Полный текст (2 051 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَنْبِيهٌ: النِّزَاعُ فِي قَوْلِهِ ﵇: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . مِنْ هَذَا الْبَابِ ; لِأَنَّ الْأَعْمَالَ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ ; فَاخْتَلَفُوا: هَلْ هُوَ الصِّحَّةُ؟ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ صَحِيحَةٌ، أَوِ الْكَمَالُ؟ فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ كَامِلَةٌ، وَالْأَظْهَرُ إِضْمَارُ الصِّحَّةِ لِمَا سَبَقَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 1192
وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ : «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ، أَيْ: رُفِعَ حُكْمُهُ، إِذْ حَمْلُهُ عَلَى رَفْعِ حَقِيقَتِهِ يَسْتَلْزِمُ كَذِبَ الْخَبَرِ لِوُقُوعِهَا مِنَ النَّاسِ كَثِيرًا.
ثُمَّ قِيلَ: رُفِعَ الْإِثْمُ خَاصَّةً دُونَ الضَّمَانِ وَالْقَضَاءِ، إِذْ لَيْسَ صِيغَةَ عُمُومٍ فَيَعُمَّ كُلَّ حُكْمٍ، وَأَفْسَدَهُ أَبُو الْخَطَّابِ بِأَنَّهُ يُبْطِلُ فَائِدَةَ تَخْصِيصِ الْأُمَّةِ بِهِ، إِذِ النَّاسِي وَنَحْوُهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ أَصْلًا فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ.
قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا حَيْثُ لَزِمَ الْقَضَاءُ أَوِ الضَّمَانُ بَعْضَ مَنْ ذُكِّرَ، كَنَاسِي الصَّلَاةِ يَقْضِيهَا، وَالْمُكْرَهِ عَلَى الْقَتْلِ يُقْتَلُ، أَوْ يُضَمَّنُ، يَكُونُ لِدَلِيلٍ خَارِجٍ.
ــ
قَوْلُهُ: «وَمِنْهَا» ، أَيْ: وَمِنَ الْأُمُورِ الَّتِي ادُّعِيَ فِيهَا الْإِجْمَالُ، وَلَيْسَتْ مُجْمَلَةً: قَوْلُهُ ﵊: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ، وَالنِّسْيَانُ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ، أَيْ: رُفِعَ حُكْمُهُ، يَعْنِي أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ: رَفْعُ حُكْمُ
стр. 1193
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ، وَالْإِكْرَاهِ ; لِأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى رَفْعِ حَقِيقَةِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، يَسْتَلْزِمُ كَذِبَ الْخَبَرِ ; لِأَنَّ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ يَقَعَانِ مِنَ النَّاسِ كَثِيرًا، وَالْكَذِبُ فِي خَبَرِ الْمَعْصُومِ مُحَالٌ ; فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى رَفْعِ حُكْمِهِ.
ثُمَّ قِيلَ: الْحُكْمُ الْمَرْفُوعُ هُوَ الْإِثْمُ خَاصَّةً، دُونَ الضَّمَانِ وَالْقَضَاءِ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ صِيغَةَ عُمُومٍ فَيَعُمَّ كُلَّ حُكْمٍ.
قُلْتُ: فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْحَدِيثِ: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي حُكْمُ الْخَطَأِ، وَاللَّامُ فِي الْخَطَأِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَحُكْمُ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَالْمُضَافُ إِلَى الْعَامِّ عَامٌّ. وَهَذَا يَقْتَضِي رَفْعَ جَمِيعِ أَحْكَامِ الْخَطَأِ، حَتَّى إِنَّ مَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا خَطَأً، لَا يَأْثَمُ بِإِتْلَافِهِ، وَلَا يُضَمَّنُهُ، وَمَنْ تَرَكَ عِبَادَةً خَطَأً، أَوْ نِسْيَانًا، أَوْ إِكْرَاهًا، لَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهَا ; فَلَا يَلْزَمُ قَضَاؤُهَا. وَعَلَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ اخْتِصَاصُ الرَّفْعِ بِالْإِثْمِ، يَسْقُطُ الْإِثْمُ فِي صُورَةِ الْإِتْلَافِ وَالتَّرْكِ، وَيَجِبُ ضَمَانُ الْمُتْلَفِ، وَقَضَاءُ الْمَتْرُوكِ.
قَوْلُهُ: «وَأَفْسَدَهُ أَبُو الْخَطَّابِ» ، يَعْنِي اخْتِصَاصَ الرَّفْعِ بِالْإِثْمِ دُونَ غَيْرِهِ، أَفْسَدَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، «بِأَنَّهُ يُبْطِلُ فَائِدَةَ تَخْصِيصِ الْأُمَّةِ بِهِ» ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ» . وَذَلِكَ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهَا بِهَذِهِ الرُّخْصَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَالتَّسْهِيلَ عَلَيْهَا، وَاللُّطْفَ بِهَا ; فَلَوْ قُلْنَا: إِنَّ الرَّفْعَ فِي حَقِّهَا
стр. 1194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُخْتَصٌّ بِالْإِثْمِ، لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ تَمَيُّزٌ ; لِأَنَّ النَّاسِيَ وَنَحْوَهُ مِنْ أَهْلِ الْأَعْذَارِ، كَالْمُخْطِئِ، وَالْمُكْرَهِ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ أَصْلًا فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ، بِدَلِيلِ مَا سَبَقَ فِي شُرُوطِ التَّكْلِيفِ.
قُلْتُ: وَالِاعْتِرَاضُ عَلَى هَذَا بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَخْصِيصَ الْأُمَّةِ بِالذِّكْرِ، يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهَا بِحُكْمٍ زَائِدٍ عَلَى بَقِيَّةِ الْأُمَمِ، إِذْ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: سَلَّمْنَا أَنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ حُجَّةٌ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ رَفْعَ الْإِثْمِ كَانَ ثَابِتًا فِي حَقِّ سَائِرِ الْأُمَمِ.
قُلْتُ: وَالِاعْتِرَاضَانِ ضَعِيفَانِ، وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ; «فَعَلَى هَذَا: حَيْثُ لَزِمَ الْقَضَاءُ أَوِ الضَّمَانُ بَعْضَ مَنْ ذُكِّرَ» يَعْنِي الْمُخْطِئَ، أَوِ النَّاسِيَ، أَوِ الْمُكْرَهَ، «كَنَاسِي الصَّلَاةِ يَقْضِيهَا، وَالْمُكْرَهِ عَلَى الْقَتْلِ يُقْتَلُ أَوْ يُضَمَّنُ» ، كَانَ لِدَلِيلٍ خَارِجٍ، كَقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» . وَقَوْلِهِ : ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤٥] ، وَقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا ; فَأَهْلُهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِنْ شَاءُوا، قَتَلُوا، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ» . لَا بِحَقِّ الْأَصْلِ ; لِأَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ أَنْ لَا يَجِبَ بِالْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ شَيْءٌ. عَرَفْنَا ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ عَلَى مَا قُرِّرَ مِنْ دَلَالَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقَدِ انْتَهَى الْكَلَامُ فِي الْمُجْمَلِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنِّهِ، وَهَذَا حِينُ الْكَلَامِ فِي الْمُبَيَّنِ.
стр. 1195
الْمُبَيَّنُ
الْمُبَيَّنُ: يُقَابِلُ الْمُجْمَلَ.
أَمَّا الْبَيَانُ ; فَقِيلَ: الدَّلِيلُ، وَهُوَ مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ.
وَقِيلَ: مَا دَلَّ عَلَى الْمُرَادِ مِمَّا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فِي الدَّلَالَةِ، وَهُمَا تَعْرِيفُ لِلْمُبَيَّنِ الْمَجَازِيِّ لَا لِلْبَيَانِ. فَقِيلَ: إِيضَاحُ الْمُشْكِلِ، فَوَرَدَ الْبَيَانُ الِابْتِدَائِيُّ، فَإِنْ زِيدَ بِالْفِعْلِ أَوِ الْقُوَّةِ زَالَ، وَيَحْصُلُ الْبَيَانُ بِالْقَوْلِ، وَالْفِعْلِ، كَالْكِتَابَةِ، وَالْإِشَارَةِ، نَحْوُ: الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، وَنَحْوُ: صَلُّوا، وَخُذُوا، وَبِالْإِقْرَارِ عَلَى الْفِعْلِ، وَكُلُّ مُقَيَّدٍ مِنَ الشَّارِعِ بَيَانٌ، وَالْبَيَانُ الْفِعْلِيُّ أَقْوَى مِنَ الْقَوْلِيِّ، وَتَبْيِينُ الشَّيْءِ بِأَضْعَفَ مِنْهُ كَالْقُرْآنِ بِالْآحَادِ جَائِزٌ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ مُمْتَنِعٌ إِلَّا عَلَى تَكْلِيفِ الْمُحَالِ، وَعَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ إِلَى وَقْتِهَا جَائِزٌ عِنْدَ الْقَاضِي، وَابْنِ حَامِدٍ، وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَنْعَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَالتَّمِيمِيُّ، وَالظَّاهِرِيَّةُ، وَالْمُعْتَزِلَةُ.
ــ
قَوْلُهُ: «الْمُبَيَّنُ: يُقَابِلُ الْمُجْمَلَ» ، وَقَدْ سَبَقَ لِلْمُجْمَلِ تَعْرِيفَانِ ; فَخُذْ ضِدَّهُمَا فِي الْمُبَيَّنِ.
فَإِنْ قُلْتَ: الْمُجْمَلُ: هُوَ اللَّفْظُ الْمُتَرَدِّدُ بَيْنَ مُحْتَمَلَيْنِ فَصَاعِدًا عَلَى السَّوَاءِ، قُلْ فِي الْمُبَيَّنِ: هُوَ اللَّفْظُ النَّاصُّ عَلَى مَعْنًى، غَيْرِ مُتَرَدِّدٍ، مُتَسَاوٍ.
وَإِنْ قُلْتَ: الْمُجْمَلُ: مَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مَعْنًى مُعَيَّنٌ، قُلِ: الْمُبَيَّنُ مَا فُهِمَ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مَعْنًى مُعَيَّنٌ، مِنْ نَصٍّ أَوْ ظُهُورٍ، بِالْوَضْعِ أَوْ بَعْدَ الْبَيَانِ.
стр. 1196
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَالَ الْقَرَافِيُّ: الْمُبَيَّنُ: هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ بِالْوَضْعِ عَلَى مَعْنًى ; إِمَّا بِالْأَصَالَةِ، وَإِمَّا بَعْدَ الْبَيَانِ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: الْمُبَيَّنُ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْخِطَابُ الْمُسْتَغْنِي بِنَفْسِهِ عَنِ الْبَيَانِ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا يَحْتَاجُ إِلَى الْبَيَانِ عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْهِ، كَالْمُجْمَلِ وَغَيْرِهِ.
قُلْتُ: الْمَعَانِي مُتَقَارِبَةٌ.
قَوْلُهُ: «أَمَّا الْبَيَانُ ; فَقِيلَ: الدَّلِيلُ» ، يَعْنِي أَنَّ الْكَلَامَ السَّابِقَ كَانَ فِي الْمُبَيَّنِ، وَهَذَا فِي الْبَيَانِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ، يُقَالُ: مُجْمَلٌ وَإِجْمَالٌ، وَمُبَيَّنٌ وَبَيَانٌ.
فَالْمُجْمَلُ: اللَّفْظُ الْمُتَرَدِّدُ.
وَالْإِجْمَالُ: إِرَادَةُ التَّرَدُّدِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ، أَوِ النُّطْقُ بِاللَّفْظِ عَلَى وَجْهٍ يَقَعُ فِيهِ التَّرَدُّدُ.
وَالْمُبَيَّنُ: اللَّفْظُ الدَّالُّ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ.
وَالْبَيَانُ: نَحْنُ الْآنَ فِي الْكَلَامِ فِيهِ.
«فَقِيلَ» : هُوَ «الدَّلِيلُ» ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَالْجُبَّائِيِّ وَابْنِهِ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، وَالْغَزَالِيِّ، وَأَكْثَرِ الْأَشْعَرِيَّةِ، وَاخْتِيَارُ الْآمِدِيِّ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ: وَهُوَ الْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَنْ دَلِيلٍ.
وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ: هُوَ التَّعْرِيفُ.
وَالْأَقْوَالُ مُتَقَارِبَةٌ، وَالْمَسْأَلَةُ لَفْظِيَّةٌ، أَوْ كَاللَّفْظِيَّةِ ; لِأَنَّ التَّعْرِيفَ مِنْ آثَارِ
стр. 1197
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الدَّلِيلِ ; فَاسْتَوَتْ، أَوْ تَقَارَبَتِ الْأَقْوَالُ جِدًّا، وَيَجْمَعُ الْكُلَّ مَعْنَى الظُّهُورِ، إِذْ يُقَالُ فِي اللُّغَةِ: بَانَ الشَّيْءُ يَبِينُ بَيَانًا، إِذَا ظَهَرَ وَاتَّضَحَ، وَالدَّلِيلُ يُوَضِّحُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ، وَيُظْهِرُهُ، وَيُعَرِّفُهُ.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ» ، يَعْنِي الدَّلِيلَ، «مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ» .
فَقَوْلُنَا: «مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِهِ» ، يَعْنِي مَا كَانَتْ لَهُ صَلَاحِيَّةُ الِاتِّصَالِ إِلَى الْمَطْلُوبِ، لِيَعُمَّ الدَّلِيلُ بِالْقُوَّةِ وَالْفِعْلِ، أَيْ: مَا اسْتُعْمِلَ فِي التَّوَصُّلِ إِلَى الْمَطْلُوبِ، وَمَا صَلَحَ لِلتَّوَصُّلِ إِلَى الْمَطْلُوبِ، وَإِنْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي التَّوَصُّلِ إِلَيْهِ، كَقَوْلِنَا: يَصْلُحُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٨] ، عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُحِيلُ الشَّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ فِي الْبَاطِنِ ; لِأَنَّهُ سَمَّى الْأَمْوَالَ مَأْكُولَةً بِالْبَاطِلِ، مَعَ الْإِدْلَاءِ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ.
وَقَوْلُنَا: «بِصَحِيحِ النَّظَرِ» : احْتِرَازٌ مِمَّا يُوَصِّلُ بِفَاسِدِ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى مَطْلُوبٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْمَطْلُوبَ، إِنْ قَدَّرْنَاهُ صَحِيحًا، كَانَ التَّوَصُّلُ إِلَيْهِ بِفَاسِدِ النَّظَرِ مُمْتَنِعًا، وَإِنْ قَدَّرْنَاهُ بَاطِلًا، لَمْ يَكُنْ مَا تَوَصَّلْنَا بِهِ إِلَيْهِ دَلِيلًا.
وَقَوْلُنَا: «إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ» : يَعُمُّ مَا أَوْصَلَ إِلَى عِلْمٍ، كَقَوْلِنَا: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ، وَكُلُّ حَيَوَانٍ جِسْمٌ ; فَالْإِنْسَانُ جِسْمٌ. أَوْ إِلَى ظَنٍّ، كَغَالِبِ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا ; فَمِنْهُمْ مَنْ سَمَّاهُ دَلِيلًا، سَوَاءٌ أَوَصَلَ إِلَى عِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ الدَّلِيلَ بِمَا أَوْصَلَ إِلَى عِلْمٍ، وَسَمَّى مَا أَوْصَلَ إِلَى ظَنٍّ أَمَارَةً، - بِفَتْحِ
стр. 1198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْهَمْزَةِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ - وَلَعَلَّهُ أَقَرَبُ إِلَى التَّحْقِيقِ، وَالْخِلَافُ اصْطِلَاحِيٌّ.
- قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: مَا دَلَّ» ، أَيْ: وَقِيلَ: الْبَيَانُ مَا دَلَّ «عَلَى الْمُرَادِ، مِمَّا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فِي الدَّلَالَةِ» ، يَعْنِي إِذَا وَرَدَ لَفْظٌ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فِي الدَّلَالَةِ كَالْقُرْءِ وَنَحْوِهِ ; فَمَا دَلَّ عَلَى الْمُرَادِ مِنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ، هُوَ الْبَيَانُ كَمَا سَبَقَ مِثَالُهُ فِي الْمُجْمَلِ. فَهَذَانَ تَعْرِيفَانِ لِلْبَيَانِ:
أَحَدُهُمَا: بِأَنَّهُ الدَّلِيلُ.
وَالثَّانِي: بِمَا ذُكِرَ هَهُنَا.
قَوْلُهُ: «وَهُمَا تَعْرِيفٌ لِلْمُبَيَّنِ الْمَجَازِيِّ، لَا لِلْبَيَانِ» ، يَعْنِي أَنَّ تَعْرِيفَ الْبَيَانِ بِالدَّلِيلِ، وَبِمَا دَلَّ عَلَى الْمُرَادِ، مِمَّا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ، لَيْسَ تَعْرِيفًا لِلْبَيَانِ، بَلْ لِلْمُبَيَّنِ الْمَجَازِيِّ.
وَكَشْفُ هَذَا: بِأَنَّهُ لَابُدَ لَنَا مِنْ مُبَيِّنٍ، بِكَسْرِ الْيَاءِ، وَمُبَيَّنٍ بِفَتْحِهَا، وَمُبَيَّنٍ بِهِ، وَبَيَانٍ.
فَالْمُبَيِّنُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الشَّارِعُ، إِذْ عَنْهُ تَظْهَرُ الْأَحْكَامُ، وَيُطْلَقُ مَجَازًا عَلَى الْمُبَيَّنِ بِهِ، وَهُوَ الدَّلِيلُ، وَهُوَ خِطَابُ الشَّارِعِ الدَّالِّ عَلَى الْمُرَادِ مِمَّا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ.
وَالْمُبَيَّنُ: هُوَ الْمُتَّضِحُ بِنَفْسِهِ، أَوِ الْمُجْمَلُ الْمُحْتَاجُ إِلَى الْبَيَانِ. فَقَدِ اتَّضَحَ بِهَذَا أَنَّ التَّعْرِيفَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لِلْبَيَانِ لَيْسَا تَعْرِيفًا لَهُ، بَلْ لِلْمُبَيِّنِ الْمَجَازِيِّ، أَيِ: الَّذِي يُسَمَّى مُبِيِّنًا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ.
قَوْلُهُ: «فَقِيلَ إِيضَاحُ الْمُشْكِلِ، فَوَرَدَ الْبَيَانُ الِابْتِدَائِيُّ» أَيْ: لَمَّا لَمْ
стр. 1199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَتَحَصَّلْ لَنَا تَعْرِيفُ الْبَيَانِ بِالْحَقِيقَةِ مِمَّا سَبَقَ، احْتَجْنَا إِلَى أَنْ نَذْكُرَ تَعْرِيفَهُ.
وَقَدْ قِيلَ: هُوَ إِيضَاحُ الْمُشْكِلِ، وَهَذَا مُخْتَصَرُ مَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِيهِ، أَنَّهُ إِخْرَاجُ الشَّيْءِ مِنَ الْإِشْكَالِ إِلَى الْوُضُوحِ، فَلَمَّا عُرِفَ بِهَذَا، وَرَدَ عَلَيْهِ الْبَيَانُ الِابْتِدَائِيُّ، أَيِ: الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى الْمُرَادِ بِهِ ابْتِدَاءً، مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى بَيَانٍ خَارِجٍ، كَالنُّصُوصِ وَالظَّوَاهِرِ، وَمَا عُرِفَ الْمُرَادُ مِنْهُ بِالتَّعْلِيلِ بِفَحْوَى الْخِطَابِ، أَوْ بِاللُّزُومِ، كَالدَّلَالَةِ عَلَى الشُّرُوطِ وَالْأَسْبَابِ، كَدَلَالَةِ الصَّلَاةِ عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ، وَدَلَالَةِ الْمِلْكِ عَلَى تَقَدُّمِ سَبَبِهِ، مِنْ بَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوِ اكْتِسَابٍ، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ مُبَيَّنٌ بِبَيَانٍ، وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ إِيضَاحُ مُشْكِلٍ ; فَتَعْرِيفُ الْبَيَانِ بِإِيضَاحِ مُشْكِلٍ غَيْرُ جَامِعٍ.
- قَوْلُهُ: «فَإِنْ زِيدَ بِالْفِعْلِ أَوِ الْقُوَّةِ، زَالَ» ، أَيْ: فَإِنْ زِيدَ هَذَا عَلَى التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ، زَالَ وُرُودُ الْبَيَانِ الِابْتِدَائِيِّ، وَاسْتَقَامَ التَّعْرِيفُ ; فَيُقَالُ: الْبَيَانُ: هُوَ إِيضَاحُ الْمُشْكِلِ بِالْقُوَّةِ أَوِ الْفِعْلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَلَامَ قَدْ يَكُونُ مُشْكِلًا بِالْفِعْلِ، أَيْ: إِشْكَالُهُ ظَاهِرٌ مَوْجُودٌ، وَقَدْ يَكُونُ مُشْكِلًا بِالْقُوَّةِ، أَيْ: هُوَ قَابِلٌ لِأَنْ يَرِدَ مُشْكِلًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَادَّةَ الْكَلَامِ لِذَاتِهَا قَابِلَةٌ لِلْإِشْكَالِ، بِحَسَبِ اخْتِلَافِ نُظُمِهِ وَصِيَغِهِ، وَمَقَاصِدِ الْمُتَكَلِّمِينَ بِهِ.
وَمِثَالُ هَذَا: مَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ، وَهَذَا كَلَامٌ بَيِّنٌ بِنَفْسِهِ، صَحِيحٌ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ. وَنَقَلَ
стр. 1200
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَظَاهِرُ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ ﵇: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ - مُشْكِلٌ ; لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ جَمِيعًا مُؤْمِنُونَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ كُفَّارٌ، وَأَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِيهَا إِلَّا كَافِرٌ، لَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ أَلْحَقَ بِكَلَامِهِ بَيَانًا بَيَّنَهُ، وَأَظْهَرَ مَعْنَاهُ الْمُرَادَ لَهُ، بِأَنْ قَالَ: لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا مُؤْمِنٌ ; لِأَنَّ الْكُفَّارَ حِينَئِذٍ يُعَايِنُونَ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ ; فَيُؤْمِنُونَ بِهِ، أَيْ: يُصَدِّقُونَ، لَكِنْ إِيمَانًا لَا يَنْفَعُهُمْ ; لِأَنَّهُ اضْطِرَارِيٌّ لَا اخْتِيَارِيٌّ، وَلِقَوْلِهِ : ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غَافِرٍ: ٨٥] ، وَقَوْلِهِ لِفِرْعَوْنَ حِينَ قَالَ لَمَّا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ: آمَنْتُ -: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يُونُسَ: ٩١] .
فَقَدْ حَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّ كَلَامَ أَبِي حَنِيفَةَ مُشْكِلٌ بِالْفِعْلِ ; فَاحْتَاجَ إِلَى الْبَيَانِ، وَكَلَامُ النَّبِيِّ ﷺ ، بَيِّنٌ بِالْفِعْلِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ بِالْقُوَّةِ، إِذْ قَدْ كَانَ يُمْكِنُهُ ﷺ ، أَنْ يُورِدَهُ عَلَى نَظْمٍ يَسْتَشْكِلُ، نَحْوَ كَلَامِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵊: لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ. كَلَامٌ مُتَّضِحٌ
стр. 1201
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَيِّنٌ، إِذْ مَعْنَاهُ: لَا فَاعِلَ لِلنَّفْعِ وَالضُّرِّ إِلَّا اللَّهُ.
ثُمَّ عَرَضَ لِهَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ الْإِشْكَالُ، بِقَوْلِهِ ﵊: لَا يُورَدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ، أَيْ: مَنْ لَهُ إِبِلٌ مِرَاضٌ عَلَى مَنْ لَهُ إِبِلٌ صِحَاحٌ. وَقَوْلِهِ: فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ. لِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ هَذَا إِثْبَاتُ الْعَدْوَى، وَهُوَ يُنَاقِضُ نَفْيَهَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ; فَاحْتِيجَ إِلَى بَيَانِ الْمُزِيلِ لِلْإِشْكَالِ، بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ، وَهُوَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ نَافٍ لِلْعَدْوَى، أَيْ: لَا يُعْدِي مَرِيضٌ صَحِيحًا، وَأَمَّا الثَّانِي، فَلَمْ يَنْهَ فِيهِ عَنْ إِيرَادِ الْمُمْرِضِ عَلَى الْمُصِحِّ لِكَوْنِهِ يُعْدِي الْإِبِلَ، بَلْ خَشْيَةَ أَنْ يُحْدِثَ اللَّهُ تَعَالَى فِي إِبِلٍ مُصِحٍّ مَرَضًا ; فَيَعْتَقَدَ أَنَّهُ مِنَ الْعَدْوَى ; فَيَكُونَ بِذَلِكَ مُشْرِكًا مَعَ اللَّهِ فَاعِلًا غَيْرَهُ ; فَزَالَ الْإِشْكَالُ.
وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ ; فَقَدْ رَأَيْتُ كَيْفَ كَانَ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ بَيِّنًا بِنَفْسِهِ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ الْإِشْكَالُ ; فَكَذَلِكَ قَدْ يَرِدُ الْكَلَامُ بَيِّنًا بِالْفِعْلِ، وَهُوَ
стр. 1202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَعَ ذَلِكَ مُشْكِلٌ بِالْقُوَّةِ، أَيْ: قَابَلٌ لِعُرُوضِ الْإِشْكَالِ لَهُ مِنْ ذَاتِهِ، بِتَقْدِيرِ تَغَيُّرِ صِفَتِهِ أَوْ مِنْ أَمْرٍ خَارِجٍ.
قَوْلُهُ: «وَيَحْصُلُ الْبَيَانُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ» ، إِلَى آخِرِهِ. لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى تَعْرِيفِ الْبَيَانِ، وَتَحْقِيقِ مَاهِيَّتِهِ، أَخَذَ فِي ذِكْرِ الْمُبَيَّنِ بِهِ، وَهُوَ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْبَيَانُ .
وَالَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْبَيَانُ أُمُورٌ:
أَحَدُهَا: «الْقَوْلُ» : بِأَنْ يَقُولَ الْمُتَكَلِّمُ، أَوْ مَنْ عَلِمَ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ: الْمُرَادُ بِهَذَا الْكَلَامِ كَذَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْقَارِعَةُ﴾ ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [الْقَارِعَةِ: ١، ٢، ٣] ; فَهَذَا إِجْمَالٌ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [الْقَارِعَةِ: ٤] ; فَبَيَّنَ أَنَّ الْقَارِعَةَ تَكُونُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، بِهَذِهِ الصِّفَةِ الْعَظِيمَةِ.
وَكَذَا قَوْلُهُ : ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الِانْفِطَارِ: ١٧، ١٨] ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِمَا بَعْدَهُ.
وَقَوْلُهُ : ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ٣٠] ; فَهَذَا مُجْمَلٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّ هَؤُلَاءِ مَلَائِكَةٌ، أَوْ آدَمِيُّونَ، أَوْ شَيَاطِينُ، أَوْ غَيْرُهُمْ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَهُمْ بِقَوْلِهِ : ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ [الْمُدَّثِّرِ: ٣١] .
وَنَظَائِرُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَالسُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ كَثِيرٌ.
وَلَمَّا قَالَ : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾
стр. 1203
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[الْأَنْفَالِ: ٦٠] ، كَانَتِ الْقُوَّةُ مُجْمَلَةً ; فَبَيَّنَهَا النَّبِيُّ ﷺ ، بِقَوْلِهِ: أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ. لِأَنَّ الْقَوْلَ لَمَّا كَانَ بَيِّنًا فِي نَفْسِهِ، جَازَ أَنْ يُبَيِّنَ غَيْرَهُ، كَمَا قُلْنَا فِي الْمَاءِ الطَّهُورِ: لَمَّا كَانَ يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ، جَازَ أَنْ يَدْفَعَهَا عَنْ غَيْرِهِ، إِذَا كَانَ كَثِيرًا.
الثَّانِي: مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْبَيَانُ: الْفِعْلُ ; فَمِنْهُ الْكِتَابَةُ، كَكِتَابَةِ النَّبِيِّ، ﷺ ، وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدَهُ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَاتِ إِلَى عُمَّالِهِمْ فِي الصَّدَقَاتِ، وَغَيْرِهَا مِنَ السِّيَاسَاتِ، وَلِأَنَّ الْكِتَابَةَ تَقُومُ مَقَامَ اللِّسَانِ فِي تَأْدِيَةِ مَا فِي النَّفْسِ ; فَكَانَتْ بَيَانًا.
وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرَّحْمَنِ: ١ - ٤] ، ثُمَّ بَيَّنَ هَذَا الْبَيَانَ بِقَوْلِهِ : ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [الْعَلَقِ: ٤، ٥] ; فَالْبَيَانُ بِالْقَلَمِ مِنْ جُمْلَةِ الْبَيَانِ الَّذِي عَلَّمَهُ الْإِنْسَانُ، وَهُوَ بَيَانُ نُطْقٍ، وَبَيَانُ كِتَابَةٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَمِنْهُ، أَيْ: مِنَ الْبَيَانِ الْفِعْلِيِّ، الْإِشَارَةُ كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ ، أَنَّهُ آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا ; فَأَقَامَ فِي مُشْرَبَةٍ لَهُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ ; فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ آلَيْتَ شَهْرًا ; فَقَالَ: الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الْعَشْرِ، وَقَبَضَ إِبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ، يَعْنِي تِسْعَةً وَعِشْرِينَ.
وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ قَالَ: الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، هَكَذَا بِلَفْظِهِ
стр. 1204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَهُوَ بَيَانٌ قَوْلِيٌّ ; فَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيثُ نَوْعَيِ الْبَيَانِ، الْقَوْلِيِّ وَالْفِعْلِيِّ.
وَمِنَ الْبَيَانِ الْفِعْلِيِّ قَوْلُهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي. وَخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ، أَيِ: انْظُرُوا إِلَى فِعْلِي فِي الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ ; فَافْعَلُوا مِثْلَهُ ; فَكَانَ فِعْلُهُ ﵊ فِيهِمَا مُبَيِّنًا لِقَوْلِهِ : ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٧٢] ، ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩٦] .
فَإِنْ قِيلَ: بَيَانُ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ إِنَّمَا حَصَلَ بِقَوْلِهِ: صَلُّوا، وَ: خُذُوا.
قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ، إِذْ هَذَا اللَّفْظُ لَا يُعْلَمُ مِنْهُ تَفَاصِيلُ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، بَلْ هُوَ ﵇ بَيَّنَ بُقُولِهِ: صَلُّوا، وَخُذُوا أَنَّ فِعْلَهُ مُبَيِّنٌ لِتَفَاصِيلِ الصَّلَاةِ وَالْمَنَاسِكِ، وَلِهَذَا قَضَى مَنَاسِكَهُ فِي حَجَّتِهِ رَاكِبًا، لِيَتَعَلَّمَ مِنْهُ النَّاسُ.
نَعَمْ، يَرِدُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِهِ: صَلُّوا، وَخُذُوا عَنِّي، سُؤَالٌ أَصَحُّ مِنَ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ أَنْ يَسْأَلُوهُ عَنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ ; فَيُجِيبَهُمْ عَنْهَا ; فَيَكُونُ الْبَيَانُ قَوْلِيًّا لَا فِعْلِيًّا، كَمَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي. وَكَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَامَ مَقَامًا ; فَقَالَ فِيهِ: لَا تَسْأَلُونِي فِي مَقَامِي هَذَا عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَجَبْتُكُمْ،
стр. 1205
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ ; فَقَوْلُهُ: خُذُوا عَنِّي، يَعْنِي بِالسُّؤَالِ، لَا بِالِاقْتِدَاءِ بِالْأَفْعَالِ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا، لَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ ; لِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْهُ ﵇، أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ، وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِفِعْلِ الْمَنَاسِكِ، كَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَغَيْرِهِ، وَأَمْرُهُ لَهُمْ بِذَلِكَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ اقْتِدَاؤُهُمْ بِأَفْعَالِهِ، عَمَلًا بِقَرِينَةِ الْحَالِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
الثَّالِثُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْبَيَانُ: «الْإِقْرَارُ عَلَى الْفِعْلِ» فَيَكُونُ ذَلِكَ تِبْيَانًا لِجَوَازِهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ سَبَقَ فِي الْكَلَامِ عَلَى السُّنَّةِ، أَنَّ الْقَوْلَ، وَالْفِعْلَ، وَالْإِقْرَارَ عَلَى الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ - سُنَّةٌ، وَهِيَ دَلِيلٌ وَحُجَّةٌ، وَمَا كَانَ دَلِيلًا فِي نَفْسِهِ، صَلَحَ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: " وَ كُلُّ مُقَيَّدٍ مِنَ الشَّارِعِ بَيَانٌ "، هَذِهِ قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ الْبَيَانُ، يَتَنَاوَلُ مَا سَبَقَ، وَمَا يَأْتِي بَعْدُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَسْتَدِلَّ الشَّارِعُ اسْتِدْلَالًا عَقْلِيًّا ; فَيُبَيِّنَ بِهِ الْعِلَّةَ، أَوْ مَأْخَذَ الْحُكْمِ، أَوْ فَائِدَةً مَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي صِفَةِ مَاءِ السَّحَابِ: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فَاطِرٍ: ٩] ، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ١١] ، ﴿وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الرُّومِ: ١٩] ، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ.
فَبَيَّنَ لَنَا بِذَلِكَ طَرِيقَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى إِمْكَانِ الْبَعْثِ
стр. 1206
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْمَعَادِ، وَلَوْلَا هَذَا الطَّرِيقُ الَّذِي فَتَحَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، لَمَا اجْتَرَأَ مُتَكَلِّمُوهُمْ أَنْ يَسْتَدِلُّوا عَلَيْهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُونَ مَعَ الْفَلَاسِفَةِ الْمُنْكِرِينَ لَهُ فِيهِ.
وَقَالَ : ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٢] ، ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩١] ; فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ طَرِيقَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى تَوْحِيدِهِ ، وَنَفْيِ الشَّرِيكِ لَهُ .
وَبَيَّنَ بُقُولِهِ : ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ﴾ [الرُّومِ: ٢٨] ، الْآيَةَ، قُبْحَ الْإِشْرَاكِ، وَمَنْعَهُ وَتَحْرِيمَهُ، وَجَمِيعُ اسْتِدْلَالَاتِ الْقُرْآنِ عَقْلِيَّةٌ، وَهِيَ مُفِيدَةٌ لِلْبَيَانِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، لِعُمَرَ ﵁ حِينَ قَالَ لَهُ: قَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ: أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ. فَقَاسَ الْقُبْلَةَ عَلَى الْمَضْمَضَةِ، وَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ الْفِطْرَ إِنَّمَا يَكُونُ بِمَا يُجَاوِزُ الْحَلْقَ إِلَى الْجَوْفِ، أَوْ بِمَا يَحْصُلُ مِنْهُ مَقْصُودُهُ الْمَوْضُوعُ لَهُ مِنَ الْمُفَطِّرَاتِ، وَالْقُبْلَةُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهَا مَقْصُودُ جِنْسِهَا وَهُوَ الْإِنْزَالُ، كَمَا أَنَّ الْمَضْمَضَةَ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهَا مَقْصُودُ الشُّرْبِ، وَهُوَ الرِّيُّ.
وَقَالَ لِلْخَثْعَمِيَّةِ: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ. فَبَيَّنَ أَنَّ دَيْنَ اللَّهِ كَدَيْنِ
стр. 1207
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْآدَمِيِّ، فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَقَبُولِ النِّيَابَةِ، وَأَوْلَى، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الشَّرْعِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: التَّرْكُ: مِثْلَ أَنْ يَتْرُكَ فِعْلًا قَدْ أَمَرَ بِهِ، أَوْ قَدْ سَبَقَ مِنْهُ فِعْلُهُ ; فَيَكُونُ تَرْكُهُ لَهُ مُبَيِّنًا لِعَدَمِ وُجُوبِهِ.
وَذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٢٨٢] ، ثُمَّ إِنَّهُ كَانَ يُبَايِعُ وَلَا يُشْهِدُ، بِدَلِيلِ الْفَرَسِ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنَ الْأَعْرَابِيِّ، ثُمَّ أَنْكَرَهُ الْبَيْعَ ; فَشَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ لَا عَنْ حُضُورٍ، بَلْ عَنْ تَصْدِيقِهِ ﵊ ; فَعُلِمَ أَنَّ الْإِشْهَادَ فِي الْبَيْعِ غَيْرُ وَاجِبٍ. وَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ ، التَّرَاوِيحَ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ تَرَكَهَا خَشْيَةَ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ ; فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا، إِذْ يَمْتَنِعُ مِنْهُ تَرْكُ الْوَاجِبِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: السُّكُوتُ بَعْدَ السُّؤَالِ عَنْ حُكْمِ الْوَاقِعَةِ. فَيُعْلَمُ أَنْ لَا حُكْمَ لِلشَّرْعِ فِيهَا، كَمَا رُوِيَ، أَنَّ زَوْجَةَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ﵁، جَاءَتْ بِابْنَتَيْهَا إِلَى النَّبِيِّ، ﷺ ; فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدٍ، قُتِلَ أَبُوهُمَا
стр. 1208
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَقَدْ أَخَذَ عَمُّهُمَا مَالَهُمَا، وَلَا يُنْكَحَانِ إِلَّا بِمَالٍ ; فَقَالَ: " اذْهَبِي حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكِ ; فَذَهَبَتْ، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ١١] ; فَبَعَثَ خَلْفَ الْمَرْأَةِ وَابْنَتَيْهَا وَعَمِّهِمَا ; فَقَضَى فِيهِمْ بِحُكْمِ الْآيَةِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ حُكْمٌ، وَإِلَّا لَمَا جَازَ تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، كَمَا سَيُذْكَرُ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْقَاعِدَةُ الْمَذْكُورَةُ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا إِنْ وُجِدَتْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: «وَ الْبَيَانُ الْفِعْلِيُّ أَقْوَى مِنَ الْقَوْلِيِّ» ، أَيِ: الْبَيَانُ بِالْفِعْلِ أَقْوَى مِنَ الْبَيَانِ بِالْقَوْلِ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْبَيَانِ بِهِمَا، إِلَّا عِنْدَ شُذُوذٍ مِنَ النَّاسِ فِي الْبَيَانِ الْفِعْلِيِّ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ أَقْوَى مِنَ الْقَوْلِيِّ: أَنَّ الْفِعْلِيَّ فِيهِ مُشَاهَدَةٌ وَعِيَانٌ لِصُورَةِ الْفِعْلِ، وَذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى مَا يُفِيدُهُ مُجَرَّدُ الْقَوْلِ ; فَالْبَيَانُ الْفِعْلِيُّ مُدْرَكٌ بِالتَّصَوُّرِ الذِّهْنِيِّ، وَالْإِدْرَاكِ الْحِسِّيِّ، بِخِلَافِ الْقَوْلِيِّ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا التَّصَوُّرُ الذِّهْنِيُّ فَقَطْ ; فَكَانَ الْفِعْلِيُّ أَقْوَى.
وَلِهَذَا كَانَ غَالِبُ النَّاسِ عَالِمًا بِأَفْعَالِ الصَّلَاةِ، لِتَكَرُّرِ أَفْعَالِهَا عَلَيْهِمْ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ، بِخِلَافِ أَفْعَالِ الْحَجِّ، فَإِنَّ صِبْيَانَ مَكَّةَ - شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى - أَعْلَمُ بِهَا مِنْ كَثِيرٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْآفَاقِ الْمُبَرِّزِينَ فِي الْعِلْمِ، لِدُرْبَةِ أُولَئِكَ الصِّبْيَانِ بِهَا دُونَهُمْ.
وَكَذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ ، لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُعَرِّفَ أَصْحَابَهُ مَثَلَ ابْنِ آدَمَ، وَأَجَلَهُ، وَأَمَلَهُ، خَطَّ لَهُمْ خَطًّا مُرَبَّعًا، صَوَّرَ لَهُمْ ذَلِكَ فِيهِ، كَمَا صَحَّ فِي السُّنَّةِ.
стр. 1209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَخَطَّ لَهُمْ مَرَّةً خَطًّا مُسْتَقِيمًا وَإِلَى جَانِبِهِ خُطُوطٌ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ، وَهَذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٥٣] .
وَكَذَلِكَ الْمُهَنْدِسُونَ وَأَصْحَابُ عِلْمِ الْهَيْئَةِ وَضَعُوا فِي كُتُبِهِمْ صُوَرَ الْأُكَرِ، وَالزَّوَايَا، وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَشْكَالِ، لِتَكُونَ أَسْرَعَ إِلَى فَهْمِ الْمُتَعَلِّمِ.
قَوْلُهُ: «وَتَبْيِينُ الشَّيْءِ بِأَضْعَفَ مِنْهُ، كَالْقُرْآنِ بِالْآحَادِ جَائِزٌ» .
اعْلَمْ أَنَّ الْبَيَانَ ; إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَقْوَى مِنَ الْمُبَيَّنِ، أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ، أَوْ أَضْعَفَ مِنْهُ فِي الدَّلَالَةِ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْبَيَانِ بِالْأَقْوَى.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْبَيَانِ بِالْأَضْعَفِ ; فَأَجَازَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بِالْأَضْعَفِ وَالْمُسَاوِي، وَاشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْبَيَانُ رَاجِحًا. وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ رَاجِحًا، لَكَانَ إِمَّا مُسَاوِيًا، أَوْ مَرْجُوحًا.
وَالْأَوَّلُ يَلْزَمُ مِنْهُ الْوَقْفُ، إِذْ لَيْسَ أَحَدُ الْمُتَسَاوِيَيْنِ بِأَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِلْآخَرِ مِنَ الْعَكْسِ.
وَالثَّانِي: يَلْزَمُ مِنْهُ تَرْكُ الرَّاجِحِ بِالْمَرْجُوحِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. وَهَذَا حُجَّةُ الْكَرْخِيِّ عَلَى مَنْعِ الْبَيَانِ بِالْأَضْعَفِ.
وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَتَّجِهُ قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ ; لِأَنَّ تَبْيِينَ اللَّفْظِ بِمَا هُوَ أَضْعَفُ
стр. 1210
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دَلَالَةً مِنْهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ ; لِأَنَّ التَّبْيِينَ تَخْلِيصٌ، وَتَمْيِيزٌ لِبَعْضِ الِاحْتِمَالَاتِ مِنْ بَعْضٍ، وَالضَّعِيفُ لَا يُخَلِّصُ الْقَوِيَّ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا بِمَثَابَةِ تَعْدِيلِ الْفَاسِقِ لِلْعَدْلِ، وَتَصْيِيرِ الْمَاءِ الطَّاهِرِ طَهُورًا بِإِضَافَةِ الْمَاءِ النَّجِسِ إِلَيْهِ، وَالتَّعْرِيفِ بِالْأَخْفَى، كَقَوْلِنَا: الْأَسَدُ هُوَ الْغَضَنْفَرُ، أَوِ الدَّلَهْمَسُ، وَالْعَنْكَبُوتُ: هُوَ الْخَدَرْنَقُ، وَالْأَرْنَبُ: الْخِرْنِقُ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْبَيَانَ بِالْأَضْعَفِ يَجُوزُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَنْ ذَلِكَ الْأَضْعَفُ عِنْدَهُ أَقْوَى، لَكِنْ بِالْإِضَافَةِ إِلَى هَذَا الشَّخْصِ لَيْسَ بَيَانًا بِالْأَضْعَفِ بَلْ بِالْأَقْوَى، كَمَا يُقَالُ لِلْعِرَاقِيِّ: الْفُولُ الْبَاقِلَّا ; لِأَنَّ الْبَاقِلَّا أَشْهَرُ عَنْهُ، وَبِعَكْسِ ذَلِكَ فِي الْمِصْرِيِّ وَنَحْوِهُ ; لِأَنَّ الْفُولَ عِنْدَهُمْ أَشْهَرُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ مَسْأَلَةَ «الْمُخْتَصَرِ» ; لِأَنَّ الْكَلَامَ هَهُنَا فِي تَبْيِينِ الْأَقْوَى بِالْأَضْعَفِ مِنْ جِهَةِ الدَّلَالَةِ، وَمَسْأَلَةُ «الْمُخْتَصَرِ» وَ «الرَّوْضَةِ» مُمَثَّلَةٌ بِتَبْيِينِ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ فِي الرُّتْبَةِ لَا فِي الدَّلَالَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ضَعْفِ الرُّتْبَةِ ضَعَّفُ الدَّلَالَةِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْأَضْعَفُ رُتْبَةً أَقْوَى دَلَالَةً، كَتَخْصِيصِ عُمُومِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ; لِأَنَّهُ أَخَصُّ ; فَيَكُونُ أَدَلَّ.
فَحَاصِلُ هَذَا أَنَّ الضَّعْفَ إِنْ كَانَ فِي الدَّلَالَةِ، لَمْ يَجُزْ تَبْيِينُ الْقَوِيِّ بِالضَّعِيفِ، لِمَا سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ فِي الرُّتْبَةِ، جَازَ إِذَا كَانَ أَقْوَى دَلَالَةً، وَمَنْ أَجَازَ
стр. 1211
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْبَيَانَ بِالْأَضْعَفِ، أَجَازَهُ بِالْمُسَاوِي، وَلَا عَكْسَ، وَمَنِ اشْتَرَطَ الرُّجْحَانَ فِي الْبَيَانِ، لَمْ يُجِزْهُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، كَمَا سَبَقَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَائِدَةٌ: قَدْ يَكُونُ الْبَيَانُ مُتَّصِلًا كَمَا سَبَقَ، وَقَدْ يَكُونُ مُنْفَصِلًا كَتَبْيِينِهِ سُبْحَانَهُ الْمُرَادَ مِنَ الْخَيْطِ الْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ، بِقَوْلِهِ : مِنَ الْفَجْرِ [الْبَقَرَةِ: ١٨٧] ، وَكَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
فَلَا يَغُرَّنَّكَ مَا مَنَّتْ
فَإِنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنَّهُ مِنَ الْمَنِّ، وَهُوَ الْإِنْعَامُ بِالْوَصْلِ، أَوِ الْوَعْدُ الصَّادِقُ بِهِ، أَوْ مِنَ التَّمَنِّي، ثُمَّ بَيَّنَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ:
إِنَّ الْأَمَانِيَّ وَالْأَحْلَامَ تَضْلِيلُ
стр. 1212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّمَنِّي، الَّذِي هُوَ كَأَحْلَامِ النَّائِمِ، لَا مِنَ الْمَنِّ.
قَوْلُهُ: «وَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ مُمْتَنِعٌ، إِلَّا عَلَى تَكْلِيفِ الْمُحَالِ» ، يَعْنِي تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ ; فَمَنْ أَجَازَهُ، أَجَازَ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَمَنْ مَنْعَهُ، مَنَعَهُ، وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ: صَلُّوا غَدًا، ثُمَّ لَا يُبَيِّنُ لَهُمْ فِي غَدٍ كَيْفَ يُصَلُّونَ، أَوْ: آتَوُا الزَّكَاةَ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ، ثُمَّ لَا يُبَيِّنُ لَهُمْ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْلِ كَمْ يُؤَدُّونَ، أَوْ إِلَى مَنْ يُؤَدُّونَ وَنَحْوُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، وَالتَّفْرِيعُ عَلَى امْتِنَاعِهِ.
قَوْلُهُ: «وَعَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ إِلَى وَقْتِهَا جَائِزٌ» ، أَيْ: وَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ جَائِزٌ عِنْدَ الْقَاضِي، وَابْنِ حَامِدٍ، وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَنَعَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَأَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، وَالظَّاهِرِيَّةُ، وَالْمُعْتَزِلَةُ، وَالصَّيْرَفِيُّ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ إِلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ بَيَانِ الْأَمْرِ دُونَ الْخَبَرِ، وَذَهَبَ الْجُبَّائِيُّ وَابْنُهُ، وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ، إِلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ بَيَانِ النَّسْخِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: مَا لَيْسَ لَهُ ظَاهِرٌ، كَالْمُجْمَلِ يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانِهِ، وَمَا لَهُ ظَاهِرٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ غَيْرُهُ، يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانِهِ التَّفْصِيلِيِّ، لَا الْإِجْمَالِيِّ، بِأَنْ يَقُولَ وَقْتَ الْخِطَابِ مَثَلًا: هَذَا الْعُمُومُ مَخْصُوصٌ، وَلَا يَجِبْ تَفْصِيلُ أَحْكَامِ تَخْصِيصِهِ بِبَيَانِ غَيْرِ الْمُخَصَّصِ وَمِقْدَارِ مَا يُخَصُّ مِنْهُ.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ: يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانِ الْمُجْمَلِ، دُونَ
стр. 1213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غَيْرِهِ كَالظَّاهِرِ وَالْعُمُومِ وَالنَّسْخِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ صُوَرِ الْبَيَانِ. وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ مُطْلَقًا.
وَصُورَتُهُ: أَنْ يَقُولَ وَقْتَ الْفَجْرِ مَثَلًا: صَلُّوا الظُّهْرَ، ثُمَّ يُؤَخِّرَ بَيَانَ أَحْكَامِ الظُّهْرِ إِلَى وَقْتِ الزَّوَالِ، أَوْ يَقُولَ: حُجُّوا فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، ثُمَّ يُؤَخِّرَ بَيَانَ أَحْكَامِ الْحَجِّ إِلَى دُخُولِ الْعَشْرِ.
стр. 1214
لَنَا: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هُودٍ: ١] ، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [الْقِيَامَةِ: ١٩] ، وَثُمَّ لِلتَّرَاخِي، وَأُخِّرَ بَيَانُ بَقَرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنَّ ابْنَ نُوحٍ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، وَأَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ ، بَيَانَ: ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ ، وَآتَوُا الزَّكَاةَ. وَ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ ، وَبَيَّنَ جِبْرِيلُ: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ بِفِعْلِهِ فِي الْيَوْمَيْنِ، كُلُّ ذَلِكَ مُتَأَخِّرٌ، وَلِأَنَّ النَّسْخَ بَيَانٌ زَمَنِيٌّ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ ; فَكَذَا هَذَا.
قَالُوا: الْخِطَابُ بِمَا لَا يُفْهَمُ عَبَثٌ، وَتَجْهِيلٌ فِي الْحَالِ كَمُخَاطَبَةِ الْعَرَبِيِّ بِالْعَجَمِيَّةِ، وَعَكْسِهِ، وَإِيجَابِ الصَّلَاةِ بِأَبْجَدْ هَوَّزْ، وَكَإِرَادَةِ الْبَقَرِ مِنْ قَوْلِهِ: «فِي خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاةٌ» .
قُلْنَا: بَاطِلٌ بِالْمُتَشَابِهِ لَا تُفْهَمُ حَقِيقَتُهُ، وَلَيْسَ تَجْهِيلًا، وَلَا عَبَثًا، فَإِنْ مَنَعَ فَقَدْ بَيَّنَّاهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَائِدَتُهُ الِانْقِيَادُ الْإِيمَانِيُّ.
قُلْنَا: وَهَذَا الِانْقِيَادُ التَّكْلِيفِيُّ وَإِيجَابُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَقَطْعُ السَّارِقِ وَنَحْوُهَا يُفِيدُ مَاهِيَّاتِ الْأَحْكَامِ، وَتُفَصَّلُ عِنْدَ الْعَمَلِ بِخِلَافِ مَا ذَكَرْتُمْ ; فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ شَيْئًا.
ــ
«لَنَا» عَلَى جَوَازِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالِاسْتِدْلَالِ وُجُوهٌ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ : ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هُودٍ: ١] .
الثَّانِي: قَوْلُهُ : ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [الْقِيَامَةِ: ١٨، ١٩] .
فَرَتَّبَ تَفْصِيلَ الْآيَاتِ عَلَى أَحْكَامِهَا، وَبَيَانَ الْقُرْآنِ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِـ «ثُمَّ» وَهِيَ لِلتَّرَاخِي، وَذَلِكَ يَقْتَضِي جَوَازَ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ. وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا جَوَازُهُ إِلَيْهَا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
стр. 1215
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ مُوسَى ﵇ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ، ثُمَّ أَخَّرَ بَيَانَ صِفَتِهَا حَتَّى رَاجَعُوهُ فِيهَا مِرَارًا، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ الْآيَاتِ إِلَى قَوْلِهِ : ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٦٧، ٧١] ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
الرَّابِعُ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ، أَخَّرَ بَيَانَ أَنَّ ابْنَ نُوحٍ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ لِنُوحٍ ﵇: ﴿اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [هُودٍ: ٣٧] ، وَ ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [هُودٍ: ٤٠] ، وَهُوَ عَامٌّ فِي ابْنِهِ وَغَيْرِهِ، فَلَمَّا أَدْرَكَ ابْنَ نُوحٍ الْغَرَقُ، خَاطَبَ نُوحٌ رَبَّهُ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هُودٍ: ٤٥] ، أَيْ: وَعَدْتَنِي أَنْ تُنْجِيَ أَهْلِي، وَإِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ; فَأَنْجِهِ ; فَقَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هُودٍ: ٤٦] ; فَسَكَتَ نُوحٌ بَعْدَ أَنْ سَمِعَ مَا سَمِعَ خَائِفًا مُسْتَغْفِرًا ; فَهَذَا تَأْخِيرُ الْبَيَانِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، أَخَّرَ بَيَانَ كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ:
مِنْهَا: بَيَانُ قَوْلِهِ : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الْأَنْفَالِ: ٤١] ، اقْتَضَتِ الْآيَةُ أَنَّ جَمِيعَ الْغَنِيمَةِ لِهَذِهِ الْأَصْنَافِ، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِذِي الْقُرْبَى بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ، دُونَ بَنِي نَوْفَلٍ وَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، لِمَنْعِهِ لَهُمْ مِنْهَا، وَقَوْلِهِ: إِنَّا وَبَنِي الْمُطَّلِبِ لَمْ نَفْتَرِقْ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ.
стр. 1216
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ : ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [الْحَجِّ: ٧٨] ، بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ، أَحْكَامَهَا مُؤَخَّرًا، بِقَوْلِهِ ﷺ : فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ، فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ، لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ تَفَاصِيلِ أَحْكَامِ الزَّكَاةِ.
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٩٧] ، أَخَّرَ بَيَانَهُ بِفِعْلِهِ، وَقَوْلِهِ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ. كَمَا سَبَقَ.
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ : ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٧٢] ، بَيَّنَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِفِعْلِهِ فِي الْيَوْمَيْنِ، كُلُّ ذَلِكَ مُتَأَخِّرًا، وَالْإِشَارَةُ بِالْيَوْمَيْنِ، إِلَى مَا رَوَى نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ ; فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ، الْحَدِيثَ، إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ جِبْرِيلُ ; فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
стр. 1217
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
السَّادِسُ: أَنَّ النَّسْخَ بَيَانٌ فِي الزَّمَانِ، وَهَذَا بَيَانٌ فِي الْأَعْيَانِ، ثُمَّ قَدْ وَجَبَ التَّأْخِيرُ فِي النَّسْخِ ; فَلْيَجُزِ التَّأْخِيرُ هَهُنَا، وَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ النَّسْخِ وَغَيْرِهِ فِي تَأْخِيرِ الْبَيَانِ ; لِأَنَّ تَأْخِيرَ النَّسْخِ يُوهِمُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي زَمَنٍ، لَيْسَ ثَابِتًا فِيهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَتَأْخِيرُ تَخْصِيصِ الْعَامِّ يُوهِمُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ التَّخْصِيصِ، وَلَيْسَ ثَابِتًا فِيهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَكِلَاهُمَا مَحْذُورٌ. وَقَدِ الْتَزَمَ الْخَصْمُ أَحَدَهُمَا ; فَيَلْزَمُهُ الْتِزَامُ الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا: الْخِطَابُ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا حُجَّةُ الْمَانِعِينَ مِنْ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ الْخِطَابَ بِالْمُجْمَلَ بِدُونِ بَيَانِهِ ; خِطَابٌ بِمَا لَا يُفْهَمُ، وَالْخِطَابُ بِمَا لَا يُفْهَمُ عَبَثٌ، وَتَجْهِيلٌ لِلسَّامِعِ فِي الْحَالِ، إِذْ لَا يَعْلَمُ مَا الْمُرَادُ بِالْخِطَابِ، وَفَائِدَةُ الْخِطَابِ إِنَّمَا هُوَ إِفَادَةُ الْمُرَادِ بِهِ، فَإِذَا لَمْ يُفِدْ فَائِدَتَهُ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَبَثًا مُمْتَنِعًا، وَصَارَ ذَلِكَ كَمُخَاطَبَةِ الْعَرَبِيِّ بِالْعَجَمِيَّةِ، وَمُخَاطَبَةِ الْعَجَمِيِّ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَكَمَا لَوْ قَالَ: أَبْجَدْ هَوَّزْ، وَقَالَ: أَرَدْتُ بِهِ إِيجَابَ الصَّلَاةِ عَلَيْكُمْ. أَوْ قَالَ: فِي خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ شَاةٌ. وَقَالَ أَرَدْتُ بِالْإِبِلِ الْبَقَرَ ; فَهَذَا كُلُّهُ وَأَشْبَاهُهُ غَيْرُ جَائِزٍ، لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ ; فَكَذَلِكَ الْخِطَابُ بِالْمُجْمَلِ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: بَاطِلٌ» ، أَيْ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ أَنَّ الْخِطَابَ بِمَا لَا يُفْهَمُ عَبَثٌ ; فَلَا يَجُوزُ، بَاطِلٌ بِمُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، كَالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ وَغَيْرِهَا عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ ; فَإِنَّهُ لَا تُفْهَمُ حَقِيقَتُهُ، وَلَيْسَ الْخِطَابُ بِهِ تَجْهِيلًا لِلسَّامِعِ، وَلَا عَبَثًا مِنَ
стр. 1218
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمُتَكَلِّمِ، فَكَمَا جَازَ الْخِطَابُ بِالْمُتَشَابِهِ، بِدُونِ فَهْمِ حَقِيقَتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَبَثًا، كَذَلِكَ يَجُوزُ الْخِطَابُ بِالْمُجْمَلِ، وَإِنْ أَخَّرَ بَيَانَ حَقِيقَتِهِ، وَلَا يَكُونُ عَبَثًا.
قَوْلُهُ: «فَإِنْ مَنَعَ، فَقَدْ بَيَّنَّاهُ» ، أَيْ: إِنْ مَنَعَ أَنَّ الْمُتَشَابِهَ لَا تُفْهَمُ حَقِيقَتُهُ ; فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَأَنَّ تَأْوِيلَهُ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ لَا غَيْرَ.
وَإِنْ قَالَ الْخَصْمُ: إِنَّ الْمُتَشَابِهَ «فَائِدَتُهُ الِانْقِيَادُ الْإِيمَانِيُّ» ، أَيِ: الِانْقِيَادُ لِلْإِيمَانِ بِهِ، كَمَا قَالَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ: آمَنَّا بِهِ.
قُلْنَا: وَفَائِدَةُ الْخِطَابِ بِالْمُجْمَلِ «الِانْقِيَادُ التَّكْلِيفِيُّ» ، أَيِ: الِانْقِيَادُ لِلْعَزْمِ عَلَى امْتِثَالِ التَّكْلِيفِ بِهِ، فَإِذَا قِيلَ لِلْمَرْأَةِ: اعْتَدِّيِ بِالْأَقْرَاءِ ; عَزَمَتْ عَلَى الِاعْتِدَادِ بِأَنَّهَا أُمِرَتْ بِهِ، وَبُيِّنَ لَهَا، وَإِذَا قِيلَ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٣] ، أَفَادَ عَزْمَ كُلِّ ذِي مَالٍ عَلَى إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ، مِنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ مَالِهِ وَمَقَادِيرِهِ، حَتَّى يَرِدَ التَّخْصِيصُ النَّوْعِيُّ بِسَائِمَةِ الْأَنْوَاعِ، وَالنَّقْدَيْنِ، وَالْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ، وَالتَّخْصِيصُ الْمِقْدَارَيُّ بِشَاةٍ مِنْ أَرْبَعِينَ، وَخَمْسَةِ دَرَاهِمَ مِنْ مِائَتَيْنِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى ذَلِكَ، عَصَى، وَهَذَا شَبِيهٌ بِمَا مَرَّ بِالنَّسْخِ قَبْلَ امْتِثَالِ الْفِعْلِ، وَهَذِهِ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ قَدْ أَفَادَهَا الْخِطَابُ بِالْمُجْمَلِ ; فَهِيَ فِي بَابِهَا كَفَائِدَةِ الْإِيمَانِ بِالْمُتَشَابِهِ فِي بَابِهَا.
قَوْلُهُ: «وَإِيجَابِ الصَّلَاةِ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابٌ ثَانٍ بِالْفَرْقِ، وَالَّذِي سَبَقَ جَوَابٌ بِالنَّقْضِ.
وَتَقْرِيرُ هَذَا الْجَوَابِ: أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْخِطَابِ بِالْمُجْمَلِ، وَالْخِطَابِ بِمَا ذَكَرْتُمُوهُ، مِنْ أَبْجَدْ هَوَّزْ وَنَحْوِهِ، هُوَ أَنَّ الْخِطَابَ بِالْمُجْمَلِ يُفِيدُ مَاهِيَّاتِ
стр. 1219
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْأَحْكَامِ ; فَلَا يَضُرُّ تَأْخِيرُ بَيَانِ تَفْصِيلِهَا إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَى الْعَمَلِ بِهَا، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النُّورِ: ٥٦] ، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣٨] ، ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٣٠] ، وَنَحْوِهِ، أَفَادَنَا وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَقَطْعَ يَدِ السَّارِقِ، وَتَحْرِيمَ الرِّبَا، وَإِذَا اسْتُفِيدَتْ مَاهِيَّةُ الْوُجُوبِ وَالْحَظْرِ، وَجَبَ اعْتِقَادُهَا ; فَمَنِ اعْتَقَدَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ، وَتَحْرِيمَ الرِّبَا عَلَيْهِ وَأَنَّهُ مُمْتَثِلٌ لِلْأَمْرِ بِهِمَا، عِنْدَ بَيَانِ أَحْكَامِهِمَا ; أُثِيبَ، وَمَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ، عَصَى، وَإِذَا جَاءَ وَقْتُ الْعَمَلِ، بَيَّنَ لَنَا أَنَّ الصَّلَاةَ خَمْسٌ، وَأَنَّ رَكَعَاتِهَا سَبْعَ عَشْرَةَ، وَأَنَّ الْفَجْرَ رَكْعَتَانِ، وَالْمَغْرِبَ ثَلَاثٌ، وَبَقِيَّةَ الصَّلَاةِ رُبَاعِيَّةٌ، وَأَنَّ التَّفَاضُلَ يَحْرُمُ فِي كُلِّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ بِجِنْسِهِ، وَأَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ، جَازَ التَّفَاضُلُ يَدًا بِيَدٍ، وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ، وَهَذَا مِمَّا لَا مَانِعَ مِنْهُ، شَرْعِيٌّ وَلَا عَقْلِيٌّ، بِخِلَافِ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ خِطَابِ الْعَجَمِيِّ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَإِيجَابِ الصَّلَاةِ بِأَبْجَدْ هَوَّزْ ; فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ فَائِدَةً أَصْلًا، وَإِرَادَةُ الْبَقَرِ مِنْ لَفْظِ الْإِبِلِ تَغْيِيرٌ لِلْوَضْعِ، وَقَلْبٌ لِحَقَائِقِ اللُّغَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالْخَبَرِ، احْتَجَّ بِأَنَّ الْخَبَرَ وَالْإِجْمَالَ يُوهِمُ الْكَذِبَ ; فَيَجِبُ تَدَارُكُهُ بِالْبَيَانِ، بِخِلَافِ الْأَمْرِ.
وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ فِي الْأَمْرِ أَيْضًا تَوَهُّمَ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِغَيْرِ مَحَلِّهِ، مِنَ الْأَعْيَانِ أَوِ الزَّمَانِ، وَهُوَ قَبِيحٌ كَالْكَذِبِ.
وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُجْمَلِ وَغَيْرِهِ، احْتَجَّ بِأَنَّ الْمُجْمَلَ يُوجِبُ التَّوَقُّفَ، وَلَا
стр. 1220
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُوهِمُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، كَالْعَامِّ مَثَلًا ; فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي إِرَادَةِ جَمِيعِ مَدْلُولِهِ بِالْحُكْمِ.
وَالتَّقْدِيرُ أَنَّ بَعْضَ مَدْلُولِهِ غَيْرُ مُرَادٍ بِهِ ; فَيَكُونُ إِيهَامًا لِلْبَاطِلِ ; فَيَجِبُ تَدَارُكُهُ بِالْبَيَانِ، نَفْيًا لِهَذَا الْإِيهَامِ.
وَيُجَابُ عَنْهُ بِنَحْوِ الْجَوَابِ عَنِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَنَّ تَأْخِيرَ بَيَانِ الْمُجْمَلِ يُوهِمُ إِرَادَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ مُحْتَمَلَيْهِ، أَوْ مُحْتَمَلَاتِهِ، مَعَ أَنَّ جَمِيعَهَا غَيْرُ مُرَادٍ، وَهُوَ إِيهَامٌ لِلْبَاطِلِ ; فَهُوَ كَإِيهَامِ الْعُمُومِ التَّعْمِيمَ ; وَإِنْ ظَهَرَ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ فِي قُوَّةِ الْإِيهَامِ وَضَعْفِهِ، غَيْرَ أَنَّ أَصْلَ الْإِيهَامِ مَوْجُودٌ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَهُوَ كَافٍ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ.
فَائِدَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: وَقَعَ ذِكْرُ ابْنِ نُوحٍ فِي أَدِلَّةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، هَلْ كَانَ ابْنَهُ لِصُلْبِهِ، أَوْ لَمْ يَكُنِ ابْنَهُ، بَلْ كَانَ لِلزِّنَى ; فَذَهَبَ إِلَى الْأَوَّلِ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ; قَالُوا: وَإِنَّمَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِالْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ، مِنْ أَجْلِ ابْنِ نُوحٍ، وَحَلَفَ الْحَسَنُ: إِنَّهُ لَيْسَ بِابْنِهِ، وَحَلَفَ عِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ: إِنَّهُ ابْنُهُ، وَلِلنِّزَاعِ مَأْخَذَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْخِيَانَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التَّحْرِيمِ: ١٠] ، هَلْ هِيَ بِمَا عَدَا الزِّنَا، أَوْ بِالزِّنَا وَغَيْرِهِ ; فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَانَتَاهُمَا بِالْكُفْرِ ; فَكَانَتِ امْرَأَةُ نُوحٍ ﵇ تَقُولُ لِلنَّاسِ: إِنَّهُ
стр. 1221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَجْنُونٌ، وَكَانَتِ امْرَأَةُ لُوطٍ ﵇ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ ضَيْفٌ، تُخْبِرُ بِهِ قَوْمَهَا، وَتُغْرِيهِمْ بِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمَا بَغَتِ امْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ، وَلَا ابْتُلِيَ الْأَنْبِيَاءُ فِي نِسَائِهِمْ بِهَذَا، يَعْنِي الزِّنَا.
وَقَالَ الْحَسَنُ: خَانَتَاهُمَا بِالزِّنَا وَغَيْرِهِ. فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ قَالَ: هُوَ ابْنُهُ،
стр. 1222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1223
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي، قَالَ: لَيْسَ بِابْنِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ خِيَانَتِهَا بِالزِّنَا.
قُلْتُ: وَهَذَا ضَعِيفٌ، أَمَّا الْأَوَّلُ ; فَلِأَنَّ الْخِيَانَةَ الْمَنْسُوبَةَ إِلَيْهَا فِي الْآيَةِ مُطْلَقَةٌ، وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى تَحْقِيقِهَا بِالْكُفْرِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَذَى، وَذَلِكَ وَافٍ بِمُطْلَقِ الْآيَةِ، يَبْقَى خُصُوصُ الزِّنَا، لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا: فَلِأَنَّ تَقْدِيرَ أَنَّهَا خَائِنَةٌ بِالزِّنَا ; لَكِنَّ ذَلِكَ أَيْضًا مُطْلَقٌ، يَكْفِي فِي تَحْقِيقِهِ زِنَا مَرَّةٍ ; فَمِنْ أَيْنَ لَنَا أَنَّ ذَلِكَ الْوَلَدَ مِنْ تِلْكَ الْمَرَّةِ، وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهَا زَنَتْ مِرَارًا، لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ فِي تَحَقُّقِ أَنَّهُ مِنْ تِلْكَ الْمِرَارِ، وَلَا فِي ظُهُورِ ذَلِكَ فَضَعُفَ هَذَا الْمَأْخَذُ.
الْمَأْخَذُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ : ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي﴾
стр. 1224
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا [هُودٍ: ٤٢] ، وَقَالَ: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي، يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ابْنُهُ، لِإِضَافَتِهِ إِلَيْهِ: ابْنِي، وَقَوْلِهِ ، وَعَلَى هَذَا عَوَّلَ عِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ، وَمَنْ تَابَعَهُمَا، وَعَوَّلَ الْحَسَنُ وَمَنْ تَابَعَهُ، عَلَى قَوْلِهِ : ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هُودٍ: ٤٦] ، وَحَقِيقَتُهُ تَقْتَضِي نَفْيَ النَّسَبِ.
قُلْتُ: وَهُوَ أَيْضًا ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْأَهْلِيَّةَ تُسْتَعْمَلُ فِي اللِّسَانِ تَارَةً فِي النَّسَبِ، وَتَارَةً فِي الدِّينِ وَغَيْرِهِ، كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: هُوَ ابْنُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ خَالَفَهُ فِي الْعَمَلِ وَالنِّيَّةِ ; فَهِيَ مُجْمَلٌ، وَالتَّصْرِيحُ بِالْبُنُوَّةِ، وَإِضَافَتُهَا لِنُوحٍ ﵇ مُبَيِّنٌ ; فَيَكُونُ مُقَدَّمًا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ الَّذِي وَعَدْتُكَ أَنْ أُنْجِيَهُمْ، كَمَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ الْحَسَنِ فَقَالَ: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ وَتَقُولُ: لَيْسَ بِابْنِهِ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ ؟ قَالَ: قُلْتُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ الَّذِينَ وَعَدْتُكَ أَنْ أُنْجِيَهُمْ مَعَكَ، وَلَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّهُ ابْنُهُ، قَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَكْذِبُونَ.
وَاحْتَجَّ الطَّنْزِيُّ، بِالنُّونِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ، عَلَى ضَعْفِ قَوْلِ الْحَسَنِ بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ فَكَيْفَ يُخْبِرُ اللَّهُ عَمَّا لَمْ يَكُنْ؟
الثَّانِي: أَنَّ نُوحًا عَاشَ عُمْرَ ابْنِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: ابْنِي.
стр. 1225
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمْ يُبْتَلَ نَبِيٌّ بِهَذِهِ الْبَلْوَى، وَقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ رُسُلَهُ عَمَّا هُوَ دُونَ هَذِهِ الرَّذِيلَةِ، وَبِهَذَا احْتَجَّتْ عَائِشَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ حَيْثُ قَالَتْ: هَبْكَ شَكَكْتَ فِيَّ، أَشَكَكْتَ فِي نَفْسِكَ.
قُلْتُ: هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَيْهِ قَبْلُ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ قَوَاطِعَ فِي بُطْلَانِ قَوْلِ الْحَسَنِ، إِذْ لَهُ أَنْ يُجِيبَ:
عَنِ الْأَوَّلِ ; بِأَنَّ اللَّهَ أَضَافَهُ إِلَى نُوحٍ ﵇ إِضَافَةَ فِرَاشٍ، لَا إِضَافَةَ وِلَادَةٍ.
وَعَنِ الثَّانِي بِذَلِكَ أَوْ بِأَنَّ نُوحًا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ، وَلَمْ يُطْلِعْهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ مَا.
وَعَنِ الثَّالِثِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ صِيَانَةِ مَنْصِبِ غَالِبِ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ هَذِهِ الْبَلْوَى ; صِيَانَةُ مَنْصِبِ نُوحٍ عَنْهَا، لِجَوَازِ أَنْ يَخُصَّهُ اللَّهُ بِذَلِكَ، ابْتِلَاءً وَامْتِحَانًا، أَوْ لِشَقَاءِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ، كَمَا خَصَّ امْرَأَةَ لُوطٍ بِالْقِيَادَةِ وَالسِّعَايَةِ فِي اللِّوَاطِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي امْرَأَةِ نَبِيٍّ غَيْرِهِ.
قُلْتُ: وَثَمَّ مَأْخَذٌ آخَرُ لِلْخِلَافِ، وَهُوَ قَوْلُهُ لِنُوحٍ ﵇: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هُودٍ: ٤٦] ، فَإِنَّ فِيهِ إِيمَاءً إِلَى مَا قَالَهُ الْحَسَنُ، إِذْ لَوْ كَانَتْ عِلَّةُ إِهْلَاكِهِ الْكُفْرَ، لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، إِذْ نُوحٌ قَدْ كَانَ يَعْلَمُ كُفْرَ ابْنِهِ، وَإِنَّمَا الَّذِي لَمْ يَعْلَمْهُ هُوَ كَوْنُهُ لِغَيْرِ صُلْبِهِ.
وَيُجَابُ عَنْ هَذَا: بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ مِنْ
стр. 1226
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَهْلِ النَّارِ، وَنُوحٌ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ.
قُلْتُ: التَّحْقِيقُ: أَنَّهُ لَا قَاطِعَ فِي الْمَسْأَلَةِ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، وَلَا نِزَاعَ فِي احْتِمَالِ مَا قَالَهُ الْحَسَنُ، وَانْهُ لَيْسَ بِمُحَالٍ عَقْلًا.
أَمَّا مِنْ حَيْثُ الظُّهُورُ ; فَالظَّاهِرُ مَعَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ابْنُهُ لِصُلْبِهِ، وَقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّهُ ابْنُهُ لِلْفِرَاشِ دُونَ الصُّلْبِ، وَانْبَنَى عَلَى النِّزَاعِ الْمَذْكُورِ الْخِلَافُ فِي الْقِرَاءَةِ فِي قَوْلِهِ : ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هُودٍ: ٤٦] فَقَرَأَ الْحَسَنُ وَمَنْ تَابَعَهُ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ بِالرَّفْعِ، يَعْنِي: ابْنُ نُوحٍ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الزِّنَا وَهُوَ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ، وَهِيَ قِرَاءَةُ السَّبْعَةِ إِلَّا الْكِسَائِيَّ ; فَإِنَّهُ قَرَأَ: عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ عَلَى الْفِعْلِ الْمَاضِي، يَعْنِي عَمِلَ الْكُفْرَ، لَا أَنَّهُ مِنْ زِنَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْمُجْمَلَ وَالْمُبَيَّنَ يَتَفَاوَتَانِ فِي مَرَاتِبِ الْإِجْمَالِ وَالْبَيَانِ ; فَيَكُونُ بَعْضُ الْأَلْفَاظِ أَشَدَّ إِجْمَالًا مِنْ بَعْضٍ، وَبَعْضُهَا أَشَدَّ بَيَانًا مِنْ بَعْضٍ.
وَمِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ ق: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٣٩ - ٤٠] وَفِي سُورَةِ الطُّورِ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطُّورِ: ٤٨ - ٤٩] ، وَفِي سُورَةِ هُودٍ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هُودٍ: ١١٤] . فَهَذِهِ الْآيَاتُ إِشَارَةٌ إِلَى مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ الْخَمْسِ، وَأَشَدُّ بَيَانًا مِنْهَا فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ سُبْحَانَ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ، يَعْنِي الظَّهْرَ ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ يَتَنَاوَلُ الْعَصْرَ
стр. 1227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْعِشَاءَيْنِ، ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ الصُّبْحَ، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٧٨ - ٧٩] التَّطَوُّعَ، فَجَمَعَ فِي الْآيَةِ فَرْضَ الصَّلَاةِ وَنَفْلَهَا. وَفِي سُورَةِ طَهَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ [طَهَ: ١٣٠] ، يَعْنِي الْفَجْرَ ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ يَعْنِي الْعَصْرَ، ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ يَعْنِي الْعِشَاءَيْنِ وَالتَّطَوُّعَ، ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ يَعْنِي الظُّهْرَ ; لِأَنَّهَا فِي وَسَطِ النَّهَارِ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، أَوْ يُرِيدُ بِمَا قَبْلَ غُرُوبِهَا الْعَصْرَ وَالظُّهْرَ ; لِأَنَّ وَقْتَهُمَا وَاحِدٌ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: الظُّهْرُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: إِذَا أَدْرَكَ الْمَعْذُورُ قَدْرَ تَكْبِيرَةٍ قَبْلَ الْغُرُوبِ، لَزِمَهُ قَضَاءُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ الْعِشَاءَيْنِ وَالتَّطَوُّعَ، ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ التَّطَوُّعَ أَيْضًا. وَفِي سُورَةِ الرُّومِ [الْآيَةِ: ١٧] : ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ الْعَصْرَ ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الْفَجْرَ، مُطَابَقَةً لِقَوْلِهِ : ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] ، وَعَشِيًّا الْعِشَاءَانِ، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الرُّومِ: ١٨] الظُّهْرَ.
فَهَذِهِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ: أَدْخَلُ فِي الْبَيَانِ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، مِنَ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ الْأُوَلِ، وَأَبْيَنُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنْ أَحَادِيثِ الْمَوَاقِيتِ،، وَأَبْيَنُ مِنْ أَحَادِيثِ السُّنَّةِ مَا فَصَّلَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَإِلَى هُنَا انْتَهَى الْبَيَانُ.
وَهَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ ; السُّنَّةُ أَبْيَنُ مِنَ الْكِتَابِ ; لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِبَيَانِهِ، وَكَلَامُ الْفُقَهَاءِ أَبْيَنُ مِنَ السُّنَّةِ ; لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِتَفْصِيلِ أَحْكَامِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 1228
خَاتِمَةٌ
فَحْوَى اللَّفْظِ: مَا أَفَادَهُ لَا مِنْ صِيغَتِهِ، وَيُسَمَّى إِشَارَةً، وَإِيمَاءً، وَلَحْنًا، وَتَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُ، وَهُوَ عَلَى أَضْرُبٍ:
الْأَوَّلُ: الْمُقْتَضَى، وَهُوَ الْمُضْمَرُ الضَّرُورِيُّ لِصِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ، نَحْوَ: لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ أَيْ: صَحِيحٌ. أَوْ لِوُجُودِ الْحُكْمِ شَرْعًا، نَحْوَ: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾ أَيْ: فَأَفْطِرْ، وَ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي، فِي اقْتِضَائِهِ مِلْكَ الْقَائِلِ لَهُ. أَوْ عَقْلًا، نَحْوَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ فِي إِضْمَارِ الْوَطْءِ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ فِي إِضْمَارِ الْأَهْلِ.
الثَّانِي: تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِمَا اقْتَرَنَ بِهِ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ، نَحْوَ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ ، وَ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ أَيْ: لِلسَّرِقَةِ، وَالزِّنَا، ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ، أَيْ: لِلْبِرِّ وَالْفُجُورِ، لِمَيْلِ الْعُقَلَاءِ إِلَى: أَكْرِمِ الْعُلَمَاءَ وَأَهِنِ الْجُهَّالَ، وَنُفُورِهِمْ مِنْ عَكْسِهِ.
ــ
خَاتِمَةٌ: فَحْوَى اللَّفْظِ: مَا أَفَادَهُ لَا مِنْ صِيغَتِهِ ".
اعْلَمْ أَنَّ الدَّلِيلَ الشَّرْعِيَّ ; إِمَّا مَنْقُولٌ، وَإِمَّا مَعْقُولٌ، أَوْ ثَابِتٌ بِالْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ.
فَالْمَعْقُولُ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ; وَدَلَالَتُهُمَا: إِمَّا مِنْ مَنْطُوقِ اللَّفْظِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ مَنْطُوقِ اللَّفْظِ.
стр. 1229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَالْأَوَّلُ يُسَمَّى مَنْطُوقًا، كَفَهْمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي السَّائِمَةِ، فِي قَوْلِهِ ﵊: فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ، وَكَفَهْمِ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ، فِي قَوْلِهِ : ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢٣] .
وَالثَّانِي يُسَمَّى فَحْوَى وَمَفْهُومًا، كَفَهْمِ عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْمَعْلُوفَةِ مِنَ الْحَدِيثِ، وَتَحْرِيمِ الضَّرْبِ مِنَ الْآيَةِ، وَهَذِهِ الْخَاتِمَةُ مَذْكُورَةٌ لِبَيَانِ ذَلِكَ.
وَالْمَعْقُولُ: الْقِيَاسُ ; لِأَنَّهُ يُسْتَفَادُ بِوَاسِطَةِ النَّظَرِ الْعَقْلِيِّ.
وَالثَّابِتُ بِالْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ وَلَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمَا، هُوَ الْإِجْمَاعُ، كَمَا سَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي إِثْبَاتِهِ.
وَقَوْلُنَا: هَذَا الْإِجْمَاعُ مَنْقُولٌ تَوَاتُرًا أَوْ آحَادًا مَجَازٌ ; لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِجْمَاعِ الِاتِّفَاقُ، وَهُوَ لَا يُنْقَلُ، إِنَّمَا الْمَنْقُولُ هُوَ الْإِخْبَارُ بِوُجُودِهِ، بِخِلَافِ النُّصُوصِ، فَإِنَّ نَفْسَهَا هِيَ الْمَنْقُولُ، وَالْقِيَاسُ نَفْسُهُ هُوَ الْمَعْقُولُ. إِذَا عَرَفَتْ هَذَا، عُدْنَا إِلَى حَلِّ لَفْظِ الْكِتَابِ.
فَقَوْلُهُ: " فَحْوَى اللَّفْظِ " هُوَ: " مَا أَفَادَهُ ". جِنْسٌ، يَتَنَاوَلُ مَا أَفَادَهُ نُطْقًا وَغَيْرَهُ.
وَبِقَوْلِهِ: " لَا مِنْ صِيغَتِهِ " يَخْرُجُ الْمَنْطُوقُ ; لِأَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنَ الصِّيغَةِ، كَمَا
стр. 1230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذُكِرَ فِي حَدِيثِ السَّائِمَةِ، وَآيَةِ التَّأْفِيفِ ; فَبَقِيَ مَا يُسْتَفَادُ لَا مِنَ الصِّيغَةِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى فَحَوَى - بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ - وَبَعْضُ مَنْ لَا يَعْلَمُ يَقُولُهَا بِالْجِيمِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ قَبِيحٌ، وَالْفَحْوَى فِي اللُّغَةِ: مَعْنَى الْقَوْلِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: فَحَوَى الْقَوْلِ مَعْنَاهُ وَلَحْنُهُ، يُقَالُ: عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي فَحْوَى كَلَامِهِ وَفَحْوَاءِ كَلَامِهِ مَقْصُورًا وَمَمْدُودًا، وَإِنَّهُ لِيُفَحِّيَ بِكَلَامِهِ إِلَى كَذَا وَكَذَا - قُلْتُ أَنَا: مَعْنَاهُ: يُشِيرُ - قَالَ: وَالْفِحَا - مَقْصُورٌ -: أَبْزَارُ الْقِدْرِ بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَالْفَتْحُ أَكْثَرُ، وَالْجَمْعُ أَفْحَاءُ، وَفِي الْحَدِيثِ: مَنْ أَكَلَ فَحَا أَرْضٍ، لَمْ يَضُرَّهُ مَاؤُهَا يَعْنِي الْبَصَلَ، يُقَالُ: فَحِّ قِدْرَكَ تَفْحِيَةً.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ الْفَحْوَى مَأْخُوذٌ مِنَ الْفَحَا ; لِأَنَّ فَحْوَى الْكَلَامِ تَجَاوُزُ لَفْظِهِ أَوْ مَوْضُوعِهِ إِلَى الذِّهْنِ، مُجَاوَزَةَ رَائِحَةِ الْفَحَا إِلَى الشَّمِّ.
следующие страницы →