيم والأفكار بالأسس السليمة وتقويم معوجها وإصلاح ما
فسد منها وبعث الحيوية والنشاط فيها واستصلاحها وعمارتها وظهور الأثر
العملي في ميدان العمل والتطبيق. هذه الإيجابيات من أعظم عوائد
التأليف ومنافعه العملية والاقتباس واحد من هذه الآثار المباركة فهو ثمرة
عملية وصلت إلى حد الإيجاب باعتبارها والاستشهاد بها واتخاذ الكاتب لها
سنداً في موضوعه وبحثه فهو انتفاع شرعي لا يختلف فيه اثنان، وما زال
المسلمون منذ أن عرف التأليف إلى يومنا هذا وهم يجرون على هذا
المنوال في مؤلفاتهم دون نكير.
وعليه فإن منع المؤلف لذلك يعد خرقاً للإجماع، فلا عبرة به حتى
ولو سجله على طرة كتابه كما يفعله البعض - على ندرة الفعلة لذلك في
عصرنا - يرون تسجيل الممانعة من الاقتباس سبباً يعطي دفعة لمزيد من
التيقظ إلى قيمة الكتاب ومؤلفه. وما علم أولئك أن الأمور مرهونة بحقائقها
ويعقلها العالمون وليعلموا كذلك أن المستقبل كشاف.
стр. 409
شرط الاقتباس: لكن الاقتباس مشروط بأداء أمانته وهو نقله بأمانة منسوباً
إلى قائله دونما غموض أو تدليس أو إخلال، ومباحث هذه منتشرة في آداب
التأليف وغيرها. والله أعلم.
حق الترجمة (١) :
الترجمة تعني نقل المؤلف من لغة إلى أخرى ويتصور عندنا في هذا
أمران:
الأول: في مدى أحقية صاحب الكتاب الأصل في المطالب بحماية
حقه مقابل قيام غيره بترجمته إلى لغة أخرى..
وفي مجال الترجمة هذه نلحظ أموراً هي:
١- إن المترجم يعاني فيها من المشقة ما عاناه مؤلف الأصل. لتصل
إلى غاية المطابقة لمعنى ما يحويه الكتاب مفرغاً للمعاني في مباني اللغة
المترجم إليها مراعياً لخصائصها ومعانيها.
٢- بهذا تستحق أن تسمى تأليفاً مبتكراً.
٣- واجب إبراء العهدة بنشر العلم وإشاعة وإبلاغ الرسالة إلى العالمين
بألسنتهم، وهذا في خصوص العلوم الشرعية.
لهذه الاعتبارات فإنه ليس من حق المؤلف الأصل المطالبة بحماية
حقه المالي في التأليف وعليه فيجوز للمترجم - بكسر الجيم - ترجمة كتاب
ما إلى لغة أخرى من غير إذن مؤلفه لكن مع الاحتفاظ لمؤلفه الأصل
بحقوق أدبية من نسبة مؤلفه إليه والمحافظة على مادته وعنوانه. وينسحب
стр. 410
هذا الحكم على ترجمة الترجمة إلى لغة أخرى غير لغة الكتاب الأصلية
ولغة ترجمته الثانية. والله أعلم.
الثاني: مدى احتفاظ المترجم بحقوق الترجمة باعتبار ما يبذله
المترجم من جهود مضنية في سبيل الترجمة تعد عملاً أثبت فيه جدارته
وبروز عمله المبتكر فإن ترجمته تكون محمية ويكون لها من الآثار ما
لمؤلف الأصل. والله أعلم.
(ج) حق الولاية العامة:
كم رأينا من تأليف مبارك نفع الله به أقواماً وهدى به آخرين، فانتشر
بين المسلمين انتشار الشمس، ونرى طبعاته تصل إلى عشرين وثلاثين
طبعة أو أكثر ومنها ما طبع منه ما لا يحصى من الطبعات لكن دون تدوين
لرقم الطبعة، والغالب في هذا يدل مع جزالة ما فيه من علم على حسن
نية مؤلفه وصدقها ولهذا كتب الله له القبول والانتشار.
وقد جرت العادة أن من كانت نيته كذلك فهو لا يمانع من مزيد
الانتفاع بمؤلفه حتى ولو لم ينل أي تعويض عنه. لكن لو فرض أن هذا
الكتاب قل وجوده واحتيج إليه في معاهد التعليم أو لغرض نفعي آخر فمانع
مؤلفه من طبعه فإنه يسوغ للدولة بيعه عليه وحفظ مستحقه في بيت مال
المسلمين، كما في قواعد الملكية للمصالح العامة. وبهذا يجمع بين
الحقين العام والخاص ويكون نزعه بحق. والله أعلم.
الحق الثاني: الحق الخاص للمؤلف ومن أتى من طريقه، وهو
نوعان:
١- حقوق أدبية.
стр. 411
٢- حقوق مالية.
وبيان كل منهما على ما يلي:
" الحق الأدبي " (١)
وشمل أيضا (الحق المعنوي) يشمل هذا الاصطلاح مسائل ترتبط
بشخص المؤلف لأبوته على مؤلفاته، فهي بمثابة الامتيازات الشخصية
للمؤلف على مؤلفه وهي على ما يلي:
١- أبوته على مصنفه باستمرار نسبته إليه، فليس له حق التنازل عن
صفته التأليفية فيه لأي فرد أو جهة حكومية أو غيرها، كما أنه لا يسوغ للغير
انتحاله والسطو عليه، فله ولورثته حق دفع الاعتداء عليه.
٢- حق تقرير نشره بمعنى: التحكم في نشر مصنفه.
٣- حق السمعة أي: له سلطة الرقابة بعد النشر لسحبه من التداول
عندما يتضح له مثلاً رجوعه عما قرره فيه من رأي أو أداء، وعندئذ يلزم
بتعويض ناشر ونحوه عما لحقه من خسائر لقاء ذلك السحب.
٤- سلطة التصحيح لما فيه من تطبيعات عند إرادة الناشر إعادة نشره.
٥- استمرار هذه الحقوق له مدة حياته فلا تسقط بالتقادم أو بالوفاة.
٦- سلامة التصنيف وحصانته.
٧- ومن جهة الدولة التي تملك الإذن بالطبع، لها حق أدبي وهو معرفة
стр. 412
ما إذا كان نشره سائغاً أو لا؟ .
ومن هذا يتبين أن هذا الاصطلاح (الحقوق الأدبية) اصطلاح مضلل
لا يعطي تلك المعاني الاعتبارية التي توجب الالتزام بها.
الحق الأدبي في ميزان الشريعة:
إن هذه الفقرات التي تعطي التأليف الحماية من العبث، والصيانة عن
الدخيل عليه وتجعل للمؤلف حرمته والاحتفاظ بقيمته وجهده هي مما علم
من الإسلام بالضرورة وتدل عليه بجلاء نصوص الشريعة وقواعدها وأصولها
مما تجده مسطراً في (آداب المؤلفين) وكتب الاصطلاح ويتجلى هذا في
عدة مظاهر:
١- مبحث الأمانة العلمية في الأداء والتوثيق.
٢- طرق التحمل والأداء وآداب التلقي.
٣- تحريم الكذب والتدليس.
٤- تحريم السرقة والانتحال المعروف باسم (قرصنة الكتب) .
٥- ذكر المصادر التي يعتمدها المؤلف في تأليفه.
فهذا الحق الأدبي من بدائه العلم عندهم، وإن لم يلقبوه بذلك
ويضعوا له سنناً وأنظمة تحفظية، لأنها أمور فطرية عندهم تقتضيها الديانة
وتحمل الأمانة، وخرقها من نواقض الفطرة فضلاً عن أن تكون خرقاً لسنن
الشريعة وهديها.
ومن اللطيف ما عبر به بعض الكاتبين عن هذا الحق بقوله: (الحق
الأخلاقي) (١) .
стр. 413
وإن هذه المظاهر القانونية والتنظيمية التي نراها اليوم في هذا الصدد
وغيره للحماية والدفاع عن الحقوق - وإن كانت ضرورة ملحة - لكنها من
مظاهر وجود التفلت الديني بضعف الوازع والسلطان الرادع الكامن في
النفوس، ومنه انتشرت أمراض الإغارة والانتحال والسرقة والسطو فأوجدت
للحد منها فالقضاء عليها إنما هو بمنهاج الله القويم: الإسلام وحده وتربية
النفوس عليه.
وفي مجلة عالم الكتب قال بعض الكاتبين (١) :
(أما موقف الإسلام من هذه الأمور ومن هذه السرقات ومن نسبة
الشيء إلى غير قائله فهذا ما لا نعرفه يقيناً، ولكن يخيل إليّ أن الإسلام
الذي شرع من أجل حماية المجتمع من السرقة المادية بطريقة صريحة كل
الصراحة وحاسمة لم يتطرق إلى مثل هذه الأمور بمثل تلك الموضوعية
والوضوح، ولم يصل إلى علمنا أن عوقب أحد ممن اتهم بالسرقة، لأن
إثبات ذلك صعب جداً، ولا سيما إذا احتيج إلى دليل حاسم كما هو
الحال في السرقة المادية، ولكن ذلك لا يعني أن الإسلام يبيح السرقة من
أي نوع أو يسكت عنها. ذلك أن الأخلاق في الإسلام هي لب الدين وهي
العمود الفقري للشريعة الإسلامية، لذلك لا شك أن أي نوع من السرقة
الأدبية هذه محرمة شرعاً. ولكن لم يعين لها عقوبة واضحة كما هو الحال
في سرقة النقود مثلاً. ونعتقد أن القوم اكتفوا آنذاك بالتعزير بسوء السمعة
والتشهير الذي يصيب الشخص السارق لمؤلفات الآخرين. ولكن هذا لا
يمنع من إصدار تشريع يضمن حقوق التأليف ويفرض عقوبات رادعة
للسارقين. وهذا يحتاج إلى تضافر جهود البلاد العربية والقيام بدراسات
стр. 414
مكثفة لتراثنا الفقهي وللقوانين السارية في العالم حالياً. وتحديد السرقة
الأدبية بوضوح تام حتى لا يكون هناك أي التباس وبعد ذلك تقوم هيئة
موحدة في إصدار مثل هذا التشريع وتطبيقه في جميع أرجاء العالم
العربي) .
وصدر كلامه هذا مما لا يوافق عليه للإجمال فيه إذ أن هذه حقوق
شرعية فحمايتها متوجبة شرعاً بالإرجاع إلى أصول الشرع وقواعده. فعلى
المسلمين إعمال لائحة شرعية فيها الضمانات الشرعية والإدارية لحماية
هذه الحقوق الأدبية الأخلاقية. والله أعلم.
الحقوق المالية (١)
وتسمى أيضاً (الحقوق الاقتصادية) وتسمى أيضاً باسم (الحقوق
المادية) .
وهي بمثابة الامتيازات المالية للمؤلف لقاء مؤلفه وهي حق عيني
أصلي مالي منقول. وهي حق قسيم للحق الأدبي المعنوي الشخصي
المتقدم. وهذا الحق هو: الخيط المتصل الذي ينعقد حوله نسيج الأنظمة
لحقوق المؤلف.
والحقوق المالية ذات فرعين:
الأول: حق مالي في حياة المؤلف يفيد إعطاء المصنف دون سواه حق
الاستئثار بمصنفه لاستغلاله بأي صورة من صور الاستغلال المشروعة
стр. 415
بنفسه أو بغيره من قبله مدة معينة. فهذا الحق إذن يتميز بخصيصتين:
١- أنه حق لمؤلفه طيلة حياته، فعائداته المالية لمؤلفه وهذه العائدات
تعتمد على درجة قبول الناس لهذا المؤلف ومدى انتفاعهم به. وعليه فلا
يسوغ للغير دون إذن مؤلفه.
٢- أنه حق مؤقت غير مؤبد فهو ينتهي بمدة معينة. فالقانون الفرنسي
يعطيه مدة حياته وخمس سنين بعد وفاته، ثم عَدَّلها إلى عشر سنين، ثم
إلى خمسين عاماً بعد وفاته، والقانون الألماني إلى سبعين سنة. وفي
المصري لمدة خمسين عاماً من تاريخ وفاته.
الثاني: الحق المالي بعد وفاة المؤلف: هو حق يعود لورثته شرعاً على
قدر الفريضة الشرعية في الميراث فإن لم يكن له وارث فلشركائه في
التأليف. والقوانين تختلف في تقدير المدة التي تكتسب الحماية كما في
الفقرة (ب) قبل هذا.
الفروق بين الحقين الأدبي والمالي هو:
الأول: جواز تنازل المؤلف عن الحق المالي دون الأدبي.
الثاني: الحقوق الأدبية حقوق مؤبدة أما المالية فهي مؤقتة على
اختلاف القوانين في توقيتها.
الحق المالي في ميزان الشريعة
بعد أن تبينت طبيعة الحق الأدبي وأنه ينبغي أن لا يكون الاحتفاظ
به وبذل الطرق لحمايته محل خلاف، وتبينت طبيعة الحق المالي وأنه حق
عيني أصلي متمول، وما يتميز به هذا الحق، يبقى النظر في التكييف
الفقهي لحق المؤلف المالي هل يجوز أخذ المؤلف للعوض على مؤلفه أم
стр. 416
لا يجوز؟؟ وبيان هذا المبحث الذي هو أساس النظر في هذه النازلة أن
يقال:
هذه النازلة بين الحرمة والجواز:
دارت أقلام الكاتبين في بيان حكم النازلة في خصوص المؤلفات في
العلوم الشرعية بين الحرمة والجواز والخلاف فيها من أثر الخلاف بين أهل
العلم في أخذ العوض على تعليم القرآن وأمور الاعتقاد والحلال والحرام،
إذ ذهب الأكثر إلى الجواز ومنهم الأئمة الثلاثة وبه قال متأخرو الحنفية
معللين بالحاجة لعدم وجود متبرع به، وفريق إلى المنع ومنهم الحنفية.
وبعض إلى الكراهة التنزيهية في رواية أحمد رحمه الله تعالى.
وقد تجاذب الفريقان الاستدلال في هذه النازلة كلٌّ بما وسعه لكن
فات الجميع تشخيص مأخذ الخلاف ومدرك الحكم فيه وتخريجه وإن كان
البعض قد حام لكن ما نهل ولا علَّ، وبعض أغرب في الاستدلال وقصر
عن ضرب المثال فصار ما تحصل مقتطفات في الاستدلال متناثرة وهكذا
الشأن في كل جديدة ونازلة، فلهم فضل السبق وفتق الرتق وتذليل الصعب
ليتعسعس في حماها من أنس من نفسه الرّشد، وأدلى بدلوه لكن بحبل
من مسد ليصنف أدلة كل قول وما حوى، فيجلي ما سلم من المعارض
والمصاب بالتوى.
ويا ليتني كنت هذا، وأنى لي ولم أشتر من العلم إلا وشلاً؟ والعلوم
قسم ومنح لكن وظيفتي هنا جمع أدلة القولين وقسمهما في الكفتين، عسى
أن ينبري لها عالم حفظة فيحررها بنفس من غابت عنا أجسامهم وشهدت
لهم آثارهم وكرائم أقلامهم بعلو شأنهم وسيلان أذهانهم. والله المستعان
وحده دون سواه.
стр. 417
أدلة الجواز:
أدلة المجيزين لأخذ العوض على القُرَب هي أدلة المجيزين لاعتياض
المؤلف عن مؤلفه وهي مع ما يضاف إلى هذه من أدلة كما يلي:
١- إن هذا الحق (حق عيني أصلي مستحق بحكم التكوين والجبلة
وما تولد عنها) . كالشأن في عامة حقوق المرء في تصرفاته التكوينية
والجبلية ببدنه، وحواسه، ومشاعره، وما تولد عن ذلك مثل: نسله ونسل
نعمه، وثمر بستانه، وهكذا.
والتأليف هنا: حق مملوك لمؤلفه بحكم ملكه لرقبة تصرفه في فكره وتولد
تأليفه منه. وإعمال الفكر في التأليف حق يستوي فيه المتأهلون له، لكن
من سبق إلى الإنتاج بإعمال فكره وقلمه فهو من خالص حقوقه. ولو سبق
إلى مخطوط من التراث فقام بتحقيقه وطبعه ونشره فله حق السبق من جهة
وحق إنتاجه الذهني في تحقيقه من جهة أخرى. قال الله تعالى عن
السيارة في قصة يوسف ﵇ ﴿قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ فقد بشر
نفسه بأنه ملكه بالالتقاط. وفي الحديث " من سبق إلى ما لم يسبق إليه
مسلم فهو أحق به ".
ولو سبق إلى مخطوط من التراث فقام بطبعه دون تحقيقه وإعمال فكره
فيه فهو بهذا استحق الملك بالإحياء، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال " من
أحيا أرضاً ميتة فهي له "، وناله أيضا بطباعته فسبق غيره واختص بملكية
الطبع وآثارها. ولو فرض أنه باعه لناشر ونحوه فالحق على ما شرطاه (إذ
المسلمون على شروطهم) . فالتأليف إذاً (ملك محترم) تنسحب عليه
تصرفات الملاك في أملاكهم وذوي الحقوق في حقوقهم من المعاوضات
والانتقالات ببيع وارث ووقف وهبة ونحوها (وليس لعرق ظالم حق) .
стр. 418
وهذا لا يتنافى مع وجود حق لله تعالى في (المؤلفات في العلوم
الشرعية) من واجب البلاغ إلى الأمة إذ الشرعية كاملة في (الكتاب والسنة)
وفيهما العصمة. والوسائل إليهما من تأليف العلماء محل للخطأ والصواب
على قدر القرائح والفهوم. والله أعلم.
٢- حديث ابن عباس ﵄ الطويل في الرقية وفيه قول
النبي ﷺ " أن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله ".. رواه البخاري وغيره.
ويقال: إذا كان جواز العوض في القرآن ففي السنة من باب أولى،
وإذا جاز على الوحيين ففيما تفرع عنهما من الاستنباط والفهوم وتقعيد
القواعد وتأصيل الأصول فهو أولى بالجواز، فصارت دلالة هذا الحديث
على جوار العوض عن التأليف أولى من مورد النص. والله أعلم.
٣- حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ في قصة جعْل
القرآن صداقاً وقال فيه قول النبي ﷺ " قد زوجتكها بما معك من القرآن "..
رواه الشيخان وغيرهما.
فيقال إذا جاز تعليم القرآن عوضاً نستحل به الأبضاع، فمن باب أولى
أخذ العوض عليه لتعليمه ونشره، وأولى منهما أخذ العوض على مؤلف
يحمل المفاهيم من الكتاب والسنة، فصارت دلالة هذا الحديث على جواز
العوض على التأليف أولى من مورد النص. والله أعلم.
٤- إن التأليف عمل يد وفكر، والرسول ﷺ يقول: " أطيب الكسب
عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور " أخرجه أحمد وغيره عن رافع بن خديج.
وعن عائشة ﵂ مرفوعاً: " إن أطيب ما أكلتم من كسبكم فإن
أولادكم من كسبكم " رواه أصحاب السنن وأحمد وغيرهم.
стр. 419
وفقه الحديث الأول - حديث رافع بن خديج - يدل على أن كل عمل
الرجل بيده فهو من أطيب الكسب، فكل عمل مباح يعمله الرجل بيده فهو
من أطيب الكسب.
فإذا كان هذا في المباحات كالاحتطاب والبيع والشراء في الأقوات
وتحصيلها، ونحو ذلك فما بالك بالمسنونات إذا صلحت فيها النية، ثم ما
شأن عمل الرجل بيده في تحصيل فروض الكفاية؟ ثم ما منزلة عمل الرجل
يده في فروض الأعيان كالجهاد العيني وما يرجع به الغازي من مغانم؟
فكل هذا من الكسب الطيب إذا صلحت النية في المشروع، فإذا كانت
اليد تعمل في تحصيل المسنونات، وفروض الكفايات ألا يكون ذلك من
أطيب الكسب، وأنفعه، وأكثره تعدياً؟؟ .
وقد يقال إن المشروعات يجب أن تكون خالصة، والتأليف في علوم
الوحيين يجب أن يخلص من نية الاكتساب أو نحوه.
والجواب: أن النية مصححة العمل في قبوله والإثابة عليه، لا في حل
المال المكتسب أو حرمته، فمن طلب العلم ثم أراد أن ينفع الأمة به،
وقد يتقوى على ذلك بما يكسبه بعلمه، فنيته ليست فاسدة، والمال طيب،
وأصل هذا قول رسول الله ﷺ في حديث ابن عباس في الرقية " إن أحق
ما اتخذتم عليه أجراً كتاب الله ".
وفي يوم القيامة أول من تسجر بهم النار ثلاثة: ومنهم قارئ القرآن
فاسد النية. فالنية مفسدة للثواب إذا قارنت العمل من أصله، محبطة له،
لكن الكسب مع صلاح النية كيف يقال أنه خبيث؟ والله أعلم.
وفي الحديث الثاني ما في الأول، وزيادة: " إن أولادكم من كسبكم "،
стр. 420
فإن كان الولد الذي غذاه والده ونشَّأه ورعاه من كسبه وماله، أفلا يقال إن
المصنفات من كسب مؤلفها؟ فهو الذي غذاها بفكره وقلبه، ورعاها حتى
اكتملت، وهجر لأجلها العيش المستريح، والمكاسب الدنيوية.
وهذا ليس من القياس وقد يقال، ولكنه من تنقيح المناط.
وما أحسن ما قيل: المصنفات ذرية العلماء.
٥- دلّ صنيع أهل العلم المتقدمين على أن مصنفاتهم ملك لهم
أصلاً، وقد يخرجون هذا الملك إلى انتفاع الناس به، ولولا أنه ملك لهم
لما استجازوا أخذ مقابل لثمنه.
فهذا الحافظ أبو نعيم الأصبهاني بيع كتابه (الحلية) في حياته بنيسابور
بأربعمائة دينار، وما هذه قيمة ورق ونسخ، وهذا الحافظ ابن حجر
العسقلاني طلب ملوك الأطراف بوساطة علمائهم منه إرسال نسخة (من
كتابه..) فبيع بنحو ثلاث مائة دينار ذكره السخاوي ٢ / ٣٨. وما ذلك قيمة
ورق ونسخ، وأمثال هذا معروف مشهور كما تقدمت نظائره مبسوطة ولله
الحمد.
٦- الكتب المصنفة في العلوم الشرعية من الأموال، والمال في الأصل
لصانعه أو مكتسبه، ولا يخصص هذا الأصل إلا بدليل صحيح صريح،
فلا ينتقل عن الأصل إلا بناقل متيقن.
٧- إن القاعدة الشرعية (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)
يمكن إجراؤها في هذه النازلة باعتبار أن المفسدة الحاصلة من ترك الكتب
الشرعية بلا حفظ لحق طبعها مفسدة في هذا الزمان، من جراء قلة أو عدم
الوازع الديني ومراقبة الله في نشر علوم الشريعة، وبثها للناس.
стр. 421
والناس اليوم تلمذتهم للكتب أكثر من تلمذتهم للشيوخ، بل لا تلمذة
إلا للكتب عند كثيرين فما لم تدرأ مفسدة شيوع حق النشر فيستحكم
الناشرون في إفساد الكتب وترك تصحيحها وتصويبها والاعتناء بالآيات
والأحاديث ونحو ذلك.
وقد يسقطون ما يسقطون جهلاً، ويزيدون ما يريدون.
وهذه الأمور منظورة معلومة والله المستعان.
فدرء هذه المفسدة ينبغي مراعاته، والمصالح قد تكون مع شيوع حق
النشر لا تُقدّم على درء هذه المفسدة، والله أعلم.
٨- فقد أعطى طلبة العلم من بيت المال في البلدان الإسلامية ما
يستغنون به، فإذا طلب العلم طالب فأخذ كسباً على تأليفه والحال هذه
مما يسوغ، كما قالوا في أخذ المؤذن أجراً على إقامته، والإمام أجراً إذا
لم يوجد من يسد الحاجة دون أجر فيفرض له من بيت المال.
ومسألتنا بعكس هذه.
٩- إذا كان المصنف ملك لمصنفه، وثبتت ملكيته فله أن يتصرف في
ملكه بأنواع التصرفات الجائزة أو المشروعة كبيعه أو هبته أو وقفه أو نحو
ذلك، والله أعلم.
١٠- إن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ومن فروع هذه القاعدة:
أن ما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون.
فإن قلنا بان التأليف في العلوم الشرعية من الواجبات أو المسنونات
فتمكين المصنف من الانتفاع بكسبه إذا كان لن يصنف إلا بذلك مما لا
يتم الأمر إلا به فهو تابع لحكمه.
стр. 422
فإذا كان المؤلف يرشد الناس ويعلمهم أمر دينهم وكان هذا التعليم
مشروعاً، وانقطاعه للتأليف يفتقر إلى كسب، وتركه التأليف قد يؤدي إلى
نقص وترك للمشروع فما يبقى للمؤلف نشاطه واستمراره من باب ما لا يتم
المسنون إلا به، لا يتم المشروع إلا به.
وإن كان في هذا نظر، يفتقر إلى إعمال فكر وإظهار فكر، وربما يظهر
أشياء.
١١- أن المؤلف بدرجة صانع وتأليفه بمنزلة المصنوع وكل صانع
يملك مصنوعه فكذلك المؤلف يملك تأليفه وحقوقه.
وجه ذلك: أن المؤلف بحكم تحصيله العلمي وابتكاره وإعمال جهوده
بفكره، وبدنه، ووقته وربما ماله فيما يتطلبه ذلك من الرحلة وشراء المصادر
والمراجع وأدوات الكتابة ... كل ذلك جعله بمنزلة صانع يملك صنعته
فيملك مقتضاها وأثرها بما لها من حقوق وانتفاع شرعي ...
١٢- ومنها على أحد وجهي الخلاف في جواز أخذ الأجرة على
التحديث وامتناع بعض المحدثين من الإذن بالرواية إلا لمن يبذل له
العوض ولم يؤثر ذلك على صدقهم في الرواية أو تزيدهم فيها كما أن ذلك
لم يكن مانعاً من انتشار علمهم وبثه وهذا من أسس المقاصد في حمل
العلم.
وعليه: فإذا جاز أخذ العوض على التحديث ففي التأليف في العلوم
الشرعية المزيجة منها ومن كلام المؤلفين واستنباطهم وابتكاراتهم صار ذلك
أولى بالجواز.
١٣- أنهم أجازوا أخذ الأجرة على نسخ المصحف، وعن ابن عباس
стр. 423
رضي الله عنهما أنه سئل عن أجرة كتابة المصاحف وقال: لا بأس إنما
هم مصورون وإنما يأكلون من عمل أيديهم. ذكره التبريزي في " مشكاة
المصابيح " (١) .
واختلفوا أيضاً في حكم إجارة المصحف على قولين هما وجهان لدى
الحنابلة أحدهما الجواز: فقرروا جواز العوض على انتساخ الكتاب،
وانتساخه أعظم طريق للاستفادة منه ولولا الانتساخ لكانت المؤلفات لقىً
عند مؤلفها.
وقرروا وجوب المقابلة على النسخ على أصل مقروء، والمقابلة تقتضي
أكثر من شخص ولم يقل أحد بمنع العوض للمقابل وهم قائلون بوجوب
المقابلة على أصل فقط أو أكثر من أصل.
فهذه ضروب من الجواز على أخذ العوض بشأن الوحيين وهما أصل
العلم وأساسه وهو واجب النشر والتعليم فهلا يصح بعد هذا أن يقال بجواز
أخذ العوض على التأليف وقد بذل فيه ما بذل؟؟؟ .
١٤- أن تجويز ذلك فيه دفع عظيم للبحث والتحقيق وترويج سوق
العلم ونشره وبثه، وشحذ لهمم العلماء لنشر نتائج أفكارهم وإبداعهم وهذا
من أهم وسائل تقدم الأمة وتصحيح منهجها.
وفي المنع سلب لهذه ووسيلة ركود للحركة العلمية في مجال التأليف
والإبداع. لا سيما مع تغير الزمان والأحوال وندرة المتبرع وشدة الحاجة
وضعف الهمم وقصورها.
стр. 424
وهل جوائز الخلفاء والملوك والسلاطين والوجهاء للمؤلفين على
مؤلفاتهم والمبدعين على إبداعهم إلا مظهر من مظاهر الدفع للهمم وقد
جرى بذلك العمل من غير نكير وقاعدته من عهد النبي ﷺ في إجازة كعب
﵁ بالبردة لقاء قصيدته العصماء التي دان فيها بالإسلام وفي
عنه. فهي من طرق الكسب المباح من غير نكير.
١٥- أن حق التأليف هو من الحقوق المقررة لا المجردة، لأن الحق
المجرد ما شرع لدفع الضرر كحق الشفعة فهو لا يقوم بمال ولا يستعاض
عنه بالمال، أما المقرر فهو ما يثبت لمستحقه أصلاً وابتداء كحق الزوجة
في القسم والمبيت، وحق القصاص لوليه وحق الزوج في استدامة عقد
النكاح، وحق مالك الرقيق في استدامة ملكه. فهذه حقوق يجوز الاعتياض
عليها. فكذلك حق التأليف.
وفي مبحث النجش من البيوع جوزوا صرف بعض الناس عن المزايدة
بعوض.
١٦- ما زال الناس منذ مولد التأليف وإلى أيامنا هذه يجرون على
التأليف أنواع التصرفات من بيع وإعارة ووقف وهدية وعطية وهبة ونحو ذلك
من غير نكير، فهل هذا إلا دليل ماليته؟ ولم نر في كلام الأورع أن هذا
يؤثر على المؤلف في صلاح نيته.
١٧- في حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ
قال: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى: ... الحديث رواه
البخاري وغيره.
فنحن نرى الغازي ينال من الغنائم ونرى طالب العلم في معاهده
стр. 425
النظامية وفيها المكافآت المالية، وهكذا من وجوه التعبد التي ترتب أموراً
مالية فلا نقول بتأثير هذا على شوب نيته بل الظاهر السلامة، ووجود هذه
الأعواض لا تقدح في النية، لكنهما رجلان: رجل نوى الغنيمة فله ما نوى
كما في حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
"من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا عقالاً فله ما نوى " (رواه أحمد والنسائي
والدارمي ومدار سنده على حفيد عبادة وهو يحيى بن الوليد بن عبادة وهو
مقبول) . وآخر نوى من غزاته الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا ونصيبه
من الغنائم حق له لا يجوز بخسه، فهو يطالب به ولو اعتدي عليه لكان
المعتدي ظالماً آثماً.
وانظر كيف أبطل في الشرع ما حرمته الجاهلية من الاتجار في الحج
وكانوا يقولون للمتجر فيه (فلان راج وليس بالحاج) فأبطل الله ذلك بقوله
تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني في أيام
الحج. فلم يؤثر طلب كسب المال على الحج وهو ركن من أركان
الإسلام.
وفي الغزو قال النبي ﷺ : " من قتل قتيلاً فله سلبه " وهذا نص في أن
تشريك النية لا يؤثر على صحة العبادة فقد ملك النبي ﷺ للقاتل وهو قتل
في سبيل الله.
وهكذا في نظائرها. وعليه فالتأليف في العلوم الشرعية مثلاً كالطلب
لها، يتعين أن تكون لله بنية صادقة خالصة ولا يقدح في نيته ما يأتي من
الأعواض على مؤلفه ومطالبته وتأثيم المعتدي عليه كالشأن في الغازي
وطالب العلم ونحوهما..
وإنما لكل امرئ ما نوى فهي بين العبد وربه وبيع المؤلف لمؤلفه