← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10781

شرح مختصر الروضة

الطوفي

Полный текст (2 051 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَهْلِ النَّارِ، وَنُوحٌ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ. قُلْتُ: التَّحْقِيقُ: أَنَّهُ لَا قَاطِعَ فِي الْمَسْأَلَةِ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، وَلَا نِزَاعَ فِي احْتِمَالِ مَا قَالَهُ الْحَسَنُ، وَانْهُ لَيْسَ بِمُحَالٍ عَقْلًا. أَمَّا مِنْ حَيْثُ الظُّهُورُ ; فَالظَّاهِرُ مَعَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ابْنُهُ لِصُلْبِهِ، وَقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّهُ ابْنُهُ لِلْفِرَاشِ دُونَ الصُّلْبِ، وَانْبَنَى عَلَى النِّزَاعِ الْمَذْكُورِ الْخِلَافُ فِي الْقِرَاءَةِ فِي قَوْلِهِ : ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هُودٍ: ٤٦] فَقَرَأَ الْحَسَنُ وَمَنْ تَابَعَهُ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ بِالرَّفْعِ، يَعْنِي: ابْنُ نُوحٍ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الزِّنَا وَهُوَ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ، وَهِيَ قِرَاءَةُ السَّبْعَةِ إِلَّا الْكِسَائِيَّ ; فَإِنَّهُ قَرَأَ: عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ عَلَى الْفِعْلِ الْمَاضِي، يَعْنِي عَمِلَ الْكُفْرَ، لَا أَنَّهُ مِنْ زِنَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْمُجْمَلَ وَالْمُبَيَّنَ يَتَفَاوَتَانِ فِي مَرَاتِبِ الْإِجْمَالِ وَالْبَيَانِ ; فَيَكُونُ بَعْضُ الْأَلْفَاظِ أَشَدَّ إِجْمَالًا مِنْ بَعْضٍ، وَبَعْضُهَا أَشَدَّ بَيَانًا مِنْ بَعْضٍ. وَمِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ ق: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٣٩ - ٤٠] وَفِي سُورَةِ الطُّورِ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطُّورِ: ٤٨ - ٤٩] ، وَفِي سُورَةِ هُودٍ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هُودٍ: ١١٤] . فَهَذِهِ الْآيَاتُ إِشَارَةٌ إِلَى مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ الْخَمْسِ، وَأَشَدُّ بَيَانًا مِنْهَا فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ سُبْحَانَ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ، يَعْنِي الظَّهْرَ ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ يَتَنَاوَلُ الْعَصْرَ

стр. 1227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَالْعِشَاءَيْنِ، ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ الصُّبْحَ، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٧٨ - ٧٩] التَّطَوُّعَ، فَجَمَعَ فِي الْآيَةِ فَرْضَ الصَّلَاةِ وَنَفْلَهَا. وَفِي سُورَةِ طَهَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ [طَهَ: ١٣٠] ، يَعْنِي الْفَجْرَ ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ يَعْنِي الْعَصْرَ، ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ يَعْنِي الْعِشَاءَيْنِ وَالتَّطَوُّعَ، ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ يَعْنِي الظُّهْرَ ; لِأَنَّهَا فِي وَسَطِ النَّهَارِ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، أَوْ يُرِيدُ بِمَا قَبْلَ غُرُوبِهَا الْعَصْرَ وَالظُّهْرَ ; لِأَنَّ وَقْتَهُمَا وَاحِدٌ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: الظُّهْرُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَلِهَذَا قُلْنَا: إِذَا أَدْرَكَ الْمَعْذُورُ قَدْرَ تَكْبِيرَةٍ قَبْلَ الْغُرُوبِ، لَزِمَهُ قَضَاءُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ الْعِشَاءَيْنِ وَالتَّطَوُّعَ، ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ التَّطَوُّعَ أَيْضًا. وَفِي سُورَةِ الرُّومِ [الْآيَةِ: ١٧] : ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ الْعَصْرَ ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الْفَجْرَ، مُطَابَقَةً لِقَوْلِهِ : ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] ، وَعَشِيًّا الْعِشَاءَانِ، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الرُّومِ: ١٨] الظُّهْرَ. فَهَذِهِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ: أَدْخَلُ فِي الْبَيَانِ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، مِنَ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ الْأُوَلِ، وَأَبْيَنُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنْ أَحَادِيثِ الْمَوَاقِيتِ،، وَأَبْيَنُ مِنْ أَحَادِيثِ السُّنَّةِ مَا فَصَّلَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَإِلَى هُنَا انْتَهَى الْبَيَانُ. وَهَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ ; السُّنَّةُ أَبْيَنُ مِنَ الْكِتَابِ ; لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِبَيَانِهِ، وَكَلَامُ الْفُقَهَاءِ أَبْيَنُ مِنَ السُّنَّةِ ; لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِتَفْصِيلِ أَحْكَامِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 1228

خَاتِمَةٌ فَحْوَى اللَّفْظِ: مَا أَفَادَهُ لَا مِنْ صِيغَتِهِ، وَيُسَمَّى إِشَارَةً، وَإِيمَاءً، وَلَحْنًا، وَتَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُ، وَهُوَ عَلَى أَضْرُبٍ: الْأَوَّلُ: الْمُقْتَضَى، وَهُوَ الْمُضْمَرُ الضَّرُورِيُّ لِصِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ، نَحْوَ: لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ أَيْ: صَحِيحٌ. أَوْ لِوُجُودِ الْحُكْمِ شَرْعًا، نَحْوَ: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾ أَيْ: فَأَفْطِرْ، وَ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي، فِي اقْتِضَائِهِ مِلْكَ الْقَائِلِ لَهُ. أَوْ عَقْلًا، نَحْوَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ فِي إِضْمَارِ الْوَطْءِ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ فِي إِضْمَارِ الْأَهْلِ. الثَّانِي: تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِمَا اقْتَرَنَ بِهِ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ، نَحْوَ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ ، وَ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ أَيْ: لِلسَّرِقَةِ، وَالزِّنَا، ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ، أَيْ: لِلْبِرِّ وَالْفُجُورِ، لِمَيْلِ الْعُقَلَاءِ إِلَى: أَكْرِمِ الْعُلَمَاءَ وَأَهِنِ الْجُهَّالَ، وَنُفُورِهِمْ مِنْ عَكْسِهِ. ــ خَاتِمَةٌ: فَحْوَى اللَّفْظِ: مَا أَفَادَهُ لَا مِنْ صِيغَتِهِ ". اعْلَمْ أَنَّ الدَّلِيلَ الشَّرْعِيَّ ; إِمَّا مَنْقُولٌ، وَإِمَّا مَعْقُولٌ، أَوْ ثَابِتٌ بِالْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ. فَالْمَعْقُولُ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ; وَدَلَالَتُهُمَا: إِمَّا مِنْ مَنْطُوقِ اللَّفْظِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ مَنْطُوقِ اللَّفْظِ.

стр. 1229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَالْأَوَّلُ يُسَمَّى مَنْطُوقًا، كَفَهْمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي السَّائِمَةِ، فِي قَوْلِهِ ﵊: فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ، وَكَفَهْمِ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ، فِي قَوْلِهِ : ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢٣] . وَالثَّانِي يُسَمَّى فَحْوَى وَمَفْهُومًا، كَفَهْمِ عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْمَعْلُوفَةِ مِنَ الْحَدِيثِ، وَتَحْرِيمِ الضَّرْبِ مِنَ الْآيَةِ، وَهَذِهِ الْخَاتِمَةُ مَذْكُورَةٌ لِبَيَانِ ذَلِكَ. وَالْمَعْقُولُ: الْقِيَاسُ ; لِأَنَّهُ يُسْتَفَادُ بِوَاسِطَةِ النَّظَرِ الْعَقْلِيِّ. وَالثَّابِتُ بِالْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ وَلَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمَا، هُوَ الْإِجْمَاعُ، كَمَا سَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي إِثْبَاتِهِ. وَقَوْلُنَا: هَذَا الْإِجْمَاعُ مَنْقُولٌ تَوَاتُرًا أَوْ آحَادًا مَجَازٌ ; لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِجْمَاعِ الِاتِّفَاقُ، وَهُوَ لَا يُنْقَلُ، إِنَّمَا الْمَنْقُولُ هُوَ الْإِخْبَارُ بِوُجُودِهِ، بِخِلَافِ النُّصُوصِ، فَإِنَّ نَفْسَهَا هِيَ الْمَنْقُولُ، وَالْقِيَاسُ نَفْسُهُ هُوَ الْمَعْقُولُ. إِذَا عَرَفَتْ هَذَا، عُدْنَا إِلَى حَلِّ لَفْظِ الْكِتَابِ. فَقَوْلُهُ: " فَحْوَى اللَّفْظِ " هُوَ: " مَا أَفَادَهُ ". جِنْسٌ، يَتَنَاوَلُ مَا أَفَادَهُ نُطْقًا وَغَيْرَهُ. وَبِقَوْلِهِ: " لَا مِنْ صِيغَتِهِ " يَخْرُجُ الْمَنْطُوقُ ; لِأَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنَ الصِّيغَةِ، كَمَا

стр. 1230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذُكِرَ فِي حَدِيثِ السَّائِمَةِ، وَآيَةِ التَّأْفِيفِ ; فَبَقِيَ مَا يُسْتَفَادُ لَا مِنَ الصِّيغَةِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى فَحَوَى - بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ - وَبَعْضُ مَنْ لَا يَعْلَمُ يَقُولُهَا بِالْجِيمِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ قَبِيحٌ، وَالْفَحْوَى فِي اللُّغَةِ: مَعْنَى الْقَوْلِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: فَحَوَى الْقَوْلِ مَعْنَاهُ وَلَحْنُهُ، يُقَالُ: عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي فَحْوَى كَلَامِهِ وَفَحْوَاءِ كَلَامِهِ مَقْصُورًا وَمَمْدُودًا، وَإِنَّهُ لِيُفَحِّيَ بِكَلَامِهِ إِلَى كَذَا وَكَذَا - قُلْتُ أَنَا: مَعْنَاهُ: يُشِيرُ - قَالَ: وَالْفِحَا - مَقْصُورٌ -: أَبْزَارُ الْقِدْرِ بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَالْفَتْحُ أَكْثَرُ، وَالْجَمْعُ أَفْحَاءُ، وَفِي الْحَدِيثِ: مَنْ أَكَلَ فَحَا أَرْضٍ، لَمْ يَضُرَّهُ مَاؤُهَا يَعْنِي الْبَصَلَ، يُقَالُ: فَحِّ قِدْرَكَ تَفْحِيَةً. قُلْتُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ الْفَحْوَى مَأْخُوذٌ مِنَ الْفَحَا ; لِأَنَّ فَحْوَى الْكَلَامِ تَجَاوُزُ لَفْظِهِ أَوْ مَوْضُوعِهِ إِلَى الذِّهْنِ، مُجَاوَزَةَ رَائِحَةِ الْفَحَا إِلَى الشَّمِّ.

стр. 1231

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: " وَيُسَمَّى إِشَارَةً، وَإِيمَاءً، وَلَحْنًا "، يَعْنِي فَحْوَى الْكَلَامِ الْمُسْتَفَادِ لَا مِنْ صِيغَتِهِ: يُسَمَّى بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ، وَلَكَ الْخِيَرَةُ فِي تَسْمِيَتِهِ بِأَيِّهَا شِئْتَ. قُلْتُ: وَهَذَا صَحِيحٌ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ كُلَّهَا يَجْمَعُهَا إِفْهَامُ الْمُرَادِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ، وَالْفَحْوَى قَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَالْإِشَارَةُ: إِيمَاءٌ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَشَارَ إِلَيْهِ بِالْيَدِ: أَوْمَأَ إِلَيْهِ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَوْمَأَ إِلَيْهِ: أَشَارَ. قُلْتُ: غَيْرَ أَنَّهُ يُشْبِهُ أَنَّ الْإِيمَاءَ أَعَمُّ مِنَ الْإِشَارَةِ، بِأَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ مُخْتَصَّةً بِالْيَدِ، وَالْإِيمَاءُ إِشَارَةٌ بِالْيَدِ وَغَيْرِهَا ; فَكُلُّ إِشَارَةٍ إِيمَاءٌ، وَلَيْسَ كُلُّ إِيمَاءٍ إِشَارَةً. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَاللَّحَنُ - بِالتَّحْرِيكِ - الْفِطْنَةُ، وَفِي الْحَدِيثِ: وَلَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ، أَيْ: أَفْطَنُ لَهَا. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: لَحَنْتُ لَهُ - بِالْفَتْحِ - أَلْحَنُ لَحْنًا، إِذَا قُلْتَ لَهُ قَوْلًا يَفْهَمُهُ عَنْكَ، وَيَخْفَى عَلَى غَيْرِهِ، وَلَحِنَهُ هُوَ عَنِّي - بِالْكَسْرِ - يَلْحَنُهُ لَحْنًا، أَيْ: فَهِمَهُ، وَأَلْحَنْتُهُ إِيَّاهُ. وَلَاحَنْتُ النَّاسَ: فَاطَنْتُهُمْ.

стр. 1232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَسْمَاءَ الْفَزَارِيُّ: وَحَدِيثٌ أَلَذُّهُ هُوَ مِمَّا ... يَنْعَتُ النَّاعِتُونَ يُوزَنُ وَزْنَا مَنْطِقٌ رَائِعٌ وَتَلْحَنُ أَحْيَا ... نًا، وَخَيْرُ الْحَدِيثِ مَا كَانَ لَحْنَا يُرِيدُ: أَنَّهَا تَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ، وَهِيَ تُرِيدُ غَيْرَهُ، وَتُعَرِّضُ فِي حَدِيثِهَا ; فَتُزِيلُهُ عَنْ جِهَتِهِ، مِنْ فِطْنَتِهَا وَذَكَائِهَا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٠] ، أَيْ: فِي فَحْوَاهُ وَمَعْنَاهُ. آخِرُ كَلَامِ الْجَوْهَرِيِّ. قُلْتُ: فَقَدْ تَبَيَّنَ اتِّفَاقُ مَعَانِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ. وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ تَقْسِيمًا يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَ بَعْضِهَا ; فَقَالَ: وَأَمَّا دَلَالَةُ غَيْرِ الْمَنْظُومِ، وَهُوَ مَا دَلَالَتُهُ غَيْرُ صَرِيحَةٍ ; فَلَا يَخْلُو ; إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَدْلُولُهُ

стр. 1233

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَقْصُودًا لِلْمُتَكَلِّمِ، أَوْ لَا. فَإِنْ كَانَ مَقْصُودًا، فَإِنْ تَوَقَّفَ صِدْقُ الْمُتَكَلِّمِ، أَوْ صِحَّةُ الْمَلْفُوظِ بِهِ عَلَيْهِ ; فَهِيَ دَلَالَةُ الِاقْتِضَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ، فَإِنْ كَانَ مَفْهُومًا فِي مَحَلِّ النُّطْقِ ; فَهِيَ دَلَالَةُ التَّنْبِيهِ وَالْإِيمَاءِ، وَإِلَّا ; فَدَلَالَةُ الْمَفْهُومِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَدْلُولُهُ مَقْصُودًا لِلْمُتَكَلِّمِ ; فَهِيَ دَلَالَةُ الْإِشَارَةِ. قُلْتُ: فَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الْإِيمَاءِ وَالْإِشَارَةِ، وَالْأَمْرُ قَرِيبٌ ; لِأَنَّ غَالِبَ هَذِهِ الْمُسَمَّيَاتِ يَجْمَعُهَا مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا، مِنْ أَنَّهَا مَفْهُومَةٌ مِنْ غَيْرِ التَّصْرِيحِ ; فَهِيَ مِنْ بَابِ دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ. قَوْلُهُ: " وَتَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُ "، أَيْ: مَرَاتِبُ اللَّحْنِ، وَفَحْوَى الْخِطَابِ ; لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ إِفْهَامُ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ، وَإِفْهَامُ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ، قَدْ يَكُونُ بَعْضُهُ أَدَلَّ مِنْ بَعْضٍ، وَأَلْزَمَ لِمَدْلُولِ الصَّرِيحِ مِنْ بَعْضٍ. قَوْلُهُ: «وَهُوَ» ، يَعْنِي لَحْنَ الْخِطَابِ وَفَحْوَاهُ، «عَلَى أَضْرُبٍ: الْأَوَّلُ: الْمُقْتَضَى» - بِفَتْحِ الضَّادِ - أَيْ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ صِحَّةُ الْكَلَامِ وَيَطْلُبُهُ، «وَهُوَ الْمُضْمَرُ الضَّرُورِيُّ» ، أَيِ: الَّذِي تَدْعُو الضَّرُورَةُ إِلَى إِضْمَارِهِ، وَتَقْدِيرِهِ فِي اللَّفْظِ، وَالضَّرُورَةُ تَدْعُو إِلَى إِضْمَارِهِ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: «صِدْقُ الْمُتَكَلِّمِ، نَحْوَ: لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ أَيْ» : لَا عَمَلَ «صَحِيحٌ» إِلَّا بِنِيَّةٍ، إِذْ لَوْلَا ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ صِدْقًا ; لِأَنَّ صُورَةَ الْأَعْمَالِ كُلِّهَا، كَالصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ يُمْكِنُ وُجُودُهَا بِلَا نِيَّةٍ،

стр. 1234

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَكَانَ إِضْمَارُ الصِّحَّةِ مِنْ ضَرُورَةِ صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: مِمَّا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إِلَى الْإِضْمَارِ لِأَجْلِهِ ; «وُجُودُ الْحُكْمِ شَرْعًا نَحْوَ» قَوْلِهِ : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٤] تَقْدِيرُهُ: أَوْ عَلَى سَفَرٍ ; فَأَفْطَرَ ; فَعَلَيْهِ صَوْمُ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ; لِأَنَّ قَضَاءَ الصَّوْمِ عَلَى الْمُسَافِرِ، إِنَّمَا يَجِبُ إِذَا أَفْطَرَ فِي سَفَرِهِ، أَمَّا إِذَا صَامَ فِي سَفَرِهِ ; فَلَا مُوجِبَ لِلْقَضَاءِ. وَدَلِيلُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ لُغَةً وَشَرْعًا، خِلَافًا لِمَا يُحْكَى عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ مِنْ أَنَّ فَرْضَ الْمُسَافِرِ صَوْمُ عِدَّةِ أَيَّامٍ أُخَرَ ; سَوَاءٌ صَامَ فِي سَفَرِهِ أَوْ أَفَطَرَ، وَهُوَ مِنْ جُمُودِهِمُ الْمَعْرُوفِ. كَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٦٠] ، أَيْ: فَضَرَبَهُ ; فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ; لِأَنَّ الضَّرْبَ سَبَبُ الِانْفِجَارِ ; فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِهِ. وَقَوْلُهُ : ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [الْفَرْقَانِ: ٣٦] ، أَيْ: فَقُلْنَا: اذْهَبَا ; فَذَهَبَا إِلَى الْقَوْمِ ; فَكَذَّبُوهُمَا ; فَاسْتَحَقُّوا التَّدْمِيرَ ; فَدَمَّرْنَاهُمْ. لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ هَذَا كُلِّهِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ لِغَيْرِهِ: «أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي» وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ، «فِي اقْتِضَائِهِ مِلْكَ الْقَائِلِ لَهُ» أَيْ: لِلْعَبْدِ ; لِأَنَّا قُلْنَا: إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَعْتَقَهُ الْمَقُولُ لَهُ، يَعْتِقُ عَنِ الْقَائِلِ، وَالْقَاعِدَةُ: أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَنِ الْإِنْسَانِ إِلَّا مَا كَانَ مِلْكًا لَهُ ; فَوَجَبَ ضَرُورَةُ تَصْحِيحِ هَذَا الْعِتْقِ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنْ يُقَدَّرَ دُخُولُ الْعَبْدِ فِي مِلْكِ الْقَائِلِ، قَبْلَ عِتْقِهِ بِزَمَنٍ مَا، لِيَكُونَ الْعِتْقُ مُتَفَرِّعًا عَلَى مِلْكِهِ، وَمَبْنِيًّا عَلَيْهِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِمَّا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إِلَى الْإِضْمَارِ لِأَجْلِهِ: وُجُودُ الْحُكْمِ «عَقْلًا، نَحْوَ» قَوْلِهِ : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٢٣] ،

стр. 1235

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَإِنَّ الْعَقْلَ يَأْبَى إِضَافَةَ التَّحْرِيمِ إِلَى الْأَعْيَانِ ; فَوَجَبَ لِذَلِكَ إِضْمَارُ فِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ، وَهُوَ الْوَطْءُ، كَمَا سَبَقَ فِي الْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ، وَكَذَلِكَ نَظَائِرُهُ هُنَاكَ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٢] ، فَإِنَّ السُّؤَالَ إِنَّمَا يَصِحُّ عَقْلًا مِمَّا يَصِحُّ مِنْهُ الْجَوَابُ، وَالْقَرْيَةُ الَّتِي هِيَ الْجُدْرَانُ وَالْأَبْنِيَةُ لَا يَصِحُّ مِنْهَا ذَلِكَ ; فَوَجَبَ ضَرُورَةَ تَصْحِيحِ الْخَبَرِ عَقْلًا، إِضْمَارُ مَا يَصِحُّ سُؤَالُهُ وَجَوَابُهُ، وَهُوَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ: اصْعَدِ السَّطْحَ، يَقْتَضِي بِالضَّرُورَةِ إِضْمَارَ نَصْبِ السُّلَّمِ. قُلْتُ: وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ أَقْسَامَ دَلَالَةِ غَيْرِ الْمَنْظُومِ أَرْبَعَةً كَمَا سَبَقَ: أَوَّلُهَا: دَلَالَةُ الِاقْتِضَاءِ: وَهُوَ مَا كَانَ الْمَدْلُولُ فِيهِ مُضْمَرًا ; إِمَّا لِضَرُورَةِ صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ، كَقَوْلِهِ ﵇: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ، أَيْ: حُكْمُهُ. أَوْ لِصِحَّةِ الْمَلْفُوظِ بِهِ ; إِمَّا عَقْلًا نَحْوَ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٢] ، أَوْ شَرْعًا، نَحْوَ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي عَلَى أَلْفٍ، إِذْ يَسْتَدْعِي إِضْمَارَ انْتِقَالِ الْمِلْكِ إِلَيْهِ، لِتَوَقُّفِ الْعِتْقِ عَنْهُ شَرْعًا عَلَيْهِ. وَثَانِيهَا: دَلَالَةُ التَّنْبِيهِ وَالْإِيمَاءِ، وَهِيَ خَمْسَةُ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقِيَاسِ. وَثَالِثُهَا: دَلَالَةُ الْإِشَارَةِ: كَدَلَالَةِ قَوْلِهِ ﵇ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ: تَمْكُثُ شَطْرَ دَهْرِهَا لَا تُصَلِّي. تَفْسِيرًا لِنُقْصَانِ دِينِهَا، عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ، وَأَكْثَرَ

стр. 1236

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْحَيْضِ - خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَرَابِعُهَا: دَلَالَةُ الْمَفْهُومِ: وَذَكَرَ فِيهِ نَحْوَ مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: «الثَّانِي» ، أَيِ: الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ فَحْوَى الْخِطَابِ - «تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِمَا اقْتَرَنَ بِهِ مِنَ الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ، نَحْوَ» قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٣٩] ، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النُّورِ: ٢] ، أَيْ: لِأَجْلِ السَّرِقَةِ وَالزِّنَا. وَكَذَا قَوْلُهُ : ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الِانْفِطَارِ: ١٣، ١٤] ، أَيْ: لِأَجْلِ الْبِرِّ وَالْفُجُورِ، فَإِنَّ الْمَعْقُولَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ السَّرِقَةَ عِلَّةُ الْقَطْعِ، وَالزِّنَا عِلَّةُ الْجَلْدِ، وَالْبِرَّ وَالْفُجُورَ سَبَبُ النَّعِيمِ وَالْجَحِيمِ، «لِمَيْلِ الْعُقَلَاءِ» ، أَيْ: لِأَنَّ الْعُقَلَاءَ تَقْبَلُ عُقُولُهُمْ، وَيَمِيلُونَ «إِلَى» قَوْلِ الْقَائِلِ: «أَكْرِمِ الْعُلَمَاءَ، وَأَهِنِ الْجُهَّالَ، وَنُفُورِهِمْ مِنْ» عَكْسِ ذَلِكَ، نَحْوَ: أَهِنِ الْعُلَمَاءَ، وَأَكْرِمِ الْجُهَّالَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُمْ فِي الْأَوَّلِ فَهِمُوا أَنَّ الْعِلْمَ سَبَبُ الْإِكْرَامِ، وَالْجَهْلَ سَبَبُ الْإِهَانَةِ، وَهُوَ تَرْتِيبُ حُكْمٍ عَلَى سَبَبٍ مُنَاسِبٍ لَهُ عَقْلًا ; فَلِذَلِكَ قَبِلُوهُ، وَمَالُوا إِلَيْهِ. وَفِي الثَّانِي فَهِمُوا تَعْلِيلَ الْإِهَانَةِ بِالْعِلْمِ، وَالْإِكْرَامِ بِالْجَهْلِ، وَهُوَ تَرْتِيبُ حُكْمٍ عَلَى سَبَبٍ غَيْرِ مُنَاسِبٍ ; فَلِذَلِكَ أَنْكَرَتْهُ عُقُولُهُمْ، وَنَفَرُوا مِنْهُ، كَمَا يَنْفِرُونَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ ; فَأَهِنْهُ، وَمَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ ; فَأَكْرِمْهُ.

стр. 1237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَإِذَا ثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ مُعَلَّلَةٌ بِتِلْكَ الْأَسْبَابِ، كَالسَّرِقَةِ، وَالزِّنَا، وَالْبِرِّ، وَالْفُجُورِ ; فَذَلِكَ لَيْسَ مَفْهُومًا لَنَا مِنْ صَرِيحِ النُّطْقِ وَنَصِّهِ، بَلْ مِنْ فَحْوَى الْكَلَامِ وَمَعْنَاهُ ; فَبَانَ بِذَلِكَ أَنْ فَهْمَ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ الْمُقْتَرِنِ بِهِ مِنْ قَبِيلِ الْفَحْوَى وَلَحْنِ الْخِطَابِ.

стр. 1238

الثَّالِثُ: فَهْمُ الْحُكْمِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النُّطْقِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَهُوَ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ كَفَهْمِ تَحْرِيمِ الضَّرْبِ مِنْ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ وَشَرْطُهُ فَهْمُ الْمَعْنَى فِي مَحَلِّ النُّطْقِ كَالتَّعْظِيمِ فِي الْآيَةِ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ السُّلْطَانُ عَنْ مُنَازِعٍ لَهُ: اقْتُلُوا هَذَا، وَلَا تَصْفَعُوهُ، وَهُوَ قِيَاسٌ عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ الْخَرَزِيِّ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، وَالْقَاضِي، وَالْحَنَفِيَّةِ. لَنَا: إِلْحَاقُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِالْمَنْطُوقِ بِهِ فِي الْحُكْمِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمُقْتَضَى، وَهُوَ الْقِيَاسُ، كَقِيَاسِ الْجُوعِ وَنَحْوِهِ فِي الْمَنْعِ مِنَ الْحُكْمِ عَلَى الْغَضَبِ لِمَنْعِهِمَا كَمَالَ الْفِكْرَةِ. وَالزَّيْتِ عَلَى السَّمْنِ فِي التَّنْجِيسِ بِجَامِعِ السِّرَايَةِ. قَالُوا: قَاطِعٌ يَسْبِقُ إِلَى الْفَهْمِ بِلَا تَأَمُّلٍ. قُلْنَا: قِيَاسٌ جَلِيٌّ، وَنَحْوُهُ رُدَّتْ شَهَادَةُ الْفَاسِقِ ; فَالْكَافِرُ أَوْلَى، إِذِ الْكُفْرُ فِسْقٌ وَزِيَادَةٌ، وَقَتْلُ الْخَطَأِ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ ; فَالْعَمْدُ أَوْلَى، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِقَاطِعٍ، لِجَوَازِ تَحَرِّي الْكَافِرِ الْعَدَالَةَ فِي دِينِهِ، بِخِلَافِ الْفَاسِقِ، وَاخْتِصَاصِ الْعَمْدِ بِمُسْقِطٍ مُنَاسِبٍ كَالْغَمُوسِ. وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ: إِذَا جَازَ السَّلَمُ مُؤَجَّلًا ; فَحَالًا أَجْوَزُ، لِبُعْدِهِ مِنَ الْغَرَرِ. رُدَّ بِأَنَّ الْغَرَرَ مَانِعٌ احْتُمِلَ فِي الْمُؤَجَّلِ، وَالْحُكْمُ لَا يَثْبُتُ لِانْتِفَاءِ مَانِعِهِ، بَلْ لِوُجُودِ مُقْتَضِيهِ، وَهُوَ الِارْتِفَاقُ بِالْأَجَلِ، وَقَدِ انْتَفَى فِي الْحَالِ. ــ قَوْلُهُ: «الثَّالِثُ» ، أَيِ: الضَّرْبُ الثَّالِثُ مِنْ فَحْوَى الْخِطَابِ: «فَهْمُ

стр. 1239

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْحُكْمِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النُّطْقِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَهُوَ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ، كَفَهْمِ تَحْرِيمِ الضَّرْبِ مِنْ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢٣] » ، فَإِنَّ مَنْطُوقَ هَذَا تَحْرِيمُ التَّأْفِيفِ وَالِانْتِهَارِ، وَمَفْهُومَهُ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ وَالْفَحْوَى تَحْرِيمُ الضَّرْبِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْإِيلَامَاتِ الزَّائِدَةِ عَلَى التَّأْفِيفِ وَالِانْتِهَارِ بِطَرِيقِ أَوْلَى، وَسُمِّيَ هَذَا مَفْهُومَ الْمُوَافَقَةِ ; لِأَنَّهُ يُوَافِقُ الْمَنْطُوقَ فِي الْحُكْمِ، وَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ فِي التَّأْكِيدِ، بِخِلَافِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ ; فَإِنَّهُ يُخَالِفُ حُكْمَ الْمَنْطُوقِ كَفَهْمِ عَدَمِ الزَّكَاةِ فِي الْمَعْلُوفَةِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊: فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٧٥] ; فَتَأْدِيَتُهُ لِلدِّينَارِ بِطَرِيقِ أَوْلَى، وَهُوَ مَفْهُومٌ مِنْهُ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٧٥] ، يُفْهَمُ مِنْهُ عَدَمُ تَأْدِيَتِهِ لِلْقِنْطَارِ بِطَرِيقِ أَوْلَى. وَكَذَا قَوْلُهُ : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٧] ، يُفْهَمُ مِنْهُ بِطَرِيقِ أَوْلَى أَنَّهُ يَرَى مِثْقَالَ الْجَبَلِ مِنَ الْخَيْرِ. وَمِمَّا يَقْرُبُ مِنْ ذَلِكَ: قَاعِدَةُ نَفْيِ الْأَعَمِّ، وَإِثْبَاتِ الْأَخَصِّ ; فَمَتَى وَرَدَ النَّفْيُ عَلَى الْأَعَمِّ، اقْتَضَى نَفْيَ الْأَخَصِّ بِطَرِيقِ أَوْلَى، وَإِنْ وَرَدَ الْإِثْبَاتُ عَلَى الْأَخَصِّ، اقْتَضَى إِثْبَاتَ الْأَعَمِّ بِطَرِيقِ أَوْلَى، وَهُوَ مِنْ بَابِ إِثْبَاتِ الْمَلْزُومِ،

стр. 1240

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَنَفْيِ اللَّازِمِ. قَوْلُهُ: «وَشَرْطُهُ» ، أَيْ: شَرْطُ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ «فَهْمُ الْمَعْنَى فِي مَحَلِّ النُّطْقِ، كَالتَّعْظِيمِ فِي الْآيَةِ» ، يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢٣] ; فَإِنَّا فَهِمْنَا أَنَّ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِيَ لِهَذَا النَّهْيِ هُوَ تَعْظِيمُ الْوَالِدَيْنِ ; فَلِذَلِكَ فَهِمْنَا تَحْرِيمَ الضَّرْبِ بِطَرِيقِ أَوْلَى، حَتَّى لَوْ لَمْ نَفْهَمْ مِنْ ذَلِكَ تَعْظِيمًا، لَمَا فَهِمْنَا تَحْرِيمَ الضَّرْبِ أَصْلًا، لَكِنَّهُ لَمَّا نَفَى التَّأْفِيفَ لِلْأَعَمِّ، دَلَّ عَلَى نَفْيِ الضَّرْبِ لِلْأَخَصِّ بِطَرِيقِ أَوْلَى. قَوْلُهُ: «وَإِلَّا فَيَجُوزُ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُفْهَمِ الْمَعْنَى فِي مَحَلِّ النُّطْقِ، لَمْ يَحْصُلْ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ، إِذْ يَجُوزُ أَنْ يَحْضُرَ بَيْنَ يَدَيِ السُّلْطَانِ شَارٍ عَلَيْهِ، أَوْ مُنَازِعٌ لَهُ فِي مُلْكِهِ ; فَيَقُولَ: اقْتُلُوا هَذَا، وَلَا تَصْفَعُوهُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مُتَنَافِيًا، وَلَا يُفْهَمُ مِنْ نَفْيِ الصَّفْعِ نَفْيُ الْقَتْلِ ; لِأَنَّهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِهِ، لِيَكْتَفِيَ شَرَّهُ، وَيَنْهَى عَنْ صَفْعِهِ مُرَاعَاةً لِلْجَامِعِ الْجِنْسِيِّ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ حُرْمَةُ الْمُلْكِ، وَمَنْصِبُ الرِّيَاسَةِ، كَمَا فِي سِيرَةِ الْإِسْكَنْدَرِ لَمَّا رَجَعَ مِنَ الْمَغْرِبِ، وَقَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ، وَاسْتَخْلَفَ فِيهِ، صَارَ مَلِكُ الشَّرْقِ لَهُ شَوْكَةٌ قَوِيَّةٌ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: إِنَّا إِنِ اقْتَتَلْنَا بِالْعَسَاكِرِ ; فَنِيَ هَذَا الْعَالَمُ، وَلَيْسَ مِنَ الْحِكْمَةِ، وَلَكِنِ ابْرُزْ لِي، وَأَبْرُزُ لَكَ ; فَأَيُّنَا قَتَلَ صَاحِبَهُ، اسْتَقَلَّ فِي الْأَرْضِ ; فَبَارَزَهُ ; فَقَتَلَهُ الْإِسْكَنْدَرُ، ثُمَّ أَمَرَ بِجِهَازِهِ، وَنَزَلَ ; فَمَشَى بَيْنَ يَدَيِ الْجِنَازَةِ،

стр. 1241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ; فَقَالَ: قَتَلْتُهُ لِخُرْقِهِ، وَاحْتَرَمْتُهُ مَيِّتًا لِلْجَامِعِ بَيْنِي وَبَيْنَهُ. قَوْلُهُ: «وَهُوَ» ، يَعْنِي مَفْهُومَ الْمُوَافَقَةِ «قِيَاسٌ عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ الْخَرَزِيِّ» ، مِنْ أَصْحَابِنَا، «وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ» ، يَعْنِي بَعْضَ الشَّافِعِيَّةِ «وَالْقَاضِي وَالْحَنَفِيَّةِ» ، فِي أَنَّهُ لَيْسَ بِقِيَاسٍ، بَلْ مُسْتَنَدُ فَهْمِهِ الدَّلَالَةُ اللَّفْظِيَّةُ، لَا الْقِيَاسِيَّةُ. قَوْلُهُ: «لَنَا» ، أَيْ: عَلَى أَنَّهُ قِيَاسٌ أَنَّهُ «إِلْحَاقُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِالْمَنْطُوقِ بِهِ فِي الْحُكْمِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمُقْتَضَى، وَهُوَ» حَقِيقَةُ «الْقِيَاسِ» كَإِلْحَاقِ النَّبِيذِ بِالْخَمْرِ فِي التَّحْرِيمِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْإِسْكَارِ، وَإِلْحَاقِ الذُّرَةِ فِي تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ بِالْحِنْطَةِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْكَيْلِ، وَ «كَقِيَاسِ الْجُوعِ وَنَحْوِهِ» مِنْ مَوَانِعِ كَمَالِ الْفِكْرِ، فِي مَنْعِ الْحَاكِمِ مِنَ الْحُكْمِ عَلَى الْغَضَبِ، لِمَنْعِهِمَا مِنْ كَمَالِ الْفِكْرِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانٌ. وَكَقِيَاسِ «الزَّيْتِ عَلَى السَّمْنِ فِي التَّنْجِيسِ» ، بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، «بِجَامِعِ السِّرَايَةِ» ، عَلَى مَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ فِي سَمْنٍ مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ: إِنْ كَانَ مَائِعًا ; فَلَا تَقْرَبُوهُ، وَإِنْ كَانَ جَامِدًا ; فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَكُلُوهُ.

стр. 1242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَكَذَلِكَ هَهُنَا أَرْكَانُ الْقِيَاسِ الْأَرْبَعَةِ مَوْجُودَةٌ فِيهِ: الْأَصْلُ: وَهُوَ تَحْرِيمُ التَّأْفِيفِ. وَالْفَرْعُ: وَهُوَ تَحْرِيمُ الضَّرْبِ. وَالْعِلَّةُ: وَهُوَ تَعْظِيمُ الْوَالِدَيْنِ. وَالْحُكْمُ: وَهُوَ التَّحْرِيمُ. فَلْيَكُنْ قِيَاسًا، لِاجْتِمَاعِ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ فِيهِ. قَوْلُهُ: «قَالُوا» ، إِلَى آخِرِهِ، يَعْنِي الْمَانِعِينَ، لِكَوْنِهِ قِيَاسًا، احْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ قَالُوا: مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ، «قَاطِعٌ يَسْبِقُ إِلَى الْفَهْمِ بِلَا تَأَمُّلٍ» ; فَلَا يَكُونُ قِيَاسًا، إِذْ لَابُدَّ فِي الْقِيَاسِ مِنَ التَّأَمُّلِ وَالنَّظَرِ، فِي تَحْقِيقِ أَرْكَانِهِ، وَلَا كَذَلِكَ

стр. 1243

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هَذَا، فَإِنَّ السَّامِعَ بِمُجَرَّدِ سَمَاعِهِ: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٢٣] ، يَسْبِقُ إِلَى فَهْمِهِ النَّهْيُ عَنِ الضَّرْبِ بِلَا تَأَمُّلٍ. قَوْلُهُ: «قُلْنَا: قِيَاسٌ جَلِيٌّ» ، أَيْ: لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ قَاطِعًا، يَسْبِقُ إِلَى الْفَهْمِ بِلَا تَأَمُّلٍ، أَنْ لَا يَكُونَ قِيَاسًا، بَلْ هُوَ قِيَاسٌ جَلِيٌّ، وَالْقِيَاسُ الْجَلِيُّ شَأْنُهُ ذَلِكَ، وَمَا اسْتَدْلَلْتُمْ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى إِحْدَى مُقَدِّمَتَيْنِ مَمْنُوعَتَيْنِ، وَهُوَ أَنْ تَقُولُوا: قَاطِعٌ يَسْبِقُ إِلَى الْفَهْمِ بِلَا تَأَمُّلٍ، وَكُلُّ قَاطِعٍ يَسْبِقُ بِلَا تَأَمُّلٍ لَا يَكُونُ قِيَاسًا، وَهَذِهِ مَمْنُوعَةٌ. أَوْ تَقُولُوا: وَالْقِيَاسُ لَابُدَّ فِيهِ مِنْ تَأَمُّلٍ ; فَهُوَ مَمْنُوعٌ أَيْضًا. وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ ; إِمَّا أَضْعَفُ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ، أَوْ أَقْوَى مِنْهُ، أَوْ مُسَاوٍ لَهُ. وَرَجَّحَ الْآمِدِيُّ أَنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ لَيْسَ بِقِيَاسٍ، بَلْ مُسْتَنَدُهُ إِلَى فَحْوَى الدَّلَالَةِ اللَّفْظِيَّةِ، لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَرَبَ وَضَعَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَأْكِيدِ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ ; لِأَنَّهُ أَدَلُّ مِنَ التَّصْرِيحِ بِالْحُكْمِ فِيهِ، فَإِنَّ قَوْلَهُمْ: فُلَانٌ يَأْسَفُ بِشَمِّ رَائِحَةِ مَطْبَخِهِ، أَبْلَغُ عِنْدَهُمْ مِنْ قَوْلِهِ: فُلَانٌ لَا يَقْرِي الضَّيْفَ. وَقَوْلَهُمْ: فَرَسُكَ لَا يَلْحَقُ غُبَارَ فَرَسِي، أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِهِمْ: فَرَسُكَ لَا يَسْبِقُ، أَوْ لَا

стр. 1244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَلْحَقُ فَرَسِي. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ شَرْطَ هَذَا الْمَفْهُومِ فَهْمُ الْمَعْنَى فِي مَحَلِّ النُّطْقِ، وَكَوْنُهُ أَشَدَّ مُنَاسَبَةً لِلْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ، وَلَوْ كَانَ قِيَاسًا، لَمَا اشْتُرِطَ هَذَا الشَّرْطُ الْأَخِيرُ فِيهِ. قُلْتُ: دَلِيلُ الْمَسْأَلَةِ مُتَجَاذَبٌ، وَكَأَنَّ مَا قَالَهُ الْآمِدِيُّ أَرْجَحُ. قَوْلُهُ: «وَنَحْوُهُ» ، أَيْ: وَنَحْوُ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ الْمَذْكُورِ قَوْلُهُمْ: «رُدَّتْ شَهَادَةُ الْفَاسِقِ ; فَالْكَافِرُ أَوْلَى» ، بِرَدِّ الشَّهَادَةِ ; لِأَنَّ «الْكُفْرَ فِسْقٌ وَزِيَادَةٌ، وَقَتْلُ الْخَطَأِ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ فَالْعَمْدُ أَوْلَى» ، بِوُجُوبِهَا، لِاخْتِصَاصِهِ بِالْإِثْمِ، وَوُجُوبِ الْقَوَدِ، فَإِنَّ هَذَا كَقَوْلِنَا: إِذَا حُرِّمَ التَّأْفِيفُ ; فَالضَّرْبُ أَوْلَى. قَوْلُهُ: «لَكِنَّهُ لَيْسَ بِقَاطِعٍ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: إِنَّ مَفْهُومَ الْمُوَافَقَةِ يَنْقَسِمُ إِلَى قَاطِعٍ، كَآيَةِ التَّأْفِيفِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا مِنْ نَظَائِرِهَا، وَإِلَى ظَنِّيٍّ غَيْرِ قَاطِعٍ، كَرَدِّ شَهَادَةِ الْكَافِرِ، وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي الْعَمْدِ ; لِأَنَّهُ وَاقِعٌ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، إِذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَافِرُ عَدْلًا فِي دِينِهِ ; فَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ وَالْأَمَانَةَ، وَلِهَذَا قُلْنَا: إِنَّ الْكَافِرَ الْعَدْلَ فِي دِينِهِ يَلِي مَالَ وَلَدِهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ الْفَاسِقِ، فَإِنَّ مُسْتَنَدَ قَبُولِ شَهَادَتِهِ الْعَدَالَةُ، وَهِيَ مَفْقُودَةٌ ; فَهُوَ فِي مَظِنَّةِ الْكَذِبِ، إِذْ لَا وَازِعَ لَهُ عَنْهُ كَالرِّوَايَةِ وَأَوْلَى، وَكَذَلِكَ قَتْلُ الْعَمْدِ يَجُوزُ أَنْ يَخْتَصَّ بِمُسْقِطٍ لِلْكَفَّارَةِ مُنَاسِبٍ لِإِسْقَاطِهَا، كَمَا قُلْنَا فِي يَمِينِ الْغَمُوسِ:

стр. 1245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا ; لِأَنَّهَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُكَفَّرَ إِلَّا بِالنَّارِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ غَمُوسًا ; لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي النَّارِ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَيْمَانِ، فَإِنَّ الْحَالِفَ لَمْ يَتَعَمَّدِ الْكَذِبَ فِيهَا، كَذَلِكَ يُقَالُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ: هُوَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُكَفَّرَ، لِقَوْلِهِ : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَظِيمًا﴾ [النِّسَاءِ: ٩٣] ، وَلِهَذَا حَكَمَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ بِخُلُودِ قَاتِلِ الْعَمْدِ فِي النَّارِ، وَأَنَّهَا مُحْكَمَةٌ لَمْ تُنْسَخْ ; لِأَنَّ الْوَعِيدَ تَكَاثَفَ فِيهَا، بِخِلَافِ قَتْلِ الْخَطَأِ، فَإِنَّ حُكْمَهُ مَرْفُوعٌ كَمَا سَبَقَ، وَلَيْسَ عَلَى فَاعِلِهِ لَائِمَةٌ، إِلَّا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَرَّزْ عَنِ السَّبَبِ الْمُفْضِي إِلَى الْقَتْلِ ; فَوَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ رَفْعًا لِتِلْكَ اللَّائِمَةِ ; لِأَنَّهَا لَطِيفَةٌ يَسِيرَةٌ، تَقْوَى الْكَفَّارَةُ عَلَى رَفْعِهَا. قَوْلُهُ: «وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ «رُدَّ» ، أَيْ: إِنَّ

стр. 1246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هَذَا الْمَفْهُومَ إِمَّا قَاطِعٌ كَآيَةِ التَّأْفِيفِ، أَوْ ظَنِّيٌّ، ثُمَّ الظَّنِّيُّ: إِمَّا صَحِيحٌ وَاقِعٌ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، كَرَدِّ الشَّهَادَةِ، وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ كَمَا ذُكِرَ، أَوْ فَاسِدٌ كَقَوْلِهِمْ: «إِذَا جَازَ السَّلَمُ مُؤَجَّلًا» ; فَهُوَ «حَالًا أَجْوَزُ ; لِبُعْدِهِ مِنَ الْغَرَرِ» ، إِذِ الْمُؤَجَّلُ عَلَى غَرَرٍ، هَلْ يَحْصُلُ أَوْ لَا يَحْصُلُ؟ وَالْحَالُّ مُتَحَقِّقُ الْحُصُولِ فِي الْحَالِ ; فَهُوَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ، لَكِنَّ هَذَا مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْغَرَرَ فِي الْعُقُودِ مَانِعٌ مِنَ الصِّحَّةِ، لَا مُقْتَضٍ لَهَا، وَالْحُكْمُ إِنَّمَا يَثْبُتُ لِوُجُودِ مُقْتَضِيهِ وَمُصَحِّحِهِ، لَا لِانْتِفَاءِ مَانِعِهِ، إِذْ قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْمَانِعَ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْعَدَمُ، وَلَا يَلْزَمُ مَنْ عَدِمِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ، وَالْمُقْتَضِي لِصِحَّةِ السِّلْمِ هُوَ الِارْتِفَاقُ بِالْأَجَلِ، عَلَى مَا قُرِّرَ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ، كَالْأَجَلِ فِي الْكِتَابَةِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْحَالِ، وَالْغَرَرُ مَانِعٌ لَهُ، لَكِنَّهُ احْتُمِلَ فِي الْمُؤَجَّلِ، رُخْصَةً وَتَحْقِيقًا لِلْمُقْتَضَى، وَهُوَ الِارْتِفَاقُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1247

الرَّابِعُ: دَلَالَةُ تَخْصِيصِ شَيْءٍ بِحُكْمٍ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ، وَهُوَ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ نَحْوَ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ ، ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ، ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ ، «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ» ، وَهُوَ حُجَّةٌ إِلَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ. لَنَا: تَخْصِيصُ أَحَدِهِمَا مَعَ اسْتِوَائِهِمَا عِيٌّ، إِذْ هُوَ عُدُولٌ عَنِ الْأَخْصَرِ وَتَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَإِبْطَالٌ لِفَائِدَةِ التَّخْصِيصِ. قَالُوا: فَائِدَتُهُ تَوْسِعَةُ مَجَارِي الِاجْتِهَادِ لِنَيْلِ فَضِيلَتِهِ وَتَأْكِيدُ حُكْمِ الْمَخْصُوصِ بِالذِّكْرِ، لِشِدَّةِ مُنَاسَبَتِهِ، أَوْ سَبَبِيَّتِهِ، أَوْ وُقُوعِ السُّؤَالِ عَنْهُ، أَوِ احْتِيَاطًا لَهُ لِئَلَّا يُخْرِجَهُ بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ عَنِ الْحُكْمِ وَنَحْوِهِ، وَلَا تَخْتَصُّ بِمَا ذَكَرْتُمْ. قُلْنَا: جَعْلُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جُمْلَةِ فَوَائِدِهِ تَكْثِيرًا لَهَا - أَوْلَى، وَأَيْضًا إِجْمَاعُ الْفُصَحَاءِ وَالْعُقَلَاءِ عَلَى فَهْمِ مَا ذَكَرْنَاهُ، كَقَوْلِ أَبِي ذَرٍّ: مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ؟ وَقَوْلِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ: مَا لَنَا نَقْصُرُ، وَقَدْ أَمِنَّا؟ وَوَافَقَهُ عُمَرُ، وَقَوْلِهِ ﷺ ، فِي جَوَابِ السُّؤَالِ عَمَّا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ: «لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْبَرَانِسَ» ، يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ جَوَابًا. وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: الْيَهُودِيُّ أَوِ النَّصْرَانِيُّ إِذَا نَامَ غَمَّضَ عَيْنَيْهِ، وَإِذَا أَكَلَ حَرَّكَ فَكَّيِهِ - لَسَخِرَ كُلُّ عَاقِلٍ مِنْهُ وَضَحِكَ عَلَيْهِ. وَكَذَا لَوْ قَالَ قَائِلٌ: الشَّافِعِيَّةُ أَوِ الْحَنَابِلَةُ فُضَلَاءُ، أَوْ عُلَمَاءُ، أَوْ زُهَّادٌ - لَاغْتَاظَ مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَكَذَا بِالْعَكْسِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِدَلَالَةِ التَّخْصِيصِ اللَّفْظِيِّ عَلَى التَّخْصِيصِ الْمَعْنَوِيِّ. ــ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلُهُ: «الرَّابِعُ» ، أَيِ: الضَّرْبُ الرَّابِعُ مِنْ فَحْوَى الْخِطَابِ «دَلَالَةُ تَخْصِيصِ شَيْءٍ بِحُكْمٍ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ، وَهُوَ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ» ، أَيِ: الْمَفْهُومُ مِنْهُ يُخَالِفُ الْمَنْطُوقَ بِهِ، كَمَا سَبَقَ فِي مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ. وَقَدْ ذَكَرْتُ لَهُ أَمْثِلَةً: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٩٥] ، فَإِنَّ تَخْصِيصَ الْعَمْدِ بِوُجُوبِ الْجَزَاءِ بِهِ، يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ وُجُوبِ الْجَزَاءِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ خَطَأً، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ. وَثَانِيهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النِّسَاءِ: ٢٥] ، أَيْ: مِنَ الْإِمَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ ; فَتَخْصِيصُهُ الْمُؤْمِنَاتِ بِجَوَازِ النِّكَاحِ عِنْدَ عَدَمِ الطَّوْلِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَادِمَ الطَّوْلِ لَا يُبَاحُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ الْكَوَافِرِ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ أَيْضًا. وَثَالِثُهَا: قَوْلُهُ : ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الْآيَةَ ; فَتَخْصِيصُ جَوَازِ نِكَاحِ الْإِمَاءِ بِعَدَمِ الطَّوْلِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَاجِدَ الطَّوْلِ لَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ ; فَفِي الْآيَةِ مَفْهُومَانِ: أَحَدُهُمَا: هَذَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَنْكِحُ إِلَّا أَمَةً مُؤْمِنَةً. وَرَابِعُهَا: قَوْلُهُ ﵇: فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ،

стр. 1249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَخْصِيصُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ بِالسَّائِمَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي الْمَعْلُوفَةِ، وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ. قَوْلُهُ: «وَهُوَ» ، أَيْ: مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ، «حُجَّةٌ إِلَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ» . قَالَ الْآمِدِيُّ: أَثْبَتَهُ الشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْأَشْعَرِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَنَفَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ سُرَيْجٍ، وَالْقَفَّالُ، وَالشَّاشِيُّ، وَجُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْ وَرَدَ لِلْبَيَانِ أَوِ التَّعْلِيمِ، دَلَّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ السُّكُوتِ، وَإِلَّا فَلَا. وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ النَّفْيَ مُطْلَقًا. قَوْلُهُ: «لَنَا:» ، أَيْ: عَلَى أَنَّ الْمَفْهُومَ حُجَّةٌ، وَأَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ يُفِيدُ نَفْيَهُ عَمَّا عَدَاهُ، أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَخْصُوصُ مُسَاوِيًا لِلْمَسْكُوتِ عَنْهُ فِي الْحُكْمِ، لَكَانَ «تَخْصِيصُ أَحَدِهِمَا مَعَ اسْتِوَائِهِمَا» عِيًّا مِنَ الْمُتَكَلِّمِ، إِذْ يَلْزَمُ مِنْهُ أُمُورٌ ثَلَاثَةٌ بَاطِلَةٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ «عُدُولٌ عَنِ الْأَخْصَرِ» لَا لِفَائِدَةٍ، إِذْ قَوْلُهُ: فِي الْغَنَمِ الزَّكَاةُ، أَخْصَرُ مِنْ قَوْلِهِ: فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ، وَالتَّقْدِيرُ أَنْ لَا اخْتِصَاصَ لِلسَّائِمَةِ بِالْحُكْمِ ; فَيَكُونُ ذَلِكَ عِيًّا، وَيَكُونُ الْأَوَّلُ أَوْلَى، بَلْ مُتَعَيَّنًا فِي اللُّغَةِ.

стр. 1250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثَّانِي: أَنَّ تَخْصِيصَ أَحَدِهِمَا بِالذِّكْرِ مَعَ اسْتِوَائِهِمَا فِي الْحُكْمِ «تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ» ، إِذْ لَيْسَ قَوْلُهُ: فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ، بِأَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ: فِي مَعْلُوفَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ. وَلَا قَوْلُهُ : ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٩٥] ، أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ: مُخْطِئًا ; فَكَانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ. الثَّالِثُ: أَنَّ اسْتِوَاءَهُمَا فِي الْحُكْمِ يُبْطِلُ فَائِدَةَ تَخْصِيصِ أَحَدِهِمَا بِالذِّكْرِ، إِذْ لَا أَوْلَوِيَّةَ لَهُ بِالتَّخْصِيصِ، وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى الَّذِي قَبْلَهُ، وَهُوَ التَّرْجِيحُ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ ; فَهَذِهِ أُمُورٌ بَاطِلَةٌ، تُلْزِمُ تَخْصِيصَ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ بِالذِّكْرِ مَعَ اسْتِوَائِهِمَا فِي الْحُكْمِ، وَمَلْزُومُ الْبَاطِلِ بَاطِلٌ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ، وَذَلِكَ يُوجِبُ صِحَّةَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ يَقْتَضِي نَفْيَ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ. قَوْلُهُ: «قَالُوا: فَائِدَتُهُ» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا مَنْعٌ عَلَى قَوْلِنَا: إِنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ فَائِدَةَ التَّخْصِيصِ. وَتَقْرِيرُهُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يُبْطِلُ فَائِدَةَ التَّخْصِيصِ، بَلْ لِلتَّخْصِيصِ مَعَ اسْتِوَائِهِمَا فِي الْحُكْمِ فَوَائِدُ: إِحْدَاهُنَّ: «تَوْسِعَةُ مَجَارِي الِاجْتِهَادِ» ، لِيَنَالَ الْمُجْتَهِدُ فَضِيلَةَ الْمُجْتَهِدِينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ مَعَ احْتِمَالِ الِاخْتِصَاصِ بِالْحُكْمِ وَعَدَمِهِ يَحْتَاجُ إِلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ، يَحْصُلُ بِهِ لِلنَّاظِرِ فَضِيلَةُ النَّظَرِ ; لِأَنَّ فِيهِ إِتْعَابًا لِلْقَرِيحَةِ، وَالثَّوَابُ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ، وَهَذَا كَمَا قُلْنَا فِي وُرُودِ الْحُكْمِ عَلَى السَّبَبِ، وَكَمَا قُلْنَا: إِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَنُصَّ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْكَامِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَرَادَ تَوْسِيعَ مَجَارِي الِاجْتِهَادِ بِإِلْحَاقِ الْفُرُوعِ بِالْأُصُولِ الْمَنْصُوصِ عَلَى أَحْكَامِهَا،

стр. 1251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَالرِّبَوِيَّاتِ السِّتَّةِ، مَعَ أَنَّ غَيْرَهَا مِثْلُهَا. الثَّانِيَةُ: «تَأْكِيدُ حُكْمِ الْمَخْصُوصِ بِالذِّكْرِ، لِشِدَّةِ مُنَاسَبَتِهِ» ، كَتَأْكِيدِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي السَّائِمَةِ، لِمُنَاسَبَةِ السَّوْمِ لَهُ، أَوْ لِكَوْنِ الْمَخْصُوصِ بِالذِّكْرِ سَبَبًا لِوُرُودِ النَّصِّ، أَوْ مَسْئُولًا عَنْهُ، كَمَا لَوْ قِيلَ: مَا تَقُولُ فِي السَّائِمَةِ؟ فَيَقُولُ: فِي السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ، أَوْ يُقَالُ: مَا حُكْمُ الرَّبِيبَةِ فِي الْحِجْرِ؟ فَيُقَالُ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الرَّبَائِبُ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يُخَصَّ الشَّيْءُ بِالذِّكْرِ «احْتِيَاطًا لَهُ، لِئَلَّا يُخْرِجَهُ بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ» ، عَنْ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِالْحُكْمِ بِضَرْبٍ مِنَ الِاجْتِهَادِ، كَمَا سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ اخْتِصَاصِ الْعَامِّ بِسَبَبِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ، مِثْلَ أَنْ يَقْصِدَ الْمُتَكَلِّمُ إِفْرَادَ كُلِّ صُورَةٍ مِنَ الْمَنْطُوقِ بِهِ، وَالْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِنَصٍّ، لِيَكُونَ أَبْعَدَ عَنِ احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ، أَوْ يَكُونَ بَيَانُ حُكْمِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ قَدْ سَبَقَ، وَأَنْ يَكُونَ مَقْصُودُ صَاحِبِ الشَّرْعِ تَكْثِيرَ أَلْفَاظِ النُّصُوصِ لِيَكْثُرَ ثَوَابُ الْقَارِئِ وَالْحَافِظِ لَهَا، وَلَا تَخْتَصُّ فَائِدَتُهُ «بِمَا ذَكَرْتُمْ» مِنْ دَلَالَتِهِ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ. قَوْلُهُ: «قُلْنَا: جَعْلُ مَا ذَكَرْنَاهُ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيِ: الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ لَا يُنَافِي مَا نَقُولُهُ، فَإِنَّ مَا بَيَّنْتُمُ احْتِمَالَهُ مِنَ الْفَوَائِدِ لَا يُنَافِي أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ فَوَائِدِهِ، بَلْ جَعْلُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جُمْلَةِ فَوَائِدِ تَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ أَوْلَى، تَكْثِيرًا

стр. 1252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِفَوَائِدِهِ، فَإِنَّ تَكْثِيرَ فَوَائِدِ الْكَلَامِ أَوْلَى مِنْ تَقْلِيلِهَا. قَوْلُهُ: «وَأَيْضًا» ، إِلَى آخِرِهِ. ذَكَرَ حُجَّةً أُخْرَى عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَتَقْرِيرُهَا: أَنَّ إِجْمَاعَ الْفُصَحَاءِ وَالْعُقَلَاءِ عَلَى فَهْمِ اخْتِصَاصِ الشَّيْءِ بِالْحُكْمِ، لِاخْتِصَاصِهِ بِالذِّكْرِ. أَمَّا الْفُصَحَاءُ ; فَكَمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ: يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ ; فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْأَحْمَرِ مِنَ الْأَصْفَرِ؟ وَكَذَلِكَ الرَّاوِي عَنْ أَبِي ذَرٍّ سَأَلَ أَبَا ذَرٍّ عَنْ ذَلِكَ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا فَهِمَا مِنْ تَخْصِيصِ الْأَسْوَدِ بِالذِّكْرِ اخْتِصَاصَهُ بِقَطْعِ الصَّلَاةِ. وَكَذَلِكَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: مَا بَالُنَا نَقْصُرُ وَقَدْ أَمِنَّا؟ وَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النِّسَاءِ: ١٠١] ; فَفَهِمَ اخْتِصَاصَ جَوَازِ الْقَصْرِ بِحَالِ الْخَوْفِ، وَوَافَقَهُ عُمَرُ ﵁ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ لَهُ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ ; فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، عَنْ ذَلِكَ ; فَقَالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ ; فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ. وَقَدْ حَصَلَتْ بِذَلِكَ الْمُوَافَقَةُ عَلَى مَا فَهِمَهُ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ وَعُمَرُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، أَيْضًا، حَيْثُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمَا مَا فَهِمَاهُ، بَلْ عَدَلَ

стр. 1253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إِلَى ذِكْرِ الرُّخْصَةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَا فَهِمَاهُ صَحِيحًا، لَرَدَّهُ عَلَيْهِمَا مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ، وَقَالَ: إِنَّ الْآيَةَ لَا تَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْقَصْرِ بِحَالَةِ الْخَوْفِ، كَمَا سَبَقَ مِنْ رَدِّهِ عَلَى ابْنِ الزِّبَعْرَى مَا فَهِمَهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٨] ، فِي بَابِ الْعُمُومِ، وَكَذَلِكَ لَمَّا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ : عَمَّا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ ; فَقَالَ: لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْبَرَانِسَ. دَلَّ عَلَى أَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ يَنْفِي الْحُكْمَ عَمَّا عَدَاهُ، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَمَا كَانَ مَا ذَكَرَهُ جَوَابًا لِلسَّائِلِ ; لَأَنَّ سُؤَالَ السَّائِلِ عَمَّا يَلْبَسُ الْمُحْرِمَ عَامٌّ، فَلَوْ لَمْ تَكُنِ الْقُمُصُ، وَالسَّرَاوِيلَاتُ مُخْتَصَّةً بِالتَّحْرِيمِ، لَمَا كَانَ الْجَوَابُ مُطَابِقًا. وَأَمَّا الْعُقَلَاءُ ; فَلِأَنَّ قَائِلًا لَوْ قَالَ: «الْيَهُودِيُّ أَوِ النَّصْرَانِيُّ إِذَا نَامَ، غَمَّضَ عَيْنَيْهِ، وَإِذَا أَكَلَ حَرَّكَ فَكَّيْهِ - لَسَخِرَ كُلُّ عَاقِلٍ مِنْهُ، وَضَحِكَ عَلَيْهِ» ، لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ، «وَكَذَا لَوْ قَالَ قَائِلٌ: الشَّافِعِيَّةُ، أَوِ الْحَنَابِلَةُ فُضَلَاءُ، أَوْ عُلَمَاءُ، أَوْ زُهَّادٌ، لَاغْتَاظَ مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَكَذَا بِالْعَكْسِ» ، لَوْ قَالَ قَائِلٌ: الْحَنَفِيَّةُ فُضَلَاءُ، لَاغْتَاظَ مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ

стр. 1254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشَّافِعِيَّةِ أَوِ الْحَنَابِلَةِ، «وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِدَلَالَةِ التَّخْصِيصِ اللَّفْظِيِّ عَلَى التَّخْصِيصِ الْمَعْنَوِيِّ» ; فَقَدْ ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا بِاتِّفَاقِ الْفُصَحَاءِ وَالْعُقَلَاءِ.

стр. 1255

قَالُوا: لَوْ دَلَّ، لَدَلَّ: زَيْدٌ عَالِمٌ، وَمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ، عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ وَالرِّسَالَةِ عَنْ غَيْرِهِمَا. قُلْنَا: مَفْهُومُ اللَّقَبِ، وَفِي كَوْنِهِ حُجَّةً خِلَافٌ. فَإِنْ سُلِّمَ فَلِدَلَالَةِ الْعَقْلِ وَالْحِسِّ عَلَى عَدَمِ اخْتِصَاصِهِ. قَالُوا: لَوْ دَلَّ لَمَا حَسُنَ الِاسْتِفْهَامُ، نَحْوَ: مَنْ ضَرَبَكَ عَامِدًا فَاضْرِبْهُ ; فَيَقُولُ: فَإِنْ ضَرَبَنِي مُخْطِئًا؟ . قُلْنَا: لِعَدَمِ نُصُوصِيَّتِهِ وَقَطْعِيَّتِهِ. كَالْعَامِّ، نَحْوَ: أَكْرِمِ الرِّجَالَ ; فَيَقُولُ: وَزَيْدًا أَيْضًا؟ لَا لِعَدَمِ إِفَادَتِهِ التَّخْصِيصَ. قَالُوا: مَسْكُوتٌ عَنْهُ، وَلَا دَلِيلَ فِي السُّكُوتِ. قُلْنَا: بِالسُّكُوتِ فِيهِ وَالنُّطْقِ فِي قَسِيمِهِ تَعَاضَدَا عَلَى إِفَادَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَدْ يُفِيدُ الْمُرَكَّبُ مَا لَا تُفِيدُ مُفْرَدَاتُهُ. ــ قَوْلُهُ: «قَالُوا» ، إِلَى آخِرِهِ. . . . هَذِهِ حُجَّةٌ أُخْرَى لِلْخَصْمِ. وَتَقْرِيرُهَا: أَنَّهُ لَوْ دَلَّ تَخْصِيصُ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ، عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْحُكْمِ، لَدَلَّ قَوْلُنَا: «زَيْدٌ عَالِمٌ، وَمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ» ، عَنْ غَيْرِ زَيْدٍ، وَنَفْيِ الرِّسَالَةِ عَنْ غَيْرِ مُحَمَّدٍ، ﷺ ، لَكِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ، إِذِ الْعُلَمَاءُ غَيْرُ زَيْدٍ، وَالرُّسُلُ غَيْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ كَثِيرٌ. قَوْلُهُ: «قُلْنَا: مَفْهُومُ اللَّقَبِ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيِ: الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ

стр. 1256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَوْلَنَا: زَيْدٌ عَالِمٌ، إِنَّمَا يَدُلُّ مِنْ حَيْثُ «مَفْهُومُ اللَّقَبِ، وَفِي كَوْنِهِ حُجَّةً خِلَافٌ» ، يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنْ مَنَعْنَا كَوْنَهُ حُجَّةً، لَمْ يَلْزَمْنَا، وَإِنْ سَلَّمْنَا كَوْنَهُ حُجَّةً بِالْجُمْلَةِ ; فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ اخْتِصَاصِهِ بِالذِّكْرِ، بَلْ لِدَلَالَةِ «الْعَقْلِ وَالْحِسِّ عَلَى عَدَمِ اخْتِصَاصِ» ، زَيْدٍ بِالْعِلْمِ، وَمُحَمَّدٍ ﷺ ، بِالرِّسَالَةِ، إِذْ قَدْ عَلِمْنَا بِالتَّوَاتُرِ الَّذِي بَعْضُ مُقَدِّمَاتِهِ عَقْلِيَّةٌ، أَنَّ هُنَاكَ رُسُلًا كَثِيرِينَ، وَنَعْلَمُ بِالْحِسِّ وُجُودَ عُلَمَاءَ غَيْرِ زَيْدٍ، وَلَيْسَ النِّزَاعُ فِي مِثْلِهِ، بَلْ فِيمَا لَا قَرِينَةَ فِيهِ بِعَدَمِ الِاخْتِصَاصِ، وَذَلِكَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ لِلِاخْتِصَاصِ، إِذْ هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ. قَوْلُهُ: «قَالُوا: لَوْ دَلَّ، لَمَا حَسُنَ الِاسْتِفْهَامُ» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذِهِ حُجَّةٌ أُخْرَى لَهُمْ. وَتَقْرِيرُهَا: أَنَّهُ لَوْ دَلَّ تَخْصِيصُ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْحُكْمِ لَمَا حَسُنَ الِاسْتِفْهَامُ، لَكِنَّ الِاسْتِفْهَامَ يَحْسُنُ ; فَلَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْحُكْمِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ يَحْسُنُ أَنَّ قَائِلًا لَوْ قَالَ: «مَنْ ضَرَبَكَ عَامِدًا ; فَاضْرِبْهُ» ، لَحَسُنَ مِنَ السَّامِعِ أَنْ يَقُولَ: «فَإِنْ ضَرَبَنِي مُخْطِئًا» ، أَفَأَضْرِبُهُ أَمْ لَا؟ وَلَوِ اخْتَصَّ الْعَامِدُ بِالْحُكْمِ، لَمَا حَسُنَ هَذَا الِاسْتِفْهَامُ. قَوْلُهُ: «قُلْنَا» ، أَيِ: الْجَوَابُ عَنْ هَذَا، إِنَّمَا حَسُنَ الِاسْتِفْهَامُ مِنَ السَّامِعِ،

стр. 1257

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِعَدَمِ نُصُوصِيَّةِ التَّخْصِيصِ اللَّفْظِيِّ عَلَى التَّخْصِيصِ الْحُكْمِيِّ، وَعَدَمِ قَطْعِيَّتِهِ فِي ذَلِكَ، أَيْ: لَيْسَ نَصًّا فِي ذَلِكَ وَلَا قَاطِعًا، بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ كَالْعَامِّ ; فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: «أَكْرِمِ الرِّجَالَ» ، لَحَسُنَ مِنَ السَّامِعِ أَنْ يَقُولَ: «وَزَيْدًا أَيْضًا أُكْرِمُ» ؟ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الرِّجَالِ زَيْدًا، بَلْ لِعَدَمِ نُصُوصِيَّتِهِ فِيهِ ; فَالِاسْتِفْهَامُ إِنَّمَا هُوَ لِتَحْصِيلِ النُّصُوصِيَّةِ وَالْقَطْعِ فِيمَا اسْتُفْهِمَ عَنْهُ ; «لَا لِعَدَمِ إِفَادَتِهِ التَّخْصِيصَ» . قَوْلُهُ: «قَالُوا: مَسْكُوتٌ عَنْهُ» ، إِلَى آخِرِهِ، هَذِهِ حُجَّةٌ أُخْرَى لَهُمْ. وَتَقْرِيرُهَا: أَنَّ غَيْرَ الْمَخْصُوصِ بِالذِّكْرِ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، «وَلَا دَلِيلَ فِي السُّكُوتِ» . مِثَالُهُ: الْمَعْلُوفَةُ مَسْكُوتٌ عَنْهَا، فِي قَوْلِهِ ﵇: فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ. وَالسُّكُوتُ عَدَمُ الْكَلَامِ، وَلَا دَلِيلَ فِي الْعَدَمِ. «قُلْنَا: بِالسُّكُوتِ فِيهِ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيِ: الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ: أَنَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الدَّلَالَةَ فِي السُّكُوتِ الْمُجَرَّدِ، بَلِ الدَّلَالَةُ فِي السُّكُوتِ عَنِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ، «وَالنُّطْقِ فِي قَسِيمِهِ» وَهُوَ الْمَخْصُوصُ بِالذِّكْرِ مِنْهُمَا جَمِيعًا «تَعَاضَدَا عَلَى إِفَادَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ» مِنَ الِاخْتِصَاصِ الْمَعْنَوِيِّ لِلِاخْتِصَاصِ اللَّفْظِيِّ ; فَالدَّلَالَةُ هَهُنَا مُسْتَفَادَةٌ مِنْ تَرْكِيبِ النُّطْقِ وَالسُّكُوتِ فِي الْمَخْصُوصِ بِالذِّكْرِ، وَقَسِيمِهِ، «وَقَدْ يُفِيدُ الْمُرَكَّبُ مَا لَا تُفِيدُ مُفْرَدَاتُهُ» وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1258

ثُمَّ هَهُنَا صُوَرٌ أَنْكَرُوهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْمَفْهُومِ: إِحْدَاهُنَّ: نَحْوَ: لَا عَالِمَ إِلَّا زَيْدًا، قَالُوا: هُوَ سُكُوتٌ عَنِ الْمُسْتَثْنَى، لَا إِثْبَاتُ الْعِلْمِ لَهُ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ: الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ ، وَالْعَادَةُ ذِكْرُهَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَعُمْدَتُهُمْ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى غَيْرُ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ. وَلَنَا: الْإِجْمَاعُ عَلَى إِفَادَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِثْبَاتَ الْإِلَهِيَّةِ لِلَّهِ. وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ إِمَّا فِي تَقْدِيرِ جُمْلَتَيْنِ أَوْ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ. وَالْأَوَّلُ يَسْتَلْزِمُ الْإِثْبَاتَ فِي الْمُسْتَثْنَى، إِذِ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ إِمَّا نَافِيَةٌ ; فَهُوَ تَطْوِيلٌ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ، أَوْ مُثْبَتَةٌ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَالثَّانِي يَمْنَعُ الْوَاسِطَةَ، إِذْ بَعْضُ الْجُمْلَةِ لَا يَكُونُ خَالِيًا عَنْ حُكْمٍ، ثُمَّ تَصَوُّرُ الْوَاسِطَةِ فِي الْكَلَامِ مَعَ اسْتِلْزَامِهِ التَّرْكِيبَ الْإِسْنَادِيَّ الْإِفَادِيَّ - مُحَالٌ ; فَأَمَّا: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ» وَنَحْوُهُ فَهُوَ مِنْ بَابِ انْتِفَاءِ الشَّيْءِ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ. ــ قَوْلُهُ: " ثُمَّ هَهُنَا صُوَرٌ أَنْكَرُوهَا "، يَعْنِي مُنْكِرِي الْمَفْهُومِ " بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْمَفْهُومِ: إِحْدَاهُنَّ: نَحْوَ: لَا عَالِمَ إِلَّا زَيْدًا. قَالُوا: هُوَ سُكُوتٌ عَنِ الْمُسْتَثْنَى "، وَهُوَ زَيْدٌ، " لَا إِثْبَاتُ الْعِلْمِ لَهُ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ النَّفْيِ

стр. 1259

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إِثْبَاتٌ، وَالْعَادَةُ ذِكْرُهَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَلَكِنِّي تَابَعْتُ الْأَصْلَ فِي ذِكْرِهَا هَهُنَا، " وَعُمْدَتُهُمْ "، يَعْنِي الْخُصُومَ، " أَنَّ الْمُسْتَثْنَى غَيْرُ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ "، وَإِنَّمَا هُوَ نُطْقٌ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، أَمَّا الْمُسْتَثْنَى ; فَمَسْكُوتٌ عَنْهُ. " وَلَنَا " يَعْنِي عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ: " الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ قَوْلَنَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " يُفِيدُ " إِثْبَاتَ الْإِلَهِيَّةِ لِلَّهِ " ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءُ إِثْبَاتٍ مِنْ نَفْيٍ، إِذْ تَقْدِيرُهُ: لَا إِلَهَ مَوْجُودٌ إِلَّا اللَّهُ. قَوْلُهُ: " وَفِيهِ "، أَيْ: فِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ " نَظَرٌ "، أَيْ: هُوَ لَا يَتَحَقَّقُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْمَطْلُوبُ، إِذْ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَنَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَفَادَ إِثْبَاتَ الْآلِهِيَّةِ بِمَجَرَّدِهِ، بَلِ اللَّهُ فِي هَذَا الْكَلَامِ مَسْكُوتٌ عَنْ ثُبُوتِ إِلَهِيَّتِهِ وَنَفْيِهَا، وَإِنَّمَا ثَبَتَتْ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ، وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ هَذَا اللَّفْظِ. قَوْلُهُ: " وَالْمُعْتَمَدُ "، أَيِ: الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي دَلِيلِ الْمَسْأَلَةِ " أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ إِمَّا فِي تَقْدِيرِ جُمْلَتَيْنِ، أَوْ " فِي تَقْدِيرِ " جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ. وَالْأَوَّلُ " وَهُوَ كَوْنُهُ فِي تَقْدِيرِ جُمْلَتَيْنِ " يَسْتَلْزِمُ الْإِثْبَاتَ "، فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ ; فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتًا. وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ ; لِأَنَّ " الْجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ إِمَّا نَافِيَةٌ "، أَوْ مُثْبِتَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ نَافِيَةً، لَزِمَ مِنْهُ " التَّطْوِيلُ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ "، وَهُوَ بَاطِلٌ، مُنَافٍ لِحِكْمَةِ وَاضِعِ اللُّغَةِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ مِنْهُ التَّطْوِيلُ بِلَا فَائِدَةٍ ; لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الْأُولَى

стр. 1260

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نَافِيَةٌ ; فَلَوْ كَانَتِ الثَّانِيَةُ كَذَلِكَ، لَزِمَ مَا ذَكَرْنَاهُ، إِذْ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَوَّلِ يُفِيدُ نَفْيَ الثَّانِيَةِ. مِثَالُهُ: إِذَا قُلْنَا: لَا إِلَهَ ; فَهَذِهِ جُمْلَةٌ نَافِيَةٌ ; فَقَوْلُنَا: إِلَّا اللَّهُ، لَوْ كَانَتْ نَافِيَةً أَيْضًا، لَكَانَ فِي قَوْلِنَا: لَا إِلَهَ، غُنْيَةٌ عَنْهَا، إِذْ قَدْ فَهِمْنَا عُمُومَ نَفْيِ الْإِلَهِ مِنْهَا، فَلَمْ يُحْتَجْ إِلَى مَا بَعْدَهَا. وَكَذَلِكَ لَوْ قُلْنَا: مَا قَامَ أَحَدٌ، هِيَ جُمْلَةٌ نَافِيَةٌ ; فَقَوْلُنَا: إِلَّا زَيْدٌ، لَوْ أَفَادَ نَفْيَ قِيَامِ زَيْدٍ، لَكَانَ قَوْلُنَا: مَا قَامَ أَحَدٌ، كَافِيًا عَنْهُ ; فَبَانَ بِهَذَا التَّقْدِيرِ أَنَّ الْجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ لَيْسَتْ نَافِيَةً ; فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ مُثْبِتَةً، إِذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِنَا: الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ، " وَهُوَ الْمَطْلُوبُ ". هَذَا كُلُّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي تَقْدِيرِ جُمْلَتَيْنِ. قَوْلُهُ: " وَالثَّانِي "، يَعْنِي كَوْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي تَقْدِيرِ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ " يَمْنَعُ الْوَاسِطَةَ "، أَيْ: يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى وَاسِطَةً بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، غَيْرَ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ بِأَحَدِهِمَا ; لِأَنَّ التَّقْدِيرَ أَنَّهُمَا جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالْمُسْتَثْنَى بَعْضُهَا، وَبَعْضُ الْجُمْلَةِ لَا يَخْلُو عَنْ حُكْمٍ ; إِمَّا نَفْيٌ أَوْ إِثْبَاتٌ. وَقَدِ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ صَدْرَ الْجُمْلَةِ مَنْفِيٌّ، وَهُوَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ; فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ آخِرُهَا كَذَلِكَ لِاسْتِحَالَةَ كَوْنِ بَعْضِ الْجُمْلَةِ نَفْيًا، وَبَعْضِهَا إِثْبَاتًا. قَوْلُهُ: " ثُمَّ تَصَوُّرُ الْوَاسِطَةِ فِي الْكَلَامِ، مَعَ اسْتِلْزَامِهِ التَّرْكِيبَ الْإِسْنَادِيَّ الْإِفَادِيَّ - مُحَالٌ ". هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى امْتِنَاعِ تَصَوُّرِ الْوَاسِطَةِ فِي الْكَلَامِ، وَهُوَ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْخَصْمُ ; فَيَقُولُ: الْمُسْتَثْنَى مِنَ النَّفْيِ لَا مُثْبَتٌ وَلَا مَنْفِيٌّ، بَلْ

стр. 1261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَاسِطَةٌ بَيْنَهُمَا. وَبَيَانُ امْتِنَاعِ الْوَاسِطَةِ فِي ذَلِكَ: هُوَ أَنَّ الْكَلَامَ هَهُنَا فِي الْمُسْتَثْنَى مِنَ النَّفْيِ، وَهُوَ جُزْءٌ مِنَ الْجُمْلَةِ الِاسْتِثْنَائِيَّةِ، وَالْجُمْلَةُ الِاسْتِثْنَائِيَّةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلتَّرْكِيبِ الْإِسْنَادِيِّ الْإِفَادِيِّ، أَيْ: هِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى جُزْءَيْنِ فَصَاعِدًا، أُسْنِدَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ لِلْإِفَادَةِ، كَقَوْلِنَا: الْقَوْمُ قِيَامٌ إِلَّا زَيْدًا، وَقَامَ الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدًا، وَمَا قَامَ أَحَدٌ إِلَّا زَيْدٌ، وَكُلُّ مَا اشْتَمَلَ عَلَى التَّرْكِيبِ الْإِسْنَادِيِّ الْإِفَادِيِّ ; فَهُوَ كَلَامٌ ; فَالْجُمْلَةُ الِاسْتِثْنَائِيَّةُ كَلَامٌ، وَكُلُّ كَلَامٍ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مُثْبَتًا أَوْ مَنْفِيًّا ; لِأَنَّهُ لَابُدَ فِيهِ مِنْ مَحْكُومٍ بِهِ، وَمَحْكُومٍ عَلَيْهِ، وَالْحُكْمُ إِمَّا بِنَفْيٍ، أَوْ إِثْبَاتٍ، نَحْوَ: زَيْدٌ قَائِمٌ، وَقَامَ زَيْدٌ، وَمَا زَيْدٌ قَائِمٌ، وَمَا قَامَ زَيْدٌ. وَإِذَا كَانَتِ الْجُمْلَةُ الِاسْتِثْنَائِيَّةُ تَسْتَلْزِمُ التَّرْكِيبَ الْإِفَادِيَّ، الَّذِي هُوَ الْكَلَامُ، وَالْكَلَامُ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ، وَالْحُكْمُ مُنْحَصِرٌ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، كَانَتِ الْوَاسِطَةُ مَعَ ذَلِكَ فِي التَّرْكِيبِ الْإِفَادِيِّ مُحَالًا، وَإِذَا انْتَفَتِ الْوَاسِطَةُ، بَقِيَ الْمُسْتَثْنَى مِنَ النَّفْيِ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَنْفِيًّا أَوْ مُثْبَتًا، وَقَدِ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَنْفِيٍّ ; فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مُثْبَتًا، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. قَوْلُهُ: " فَأَمَّا: لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ. . . " إِلَى آخِرِهِ. هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، تَذْكُرُهُ الْحَنَفِيَّةُ، مُسْتَدِلِّينَ بِهِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ النَّفْيِ لَيْسَ بِإِثْبَاتٍ. وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ إِثْبَاتًا، لَكَانَ قَوْلُهُ ﵇: لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ،

стр. 1262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَلَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ يَقْتَضِي صِحَّةَ الصَّلَاةِ عِنْدَ وُجُودِ الطَّهُورِ، وَالنِّكَاحِ عِنْدَ وُجُودِ الْوَلِيِّ ; لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ نَفْيِ الصَّلَاةِ وَالنِّكَاحِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ عِنْدَكُمْ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ ; فَيَلْزَمُ مِنْهُ الصِّحَّةُ، لَكِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ لِجَوَازِ تَخَلُّفِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عِنْدَ وُجُودِ الطَّهُورِ، لِانْتِفَاءِ شَرْطٍ آخَرَ، وَكَذَلِكَ صِحَّةُ النِّكَاحِ مَعَ وُجُودِ الْوَلِيِّ. وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ ; لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَصْدُقُ عَلَى الْمُسْتَثْنَى فِيهِ بَعْدَ " إِلَّا " اسْمُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَهُوَ مَا قَبْلَهَا، أَوْ يَكُونُ مَا بَعْدَ " إِلَّا " جُزْءًا مِمَّا قَبْلَهَا، نَحْوَ: مَا قَامَ أَحَدٌ إِلَّا زَيْدٌ ; فَزَيْدٌ أَحَدٌ، وَمَا قَامَ الْقَوْمُ إِلَّا زَيْدٌ ; فَزَيْدٌ جُزْءٌ مِنَ الْقَوْمِ. وَإِذَا عَرَفَتْ هَذَا ; فَالطَّهُورُ وَالْوَلِيُّ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِمَا اسْمُ مَا قَبْلَهُمَا، وَلَا هُمَا جُزْءٌ مِنْهُ، إِذِ الطَّهُورُ لَيْسَ بِصَلَاةٍ وَلَا جُزْئِهَا، وَالْوَلِيُّ لَيْسَ بِنِكَاحٍ وَلَا جُزْئِهِ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ ﵇: لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ. لَيْسَ مِنْ بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ، بَلْ مِنْ بَابِ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ " لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ "، فَالطَّهُورُ شَرْطُ الصَّلَاةِ، وَالْوَلِيُّ شَرْطُ النِّكَاحِ ; فَيَنْتَفِيَانِ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِمَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وَجُودُهُمَا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 1263

الثَّانِيَةُ: «إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» يُفِيدُ الْحَصْرَ، أَيْ: حَصْرَ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ فِي الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، وَالْفِعْلِ فِي الْفَاعِلِ فِي الْفِعْلِيَّةِ عِنْدَ قَوْمٍ خِلَافًا لِمُنْكِرِي الْمَفْهُومِ، وَهُوَ أَوْلَى. الْأَوَّلُونَ: «إِنَّ» لِلْإِثْبَاتِ وَ «مَا» لِلنَّفْيِ ; فَأَفَادَا مُجْتَمِعَيْنِ مَا أَفَادَا مُنْفَرِدَيْنِ، وَهُوَ إِثْبَاتُ الْمَذْكُورِ، وَنَفْيُ مَا عَدَاهُ. وَلِفَهْمِ ابْنِ عَبَّاسٍ ذَلِكَ مِنْ: «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» . وَهُوَ عَرَبِيٌّ فَصِيحٌ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ «مَا» لَهَا أَقْسَامٌ كَثِيرَةٌ ; فَتَخْصِيصُ هَذِهِ بِالنَّافِيَةِ مِنْهَا تَحَكُّمٌ، ثُمَّ إِنَّ «مَا» هَذِهِ هِيَ الدَّاخِلَةُ عَلَى إِنَّ وَأَخَوَاتِهَا كَافَّةٌ ; فَلَوْ كَانَتْ نَافِيَةً لَأَفَادَ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ: وَلَكِنَّمَا أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ نَفْيَ طَلَبِ الْمَجْدِ وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِمَا قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ. وَلَاتَّحَدَتْ كَيْفِيَّةُ الْمُسْتَدْرَكِ وَالْمُسْتَدْرَكِ مِنْهُ بِلَكِنَّمَا، نَحْوَ: مَا قَامَ زَيْدٌ لَكِنَّمَا عَمْرٌو قَائِمٌ، وَهُوَ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا، وَلِأَنَّ النُّحَاةَ قَالُوا: دَخَلَتْ «مَا» عَلَى «إِنَّ» كَمَا دَخَلَتْ «إِنَّ» عَلَى «مَا» فِي نَحْوِ: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ مُقَاصَّةً. فَالظَّاهِرُ اتِّحَادُهُمَا فِي الْحَرْفِيَّةِ. سَلَّمْنَا، لَكِنَّ قَوْلَكُمْ: «أَفَادَا مُجْتَمِعَيْنِ مَا أَفَادَا مُنْفَرِدَيْنِ» ، مَنْقُوضٌ بِلَوْلَا، وَفَهْمُ ابْنِ عَبَّاسٍ ذَلِكَ لَعَلَّهُ لِدَلِيلٍ خَارِجٍ مِنْ قِيَاسٍ، وَنَحْوِهُ، عَلَى أَنَّ حَدِيثَهُ مُرْسَلٌ ; فَلَعَلَّ وَهْمًا دَخَلَهُ، وَمَعَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فَلْتَكُنْ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَهُوَ تَأْكِيدُ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ لَا لِنَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ. ــ الصُّورَةُ «الثَّانِيَةُ» مِنَ الصُّوَرِ الَّتِي أَنْكَرَهَا مُنْكِرُو الْمَفْهُومِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا

стр. 1264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِنْهُ: الْحَصْرُ بِإِنَّمَا، نَحْوَ: إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَإِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ ; فَهُوَ «يُفِيدُ الْحَصْرَ» ، أَيْ: حَصْرَ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ فِي الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، وَالْفِعْلِ فِي الْفَاعِلِ فِي الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ. قُلْتُ: تَحْقِيقُ هَذَا الْكَلَامِ: أَنَّ إِنَّمَا لَا يَقَعُ بَعْدَهَا إِلَّا جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ، وَالْجُمْلَةُ الْخَبَرِيَّةُ ; إِمَّا اسْمِيَّةٌ، نَحْوَ: الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ. أَوْ فِعْلِيَّةٌ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٧٨] ، وَقَوْلِ الْقَائِلِ: إِنَّمَا قَامَ زَيْدٌ، فَإِنْ وَقَعَ بَعْدَ إِنَّمَا جُمْلَةٌ إِسْمِيَّةٌ اقْتَضَتْ حَصْرَ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ، كَالْوَلَاءِ فِيمَنْ أَعْتَقَ، وَالْأَعْمَالِ فِيمَا وَقَعَ بِالنِّيَّاتِ، وَزَيْدٍ فِي الْقِيَامِ فِي قَوْلِنَا: إِنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ. وَإِنْ وَقَعَ بَعْدَهَا جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ، اقْتَضَتْ حَصْرَ الْفِعْلِ فِي الْفَاعِلِ، كَالْقِيَامِ فِي زَيْدٍ فِي قَوْلِنَا: إِنَّمَا قَامَ زَيْدٌ. وَمَعْنَى الْحَصْرِ: أَنَّ الْمُبْتَدَأَ لَا يَكُونُ مُتَّصِفًا إِلَّا بِالْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ الْخَبَرُ صِفَةً لِغَيْرِهِ، نَحْوَ: إِنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ ; فَزَيْدٌ لَا يَتَّصِفُ إِلَّا بِالْقِيَامِ، وَإِنِ اتَّصَفَ بِالْقِيَامِ عَمْرٌو وَبَكْرٌ، وَكَذَلِكَ الْفِعْلُ لَا يَتَّصِفُ بِهِ إِلَّا الْفَاعِلُ، وَإِنِ اتَّصَفَ الْفَاعِلُ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَفْعَالِ، نَحْوَ: إِنَّمَا قَامَ زَيْدٌ ; فَالْقِيَامُ لَا يُوجَدُ إِلَّا فِي زَيْدٍ، وَإِنْ وُجِدَ مِنْ زَيْدٍ ضَرْبٌ، وَقَتْلٌ، وَأَكْلٌ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَفْعَالِ، فَإِذَا

стр. 1265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عُرِفَ مَعْنَى الْحَصْرِ ; فَإِنَّمَا يَقْتَضِيهِ عِنْدَ قَوْمٍ، خِلَافًا لِمُنْكِرِي الْمَفْهُومِ، وَهُوَ أَوْلَى، يَعْنِي عَدَمَ اقْتِضَائِهَا الْحَصْرَ. هَكَذَا ظَهَرَ لِي فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَعَلَيْهِ تَرَتَّبَ الْبَحْثُ. قَالَ الْآمِدِيُّ: ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَالْغَزَّالِيُّ، وَالْهَرَّاسِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ تَقْيِيدَ الْحُكْمِ بِإِنَّمَا، ظَاهِرٌ فِي الْحَصْرِ، مُحْتَمَلٌ فِي التَّأْكِيدِ، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لِتَأْكِيدِ الْإِثْبَاتِ، وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْحَصْرِ، قَالَ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ. قَوْلُهُ: «الْأَوَّلُونَ» ، أَيِ: احْتَجَّ الْأَوَّلُونَ عَلَى دَعْوَى الْحَصْرِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ «إِنَّمَا» مُرَكَّبَةٌ مِنْ «إِنَّ» وَ «مَا» ; فَـ «إِنَّ» لِلْإِثْبَاتِ، نَحْوَ: إِنَّ زَيْدًا قَائِمٌ، وَ «مَا» لِلنَّفْيِ، نَحْوَ: مَا زَيْدٌ قَائِمٌ ; فَأَفَادَا مُجْتَمِعَيْنِ، يَعْنِي بَعْدَ التَّرْكِيبِ، مَا أَفَادَا مُنْفَرِدَيْنَ، أَيْ: حَالَ إِفْرَادِهِمَا قَبْلَ التَّرْكِيبِ، أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُفِيدُ حَالَ تَرْكِيبِهَا مَا أَفَادَتْهُ حَالَ إِفْرَادِهِمَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ ; فَيَجِبُ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ تُفِيدَ إِنَّمَا إِثْبَاتًا بِاعْتِبَارِ إِنَّ، وَنَفْيًا بِاعْتِبَارِ مَا. ثُمَّ لَا يَخْلُو ; إِمَّا أَنْ تُفِيدَ نَفْيَ الْمَذْكُورِ بَعْدَهَا، وَإِثْبَاتَ مَا عَدَاهُ، أَوْ إِثْبَاتَ مَا بَعْدَهَا، وَنَفْيَ مَا عَدَاهُ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِلَّا لَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، ثُبُوتُ الْوَلَاءِ لِمَنْ عَدَا الْمُعْتِقِ، وَمِنْ قَوْلِنَا: إِنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ، أَنَّ الْقَائِمَ مَنْ عَدَا زَيْدٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، وَهُوَ إِثْبَاتُ الْمَذْكُورِ، بَعْدَ إِنَّمَا وَنَفْيُ مَا عَدَاهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْحَصْرِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
следующие страницы →