← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 10776

فقه النوازل

بكر أبو زيد

Полный текст (480 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

والناس اليوم تلمذتهم للكتب أكثر من تلمذتهم للشيوخ، بل لا تلمذة إلا للكتب عند كثيرين فما لم تدرأ مفسدة شيوع حق النشر فيستحكم الناشرون في إفساد الكتب وترك تصحيحها وتصويبها والاعتناء بالآيات والأحاديث ونحو ذلك. وقد يسقطون ما يسقطون جهلاً، ويزيدون ما يريدون. وهذه الأمور منظورة معلومة والله المستعان. فدرء هذه المفسدة ينبغي مراعاته، والمصالح قد تكون مع شيوع حق النشر لا تُقدّم على درء هذه المفسدة، والله أعلم. ٨- فقد أعطى طلبة العلم من بيت المال في البلدان الإسلامية ما يستغنون به، فإذا طلب العلم طالب فأخذ كسباً على تأليفه والحال هذه مما يسوغ، كما قالوا في أخذ المؤذن أجراً على إقامته، والإمام أجراً إذا لم يوجد من يسد الحاجة دون أجر فيفرض له من بيت المال. ومسألتنا بعكس هذه. ٩- إذا كان المصنف ملك لمصنفه، وثبتت ملكيته فله أن يتصرف في ملكه بأنواع التصرفات الجائزة أو المشروعة كبيعه أو هبته أو وقفه أو نحو ذلك، والله أعلم. ١٠- إن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ومن فروع هذه القاعدة: أن ما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون. فإن قلنا بان التأليف في العلوم الشرعية من الواجبات أو المسنونات فتمكين المصنف من الانتفاع بكسبه إذا كان لن يصنف إلا بذلك مما لا يتم الأمر إلا به فهو تابع لحكمه.

стр. 422

فإذا كان المؤلف يرشد الناس ويعلمهم أمر دينهم وكان هذا التعليم مشروعاً، وانقطاعه للتأليف يفتقر إلى كسب، وتركه التأليف قد يؤدي إلى نقص وترك للمشروع فما يبقى للمؤلف نشاطه واستمراره من باب ما لا يتم المسنون إلا به، لا يتم المشروع إلا به. وإن كان في هذا نظر، يفتقر إلى إعمال فكر وإظهار فكر، وربما يظهر أشياء. ١١- أن المؤلف بدرجة صانع وتأليفه بمنزلة المصنوع وكل صانع يملك مصنوعه فكذلك المؤلف يملك تأليفه وحقوقه. وجه ذلك: أن المؤلف بحكم تحصيله العلمي وابتكاره وإعمال جهوده بفكره، وبدنه، ووقته وربما ماله فيما يتطلبه ذلك من الرحلة وشراء المصادر والمراجع وأدوات الكتابة ... كل ذلك جعله بمنزلة صانع يملك صنعته فيملك مقتضاها وأثرها بما لها من حقوق وانتفاع شرعي ... ١٢- ومنها على أحد وجهي الخلاف في جواز أخذ الأجرة على التحديث وامتناع بعض المحدثين من الإذن بالرواية إلا لمن يبذل له العوض ولم يؤثر ذلك على صدقهم في الرواية أو تزيدهم فيها كما أن ذلك لم يكن مانعاً من انتشار علمهم وبثه وهذا من أسس المقاصد في حمل العلم. وعليه: فإذا جاز أخذ العوض على التحديث ففي التأليف في العلوم الشرعية المزيجة منها ومن كلام المؤلفين واستنباطهم وابتكاراتهم صار ذلك أولى بالجواز. ١٣- أنهم أجازوا أخذ الأجرة على نسخ المصحف، وعن ابن عباس

стр. 423

رضي الله عنهما أنه سئل عن أجرة كتابة المصاحف وقال: لا بأس إنما هم مصورون وإنما يأكلون من عمل أيديهم. ذكره التبريزي في " مشكاة المصابيح " (١) . واختلفوا أيضاً في حكم إجارة المصحف على قولين هما وجهان لدى الحنابلة أحدهما الجواز: فقرروا جواز العوض على انتساخ الكتاب، وانتساخه أعظم طريق للاستفادة منه ولولا الانتساخ لكانت المؤلفات لقىً عند مؤلفها. وقرروا وجوب المقابلة على النسخ على أصل مقروء، والمقابلة تقتضي أكثر من شخص ولم يقل أحد بمنع العوض للمقابل وهم قائلون بوجوب المقابلة على أصل فقط أو أكثر من أصل. فهذه ضروب من الجواز على أخذ العوض بشأن الوحيين وهما أصل العلم وأساسه وهو واجب النشر والتعليم فهلا يصح بعد هذا أن يقال بجواز أخذ العوض على التأليف وقد بذل فيه ما بذل؟؟؟ . ١٤- أن تجويز ذلك فيه دفع عظيم للبحث والتحقيق وترويج سوق العلم ونشره وبثه، وشحذ لهمم العلماء لنشر نتائج أفكارهم وإبداعهم وهذا من أهم وسائل تقدم الأمة وتصحيح منهجها. وفي المنع سلب لهذه ووسيلة ركود للحركة العلمية في مجال التأليف والإبداع. لا سيما مع تغير الزمان والأحوال وندرة المتبرع وشدة الحاجة وضعف الهمم وقصورها.

стр. 424

وهل جوائز الخلفاء والملوك والسلاطين والوجهاء للمؤلفين على مؤلفاتهم والمبدعين على إبداعهم إلا مظهر من مظاهر الدفع للهمم وقد جرى بذلك العمل من غير نكير وقاعدته من عهد النبي ﷺ في إجازة كعب ﵁ بالبردة لقاء قصيدته العصماء التي دان فيها بالإسلام وفي عنه. فهي من طرق الكسب المباح من غير نكير. ١٥- أن حق التأليف هو من الحقوق المقررة لا المجردة، لأن الحق المجرد ما شرع لدفع الضرر كحق الشفعة فهو لا يقوم بمال ولا يستعاض عنه بالمال، أما المقرر فهو ما يثبت لمستحقه أصلاً وابتداء كحق الزوجة في القسم والمبيت، وحق القصاص لوليه وحق الزوج في استدامة عقد النكاح، وحق مالك الرقيق في استدامة ملكه. فهذه حقوق يجوز الاعتياض عليها. فكذلك حق التأليف. وفي مبحث النجش من البيوع جوزوا صرف بعض الناس عن المزايدة بعوض. ١٦- ما زال الناس منذ مولد التأليف وإلى أيامنا هذه يجرون على التأليف أنواع التصرفات من بيع وإعارة ووقف وهدية وعطية وهبة ونحو ذلك من غير نكير، فهل هذا إلا دليل ماليته؟ ولم نر في كلام الأورع أن هذا يؤثر على المؤلف في صلاح نيته. ١٧- في حديث عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى: ... الحديث رواه البخاري وغيره. فنحن نرى الغازي ينال من الغنائم ونرى طالب العلم في معاهده

стр. 425

النظامية وفيها المكافآت المالية، وهكذا من وجوه التعبد التي ترتب أموراً مالية فلا نقول بتأثير هذا على شوب نيته بل الظاهر السلامة، ووجود هذه الأعواض لا تقدح في النية، لكنهما رجلان: رجل نوى الغنيمة فله ما نوى كما في حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا عقالاً فله ما نوى " (رواه أحمد والنسائي والدارمي ومدار سنده على حفيد عبادة وهو يحيى بن الوليد بن عبادة وهو مقبول) . وآخر نوى من غزاته الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا ونصيبه من الغنائم حق له لا يجوز بخسه، فهو يطالب به ولو اعتدي عليه لكان المعتدي ظالماً آثماً. وانظر كيف أبطل في الشرع ما حرمته الجاهلية من الاتجار في الحج وكانوا يقولون للمتجر فيه (فلان راج وليس بالحاج) فأبطل الله ذلك بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني في أيام الحج. فلم يؤثر طلب كسب المال على الحج وهو ركن من أركان الإسلام. وفي الغزو قال النبي ﷺ : " من قتل قتيلاً فله سلبه " وهذا نص في أن تشريك النية لا يؤثر على صحة العبادة فقد ملك النبي ﷺ للقاتل وهو قتل في سبيل الله. وهكذا في نظائرها. وعليه فالتأليف في العلوم الشرعية مثلاً كالطلب لها، يتعين أن تكون لله بنية صادقة خالصة ولا يقدح في نيته ما يأتي من الأعواض على مؤلفه ومطالبته وتأثيم المعتدي عليه كالشأن في الغازي وطالب العلم ونحوهما.. وإنما لكل امرئ ما نوى فهي بين العبد وربه وبيع المؤلف لمؤلفه

стр. 426

دليلاً على دخل في نيته كالشأن في الغازي وغنيمته. ولعظم شأن النية لا سيما في طلب العلوم الشرعية أسوق درراً نثرها الإمام الذهبي رحمه الله تعالى وذلك في كتابه سير أعلام النبلاء فقال (١) : (قال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وابن جريج لم طلبتم العلم؟ كلهم يقول: لنفسي. غير ابن جريج فإنه قال: طلبته للناس) قلت: ما أحسن الصدق واليوم تسأل الفقيه الغبي لمن طلبت العلم؟؟ فيبادر ويقول: طلبته لله ويكذب إنما طلبه للدنيا ويا قلة ما عرف منه. وفيه (٢) وقال عبد الرازق: أنبأنا معمر قال: إن الرجل يطلب العلم لغير الله فيأبى عليه العلم حتى يكون لله. قلت: (نعم يطلبه أولاً والحامل له حب العلم وحب إزالة الجهل عنه وحب الوظائف ونحو ذلك، ولم يكن علم وجوب الإخلاص فيه ولا صدق النية فإذا علم حاسب نفسه وخاف من وبال قصده فتجيئه النية الصالحة كلها أو بعضها وقد يتوب من نيته الفاسدة ويندم، وعلامة ذلك أنه يقصر من الدعاوى وحب المناظرة ومن قصد التكثر بعلمه ويزري على نفسه، فإن تكثر بعلمه أو قال: أنا أعلم من فلان فبعداً له) . وفيه أيضاً (٣) : قال عون بن عمارة: سمعت هشاماً الدستوائي يقول: والله ما أستطيع أن أقول: إني ذهبت يوماً قط أطلب الحديث أريد وجه

стр. 427

الله . قلت: والله ولا أنا فقد كان السلف يطلبون العلم لله فنبلوا وصاروا أئمة يقتدى بهم، وطلبه قوم منهم أولاً [لا] (*) لله وحصلوه ثم استفاقوا وحاسبوا أنفسهم فجرهم العلم إلى الإخلاص في أثناء الطريق، كما قال مجاهد وغيره: طلبنا هذا العلم وما لنا فيه كبير نية ثم رزق الله النية بعد، وبعضهم يقول طلبنا هذا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله فهذا أيضاً حسن ثم نشروه بنية صالحة. وقوم طلبوه بنية فاسدة لأجل الدنيا وليثنى عليهم فلهم ما نووا. قال ﵇: "من غزا ينوي عقالاً فله ما نوى " وترى هذا الضرب لم يستضيئوا بنور العلم ولا لهم وقع في النفوس، ولا لعلمهم كبير نتيجة من العمل، وإنما العالم من يخشى الله تعالى. وقوم نالوا العلم وولوا به المناصب فظلموا وتركوا التقيد بالعلم وركبوا الكبائر والفواحش فتباً لهم فما هؤلاء بعلماء!! وبعضهم لم يتق الله في علمه بل ركب الحيل وأفتى بالرخص وروى الشاذ من الأخبار، وبعضهم اجترأ على الله ووضع الأحاديث فهتكه الله وذهب علمه وصار زاده إلى النار. وهؤلاء الأقسام كلهم رووا من العلم شيئاً كبيراً وتضلعوا منه في الجملة فخلف من بعدهم خلف بان نقصهم في العلم والعمل، وتلاهم قوم انتموا إلى العلم في الظاهر ولم يتقنوا منه سوى نزر يسير أوهموا به أنهم علماء فضلاً ولم يدر في أذهانهم قط أنهم يتقربون به إلى الله لأنهم ما رأوا شيخاً يقتدى به في العلم فصاروا همجاً رعاعاً غاية المدرس منهم أن يحصل كتباً مثمنة يخزنها وينظر فيها يوماً فيصحف ما يورده ولا يقرره فنسأل الله النجاة والعفو. كما قال بعضهم: (ما أنا عالم ولا رأيت عالماً) . ١٨- لو كانت المؤلفات من قبيل السوائب واشتراك المسلمين في الماء

стр. 428

والكلأ والنار لنقل ذلك إلينا ودوّنه أهل العلم في مدوناتهم، لكن الأمر على العكس من ذلك، وهل طرق التحمل والأداء إلا واحدة من مظاهر الرعاية لحرمة المؤلفين في مؤلفاتهم؟ وهل طرق التناقل لها من بيع وشراء ووقف ونحوه إلا دليل على ملكيتها وماليتها؟ ١٩- ومن آثار حمايتها دفع تسلط الناشرين من مسلمين وكافرين عليها حتى لا تكون جواداً رابحاً يغامرون عليه من غير أي عوض. وهل لهذا نظير في الشريعة أن يعمل الإنسان عملاً يحرم عليه عوضه وينساب لغيره؟؟ ٢٠- قاعدة القرب أن من تعبد ليأخذ عوضاً فهذا هو الذي لا يجوز أما من أخذ ليتعبد من جهته فهذا يجوز كما أصّل ذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى في النيابة في الحج فإنه بعد إطالة النفس في أخذ العوض للنائب حصر المسألة بقوله: إن من حج ليأخذ فهذا لا يجوز أما من أخذ للحج فهذا الذي يجوز. وجه ذلك: أن من حج وقصد من النيابة في الحج التكسب والمعاوضة فهذا لا يجوز، أما من أخذ العوض ليحج بأن كان قصده الشوق إلى البيت الحرام والمواقف والمشاعر وحضور دعوة المسلمين لكن يريد ما يتبلغ به ويعينه فهذا يجوز. ومثله يقال في التأليف: إن من ألّف ليأخذ بأن جرد فيه القربة من تأليفه في علوم الشريعة وكان قصده اكتساب المال وجعل هذه الصفة وسيلة لجلب المال لا غير فهذا لا يجوز لما علم من أن النية الصالحة في التقرب بخدمة العلم أساس له، أما من أخذ ليؤلف بأن كانت المعاوضة غير مقصده الأساس ولكن مقصده التعبد به ونفع المسلمين وإنما أخذ

стр. 429

المعاوضة للتقوت والتعفف، فهذا الذي يجوز ولا يقدح في نيته كالشأن في حج النائب والغازي والإمامة ونحوها. وعليه فيمتنع على هذا القول الاعتداء على مؤلفات الغير بطبعها ونشرها من غير إذن مؤلفها ومن أتى من طريقه شرعاً. والله أعلم. القول بالمنع وأدلته: ومن الباحثين في هذه النازلة من ذهب إلى المنع والتحريم على المؤلف بأخذ العوض المالي تأليفه في العلوم الشرعية، وما يترتب من عقود، ومجامع الاستدلال على ما يلي: ١- أنه لا يجوز التعبد بعوض، والعلم عبادة ليس صناعة أو تجارة، فالتأليف في العلوم الشرعية: عبادة، وعليه فلا تجوز المعاوضة عليه (١) . ٢- عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من كتم علماً يعلمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار". رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم. ووجه الاستدلال: أن حبس المؤلف لكتابه عن الطبع والتداول إلا بثمن باب من أبواب كتم العلم فيناله الوعيد، فيمتنع ذلك، والله أعلم (٢) . ٣- أن نوع حق المؤلف في تأليفه، أكثر ما يقال فيه: حق مجرد والحق المجرد لا يقوّم بمال، ولا يستعاض عنه بالمال كحق الشفعة،

стр. 430

فكذلك حق المؤلف لذلك (١) . ٤- أن بذله للنشر والانتفاع بمعنى أن حق الطبع لكل مسلم، يحقق مقصداً من مقاصد الشريعة بتحقيق مصلحة: الانتشار والرواج وإغناء المكتبة الإسلامية ونشر العلم الشرعي (٣) . هذا ما يمكن تصنيفه من مجامع الاستدلال للخلاف في هذه المسألة، والناظر يعرف الراجح من الموازنة بين أدلة القولين، ومسلك الورع تحقيقاً لخلوص النية وتجريدها مما يشوبها من الخلاف: وإن الأوْرَعَ الخروج من خلافهم فاستبن هو كما قرره شيخنا محمد الأمين الشنقيطي (م سنة ١٣٩٣ هـ) رحمه الله تعالى في شأن التعليم بأجر، فكذلك في شأن التأليف فأقول: الأولى للعالم المسلم إذا لم تدعُه حاجة أن لا يأخذ عوضاً على مؤلفاته في أمور الشرع، وإن دعته حاجة أخذ بقدرها، ومن أغناه الله فالأولى له التعفف قي ذلك. وقد كان جماعة من العلماء المعاصرين لا يأخذون عوضاً عن مؤلفاتهم منهم شيخنا المذكور رحمه الله تعالى، وكان يزجر عن ذلك لمّا قلت له لو طبع أضواء البيان طبعة تجارية لكان أكثر لانتشاره، فقال لا أتاجر في البيان لكتاب الله تعالى، وما أظن أحداً يجترئ على كتابي فيبيعه فأدعو عليه إلا أن تصيبه الدعوة، هكذا شافهني وأنا بجانبه في المسجد النبوي الشريف. رحمه الله تعالى. ومنهم الشيخ محمد الحامد رحمه الله تعالى كما في ترجمته. وقد أدركت عدداً من علماء نجد كذلك. والله تعالى أعلم.

стр. 431

المبحث السادس في حق النشر والتوزيع النشر والتوزيع في هذا المجال يلتقيان في النتيجة، ويتبين ذلك بعد التعريف بحقيقة كل منهما. فالنشر: هو وضع نسخ من الكتاب في متناول الجمهور لغرض البيع عادة. والتوزيع: هو عرض نسخ من الكتاب على عامة الجمهور، أو أية مجموعة منه بالوسائل التجارية المناسبة في الغالب. فالنشر والتوزيع يلتقيان في: حق تسويق الكتاب. وطبيعتهما تختلف باختلاف عقد الاتفاق بين المؤلف والناشر أو الموزع، وما يتفقان عليه من شروط كالتنازل عن حقوق الطبع المالية كلياً، والاتفاق على عدد معين من الكتاب، ولطبعة واحدة أو أكثر، ولمدة معينة تعطي الطرف المسَوِّق مهلة التسويق. وهكذا. ومن أحوال العقود التجارية بين المؤلفين وشركات التوزيع والنشر، نرى أن طبيعة العقد إما إجارة أو بيعاً. فالتوزيع: إجارة في حال اتفاق المؤلف مع الموزع على توزيع الكتاب بأجرة معينة على عدد معين.

стр. 432

والنشر: بيع، إذا باع المؤلف على الناشر عدداً معيناً من الكتاب وبأيلولته إلى ملكه يتصرف بتسويق ما في حوزته تصرف الملاك في أملاكهم. ومن الجائز تناوبهما. هذا من حيث تصوير عقد النشر والتوزيع. يبقى التكييف الفقهي. فنحن إذا نظرنا إلى أن العين المعقود عليها عين ذات تكلفة مالية للطباعة والشحن. والتخزين، والتسويق، وما يلزم لذلك. وعلمنا أن الأصل في العقود والشروط الإِباحة إلا ما دل الشرع على بطلانه. وأن مقاطع الحقوق عند الشروط، وأن المسلمين على شروطهم إلا شرط أحل حراماً أو حرم حلالاً: لم يحتمل لدينا أي تردد في جواز عقد التوزيع مثلاً في صورة الإِجارة، وأنه يلزم كلا العاقدين الوفاء به لخلوه من الغرر والمخاطرة. لكن ينبغي أن يمثل أمام المؤلف ملحظ شرعي وهو: وجود حق الله في المؤلفات الإسلامية، بحيث يكون الثمن الرائج للكتاب لا يلحق شططاً بالمشترين فيكون سبباً لمنع انتشار العلم وتحمله. أما في صورة عقد البيع: فطرد العقد الجواز على احتمال مخاطرة فيه لكنها ضعيفة لا تقوى على فساد العقد وبطلانه. ذلك أن الناشر أو الموزع: دخل في الشراء تطلعاً لروج الكتاب وَنَفَاقِه، وهذا أمر قد لا ينفع إلا بعد العرض والتوزيع، فكم من كتاب عرض ولم يكتب له الرواج فكان نصيبه الكساد، فلحق الضرر الموزع من دخوله العقد على مخاطرة وغرر - فتدفع بأن على الموزع التعرف على

стр. 433

موضوع الكتاب ومادته. ومدى حاجة القراء إلى موضوعه. إضافة إلى أن التوزيع أصبح اليوم عالمياً بحكم وسائل النقل حتى صار العالم كمدينة واحدة، ومع هذا فلا نجد أن الموزعين يستطيعون تغطية الأسواق بمنشوراتهم، وكم من كتاب بالغ الأهمية لم تتجاوز طبعته قطره لذلك. تحرر جوازه شرعاً، لوجود المقتضى وعدم المانع الشرعي. ثم ليعلم أن عقد البيع مع الناشر إنما هو عقد مقصور على ذات العين المباعة دون أن يكون له حق التصرف بحقوق المؤلف الأدبية الأخرى من: آراء المؤلف ونسبته إليه، والتصرف في عباراته وما إلى ذلك لأن هذه لا تباع ولا توهب. وبعد: فإن دور النشر: هي من أعظم الوسائل في هذا العصر لنشر العلم وتسويق كتبه نشراً للإبداع والابتكار وهي من أهم الوسائل لإعانة غير القادرين من المؤلفين على نشر مؤلفاتهم وبذل أثمان الطباعة. وهي التي يستطاع بوسائلها والتزاماتها تعميم الكتاب ونشره في أقاليم وممالك متعددة في وقت وجيز لا يستطيعه المؤلف لو طبعه على حسابه. وفي الوقت نفسه هي: زبون كاسر لأي مؤلف يتنازل عن حقوقه المادية، أو يتواضع معها بالاتفاق - لما يحققه لها من مكاسب مالية ودعائية - فهل نقول مع هذا بحرمان المؤلف الذي كدّ فكره وأجهد نفسه وأفنى وقته وعمره في مؤلفه، من عوض مالي لقاءه وأن يكون غنيمة باردة لدار النشر تطارح به في الأسواق.؟

стр. 434

إن السؤال بعد هذا يعود بالدور فكيف يحرم منه مؤلفه ويسوغ لدور النشر فعله.؟ بل إن عملية الممارسة بين المؤلف ودار النشر أدعى لضبط الناشر من استغلال الجشع والمطارحة به في الأسواق. ثم كيف نسوغ لدار النشر أن ترابح وتتاجر على حساب جهد جهيد من فكر الإنسان ونضوجه الذي هو أساس في كيانه الفكري وتكوينه في هذه الحياة.؟ بل هي التكوين الخالد إلى أن أمضى وأبلغ، وقد تكون دور النشر لكافر وظيفته جلب المال فنصفها له لقمة سائغة. والله تعالى أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

стр. 435

" ٩ " بيان مسألتين في أوائل الشهور العربية ١- حكم إثباتها بالحساب الفلكي. ٢- حكم توحيد الرؤية. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فهذا بحث لمسألتين تتعلقان بأول الشهر القمري: المسألة الأولى: في حكم إثباته بالحساب. المسالة الثانية: في حكم توحيد الرؤية. وقد أدرت البحث في المسألة الأولى على ما يلي: المبحث الأول: في سياق النصوص. المبحث الثاني: في فقهها. المبحث الثالث: إجماع المسلمين على موجبها. المبحث الرابع: تفنيد الخلاف الحادث في هذه المسألة. المبحث الخامس: أدلة الخلاف الحادث. المبحث السادس: في نقضها. المبحث السابع: في ظنية الحساب. المبحث الثامن: في منابذته للشرع. فإلى بيانها:

стр. 436

[المسألة الأولى: في حكم إثباته بالحساب] (*) المبحث الأول في سياق النصوص قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالحَجِّ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآية. وشهود الشهر يكون بعد إهلاله كما في الآية الأولى. وقد علم أن ما ثبت من المؤقتات بشرع أو شرط فالهلال ميقات له كالصيام والحج، والإِيلاء، والعدة، ونحوها وإنما خص الحج بالذكر تمييزاً له، ولأنه علامة الحول كما أن الهلال علامة الشهر. وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ الآية. فالشهور معدودة اثنا عشر شهراً، والشهر هلالي بالاضطرار. فالسنة عددية اثنا عشر شهراً، والشهر معلق برؤية الهلال. وأصح المعلومات ما شوهد بالأبصار ولهذا سمي الهلال هلالاً لظهوره وبيانه. والشهر القمري يكون تارة (٣٠) يوماً، وتارة (٢٩) يوماً كما في النصوص النبوية الآتية. وعليه فالسنة القمرية (٣٥٤) يوماً وبعض يوم خمس أو سدس. وإنما يقال أنها ٣٦٠ يوماً جبراً للكسر على عادة العرب في جبر

стр. 437

الكسور كما جعل الشرع: اليوم طبعياً من طلوع الشمس إلى غروبها. وجعل الأسبوع عددياً بسير الشمس. هذا وقد حدد النبي ﷺ الطريق الذي يعرف به الإهلال للشهر في جملة أحاديث حكي فيها التواتر واردة عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم منهم: أبو هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وحذيفة، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وجابر، والبراء بن عازب، ورافع بن خديج، وطلق بن علي، وأبو بكرة، وسمرة، وعدي بن حاتم وعن رجال من الصحابة، وعن عطاء مرسلاً ﵃ أجمعين. وحديث ابن عمر وأبي هريرة ﵄ في الصحيحين وغيرهما، وحديث ابن عباس في صحيح مسلم. وهو وحديث حذيفة في سنن أبي داود والنسائي وغيرهما. وبقية أحاديث الجماعة المذكورين رضي الله عنهم: خارج الكتب الستة كالموطأ، ومسندي أحمد والشافعي وغيرهما. وقد خرّج أحاديثهم بألفاظها وبيان من أخرجها: ابن الأثير في: جامع الأصول ٦ / ٢٦٥ - ٢٧١. والمتقي في: كنز العمال / ٤٨٥ - ٤٩٣. والألباني في: إرواء الغليل ٤ / ٢ - ١٤. وغيرهم من أصحاب الكتب الجوامع، وهذه جميعها من قوله ﷺ ، وثبت من حديث عائشة ﵂ من هديه الفعلي ﷺ . وهذا بيان ألفاظ روايات حديث: أبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس ﵃، وبقية أحاديث الآخرين ترجع إليهم:

стр. 438

١- حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوماً ". رواه الشيخان والنسائي. وفي لفظ: قال: قال أبو القاسم ﷺ : " صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته فإن غبي عليكم فأكملوا العدة ". وفي لفظ: فإن غمي عليكم فأكملوه ثلاثين. وفي لفظ عند النسائي: فاقدروا له ثلاثين. وفي لفظ عنده أيضاً: فاقدروا له. وفي لفظ عنده أيضاً: الشهر يكون تسعاً وعشرين، ويكون ثلاثين، فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأكملوا العدة. ٢- حديث ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: " إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له ". وفي لفظ لمسلم: أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فضرب بيديه فقال: " الشهر هكذا وهكذا " ثم عقد إبهامه في الثالثة، " فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته فإن غمَّ عليكم فاقدروا ثلاثين ". وفي لفظ: فاقدروا له. ٣- حديث ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: " لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ". رواه مالك، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

стр. 439

وفي رواية للنسائي أن ابن عباس قال: عجبت ممن يتقدم الشهر، وقد قال رسول الله ﷺ : " إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ". وفي لفظ: صوموا لرؤيته ... الحديث. وفي لفظ: لا تصوموا قبل رمضان صوموا لرؤيته ... الحديث. وفي لفظ لأبي داود: لا تقدموا الشهر بصيام يوم أو يومين إلا ... ولا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروه ... الحديث. ٤- أما هديه الفعلي ﷺ ففي حديث عائشة ﵂. قالت: كان رسول الله ﷺ : يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ لغيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يوماً ثم صام. أخرجه أبو داود.

стр. 440

المبحث الثاني في فقه هذه النصوص فهذه النصوص الصحيحة تدل دلالة صريحة على أصول شرعية في أحكام الشهور وإثبات أوائلها على ما يلي: الأصل الأول: إن الشرع جعل علامة أول الشهر: الهلال لا غير. وأن ليس لأول الشهر حد عام ظاهر سواه. الثاني: أن جنس الشهر القمري الشرعي منحصر: أقله في (٢٩) يوماً، وأكثره في (٣٠) يوماً. وأنه لا يشرع بحال حتى يمضي (٢٩) يوماً من شعبان ولا بد أن يصام في رمضان (٢٩) يوماً لا يصام أقل منها بحال. الثالث: أن أول الشهر لا يعتبر إلا بيقين. وهذا مطرد من قاعدة الشريعة في العبادات المؤقتة: أنه لا يصح وقوعها إلا في وقتها بيقين تام. ولهذا ربط الله أسبابها بعلامات يقينية لا مدخل للعباد فيها بل هي سنن كونية ثابتة يستوي في معرفتها عموم الخلق: علماء، وعامة، وحاضرة، وبادية. وهذا من أجل أسباب اليسر ورفع الحرج في الشريعة. الرابع: أن الشرع علق الأحكام التعبدية الشهرية على الأهلة بطريقتي اليقين: الرؤية أو الإكمال. وذلك: ١- لسهولته، ويسر يقينيته.

стр. 441

٢- ولأنه لا يدخله الخطأ. ٣- ولأن كل نظام سواه الأصل فيه: الخطأ كالحساب فإنه مع عسره وندرة العارف به يدخله الخطأ كثيراً كما سيأتي. ولهذا فإن الوصف بالأمية هنا صفة مدح وكمال من وجوه: من جهة الاستغناء عن الكتابة والحساب بما هو أبين منه وأظهر وهو الهلال، ومن جهة أن الحساب والكتابة هنا يدخلهما غلط.. إلى آخر وجوه بسطها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (الفتاوى ٢٥ / ١٧٤ - ١٧٦) . الخامس: أن اليقين في ذلك يتحقق بأمر محسوس: حقيقة أو حكماً، حقيقة محسوسة بالإهلال، وفي حكم المحسوسة بالإكمال أي: ١- الهلال بالرؤية البصرية. وهذا أمر محسوس حقيقة. ٢- الإكمال لشعبان مثلاً - ثلاثين يوماً في حال تعذر الرؤية لغيم ونحوه. وهذا محسوس حكماً، يقيني في واقع الحال، لعصمة التشريع بخبره الصادق والذي هو من سنن الله الكونية: أن الشهر القمري لا ينقص عن (٢٩) يوماً، ولا يزيد عن (٣٠) يوماً. فالشرع أناط الحكم بأول الشهر بوجود الهلال حقيقة لا بوجوده تقديراً، وأن وجوده حقيقة بالرؤية البصرية بالإهلال، أو بالإكمال. وأنه بأمر لا مدخل للعباد فيه بل هو سنة كونية ثابتة. وصاحب الشرع أشعر بحصر السبب فيهما ولم ينصب سبباً سواهما. ووجه التيقن بالإكمال أيضاً هو: استصحاب الأصل، إذ الأصل بقاء الشهر وكماله فلا يترك هذا الأصل إلا ليقين بناء على أن ما ثبت بيقين لا يزول إلا بمثله. قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: في الاستدلال من

стр. 442

حديث ابن عباس ﵄ (وفيه إعلام أن الأحكام لا تجب إلا بيقين لا شك فيه، وهذا أصل عظيم من الفقه أن لا يدع الإنسان ما هو عليه من الحال المتيقنة إلا بيقين من انتقالها، وقوله ﷺ : " فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوماً "، يقتضي استكمال شعبان قبل الصيام، واستكمال رمضان أيضاً..) اهـ. السادس: أن الأحاديث دلت بمجموعها على انحصار الوصول إلى اليقين المذكور بأحد الطريقين. فالصيام حكمٌ سببه: الرؤية للهلال أو الإكمال. فمنها ما يفيد بمنطوقه وجوب الصوم والفطر بعد الرؤية أو الإكمال كقوله ﷺ : " إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ". ومنها: ما يفيد منطوقه تحريم الصوم والفطر قبل الرؤية والإكمال كقوله ﷺ : " لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ". وأنه ليس في شيء من الأحاديث إناطة الحكم الشرعي بالحساب الفلكي. وتسمية الشهر به: شهراً بل تعليقه الحكم بأمر يقيني من رؤية أو إكمال يدل دلالة واضحة على نفي إناطة الحكم بأي سبب آخر ففي هذا فطم عن الاعتماد على الحساب في هذا الحكم. السابع: إن ترائي الهلال مشروع لهذه الأمة لضبط مواسم تعبدها فإن كانت العبادة واجبة كصيام رمضان، وحج بيت الله الحرام، كان الترائي واجباً كفائياً، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وإن كانت مسنونة كان

стр. 443

الترائي مسنوناً إذ الوسائل لها أحكام الغايات، فإن تمت الرؤية وإلا فالمصير إلى الإكمال، والحمد لله على اليسر ورفع الحرج. قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: (وفيه - أي حديث ابن عباس - أن الله مقيد عباده في الصوم برؤية الهلال لرمضان، أو باستكمال شعبان ثلاثين يوماً، وفيه تأويل لقول الله : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة ١٨٥] إما شهوده ورؤيته أو العلم برؤيته) اهـ.

стр. 444

المبحث الثالث إجماع المسلمين على موجب هذه النصوص موجب هذه الأحاديث أن التكليف يتبع العلم، وقد علقه الشارع بأمر محسوس يستوي فيه عموم البشر، ونهى الأمة عن الصوم إلا بأحد هذين الطريقين فقال ﷺ : " لا تصوموا حتى تروا الهلال ... " الحديث. وهذا من باب عموم النفي لا من باب نفي العموم، أي: لا يصوم أحد، حتى يرى، أو حتى يعلم أنه رؤي أو ثبت شرعاً أنه رؤي. فإذا انتفت الرؤية البصرية انتفى العلم بالإهلال، وإذا انتفى العلم به بحاسة البصر، فقد جعل الشرع المصير إلى تعليق الحكم بمناط يستوي فيه عموم البشر وهو إكمال شعبان مثلاً ثلاثين يوماً. ولا يعلم في شيء من النصوص تعليق المناط بغير هذين وهذا والله أعلم - لأن ما سواهما إما فاسد أو مظنون، أو فيه من التكلف والحرج والعناء، وصرف الحياة إلى ما لا نفع من ورائه بما لا تأتي بمثله الشريعة المطهرة. وهذا التقرير هو ما عرفه المسلمون في شتى عصورهم، وما زالت عباداتهم قائمة وأمورهم راشدة. ولا يعرف في هذا خلاف بين الصحابة ﵃، بل حكى شيخ الإسلام ابن تيمية: اتفاقهم. وحكاه المهدي في البحر. ومذاهب الأئمة الأربعة متفقة على ذلك. قال مالك رحمه الله تعالى: إن من يصوم بالحساب لا يقتدى به. وقال ابن عرفة:

стр. 445

لا أعرفه لمالكي. بل قد حكى الإجماع على موجبه غير واحد من أهل العلم في القديم والحديث منهم: ابن المنذر في الإشراف، وسند من المالكية، والباجي، وابن رشد القرطبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ ابن حجر، والسبكي، والعيني، وابن عابدين، والشوكاني، وصديق حسن خان في تفسيرهما لقوله تعالى ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ الآية. وملا علي قاري. وقال أحمد شاكر: (واتفقت كلمتهم أو كادت تتفق على ذلك) . ونكتفي من النقول عنهم بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية إذ حكاه في مواضع من: الاقتضاء، ومجموع الفتاوى ٢٥ / ١٣٢، ١٧٩، ٢٠٧، فقال في ٢٥ / ١٣٢: (إنا نعلم بالضرورة من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المتعلقة بالهلال بخبر الحاسب، أنه يرى أو لا يرى، لا يجوز. والنصوص المستفيضة بذلك عن النبي ﷺ كثيرة. وقد أجمع المسلمون عليه. ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلاً، ولا خلاف حديث، إلا أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غم الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب، فإن كان الحساب دل على الرؤية صام وإلا فلا. وهذا القول وإن كان مقيداً بالإغمام ومختصاً بالحاسب فهو شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه، فأما اتباع ذلك في الصحو، أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم) اهـ.

стр. 446

المبحث الرابع تفنيد الخلاف الحادث في هذه المسألة كم رأينا من فرع حكي فيه الخلاف ثم يتبين عند التحقيق عدم ثبوته عن المخالف وهذا كثير في مسائل فروعية. ومنه في الصيام. حكاية الخلاف في صوم يوم الشك حيث عزاه ابن قدامة وعنه ابن الجوزي رحمهما الله تعالى لنحو عشرة من الصحابة ﵃ ونحوهم من التابعين، ثم بين العراقي وغيره ضعف الرواية في ذلك عن عدد منهم، وفي غير الصيام ما يروى عن جماعة كثيرين من الصحابة والتابعين، أنهم خضبوا بالسواد. وقد أبان الحفاظ منهم ابن القيم في (الهدي) أن في الروايات عنهم ضعفاً وانقطاعاً وهكذا. وفي هذه المسألة: لا يعرف فيها خلاف صحابي بل حكي إجماعهم، وقد حكي الخلاف فيها عن: ١- الشافعي. ٢- ابن سريج. ٣- مطرف بن عبد الله بن الشخير. ٤- محمد بن مقاتل. ٥- ابن قتيبة. وقد استقرأ ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن الخلاف الحادث في الجواز

стр. 447

مقيد بأمرين في: حال الإغمام وللحاسب فقط لا يتعداه إلى غيره كما تقدم قريباً. وسيتبين من التقييد الآتي: أنه حصل الغلط في هذا الخلاف على القائل به وفي نوعه، فابن سريج وابن خويز منداد غلطا في حكايتهما ذلك على الشافعي وأن ابن سريج الشافعي بنى قوله: على غلطه على إمامه. وأن بعض الشافعية غلط أيضاً ابن سريج في حكايته لقوله. وأن مطرف بن عبد الله لا يصح عنه، وأن محمد بن مقاتل الرازي صاحب محمد بن الحسن الشيباني ضعيف، وأن ابن قتيبة ليس من أهل هذا الفن وأن بعض أهل العلم غلط في حكايته نوع الخلاف حيث أطلق ولم يقيد. وعليه: فتبقى حكاية الإجماع قائمة، وإلا فعدم وجود المخالف في القرون المفضلة وبيان ذلك على ما يلي: ١- الغلط على الشافعي رحمه الله تعالى: قال ابن رشد في (بداية المجتهد) : حكى ابن سريج عن الشافعي أن من كان من مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر، ثم تبين له من جهة الاستدلال أن الهلال مرئي وقد غم، فإن له أن يعتقد الصوم ويجزئه اهـ. وحكاه أيضاً: ابن خويز منداد المالكي عن: الشافعي كما في التمهيد لابن عبد البر. وعنه العراقي في طرح التثريب. ولذا قال ابن تيمية (وحكاه بعض المالكية عن الشافعي) اهـ. تعقبه: أفاد العلماء من الشافعية وغيرهم أن هذا غلط على الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وأن هذا لا يعرف من قوله ولا مذهبه. وأن الصحيح عنه

стр. 448

خلافه. ومن الذين قرروا إنكار نسبته إلى الشافعي: ابن عبد البر، وابن العربي، والعراقي، والسبكي، والحافظ ابن حجر، والمطيعي في جماعة سواهم. وهؤلاء هم الذين ذكروا الخلاف الحادث وسموا القائلين به على ما يأتي. وتعقبوهم. ونص الشافعي المفيد لمذهبه على وفق ما قرره السلف وذهبوا إليه اتباعاً للنص - وهو ما في كتاب (أحكام القرآن للشافعي) جمع البيهقي رحمه الله تعالى. فثبت بهذا بطلان نسبة القول المذكور إلى الشافعي وغلط ابن سريج وابن خويز منداد فيما حكى عنهما من نسبة ذلك إلى الشافعي. وأما ابن خويز منداد فمع كونه رأساً في نصرة السنة جذعاً في أعين المبتدعة فقد كان يغلط في حكاية الفقهيات كما في ترجمته من ترتيب المدارك وغيره والله أعلم. ٢- الأصل في خلاف ابن سريج: أبو العباس أحمد بن سريج الشافعي م سنة ٣٠٦ هـ إمام الشافعية في وقته رحمه الله تعالى. رأى الأخذ بالحساب جوازاً في حق الحاسب خاصة إذا غم الشهر ولم يره الراؤون. والذي يتجلى أن ابن سريج مع جلالته - رتب ما ذهب إليه من تفسيره لرواية (فاقدروا له) أي بحساب المنازل خطاب لمن خصه الله بهذا العلم - رتبه على ما حكاه غلطاً على الشافعي رحمه الله تعالى. وعنه اشتهر القول بذلك، ومع اشتهاره اختلف عليه النقلة بين الجواز والوجوب وفي الإطلاق والتقييد، والذي يصححه علماء المذهب عنه: أنه قال بالجواز وقت الإغمام خاصاً بالحاسب نفسه لا يتعداه إلى سواه. ومن سواه يبقى على الأصل في حكم الرؤية وبسطه النووي في المجموع محرراً. وهذا الذي تحرر قولاً لابن سريج هو: عين ما حكاه هو غلطاً على

стр. 449

الشافعي فإذا ثبت مما تقدم قيل إن ابن سريج رحمه الله تعالى غلط على الشافعي في ذلك، فإنه إنما قال ما قال تقليداً منه لإمام المذهب عنده، وإذا بطلت نسبة القول به إلى الشافعي فهذا يفرغ ما بني عليه فلم يبق ذلك قولاً لابن سريج. وقد أنكر العلماء من الشافعية وغيرهم - على ابن سريج قوله ومنهم ابن تيمية كما تقدم نقله في آخر المبحث الثالث. ثم إن العلامة تقي الدين السبكي الشافعي رحمه الله تعالى ألف رسالته: (العلم المنشور في إثبات الشهور) انتصر فيها لرأي ابن سريج للجواز لا للوجوب مقيداً لذلك بشرطين: أن ينكشف الحساب جلياً من ماهر بالصنعة والعلم، وأن يكون الجواز في خصوص الصوم لا الفطر. ثم ألف الشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي رحمه الله تعالى رسالته (إرشاد أهل الملة إلى إثبات الأهلة) . وساق اختيار السبكي ولم يتعقبه. ثم ألف الشيخ أحمد بن محمد شاكر رحمه الله تعالى رسالة باسم (أوائل الشهور العربية هل يجوز شرعاً إثباتها بالحساب الفلكي؟) . ثم تعقبه كل من الشيخ أبو النصر مبشر الطرازي الحسيني برسالة سماها (بحث في توحيد أوائل الشهور العربية) . كما تعقبه الشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري ببحث سماه: (لو غيرك قالها يا أستاذ) . ثم رأيت لدى الشيخ إسماعيل خطاباً من الشيخ أحمد شاكر ﵀ تعالى يعتذر فيه إلى الشيخ إسماعيل وأنه إنما نشر رسالته لإثارة البحث بين أهل العلم وإلا فليس له رأي بات في المسألة.

стр. 450

وكل هؤلاء الأجلة: السبكي، فالمطيعي، فأحمد شاكر ﵏ تعالى ينزعون من قوس واحدة من قول ابن سريج وقد علمت مدى العمدة في رأيه مذهبياً. وأن السبكي قرر الجواز بالشرطين المذكورين، أما الشيخ شاكر رحمه الله تعالى فقد وسع الخطو فصرح بالوجوب ص / ١٥، ثم ضعف تجاسره فأبداه بحثاً ص / ١٧، ٢٩ والله أعلم. ٣- مطرف بن عبد الله بن الشخير (م سنة ٨٧ هـ) رحمه الله تعالى كان من كبار التابعين وساداتهم وقد نفى ابن عبد البر صحة الأثر عنه فقال: (روي عن مطرف بن الشخير وليس بصحيح عنه، ولو صح ما وجب اتباعه عليه لشذوذه فيه، ولمخالفة الحجة له) اهـ. ونقله عنه ابن حجر، والعراقي وغيرهما، وقال ابن تيمية ٢٥ / ١٨٢. (إنّ هذا إن صح عنه فهي من زلات العلماء) اهـ. ٤- ابن قتيبة: العلامة المشارك عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري م سنة ٣٧٦ هـ رحمه الله تعالى. قال ابن عبد البر متعقباً له: (ليس هذا من شأن ابن قتيبة ولا هو ممن يعرج عليه في مثل هذا الباب) اهـ. ٥- محمد بن مقاتل الرازي: صاحب محمد بن الحسن الشيباني، فهو مترجم لدى الحنفية ترجمة موجزة لا تفيد نباهته في العلم ولم أر من نص على تاريخ وفاته. وهو مضعف في الرواية عند النقاد قال الذهبي في (المغني في ضعفاء) : (محمد بن مقاتل الرازي، لا المروزي. عن وكيع. ضعيف) اهـ.

стр. 451

وفي الميزان قال: (حدث عن وكيع وطبقته، تكلم فيه ولم يترك) اهـ. والنقل عنه في هذا لم يتم الوقوف على سند له ليتم الكشف عنه والحنفية ينقلون قوله لنقضه، وينقلونه ممرضاً كقول القاري في شرح النخبة ص / ١٩ (وأما ما ذكره بعض علمائنا عن محمد بن مقاتل أنه كان يسأل المنجمين ويعتمد قولهم ... ) فذكره ثم ذكر من تعقبه كالسرخسي وغيره.

стр. 452

المبحث الخامس ما استدل به المتأخرون استدل لهم بحديثين وقياسين: ١- أن رواية (فاقدروا له) معناه: قدروه بحساب المنازل، وأنه خطاب لمن خصه الله بهذا العلم. وأن قوله: (فأكملوا العدة) خطاب للعامة. ٢- حديث: " إنا أمّة أميّة لا نكتب ونحسب الشهر هكذا وهكذا " الحديث. فالأمر باعتماد الرؤية وحدها جاء معللاً بعلة منصوصة وهي: أن الأمة لا تكتب ولا تحسب. والعلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً. فإذا وصلت الأمة إلى حال في معرفة هذا العلم باليقين في حساب أوائل الشهور وأمكن أن يثقوا به ثقتهم بالرؤية أو أقوى صار لهم الأخذ بالحساب في إثبات أوائل الشهور. ٣- ليست حقيقة الرؤيا شرطاً في اللزوم لأن الاتفاق على أن المحبوس في المطمورة إذا علم بالحساب بإكمال العدة، أو بالاجتهاد بالأمارات أن اليوم من رمضان: وجب عليه الصوم وان لم ير الهلال ولا أخبره من رآه. ٤- قياسه على إثبات أوقات الصلوات بالحساب.

стр. 453

المبحث السادس في نقضها أولاً: نقض الاستدلال بلفظ (فاقدروا له) : واجب أهل العلم جمع ألفاظ الرواة، والجمع بينها ما أمكن، ولا تحمل على التعدد إلا عند التعذر بل قد يكون التعدد مؤثراً في صحة الرواية كما علم من قواعد الاصطلاح عند المحدثين. وعليه فألفاظ الرواة كما يلي: ١- فأتموا العدة ثلاثين. ٢- فأتموا شعبان ثلاثين. ٣- فأكملوا ثلاثين. ٤- حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة. ٥- فصوموا ثلاثين. ٦- أحصوا عدة شعبان لرمضان. ٧- فأكملوا العدة ثلاثين. عن حديث ابن عمر. ٨- فأكملوا العدة ثلاثين فإنها ليست تغمى عليكم. أبو هريرة. ٩- فعدوا ثلاثين. أبو هريرة. وابن عمر. ١٠- فأكملوا العدة. أبو هريرة. ١١- فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً. أبو هريرة.

стр. 454

١٢- فصوموا ثلاثين يوماً. ابن عمر. ١٣- فعدوا له ثلاثين يوماً. ابن عمر. ١٤- فاقدروا له ثلاثين. أبو هريرة. وابن عمر. ١٥- فاقدروا له. أبو هريرة. وابن عمر. فهذه الروايات ثبتت من أحاديث الصحابة ﵃ عن النبي ﷺ وجميعها متفقة لفظاً ومعنى، أو معنى على إكمال وإحصاء الشهر السابق ثلاثين يوماً لعدة الشهر اللاحق عند تعذر الرؤية. ولهذا فإن أهل الاصطلاح يذكرون هذا الحديث في مبحث المتابعات بالمعنى أو باللفظ والمعنى كما في: شرح نخبة الفكر القاري ص / ٩٠ - ٩٤. وهدا الثابت من قوله ﷺ ، ثابت من سنته الفعلية ﷺ ، كما في حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤية رمضان فإن غم عليه عد ثلاثين يوماً ثم صام. رواه أبو داود بسند صحيح. وجميع روايات الصحابة المذكورة ﵃ ليس فيها (فاقدروا له) إلا في بعض ألفاظ حديثي أبي هريرة وابن عمر ﵃. وقد تعددت ألفاظ روايتهما فجاء فيها مثل ألفاظ الجماعة سواء. ففي لفظهما أيضاً (فعدوا ثلاثين) وبلفظ (فأكملوا العدة ثلاثين) عن ابن عمر وبلفظ (فأكملوا العدة) عن أبي هريرة ونحوها من الروايات السابقة عنهما. ومنها الرواية عنهما بلفظ (فاقدروا له ثلاثين) . عند مسلم من حديث ابن عمر ﵄. وعند النسائي من حديث أبي هريرة ﵁، فاتضح أن رواية فاقدروا له هي مثل رواية: فاقدروا له ثلاثين، وهما بمعنى: فأتموا العدة ثلاثين، وفي التنزيل ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾

стр. 455

أي تماماً. وهذا هو ما فهمه أهل الحديث الذين أخرجوا الحديث. حيث يوردون الرواية المفسرة بعد المجملة كما صنع: البخاري، ومالك، وبسطه الحافظ ابن عبد البر في: التمهيد ٢ / ٣٩ - ٤٠، وابن حجر في: الفتح ٤ / ١٢٠. وعليه فإن جميع موارد الروايات واحد وإن اختلفت ألفاظها فالإكمال، والإتمام والإحصاء، والتقدير، والعدة، هكذا وهكذا وهكذا: جميعها بمعنى واحد، وإن الذين رووا (فاقدروا له) جاء عنهم (فاقدروا له ثلاثين يوماً) وجاء عنهم أيضاً مثل ألفاظ الجماعة. والواجب في السنن جمع شملها ونفي الاختلاف والتضارب عنها، وأن الاختلاف في اللفظ لا يحمل على الاختلاف في المعنى إلا عند تعدد المخارج وتعذر الجمع. كما عليه العمل عند المحدثين وأهل الأصول. وحرره ابن حجر في (النكت) كما أن من طريقتهم التي لا اختلاف فيها بينهم حمل المجمل على المفسر، فمثلاً لفظ: فاقدروا له، يفسره لفظ (فأتموا العدة ثلاثين) إذ ليس بين المجمل والمفسر تعارض أصلاً. وهذا لائح الوضوح والبيان. وإن الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى قد اضطرب في هذا غاية الاضطراب من حمله تعدد المباني على تعدد المعاني في حديث واحد من رواية صحابي واحد. فهو يناقض ما ذهب إليه مع الجمهور طرداً للقاعدة المذكورة في حديث كيفية النهوض في الصلاة كما بينته في الأجزاء الحديثية: هل يكون بالاعتماد على الركبتين أم الأرض؟ وفي حديث الفطر يوم يفطر الناس. وأنه بمعنى الرواية الأخرى: الفطر يوم يفطر الإمام. كما بسطه في رسالته: توحيد أوائل الشهور العربية ص / ٢٥ - ٢٨.

стр. 456

فسبحان من صرف بصر الأستاذ مع جلالته إلى هذا التأويل الذي أوصله إلى التناقض. والله أعلم. ولهذا فإن السبكي في: العلم المنشور ص / ٩ قد أنصف غاية الإنصاف إذ بين تفسير الرواية: فاقدروا له. بالرواية الأخرى: فأكملوا العدة ثلاثين يوماً. بل جاء في رواية أبي داود لحديث ابن عمر ﵄: أن ابن عمر كان لا يأخذ بهذا الحساب. فهذا تفسير منه لروايته: فاقدروا له، وأنها بمعنى الرواية الأخرى: فاقدروا له ثلاثين. وبعد كتابة جميع ما تقدم وجدت في: المستدرك للحاكم ١ / ٤٢٣، والسنن الكبرى للبيهقي ٤ / ٢٠٤ بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله تعالى جعل الأهلة مواقيت فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له، أتموه ثلاثين " فهذه الرواية الصحيحة صريحة في تفسير المرفوع بالمرفوع ولم أر من أشار إليها في النقض فالحمد لله على التيسير. والله أعلم. ثانياً: نقض الاستدلال بمفهوم حديث " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " الحديث: فقد علم في اللسان أن بساط المقال كبساط الحال له تأثير في الأحكام كما علم في مسائل من الأيمان والنذور والطلاق وغيرها، فقوله ﷺ هنا: " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " قرنه بقوله (الشهر كذا ... ) أي مرة ٣٠ ومرة ٢٩ فهو محض خبر من النبي ﷺ لأمته: أنها لا تحتاج في أمر الهلال إلى كتاب ولا حساب، إذ هو إما (٣٠) يوماً أو (٢٩) يوماً.

стр. 457

ومرد معرفته بالرؤية للهلال أو بالإكمال. كما في الأحاديث المتقدمة المشعرة بالحصر في هذين السبيلين لا بكتاب ولا بحساب. فهذا خبر منه ﷺ يتضمن نهياً عن الاعتماد على الكتاب والحساب في أمر الهلال، وفطم للأمة عن الاعتماد عليه، إذ أغناهم بنصب الرؤية أو الإكمال دليلاً على أوائل الشهور. ولهذا نظائر في النصوص الخبرية كقوله ﷺ : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. فهذا خبر يفيد صفة المسلم متضمناً النهي عن إيذاء المسلم بلسان أو يد. وهذا الظاهر في خبرية النص هو الذي يتفق مع الحقائق الشرعية والدلائل النصية من الأحاديث السابقة. إذاً فيتعين إبقاء النص على ظاهره في الخبرية، ولا يصرف عنها إلى العلية إلا بدليل، وصرفه يؤدي إلى تعارض النصوص كما هو بين. وهذا معنى ما قرره المحققون من أهل العلم في توجيه هذا الحديث من أنه على ظاهره لا غير من عدم الاحتياج إلى الكتاب والحساب في أمر الهلال - قرر ذلك ابن تيمية في: الفتاوى ٢٥ - وابن العربي في: عارضة الأحوذي، وابن حجر في: الفتح ٤ / ١٢٢ وقال: ( ... فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك. بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً، ويوضحه قوله في الحديث الماضي " فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين " ولم يقل فسلوا أهل الحساب. والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون فيرتفع الخلاف والنزاع عنهم ... ) اهـ. وابن بطال قال كما في إرشاد أهل الملة:

стр. 458

(وقال ابن بطال وغيره معنى الحديث: إنا لم نكلف في معرفة مواقيت صومنا ولا عباداتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة إنما ربطت عباداتنا بأعلام واضحة وأمور ظاهرة يستوي في معرفة ذلك الحساب وغيرهم) اهـ. والسبكي كما في العلم المنشور ص / ٩ قال: (وفي قوله ﷺ : هكذا وهكذا وهكذا، وإشارته تحقيق لاعتماد الأمر المحسوس الذي هو من أجلى الأمور، وفطم عن اعتماد الحساب في ذلك) اهـ. والذهبي في سير أعلام النبلاء ١٤ / ١٩١ - ١٩٢ فقال في معرض بحث كتابة النبي ﷺ وضعف حديث " ما مات النبي ﷺ حتى قرأ وكتب " - قال: " ثم هو القائل: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب "، فصدق إخباره بذلك إذ الحكم للغالب، فنفى عنه وعن أمته الكتابة والحساب لندور ذلك فيهم وقلته وإلا فقد كان فيهم كتّاب الوحي وغير ذلك، وكان فهم من يحسب، وقال تعالى: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالحِسَابَ﴾ . ومن علمهم الفرائض وهي تحتاج إلى حساب وعول، وهو ﵇ فنفى عن الأمة الحساب فعلمنا أن المنفي كمال علم ذلك ودقائقه التي يقوم بها القبط والأوائل، فإن ذلك ما لم يحتاج إليه دين الإسلام ولله الحمد: فإن القبط عمقوا في الحساب والجبر، وأشياء تضيع الزمان وأرباب الهيئة تكلموا في سير النجوم والشمس والقمر والكسوف والقرآن، بأمور طويلة لم يأت الشرع بها، فلما ذكر ﷺ الشهور ومعرفتها بين أن معرفتها ليست بالطرق التي يعرفها المنجم وأصحاب التقويم، وأن ذلك لا نعبأ به

стр. 459

في ديننا، ولا نحسب الشهر بذلك أبداً ثم بين أن الشهر بالرؤية فقط، فيكون تسعة وعشرين أو بتكملة ثلاثين، فلا نحتاج مع الثلاثين إلى تكلف رؤية اهـ. ثالثاً: نقض الاستدلال بالقياس على المحبوس بالمطمورة. فهذا القياس باطل من أصله لأن المقيس عليه هنا لم يثبت بنص ولا اتفاق ومن شرط القياس توفر ذلك. وهو مفقود هنا فهو ملغي من أصله. ثم هو على التسليم مقدوح فيه بعدة قوادح قياسية منها: فساد الاعتبار لمخالفة المقيس لصرائح النصوص المشعرة بالحصر في نصب الشارع الرؤية سبباً للحكم بأول الشهر. وأنه قياس مع الفارق إذ المحبوس معذور فيجب عليه الاجتهاد في دخول الوقت فإن انكشف له غلط قضى. والله أعلم. رابعاً: نقض قياسه على إثبات أوقات الصلوات بالحساب: فهذا القياس كسابقه باطل من أصله، لأن المقيس عليه مختلف فيه غير ثابت بنص ولا إجماع وثبوته بنص أو اتفاق الخصمين شرط للأصل المقيس عليه، وشرط ثالث أن يكون الحكم معقول المعنى كتحريم الخمر إلا إن كان تعبدياً كأوقات الصلوات وأعداد الركعات لأن ما لا يعقل معناه لا يمكن تعديته إلى محل آخر. وعلى التسليم فهو قياس مع الفارق. وقد بسطه القرافي في الفروق - الفرق الثاني بعد المائة ذلك أن المشرع أناط الصلاة بوجود العلامة لوقتها فنفس الوقت هو سبب الصلاة فمن علم السبب بأي طريق كان، لزمه حكمه فلذلك اعتبر الحساب المفيد للقطع في أوقات الصلوات. وأما

стр. 460

الأهلة فلم ينصب الشرع خروجها سبباً بل جعل السبب الرؤية لقوله ﷺ : " صوموا لرؤيته "، ولم يقل لخروجه، فإن لم تكن رؤية رد إلى الإكمال الذي يباري الرؤية في الإهلال. ثم بسط وأورد ما للمعارض وأجاب عنه في بحث مطول. والله أعلم.
следующие страницы →