Полный текст (2 051 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمُتْلَفَاتِ، وَأُرُوشُ الْجِنَايَاتِ، وَمَقَاصِدُهُمَا وَاحِدَةٌ ; فَيُنَزَّلَا لِذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ. وَأَمَّا نَصُّ الْخِرَقِيِّ عَلَى ذَلِكَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ; فَهَذَا وَجْهُهُ، وَقَدْ صَدَرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ وَاسْتَثْنَى مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، كَانَ اسْتِثْنَاؤُهُ بَاطِلًا إِلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَ عَيْنًا مِنْ وَرِقٍ أَوْ وَرِقًا مَنْ عَيْنٍ ; فَنَصَّ عَلَى امْتِنَاعِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ الصُّورَةَ الْمَذْكُورَةَ اسْتِحْسَانًا، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ.
وَيُفِيدُ الْخِلَافُ فِي هَذَا الشَّرْطِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ إِلَّا ثَوْبًا، أَوْ: إِلَّا شَاةً أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الْمُتَقَوِّمَاتِ، بَطَلَ الْإِقْرَارُ عِنْدَنَا، وَصَحَّ عِنْدَ الْمُخَالِفِ، وَيَلْزَمُهُ مِائَةٌ إِلَّا قِيمَةَ ثَوْبٍ، لِاشْتِرَاكِ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي جِنْسِ الْمَالِيَّةِ، وَمَا يَقَعُ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْ جَهَالَةٍ تُزَالُ بِالْوَسَاطَةِ أَوِ الصُّلْحِ.
قُلْتُ: وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْجِنْسِ الْقَرِيبِ يَصِحُّ إِجْمَاعًا كَاسْتِثْنَاءِ دِرْهَمٍ مِنْ دَرَاهِمَ أَوْ دِينَارٍ مِنْ دَنَانِيرَ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْجِنْسِ الْبَعِيدِ كَالثَّوْبِ وَنَحْوِهِ مِنَ الدَّرَاهِمِ بِاعْتِبَارِ جِنْسِ الْمَالِ مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَمِنْهُ اسْتِثْنَاءُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مِنَ الْآخَرِ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ حَقِيقَةً، غَيْرَ أَنَّ صِحَّتَهُ أَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهِ لِتَقَارُبِ مَقَاصِدِ النَّقْدَيْنِ كَمَا سَبَقَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
- قَوْلُهُ: «وَأَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا إِجْمَاعًا» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا فَإِنْ كَانَ مُسْتَغْرِقًا نَحْوَ: لَهُ
стр. 1122
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَيَّ عَشْرَةٌ إِلَّا عَشْرَةً، بَطَلَ «إِجْمَاعًا وَفِي الْأَكْثَرِ وَالنِّصْفِ» نَحْوُ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إِلَّا سِتَّةً، أَوْ: خَمْسَةً - «خِلَافٌ. وَاقْتَصَرَ قَوْمٌ عَلَى الْأَقَلِّ» أَيْ: عَلَى صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْأَقَلِّ، نَحْوِ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا أَرْبَعَةً، «وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا» .
قَالَ صَاحِبُ «الْمُحَرَّرِ» مِنْ أَصْحَابِنَا: يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْأَقَلِّ دُونَ الْأَكْثَرِ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ وَالْمُطَلَّقَاتِ وَالْأَقَارِيرِ نَصَّ عَلَيْهِ. وَفِي النِّصْفِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي الْأَكْثَرِ أَيْضًا.
قُلْتُ: الْمُصَحِّحُ لِاسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ هُمْ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَالْمَانِعُ مِنْهُ أَصْحَابُنَا وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي آخِرِ أَقْوَالِهِ. قَالَ الْآمِدِيُّ: وَقَدِ اسْتَقْبَحَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ اسْتِثْنَاءَ عَقْدٍ صَحِيحٍ، وَاخْتَارَ هُوَ الْوَقْفَ.
قُلْتُ: مِثَالُ اسْتِثْنَاءِ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ: لَهُ سَبْعُونَ إِلَّا عَشَرَةً.
- وَلْنَذْكُرْ تَوْجِيهَ الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ:
- أَمَّا عَدَمُ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُسْتَغْرِقِ ; فَلِإِفْضَائِهِ إِلَى الْعَبَثِ وَكَوْنِهِ نَقْضًا كُلِّيًّا
стр. 1123
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِلْكَلَامِ، وَرُجُوعًا عَنِ الْإِيجَادِ إِلَى الْإِعْدَامِ ; فَعَلَى هَذَا يَلْغُو الِاسْتِثْنَاءُ، وَيَلْزَمُ الْمُسْتَثْنَى، فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا عَشَرَةً، أَوْ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا ; لَزِمَهُ عَشَرَةٌ، وَطُلِّقَتْ ثَلَاثًا.
وَأَمَّا وَجْهُ الْخِلَافِ فِي اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ ; فَمَنْ صَحَّحَهُ، احْتَجَّ بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ حِكَايَةً عَنْ إِبْلِيسَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ وَ ٨٣] ، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الْحِجْرِ: ٤٢] ; فَاسْتَثْنَى فِي الْأُولَى الْعِبَادَ الْمُخْلَصِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَفِي الثَّانِيَةِ الْغَاوِينَ مِنَ الْعِبَادِ، وَأَيُّهُمَا كَانَ الْأَكْثَرَ حَصَلَ الْمَقْصُودُ.
وَلِتَقْرِيرِ الدَّلِيلِ مِنْ ذَلِكَ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ اسْتَثْنَى الْغَاوِينَ مِنَ الْعِبَادِ، وَالْغَاوُونَ أَكْثَرُ ; بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٧] ، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ٦٣] ، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٠٠] .
الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَدُّوا الَّتِي نَقَصَتْ تِسْعِينَ مِنْ مِائَةٍ
ثُمَّ ابْعَثُوا حَكَمًا بِالْحَقِّ قَوَّامَا
стр. 1124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: مِائَةٌ إِلَّا تِسْعِينَ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْفَعُ بَعْضَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ ; فَجَازَ فِي الْأَكْثَرِ، كَالتَّخْصِيصِ.
- وَمَنْ مَنَعَ اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ، احْتَجَّ بِمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَوْجِيهِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَقَلِّ، وَإِذَا اتَّجَهَ الْخِلَافُ فِي اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ ; كَانَ فِي اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ أَوْجُهٌ، وَلِأَنَّ الْأَكْثَرَ وَالنِّصْفَ وَاسِطَتَانِ بَيْنَ اسْتِثْنَاءِ الْأَقَلِّ وَالْمُسْتَغْرَقِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي هَذَا الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْوَسَائِطَ يَتَّجِهُ فِيهَا الْخِلَافُ لِنُزُوعِهَا بِالشَّبَهِ إِلَى الْأَطْرَافِ.
وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْأَقَلِّ ; احْتَجَّ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ كَسَائِرِ التَّخْصِيصَاتِ خُولِفَ فِي الْأَقَلِّ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، إِذِ الْمُتَكَلِّمُ قَدْ يَغْلَطُ أَوْ يَنْسَى ; فَيَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِدْرَاكِ بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ السَّهْوُ وَالْغَلَطُ فِي الْأَقَلِّ غَالِبًا، إِذِ الْعَاقِلُ إِنَّمَا يَغْلَطُ فِي الْمِائَةِ بِعَشَرَةٍ إِلَى أَرْبَعِينَ، أَمَّا غَلَطُهُ بِخَمْسِينَ إِلَى تِسْعِينَ، فَنَادِرٌ جِدًّا، وَمَنْ يَغْلَطُ بِذَلِكَ، لَا يَكَادُ يُعَدُّ عَاقِلًا، بَلْ هُوَ إِمَّا مَجْنُونٌ أَوْ مُغَفَّلٌ، وَإِذَا لَمْ تَدَعُ الْحَاجَةُ إِلَى مَا سِوَى الْأَقَلِّ ; وَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّ أَئِمَّةَ اللُّغَةِ نَصُّوا عَلَى امْتِنَاعِ غَيْرِهِ.
стр. 1125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَالَ الزَّجَّاجُ: لَمْ يَأْتِ الِاسْتِثْنَاءُ إِلَّا فِي الْقَلِيلِ مِنَ الْكَثِيرِ. وَقَالَ ابْنُ جِنِّي: لَوْ قَالَ قَائِلٌ: مِائَةٌ إِلَّا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ ; لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَكَانَ كَلَامُهُ عِيًّا وَلُكْنَةً. وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: صُمْتُ الشَّهْرَ كُلَّهُ إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا، وَلَا يُقَالُ صُمْتُهُ إِلَّا تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَيُقَالُ: لَقِيتُ الْقَوْمَ جَمِيعًا إِلَّا وَاحِدًا أَوِ اثْنَيْنِ، وَلَا يُقَالُ: لَقِيتُهُمْ إِلَّا أَكْثَرَهُمْ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَلَا دَعَتْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَلَا سَوَّغَهُ قِيَاسٌ، كَانَ مَرْدُودًا.
أَمَّا الْوُجُوهُ الَّتِي ذُكِرَتْ عَلَى صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ ; فَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ مِنْهَا، وَهُوَ الْآيَتَانِ الْكَرِيمَتَانِ، عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُولَى فِي تَقْرِيرِ الدَّلِيلِ مِنْهَا ; فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الْحِجْرِ: ٤٢] مُنْقَطِعٌ بِمَعْنَى لَكِنَّ، أَيْ: لَكِنَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ هُمْ مَعَكَ فِي جَهَنَّمَ، أَوْ هُمْ مِنْ حِزْبِكَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا، بِدَلِيلِ قَوْلِ إِبْلِيسَ فِي الْآخِرَةِ: ﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٢] .
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ اسْتَثْنَى فِي إِحْدَى الْآيَتَيْنِ الْمُخْلَصِينَ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَهُمُ الْأَقَلُّ، وَفِي الثَّانِيَةِ اسْتَثْنَى الْغَاوِينَ مِنْ جَمِيعِ الْعِبَادِ، وَهُمُ الْأَقَلُّ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٦] ; فَهُمْ غَيرُ غَاوِينَ، وَنِسْبَةُ جَمِيعِ بَنِي آدَمَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ يَسِيرَةٌ فَضْلًا عَنِ الْغَاوِينَ مِنْهُمْ.
стр. 1126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قُلْتُ: وَالْجَوَابَانِ ضَعِيفَانِ، أَمَّا الْأَوَّلُ ; فَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الِاتِّصَالُ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٢] ، أَيْ: بِالْجَبْرِ وَالْقَهْرِ الْقَدَرِيِّ، بَلْ ذَلِكَ لِلَّهِ ، وَذَلِكَ لَا يَنْفِي سُلْطَانَهُ بِالْإِغْوَاءِ وَالْوَسْوَسَةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالسُّلْطَانِ الْمُثْبَتِ لَهُ بِقَوْلِهِ : ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ أَيْ: فَلَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ الْإِغْوَاءِ وَالْوَسْوَسَةِ ; بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٦٤] .
وَأَمَّا الثَّانِي ; فَلِأَنَّ الْمُحَاوَرَةَ إِنَّمَا وَقَعَتْ فِي ذُرِّيَّةِ آدَمَ الَّتِي أُخْرِجَ إِبْلِيسُ بِسَبَبِهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤] ، يَعْنِي بَنِي آدَمَ، ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٥] ، ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] . وَإِذَا كَانَ الْكَلَامُ فِي ذُرِّيَّةِ آدَمَ، لَمْ يَصِحَّ ضَمُّ الْمَلَائِكَةِ إِلَيْهِمْ حَتَّى يَكُونَ الْغَاوُونَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ وَإِلَى بَقِيَّةِ بَنِي آدَمَ قَلِيلًا.
وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ عَنِ الْآيَةِ: هُوَ أَنَّا نَمْنَعُ مِنَ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ إِذَا صَرَّحَ بِعَدَدِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، أَمَّا إِذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ ; فَهُوَ جَائِزٌ بِاتِّفَاقٍ، كَمَا إِذَا قَالَ: خُذْ مَا فِي هَذَا الْكِيسِ مِنَ الدَّرَاهِمِ إِلَّا الزُّيُوفَ، وَكَانَتْ أَكْثَرَ، وَالْآيَةُ مِنْ هَذَا الْبَابِ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهَا بِعَدَدِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، بَلْ قَالَ : (إِنَّ عِبَادِي) ، وَهُوَ مِقْدَارٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، بِخِلَافِ: لَهُ عِنْدِي مِائَةٌ إِلَّا تِسْعِينَ ; فَهَذَا هُوَ الْمَمْنُوعُ.
стр. 1127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنِ الْبَيْتِ الْمَذْكُورِ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ صِيغَةُ اسْتِثْنَاءٍ. وَمَحَلُّ النِّزَاعِ مَشْرُوطٌ بِالتَّصْرِيحِ بِصِيغَةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْعَدَدِ عَلَى أَنَّ ابْنَ فَضَّالٍ النَّحْوِيِّ قَالَ: هَذَا بَيْتٌ مَصْنُوعٌ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ الْعَرَبِ.
وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّالِثِ: أَنَّهُ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ، وَلَوْ سُلِّمَ صِحَّتُهُ ; فَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّخْصِيصِ بِغَيْرِهِ أَنَّ التَّخْصِيصَ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ ; فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَخْصِيصِ الْأَكْثَرِ بِلَفْظٍ مُسْتَقِلٍّ قَوِيٍّ جَوَازُ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ بِلَفْظٍ ضَعِيفٍ غَيْرِ مُسْتَقِلٍّ، ثُمَّ إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ رَافِعٌ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إِخْرَاجٌ بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ ; فَإِنَّهُ مُبِيِّنٌ لَا رَافِعٌ ; فَلَا يَتَحَقَّقُ الْقِيَاسُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
- فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِشُرُوطِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمَذْكُورَةِ:
- أَحَدُهَا: أَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِلِاسْتِثْنَاءِ الِاتِّصَالُ الْمُعْتَادُ فَلَا يَضُرُّ الْفَصْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِسَكْتَةٍ بِنَفَسٍ، أَوْ عَارِضِ سُؤَالٍ أَوْ شَرَقٍ أَوْ نَحْوِهِ ; لِأَنَّ تِلْكَ الْأُمُورَ ضَرُورِيَّةٌ، وَيُشْتَرَطُ لَهُ أَيْضًا أَنْ يَنْوِيَ الِاسْتِثْنَاءَ قَبْلَ تَكْمِيلِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَصُورَتُهُ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا وَاحِدَةً ; يَنْوِي اسْتِثْنَاءَ الْوَاحِدَةِ قَبْلَ
стр. 1128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَرَاغِهِ مِنْ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، أَوْ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا دِرْهَمًا ; يَنْوِي اسْتِثْنَاءَ الدِّرْهَمَ قَبْلَ قَوْلِهِ: عَشَرَةٌ، لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ، كَانَ جَازِمًا بِوُقُوعِ الْمُسْتَثْنَى وُقُوعًا مُسْتَقِرًّا ; فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ رُجُوعًا مَحْضًا عَمَّا أَوْقَعَهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا نَوَاهُ قَبْلَ تَكْمِيلِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ; فَإِنَّهُ يَكُونُ مَنْعًا لِدُخُولِهِ، وَرَفْعًا لَهُ قَبْلَ اسْتِقْرَارِهِ، كَمَا سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.
الْفَرْعُ الثَّانِي: قَدْ بَيَّنَّا مَا يَصِحُّ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ، وَمَا يَبْطُلُ وَثَبَتَ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ ، ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [الْحِجْرِ: ٥٨: ٦٠] ، وَكَقَوْلِ الْقَائِلِ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا خَمْسَةً إِلَّا ثَلَاثَةً إِلَّا دِرْهَمَيْنِ إِلَّا دِرْهَمًا.
فَإِذَا تَخَلَّلَ الِاسْتِثْنَاءَاتِ اسْتِثْنَاءٌ بَاطِلٌ ; فَهَلْ يُلْغَى ذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ الْبَاطِلُ وَمَا بَعْدَهُ ; أَوْ يُلْغَى وَحْدَهُ وَيُرْجَعُ مَا بَعْدَهُ إِلَى مَا قَبْلَهُ ; أَوْ يُنْظَرُ إِلَى مَا تَئُولُ إِلَيْهِ جُمْلَةُ الِاسْتِثْنَاءَاتِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
وَلْنَضْرِبْ أَمْثِلَةً بِأَنْوَاعِ الِاسْتِثْنَاءِ الْبَاطِلِ، وَهِيَ الْمُسْتَغْرِقُ بِاتِّفَاقٍ، وَالْأَكْثَرُ وَالنِّصْفُ عَلَى الْخِلَافِ.
مِثَالُ الْمُسْتَغْرِقِ: قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا عَشَرَةً إِلَّا أَرْبَعَةً إِلَّا وَاحِدًا.
فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: يَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ، وَيَلْغُو قَوْلُهُ: إِلَّا عَشَرَةً ; لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُسْتَغْرِقٌ بَاطِلٌ، وَيَلْغُو قَوْلُهُ: إِلَّا أَرْبَعَةً إِلَّا وَاحِدًا ; لِأَنَّهُ فَرْعٌ عَلَى اسْتِثْنَاءٍ بَاطِلٍ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: يَلْغُو الْمُسْتَغْرِقُ وَحْدَهُ تَخْصِيصًا لِلْبُطْلَانِ بِهِ
стр. 1129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِاخْتِصَاصِهِ بِسَبَبِهِ ; وَهُوَ الِاسْتِغْرَاقُ، وَيَصِيرُ نَظْمُ الْكَلَامِ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا أَرْبَعَةً إِلَّا وَاحِدًا ; فَيَلْزَمُهُ سَبْعَةٌ، سَيَأْتِي بَيَانُ الطَّرِيقِ فِي اسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ: يُنْظَرُ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ جُمْلَةُ الِاسْتِثْنَاءَاتِ الْبَاطِلِ مِنْهَا وَالصَّحِيحِ ; فَيَلْزَمُهُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ ثَلَاثَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
مِثَالُ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ: قَالَ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا أَرْبَعًا إِلَّا وَاحِدًا، فَإِنْ أَبْطَلْنَا اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ:
فَعَلَى الْأَوَّلِ: يَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ، وَيَلْغُو اسْتِثْنَاءُ التِّسْعَةِ وَمَا بَعْدَهُ.
وَعَلَى الثَّانِي: يَلْغُو اسْتِثْنَاءُ التِّسْعَةِ وَحْدَهُ ; فَيَلْزَمُهُ سَبْعَةٌ.
وَعَلَى الثَّالِثِ: يَلْزَمُهُ أَرْبَعَةٌ.
وَإِنْ صَحَّحْنَا اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ، لَزِمَهُ أَرْبَعَةٌ كَالْوَجْهِ الثَّالِثِ عَلَى الْقَوْلِ بِبُطْلَانِهِ.
مِثَالُ اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ: قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ إِلَّا خَمْسَةً إِلَّا اثْنَيْنِ إِلَّا وَاحِدًا، فَإِنْ أَبْطَلْنَا اسْتِثْنَاءَ النِّصْفِ لَزِمَهُ عَلَى الْأَوَّلِ عَشَرَةٌ وَعَلَى الثَّانِي تِسْعَةٌ، وَعَلَى الثَّالِثِ سِتَّةٌ، وَإِنْ صَحَّحْنَاهُ، لَزِمَهُ سِتَّةٌ أَيْضًا، كَالْوَجْهِ الثَّالِثِ عَلَى الْقَوْلِ بِبُطْلَانِهِ.
وَقَدْ تَتَرَكَّبُ الِاسْتِثْنَاءَاتُ بِأَنْ تَشْتَمِلَ عَلَى الْمُسْتَغْرِقِ وَالْأَكْثَرِ وَالنِّصْفِ، كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا عَشَرَةً إِلَّا ثَمَانِيَةً إِلَّا أَرْبَعَةً، فَإِنْ أَلْغَيْنَا الثَّلَاثَةَ، لَزِمَهُ
стр. 1130
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هَاهُنَا عَشَرَةٌ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَلْغَيْنَا الْمُسْتَغْرِقَ وَمَا تَفَرَّعَ عَلَيْهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ أَلْغَيْنَا الْمُسْتَغْرِقَ وَحْدَهُ، لَزِمَهُ سِتَّةٌ، وَإِنْ نَظَرْنَا إِلَى مَا يَئُولُ إِلَيْهِ جُمْلَةُ الِاسْتِثْنَاءَاتِ، لَزِمَهُ أَرْبَعَةٌ، وَإِنْ أَلْغَيْنَا الْمُسْتَغْرِقَ وَالْأَكْثَرَ فَقَطْ، وَصَحَّحْنَا النِّصْفَ ; فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ، وَعَلَى الثَّانِي سِتَّةٌ، وَعَلَى الثَّالِثِ أَرْبَعَةٌ، وَإِنْ أَلْغَيْنَا الْمُسْتَغْرِقَ وَالنِّصْفَ، وَصَحَّحْنَا الْأَكْثَرَ، وَهُوَ بَعِيدٌ فِي الْقِيَاسِ، لَكِنَّا فَرَضْنَاهُ تَصْوِيرًا ; فَعَلَى الْأَوَّلِ يَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ، وَعَلَى الثَّانِي اثْنَانِ، وَعَلَى الثَّالِثِ أَرْبَعَةٌ كَمَا سَبَقَ. وَالطَّرِيقُ الْعَامُّ فِي اسْتِخْرَاجِ الْبَاقِي عِنْدَ تَكَرُّرِ الِاسْتِثْنَاءَاتِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ، وَمِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ.
فَنَقُولُ: فِي الصُّورَةِ الْأُولَى مِنْ صُوَرِ هَذَا الْفَرْعِ، وَهِيَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا عَشَرَةً إِلَّا أَرْبَعَةً إِلَّا وَاحِدًا، أَثْبَتَ عَشَرَةً ثُمَّ نَفَاهَا، ثُمَّ أَثْبَتَ مِنَ الْعَشَرَةِ الْمَنْفِيَّةِ أَرْبَعَةً، ثُمَّ نَفَى مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ الْمُثْبَتَةِ وَاحِدًا ; فَبَقِيَ ثَلَاثَةٌ، لَكِنْ عِنْدَ كَثْرَةِ الِاسْتِثْنَاءَاتِ يَصْعُبُ سُلُوكُ هَذَا الطَّرِيقِ، وَيَشُقُّ ضَبْطُهُ ; فَلَكَ فِيهِ طَرِيقَانِ سَهْلَانِ جِدًّا:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَأْخُذَ شَفْعَ الْأَعْدَادِ وَوِتْرَهَا، وَتَعْرِفَ مِقْدَارَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَتُلْقِيَ أَقَلَّهَا مِنْ أَكْثَرِهَا ; فَمَا بَقِيَ ; فَهُوَ الْجَوَابُ.
وَضَبْطُ هَذَا بِالشَّفْعِ وَالْوِتْرِ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الِاسْتِثْنَاءَاتِ اسْتِثْنَاءٌ مُسْتَغْرِقٌ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا اسْتِثْنَاءٌ مُسْتَغْرِقٌ كَالصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ ; فَضَبْطُهُ أَنْ تَأْخُذَ
стр. 1131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْأَعْدَادَ الْمُثْبَتَةَ ; فَتَعْرِفَ جُمْلَتَهَا، ثُمَّ الْمَنْفِيَّةَ كَذَلِكَ، ثُمَّ تُلْقِي أَقَلَّهَا مِنْ أَكْثَرِهَا ; فَالْبَاقِي هُوَ الْجَوَابُ.
وَيُعْرَفُ الْعَدَدُ الْمُثْبَتُ مِنَ الْمَنْفِيِّ بِأَنْ تَبْتَدِئَ بِالْأَوَّلِ، ثُمَّ تَأْخُذَ الْعَدَدَ الثَّانِيَ مِنْهُ، لَا الَّذِي بَعْدَهُ يَلِيهِ، ثُمَّ الثَّانِيَ مِنْ ذَلِكَ الْعَدَدِ، كَذَلِكَ، حَتَّى تَأْتِيَ عَلَى جَمِيعِ الِاسْتِثْنَاءَاتِ.
مِثَالُهُ: فِي قَوْلِنَا: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا عَشَرَةً إِلَّا أَرْبَعَةً إِلَّا وَاحِدًا، أَنْ تَأْخُذَ الْعَشَرَةَ وَالْأَرْبَعَةَ ; فَهُمَا شَفْعَانِ مُثْبَتَانِ، وَذَلِكَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، وَتَأْخُذُ الْعَشَرَةَ الثَّانِيَةَ وَالْوَاحِدَ، وَهُمَا مَنْفِيَّانِ، وَذَلِكَ أَحَدَ عَشَرَ ; فَتُلْقِيَهَا مِنَ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ، يَبْقَى ثَلَاثَةٌ كَمَا سَبَقَ.
وَلَوِ اعْتَبَرْتَهُ هَاهُنَا بِالشَّفْعِ وَالْوِتْرِ، لَمْ يَصِحَّ إِذْ لَيْسَ مَعَكَ وِتْرٌ إِلَّا الْوَاحِدَ، وَالشَّفْعُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، تُلْقِي مِنْهَا الْوَاحِدَ، يَبْقَى ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْحَقِّ، وَإِنَّمَا جَاءَ ذَلِكَ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُسْتَغْرِقِ لِأَنَّهُ شَفْعٌ بَعْدَ شَفْعٍ، وَكَذَا لَوْ كَانَ وِتْرًا بَعْدَ وِتْرٍ، نَحْوَ: تِسْعَةٌ إِلَّا تِسْعَةً إِلَّا أَرْبَعَةً إِلَّا وَاحِدًا ; فَبِطَرِيقِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، تَأْخُذُ التِّسْعَةَ الْأُولَى وَالْأَرْبَعَةَ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَالتِّسْعَةَ الثَّانِيَةَ وَالْوَاحِدَ، وَذَلِكَ عَشَرَةُ، تُلْقِيهَا مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَبْقَى ثَلَاثَةٌ، وَبِطَرِيقِ الزَّوْجِ وَالْفَرْدِ تَحْتَاجُ أَنْ تُلْقِيَ الْأَرْبَعَةَ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ، يَبْقَى خَمْسَةَ عَشَرَ، وَلَيْسَ بِالصَّوَابِ.
فَبِالْجُمْلَةِ طَرِيقُ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ أَعَمُّ، وَهِيَ الْأَصْلُ، وَطَرِيقُ الزَّوْجِ وَالْفَرْدِ تَصِحُّ لِخُصُوصِ الْمَادَّةِ غَالِبًا، بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ اسْتِثْنَاءٌ مُسْتَغْرِقٌ ; لِأَنَّهُ يَكُونُ اسْتِثْنَاءً مُسَاوِيًا لِمَا قَبْلَهُ فِي الزَّوْجِيَّةِ وَالْفَرْدِيَّةِ ; فَيَخْتَلُّ الْعَمَلُ.
стр. 1132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنْ تُلْقِيَ آخِرَ الِاسْتِثْنَاءَاتِ مِمَّا قَبْلَهُ، ثُمَّ الْبَاقِيَ مِنْهُ مِمَّا قَبْلَهُ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ تَصِلَ إِلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَوَّلًا ; فَمَا بَقِيَ ; فَهُوَ الْجَوَابُ.
وَلْنَضْرِبْ لِذَلِكَ أَمْثِلَةً، وَنَسْتَخْرِجْهَا بِالطَّرِيقَيْنِ تَحْصِيلًا لِضَرْبٍ مِنَ الدُّرْبَةِ: فَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا تِسْعَةً إِلَّا ثَمَانِيَةً إِلَّا سَبْعَةً إِلَّا سِتَّةً إِلَّا خَمْسَةً إِلَّا أَرْبَعَةً إِلَّا ثَلَاثَةً إِلَّا اثْنَيْنِ إِلَّا وَاحِدًا ; فَبِطَرِيقِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، أَوِ الزَّوْجِ وَالْفَرْدِ، تَأْخُذُ الْعَشَرَةَ وَالثَّمَانِيَةَ وَالسِّتَّةَ وَالْأَرْبَعَةَ وَالِاثْنَيْنِ، وَهِيَ الْأَعْدَادُ الشَّفْعُ الْمُثْبَتَةُ، وَجُمْلَتُهَا ثَلَاثُونَ، وَتَأْخُذُ التِّسْعَةَ وَالسَّبْعَةَ وَالْخَمْسَةَ وَالثَّلَاثَةَ وَالْوَاحِدَ، وَهِيَ الْأَعْدَادُ الْوِتْرُ الْمَنْفِيَّةُ، وَجُمْلَتُهَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، تُلْقِيهَا مِنَ الثَّلَاثِينَ، يَبْقَى خَمْسَةٌ وَهُوَ الْجَوَابُ.
وَبِطَرِيقِ التَّرَقِّي مِنْ آخِرِ الِاسْتِثْنَاءَاتِ إِلَى أَوَّلِهَا ; تُلْقِي الْوَاحِدَ مِنْ الِاثْنَيْنِ، يَبْقَى وَاحِدٌ، تُلْقِيهِ مِنَ الثَّلَاثَةِ قَبْلَهُ يَبْقَى اثْنَانِ، تُلْقِيهِمَا مِنَ الْأَرْبَعَةِ قَبْلَهُمَا، يَبْقَى اثْنَانِ، تُلْقِيهُمَا مِنَ الْخَمْسَةِ، يَبْقَى ثَلَاثَةٌ، تُلْقِيهَا مِنَ السِّتَّةِ، تَبْقَى ثَلَاثَةٌ، تُلْقِيهَا مِنَ السَّبْعَةِ، يَبْقَى أَرْبَعَةٌ، تُلْقِيهَا مِنَ الثَّمَانِيَةِ، يَبْقَى أَرْبَعَةٌ، تُلْقِيهَا مِنَ التِّسْعَةِ، يَبْقَى خَمْسَةٌ، تُلْقِيهَا مِنَ الْعَشَرَةِ، يَبْقَى خَمْسَةٌ، كَالْجَوَابِ بِالطَّرِيقِ الْأَوَّلِ.
стр. 1133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا سَبْعَةً إِلَّا أَرْبَعَةً إِلَّا وَاحِدًا ; فَبِطَرِيقِ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ، خُذِ الْعَشَرَةَ وَالْأَرْبَعَةَ تَكُنْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، وَخُذِ السَّبْعَةَ وَالْوَاحِدَ تَكُنْ ثَمَانِيَةً، أَسْقِطْهَا مِنْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، يَبْقَ سِتَّةٌ.
وَبِالطَّرِيقِ الْآخَرِ: أَسْقِطِ الْوَاحِدَ مِنَ الْأَرْبَعَةِ قَبْلَهُ، يَبْقَ ثَلَاثَةٌ، أَسْقِطْهَا مِنَ السَّبْعَةِ قَبْلَهَا، يَبْقَ أَرْبَعَةٌ، أَسْقِطْهَا مِنَ الْعَشَرَةِ، يَبْقَ سِتَّةٌ، كَالْجَوَابِ الْأَوَّلِ.
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا ثَمَانِيَةً إِلَّا خَمْسَةً إِلَّا ثَلَاثَةً إِلَّا وَاحِدًا ; فَبِطَرِيقِ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ خُذِ الْعَشَرَةَ وَالْخَمْسَةَ وَالْوَاحِدَ تَكُنْ سِتَّةَ عَشَرَ، وَخُذِ الثَّمَانِيَةَ وَالثَّلَاثَةَ تَكُنْ أَحَدَ عَشَرَ، أَسْقِطْهَا مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ، يَبْقَ خَمْسَةٌ.
وَبِالطَّرِيقِ الْآخَرِ: أَسْقِطِ الْوَاحِدَ مِنَ الثَّلَاثَةِ قَبْلَهُ، يَبْقَ اثْنَانِ، أَسْقِطْهُمَا مِنَ الْخَمْسَةِ، يَبْقَ ثَلَاثَةٌ أَسْقِطْهَا مِنَ الثَّمَانِيَةِ، يَبْقَ خَمْسَةٌ، أَسْقِطْهَا مِنَ الْعَشَرَةِ، يَبْقَ خَمْسَةٌ، كَالْجَوَابِ الْأَوَّلِ.
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا سَبْعَةً إِلَّا سِتَّةً إِلَّا خَمْسَةً إِلَّا أَرْبَعَةً إِلَّا اثْنَيْنِ إِلَّا وَاحِدًا ; فَبِطَرِيقِ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ، اجْمَعِ الْعَشَرَةَ وَالسِّتَّةَ وَالْأَرْبَعَةَ وَالْوَاحِدَ يَكُنْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَاجْمَعِ السَّبْعَةَ وَالْخَمْسَةَ وَالِاثْنَيْنِ يَكُنْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، أَسْقِطْهَا مِنْ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ، يَبْقَ سَبْعَةٌ.
وَبِالطَّرِيقِ الْآخَرِ: أَلْقِ وَاحِدًا مِنَ اثْنَيْنِ، يَبْقَ وَاحِدًا، أَلْقِهِ مِنَ الْأَرْبَعَةِ قَبْلَهُ، يَبْقَ ثَلَاثَةٌ، أَلْقِهَا مِنَ الْخَمْسَةِ قَبْلَهَا، يَبْقَ اثْنَانِ، أَلْقِهِمَا مِنَ السِّتَّةِ، يَبْقَ
стр. 1134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَرْبَعَةٌ، أَلْقِهَا مِنَ السَّبْعَةِ، يَبْقَ ثَلَاثَةٌ، أَلْقِهَا مِنَ الْعَشَرَةِ، يَبْقَ سَبْعَةٌ كَالْجَوَابِ الْأَوَّلِ، وَعَلَى هَذَا قِيَاسُ الْبَابِ.
الْفَرْعُ الثَّالِثِ: إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إِلَّا وَاحِدَةً، أَوِ اثْنَتَيْنِ إِلَّا اثْنَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا ; فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُسْتَغْرِقٌ بَاطِلٌ. وَإِنْ قَالَ: طَلْقَتَيْنِ إِلَّا طَلْقَةً، خَرَجَ عَلَى اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ، وَإِنْ قَالَ: ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ، خَرَجَ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ، وَإِنْ قَالَ: طَلْقَةً إِلَّا نِصْفَ طَلْقَةٍ، أَوْ ثَلَاثًا إِلَّا طَلْقَةً وَنِصْفًا، احْتَمَلَ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَقَعَ فِي الْأُولَى وَاحِدَةٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ اثْنَتَانِ ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتَبَعَّضُ فِي إِيقَاعِهِ وَلَا فِي رَفْعِهِ.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ خَمْسًا إِلَّا ثَلَاثَةً ; فَهَلْ تُطَلَّقُ ثَلَاثًا أَوِ اثْنَتَيْنِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَصْلُهُمَا أَنَّهُ إِذَا أَوْقَعَ مِنَ الطَّلَاقِ أَكْثَرَ مِمَّا يَمْلِكُ وَاسْتَثْنَى مِنْهُ ; فَهَلْ يَرْجِعُ الِاسْتِثْنَاءُ إِلَى مَا يَمْلِكُهُ ; فَيَكُونُ هَاهُنَا مُسْتَغْرِقًا بَاطِلًا ; فَتَقَعُ الثَّلَاثُ، أَوْ إِلَى مَا أَوْقَعَهُ وَهُوَ هَاهُنَا خَمْسٌ اسْتَثْنَى مِنْهَا ثَلَاثًا يَبْقَى اثْنَتَانِ؟ وَعَلَى هَذَا، لَوْ قَالَ: أَرْبَعٌ إِلَّا وَاحِدَةً، هَلْ يَقَعُ ثَلَاثٌ أَوِ اثْنَتَانِ، وَلَوْ قَالَ: أَرْبَعٌ إِلَّا ثَلَاثًا، هَلْ يَقَعُ وَاحِدَةٌ أَوْ ثَلَاثٌ؟ وَالْأَشْبَهُ رُجُوعُ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى مَا يَمْلِكُهُ فَقَطْ ; لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهِ لَا يَمْلِكُ إِيقَاعَهُ، وَصِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ مُتَفَرِّعٌ عَلَى صِحَّةِ الْإِيقَاعِ، وَالنِّزَاعُ هَاهُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى مُلَاحَظَةِ الْحُكْمِ تَارَةً وَاللَّفْظِ أُخْرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 1135
وَإِذَا تَعَقَّبَ الِاسْتِثْنَاءُ جُمَلًا نَحْوَ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النُّورِ: ٤] ، إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النُّورِ: ٥] ، وَكَقَوْلِهِ ﷺ : «لَا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يُجْلَسْ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» . عَادَ إِلَى الْكُلِّ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَإِلَى الْأَخِيرَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَتَوَقَّفَ الْمُرْتَضَى تَوَقُّفًا اشْتِرَاكِيًّا، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْغَزَالِيُّ تَوَقُّفًا عَارِضِيًّا.
لَنَا: الْعَطْفُ يُوجِبُ اتِّحَادَ الْجُمَلِ مَعْنًى ; فَعَادَ إِلَى الْكُلِّ، كَمَا لَوِ اتَّحَدَ لَفْظًا، وَلِأَنَّ تَكْرِيرَ الِاسْتِثْنَاءِ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ عِيٌّ قَبِيحٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ ; فَمُقْتَضَى الْفَصَاحَةِ الْعَوْدُ إِلَى الْكُلِّ، وَلِأَنَّ الشَّرْطَ يَعُودُ إِلَى الْكُلِّ نَحْوَ: نِسَائِي طَوَالِقُ، وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ إِنْ كَلَّمْتُ زَيْدًا ; فَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ بِجَامِعِ افْتِقَارِهِمَا إِلَى مُتَعَلِّقٍ، وَلِهَذَا يُسَمَّى التَّعْلِيقُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى اسْتِثْنَاءً، لَا يُقَالُ: رُتْبَةُ الشَّرْطِ التَّقْدِيمُ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ ; لِأَنَّا نَقُولُ عَقْلًا لَا لُغَةً. ثُمَّ الْكَلَامُ فِيمَا إِذَا تَأَخَّرَ وَلَا فَرْقَ ; ثُمَّ يَلْزَمُكُمْ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْأَوْلَى فَقَطْ مُطْلَقًا، أَوْ إِذَا تَقَدَّمَ وَهُوَ بَاطِلٌ.
قَالُوا: تَفَاصَلَتِ الْجُمَلُ بِالْعَاطِفِ، أَشْبَهَ الْفَصْلَ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ، وَتَعَلُّقُ الِاسْتِثْنَاءِ ضَرُورِيٌّ ; فَانْدَفَعَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَالْمُرَجِّحُ الْقُرْبُ كَإِعْمَالِ أَقْرَبِ الْعَامِلَيْنِ، وَعَوْدُهُ إِلَى الْكُلِّ مَشْكُوكٌ ; فَلَا يُرْفَعُ الْعُمُومُ الْمُتَيَقَّنُ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْعَطْفَ بِوَاوِ الْجَمْعِ يُوجِبُ اتِّحَادًا مَعْنَوِيًّا، وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ دُونَ التَّفَاصُلِ اللَّفْظِيِّ. وَتَعَلُّقُ الِاسْتِثْنَاءِ بِمَا قَبْلَهُ لِصَلَاحِيَتِهِ لَهُ لَا ضَرُورَةً. وَإِعْمَالُ أَقْرَبِ الْعَامِلَيْنِ بَصَرِيٌّ مُعَارَضٌ بِعَكْسِهِ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ. وَتَيَقُّنُ الْعُمُومِ قَبْلَ تَمَامِ الْكَلَامِ مَمْنُوعٌ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ بِالِاسْتِثْنَاءِ.
الْمُرْتَضَى: اسْتُعْمِلَ فِي اللُّغَةِ عَائِدًا إِلَى الْكُلِّ، وَإِلَى الْبَعْضِ، وَالْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ، وَقِيَاسًا عَلَى الْحَالِ وَالظَّرْفَيْنِ.
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1136
الْقَاضِي: تَعَارَضَتِ الْأَدِلَّةُ فَيُطْلَبُ الْمُرَجِّحُ الْخَارِجِيُّ.
ــ
قَوْلُهُ: وَإِذَا تَعَقَّبَ الِاسْتِثْنَاءُ جُمَلًا «، أَيْ: وَقَعَ الِاسْتِثْنَاءُ عَقِيبَ جُمَلٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النُّورِ: ٤، ٥] ،» وَكَقَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَجْلِسْ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» . عَادَ الِاسْتِثْنَاءُ «إِلَى الْكُلِّ» ، أَيْ: إِلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَهُ؛ مَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ مِنْ عَوْدِهِ إِلَى بَعْضِهَا «عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ» ، «وَإِلَى» الْجُمْلَةِ «الْأَخِيرَةِ» خَاصَّةً «عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَتَوَقَّفَ الْمُرْتَضَى» مِنَ الشِّيعَةِ «تَوَقُّفًا اشْتِرَاكِيًّا» ، أَيْ: يَصْلُحُ رُجُوعُ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ وَإِلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى جِهَةِ الِاشْتِرَاكِ وَالتَّسَاوِي، وَلَا رُجْحَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، كَمَا يَصْلُحُ لَفْظُ الْقُرْءِ لِلْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، وَلَفْظُ الْعَيْنِ لِمُسَمَّيَاتِهِ. وَتَوَقَّفَ «الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْغَزَالِيُّ تَوَقُّفًا عَارِضِيًّا» ، أَيْ: لِتَعَارُضِ الدَّلِيلِ فِي كَوْنِهِ يَخْتَصُّ بِالْأَخِيرَةِ، أَوْ يَرْجِعُ إِلَى الْجَمِيعِ، لَا لِكَوْنِهِ صَالِحًا لِلرُّجُوعِ إِلَيْهِمَا بِالِاشْتِرَاكِ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: (إِنْ ظَهَرَ) أَنَّ «الْوَاوَ» لِلِابْتِدَاءِ، كَقَوْلِهِ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَالنُّحَاةُ الْبَصْرِيُّونَ إِلَّا الْبَغَادِدَةَ، اخْتَصَّ بِالْأَخِيرَةِ، وَإِنْ تَرَدَّدَتْ بَيْنَ الْعَطْفِ
стр. 1137
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالِابْتِدَاءِ ; فَالْوَقْفُ.
قُلْتُ: التَّحْقِيقُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي الْكَلَامِ قَرِينَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ أَوْ لَفْظِيَّةٌ تَدُلُّ عَلَى مَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ الِاسْتِثْنَاءُ ; تَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهَا، وَإِلَّا فَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ.
مِثَالُ الْقَرِينَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ قَوْلُهُ: نِسَائِي طَوَالِقُ وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ وَخَيْلِي وَقْفٌ إِلَّا الْحُيَّضَ ; فَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى الْجُمْلَةِ الْأَوْلَى بِقَرِينَةِ الْحَيْضِ الْمُخْتَصِّ بِالنِّسَاءِ، وَلَوْ قَالَ: إِلَّا الزِّنْجِيِّينَ أَوِ الْهِنْدِيِّينَ، أَوِ الْحُبْشَانَ، اخْتَصَّ بِالثَّانِيَةِ ; لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي الْعُرْفِ مُخْتَصَّةٌ بِالْعَبِيدِ، وَلَوْ قَالَ: إِلَّا الدُّهْمَ أَوِ الْعِرَابَ، اخْتَصَّ بِالْأَخِيرَةِ ; لِأَنَّ هَذِهِ صِفَاتُ الْخَيْلِ عُرْفًا.
وَمِثَالُ اللَّفْظِيَّةِ مَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ مِنْ ظُهُورِ الِابْتِدَاءِ فِي الْوَاوِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ كَثِيرٌ.
قَوْلُهُ: «لَنَا: الْعَطْفُ يُوجِبُ اتِّحَادَ الْجُمَلِ» إِلَى آخِرِهِ.
هَذَا حُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِرُجُوعِ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ، وَهُوَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْعَطْفَ بِالْوَاوِ يُوجِبُ اتِّحَادَ الْجُمَلِ فِي الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ ; فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُتَعَقِّبُ لَهَا عَائِدًا إِلَى جَمِيعِهَا، كَمَا لَوِ اتَّحَدَتْ لَفْظًا إِذْ لَا فَرْقَ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ قَوْلِهِ: اضْرِبْ مَنْ قَتَلَ وَسَرَقَ إِلَّا مَنْ تَابَ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: اضْرِبِ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ هُمْ قَتَلَةٌ وَسُرَّاقٌ إِلَّا مَنْ تَابَ ; فَكَمَا يَرْجِعُ
стр. 1138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الِاسْتِثْنَاءُ هَاهُنَا إِلَى الْجَمِيعِ ; فَكَذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى الَّذِي قَبْلَهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ «تَكْرِيرَ الِاسْتِثْنَاءِ عَقِيبَ كُلِّ جُمْلَةٍ عِيٌّ قَبِيحٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ» ، إِذْ لَا يَجُوزُ فِي لِسَانِ الْفُصَحَاءِ أَنْ يُقَالَ: فَاجْلِدُوهُمْ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا، وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا، وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا.
وَحَيْثُ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ; فَمُقْتَضَى الْفَصَاحَةِ أَنْ يَعُودَ الِاسْتِثْنَاءُ إِلَى الْكُلِّ لِصَلَاحِيَتِهِ لَهُ، وَإِلَّا لَمْ يُقَبَّحِ التَّكْرَارُ الْمَذْكُورُ، بَلْ كَانَ يَتَعَيَّنُ فِيمَا إِذَا أُرِيدَ رُجُوعُ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الشَّرْطَ يَعُودُ إِلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ قَبْلَهُ، «نَحْوَ: نِسَائِي طَوَالِقُ، وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ إِنْ كَلَّمْتُ زَيْدًا» ; فَيَكُونُ تَكْلِيمُهُ زَيْدًا شَرْطًا فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ جَمِيعًا ; فَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ مِثْلُهُ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا افْتِقَارُ كُلٍّ مِنْهُمَا إِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ; فَالشَّرْطُ يَتَعَلَّقُ بِمَشْرُوطِهِ، وَلَا يَسْتَقِلُّ بِدُونِهِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَلَا يَسْتَقِلُّ بِدُونِهِ، «وَلِهَذَا» أَيْ: لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّعَلُّقِ، وَعَدَمِ الِاسْتِقْلَالِ «يُسَمَّى التَّعْلِيقُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى اسْتِثْنَاءً» كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ، وَالْإِيمَانِ، وَالطَّلَاقِ، نَحْوِ: وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ هَذَا الِاشْتِرَاكَ الْخَاصَّ، وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي رُجُوعِ كُلٍّ مِنْهُمَا إِلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ قَبْلَهُ.
стр. 1139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- قَوْلُهُ: «لَا يُقَالُ: رُتْبَةُ الشَّرْطِ التَّقْدِيمُ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ» .
هَذَا قَدْحٌ مِنَ الْخَصْمِ فِي قِيَاسِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَىِ الشَّرْطِ فِي رُجُوعِهِ إِلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ، وَذَلِكَ بِبَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.
وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: الشَّرْطُ رُتْبَتُهُ التَّقْدِيمُ حُكْمًا ; لِأَنَّ وَجُودَهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ وُجُودِ الْمَشْرُوطِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَفْظُهُ مُقَدَّمًا، نَحْوَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ ; فَأَنْتِ طَالِقٌ، لِيُطَابِقَ اللَّفْظُ الْحُكْمَ وَالْوَضْعُ الطَّبْعَ، فَإِذَا تَأَخَّرَ لَفْظُهُ عَنِ الْجُمَلِ، تَعَلَّقَ بِجَمِيعِهَا ; لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي التَّقَدُّمِ ; فَهُوَ وَإِنْ تَأَخَّرَ لَفْظًا ; فَهُوَ مُتَقَدِّمٌ حُكْمًا ; فَتَعَلَّقَ بِمَا يَلِيهِ مِنْ جِهَةِ لَفْظِهِ، وَبِمَا قَبْلَهُ مِنْ جِهَةِ حُكْمِهِ.
وَشَبِيهٌ بِذَلِكَ مَا يَذْكُرُهُ النَّحْوِيُّونَ فِي تَقْدِيمِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ، نَحْوُ: ضَرَبَ غُلَامَهُ زِيدٌ، وَضَرَبَ غُلَامُهُ زَيْدًا، حَيْثُ صَحَّتِ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ، وَلَا كَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ ; فَإِنَّهُ تَابِعٌ مُتَأَخِّرٌ لَفْظًا وَحُكْمًا، لَا حَقَّ لَهُ فِي التَّقْدِيمِ حَتَّى يَقْوَى بِذَلِكَ عَلَى رُجُوعِهِ إِلَى أَوَّلِ الْجُمَلِ ; فَبَانَ بِذَلِكَ الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ.
- قَوْلُهُ: «لِأَنَّا نَقُولُ عَقْلًا لَا لُغَةً» ، هَذَا جَوَابٌ عَنِ الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُمْ: رُتْبَةُ الشَّرْطِ التَّقْدِيمُ.
قُلْنَا: فِي الْعَقْلِ لَا فِي اللُّغَةِ، وَكَلَامُنَا فِي بَحْثٍ لُغَوِيٍّ لَا عَقْلِيٍّ، وَلَا يَلْزَمُ
стр. 1140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْ تَوَقُّفِ الْمَشْرُوطِ عَلَى الشَّرْطِ وَلُزُومِ تَقَدُّمِهِ عَقْلًا أَنْ لَا يُسَاوِيَهُ الِاسْتِثْنَاءُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ كَلَامَنَا فِيمَا إِذَا تَأَخَّرَ الشَّرْطُ، وَحِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْجُمَلِ، وَمَا ذُكِرَ مِنَ اسْتِحْقَاقِهِ التَّقَدُّمَ أَمْرٌ عَقْلِيٌّ لَا اعْتِبَارَ بِهِ هَاهُنَا ; فَلَا فَرْقَ إِذَنْ بَيْنَ قَوْلِهِ: نِسَائِي طَوَالِقُ وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ إِنْ كَلَّمْتُ زَيْدًا، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: نِسَائِي طَوَالِقُ وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ إِلَّا أَنْ أُكَلِّمَ زَيْدًا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ عَلَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الْفَرْقِ، يَلْزَمُكُمْ أَنْ يَتَعَلَّقَ الشَّرْطُ بِالْجُمْلَةِ الْأُولَى فَقَطْ ; إِمَّا مُطْلَقًا سَوَاءٌ تَقَدَّمَ لَفْظُهُ، أَوْ تَأَخَّرَ نَظَرًا إِلَى اسْتِحْقَاقِهِ التَّقْدِيمَ حُكْمًا، أَوْ إِذَا تَقَدَّمَ لَفْظُهُ، نَحْوُ: إِنْ كَلَّمْتُ زَيْدًا ; فَنِسَائِي طَوَالِقُ، وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ ; فَيُعْتَقُ عَبِيدُهُ فِي الْحَالِ، وَيَتَوَقَّفُ طَلَاقُ نِسَائِهِ عَلَى تَكْلِيمِهِ زَيْدًا، لَكِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الشَّرْطِ لِلتَّقْدِيمِ حُكْمًا لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ، وَحِينَئِذٍ يَسْتَوِي الشَّرْطُ وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي تَعَلُّقِهِمَا بِجَمِيعِ الْجُمَلِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَهُمَا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
- قَوْلُهُ: «قَالُوا: تَفَاصَلَتِ الْجُمَلُ بِالْعَاطِفِ» ، إِلَى آخِرِهِ.
стр. 1141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هَذِهِ حُجَّةُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى اخْتِصَاصِ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ، وَتَقْرِيرُهَا مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْجُمَلَ تَفَاصَلَتْ بِالْعَاطِفِ، أَيْ: وَقَعَ الْفَصْلُ بَيْنَ كُلِّ جُمْلَتَيْنِ مِنْهَا بِحَرْفِ الْعَطْفِ ; فَأَشْبَهَ الْفَصْلَ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ، وَلَوْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ، لَمْ يَعُدْ الِاسْتِثْنَاءُ إِلَى الْجَمِيعِ ; فَكَذَا مَا أَشْبَهَهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ تَعَلُّقَ الِاسْتِثْنَاءِ بِمَا قَبْلَهُ ضَرُورِيٌّ، أَيْ: لِضَرُورَةِ عَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ بِنَفْسِهِ، وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَعَلُّقِهِ بِجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ ; فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَعَلُّقِهِ بِغَيْرِهَا لِخُرُوجِهِ عَنْ مَحَلِّ الضَّرُورَةِ، وَالْمُرَجِّحُ لِلْأَخِيرَةِ عَلَى سَائِرِ الْجُمَلِ قُرْبُهَا مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ، وَلِلْقُرْبِ تَأْثِيرٌ فِي التَّرْجِيحِ كَإِعْمَالِ أَقْرَبِ الْعَامِلَيْنِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، نَحْوُ: ضَرَبْتُ وَضَرَبَنِي زَيْدٌ، وَسَبَبْتُ وَسَبَّنِي بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ وَ:
جَرَى فَوْقَهَا وَاسْتَشْعَرَتْ لَوْنَ مُذْهَبِ
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْعُمُومَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْجُمَلِ مُتَيَقَّنٌ، وَعَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَشْكُوكٌ فِيهِ ; فَلَا يُرْفَعُ الْعُمُومُ الْمُتَيَقَّنُ بِالشَّكِّ، وَإِنَّمَا
стр. 1142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَفَعْنَا عُمُومَ الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ ضَرُورَةَ تَعَلُّقِ الِاسْتِثْنَاءِ بِغَيْرِهِ، وَعَدَمَ اسْتِقْلَالِهِ بِدُونِهِ فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَخْتَصُّ بِالْأَخِيرَةِ دُونَ غَيْرِهَا.
- قَوْلُهُ: «وَأُجِيبَ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابٌ عَنِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ:
أَمَّا عَنِ الْأَوَّلِ ; فَقَوْلُهُمْ «تَفَاصَلَتِ الْجُمَلُ بِالْعَاطِفِ أَشْبَهَ الْفَصْلَ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ» .
قُلْنَا: «قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْعَطْفَ بِوَاوِ الْجَمْعِ يُوجِبُ اتِّحَادًا مَعْنَوِيًّا» ، وَلِهَذَا قُدِّرَتِ التَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ، نَحْوُ: الزَّيْدَانِ وَالزَّيْدُونَ بِالْعَطْفِ، نَحْوُ: قَامَ زَيْدٌ وَزَيْدٌ وَزَيْدٌ، وَشِبْهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: قَامُوا، فَوَاوُ الْعَطْفِ، وَالْجَمْعُ، وَالضَّمِيرُ الْمُتَّصِلُ بِالْفِعْلِ أَشْبَاهٌ، وَالْمُعْتَبَرُ هَاهُنَا هُوَ الِاتِّحَادُ الْمَعْنَوِيُّ، «دُونَ التَّفَاصُلِ اللَّفْظِيِّ» وَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْجُمَلُ كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ، لِرَبْطِ الْوَاوِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْجَمْعِ بَيْنَهَا ; فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعًا إِلَى الْجَمِيعِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي ; فَقَوْلُهُمْ: «تَعَلُّقُ الِاسْتِثْنَاءِ ضَرُورِيٌّ ; فَانْدَفِعْ بِمَا ذَكَرْنَاهُ» .
قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَعَلُّقَ الِاسْتِثْنَاءِ بِمَا قَبْلَهُ لِلضَّرُورَةِ، بَلْ لِصَلَاحِيَةِ مَا قَبْلَهُ لِتَعَلُّقِهِ بِهِ، وَسَائِرِ الْجُمَلِ صَالِحٌ لِتَعَلُّقِ الِاسْتِثْنَاءِ بِهِ، مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ تَعَلُّقِهِ بِبَعْضِهَا مَانِعٌ خَاصٌّ، كَقَوْلِهِ : ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النِّسَاءِ: ٩٢] ; فَهَذَا الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ إِلَى
стр. 1143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الدِّيَةِ، لَا إِلَى التَّحْرِيرِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَقِّ الْوَرَثَةِ حَتَّى يَصَّدَّقُوا بِهِ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ، اخْتَصَّ بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ ; لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ، وَمِنَ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ ; فَلَوْ عَادَ إِلَى جَمِيعِ مَا قَبْلَهُ، لَزِمَ اسْتِثْنَاءُ النَّفْيِ مِنَ النَّفْيِ، أَوِ الْإِثْبَاتِ مِنَ الْإِثْبَاتِ، ثُمَّ مَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ كَمَا سَبَقَ، وَبِالصِّفَةِ، نَحْوُ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ، وَبَنِي أَسَدٍ الطِّوَالَ ; فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الْجُمَلِ، مَعَ أَنَّ ضَرُورَةَ التَّعَلُّقِ تَنْدَفِعُ بِتَعَلُّقِهِ بِالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ.
وَأَمَّا تَرْجِيحُهُمُ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ بِالْقُرْبِ، قِيَاسًا عَلَى إِعْمَالِ أَقْرَبِ الْعَامِلَيْنِ ; فَإِعْمَالُ أَقْرَبِ الْعَامِلَيْنِ بَصْرِيٌّ، أَيْ: هُوَ رَأْيُ الْبَصْرِيِّينَ، وَهُوَ مُعَارَضٌ بِعَكْسِهِ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ ; فَإِنَّهُمْ يُعْمِلُونَ أَبْعَدَ الْعَامِلَيْنِ، لِأَوَّلِيَّتِهِ وَسَبْقِهِ، نَحْوُ: ضَرَبْتُ وَضَرَبَنِي زَيْدًا، وَضَرَبَنِي وَضَرَبْتُ زَيْدٌ، وَيَحْتَجُّونَ بِنَحْوِ قَوْلِهِ:
تُنُخِّلَ فَاسْتَاكَتْ بِهِ عُودُ إِسْحِلِ
وَقَوْلِهِ:
كَفَانِي وَلَمْ أَطْلُبْ قَلِيلٌ مِنَ الْمَالِ
стр. 1144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَرُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةً أَيَّ إِذْلَالِ
وَهِيَ حُجَجٌ صَحِيحَةٌ فِي الْبَابِ.
وَعَلَى هَذَا فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: يَتَعَلَّقُ الِاسْتِثْنَاءُ بِالْجُمْلَةِ الْأُولَى، لِأَوَّلِيَّتِهَا وَسَبْقِهَا ; فَيَتَعَارَضُ الْقَوْلَانِ، وَلَا مُرَجِّحَ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الثَّالِثِ ; فَقَوْلُهُمْ: «عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى الْكُلِّ مَشْكُوكٌ ; فَلَا يُرْفَعُ الْعُمُومُ الْمُتَيَقَّنُ» .
قُلْنَا: «تَيَقُّنُ الْمَعْلُومِ» فِي الْجُمَلِ ; إِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّهُ حَاصِلٌ قَبْلَ تَمَامِ الْكَلَامِ فَهُوَ «مَمْنُوعٌ» وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّهُ بَعْدَ تَمَامِ الْكَلَامِ ; فَالْكَلَامُ «إِنَّمَا يَتِمُّ بِالِاسْتِثْنَاءِ» وَبَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ، لَا يَبْقَى الْعُمُومُ مُتَيَقَّنًا حَتَّى يَكُونَ رَفْعُهُ بِالشَّكِّ مُمْتَنِعًا، إِلَّا عَلَى قَوْلِكُمْ: إِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ، وَيَبْقَى الْعُمُومُ فِيمَا قَبْلَهَا، لَكِنَّ هَذَا يَصِيرُ اسْتِدْلَالًا بِمَحَلِّ النِّزَاعِ ; فَلَا يُسْمَعُ.
стр. 1145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُهُ: «الْمُرْتَضَى» ، أَيِ: احْتَجَّ الْمُرْتَضَى عَلَى مَا ادَّعَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ الِاشْتِرَاكِ ; بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُتَعَقِّبَ لِلْجُمَلِ، اسْتُعْمِلَ فِي اللُّغَةِ عَائِدًا إِلَى الْجَمِيعِ تَارَةً، وَإِلَى الْبَعْضِ أُخْرَى، وَالْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ ; فَيَكُونُ مُشْتَرَكًا، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْحَالِ وَالظَّرْفَيْنِ: ظَرْفِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ ; فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا وَعَمْرًا وَبَكْرًا قَائِمًا ; احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَالُ لِجَمِيعِهِمْ، وَأَنْ يَكُونَ لِلْأَخِيرَةِ مِنْهُمْ. وَلَوْ قَالَ: عَلِمْتُ الْمَسِيرَ، وَالْقِتَالَ، وَالصَّوْمَ يَوْمَ الْجُمُعَةَ، احْتُمِلَ تَعَلُّقِ الظَّرْفِ بِالْمَصَادِرِ الثَّلَاثَةِ، وَاحْتُمِلَ تَعَلُّقُهُ بِالْأَخِيرِ مِنْهَا. وَلَوْ قَالَ: رَأَيْتُ زَيْدًا وَعَمْرًا وَبَكْرًا فِي الدَّارِ، احْتُمِلَ تَعَلُّقُ الظَّرْفِ الْمَكَانِيِّ بِهِمْ، أَوْ بِآخِرِهِمْ ; فَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي تَعَلُّقِهِ بِجَمِيعِ الْجُمَلِ أَوْ بِآخِرِهَا، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَالِ وَالظَّرْفَيْنِ ; كَوْنُهَا مَنْصُوبَاتٍ غَيْرَ مُسْتَقِلَّةٍ بِنَفْسِهَا، مُفْتَقِرَةً إِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ.
- قَوْلُهُ: «الْقَاضِي» ، أَيِ: احْتَجَّ الْقَاضِي عَلَى الْوَقْفِ بِأَنْ قَالَ: «تَعَارَضَتِ الْأَدِلَّةُ» فِي الْمَسْأَلَةِ كَمَا قَدْ تَقَرَّرَ، وَمَعَ تَعَارُضِهَا يَمْتَنِعُ الْجَزْمُ بِأَحَدِهَا ; فَيَجِبُ الْوَقْفُ، «وَيُطْلَبُ الْمُرَجِّحُ الْخَارِجِيُّ» عَنِ الْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ.
قُلْتُ: وَاعْتَرَضَ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُرْتَضَى: بِأَنْ يُقَالَ: اسْتِعْمَالُ الِاسْتِثْنَاءِ رَاجِعًا إِلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ لِمَانِعٍ، أَوْ مَجَازًا، وَالْحَقِيقَةُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِذَا تَعَارَضَ الِاشْتِرَاكُ وَالْمَجَازُ، كَانَ الْمَجَازُ أَوْلَى، وَقِيَاسُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الْحَالِ وَالظَّرْفَيْنِ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ ; فَإِنَّمَا يَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ أَنْ لَوْ كَانَ احْتِمَالُ رُجُوعِ الْحَالِ وَالظَّرْفِ إِلَى الْجَمِيعِ وَالْبَعْضِ عَلَى السَّوَاءِ، وَهُوَ
стр. 1146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَمْنُوعٌ، بَلْ رُجُوعُهُ إِلَى الْجَمِيعِ أَظْهَرُ، وَكَذَا نَقُولُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ.
وَالِاعْتِرَاضُ عَلَى مَا قَالَهُ الْقَاضِي: بِأَنَّ الْوَقْفَ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ، بَلْ هُوَ تَعْطِيلٌ لِلْمَذَاهِبِ، وَتَرَدُّدٌ بَيْنِهَا، وَتَحَيُّرٌ فِيهَا، وَمَا هَذَا شَأْنُهُ ; فَإِنَّمَا يُسَوَّغُ عِنْدَ تَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ وَتَسَاوِيهَا، وَهُوَ مَمْنُوعٌ هَاهُنَا، بَلْ أَحَدُ الْمَذَاهِبِ ظَاهِرُ الرُّجْحَانِ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَرْعٌ: قَوْلُهُ : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الْآيَةَ، إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النُّورِ: ٤، ٥] ، تَضَمَّنَتِ الْآيَةُ أَنَّ الْقَذْفَ مُتَعَلِّقٌ بِهِ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ: وُجُوبُ الْحَدِّ، وَرَدُّ الشَّهَادَةِ، وَثُبُوتُ الْفِسْقِ. فَمَنْ رَدَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ، قَالَ: الْقَاذِفُ إِذَا تَابَ، تَعُودُ عَدَالَتُهُ، وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَكَانَ مُقْتَضَى هَذَا الْأَصْلِ أَنْ يَسْقُطَ الْجَلْدُ عَنْهُ، لَكِنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُهُ حَقَّ آدَمِيٍّ. وَمَنْ رَدِّ الِاسْتِثْنَاءَ إِلَىَ الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ فَقَطْ، وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀، قَالَ: إِذَا تَابَ الْقَاذِفُ، زَالَ فِسْقُهُ، وَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ ; لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النُّورِ: ٤] ; فَيَبْقَى عَلَى عُمُومِهِ فِي الزَّمَانِ، وَجَعَلَ سَلْبَ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ مِنْ عُقُوبَاتِ الْقَذْفِ كَالْجَلْدِ، وَكَمَا أَنَّ الْحَدَّ لَا يَرْتَفِعُ بِالتَّوْبَةِ، كَذَلِكَ رَدُّ الشَّهَادَةِ ; فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمَجْلُودَ فِي الْقَذْفِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
وَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا: أَنْ الْأَحْكَامَ الثَّلَاثَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْقَذْفِ:
стр. 1147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنْهَا: مَا لَا تُؤَثِّرُ التَّوْبَةُ فِي رَفْعِهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ الْجَلْدُ.
وَمِنْهَا: مَا تُؤَثِّرُ فِي رَفْعِهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ الْفِسْقُ.
وَمِنْهَا: مَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِيهِ، هَلْ يَرْتَفِعُ بِهَا أَمْ لَا؟ وَهُوَ رَدُّ الشَّهَادَةِ هَذَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، وَفَهِمَهُ مِنْهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ.
وَالَّذِي يَنْقَدِحُ مِنْ قُوَّةِ الْكَلَامِ: أَنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا تَضَمَّنَتْ حُكْمَيْنِ: وُجُوبَ الْحَدِّ، وَثُبُوتَ الْفِسْقِ.
أَمَّا رَدُّ الشَّهَادَةِ ; فَهُوَ مِنْ آثَارِ الْفِسْقِ، وَمُرَتَّبٌ عَلَيْهِ، فَإِذَا زَالَ الْفِسْقُ، الَّذِي هُوَ الْمُؤَثِّرُ بِالتَّوْبَةِ، زَالَ أَثَرُهُ، الَّذِي هُوَ رَدُّ الشَّهَادَةِ.
وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَتَّجِهُ النِّزَاعُ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ أَيْضًا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ إِذَا زَالَتْ، هَلْ يَجِبُ زَوَالُ مَعْلُولِهَا أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ، زَالَ رَدُّ الشَّهَادَةِ بِزَوَالِ الْفِسْقِ ; فَوَجَبَ قَبُولُهَا، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ، اسْتُصْحِبَ الْحَالُ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ، وَاحْتَاجَ قَبُولُهَا إِلَى دَلِيلٍ طَارِئٍ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْآيَةَ إِنَّمَا تَضَمَّنَتْ حُكْمَيْنِ: وُجُوبَ الْحَدِّ، وَرَدَّ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْفِسْقِ، وَكَانَ قَوْلُهُ : ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النُّورِ: ٤] ، تَأْكِيدٌ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ بِذِكْرِ مَلْزُومِهِ، وَهُوَ الْفِسْقُ ; فَتَكُونُ الْجُمْلَتَانِ، أَعْنِي رَدَّ الشَّهَادَةِ وَالْفِسْقِ كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ ; فَيَرْجِعُ الِاسْتِثْنَاءُ
стр. 1148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إِلَيْهَا إِجْمَاعًا ; فَيَزُولُ رَدُّ الشَّهَادَةِ ; فَيَجِبُ قَبُولُهَا، وَيَنْتَفِي مَلْزُومُهُ وَهُوَ الْفِسْقُ، بِانْتِفَاءِ لَازِمِهِ وَهُوَ رَدُّ الشَّهَادَةِ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الْأَصْلِ، قَوْلُهُ ﵊: «لَا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يُجْلَسْ عَلَى تَكْرِمَتِهِ، إِلَّا بِإِذْنِهِ» . فَمَنْ رَدَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِلَى الْجُمْلَتَيْنِ، قَالَ: الْإِذْنُ شَرْطٌ فِي الْحُكْمَيْنِ، وَهُمَا: أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الرَّجُلِ فِي سُلْطَانِهِ غَيْرُهُ فِي إِمَامَةِ الصَّلَاةِ، وَأَنْ يَجْلِسَ عَلَى تَكْرِمَتِهِ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ، وَمَنْ عَلَّقَهُ بِالْأَخِيرَةِ فَقَطْ، قَالَ: الْإِذْنُ يُشْتَرَطُ فِي جُلُوسِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ فَقَطْ، أَمَّا تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ ; فَلَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِهِ، بِإِذْنِهِ أَوْ غَيْرِ إِذْنِهِ، بَلْ يَقِفُ الْأَمْرُ عَلَى دَلِيلٍ خَارِجٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 1149
الشَّرْطُ
الشَّرْطُ: مَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ عَلَى غَيْرِ جِهَةِ السَّبَبِيَّةِ ; فَيُسَاوِي مَا سَبَقَ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِنَ الْمُخَصِّصَاتِ كَالِاسْتِثْنَاءِ، وَتَأْثِيرُهُ إِذَا دَخَلَ عَلَى السَّبَبِ فِي تَأْخِيرِ حُكْمِهِ حَتَّى يُوجَدَ، لَا فِي مَنْعِ السَّبَبِيَّةِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ، وَنَحْوُهُ الْغَايَةُ، نَحْوُ: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٢] ، ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٠] .
ــ
قَوْلُهُ: «الشَّرْطُ: مَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ، عَلَى غَيْرِ جِهَةِ السَّبَبِيَّةِ» .
هَذَا الثَّانِي مِنْ مُخَصِّصَاتِ الْعُمُومِ الْمُتَّصِلَةِ، وَهُوَ الشَّرْطُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ لَهَا عِلَلٌ، وَهِيَ أَسْبَابُهَا الْمُؤَثِّرَةُ فِي وُجُودِهَا شَرْعًا، أَيِ: الْمُعَرِّفَةُ لَهَا شَرْعًا، وَشُرُوطٌ يَتَوَقَّفُ تَأْثِيرُ الْعِلَلِ فِي الْأَحْكَامِ عَلَيْهَا، كَالزِّنَى هُوَ عِلَّةُ الرَّجْمِ، وَيَتَوَقَّفُ تَأْثِيرُهُ فِي إِيجَابِ الرَّجْمِ عَلَى الْإِحْصَانِ، وَكَالنِّصَابِ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَيَتَوَقَّفُ تَأْثِيرُهُ فِي إِيجَابِهَا عَلَى تَمَامِ الْحَوْلِ، وَكَالْقَتْلِ هُوَ عِلَّةُ الْقِصَاصِ، وَيَتَوَقَّفُ تَأْثِيرُهُ فِي إِيجَابِهِ عَلَى وُجُودِ الْمُكَافَأَةِ، وَانْتِفَاءِ الْأُبُوَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَصَحَّ حِينَئِذٍ قَوْلُنَا: «الشَّرْطُ مَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ» ، يَعْنِي الْعِلَّةَ، أَيِ: الشَّرْطُ: مَا لَا تُؤَثِّرُ الْعِلَّةُ فِي وُجُودِ الْحُكْمِ، إِلَّا بَعْدَ حُصُولِهِ.
أَمَّا قَوْلُهُ: «عَلَى غَيْرِ جِهَةِ السَّبَبِيَّةِ» فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ هَاهُنَا، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ظَنًّا أَنَّ سَبَبَ الْحُكْمِ غَيْرُ عِلَّتِهِ وَشَرْطِهِ ; فَوَقَعَ الِاحْتِرَازُ
стр. 1150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِقَوْلِهِ: «عَلَى غَيْرِ جِهَةِ السَّبَبِيَّةِ» عَنِ السَّبَبِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ السَّبَبُ ; فَصَارَ قَوْلُنَا: «مَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ» ، كَافِيًا فِي تَعْرِيفِ الشَّرْطِ، اللَّهُمَّ إِلَّا عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ السَّبَبَ مَا حَصَلَ الْحُكْمُ عِنْدَهُ لَا بِهِ، فَإِنْ تَصَوَّرَ لَنَا حُكْمٌ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلَّةِ الْمُؤَثِّرَةِ، وَالشَّرْطُ الَّذِي يَتَوَقَّفُ تَأْثِيرُهَا عَلَيْهِ، وَالسَّبَبُ الَّذِي يُوجَدُ الْحُكْمُ عِنْدَهُ لَا بِهِ ; كَانَ قَوْلُنَا: «عَلَى غَيْرِ جِهَةِ السَّبَبِيَّةِ» ، احْتِرَازًا عَنِ السَّبَبِ ; لِأَنَّ الشَّرْطَ، وَإِنْ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ الْعِلَّةِ، لَكِنْ لَا عَلَى جِهَةِ تَوَقُّفِهِ عَلَى السَّبَبِ الْمَذْكُورِ، مَعَ أَنَّ هَذَا لَا يَكَادُ يَتَحَقَّقُ.
- قَوْلُهُ: «فَيُسَاوِي مَا سَبَقَ» ، أَيْ: فَيُسَاوِي هَذَا التَّعْرِيفُ لِلشَّرْطِ مَا سَبَقَ مِنْ تَعْرِيفِهِ «عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ» فِي خِطَابِ الْوَضْعِ، وَهُوَ قَوْلُنَا: الشَّرْطُ مَا لَزِمَ مِنَ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ أَمْرٍ عَلَى غَيْرِ جِهَةِ السَّبَبِيَّةِ ; لِأَنَّ مَا لَزِمَ مِنَ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ أَمْرٍ، تَوَقَّفَ وُجُودُ ذَلِكَ الْأَمْرِ عَلَى وُجُودِهِ، كَالْإِحْصَانِ ; لَمَّا لَزِمَ مِنَ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ الرَّجْمِ، تَوَقَّفَ وُجُودُ الرَّجْمِ عَلَى وُجُودِهِ، وَهَاهُنَا وَجَبَ قَوْلُنَا: عَلَى غَيْرِ جِهَةِ السَّبَبِيَّةِ ; لِأَنَّا لَمْ نَتَعَرَّضْ فِيهِ لِذِكْرِ الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ السَّبَبُ ; فَاحْتَجْنَا أَنْ نَحْتَرِزَ عَنْهَا ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَائِهَا انْتِفَاءُ الْحُكْمِ، لَكِنْ لَا عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي الشَّرْطِ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ مُؤَثِّرَةٌ فِي وُجُودِ الْحُكْمِ ; فَانْتِفَاؤُهُ لِانْتِفَاءِ تَأْثِيرِهَا فِي وُجُودِهِ، وَالشَّرْطُ لَيْسَ مُؤَثِّرًا فِي وُجُودِ الْحُكْمِ، بَلْ هُوَ مُصَحِّحٌ لِتَأْثِيرِ الْمُؤَثِّرِ ; فَوَجَبَ الِاحْتِرَازُ فِي حَدِّ الشَّرْطِ عَنِ السَّبَبِ بِمَا ذَكَرْنَا، بِخِلَافِ قَوْلِنَا هَاهُنَا: مَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ، فَإِنَّ الْمُؤَثِّرَ هُوَ الْعِلَّةُ، وَلَيْسَتْ دَاخِلَةً فِي هَذَا الْحَدِّ، حَتَّى يُحْتَرَزَ عَنْهَا بِقَوْلِنَا: عَلَى غَيْرِ جِهَةِ السَّبَبِيَّةِ ; لِأَنَّهَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ، بَلْ هِيَ الْمُؤَثِّرُ نَفْسُهُ. وَحِينَئِذٍ قَوْلُنَا هَاهُنَا: مَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ
стр. 1151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمُؤَثِّرِ، هُوَ الْمُسَاوِي لِمَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِنَا قَبْلُ: مَا لَزِمَ مِنَ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ أَمْرٍ، عَلَى غَيْرِ جِهَةِ السَّبَبِيَّةِ، وَقَوْلُنَا ذَلِكَ هَاهُنَا لَاغٍ ; فَاعْلَمْ ذَلِكَ.
- قَوْلُهُ: «وَهُوَ» يَعْنِي الشَّرْطَ، مِنَ «الْمُخَصِّصَاتِ» لِلْعُمُومِ، «كَالِاسْتِثْنَاءِ» . قَدْ سَبَقَ دَلِيلُ هَذَا وَمِثَالُهُ.
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: قَوْلُهُ : ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النِّسَاءِ: ١٠١] ; فَأَجَازَ قَصْرَ الصَّلَاةِ بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الضَّرْبُ فِي الْأَرْضِ.
وَالْآخَرُ: خَوْفُ فِتْنَةِ الْكُفَّارِ.
فَنَسَخَ اعْتِبَارَ الشَّرْطِ الثَّانِي بِالرُّخْصَةِ، حَتَّى جَازَ الْقَصْرُ مَعَ الْأَمْنِ، بِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ، وَبَقِيَ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الضَّرْبُ فِي الْأَرْضِ ; فَلَا يَجُوزُ الْقَصْرُ بِدُونِهِ.
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ : ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النُّورِ: ٣٣] ، فَمَشْرُوعِيَّةُ كِتَابَةِ الْعَبْدِ، اسْتِحْبَابًا، أَوْ وُجُوبًا، عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ مَشْرُوطَةٌ بِأَنْ يُعْلَمَ مِنْهُ صَلَاحٌ. وَأَمْثِلَةُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
- قَوْلُهُ: «وَتَأْثِيرُهُ إِذَا دَخَلَ عَلَى السَّبَبِ: فِي تَأْخِيرِ حُكْمِهِ حَتَّى يُوجَدَ، لَا
стр. 1152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي مَنْعِ السَّبَبِيَّةِ، خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ» .
مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ: أَنَّ الشَّرْطَ إِذَا دَخَلَ عَلَى السَّبَبِ، لَمْ يَمْنَعْ مِنَ انْعِقَادِ السَّبَبِ، بَلْ تَأْثِيرُهُ فِي تَأْخِيرِ حُكْمِ السَّبَبِ، حَتَّى يُوجَدَ، يَعْنِي الشَّرْطَ.
مِثَالُهُ: إِذَا قَالَ: بِعْتُكَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ إِلَى ثَلَاثٍ ; فَالْبَيْعُ سَبَبُ الْمِلْكِ، وَدُخُولُ شَرْطِ الْخِيَارِ عَلَيْهِ لَا يَقْدَحُ فِي سَبَبِيَّتِهِ عِنْدَنَا ; فَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، لَكِنْ يَتَأَخَّرُ حُكْمُ الْبَيْعِ، وَهُوَ لُزُومُ الْمِلْكِ وَاسْتِقْرَارُهُ، حَتَّى يُوجَدَ الشَّرْطُ، بِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: خِيَارُ الشَّرْطِ مَانِعٌ مِنَ انْعِقَادِ الْبَيْعِ سَبَبًا نَاقِلًا لِلْمِلْكِ بِالْجُمْلَةِ، عَلَى تَفْصِيلٍ لَهُمْ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ. وَهَذَا مَعْنَى مَا حَكَاهُ الزَّنْجَانِيُّ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ.
وَمِثَالُهُ عَلَى مَا أَحْسَبُ: - وَقَدْ بَعُدَ عَهْدِي بِهِ - وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ أَوْ نَحْوَهُ أَبُو بَكْرٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، فِي كِتَابِ «الْمِيزَانِ» فَقَالَ: وَقِرَانُ الشَّرْطِ بِالْأَمْرِ، أَثَرُهُ مَعَ انْعِقَادِ الْعِلَّةِ، إِلَى أَنْ يُوجَدَ الشَّرْطُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الْخَصْمِ، أَثَرُهُ تَأْخِيرُ الْحُكْمِ عَنِ السَّبَبِ، مَعَ انْعِقَادِهِ شَرْعًا.
قَوْلُهُ: «وَنَحْوُهُ الْغَايَةُ» ، وَالْغَايَةُ فِي تَخْصِيصِهَا لِلْعُمُومِ نَحْوُ الشَّرْطِ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٢٢] ، فَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ رَفَعَ الْمَنْعَ الدَّائِمَ، الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِ : (لَا تَقْرَبُوهُنَّ) ، وَبَقِيَ الْمَنْعُ
стр. 1153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خَاصًّا بِحَالِ الْحَيْضِ، فَإِذَا طَهُرَتْ، جَازَ وَطْؤُهَا.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٠] ، اقْتَضَى هَذَا تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ بَعْدَ الثَّلَاثِ أَبَدًا ; فَبِقَوْلِهِ: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٠] ، ارْتَفَعَ عُمُومُ التَّحْرِيمِ، وَبَقِيَ مُخْتَصًّا بِمَا قَبْلَ نِكَاحِهَا زَوْجًا غَيْرَهُ، فَإِذَا نَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ، حَلَّتْ لَهُ.
وَمِنْ صِيَغِ الْغَايَةِ «إِلَى» نَحْوُ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٧] ، ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦] ، ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦] ، وَنَحْوُهُ.
وَحُكْمُ الْغَايَةِ: أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهَا مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهَا، وَإِلَّا لَمْ تَكُنْ مُخَصَّصَةً، وَلَا غَايَةً، بَلْ وَسَطًا.
وَقَدْ سَبَقَ مِثَالُ التَّخْصِيصِ بِالصِّفَةِ فِي أَوَّلِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَحُكْمُ الشَّرْطِ وَالْغَايَةِ وَالصِّفَةِ، فِي رُجُوعِهَا إِلَى الْجُمَلِ الْمُتَعَدِّدَةِ قَبْلَهَا، أَوْ إِلَى الْأَخِيرَةِ مِنْهَا، حُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ، غَيْرَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الشَّرْطِ فِي ذَلِكَ مَعَ بَعْضِ النُّحَاةِ، أَمَّا الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، فَاتَّفَقُوا عَلَى رُجُوعِهِ إِلَى الْجَمِيعِ كَمَا سَبَقَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 1154
الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ
الْمُطْلَقُ: مَا تَنَاوَلَ وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ بِاعْتِبَارِ حَقِيقَةٍ شَامِلَةٍ لِجِنْسِهِ نَحْوُ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النِّسَاءِ: ٩٢] ، «وَلَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ» .
وَالْمُقَيَّدُ: مَا تَنَاوَلَ مُعَيَّنًا أَوْ مَوْصُوفًا بِزَائِدٍ عَلَى حَقِيقَةِ جِنْسِهِ نَحْوُ: ﴿شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النِّسَاءِ: ٩٢] ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الدَّالَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ فَقَطْ مُطْلَقٌ ; فَالْمُقَيَّدُ يُقَابِلُهُ، وَالْمَعَانِي مُتَقَارِبَةٌ، وَتَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُ بِاعْتِبَارِ قِلَّةِ الْقُيُودِ وَكَثْرَتِهَا، وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ بِالْجِهَتَيْنِ كَرَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ قُيِّدَتْ مِنْ حَيْثُ الدِّينُ، وَأُطْلِقَتْ مِنْ حَيْثُ مَا سِوَاهُ وَيُقَالُ: فِعْلٌ مُقَيَّدٌ، أَوْ مُطْلَقٌ بِاعْتِبَارِ اخْتِصَاصِهِ بِبَعْضِ مَفَاعِيلِهِ مِنْ ظَرْفٍ، وَنَحْوِهِ وَعَدَمِهِ.
ــ
قَوْلُهُ: «الْمُطْلَقُ» ، هَذَا مَوْضِعُ الْكَلَامِ فِي الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ ; فَالْمُطْلَقُ: «مَا تَنَاوَلَ وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، بِاعْتِبَارِ حَقِيقَةٍ شَامِلَةٍ لِجِنْسِهِ، نَحْوُ» ، قَوْلِهِ : ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ٣] ، وَقَوْلِهِ ﵊: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ» . فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ لَفْظِ الرَّقَبَةِ وَالْوَلِيِّ، قَدْ تَنَاوَلَ وَاحِدًا غَيْرَ
стр. 1155
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُعَيَّنٍ، مِنْ جِنْسِ الرِّقَابِ وَالْأَوْلِيَاءِ. «وَالْمُقَيَّدُ مَا تَنَاوَلَ مُعَيَّنًا» ، نَحْوُ: أَعْتَقَ زَيْدًا مِنَ الْعَبِيدِ ; أَوْ مَوْصُوفًا بِوَصْفٍ زَائِدٍ عَلَى حَقِيقَةِ جِنْسِهِ، نَحْوُ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النِّسَاءِ: ٩٢] ، وَ ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النِّسَاءِ: ٩٢] ، وَصَفَ الرَّقَبَةَ بِالْإِيمَانِ، وَالشَّهْرَيْنِ بِالتَّتَابُعِ، وَذَلِكَ وَصْفٌ زَائِدٌ عَلَى حَقِيقَةِ جِنْسِ الرَّقَبَةِ وَالشَّهْرَيْنِ ; لِأَنَّ الرَّقَبَةَ قَدْ تَكُونُ مُؤْمِنَةً وَكَافِرَةً، وَالشَّهْرَيْنِ قَدْ يَكُونَانِ مُتَتَابِعَيْنِ وَغَيْرِ مُتَتَابِعَيْنِ.
- قَوْلُهُ: «وَقَدْ سَبَقَ» ، يَعْنِي فِي تَعْرِيفِ حَدِّ الْعَامِّ «أَنَّ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ، مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ فَقَطْ» ، أَيْ: بِالنَّظَرِ إِلَى تَجَرُّدِهَا عَنْ كُلِّ عَارِضٍ يَلْحَقُهَا، مِنْ وَحْدَةٍ وَتَعَدُّدٍ، وَطُولٍ وَقِصَرٍ، وَصِغَرٍ وَكِبَرٍ، هُوَ الْمُطْلَقُ، «فَالْمُقَيَّدُ يُقَابِلُهُ» ، أَيْ: يُقَابِلُ الْمُطْلَقَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ ; لِأَنَّهُمَا فِي الْأَصْلِ مُتَقَابِلَانِ، فَإِذَا ظَهَرَ أَنَّ الْمُطْلَقَ: هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنِ الْعَوَارِضِ، الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يَلْحَقَهَا، أَوْ بَعْضَهَا ; فَالْمُقَيَّدُ: هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ، مَعَ تِلْكَ الْعَوَارِضِ، أَوْ بَعْضِهَا.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: الْمُطْلَقُ: هُوَ النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، كَقَوْلِنَا: رَجُلٌ،
стр. 1156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْمُقَيَّدُ: مَا كَانَ مِنَ الْأَلْفَاظِ دَالًّا عَلَى وَصْفِ مَدْلُولِهِ الْمُطْلَقِ، بِصِفَةٍ زَائِدَةٍ عَلَيْهِ، كَقَوْلِنَا: رَجُلٌ عَالِمٌ، وَهَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُقَيَّدِ.
- قَوْلُهُ: «وَالْمَعَانِي مُتَقَارِبَةٌ» ، أَيْ: مَعَانِي مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدُ مُتَقَارِبَةٌ، لَا يَكَادُ يَظْهَرُ بَيْنَهَا تَفَاوُتٌ ; لِأَنَّ قَوْلَنَا: رَقَبَةٌ، هُوَ لَفْظٌ تَنَاوَلَ وَاحِدًا مِنْ جِنْسِهِ، غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَهُوَ لَفْظٌ دَلَّ عَلَى مَاهِيَّةِ الرَّقَبَةِ، مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ، أَيْ: مُجَرَّدَةً عَنِ الْعَوَارِضِ، وَهُوَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ إِثْبَاتٍ.
وَقَوْلُنَا: رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ. هُوَ لَفْظٌ، تَنَاوَلَ مَوْصُوفًا بِأَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى مَاهِيَّتِهِ، وَهُوَ لَفْظٌ، دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ، مَعَ بَعْضِ عَوَارِضِهَا، وَهُوَ لَفْظٌ دَلَّ عَلَى وَصْفِ مَدْلُولِهِ الْمُطْلَقِ، بِصِفَةٍ زَائِدَةٍ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا ظَهَرَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ هَذِهِ التَّعْرِيفَاتِ، عِنْدَ تَدْقِيقِ النَّظَرِ، بِصُورَةٍ نَادِرَةٍ، أَوْ خَفِيَّةٍ، لَكِنَّا لَمْ نَسْبُرْ ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: الْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ، يَكُونَانِ تَارَةً فِي الْأَمْرِ، نَحْوَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً وَأَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، وَتَارَةً فِي الْخَبَرِ، نَحْوَ: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ» «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ.»
فَائِدَةٌ: الْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ فِي الْأَلْفَاظِ: مُسْتَعَارَانِ مِنْهُمَا فِي الْأَشْخَاصِ،
стр. 1157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُقَالُ: رَجُلٌ أَوْ حَيَوَانٌ مُطْلَقٌ: إِذَا خَلَا مِنْ قَيْدٍ، أَوْ عِقَالٍ، أَوْ شِكَالٍ، وَمُقَيَّدٌ: إِذَا كَانَ فِي رِجْلِهِ قَيْدٌ، أَوْ عِقَالٌ، أَوْ شِكَالٌ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ مَوَانِعِ الْحَيَوَانِ مِنَ الْحَرَكَةِ الطَّبِيعِيَّةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، الَّتِي يَنْتَشِرُ بِهَا بَيْنَ جِنْسِهِ.
فَإِذَا قُلْنَا: أَعْتِقْ رَقَبَةً ; فَهَذِهِ الرَّقَبَةُ شَائِعَةٌ فِي جِنْسِهَا، شُيُوعَ الْحَيَوَانِ الْمُطْلَقِ بِحَرَكَتِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ بَيْنَ جِنْسِهِ.
وَإِذَا قُلْنَا: أَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ لَهَا، كَالْقَيْدِ الْمُمَيِّزِ لِلْحَيَوَانِ الْمُقَيَّدِ، مِنْ بَيْنِ أَفْرَادِ جِنْسِهِ، وَمَانِعَةً لَهَا مِنَ الشُّيُوعِ، كَالْقَيْدِ الْمَانِعِ لِلْحَيَوَانِ مِنَ الشُّيُوعِ بِالْحَرَكَةِ فِي جِنْسِهِ.
قَوْلُهُ: «وَتَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُ» ، أَيْ: مَرَاتِبُ الْمُقَيَّدِ فِي تَقْيِيدِهِ «بِاعْتِبَارِ قِلَّةِ الْقُيُودِ وَكَثْرَتِهَا» فَمَا كَانَتْ قُيُودُهُ أَكْثَرَ ; كَانَتْ رُتْبَتُهُ فِي التَّقْيِيدِ أَعْلَى، وَهُوَ فِيهِ أَدْخَلُ ; فَقَوْلُهُ: أَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، مُصَلِّيَةً، سُنِّيَّةً، حَنْبَلِيَّةً، أَعْلَى رُتْبَةً فِي التَّقْيِيدِ مِنْ قَوْلِهِ: أَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً.
وَقَوْلُهُ : ﴿أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التَّحْرِيمِ: ٥] ، أَعْلَى رُتْبَةً فِي التَّقْيِيدِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ﴾ لَا غَيْرَ.
- وَقَوْلُهُ : ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُون﴾ َ لِحُدُودِ اللَّهِ) [التَّوْبَةِ: ١١٢] ، أَعْلَى وَأَدْخَلُ فِي التَّقْيِيدِ، مِنَ اقْتِصَارِهِ عَلَى بَعْضِ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ ; فَكُلَّمَا كَثُرَتِ الْأَوْصَافُ الْمُخَصِّصَةُ، الْمُمَيِّزَةُ لِلذَّاتِ مِنْ
стр. 1158
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غَيْرِهَا ; كَانَتْ رُتْبَةُ التَّخْصِيصِ وَالتَّقْيِيدِ فِيهَا أَعْلَى.
- قَوْلُهُ: «وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ» ، يَعْنِي الْإِطْلَاقَ وَالتَّقْيِيدَ قَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي «لَفْظٍ وَاحِدٍ» بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النِّسَاءِ: ٩٢] ، «قُيِّدَتْ مِنْ حَيْثُ الدِّينُ» ، بِالْإِيمَانِ، «وَأُطْلِقَتْ مِنْ حَيْثُ سِوَاهُ» ، كَالصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ، وَالطُّولِ وَالْقِصَرِ، وَالنَّسَبِ وَالْبَلَدِ ; فَهِيَ مُقَيَّدَةٌ مِنْ جِهَةٍ، مُطْلَقَةٌ مِنْ جِهَةٍ.
وَكَذَلِكَ «يُقَالُ: فِعْلٌ مُقَيَّدٌ، أَوْ مُطْلَقٌ، بِاعْتِبَارِ اخْتِصَاصِهِ بِبَعْضِ مَفَاعِيلِهِ، مِنْ ظَرْفِ» زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ، وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَفَاعِيلِ، كَالْمَصْدَرِ، وَالْعِلَّةِ، وَالْآلَةِ، وَمَحَلِّ الْفِعْلِ، وَعَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِذَلِكَ.
وَمِثَالُ هَذَا: مَا سَبْقَ لَنَا فِي أَنَّ الْأَمْرَ لِلْفَوْرِ وَالتَّكْرَارِ أَمْ لَا؟ حَيْثُ قُلْنَا: إِنَّ الْأَمْرَ كَقَوْلِهِ: صَلِّ، مَثَلًا، مُطْلَقٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْآلَةِ، لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا بِعَيْنِهِ ; فَكَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى فَوْرٍ وَلَا تَرَاخٍ، وَلَا مَرَّةٍ وَلَا مِرَارٍ.
وَقَدْ يُقَيَّدُ الْفِعْلُ بِبَعْضِ مَفَاعِيلِهِ دُونَ بَعْضٍ ; فَيَكُونُ مُطْلَقًا مُقَيَّدًا، بِالْإِضَافَةِ إِلَى بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ: صُمْ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ; فَالصَّوْمُ مُقَيَّدٌ مِنْ جِهَةِ ظَرْفِ الزَّمَانِ ; مُطْلَقٌ مِنْ جِهَةِ ظَرْفِ الْمَكَانِ، وَلَوْ قَالَ: صُمْ فِي مَكَّةَ يَوْمَيْنِ لَكَانَ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ.
стр. 1159
وَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ إِذَا اتَّحَدَا سَبَبًا وَحُكْمًا، نَحْوُ: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشُهُودٍ» ، مَعَ «إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.
لَنَا: إِعْمَالُهُمَا أَوْ إِلْغَاؤُهُمَا، أَوْ أَحَدُهُمَا مُمْتَنِعٌ، وَتَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ ; فَتَعَيَّنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِمَا ذَكَرْنَا.
قَالَ: الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ، وَكَلَامُ الْحَكِيمِ يُحْمَلُ عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ بَابِ مَفْهُومِ الصِّفَةِ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَنَا.
قُلْنَا: الْأَوَّلُ، وَنَصِّيَّتُهُ عَلَى إِرَادَةِ الْمُطْلَقِ مَمْنُوعَانِ.
وَالثَّانِي: مَعَارَضٌ بِأَنَّ الْحَكِيمَ لَا يَأْمُرُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، وَلَا التَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَيَأْتِي الْجَوَابُ الثَّالِثُ.
ــ
قَوْلُهُ: «وَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ إِذَا اتَّحَدَا سَبَبًا وَحُكْمًا» ، إِلَى آخِرِهِ.
اعْلَمْ: أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ مَعَنَا لَفْظٌ مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ ; فَإِمَّا أَنْ يَتَّحِدَ حُكْمُهُمَا، أَوْ يَخْتَلِفَ، فَإِنِ اتَّحَدَ حُكْمُهُمَا ; فَإِمَّا أَنْ يَتَّحِدَ سَبَبُهُمَا أَوْ يَخْتَلِفَ ; فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّحِدَا فِي السَّبَبِ وَالْحُكْمِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِاتِّحَادِهِمَا سَبَبًا وَحُكْمًا، أَيْ: يَكُونُ سَبَبُهُمَا وَاحِدًا، وَحُكْمُهُمَا وَاحِدًا، نَحْوُ قَوْلِهِ ﵊: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشُهُودٍ» ، مَعَ قَوْلِهِ ﵊: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» ; فَالْأَوَّلُ مُطْلَقٌ فِي الْوَلِيِّ، بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرُّشْدِ
стр. 1160
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْغَيِّ، وَفِي الشُّهُودِ، بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَدَالَةِ وَالْفِسْقِ، وَالثَّانِي مُقَيَّدٌ بِالرُّشْدِ فِي الْوَلِيِّ، وَالْعَدَالَةِ فِي الشُّهُودِ، وَهُمَا مُتَّحِدَانِ سَبَبًا وَحُكْمًا ; لِأَنَّ سَبَبَهُمَا النِّكَاحُ، وَحُكْمَهُمَا نَفْيُهُ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشُهُودٍ ; فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ هَاهُنَا، وَيُعْتَبَرُ رُشْدُ الْوَلِيِّ وَعَدَالَةُ الشُّهُودِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ.
«لَنَا» عَلَى وُجُوبِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ هَاهُنَا: أَنَّ «إِعْمَالَهُمَا» ، أَيْ: إِعْمَالَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، يَعْنِي الْعَمَلَ بِهِمَا «أَوْ إِلْغَاؤُهُمَا، أَوْ أَحَدِهِمَا» ، أَيْ: إِلْغَاءُ أَحَدِهِمَا «مُمْتَنِعٌ، وَتَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ» ، يَعْنِي إِعْمَالَهُمَا، أَوْ إِلْغَاءَهُمَا مُمْتَنِعٌ، وَإِلْغَاءُ أَحَدِهِمَا تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ.
وَتَقْرِيرُ الدَّلِيلِ: أَنَّ الْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ إِذَا اجْتَمَعَا ; فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ نَعْمَلَ بِهِمَا، أَوْ نُلْغِيَهُمَا ; فَلَا نَعْمَلُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ نَعْمَلُ بِأَحَدِهِمَا، وَنُلْغِي الْآخَرَ، أَوْ نَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
وَالْأَوَّلُ: وَهُوَ الْعَمَلُ بِهِمَا مُمْتَنِعٌ، لِإِفْضَائِهِ إِلَى التَّنَاقُضِ، إِذْ يَلْزَمُ أَنْ يَعْتَبِرَ الرُّشْدَ فِي الْوَلِيِّ مَثَلًا، وَلَا يَعْتَبِرُهُ، وَيَشْتَرِطُ الْعَدَالَةَ فِي الشُّهُودِ، وَلَا يَعْتَبِرُهَا، وَهُوَ مُحَالٌ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ إِلْغَاؤُهُمَا مُمْتَنِعٌ أَيْضًا، لِإِفْضَائِهِ إِلَى خُلُوِّ الْوَاقِعَةِ عَنْ حُكْمٍ، مَعَ وُرُودِ النَّصِّ فِيهَا، وَإِلَى تَعْطِيلِ النَّصِّ، مَعَ إِمْكَانِ اسْتِعْمَالِهِ.
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ إِعْمَالُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ ; فَيَتَعَيَّنُ الرَّابِعُ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَالْعَمَلُ بِهِمَا، بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَكَانَ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ ; لِأَنَّهُ أَكْثَرُ فَائِدَةً، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
следующие страницы →