← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْمُقَيَّدُ: مَا كَانَ مِنَ الْأَلْفَاظِ دَالًّا عَلَى وَصْفِ مَدْلُولِهِ الْمُطْلَقِ، بِصِفَةٍ زَائِدَةٍ عَلَيْهِ، كَقَوْلِنَا: رَجُلٌ عَالِمٌ، وَهَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُقَيَّدِ. - قَوْلُهُ: «وَالْمَعَانِي مُتَقَارِبَةٌ» ، أَيْ: مَعَانِي مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدُ مُتَقَارِبَةٌ، لَا يَكَادُ يَظْهَرُ بَيْنَهَا تَفَاوُتٌ ; لِأَنَّ قَوْلَنَا: رَقَبَةٌ، هُوَ لَفْظٌ تَنَاوَلَ وَاحِدًا مِنْ جِنْسِهِ، غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَهُوَ لَفْظٌ دَلَّ عَلَى مَاهِيَّةِ الرَّقَبَةِ، مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ، أَيْ: مُجَرَّدَةً عَنِ الْعَوَارِضِ، وَهُوَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ إِثْبَاتٍ. وَقَوْلُنَا: رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ. هُوَ لَفْظٌ، تَنَاوَلَ مَوْصُوفًا بِأَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى مَاهِيَّتِهِ، وَهُوَ لَفْظٌ، دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ، مَعَ بَعْضِ عَوَارِضِهَا، وَهُوَ لَفْظٌ دَلَّ عَلَى وَصْفِ مَدْلُولِهِ الْمُطْلَقِ، بِصِفَةٍ زَائِدَةٍ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا ظَهَرَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ هَذِهِ التَّعْرِيفَاتِ، عِنْدَ تَدْقِيقِ النَّظَرِ، بِصُورَةٍ نَادِرَةٍ، أَوْ خَفِيَّةٍ، لَكِنَّا لَمْ نَسْبُرْ ذَلِكَ. تَنْبِيهٌ: الْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ، يَكُونَانِ تَارَةً فِي الْأَمْرِ، نَحْوَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً وَأَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، وَتَارَةً فِي الْخَبَرِ، نَحْوَ: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ» «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ.» فَائِدَةٌ: الْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ فِي الْأَلْفَاظِ: مُسْتَعَارَانِ مِنْهُمَا فِي الْأَشْخَاصِ،

стр. 1157

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُقَالُ: رَجُلٌ أَوْ حَيَوَانٌ مُطْلَقٌ: إِذَا خَلَا مِنْ قَيْدٍ، أَوْ عِقَالٍ، أَوْ شِكَالٍ، وَمُقَيَّدٌ: إِذَا كَانَ فِي رِجْلِهِ قَيْدٌ، أَوْ عِقَالٌ، أَوْ شِكَالٌ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ مَوَانِعِ الْحَيَوَانِ مِنَ الْحَرَكَةِ الطَّبِيعِيَّةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، الَّتِي يَنْتَشِرُ بِهَا بَيْنَ جِنْسِهِ. فَإِذَا قُلْنَا: أَعْتِقْ رَقَبَةً ; فَهَذِهِ الرَّقَبَةُ شَائِعَةٌ فِي جِنْسِهَا، شُيُوعَ الْحَيَوَانِ الْمُطْلَقِ بِحَرَكَتِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ بَيْنَ جِنْسِهِ. وَإِذَا قُلْنَا: أَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ لَهَا، كَالْقَيْدِ الْمُمَيِّزِ لِلْحَيَوَانِ الْمُقَيَّدِ، مِنْ بَيْنِ أَفْرَادِ جِنْسِهِ، وَمَانِعَةً لَهَا مِنَ الشُّيُوعِ، كَالْقَيْدِ الْمَانِعِ لِلْحَيَوَانِ مِنَ الشُّيُوعِ بِالْحَرَكَةِ فِي جِنْسِهِ. قَوْلُهُ: «وَتَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُ» ، أَيْ: مَرَاتِبُ الْمُقَيَّدِ فِي تَقْيِيدِهِ «بِاعْتِبَارِ قِلَّةِ الْقُيُودِ وَكَثْرَتِهَا» فَمَا كَانَتْ قُيُودُهُ أَكْثَرَ ; كَانَتْ رُتْبَتُهُ فِي التَّقْيِيدِ أَعْلَى، وَهُوَ فِيهِ أَدْخَلُ ; فَقَوْلُهُ: أَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، مُصَلِّيَةً، سُنِّيَّةً، حَنْبَلِيَّةً، أَعْلَى رُتْبَةً فِي التَّقْيِيدِ مِنْ قَوْلِهِ: أَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً. وَقَوْلُهُ : ﴿أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التَّحْرِيمِ: ٥] ، أَعْلَى رُتْبَةً فِي التَّقْيِيدِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ﴾ لَا غَيْرَ. - وَقَوْلُهُ : ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُون﴾ َ لِحُدُودِ اللَّهِ) [التَّوْبَةِ: ١١٢] ، أَعْلَى وَأَدْخَلُ فِي التَّقْيِيدِ، مِنَ اقْتِصَارِهِ عَلَى بَعْضِ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ ; فَكُلَّمَا كَثُرَتِ الْأَوْصَافُ الْمُخَصِّصَةُ، الْمُمَيِّزَةُ لِلذَّاتِ مِنْ

стр. 1158

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ غَيْرِهَا ; كَانَتْ رُتْبَةُ التَّخْصِيصِ وَالتَّقْيِيدِ فِيهَا أَعْلَى. - قَوْلُهُ: «وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ» ، يَعْنِي الْإِطْلَاقَ وَالتَّقْيِيدَ قَدْ يَجْتَمِعَانِ فِي «لَفْظٍ وَاحِدٍ» بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النِّسَاءِ: ٩٢] ، «قُيِّدَتْ مِنْ حَيْثُ الدِّينُ» ، بِالْإِيمَانِ، «وَأُطْلِقَتْ مِنْ حَيْثُ سِوَاهُ» ، كَالصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ، وَالطُّولِ وَالْقِصَرِ، وَالنَّسَبِ وَالْبَلَدِ ; فَهِيَ مُقَيَّدَةٌ مِنْ جِهَةٍ، مُطْلَقَةٌ مِنْ جِهَةٍ. وَكَذَلِكَ «يُقَالُ: فِعْلٌ مُقَيَّدٌ، أَوْ مُطْلَقٌ، بِاعْتِبَارِ اخْتِصَاصِهِ بِبَعْضِ مَفَاعِيلِهِ، مِنْ ظَرْفِ» زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ، وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَفَاعِيلِ، كَالْمَصْدَرِ، وَالْعِلَّةِ، وَالْآلَةِ، وَمَحَلِّ الْفِعْلِ، وَعَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِذَلِكَ. وَمِثَالُ هَذَا: مَا سَبْقَ لَنَا فِي أَنَّ الْأَمْرَ لِلْفَوْرِ وَالتَّكْرَارِ أَمْ لَا؟ حَيْثُ قُلْنَا: إِنَّ الْأَمْرَ كَقَوْلِهِ: صَلِّ، مَثَلًا، مُطْلَقٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْآلَةِ، لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا بِعَيْنِهِ ; فَكَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى فَوْرٍ وَلَا تَرَاخٍ، وَلَا مَرَّةٍ وَلَا مِرَارٍ. وَقَدْ يُقَيَّدُ الْفِعْلُ بِبَعْضِ مَفَاعِيلِهِ دُونَ بَعْضٍ ; فَيَكُونُ مُطْلَقًا مُقَيَّدًا، بِالْإِضَافَةِ إِلَى بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ: صُمْ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ; فَالصَّوْمُ مُقَيَّدٌ مِنْ جِهَةِ ظَرْفِ الزَّمَانِ ; مُطْلَقٌ مِنْ جِهَةِ ظَرْفِ الْمَكَانِ، وَلَوْ قَالَ: صُمْ فِي مَكَّةَ يَوْمَيْنِ لَكَانَ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ.

стр. 1159

وَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ إِذَا اتَّحَدَا سَبَبًا وَحُكْمًا، نَحْوُ: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشُهُودٍ» ، مَعَ «إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ. لَنَا: إِعْمَالُهُمَا أَوْ إِلْغَاؤُهُمَا، أَوْ أَحَدُهُمَا مُمْتَنِعٌ، وَتَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ ; فَتَعَيَّنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِمَا ذَكَرْنَا. قَالَ: الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ، وَكَلَامُ الْحَكِيمِ يُحْمَلُ عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ بَابِ مَفْهُومِ الصِّفَةِ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَنَا. قُلْنَا: الْأَوَّلُ، وَنَصِّيَّتُهُ عَلَى إِرَادَةِ الْمُطْلَقِ مَمْنُوعَانِ. وَالثَّانِي: مَعَارَضٌ بِأَنَّ الْحَكِيمَ لَا يَأْمُرُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، وَلَا التَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَيَأْتِي الْجَوَابُ الثَّالِثُ. ــ قَوْلُهُ: «وَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ إِذَا اتَّحَدَا سَبَبًا وَحُكْمًا» ، إِلَى آخِرِهِ. اعْلَمْ: أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ مَعَنَا لَفْظٌ مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ ; فَإِمَّا أَنْ يَتَّحِدَ حُكْمُهُمَا، أَوْ يَخْتَلِفَ، فَإِنِ اتَّحَدَ حُكْمُهُمَا ; فَإِمَّا أَنْ يَتَّحِدَ سَبَبُهُمَا أَوْ يَخْتَلِفَ ; فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّحِدَا فِي السَّبَبِ وَالْحُكْمِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِاتِّحَادِهِمَا سَبَبًا وَحُكْمًا، أَيْ: يَكُونُ سَبَبُهُمَا وَاحِدًا، وَحُكْمُهُمَا وَاحِدًا، نَحْوُ قَوْلِهِ ﵊: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشُهُودٍ» ، مَعَ قَوْلِهِ ﵊: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» ; فَالْأَوَّلُ مُطْلَقٌ فِي الْوَلِيِّ، بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرُّشْدِ

стр. 1160

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْغَيِّ، وَفِي الشُّهُودِ، بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَدَالَةِ وَالْفِسْقِ، وَالثَّانِي مُقَيَّدٌ بِالرُّشْدِ فِي الْوَلِيِّ، وَالْعَدَالَةِ فِي الشُّهُودِ، وَهُمَا مُتَّحِدَانِ سَبَبًا وَحُكْمًا ; لِأَنَّ سَبَبَهُمَا النِّكَاحُ، وَحُكْمَهُمَا نَفْيُهُ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشُهُودٍ ; فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ هَاهُنَا، وَيُعْتَبَرُ رُشْدُ الْوَلِيِّ وَعَدَالَةُ الشُّهُودِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ. «لَنَا» عَلَى وُجُوبِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ هَاهُنَا: أَنَّ «إِعْمَالَهُمَا» ، أَيْ: إِعْمَالَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، يَعْنِي الْعَمَلَ بِهِمَا «أَوْ إِلْغَاؤُهُمَا، أَوْ أَحَدِهِمَا» ، أَيْ: إِلْغَاءُ أَحَدِهِمَا «مُمْتَنِعٌ، وَتَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ» ، يَعْنِي إِعْمَالَهُمَا، أَوْ إِلْغَاءَهُمَا مُمْتَنِعٌ، وَإِلْغَاءُ أَحَدِهِمَا تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ. وَتَقْرِيرُ الدَّلِيلِ: أَنَّ الْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ إِذَا اجْتَمَعَا ; فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ نَعْمَلَ بِهِمَا، أَوْ نُلْغِيَهُمَا ; فَلَا نَعْمَلُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، أَوْ نَعْمَلُ بِأَحَدِهِمَا، وَنُلْغِي الْآخَرَ، أَوْ نَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ. وَالْأَوَّلُ: وَهُوَ الْعَمَلُ بِهِمَا مُمْتَنِعٌ، لِإِفْضَائِهِ إِلَى التَّنَاقُضِ، إِذْ يَلْزَمُ أَنْ يَعْتَبِرَ الرُّشْدَ فِي الْوَلِيِّ مَثَلًا، وَلَا يَعْتَبِرُهُ، وَيَشْتَرِطُ الْعَدَالَةَ فِي الشُّهُودِ، وَلَا يَعْتَبِرُهَا، وَهُوَ مُحَالٌ. وَالثَّانِي: وَهُوَ إِلْغَاؤُهُمَا مُمْتَنِعٌ أَيْضًا، لِإِفْضَائِهِ إِلَى خُلُوِّ الْوَاقِعَةِ عَنْ حُكْمٍ، مَعَ وُرُودِ النَّصِّ فِيهَا، وَإِلَى تَعْطِيلِ النَّصِّ، مَعَ إِمْكَانِ اسْتِعْمَالِهِ. وَالثَّالِثُ: وَهُوَ إِعْمَالُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ ; فَيَتَعَيَّنُ الرَّابِعُ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَالْعَمَلُ بِهِمَا، بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَكَانَ أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ ; لِأَنَّهُ أَكْثَرُ فَائِدَةً، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.

стр. 1161

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «قَالَ» : يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ احْتَجَّ لِمَذْهَبِهِ بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ تَقْيِيدَ الْمُقَيَّدِ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ الْمُطْلَقِ، «وَالزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ» فَلَوْ حُمِلَ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، لَكَانَ ذَلِكَ نَسْخًا لِلْمُطْلَقِ، وَالنَّسْخُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ ; فَيَجِبُ تَرْكُهُ مَا أَمْكَنَ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُطْلَقَ كَلَامُ الشَّارِعِ الْحَكِيمِ، «وَكَلَامُ الْحَكِيمِ يُحْمَلُ عَلَى إِطْلَاقِهِ» ، لِوُجُوبِ اسْتِقْلَالِهِ بِالْفَائِدَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ قَائِلُهُ حَكِيمًا، وَقَدْ فَرَضْنَاهُ حَكِيمًا، هَذَا خُلْفٌ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ دَلَالَةَ الْمُقَيَّدِ عَلَى عَدَمِ إِفَادَةِ الْمُطْلَقِ لِحُكْمِهِ، إِنَّمَا هُوَ «مِنْ بَابِ مَفْهُومِ الصِّفَةِ» . وَبَيَانُهُ أَوْ قَوْلُهُ ﵇: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ» ، إِنَّمَا دَلَّ بِمَفْهُومِهِ - عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُرْشِدِ لَا تَصِحُّ وِلَايَتُهُ - لَا بِمَنْطُوقِهِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ بَابِ مَفْهُومِ الصِّفَةِ ; لَمْ يَكُنْ حُجَّةً عَلَيْنَا ; «لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَنَا» . - قَوْلُهُ: «قُلْنَا: الْأَوَّلُ، وَنَصِّيَّتُهُ عَلَى إِرَادَةِ الْمُطْلَقِ مَمْنُوعَانِ» . «الْأَوَّلُ» : إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: «الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ» أَيْ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذَلِكَ نَسْخٌ. وَقَدْ سَبَقَ وَجْهُ الْمَنْعِ فِي بَابِ النَّسْخِ، وَكَذَلِكَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُطْلَقَ مَنْصُوصٌ عَلَى إِرَادَتِهِ مُجَرَّدًا، بَلْ بِقَيْدِ الْمُقَيَّدِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي دَلِيلِهِ ادَّعَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُطْلَقَ مَنْصُوصٌ عَلَى إِرَادَتِهِ. الثَّانِي: أَنَّ التَّقْيِيدَ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ ; فَمَنَعْنَا الْأَمْرَيْنِ. «وَالثَّانِي» : وَهُوَ قَوْلُهُ: «كَلَامُ الْحَكِيمِ يُحْمَلُ عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَإِلَّا لَمَا اسْتَقَلَّ بِالْفَائِدَةِ ; فَيَقْدَحُ فِي حِكْمَتِهِ» «مُعَارِضٌ، بِأَنَّ الْحَكِيمَ لَا يَأْمُرُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ

стр. 1162

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ضِدَّيْنِ» وَلَا بِالتَّرْجِيحِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا لُزُومَ ذَلِكَ، مَنْ تَرْكِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، بِمَا ذَكَرْنَا. قَوْلُهُ: «وَيَأْتِي جَوَابُ الثَّالِثِ» ، يَعْنِي قَوْلَهُ: إِنَّ دَلَالَةَ الْمُقَيَّدِ مِنْ بَابِ مَفْهُومِ الصِّفَةِ. وَجَوَابُهُ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي بَابِ الْمَفْهُومِ. قُلْتُ: لَا نِزَاعَ فِي بُطْلَانِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، مِنْ دَلِيلِ التَّقْسِيمِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ إِعْمَالُ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، وَإِلْغَاؤُهُمَا، وَإِعْمَالُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، لَكِنَّ النِّزَاعَ فِي كَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ; فَنَحْنُ نَقُولُ: يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَأَبُو حَنِيفَةُ يَقُولُ بِالْعَمَلِ بِالْمُطْلَقِ جَوَازًا، وَبِالْمُقَيَّدِ اسْتِحْبَابًا، وَلَا جَرَمَ أَنَّهُ قَالَ: يَصِحُّ النِّكَاحُ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، وَهُوَ بَوَلِيٍّ أَوْلَى، وَكَذَا عَدَالَةُ الشُّهُودِ أَوْلَى، وَعَدَمُهَا لَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ، وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ» ، عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ وَالْأَوْلَوِيَّةِ، لَا عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ. وَلَعَمْرِي، إِنَّ لِمَذْهَبِهِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ اتِّجَاهًا.

стр. 1163

وَإِنِ اتَّحَدَا حُكْمًا لَا سَبَبًا، كَرَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَرَقَبَةٍ مُطْلَقَةٍ فِي الظِّهَارِ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي، وَالْمَالِكِيَّةِ. وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ وَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقْلَا. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِنْ عَضَدَهُ قِيَاسٌ، حُمِلَ عَلَيْهِ كَتَخْصِيصِ الْعَامِّ بِالْقِيَاسِ، وَإِلَّا فَلَا، وَلَعَلَّهُ أَوْلَى. النَّافِي: لَعَلَّ إِطْلَاقَ الشَّارِعِ وَتَقْيِيدَهُ لِتَفَاوُتِ الْحُكْمَيْنِ فِي الرُّتْبَةِ عِنْدَهُ ; فَتَسْوِيَتُنَا بَيْنَهُمَا عَكْسُ مَقْصُودِهِ. الْمُثْبِتُ: عَادَةُ الْعَرَبِ الْإِطْلَاقُ فِي مَوْضِعٍ وَالتَّقْيِيدُ فِي آخَرَ. وَقَدْ عُلِمَ مِنَ الشَّرْعِ بِنَاءُ قَوَاعِدِهِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ مِنْ تَخْصِيصِ الْعَامِّ وَتَبْيِينِ الْمُجْمَلِ ; فَكَذَا هَاهُنَا. وَلِأَنَّهُ قَدْ قَيَّدَ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٢] ، بِـ ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطَّلَاقِ: ٢] ، فَإِنِ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ ; فَلَا حَمْلَ، كَتَقْيِيدِ الصَّوْمِ بِالتَّتَابُعِ، وَإِطْلَاقِ الْإِطْعَامِ، إِذْ شَرْطُ الْإِلْحَاقِ اتِّحَادُهُ. وَمَتَى اجْتَمَعَ مُطْلَقٌ، وَمُقَيَّدَانِ مُتَضَادَّانِ، حُمِلَ عَلَى أَشْبَهِهِمَا بِهِ. ــ قَوْلُهُ: «وَإِنْ اتَّحَدَا حُكْمًا لَا سَبَبًا» ، هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، وَهُوَ أَنْ يَخْتَلِفَ سَبَبُهُمَا وَيَتَّحِدَ حُكْمُهُمَا، كَعِتْقِ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَعِتْقِ رَقَبَةٍ مُطْلَقَةٍ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْآيَتَيْنِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النِّسَاءِ: ٩٢] ، ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ٣] ، فَسَبَبُهُمَا مُخْتَلِفٌ وَهُوَ الظِّهَارُ وَالْقَتْلُ، وَحُكْمُهُمَا مُتَّحِدٌ، وَهُوَ عِتْقُ الرَّقَبَةِ ; فَحُكْمُهُ كَذَلِكَ، أَيْ:

стр. 1164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ «عِنْدَ الْقَاضِي، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ» ، أَيْ: بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، «وَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَبُو إِسْحَاقَ بْنِ شَاقْلَا» مِنْ أَصْحَابِنَا ; فَقَالُوا: لَا يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ هَاهُنَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ ﵀ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا أَيْضًا. «وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِنْ عَضَدَهُ قِيَاسٌ، حُمِلَ عَلَيْهِ، كَتَخْصِيصِ الْعَامِّ بِالْقِيَاسِ» . مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنْ يُحْمَلَ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، إِنْ وَافَقَهُ قِيَاسٌ دَلَّ عَلَيْهِ، قِيَاسًا عَلَى تَخْصِيصِ الْعَامِّ بِالْقِيَاسِ الْخَاصِّ، كَمَا سَبَقَ، وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْهُ قِيَاسٌ، لَمْ يُحْمَلِ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ. قُلْتُ: هَذَا الَّذِي فَهِمْتُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَكَلَامُهُ فِي ذَلِكَ مُضْطَرِبٌ ; لِأَنَّهُ قَالَ: وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُبْنَى عَلَيْهِ، أَيْ: يُبْنَى الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ ; لِأَنَّ تَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ كَتَخْصِيصِ الْعُمُومِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ بِالْقِيَاسِ الْخَاصِّ. قُلْتُ: فَتَعْلِيلُهُ فِي آخِرِ هَذَا الْكَلَامِ، يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْتُ، وَفَهِمْتُ مِنْ كَلَامِهِ، وَهُوَ أَنَّ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ هَاهُنَا يَحْتَاجُ إِلَى قِيَاسٍ عَاضِدٍ، مُوَافِقٍ لَهُ، كَمَا أَنَّ تَخْصِيصَ الْعَامِّ يَحْتَاجُ إِلَى قِيَاسٍ مُخَصِّصٍ، لَكِنَّ صَدْرَ كَلَامِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: يُبْنَى الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ، يَحْتَمِلُ مَا فَهِمْتُهُ مِنْ كَلَامِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ قِيَاسُ صُورَةِ الْإِطْلَاقِ، عَلَى صُورَةِ التَّقْيِيدِ، بِجَامِعِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا، مِنَ اتِّحَادِ

стр. 1165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْحُكْمِ، لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ أَرَادَ بِالْإِطْلَاقِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّقْيِيدُ. قُلْتُ: وَعَلَى هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ يَتَرَتَّبُ فِي الْحُكْمِ خِلَافٌ ; لِأَنَّ بِتَقْدِيرِ الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ، إِنْ وُجِدَ قِيَاسٌ يَدُلُّ عَلَى حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ حُمِلَ، وَإِلَّا فَلَا ; فَحَمْلُهُ عَلَيْهِ فِي حَالٍ مِنْ حَالَيْنِ، وَعَلَى تَقْدِيرٍ مِنْ تَقْدِيرَيْنِ. وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ وَلَا بُدَّ، لَكِنَّ مُسْتَنَدَ الْحَمْلِ عَلَيْهِ هَلْ هُوَ الْقِيَاسُ أَوْ قِيَامُ الدَّلِيلِ عَلَى إِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ بِمُطْلَقِ كَلَامِهِ مُقَيَّدَةً ; فَافْهَمْ هَذَا. - قَوْلُهُ: «وَلَعَلَّهُ أَوْلَى» ، أَيْ: قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ، إِنْ عَضَدَهُ قِيَاسٌ، حُمِلَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا، يَقْرُبُ أَنْ يَكُونَ أَوْلَى مِنَ الْخِلَافِ الْمُرْسَلِ، بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ الْمُطْلَقِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ أَثْبَتَ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، نَظَرَ إِلَى اتِّحَادِ الْحُكْمِ، وَمَنْ نَفَاهُ، نَظَرَ إِلَى اخْتِلَافِ السَّبَبِ، وَكِلَا النَّظَرَيْنِ لَيْسَ كَافِيًا فِي مُسْتَنَدِ الْحَمْلِ وَعَدَمِهِ، فَإِذَا وُجِدَ قِيَاسٌ مُوَافِقٌ لِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، قَوِيَ مُسْتَنَدُهُ ; فَصَلُحَ أَنْ يُثْبَتَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ قِيَاسٌ مُوَافِقٌ لَهُ، لَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ، اسْتِصْحَابًا لِلْحَالِ فِي ذَلِكَ، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ جَوَازِهِ.

стр. 1166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ - قَوْلُهُ: «النَّافِي» لِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، إِذَا اخْتَلَفَ سَبَبُهُمَا، أَيِ: احْتَجَّ النَّافِي بِأَنْ قَالَ: «لَعَلَّ إِطْلَاقَ الشَّارِعِ» الْحُكْمَ فِي مَوْضِعٍ، «وَتَقْيِيدَهُ» فِي آخَرَ، «لِتَفَاوُتِ الْحُكْمَيْنِ فِي الرُّتْبَةِ عِنْدَهُ» مِثْلُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ فِي الظِّهَارِ أَخَفُّ مِنْهَا فِي الْقَتْلِ ; فَلِذَلِكَ لَمْ يُقَيِّدْ فِيهِ الرَّقَبَةَ بِالْإِيمَانِ، تَغْلِيظًا عَلَى الْمُكَلَّفِ فِي الْأَغْلَظِ، وَتَخْفِيفًا عَنْهُ فِي الْأَخَفِّ، مُنَاسَبَةً مِنْهُ وَعَدْلًا ; «فَتَسْوِيَتُنَا بَيْنَهُمَا» ، بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، عَكْسُ مَقْصُودِ الشَّارِعِ إِظْهَارَ تَفَاوُتِ الْحُكْمَيْنِ، وَإِنِ احْتَمَلَ وُجُودُ الْمَانِعِ مِنَ الْحَمْلِ وَعَدَمِهِ. وَالْأَصْلُ عَدَمُ جَوَازِهِ، وَجَبَ أَنْ يَسْتَصْحِبَ فِيهِ حَالَ عَدَمِ الْجَوَازِ، وَلَا يُقْدِمُ عَلَى مَا يَحْتَمِلُ الْإِفْضَاءَ إِلَى عَكْسِ مَقْصُودِ الشَّارِعِ. - قَوْلُهُ: «الْمُثْبِتُ» ، أَيِ: احْتَجَّ الْمُثْبِتُ لِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، بِوُجُوهٍ: - أَحَدُهَا: أَنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ فِي لُغَتِهَا إِطْلَاقُ الْكَلَامِ فِي مَوْضِعٍ، وَتَقْيِيدُهُ فِي آخَرَ، وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَارِدَانِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ ; فَيُحْمَلُ أَمْرُهُمَا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي لُغَتِهَا، وَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ مِنْهُمَا عَلَى الْمُقَيَّدِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ «قَدْ عُلِمَ مِنَ الشَّرْعِ بِنَاءُ قَوَاعِدِهِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ» ، كَتَخْصِيصِ الْعَامِّ بِالْخَاصِّ، وَتَبْيِينِ الْمُجْمَلِ بِالْمُبَيَّنِ «فَكَذَا هَاهُنَا» ، يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ ; لِأَنَّهُ مِنْهُ، أَيْ: لِأَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ قَبِيلِ الْمُجْمَلِ، لِاحْتِمَالِهِ أَمْرَيْنِ فَأَكْثَرَ، كَالرَّقَبَةِ الَّتِي تَحْتَمِلُ الْإِيمَانَ وَالْكُفْرَ ; فَتُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ ; لِأَنَّهُ كَالْمُبَيَّنِ بَلْ هُوَ مُبَيَّنٌ عَلَى التَّحْقِيقِ، بِمَا اخْتَصَّ بِهِ مِنَ التَّقْيِيدِ، أَوْ يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: لِأَنَّهُ مِنْهُ، أَنَّ الْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ مِنْ جُمْلَةِ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ، الَّتِي يَنْبَغِي بِنَاءُ

стр. 1167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ. وَقَدْ شَذَّ عَنِّي الْآنَ مَا أَرَدْتُ بِهِ عِنْدَ الِاخْتِصَارِ، لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ لَا يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ قَدْ وَقَعَ فِي الشَّرْعِ، وَاتَّفَقْنَا عَلَى وُجُوبِهِ، حَيْثُ قَيَّدْنَا مُطْلَقَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْمُدَايَنَةِ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٢] ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْمُرَاجَعَةِ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطَّلَاقِ: ٢] ، وَحَيْثُ وَجَبَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ; فَلْيَجِبْ فِي نَظَائِرِهَا، إِذْ حُكْمُ الْأَمْثَالِ وَاحِدٌ. قُلْتُ: مَأْخَذُ الْخِلَافِ هَاهُنَا: أَنَّ إِطْلَاقَ الْمُتَكَلِّمِ فِي مَوْضِعٍ، وَتَقْيِيدَهُ فِي آخَرَ، هَلْ هُوَ ظَاهِرٌ فِي إِرَادَتِهِ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ، بِنَاءً عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ قَاعِدَةِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَأَنَّهُمْ يُطْلِقُونَ فِي مَوْضِعٍ اتِّكَالًا عَلَى مَا قَيَّدُوهُ فِي غَيْرِهِ، أَوْ هُوَ ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ إِرَادَتِهِ التَّقْيِيدَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ التَّقْيِيدَ، لَقَيَّدَ، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ يَقْرُبُ مِنْ دَلَالَةِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ ; لِأَنَّ الْقَائِلَ يَقُولُ: لَمَّا قَيَّدَ الرَّقَبَةَ فِي الْقَتْلِ، دُونَ الظِّهَارِ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ فِيهَا الْإِيمَانَ، وَإِلَّا لَقَيَّدَ فِيهَا، كَمَا قَيَّدَ فِي الْقَتْلِ. وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ اسْتِدْلَالٌ بِالسُّكُوتِ عَنْ تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ، وَفِيهِ مَا فِيهِ، وَالْبَحْثُ مُتَقَابِلٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ. قَوْلُهُ: «فَإِنِ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ ; فَلَا حَمْلَ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا هُوَ الْقَسَمُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَهُوَ أَنْ

стр. 1168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَخْتَلِفَ حُكْمُهُمَا ; فَلَا يُحْمَلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، سَوَاءٌ اتَّفَقَ سَبَبُهُمَا، أَوِ اخْتَلَفَ، كَتَقْيِيدِ الصَّوْمِ بِالتَّتَابُعِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَإِطْلَاقِ الْإِطْعَامِ فِيهَا، فَإِنَّ سَبَبَهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، وَحُكْمُهُمَا مُخْتَلِفٌ، وَهُوَ الصَّوْمُ وَالْإِطْعَامُ. وَمِثَالُ اخْتِلَافِ السَّبَبِ وَالْحُكْمِ تَقْيِيدُ الصَّوْمِ بِالتَّتَابُعِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَإِطْلَاقُ الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، أَوْ فِدْيَةِ الصَّوْمِ ; فَلَا يُحْمَلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ ; لِأَنَّ شَرْطَ إِلْحَاقِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ اتِّحَادُهُ، أَيِ: اتِّحَادُ الْحُكْمِ، وَهُوَ هَاهُنَا مُخْتَلِفٌ ; فَيَنْتَفِي الْإِلْحَاقُ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ شَرْطَ الْإِلْحَاقِ اتِّحَادُ الْحُكْمِ ; لِأَنَّ الْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ لَمَّا كَانَ حُكْمُهُمَا بِالنَّظَرِ إِلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ مُخْتَلِفًا، كَانَ فَائِدَةُ حَمْلِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ اتِّحَادَ الْحُكْمِ، وَالتَّخَلُّصَ مِنْ تَعَدُّدِهِ وَتَعَارُضِهِ، اللَّذَيْنِ هُمَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَإِذَا كَانَ حُكْمُهُمَا مُخْتَلِفًا بِالنَّصِّ، انْتَفَتِ الْفَائِدَةُ الْمَذْكُورَةُ ; فَامْتَنَعَ الْإِلْحَاقُ. وَقَدْ بَانَ بِقَوْلِنَا: إِنَّ الْحُكْمَ إِذَا اخْتَلَفَ، امْتَنَعَ الْإِلْحَاقُ، سَوَاءٌ اتَّفَقَ السَّبَبُ أَوِ اخْتَلَفَ، أَنَّ أَقْسَامَ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ أَرْبَعَةٌ ; لِأَنَّ السَّبَبَ وَالْحُكْمَ ; إِمَّاَ أَنْ يَتَّفِقَا أَوْ يَخْتَلِفَا، أَوْ يَتَّفِقَ الْحُكْمُ وَيَخْتَلِفَ السَّبَبُ، أَوْ يَخْتَلِفَ الْحُكْمُ وَيَتَّفِقَ السَّبَبُ، وَقَدْ بَانَتْ أَمْثِلَتُهَا، وَهَذِهِ أَصَحُّ وَأَضْبَطُ مِنَ الْقِسْمَةِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلُ، وَإِنْ كَانَ الْمُوجِبِ لَهَا أَنَّ ظَاهِرَ الْأَقْسَامِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ثَلَاثَةٌ، وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ، وَهُوَ مَا إِذَا اخْتَلَفَ الْحُكْمُ، يَتَضَمَّنُ الرَّابِعَ بِتَقْدِيرِ اتِّفَاقِ السَّبَبِ وَاخْتِلَافِهِ ; فَاعْلَمْ ذَلِكَ.

стр. 1169

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «وَمَتَى اجْتَمَعَ مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدَانِ مُتَضَادَّانِ، حُمِلَ» ، يَعْنِي الْمُطْلَقَ «عَلَى أَشْبَهِهِمَا بِهِ» ، يَعْنِي يُحْمَلُ عَلَى مَا هُوَ أَشْبَهُ بِهِ مِنَ الْمُقَيَّدَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، فِي صُورَةٍ يَتَّجِهُ فِيهَا ذَلِكَ، كَمَا إِذَا اتَّفَقَ الْحُكْمُ وَالسَّبَبُ، أَوِ الْحُكْمُ وَحْدَهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّا: إِمَّا أَنْ نَحْمِلَهُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا ; فَيَلْزَمُ التَّضَادُّ، كَالصَّوْمِ، هُوَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ مُقَيَّدٌ بِالتَّتَابُعِ، وَفِي مُتْعَةِ الْحَجِّ مُقَيَّدٌ بِالتَّفْرِيقِ ; فَلَوْ حَمَلْنَا الصَّوْمَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ مُطْلَقٌ، لَزِمَ أَنْ يَجِبَ فِيهِ التَّتَابُعُ وَالتَّفْرِيقُ مَعًا، وَهُوَ مُحَالٌ، أَوْ لَا نَحْمِلُهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا ; فَتَبْطُلُ قَاعِدَةُ إِلْحَاقِ الْمُطْلَقِ بِالْمُقَيَّدِ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّ هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَيْهِ، أَوْ نَحْمِلُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا اعْتِبَاطًا، بِحَسَبِ الِاخْتِيَارِ، مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ ; فَيَكُونُ تَرْجِيحًا بِلَا مُرَجِّحٍ. وَإِذَا انْتَفَتْ هَذِهِ الْأَقْسَامُ، تَعَيَّنَ مَا قُلْنَاهُ، وَهُوَ حَمْلُهُ عَلَى الْأَشْبَهِ بِهِ مِنْهُمَا، بِطَرِيقِ النَّظَرِ لَا اجْتِهَادَ. وَمِثَالُهُ الْأَصَحُّ: أَنَّ غَسْلَ الْأَيْدِي فِي الْوُضُوءِ، وَرَدَ مُقَيَّدًا بِالْمَرَافِقِ، وَقَطْعُهَا فِي السَّرِقَةِ مُقَيَّدٌ بِالْكُوعِ بِالْإِجْمَاعِ، وَمَسْحُهَا فِي الَّتَّيَمُّمِ وَرَدَ مُطْلَقًا ; فَهَلْ يُلْحَقُ بِالْقَطْعِ فِي تَقْيِيدِهِ بِالْكُوعِ، أَوْ بِالْغَسْلِ فِي تَقْيِيدِهِ بِالْمَرَافِقِ؟ وَلِهَذَا خَرَجَ الْخِلَافُ فِيهِ. أَمَّا تَرَدُّدُ صَوْمِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بَيْنَ صَوْمِ الظِّهَارِ وَالْحَجِّ ; فَمِثَالٌ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الصَّوْمَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ مَا وَرَدَ عَنِ الشَّرْعِ إِلَّا مُقَيَّدًا بِالتَّتَابُعِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: «فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ»

стр. 1170

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَأَنَّهَا إِمَّا قُرْآنٌ، أَوْ خَبَرٌ، كَمَا سَبَقَ. نَعَمْ يَصِحُّ تَمْثِيلُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ بِهِ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَرَى التَّتَابُعَ فِيهِ، وَضَرْبُ الْأَمْثِلَةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ لَا يَخْتَصُّ بِمَذْهَبٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1171

الْمُجْمَلُ الْمُجْمَلُ: لُغَةً: مَا جُعِلَ جُمْلَةً وَاحِدَةً، لَا يَنْفَرِدُ بَعْضُ آحَادِهَا عَنْ بَعْضٍ، وَاصْطِلَاحًا: اللَّفْظُ الْمُتَرَدِّدُ بَيْنَ مُحْتَمَلَيْنِ فَصَاعِدًا عَلَى السَّوَاءِ. وَقِيلَ: مَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مَعْنًى. قُلْتُ: مُعَيَّنٌ وَإِلَّا بَطَلَ بِالْمُشْتَرَكِ ; فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ مَعْنًى غَيْرُ مُعَيَّنٍ. وَهُوَ إِمَّا فِي الْمُفْرَدِ، كَالْعَيْنِ، وَالْقُرْءِ، وَالْجَوْنِ، وَالشَّفَقِ فِي الْأَسْمَاءِ، وَعَسْعَسَ، وَبَانَ فِي الْأَفْعَالِ، وَتَرَدُّدِ «الْوَاوِ» بَيْنَ الْعَطْفِ وَالِابْتِدَاءِ فِي نَحْوِ: (وَالرَّاسِخُونَ) [آلِ عِمْرَانَ: ٧] ، وَ «مِنْ» بَيْنَ ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ وَالتَّبْعِيضِ فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ فِي الْحُرُوفِ، أَوْ فِي الْمُرَكَّبِ كَتَرَدُّدِ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ بَيْنَ الْوَلِيِّ وَالزَّوْجِ، وَقَدْ يَقَعُ مِنْ جِهَةِ التَّصْرِيفِ كَالْمُخْتَارِ وَالْمُغْتَالِ لِلْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ، وَحُكْمُهُ التَّوَقُّفُ عَلَى الْبَيَانِ الْخَارِجِيِّ. ــ قَوْلُهُ: «الْمُجْمَلُ» . لَمَّا انْتَهَى الْكَلَامُ فِي الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، أَخَذَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ. الْمُجْمَلُ لُغَةً، أَيْ: فِي اللُّغَةِ، «مَا جُعِلَ جُمْلَةً وَاحِدَةً، لَا يَنْفَرِدُ

стр. 1172

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بَعْضُ آحَادِهَا عَنْ بَعْضٍ» ، كَالْمُجْمَلِ مِنَ الْمَعْدُودَاتِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَقَدْ أَجْمَلْتُ الْحِسَابَ: إِذَا رَدَدْتُهُ إِلَى الْجُمْلَةِ. قُلْتُ: وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي الْقَدَرِ: هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ، لَا يُزَادُ فِيهِمْ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ. وَذَكَرَ فِي أَهْلِ النَّارِ كَذَلِكَ، الْحَدِيثَ، وَمَادَّةُ الْكَلِمَةِ تَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى التَّكْثِيرِ وَالِاجْتِمَاعِ وَانْضِمَامِ الْآحَادِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ. قَالَ الْآمِدِيُّ: وَقِيلَ: الْمُجْمَلُ الْمُحَصَّلُ، وَمِنْهُ يُقَالُ: أَجْمَلْتُ الْحِسَابَ: إِذَا حَصَّلْتُهُ. قُلْتُ: الْأَوَّلُ أَشْبَهُ. - قَوْلُهُ: «وَاصْطِلَاحًا» ، أَيْ: وَالْمُجْمَلُ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ: «هُوَ اللَّفْظُ الْمُتَرَدِّدُ بَيْنَ مُحْتَمَلَيْنِ فَصَاعِدًا عَلَى السَّوَاءِ» ، أَيْ: لَا رُجْحَانَ لَهُ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ. فَقَوْلُنَا: اللَّفْظُ الْمُتَرَدِّدُ، احْتِرَازٌ مِنَ النَّصِّ ; فَإِنَّهُ لَا تَرَدُّدَ فِيهِ، إِذْ لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدًا.

стр. 1173

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَقَوْلُنَا: «عَلَى السَّوَاءِ» احْتِرَازٌ مِنَ الظَّاهِرِ ; فَإِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ مُحْتَمَلَيْنِ، لَكِنْ لَا عَلَى السَّوَاءِ، بَلْ هُوَ فِي أَحَدِهِمَا أَظَهَرُ، وَكَالْحَقِيقَةِ الَّتِي لَهَا مَجَازٌ ; فَإِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ أَظَهَرُ، وَالْمُجْمَلُ فِي الْأَلْفَاظِ كَالشَّكِّ فِي الْإِدْرَاكِ ; لِأَنَّ الشَّكَّ: هُوَ احْتِمَالُ أَمْرَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ. وَقَالَ الْآمِدِيُّ: الْمُجْمَلُ: مَا لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ، لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ. قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: مَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مَعْنًى» . هَذَا تَعْرِيفٌ آخَرُ لِلْمُجْمَلِ، وَهُوَ الَّذِي قُدِّمَ فِي أَصْلِ «الْمُخْتَصَرِ» ، وَهُوَ نَاقِصٌ ; لِأَنَّ مَا لَا يُفِيدُ مَعْنًى لَيْسَ كَلَامًا، وَهُوَ مَوْضُوعُ نَظَرِ أَحَدٍ، لَا لُغَوِيٍّ، وَلَا أُصُولِيٍّ، وَلَا غَيْرِهِ، بَلْ هُوَ لَفْظٌ مُهْمَلٌ، وَالْمُجْمَلُ يُفِيدُ مَعْنًى، لَكِنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَمَا تَعَيَّنَ مُرَادُهُ بِالْبَيَانِ ; لِأَنَّ الْبَيَانَ كَاشِفٌ عَنِ الْمُرَادِ بِالْمُجْمَلِ، لَا مُنْشِئٌ لِلْمُرَادِ ; فَلِذَلِكَ كَمَّلْتُ هَذَا التَّعْرِيفَ بِقَوْلِي: قُلْتُ: مُعَيَّنٌ، أَيِ: الْمُجْمَلُ مَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مَعْنًى مُعَيَّنٌ. قَوْلُهُ: «وَإِلَّا بَطَلَ بِالْمُشْتَرَكِ» ، أَيْ: لَوِ اقْتَصَرْنَا فِي تَعْرِيفِ الْمُجْمَلِ عَلَى مَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مَعْنًى، لَبَطَلَ بِالْمُشْتَرَكِ نَحْوُ الْقُرْءِ لِلْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، وَالْجَوْنِ لِلْأَسْوَدِ وَالْأَبْيَضِ، وَالْعَيْنِ لِلذَّهَبِ وَالْعُضْوِ الْبَاصِرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ مُجْمَلٌ، وَهُوَ يُفْهَمُ مِنْهُ مَعْنًى، لَكِنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ ; فَإِنَّا إِذَا أَطْلَقْنَا لَفَظَ الْقُرْءِ ; فَهِمْنَا مِنْهُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ، وَهُوَ مَعْنًى مُجْمَلٌ. قَوْلُهُ: «وَهُوَ إِمَّا فِي الْمُفْرَدِ» ، إِلَى آخِرِهِ. يَعْنِي الْمُجْمَلَ إِمَّا أَنْ يَقَعَ فِي

стр. 1174

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ، أَوِ الْمُرَكَّبِ، وَالْوَاقِعُ فِي الْمُفْرَدِ، إِمَّا أَنْ يَقَعَ فِي الْأَسْمَاءِ، أَوِ الْأَفْعَالِ، أَوِ الْحُرُوفِ. أَمَّا فِي الْأَسْمَاءِ ; فَكَالْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ ; فَإِنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْمُجْمَلِ، وَهِيَ أَخَصُّ مِنْهُ، إِذْ كَلُّ مُشْتَرَكٍ مُجْمَلٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مُجْمَلٍ مُشْتَرَكًا، وَذَلِكَ كَالْعَيْنِ الْمُتَرَدِّدِ بَيْنَ مُحْتَمَلَاتِهِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ، وَالْقُرْءِ الْمُتَرَدِّدِ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ، وَالْجَوْنِ الْمُتَرَدِّدِ بَيْنَ الْأَسْوَدِ وَالْأَبْيَضِ، وَالشَّفَقِ الْمُتَرَدِّدِ بَيْنَ الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ. وَلِهَذَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِي دُخُولِ وَقْتِ عِشَاءِ الْآخِرَةِ، هَلْ هُوَ بِغَيْبُوبَةِ حُمْرَةِ الشَّمْسِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ، أَوْ بِغَيْبُوبَةِ الْبَيَاضِ الَّذِي هُوَ بَعْدَهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الشَّفَقِ الْمَذْكُورِ فِي الْأَثَرِ، هُوَ الْبَيَاضُ أَوِ الْحُمْرَةُ. وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا لُغَةً، لَكِنَّ أَكْثَرَ السَّلَفِ، كَابْنِ عُمَرَ، وَعُبَادَةَ، وَشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، وَغَيْرِهِمْ فَسَّرُوهُ بِالْحُمْرَةِ هَاهُنَا. وَأَمَّا فِي الْأَفْعَالِ ; فَنَحْوُ: عَسْعَسَ، بِمَعْنَى أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: يُقَالُ: عَسْعَسَ اللَّيْلُ: إِذَا أَقْبَلَ ظَلَامُهُ. قَالَ: وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى عَسْعَسَ: أَدْبَرَ. قُلْتُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١٧] ، يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ أَقْسَمَ بِقُدْرَتِهِ عَلَى إِقْبَالِ اللَّيْلِ بِقَوْلِهِ : ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ ، أَيْ: أَقْبَلَ، وَعَلَى إِقْبَالِ النَّهَارِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 1175

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التَّكْوِيرِ: ١٨] ، أَوْ أَنَّهُ أَقْسَمَ بِقُدْرَتِهِ عَلَى إِذْهَابِ اللَّيْلِ بِقَوْلِهِ : ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ ، أَيْ: أَدْبَرَ، وَعَلَى الْإِتْيَانِ بِالنَّهَارِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَاخْتِلَافَهُمَا، مِنْ أَعْجَبِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَأَدَلِّهَا عَلَى قُدْرَةِ الْبَارِئِ وَحِكْمَتِهِ ﷻ ، وَلِذَلِكَ كَثُرَ ذِكْرُهُمَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، نَحْوَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٦٤] ، ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الْحَدِيدِ: ٦] ، ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [الْقَصَصِ: ٧٣] ، فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ. وَكَذَلِكَ «بَانَ» بِمَعْنَى ظَهَرَ، وَمِنْهُ: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٥٦] ، ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ [النُّورِ: ١٨] ، وَبَانَ بِمَعْنَى غَابَ وَاخْتَفَى، وَمِنْهُ: بَانَتْ سُعَادُ، بَانَ الْخَلِيطُ، وَمِنْهُ الْبَيْنُ، وَهُوَ الْفِرَاقُ وَالْبُعْدُ، وَمِنْهُ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٤] ، وَغُرَابُ الْبَيْنِ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ. وَأَمَّا فِي الْحُرُوفِ ; فَنَحْوُ «تَرَدُّدِ الْوَاوِ بَيْنَ الْعَطْفِ وَالِابْتِدَاءِ فِي نَحْوِ» قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٧] ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ، مُسْتَوْفًى بِحَمْدِ اللَّهِ وَمِنْهُ. وَكَتَرَدُّدِهَا بَيْنَ الْعَطْفِ وَالْحَالِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ : ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الْأَنْفَالِ: ٦٦] . لِأَنَّهَا إِنْ جُعِلَتْ عَاطِفَةً، لَزِمَ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِضَعْفِهِمْ حَدَثَ الْآنَ، وَبِهِ احْتَجَّ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى حُدُوثِ عِلْمِ الْبَارِئِ ﷻ بِالْمَعْلُومَاتِ. وَإِنْ جُعِلَتْ حَالِيَّةً، كَانَ تَقْدِيرُهُ: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ، عَالِمًا أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ; فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَا ذُكِرَ، غَيْرَ أَنَّ هَذَا يَضْعُفُ، مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يُوجِبُ إِضْمَارَ

стр. 1176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «قَدْ» ، أَيِ: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَقَدْ عَلِمَ ; لِأَنَّ الْمَاضِيَ لَا يَقَعُ حَالًا إِلَّا مَعَ قَدْ ظَاهِرَةً أَوْ مُقَدَّرَةً، نَحْوُ: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ﴾ [النِّسَاءِ: ٩٠] ، أَيْ: وَقَدْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَنَحْوُ تَرَدُّدِ مِنْ بَيْنَ ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ وَالتَّبْعِيضِ فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ، حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦] ; فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: مَعْنَاهَا ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ، أَيِ: اجْعَلُوا ابْتِدَاءَ الْمَسْحِ مِنَ الصَّعِيدِ، أَوِ ابْتَدِئُوا الْمَسْحَ مِنَ الصَّعِيدِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ ﵄: هِيَ لِلتَّبْعِيضِ، أَيِ: امْسَحُوا وُجُوهَكُمْ بِبَعْضِ الصَّعِيدِ ; فَلِذَلِكَ اشْتَرَطَ عِنْدَهُمَا أَنْ يَكُونَ لِمَا يُتَيَمَّمُ بِهِ غُبَارٌ، يَعْلَقُ بِالْيَدِ، لِيَتَحَقَّقَ الْمَسْحُ بِبَعْضِهِ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْمَسْحِ مِنَ الصَّعِيدِ: وَهُوَ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضَ ; فَقَدْ حَصَلَ ; فَيَخْرُجُ بِهِ مِنْ عُهْدَةِ النَّصِّ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ غُبَارٌ أَوْ لَا. وَكَذَلِكَ الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٦] تَرَدُّدٌ بَيْنَ الْإِلْصَاقِ وَالتَّبْعِيضِ، عَلَى مَا ادَّعَاهُ الشَّافِعِيَّةُ، وَنَقَلُوهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ ; فَانْبَنَى عَلَيْهِ الْخِلَافُ فِي وُجُوبِ اسْتِيعَابِ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنْكَرُوا وُرُودَ الْبَاءِ لِلتَّبْعِيضِ. وَالْمَأْخَذُ الْجَيِّدُ فِي تَبْعِيضِ مَسْحِ الرَّأْسِ غَيْرُ هَذَا، وَهُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْبَاءَ اسْتُعْمِلَتْ فِي اللُّغَةِ تَارَةً بِمَعْنَى الْإِلْصَاقِ، نَحْوَ: أَمْسَكْتُ الْحَبَلَ بِيَدِي، أَيْ: أَلْصَقْتُهَا بِهِ، وَتَارَةً لِلتَّبْعِيضِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ

стр. 1177

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَوْضُوعَةً لَهُ، نَحْوَ: مَسَحْتُ بِرَأْسِ الْيَتِيمِ، وَمَسَحْتُ يَدِي بِالْمِنْدِيلِ، وَأَخَذْتُ بِثَوْبِ الرَّجُلِ، وَبِرِكَابِهِ. وَلَمَّا اسْتُعْمِلَتْ فِي الْمَعْنَيَيْنِ، بَقِيَتْ فِي الْآيَةِ مُتَرَدِّدَةً بَيْنَهُمَا ; فَكَانَتْ مُجْمَلَةً ; فَاقْتُصِرَ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ عَلَى مُطْلَقِ الِاسْمِ ; لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ ; فَلَا يَجِبُ بِالشَّكِّ. وَيُرَدُّ عَلَى هَذَا الْمَأْخَذِ، أَنَّ الْبَاءَ حَيْثُ اسْتُعْمِلَتْ لِلتَّبْعِيضِ، كَانَ ذَلِكَ مَجَازًا، لِقَرَائِنَ ظَاهِرَةٍ فِي الْأَمْثِلَةِ الَّتِي ذَكَرُوهَا، وَالْأَصْلُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْمَجَازِ، كَمَا سَبَقَ. الْمَأْخَذُ الثَّانِي: مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ إِذَا عُلِّقَ بِاسْمٍ، هَلْ يَكْتَفِي بِأَوَّلِ ذَلِكَ الِاسْمِ، أَوْ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَهُ؟ فَلَمَّا عُلِّقَ الْمَسْحُ بِالرَّأْسِ هُنَا، اتَّجَهَ فِيهِ هَذَا الْخِلَافُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْمُجْمَلُ الْوَاقِعُ فِي اللَّفْظِ الْمُرَكَّبِ ; فَكَقَوْلِهِ : ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٧] ; فَإِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْوَلِيِّ وَالزَّوْجِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، وَعَلْقَمَةُ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَشُرَيْحٌ، وَالْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَغَيْرُهُمْ: هُوَ الْوَلِيُّ، الَّذِي الْمَرْأَةُ فِي حِجْرِهِ ; فَهُوَ الْأَبُ فِي ابْنَتِهِ الَّتِي لَمْ تَمْلِكْ أَمْرَهَا، وَالسَّيِّدُ فِي أَمَتِهِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: هُوَ الزَّوْجُ. قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ

стр. 1178

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَنْهُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَكَثِيرٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَشُرَيْحٌ رَجَعَ إِلَيْهِ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ الزَّوْجُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ الْوَلِيُّ الْأَبُ وَسَيِّدُ الْأَمَةِ. وَالْمُخْتَارُ الرَّاجِحُ فِي النَّظَرِ: أَنَّهُ الْوَلِيُّ، وَقَدِ اسْتَقْصَيْتُ أَدِلَّتَهُ اعْتِرَاضًا وَجَوَابًا فِي التَّفْسِيرِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنِّهِ. - قَوْلُهُ: «وَقَدْ يَقَعُ مِنْ جِهَةِ التَّصْرِيفِ، كَالْمُخْتَارِ وَالْمُغْتَالِ، لِلْفِعْلِ وَالْمَفْعُولِ» ، يَعْنِي أَنَّ الْإِجْمَالَ أَوِ الْمُجْمَلَ، قَدْ يَقَعُ فِي الْكَلَامِ مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ كَمَا سَبَقَ، وَقَدْ يَقَعُ عَارِضًا مِنْ جِهَةِ التَّصْرِيفِ ; وَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يُعَرَفُ بِهِ أَحْوَالُ أَبْنِيَةِ الْكَلَامِ، وَذَلِكَ كَالْمُخْتَارِ ; فَإِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ الِاخْتِيَارُ، وَبَيْنَ مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ الِاخْتِيَارُ ; فَاللَّهُ مُخْتَارٌ لِنَبِيِّهِ ﵊، أَيْ: وَقَعَ مِنْهُ اخْتِيَارُهُ رَسُولًا، وَالنَّبِيُّ ﷺ ، مُخْتَارٌ، أَيْ: وَقَعَ عَلَيْهِ اخْتِيَارُ اللَّهِ . وَكَذَلِكَ الْمُغْتَالُ ; يَصْلُحُ لِمَنِ اغْتَالَ غَيْرَهُ، أَيْ: قَتَلَهُ غِيلَةً، أَيْ: خُفْيَةً، وَلِمَنِ اغْتِيلَ، أَيْ: قُتِلَ كَذَلِكَ. وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ مُخْتَارَ أَصْلُهُ مُخْتِيرٌ بِكَسْرِ الْيَاءِ فِي الْفَاعِلِ وَفَتْحِهَا لِلْمَفْعُولِ، نَحْوَ: مُصْطَفِي وَمُصْطَفًى، فَلَمَّا تَحَرَّكَتِ الْيَاءُ كَسْرًا وَفَتْحًا، وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا، قُلِبَتْ أَلِفًا وَالْأَلِفُ لَا تَحْمِلُ الْحَرَكَةَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْفَاعِلُ مِنَ الْمَفْعُولِ ; فَلَا جَرَمَ وَقَعَ اللَّبْسُ، وَجَاءَ الْإِجْمَالُ. وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ فِي الْمُغْتَالِ.

стр. 1179

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ - قَوْلُهُ: «وَحُكْمُهُ التَّوَقُّفُ عَلَى الْبَيَانِ الْخَارِجِيِّ» ، أَيْ: وَ حُكْمُ الْمُجْمَلِ أَنْ يُتَوَقَّفَ فِيهِ عَلَى الدَّلِيلِ الْمُبَيِّنِ لِلْمُرَادِ بِهِ، خَارِجًا عَنْ لَفْظِهِ، كَمَا أَنَّ حُكْمَ النَّصِّ وَالظَّاهِرِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى الْعَمَلِ بِمَا ظَهَرَ مِنْهُمَا، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُكَلِّفْنَا الْعَمَلَ بِمَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَالْمُجْمَلُ لَا دَلِيلَ عَلَى الْمُرَادِ بِهِ ; فَلَا نُكَلَّفُ بِالْعَمَلِ بِهِ. فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُنَا الْعَمَلُ بِالْمُجْمَلِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَنَا ذَلِكَ أَيْضًا: هُوَ أَنَّ فِي الْعَمَلِ بِهِ تَعَرُّضًا بِالْخَطَأِ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ، وَالتَّعَرُّضُ بِالْخَطَأِ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ لَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ فِيهِ تَعَرُّضًا بِالْخَطَأِ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ إِذَا تَرَدَّدَ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ ; فَإِمَّا أَنْ يُرَادَا جَمِيعًا، أَوْ لَا يُرَادَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، أَوْ يُرَادَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ ; فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ، يَسْقُطُ مِنْهَا الثَّانِي، وَهُوَ أَنْ لَا يُرَادَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْحُكَمَاءِ، أَنْ يَتَكَلَّمُوا كَلَامًا لَا يَقْصِدُونَ بِهِ مَعْنًى، يَبْقَى ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، لَا دَلِيلَ عَلَى إِرَادَةِ وَاحِدَةٍ مِنْهَا. فَإِذَا أَقْدَمْنَا عَلَى الْعَمَلِ قَبْلَ الْبَيَانِ، احْتَمَلَ أَنْ نُوَافِقَ مُرَادَ الشَّرْعِ ; فَنَصِيبُ حُكْمَهُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ نُخَالِفَهُ ; فَنُخْطِئُ حُكْمَهُ ; فَتَحَقَّقَ بِذَلِكَ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْمُجْمَلِ قَبْلَ الْبَيَانِ تَعَرَّضَ بِالْخَطَأِ فِي حُكْمِ الشَّرْعِ. وَأَمَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ; فَلِأَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ يَجِبُ تَعْظِيمُهُ، وَالتَّعَرُّضُ بِالْخَطَأِ فِيهِ يُنَافِي تَعْظِيمَهُ ; فَيَكُونُ ذَلِكَ ضَرْبًا مِنَ الْإِهْمَالِ لَهُ، وَقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ وَالِاحْتِفَالِ بِهِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.

стр. 1180

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَمِثَالُ ذَلِكَ، لَوْ قَالَ: إِذَا غَابَ الشَّفَقُ ; فَصَلُّوا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، احْتَمَلَ أَنْ يُرِيدَ بِالشَّفَقِ الْحُمْرَةَ وَالْبَيَاضَ جَمِيعًا، وَأَنْ يُرِيدَ الْحُمْرَةَ فَقَطْ، وَأَنْ يُرِيدَ الْبَيَاضَ فَقَطْ. فَبِتَقْدِيرِ أَنْ يُرِيدَهُمَا جَمِيعًا ; فَلَوْ صَلَّيْنَا قَبْلَ مَغِيبِ الْبَيَاضِ، أَخْطَأْنَا، فَلَمَّا جَاءَ الْبَيَانُ بِقَوْلِهِ ﵊: «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ، فَإِذَا غَابَ الشَّفَقُ ; فَقَدْ وَجَبَ عِشَاءُ الْآخِرَةِ» . عِلِمْنَا الْمُرَادَ. وَأَبُو حَنِيفَةَ لَمَّا لَمْ يَبْلُغْهُ هَذَا الْحَدِيثُ، أَوْ بَلَغَهُ وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ، قَالَ: الْأَصْلُ بَقَاءُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ ; فَمَنِ ادَّعَى خُرُوجَهُ بِمُجَرَّدِ غَيْبُوبَةِ الْحُمْرَةِ ; فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، وَلِأَنَّ الْمُصَلِّيَ بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الْبَيَاضِ مُمْتَثِلٌ إِجْمَاعًا، وَقَبْلَهُ مُخْتَلَفٌ فِي امْتِثَالِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنَ امْتِثَالِ الْأَمْرِ ; فَيُسْتَصْحَبُ فِيهِ الْحَالُ.

стр. 1181

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٨] ، احْتَمَلَ أَنَّ الْمُرَادَ الْحُيَّضُ وَالْأَطْهَارُ، وَأَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِأَيِّهِمَا كَانَ، وَاحْتَمَلَ أَنَّ الْمُرَادَ الْحُيَّضُ فَقَطْ، أَوِ الْأَطْهَارُ فَقَطْ ; فَلَوْ أَمَرْنَاهَا قَبْلَ الْبَيَانِ بِبَعْضِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ، وَلَمْ يُوَافِقْ مُرَادَ الشَّرْعِ فِيهِ، كُنَّا مُخْطِئِينَ، فَلَمَّا جَاءَ الْبَيَانُ بِقَوْلِهِ : ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطَّلَاقِ: ٤] ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُرْءِ الْحَيْضُ ; لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ جَعَلَ الشُّهُورَ فِي الْآيِسَةِ بَدَلًا عَنِ الْحُيَّضِ بِقَوْلِهِ : ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ ، وَلَمْ يَقُلْ: يَئِسْنَ مِنَ الْأَطْهَارِ. وَأَكَّدَ ذَلِكَ «قَوْلُهُ ﵊ لِلْحَائِضِ: اتْرُكِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ»

стр. 1182

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالصَّلَاةُ إِنَّمَا تُتْرَكُ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ لَا الطُّهْرِ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَةِ أَقْوَى مِنَ الْحَدِيثِ.

стр. 1183

وَقَدِ ادُّعِيَ الْإِجْمَالُ فِي أُمُورٍ، وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ. مِنْهَا نَحْوُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣] ، أَيْ: أَكْلُهَا، وَأُمَّهَاتُكُمْ [النِّسَاءِ: ٢٣] ، أَيْ: وَطْؤُهُنَّ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافًا لِلْقَاضِي وَالْكَرْخِيِّ. لَنَا: الْحُكْمُ، الْمُضَافُ إِلَى الْعَيْنِ يَنْصَرِفُ لُغَةً وَعُرْفًا إِلَى مَا أُعِدَّتْ لَهُ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ. قَالُوا: الْمُحَرَّمُ فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ، لَا نَفْسِهَا، وَالْأَفْعَالُ مُتَسَاوِيَةٌ. قُلْنَا: مَمْنُوعٌ، بَلِ التَّرْجِيحُ عُرْفِيٌّ كَمَا ذُكِرَ، وَكَذَا ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٧٥] ، مُجْمَلٌ عِنْدِ الْقَاضِي لِتَرَدُّدِ الرِّبَا بَيْنَ مُسَمَّيَيْهِ، اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ. ــ قَوْلُهُ: «وَقَدِ ادُّعِيَ الْإِجْمَالُ فِي أُمُورٍ وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ» . أَيِ: ادَّعَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ أَنَّهَا مُجْمَلَةٌ، وَلَيْسَتْ مُجْمَلَةً. «مِنْهَا» ، أَيْ: مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ الَّتِي ادُّعِيَ الْإِجْمَالُ فِيهَا وَلَيْسَتْ مُجْمَلَةً، إِضَافَةُ الْأَحْكَامِ إِلَى الْأَعْيَانِ، نَحْوُ قَوْلِهِ : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣] ، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٢٣] ، وَ ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤] ، لَا إِجْمَالَ فِيهِ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ: حَرُمَ عَلَيْكُمْ أَكْلُ الْمَيْتَةِ، وَوَطْءُ الْأُمَّهَاتِ. وَأُحِلَّ لَكُمْ أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ. وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَالْجُبَّائِيِّ وَابْنِهِ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، خِلَافًا لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَالْكَرْخِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ،

стр. 1184

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ مُجْمَلٌ. «لَنَا» عَلَى عَدَمِ الْإِجْمَالِ: أَنَّ «الْحُكْمَ الْمُضَافَ إِلَى الْعَيْنِ، يَنْصَرِفُ لُغَةً وَعُرْفًا إِلَى مَا أُعِدَّتْ لَهُ» مِنَ الْأَفْعَالِ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَكْلِ الْمَيْتَةِ، وَوَطْءِ الْأُمَّهَاتِ، إِذْ لَيْسَتِ الْمَيْتَةُ وَالْأُمَّهَاتُ مُعَدَّةً فِي مَشْهُورِ الْعُرْفِ إِلَّا لِذَلِكَ، وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ اللَّهُ : ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١] ، ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٩٦] ، وَنَحْوَ ذَلِكَ ; فُهِمَ مِنْهُ الْأَكْلُ، وَلَمَّا قَالَ اللَّهُ : ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٢٤] ; فُهِمَ مِنْهُ النِّكَاحُ، وَإِنْ كَانَ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا نَظَرٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْإِجْمَالَ يُخِلُّ بِالتَّفَاهُمِ الْمَقْصُودِ مِنَ الْكَلَامِ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. - قَوْلُهُ: «قَالُوا:» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا دَلِيلُ الْخَصْمِ عَلَى الْإِجْمَالِ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْأَعْيَانَ أَنْفُسَهَا لَا تَتَّصِفُ بِالتَّحْرِيمِ، وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا، وَالْأَفْعَالُ مُتَعَدِّدَةٌ مُتَسَاوِيَةٌ، إِذْ لَا يَدْرِي هَلِ الْمُحَرَّمُ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا، أَمْ بَيْعُهَا، أَمِ النَّظَرُ إِلَيْهَا، أَمْ لَمْسُهَا؟ وَمِنَ الْأُمِّ وَطْؤُهَا، أَمِ النَّظَرُ إِلَيْهَا، أَمْ لَمْسُهَا؟ وَإِضْمَارُ جَمِيعِ الْأَفْعَالِ الْمُحْتَمَلَةِ تَكْثِيرٌ لِمَا هُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَهُوَ الْإِضْمَارُ ; فَلَا يَجُوزُ إِضْمَارُ فِعْلٍ مُعَيَّنٍ لَا دَلِيلَ فِي اللَّفْظِ عَلَيْهِ ; فَتَعَيَّنَ الْإِجْمَالُ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. - قَوْلُهُ: «قُلْنَا: مَمْنُوعٌ، بَلِ التَّرْجِيحُ عُرْفِيٌّ كَمَا ذُكِرَ» ، أَيْ: تَسَاوِي الْأَفْعَالِ فِي فَهْمِ تَعَلُّقِهَا بِالْأَعْيَانِ مَمْنُوعٌ، بَلْ رُجْحَانُ تَعَلُّقِ بَعْضِهَا حَاصِلٌ بِالْعُرْفِ، كَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ أَهْلَ اللِّسَانِ وَالْعُرْفِ تُبَادِرُ أَفْهَامُهُمْ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ:

стр. 1185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حَرَّمْتُ عَلَيْكَ هَذَا الطَّعَامَ ; إِلَى تَحْرِيمِ أَكْلِهِ، وَحَرَّمْتُ عَلَيْكَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ، إِلَى تَحْرِيمِ وَطْئِهَا، دُونَ مَا سِوَى ذَلِكَ. وَلَوْ سَلَّمْنَا عَدَمَ هَذَا الرُّجْحَانِ عُرْفًا أَوْ لُغَةً، لَكُنَّا نُضْمِرُ جَمِيعَ الْأَفْعَالِ الَّتِي يُحْتَمَلُ تَعَلُّقُهَا بِالْعَيْنِ ; لِأَنَّ الْإِضْمَارَ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، لَكِنَّهُ أَقَلُّ مَفْسَدَةً مِنَ الْإِجْمَالِ، وَإِذَا أَضْمَرْنَا جَمِيعَ الْأَفْعَالِ ; فَلَا إِجْمَالَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. - قَوْلُهُ: «وَكَذَا» : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٧٥] ، مُجْمَلٌ عِنْدِ الْقَاضِي ; لِتَرَدُّدِ الرِّبَا بَيْنَ مُسَمَّيَيْهِ اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ لِأَنَّ الرِّبَا فِي اللُّغَةِ: الزِّيَادَةُ كَيْفَ كَانَتْ، وَحَيْثُ كَانَتْ، وَفِي الشَّرْعِ: هُوَ زِيَادَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وَهُوَ التَّفَاضُلُ فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ، كَبَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ، وَصَاعٍ بِصَاعَيْنِ ; فَنَتَوَقَّفُ فِيهِ، حَتَّى نَعْلَمَ أَيَّ الزِّيَادَتَيْنِ أَرَادَ. هَكَذَا قَرَّرَهُ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى مَا ذَكَرْتُ. وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ إِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا فِي قَوْلِهِ : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ فَقَطْ، وَهُوَ أَصَحُّ وَأَوْلَى. وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ الْبِيَاعَاتِ فِي الشَّرْعِ، مِنْهَا حَلَالٌ كَالْعُقُودِ الْمُسْتَجْمِعَةِ لِشُرُوطِ الصِّحَّةِ، وَمِنْهَا حَرَامٌ كَبُيُوعِ الْغَرَرِ، وَبَيْعِ التَّلَقِّي، وَالْحَاضِرِ لِلْبَادِي، وَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ، وَنَحْوِهِ. فَمِنَ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبَيْعَ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ مُجْمَلٌ، لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْبِيَاعَاتِ الْجَائِزَةِ وَالْمُحَرَّمَةِ، ثُمَّ وَرَدَ الْبَيَانُ مِنَ الشَّرْعِ، بِالْمُحَرَّمِ مِنْهَا مِنَ الْجَائِزِ.

стр. 1186

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ عَامٌّ فِي الْبُيُوعِ الْجَائِزَةِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ خَصَّ الْمُحَرَّمَ مِنْهَا بِأَدِلَّةِ التَّحْرِيمِ، وَبَقِيَ مَا عَدَاهُ ثَابِتًا بِالْعُمُومِ الْأَوَّلِ، وَالْقَوْلَانِ مُتَقَارِبَانِ ; لِأَنَّ تَخْصِيصَ الْعُمُومِ نَوْعٌ مِنَ الْبَيَانِ. نَعَمْ، تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٧٥] ، إِنْ قُلْنَا: هُوَ مُجْمَلٌ بُيِّنَ كَانَ حُجَّةً بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ عَامٌّ خُصَّ كَانَ فِي بَقَائِهِ حُجَّةُ الْخِلَافِ السَّابِقِ، فِي أَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حُجَّةٌ أَمْ لَا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَكَوْنُهُ مِنْ بَابِ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ أَوْلَى، وَأَكْثَرُ، وَأَشْهَرُ.

стр. 1187

وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ : «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ» «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» . وَهُوَ مُجْمَلٌ عِنْدِ الْحَنَفِيَّةِ، قِيلَ: لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ، وَقِيلَ: لِأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى نَفْيِ الصُّورَةِ بَاطِلٌ ; فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ، وَالْأَحْكَامُ مُتَسَاوِيَةٌ. وَلَنَا: أَنَّ الْمَوْضُوعَاتِ الشَّرْعِيَّةَ غَلَبَتْ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ ; فَاللُّغَوِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا مَجَازٌ، وَأَيْضًا اشْتَهَرَ عُرْفًا نَفْيُ الشَّيْءِ لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ، نَحْوُ: لَا عِلْمَ إِلَّا مَا نَفَعَ، وَلَا بَلَدَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ. فَيُحْمَلُ هُنَا عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ لِانْتِفَاءِ الْفَائِدَةِ، وَكَذَا الْكَلَامُ فِي «لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ» . ــ قَوْلُهُ: «وَمِنْهَا» ، أَيْ: وَمِنَ الْأُمُورِ الَّتِي ادُّعِيَ الْإِجْمَالُ فِيهَا، وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ: قَوْلُهُ ﵊: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ،» «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ» . وَنَحْوُهُ «وَهُوَ مُجْمَلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ» ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ

стр. 1188

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْبَصْرِيِّ، وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ. قَوْلُهُ: «قِيلَ: لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ» ، أَيْ: ثُمَّ، تَارَةً يُوَجَّهُ إِجْمَالُ ذَلِكَ، بِأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ، كَالصَّلَاةِ بَيْنَ الدُّعَاءِ، وَالْأَفْعَالِ الشَّرْعِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ، وَالصِّيَامِ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ الْمُطْلَقِ لُغَةً، وَالْإِمْسَاكِ الْخَاصِّ شَرْعًا ; فَلَا يُعْلَمُ أَيُّهُمَا الْمُرَادُ. وَتَارَةً يُوَجَّهُ إِجْمَالُهُ، بِأَنَّ قَوْلَهُ ﵊: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ» ; إِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ صُورَةِ الصَّلَاةِ، أَوْ نَفْيُ حُكْمِهَا، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ صُورَةَ الصَّلَاةِ شَرْعًا يُمْكِنُ إِيجَادُهَا بِغَيْرِ طَهُورٍ، كَصَلَاةِ الْمُحْدِثِ ; فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ حُكْمِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ طَهُورٍ، وَلَكِنَّ الْأَحْكَامَ مُتَعَدِّدَةٌ مُتَسَاوِيَةٌ، كَالصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ، وَالْإِجْزَاءِ ; فَيَبْقَى الْكَلَامُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ: لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ، أَوْ لَا تَكْمُلُ، أَوْ لَا تُجْزِئُ، أَوْ لَا تُقْبَلُ بِغَيْرِ طَهُورٍ، وَلَا يُعْلَمُ أَيُّهَا الْمُرَادُ ; فَيَجِيءُ الْإِجْمَالُ. قَوْلُهُ: «وَلَنَا» ، يَعْنِي عَلَى نَفْيِ الْإِجْمَالِ فِي هَذَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمَوْضُوعَاتُ، يَعْنِي الْمُصْطَلَحَاتِ، الشَّرْعِيَّةَ غَلَبَتْ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ، لِمَا سَبَقَ فِي إِثْبَاتِ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ، مِنْ أَنَّ الشَّارِعَ شَأْنُهُ بَيَانُ الْأَحْكَامِ، لَا بَيَانُ اللُّغَاتِ، وَحِينَئِذٍ صَارَتِ الْمَوْضُوعَاتُ اللُّغَوِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الشَّرْعِيَّةِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ مَجَازًا كَمَا سَبَقَ، فَإِذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ

стр. 1189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْمَجَازِ ; فَالْحَقِيقَةُ أَوْلَى بِهِ ; فَإِذَنْ حَمْلُ قَوْلِهِ ﵊: لَا صَلَاةَ، وَلَا صِيَامَ وَنَحْوِهِ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَيْسَ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ ; فَلَا إِجْمَالَ فِيهِ، وَهَذَا جَوَابٌ عَنْ تَوَجُّهِ الْإِجْمَالِ أَوَّلًا. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ اشْتَهَرَ فِي الْعُرْفِ نَفْيُ الشَّيْءِ لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: لَا عِلْمَ إِلَّا مَا نَفَعَ، وَلَا بَلَدَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ، وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ غَيْرُ النَّافِعِ عِلْمًا بِالْحَقِيقَةِ، وَالْبَلَدُ الَّذِي لَا سُلْطَانَ فِيهِ بَلَدًا بِالْحَقِيقَةِ ; فَيُحْمَلُ الْكَلَامُ هُنَا عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ، لِانْتِفَاءِ الْفَائِدَةِ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ طَهُورٍ، وَالصِّيَامَ بِغَيْرِ تَبْيِيتِ نِيَّةٌ لَا يُفِيدَانِ ; فَانْتَفَتْ صِحَّتُهُمَا، لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِمَا، إِذْ قَدْ سَبَقَ أَنَّ الصِّحَّةَ عِبَارَةٌ عَنْ تَرْتِيبِ الْفَوَائِدِ، وَالْآثَارِ الْمَقْصُودَةِ مِنَ الْفِعْلِ، وَهَذَا جَوَابٌ عَنْ تَوْجِيهِ الْإِجْمَالِ ثَانِيًا. قَوْلُهُمْ: «حَمْلُهُ عَلَى نَفْيِ الصُّورَةِ بَاطِلٌ» . قُلْنَا: نَعَمْ. قَوْلُهُمْ: «تَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ، وَالْأَحْكَامُ مُتَسَاوِيَةٌ» . قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ تَسَاوِيَهَا، بَلْ حَمْلُهُ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ أَوْلَى، عُرْفًا وَلُغَةً، لِدُخُولِ حَرْفِ النَّفْيِ عَلَى ذَاتِ الْفِعْلِ، فَإِنَّهُ إِذَا تَعَذَّرَ نَفْيُ صُورَتِهِ، كَانَ حَمْلُهُ عَلَى نَفْيِ صِحَّتِهِ أَقْرَبَ إِلَى حَمْلِهِ عَلَى نَفْيِ صُورَتِهِ ; فَكَانَ أَوْلَى. وَقَدْ قُرِّرَ الدَّلِيلُ فِي هَذَا الْأَصْلِ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ: أَنَّ الشَّارِعَ، إِنْ كَانَ لَهُ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ عُرْفٌ، وَجَبَ تَنْزِيلُ لَفْظِهِ عَلَى نَفْيِ الْحَقِيقَةِ فِي

стр. 1190

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عُرْفِهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ وَالْغَالِبَ مُخَاطَبَتُهُ لَنَا بِعُرْفِهِ ; فَلَا إِجْمَالَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا عُرْفٌ ; فَلَا إِجْمَالَ أَيْضًا حَمْلًا لِلَّفْظِ عَلَى الْمُتَبَادَرِ مِنْهُ عُرْفًا، وَهُوَ نَفْيُ الْفَائِدَةِ وَالْجَدْوَى. وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نَفْيُ الصِّحَّةِ، إِذْ صَحِيحٌ، لَا فَائِدَةَ وَلَا جَدْوَى لَهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الْإِضْمَارِ، أَضْمَرْنَا نَفْيَ الصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ جَمِيعًا، إِذْ مَا يُمْكِنُ إِضْمَارُهُ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْهُمَا بِالْإِجْمَاعِ، وَغَايَةُ مَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ تَكْثِيرٌ لِلْإِضْمَارِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، غَيْرَ أَنَّا نَقُولُ: تَكْثِيرُ الْإِضْمَارِ مَعَ حُصُولِ الْبَيَانِ أَوْلَى مِنَ الْإِجْمَالِ. قَوْلُهُ: «وَكَذَا الْكَلَامُ فِي» قَوْلِهِ ﵊: «لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ» ، أَيْ: لَيْسَ بِمُجْمَلٍ، إِذِ الْمُرَادُ نَفْيُ فَائِدَتِهِ وَجَدْوَاهُ بِدُونِ النِّيَّةِ ; فَتَنْتَفِي صِحَّتُهُ لِمَا مَرَّ، وَمَنِ ادَّعَى إِجْمَالَهُ، قَالَ: صُورَةُ الْعَمَلِ بِدُونِ النِّيَّةِ لَا تَنْتَفِي ; فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ نَفْيَ حُكْمِهِ، وَأَحْكَامُهُ مُتَعَدِّدَةٌ مُتَسَاوِيَةٌ، كَالصِّحَّةِ وَالْكَمَالِ ; فَجَاءَ الْإِجْمَالُ. وَالْجَوَابُ: لَا نُسَلِّمُ تَسَاوِيَ أَحْكَامِهِ، بَلْ نَفْيُ الصِّحَّةِ أَظْهَرُ عُرْفًا وَلُغَةً كَمَا سَبَقَ. سَلَّمْنَا تَسَاوِيَهَا لَكِنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ جَمِيعِهَا، وَتَكْثِيرُ الْإِضْمَارِ أَوْلَى مِنَ الْإِجْمَالِ.

стр. 1191

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَنْبِيهٌ: النِّزَاعُ فِي قَوْلِهِ ﵇: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . مِنْ هَذَا الْبَابِ ; لِأَنَّ الْأَعْمَالَ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ ; فَاخْتَلَفُوا: هَلْ هُوَ الصِّحَّةُ؟ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ صَحِيحَةٌ، أَوِ الْكَمَالُ؟ فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ كَامِلَةٌ، وَالْأَظْهَرُ إِضْمَارُ الصِّحَّةِ لِمَا سَبَقَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 1192

وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ : «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ، أَيْ: رُفِعَ حُكْمُهُ، إِذْ حَمْلُهُ عَلَى رَفْعِ حَقِيقَتِهِ يَسْتَلْزِمُ كَذِبَ الْخَبَرِ لِوُقُوعِهَا مِنَ النَّاسِ كَثِيرًا. ثُمَّ قِيلَ: رُفِعَ الْإِثْمُ خَاصَّةً دُونَ الضَّمَانِ وَالْقَضَاءِ، إِذْ لَيْسَ صِيغَةَ عُمُومٍ فَيَعُمَّ كُلَّ حُكْمٍ، وَأَفْسَدَهُ أَبُو الْخَطَّابِ بِأَنَّهُ يُبْطِلُ فَائِدَةَ تَخْصِيصِ الْأُمَّةِ بِهِ، إِذِ النَّاسِي وَنَحْوُهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ أَصْلًا فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ. قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا حَيْثُ لَزِمَ الْقَضَاءُ أَوِ الضَّمَانُ بَعْضَ مَنْ ذُكِّرَ، كَنَاسِي الصَّلَاةِ يَقْضِيهَا، وَالْمُكْرَهِ عَلَى الْقَتْلِ يُقْتَلُ، أَوْ يُضَمَّنُ، يَكُونُ لِدَلِيلٍ خَارِجٍ. ــ قَوْلُهُ: «وَمِنْهَا» ، أَيْ: وَمِنَ الْأُمُورِ الَّتِي ادُّعِيَ فِيهَا الْإِجْمَالُ، وَلَيْسَتْ مُجْمَلَةً: قَوْلُهُ ﵊: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ، وَالنِّسْيَانُ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ، أَيْ: رُفِعَ حُكْمُهُ، يَعْنِي أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ: رَفْعُ حُكْمُ

стр. 1193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ، وَالْإِكْرَاهِ ; لِأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى رَفْعِ حَقِيقَةِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، يَسْتَلْزِمُ كَذِبَ الْخَبَرِ ; لِأَنَّ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ يَقَعَانِ مِنَ النَّاسِ كَثِيرًا، وَالْكَذِبُ فِي خَبَرِ الْمَعْصُومِ مُحَالٌ ; فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى رَفْعِ حُكْمِهِ. ثُمَّ قِيلَ: الْحُكْمُ الْمَرْفُوعُ هُوَ الْإِثْمُ خَاصَّةً، دُونَ الضَّمَانِ وَالْقَضَاءِ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ صِيغَةَ عُمُومٍ فَيَعُمَّ كُلَّ حُكْمٍ. قُلْتُ: فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْحَدِيثِ: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي حُكْمُ الْخَطَأِ، وَاللَّامُ فِي الْخَطَأِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَحُكْمُ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَالْمُضَافُ إِلَى الْعَامِّ عَامٌّ. وَهَذَا يَقْتَضِي رَفْعَ جَمِيعِ أَحْكَامِ الْخَطَأِ، حَتَّى إِنَّ مَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا خَطَأً، لَا يَأْثَمُ بِإِتْلَافِهِ، وَلَا يُضَمَّنُهُ، وَمَنْ تَرَكَ عِبَادَةً خَطَأً، أَوْ نِسْيَانًا، أَوْ إِكْرَاهًا، لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهَا ; فَلَا يَلْزَمُ قَضَاؤُهَا. وَعَلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ اخْتِصَاصُ الرَّفْعِ بِالْإِثْمِ، يَسْقُطُ الْإِثْمُ فِي صُورَةِ الْإِتْلَافِ وَالتَّرْكِ، وَيَجِبُ ضَمَانُ الْمُتْلَفِ، وَقَضَاءُ الْمَتْرُوكِ. قَوْلُهُ: «وَأَفْسَدَهُ أَبُو الْخَطَّابِ» ، يَعْنِي اخْتِصَاصَ الرَّفْعِ بِالْإِثْمِ دُونَ غَيْرِهِ، أَفْسَدَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، «بِأَنَّهُ يُبْطِلُ فَائِدَةَ تَخْصِيصِ الْأُمَّةِ بِهِ» ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ» . وَذَلِكَ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهَا بِهَذِهِ الرُّخْصَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَالتَّسْهِيلَ عَلَيْهَا، وَاللُّطْفَ بِهَا ; فَلَوْ قُلْنَا: إِنَّ الرَّفْعَ فِي حَقِّهَا

стр. 1194

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُخْتَصٌّ بِالْإِثْمِ، لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ تَمَيُّزٌ ; لِأَنَّ النَّاسِيَ وَنَحْوَهُ مِنْ أَهْلِ الْأَعْذَارِ، كَالْمُخْطِئِ، وَالْمُكْرَهِ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ أَصْلًا فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ، بِدَلِيلِ مَا سَبَقَ فِي شُرُوطِ التَّكْلِيفِ. قُلْتُ: وَالِاعْتِرَاضُ عَلَى هَذَا بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَخْصِيصَ الْأُمَّةِ بِالذِّكْرِ، يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهَا بِحُكْمٍ زَائِدٍ عَلَى بَقِيَّةِ الْأُمَمِ، إِذْ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ. الْوَجْهُ الثَّانِي: سَلَّمْنَا أَنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ حُجَّةٌ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ رَفْعَ الْإِثْمِ كَانَ ثَابِتًا فِي حَقِّ سَائِرِ الْأُمَمِ. قُلْتُ: وَالِاعْتِرَاضَانِ ضَعِيفَانِ، وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ; «فَعَلَى هَذَا: حَيْثُ لَزِمَ الْقَضَاءُ أَوِ الضَّمَانُ بَعْضَ مَنْ ذُكِّرَ» يَعْنِي الْمُخْطِئَ، أَوِ النَّاسِيَ، أَوِ الْمُكْرَهَ، «كَنَاسِي الصَّلَاةِ يَقْضِيهَا، وَالْمُكْرَهِ عَلَى الْقَتْلِ يُقْتَلُ أَوْ يُضَمَّنُ» ، كَانَ لِدَلِيلٍ خَارِجٍ، كَقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» . وَقَوْلِهِ : ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤٥] ، وَقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا ; فَأَهْلُهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِنْ شَاءُوا، قَتَلُوا، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ» . لَا بِحَقِّ الْأَصْلِ ; لِأَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ أَنْ لَا يَجِبَ بِالْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ شَيْءٌ. عَرَفْنَا ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ عَلَى مَا قُرِّرَ مِنْ دَلَالَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدِ انْتَهَى الْكَلَامُ فِي الْمُجْمَلِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنِّهِ، وَهَذَا حِينُ الْكَلَامِ فِي الْمُبَيَّنِ.

стр. 1195

الْمُبَيَّنُ الْمُبَيَّنُ: يُقَابِلُ الْمُجْمَلَ. أَمَّا الْبَيَانُ ; فَقِيلَ: الدَّلِيلُ، وَهُوَ مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ. وَقِيلَ: مَا دَلَّ عَلَى الْمُرَادِ مِمَّا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فِي الدَّلَالَةِ، وَهُمَا تَعْرِيفُ لِلْمُبَيَّنِ الْمَجَازِيِّ لَا لِلْبَيَانِ. فَقِيلَ: إِيضَاحُ الْمُشْكِلِ، فَوَرَدَ الْبَيَانُ الِابْتِدَائِيُّ، فَإِنْ زِيدَ بِالْفِعْلِ أَوِ الْقُوَّةِ زَالَ، وَيَحْصُلُ الْبَيَانُ بِالْقَوْلِ، وَالْفِعْلِ، كَالْكِتَابَةِ، وَالْإِشَارَةِ، نَحْوُ: الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، وَنَحْوُ: صَلُّوا، وَخُذُوا، وَبِالْإِقْرَارِ عَلَى الْفِعْلِ، وَكُلُّ مُقَيَّدٍ مِنَ الشَّارِعِ بَيَانٌ، وَالْبَيَانُ الْفِعْلِيُّ أَقْوَى مِنَ الْقَوْلِيِّ، وَتَبْيِينُ الشَّيْءِ بِأَضْعَفَ مِنْهُ كَالْقُرْآنِ بِالْآحَادِ جَائِزٌ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ مُمْتَنِعٌ إِلَّا عَلَى تَكْلِيفِ الْمُحَالِ، وَعَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ إِلَى وَقْتِهَا جَائِزٌ عِنْدَ الْقَاضِي، وَابْنِ حَامِدٍ، وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَنْعَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَالتَّمِيمِيُّ، وَالظَّاهِرِيَّةُ، وَالْمُعْتَزِلَةُ. ــ قَوْلُهُ: «الْمُبَيَّنُ: يُقَابِلُ الْمُجْمَلَ» ، وَقَدْ سَبَقَ لِلْمُجْمَلِ تَعْرِيفَانِ ; فَخُذْ ضِدَّهُمَا فِي الْمُبَيَّنِ. فَإِنْ قُلْتَ: الْمُجْمَلُ: هُوَ اللَّفْظُ الْمُتَرَدِّدُ بَيْنَ مُحْتَمَلَيْنِ فَصَاعِدًا عَلَى السَّوَاءِ، قُلْ فِي الْمُبَيَّنِ: هُوَ اللَّفْظُ النَّاصُّ عَلَى مَعْنًى، غَيْرِ مُتَرَدِّدٍ، مُتَسَاوٍ. وَإِنْ قُلْتَ: الْمُجْمَلُ: مَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مَعْنًى مُعَيَّنٌ، قُلِ: الْمُبَيَّنُ مَا فُهِمَ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مَعْنًى مُعَيَّنٌ، مِنْ نَصٍّ أَوْ ظُهُورٍ، بِالْوَضْعِ أَوْ بَعْدَ الْبَيَانِ.
следующие страницы →