Полный текст (2 051 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَثَالِثُهَا: أَنَّ مَا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ كَوْنُهُ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةً، كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَالْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ وَنَحْوِهَا، كَفَرَ مُنْكِرُهُ، وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ لَا يَكْفُرُ بِإِنْكَارِهِ.
وَالْفَرْقُ: أَنَّ الْأَوَّلَ يَتَحَقَّقُ تَكْذِيبُهُ لِصَاحِبِ الشَّرِيعَةِ، دُونَ الثَّانِي، لِجَوَازِ كَوْنِ مَا أَنْكَرُهُ يَخْفَى عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مِثْلِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، فَإِنَّ وُجُوبَهَا لَا يَخْفَى عَلَى مُسْلِمٍ، بَلِ الْكُفَّارُ يَعْلَمُونَ وُجُوبَهَا عَلَى أَهْلِهَا.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: إِنْ كَانَ حُكْمُ الْإِجْمَاعِ دَاخِلًا فِي مُسَمَّى الْإِسْلَامِ كَالرِّسَالَةِ، كَفَرَ مُنْكِرُ حُكْمِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
قُلْتُ: هَذَا أَخَصُّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالَّذِي قَبْلَهُ أَوْلَى مِنْهُ، لِأَنَّهُ تَكْذِيبُ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ، وَمَا لَزِمَهُ مُسْتَقِلٌّ بِالتَّكْفِيرِ، فَلَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى تَخْصِيصِهِ بِمَا كَانَ دَاخِلًا فِي مُسَمَّى الْإِسْلَامِ، إِذْ لَوْ سُوِّغَ ذَلِكَ، لَأَفْضَى إِلَى تَكْذِيبِ صَاحِبِ الشَّرْعِ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ بِدُونِ تَكْفِيرِ ذَلِكَ الْمُكَذِّبِ، وَهُوَ إِهْمَالٌ لِحُرْمَةِ الشَّرْعِ، وَتَضْيِيعٌ لِنَامُوسِهِ.
قُلْتُ: الْمُخْتَارُ أَنَّ مُنْكِرَ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ إِنْ كَانَ عَامِّيًّا، كَفَرَ مُطْلَقًا، ظَنِّيًّا كَانَ الْإِجْمَاعُ أَوْ قَطْعِيًّا، إِذَا كَانَ قَدِ اشْتُهِرَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ، وَعَلِمَهُ الْمُنْكِرُ، وَاعْتَقَدَ تَحْرِيمَ إِنْكَارِهِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا، يُفَرِّقُ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْإِجْمَاعِ، وَيَتَصَرَّفُ فِي الْأَدِلَّةِ، لَمْ يَكْفُرْ إِلَّا بِإِنْكَارِ مِثْلِ الْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، لِجَوَازِ أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عِنْدَهُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ مَا أَنْكَرَهُ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: إِذَا قُلْنَا بِتَكْفِيرِ مُخَالِفِ الْإِجْمَاعِ، فَهُوَ مَشْرُوطٌ بِأَنْ يَكُونَ
стр. 1437
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ ضَرُورِيًّا مِنَ الدِّينِ.
قُلْتُ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِمُخَالَفَةِ مَا لَيْسَ ضَرُورِيًّا قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَعَلَّهُ مَذْهَبُهُ أَوِ اخْتِيَارُهُ، وَإِلَّا فَالْخِلَافُ الَّذِي حَكَيْنَاهُ مُطْلَقًا ثَابِتٌ.
قُلْتُ: مَأْخَذُ الْخِلَافِ فِي تَكْفِيرِ مُنْكِرِ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ: هُوَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ ظَنِّيٌّ أَوْ قَطْعِيٌّ؟ فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ ظَنِّيٌّ، قَالَ: لَا يَكْفُرُ كَالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَحُجَّتُهُ أَنَّ مُسْتَنَدَ أَصْلِ الْإِجْمَاعِ هُوَ مَا سَبَقَ مِنْ ظَوَاهِرِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ الَّتِي لَا تُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ، وَمَا اسْتَنَدَ إِلَى الظَّنِّ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ ظَنِّيًّا.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ قَطْعِيٌّ، قَالَ: إِنَّ مُسْتَنَدَ الْإِجْمَاعِ قَاطِعٌ، وَمَا اسْتَنَدَ إِلَى الْقَاطِعِ، فَهُوَ قَاطِعٌ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ مُسْتَنِدٌ إِلَى قَاطِعٍ، لِأَنَّ جُزْئِيَّاتِ أَدِلَّتِهِ لَوِ اسْتُقْرِئَتِ اسْتِقْرَاءً تَامًّا، لَاجْتَمَعَ مِنْهَا الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ، لَكِنَّ اسْتِقْرَاءَهَا الِاسْتِقْرَاءَ التَّامَّ بِحَيْثُ لَا يَشِذُّ مِنْهَا شَيْءٌ مُتَعَذِّرٌ، كَمَا أَنَّ اسْتِقْرَاءَ الْحِكَايَاتِ الْجُزْئِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى سَخَاءِ حَاتِمٍ اسْتِقْرَاءً تَامًّا مُتَعَذِّرٌ، فَلِذَلِكَ نَبَّهَ الْعُلَمَاءُ فِي كُتُبِهِمْ بِأَدِلَّةٍ جُزْئِيَّةٍ عَلَى تِلْكَ الْأَدِلَّةِ الْحَاصِلَةِ مِنَ الِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ لَوْ أَمْكَنَ.
قَالَ: وَالْغَفْلَةُ عَنْ هَذَا التَّقْرِيرِ هِيَ الْمُوجِبُ لِأَسْئِلَةٍ وَرَدَتْ عَلَى
стр. 1438
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْإِجْمَاعِ، لِكَوْنِهِ ظَنِّيًّا، وَكَوْنِ مُخَالِفِهِ لَا يَكْفُرُ، وَهِيَ مُنْدَفِعَةٌ بِهَذَا التَّقْرِيرِ.
قُلْتُ: هَذَا التَّقْرِيرُ ضَعِيفٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ أَقْوَى أُصُولِ الْإِسْلَامِ، وَلِذَلِكَ قُدِّمَ عَلَى النَّصِّ وَالْقِيَاسِ، فَهُوَ لِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ فِي أَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ يَقْتَضِي تَوَفُّرَ دَوَاعِي الْأُمَّةِ عَلَى ضَبْطِ أَدِلَّتِهِ، وَحِفْظِ مُسْتَنَدِهِ، إِذْ مِنَ الْمُمْتَنِعِ عَادَةً تَضْيِيعُ مِثْلِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِجْمَاعِ دَلِيلٌ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِي كُتُبِهِمْ. وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ وَبَيَانُ ضَعْفِ الدِّلَالَةِ مِنْهُ.
وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ حِكَايَاتِ حَاتِمٍ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَتَعَذَّرُ اسْتِقْرَاؤُهَا أَوِ اسْتِقْرَاءُ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَوَاتُرُ سَخَائِهِ مِنْهَا، إِذْ كُلُّهَا أَوْ أَكْثَرُهَا مَنْقُولَةٌ مُدَوَّنَةٌ فِي دِيوَانِ حَاتِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ التَّوَارِيخِ وَغَيْرِهَا، لَكِنَّ عُلَمَاءَ الشَّرْعِ لِعَدَمِ اهْتِمَامِهِمْ بِهَا لَمْ يَعْتَنُوا بِهَا حَتَّى تَتَوَاتَرَ بَيْنَهُمْ وَتَشْتَهِرَ، وَقَدِ اشْتُهِرَتْ عِنْدَ الْإِخْبَارِيِّينَ الْعُلَمَاءِ بِأَيَّامِ الْعَرَبِ.
أَمَّا أَحَادِيثُ الْإِجْمَاعِ وَأَدِلَّتُهُ، فَهُمْ بِالضَّرُورَةِ مُعْتَنُونَ بِهَا، مُهْتَمُّونَ غَايَةَ الِاهْتِمَامِ، فَالْمَانِعُ لَهُمْ مِنْ نَقْلِهَا عَادَةً لَيْسَ إِلَّا عَدَمُهَا، وَأَنَا ذَاكِرٌ لَكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَصْلًا ذَكَرْتُهُ فِي «الْقَوَاعِدِ الصُّغْرَى» فِي هَذَا الْبَابِ يُحَقِّقُ كَوْنَ الْإِجْمَاعِ ظَنِّيًّا، وَهُوَ أَنِّي قُلْتُ هُنَاكَ: وَمِنَ الْعَدْلِ التَّرْجِيحُ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ، وَإِلْغَاءُ الضَّعِيفِ. وَهَذَا كَثِيرٌ فِي تَرْجِيحَاتِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، كَتَرْجِيحِ الْقَاطِعِ عَلَى الظَّنِّيِّ، وَالْخَبَرِ الْأَصَحِّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالصَّحِيحِ عَلَى الضَّعِيفِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ مُخَالِفَ الْإِجْمَاعِ وَمُنْكِرَ حُكْمِهِ لَا يَكْفُرُ، مَا لَمْ
стр. 1439
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُنْكِرُ ضَرُورِيًّا مِنَ الدِّينِ كَمَا سَبَقَ وَقُرِّرَ ذَلِكَ: بِأَنَّ جَرَيَانَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ مُحَقَّقٌ مَقْطُوعٌ بِهِ، فَلَا يُرْفَعُ بِالْإِجْمَاعِ الْمُحْتَمَلِ، وَبَيَانُ احْتِمَالِهِ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَاتٍ مُحْتَمَلَةٍ، وَالْمَبْنِيُّ عَلَى الْمُحْتَمَلِ مُحْتَمَلٌ.
أَمَّا الْمُقَدِّمَاتُ، فَهِيَ ظَوَاهِرُ الْكِتَابِ، نَحْوُ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النِّسَاءِ: ١١٥] الْآيَةَ، وَأَحَادِيثُ السُّنَّةِ.
أَمَّا ظَوَاهِرُ الْكِتَابِ، فَإِنَّهَا إِنَّمَا صَحَّ التَّمَسُّكُ بِهَا بِالْإِجْمَاعِ، فَلَوْ ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ بِهَا، لَزِمَ الدَّوْرُ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَلَيْسَتْ مُتَوَاتِرَةً تَوَاتُرًا حَقِيقِيًّا بِالِاتِّفَاقِ، وَكَوْنُهُ تَوَاتُرًا مَعْنَوِيًّا، كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ، وَسَخَاءِ حَاتِمٍ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﵇: مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ وَنَحْوِهِمَا، وَإِنَّ الْأَوَّلَ أَقْوَى مِنَ الثَّانِي، وَحَيْثُ الْأَوَّلُ تَوَاتُرٌ ; فَالثَّانِي لَيْسَ بِتَوَاتُرٍ، فَهُوَ آحَادٌ. وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى مَذَاهِبَ مُخْتَلِفَةٍ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَفِيضًا، وَالْمُسْتَفِيضُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ الَّذِي يَقْوَى عَلَى رَفْعِ عِصْمَةِ الدِّمَاءِ.
وَقَوْلُهُمْ: تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، وَهِيَ مَعْصُومَةٌ، إِثْبَاتُ الْإِجْمَاعِ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، هُوَ كَوْنُهُ صَادِرًا عَنِ الْأُمَّةِ الْمَعْصُومَةِ، وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ صَدَرَ عَنِ الْأُمَّةِ الْمَعْصُومَةِ، لِأَنَّ
стр. 1440
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هَذِهِ الْأُمَّةَ الْمَعْصُومَةَ تَلَقَّتْ أَدِلَّتَهُ بِالْقَبُولِ، وَهُوَ إِثْبَاتُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
سَلَّمْنَا أَنَّ الْخَبَرَ مُتَوَاتِرٌ، لَكِنَّ النِّزَاعَ فِي دِلَالَتِهِ.
فَقَوْلُهُ: مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ، اللَّامُ إِمَّا لِلْعَهْدِ، وَهُمْ قَوْمٌ مَعْهُودُونَ بَيْنَهُ ﵇ وَبَيْنَ مَنْ خَاطَبَهُ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْإِجْمَاعِ، أَوْ لِلِاسْتِغْرَاقِ ; فَهُوَ عَامٌّ، وَدِلَالَةُ الْعَامِّ ظَنِّيَّةٌ، ثُمَّ قَدْ خُصَّ بِمَنْ قَبْلَ عَصْرِ الْإِجْمَاعِ وَبَعْدَهُ، وَبِالصِّبْيَانِ، وَالْمَجَانِينِ، وَالْعَامَّةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، فَصَارَ عَامًّا مَخْصُوصًا، وَفِي كَوْنِهِ حُجَّةً، أَوْ غَيْرَ حُجَّةٍ، وَحَقِيقَةً فِي الْبَاقِي، أَوْ مَجَازًا، خِلَافٌ مَشْهُورٌ سَبَقَ، ثُمَّ قَوْلُهُ: «حَسَنًا» يَحْتَمِلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ، وَهُوَ فِيهِ أَظْهَرُ، وَلَا دِلَالَةَ لَهُ عَلَى الْإِجْمَاعِ أَصْلًا، فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ، بِهِ احْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ بِلَفْظِهِ أَشْبَهُ، إِذْ هُوَ مِنْ مَادَّتِهِ لَفْظًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالضَّلَالَةِ: الْكُفْرَ، وَيَكُونُ شَهَادَةً لَهَا بِالْأَمْنِ مِنَ الِارْتِدَادِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ قَاطِعٌ، ثُمَّ صِرْنَا إِلَى نَفْسِ الْإِجْمَاعِ، فَنَقُولُ: نَازَعَ قَوْمٌ فِي تَصَوُّرِهِ وَإِمْكَانِهِ، ثُمَّ فِي كَوْنِهِ حُجَّةً، ثُمَّ فِي أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالصَّحَابَةِ، أَوْ صَحِيحٌ مِنْ غَيْرِهَا أَيْضًا، ثُمَّ فِي أَنَّ الْعِصْمَةَ لِهَيْئَةِ الْأُمَّةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، فَتُعْتَبَرُ
стр. 1441
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْعَامَّةُ أَوْ لَا، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ مِمَّا سَبَقَ فِي السُّكُوتِيِّ، وَقَدْ سَبَقَ مَعْنَاهُ، فَقِيلَ: حَجَّةٌ وَإِجْمَاعٌ، وَقِيلَ: لَا حُجَّةٌ وَلَا إِجْمَاعٌ، وَقِيلَ: حُجَّةٌ فَقَطْ، وَقِيلَ: إِجْمَاعٌ بِشَرْطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ فُتْيَا لَا حُكْمًا.
ثُمَّ قَوْلُكُمْ: هُوَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، مَا الْمُرَادُ بِهِ؟ إِنْ أَرَدْتُمُ الْقَطْعَ الْعَقْلِيَّ، وَهُوَ مَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، فَهُوَ مَعَ هَذَا الْخِلَافِ الْعَظِيمِ فِي مُقَدِّمَاتِهِ مُمْتَنِعٌ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّهُ مُوجِبٌ لِلْعَمَلِ، فَذَلِكَ إِنَّمَا يُوجِبُ تَعْصِيَةَ مُخَالِفِهِ وَمُنْكِرِ حُكْمِهِ.
أَمَّا الْحُكْمُ بِكُفْرِهِ مَعَ الْقَطْعِ بِجَرَيَانِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ بِدَلِيلٍ فِي مُقَدِّمَاتِ هَذَا النِّزَاعِ، فَهُوَ دَفْعٌ لِلْأَقْوَى بِالْأَضْعَفِ، وَهُوَ مُنَافٍ لِلْعَدْلِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ بِتَكْفِيرِهِ مُطْلَقًا أَحْوَطُ لِلشَّرِيعَةِ، وَبِعَدَمِهِ مُطْلَقًا، أَوْ بِالتَّفْصِيلِ السَّابِقِ أَحْوَطُ لِلدِّمَاءِ.
وَأَنَّ النِّزَاعَ إِنَّمَا هُوَ فِي التَّكْفِيرِ، أَمَّا قَتْلُهُ حَدًّا بِاجْتِهَادِ إِمَامٍ، أَوْ مُجْتَهِدٍ، أَوْ بِفِعْلٍ أَوْ بِتَرْكِ مَا يُوجِبُهُ كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ، أَوْ تَارِكِ الصَّلَاةِ تَهَاوُنًا لَا جُحُودًا، فَلَا نِزَاعَ فِي جَوَازِهِ.
وَاعْلَمْ أَنِّي إِنَّمَا ذَكَرْتُ لَكَ هَذَا الْفَصْلَ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرُ أَحْكَامِهِ قَدْ سَبَقَتْ لِفَائِدَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: تَرْجِيحُ مَا اخْتَرْتُهُ مِنْ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ ظَنِّيًّا.
وَالثَّانِيَةُ: أَنِّي جَعَلْتُهُ لَكَ دُسْتُورًا لِلْإِجْمَاعِ، تَطْرِيَةً لِذِهْنِ النَّاظِرِ بِهِ،
стр. 1442
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَتَذْكِيرًا، لِيُتَذَكَّرَ بِهِ آخِرًا مَا سَبَقَ مِنْهُ أَوَّلًا، وَإِنَّمَا لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ فِي آخِرِ كُلِّ بَابٍ، لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي لِذِكْرِهِ، بِخِلَافِ هَاهُنَا، فَإِنَّهُ عَرَضَ مَا اقْتَضَى ذِكْرَ ذَلِكَ.
وَعَلَى الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ مُنْكِرِ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ بِالْجُمْلَةِ سُؤَالٌ، وَهُوَ: كَيْفَ تُكَفِّرُونَ مُنْكِرَ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ، وَلَمْ تُكَفِّرُوا مُنْكِرَ أَصْلِ الْإِجْمَاعِ، كَالنَّظَّامِ وَالشِّيعَةِ وَالْخَوَارِجِ؟
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ مُنْكِرَ أَصْلِ الْإِجْمَاعِ لَمْ يَسْتَقِرَّ عِنْدَهُ كَوْنُهُ حُجَّةً، فَلَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ تَكْذِيبُ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ، بِخِلَافِ مُنْكِرِ حُكْمِهِ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ بِكَوْنِهِ حُجَّةً، فَإِنَّهُ يَتَحَقَّقُ مِنْهُ ذَلِكَ، فَأُخِذَ بِإِقْرَارِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: «وَ ارْتِدَادُ الْأُمَّةِ جَائِزٌ عَقْلًا لَا سَمْعًا فِي الْأَصَحِّ» أَيِ: ارْتِدَادُ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ كَفَرَةً، فِي عَصْرٍ مِنَ الْأَعْصَارِ «جَائِزٌ عَقْلًا» أَيْ: مُمْكِنٌ فِي الْعَقْلِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، لِأَنَّهُ لَوْ فُرِضَ تَصَوُّرُهُ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مُحَالٌ لِذَاتِهِ.
أَمَّا جَوَازُهُ مِنْ حَيْثُ السَّمْعِ، أَيْ: مِنْ حَيْثُ دِلَالَةِ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ عَلَيْهِ، فَاخْتُلِفَ فِيهِ، فَالْأَصَحُّ كَمَا ذُكِرَ فِي «الْمُخْتَصَرِ» أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْآمِدِيِّ، لِأَنَّهَا مَعْصُومَةٌ مِنَ الْخَطَأِ بِأَدِلَّةِ الْإِجْمَاعِ السَّابِقَةِ، وَالرِّدَّةُ أَعْظَمُ الْخَطَأِ، فَتَكُونُ مَعْصُومَةً مِنْهَا، فَلَا يَجُوزُ عَلَيْهَا، وَثَمَّ أَحَادِيثُ أُخَرُ تُؤَكِّدُ ذَلِكَ.
مِنْهَا: مَا رَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ، فَلَا خَيْرَ فِيكُمْ، لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ
стр. 1443
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ.
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي الْحَدِيثَ.
وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ: لَا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ.
وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا.
وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ جِنْسِهَا تَدُلُّ عَلَى اسْتِمْرَارِ الدِّينِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ عَدَمُ ارْتِدَادِ الْأُمَّةِ جَمِيعِهَا فِي وَقْتٍ مَا، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ:
стр. 1444
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَمُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللَّهُ اللَّهُ.
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى لَكِنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى ارْتِدَادِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ، بَلْ يَصْدُقُ مَضْمُونُهُ بِرِدَّةِ بَعْضِهَا، وَعِبَادَتِهِ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁، لِأَنَّ ارْتِدَادَ الْأُمَّةِ يَلْزَمُهُ قَطْعًا، وَإِلَّا لَوْ قَامَتِ السَّاعَةُ عَلَى مَنْ يَقُولُ: اللَّهُ اللَّهُ، وَلَوْ وَاحِدًا، فَلَا يَصْدُقُ الْحَدِيثُ إِذَنْ.
قُلْتُ: أَحْسَنُ مَا جُمِعَ بِهِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ: أَنْ تُحْمَلَ الْأَحَادِيثُ الْأُوَلُ عَلَى اسْتِمْرَارِ الدِّينِ إِلَى قُبَيْلِ السَّاعَةِ بِمُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، ثُمَّ تَرْتَدُّ الْأُمَّةُ، أَوْ تَنْقَرِضُ، وَيَخْلُفُهَا مَنْ لَا يَذْكُرُ اللَّهَ، وَلَا يَعْرِفُهُ، فَتَقُومُ السَّاعَةُ عَلَيْهِ.
عَلَى أَنَّ انْقِرَاضَ الْأُمَّةِ لَا يَتَّجِهُ، لِأَنَّهَا آخِرُ الْأُمَمِ، وَعَلَيْهَا تَقُومُ السَّاعَةُ، لَكِنَّهَا تَرْتَدُّ لِكَثْرَةِ الْفِتَنِ، وَطُولِ الْعَهْدِ، كَمَا كَفَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ بَعْدَ طُولِ عَهْدِهَا بِأَنْبِيَائِهَا وَكُتُبِهَا، وَارْتِدَادُهَا قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ بِمُدَّةٍ يَسِيرَةٍ ; لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ قَوْلِهِ ﵊: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ لِأَنَّ الزَّمَانَ الْيَسِيرَ يُغْتَفَرُ فِي الْأَحْكَامِ وَالْأَخْبَارِ، وَاللَّهُ
стр. 1445
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَعْلَمُ.
تَنْبِيهٌ: اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَنَّ الْأُمَّةَ هَلْ يُتَصَوَّرُ اشْتِرَاكُهَا فِي الْجَهْلِ بِدَلِيلٍ لَا مُعَارِضَ لَهُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إِنْ قُدِّرَ عَمَلُهَا عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، جَازَ اشْتِرَاكُهَا فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ كَالْوَسِيلَةِ مَعَ الْمَقْصِدِ، وَإِنْ قُدِّرَ عَمَلُهَا عَلَى خِلَافِهِ، لَمْ يَجُزْ، لِعِصْمَتِهَا مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْخَطَأِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 1446
اسْتِصْحَابُ الْحَالِ
وَحَقِيقَتُهُ: التَّمَسُّكُ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ لَمْ يَظْهَرْ عَنْهُ نَاقِلٌ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ إِمَّا إِثْبَاتٌ، وَالْعَقْلُ قَاصِرٌ عَنْهُ، أَوْ نَفْيٌ، فَالْعَقْلُ دَلَّ عَلَيْهِ قَبْلَ الشَّرْعِ فَيُسْتَصْحَبُ، كَعَدَمِ وُجُوبِ صَوْمِ شَوَّالٍ، وَصَلَاةٍ سَادِسَةٍ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا تَمَسُّكٌ بِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالنَّاقِلِ، وَهُوَ تَمَسُّكٌ بِالْجَهْلِ، وَلَعَلَّهُ مَوْجُودٌ مَجْهُولٌ، لِأَنَّا نَقُولُ: النَّاسُ إِمَّا:
عَامِّيٌّ لَا يُمْكِنُهُ الْبَحْثُ وَالِاجْتِهَادُ، فَتَمَسُّكُهُ بِمَا ذَكَرْتُمْ كَالْأَعْمَى يَطُوفُ فِي الْبَيْتِ عَلَى مَتَاعٍ.
أَوْ مُجْتَهِدٌ فَتَمَسُّكُهُ بَعْدَ جِدِّهِ وَبَحْثِهِ بِالْعِلْمِ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ كَبَصِيرٍ اجْتَهَدَ فِي طَلَبِ الْمَتَاعِ مِنْ بَيْتٍ لَا عِلَّةَ فِيهِ مَخْفِيَّةٌ لَهُ فَيَجْزِمُ بِعَدَمِهِ لَا سِيَّمَا وَقَوَاعِدُ الشَّرْعِ قَدْ مُهِّدَتْ وَأَدِلَّتُهُ قَدِ اشْتُهِرَتْ وَظَهَرَتْ، فَعِنْدَ اسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ مِنَ الْأَهْلِ يُعْلَمُ أَنْ لَا دَلِيلَ.
ــ
" اسْتِصْحَابُ الْحَالِ ":
هَذَا هُوَ الْأَصْلُ الرَّابِعُ مِنَ الْأُصُولِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَهُوَ اسْتِصْحَابُ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ، الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُ عِنْدَ ذِكْرِ الْأُصُولِ أَوَّلَ الْكِتَابِ.
قَوْلُهُ: " وَحَقِيقَتُهُ " أَيْ: وَحَقِيقَةُ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ " التَّمَسُّكُ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ
стр. 1447
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَوْ شَرْعِيٍّ لَمْ يَظْهَرْ عَنْهُ نَاقِلٌ " أَيْ: لَمْ يَظْهَرْ دَلِيلٌ يَنْقُلُ عَنْ حُكْمِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ، لِأَنَّ الِاسْتِصْحَابَ تَارَةً يَكُونُ بِحُكْمِ دَلِيلِ الْعَقْلِ. كَاسْتِصْحَابِ حَالِ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، فَإِنَّ الْعَقْلَ دَلَّ عَلَى بَرَاءَتِهَا، وَعَدَمِ تَوَجُّهِ الْحُكْمِ إِلَى الْمُكَلَّفِ، كَقَوْلِنَا: الْأَصْلُ بَرَاءَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ، أَيْ: دَلَّ الْعَقْلُ عَلَى انْتِفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّتِهِ، لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُثْبِتُ مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَتَارَةً يَكُونُ الِاسْتِصْحَابُ بِحُكْمِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ كَاسْتِصْحَابِ حُكْمِ الْعُمُومِ وَالْإِجْمَاعِ.
أَمَّا إِذَا ظَهَرَ الدَّلِيلُ النَّاقِلُ عَنْ حُكْمِ الدَّلِيلِ الْمُسْتَصْحَبِ، وَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، كَالْبَيِّنَةِ الدَّالَّةِ عَلَى شُغْلِ ذِمَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ، وَتَخْصِيصِ الْعُمُومِ، وَتَرْكِ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: تَحْقِيقُ مَعْنَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ: هُوَ أَنَّ اعْتِقَادَ كَوْنِ الشَّيْءِ فِي الْمَاضِي أَوِ الْحَاضِرِ يُوجِبُ ظَنَّ ثُبُوتِهِ فِي الْحَالِ أَوِ الِاسْتِقْبَالِ.
وَيُمْكِنُ تَلْخِيصُ هَذَا بِأَنْ يُقَالَ: هُوَ ظَنُّ دَوَامِ الشَّيْءِ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ وُجُودِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَهُوَ - أَعْنِي هَذَا الظَّنَّ - حُجَّةٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، مِنْهُمْ: مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْمُزَنِيُّ، وَالصَّيْرَفِيُّ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزَّالِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، خِلَافًا لِجُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ.
стр. 1448
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَاعْلَمْ أَنَّ اسْتِصْحَابَ الْحَالِ مَبْنِيٌّ عَلَى أُصُولٍ نَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُرَتَّبَةً بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ:
فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي الْأَعْرَاضِ، وَهِيَ مَا لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ، بَلْ يَفْتَقِرُ فِي وُجُودِهِ إِلَى مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ، كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ تُوجَدُ شَيْئًا فَشَيْئًا كَالْحَرَكَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ قِسْمَانِ: قَارُّ الذَّاتِ، كَالسَّوَادِ وَسَائِرِ الْأَلْوَانِ، فَهَذَا يُوجَدُ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَيَسْتَمِرُّ، وَسَيَّالٌ لَيْسَ بِقَارِّ الذَّاتِ، كَالْحَرَكَاتِ الزَّمَانِيَّةِ، وَهِيَ حَرَكَاتُ الْفُلْكِ وَالنُّجُومِ وَغَيْرِهَا، فَهَذِهِ تُوجَدُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَهُوَ الْحَقُّ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي بَقَاءِ الْمَوْجُودِ ; هَلْ هُوَ عَرَضٌ قَارٌّ، أَوْ سَيَّالٌ يُوجَدُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ قَارٌّ كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ، لِأَنَّا لَا نَعْنِي بِبَقَاءِ الشَّيْءِ إِلَّا اسْتِمْرَارَ وُجُودِهِ، وَهِيَ صِفَةٌ ثَابِتَةٌ قَارَّةٌ، بِخِلَافِ الْحَرَكَةِ، فَإِنَّهَا سَيَّالَةٌ يُدْرَكُ سَيَلَانُهَا عَدَمًا أَوْ وُجُودًا، فَلَوْ كَانَ الْبَقَاءُ مِثْلَهَا، لِأُدْرِكَ كَمَا أُدْرِكَتْ، ثُمَّ بَنَوْا عَلَى هَذَا الْخِلَافِ أَنَّ الْبَاقِيَ ; هَلْ يَفْتَقِرُ فِي بَقَائِهِ إِلَى الْمُؤَثِّرِ أَمْ لَا؟ فَمَنْ قَالَ: الْبَقَاءُ عَرَضٌ قَارٌّ، قَالَ: لَا يَفْتَقِرُ كَمَا لَا يَفْتَقِرُ الْأَسْوَدُ فِي اسْوِدَادِهِ إِلَى مُسَوِّدٍ.
وَمَنْ قَالَ: هُوَ عَرَضٌ سَيَّالٌ، قَالَ: يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ، لِأَنَّ عَدَمَ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ يَتَعَقَّبُ وُجُودَهُ، وَبَقَاؤُهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَوَاصُلِ أَجْزَائِهِ، وَتَتَابُعُ أَجْزَاءِ مَا هَذَا
стр. 1449
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شَأْنُهُ بِدُونِ مُؤَثِّرٍ مُحَالٌ، ثُمَّ بَنَوْا عَلَى هَذَا اسْتِصْحَابَ الْحَالِ، وَهُوَ التَّمَسُّكُ بِالْمَعْهُودِ السَّابِقِ مِنْ نَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: الْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، لِأَنَّ الْبَاقِيَ إِنْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى مُؤَثِّرٍ، كَانَ الِاسْتِصْحَابُ حُجَّةً ; وَإِنِ احْتَاجَ، لَمْ يَكُنْ حُجَّةً لِجَوَازِ التَّغَيُّرِ لِعَدَمِ الْمُؤَثِّرِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اسْتِصْحَابَ الْحَالِ حُجَّةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعُقَلَاءَ مِنَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُمْ إِذَا تَحَقَّقُوا وُجُودَ الشَّيْءِ أَوْ عَدَمَهُ، وَلَهُ أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ بِهِ، سَوَّغُوا تَرْتِيبَ تِلْكَ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ زَمَانِ ذَلِكَ الْأَمْرِ، حَتَّى إِنَّ الْغَائِبَ يُرَاسِلُ أَهْلَهُ، وَيُرَاسِلُونَهُ، بِنَاءً عَلَى الْعِلْمِ بِوُجُودِهِمْ، وَوُجُودِهِ فِي الْمَاضِي، وَيُنْفِذُ إِلَيْهِمُ الْأَمْوَالَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، بِنَاءً عَلَى مَا ذُكِرَ، وَلَوْلَا أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، لَمَا سَاغَ لَهُمْ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اسْتِصْحَابَ الْحَالِ مِنْ لَوَازِمِ بِعْثَةِ الرُّسُلِ، وَبِعْثَةُ الرُّسُلِ حَقٌّ، فَلَازِمُهَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَقًّا.
أَمَّا أَنَّ اسْتِصْحَابَ الْحَالِ مِنْ لَوَازِمَ الْبِعْثَةِ، فَلِأَنَّ الرِّسَالَةَ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بَعْدَ ظُهُورِ الْمُعْجِزِ، وَهُوَ الْأَمْرُ الْخَارِقُ لِلْعَادَةِ، وَالْعَادَةُ هِيَ اطِّرَادُ وُقُوعِ الشَّيْءِ دَائِمًا، أَوْ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، فَالْأَوَّلُ كَدَوَرَانِ الشَّمْسِ وَالنُّجُومِ فِي أَفْلَاكِهَا، كَمَا قَالَ : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٣] ، وَالثَّانِي كَطُلُوعِهَا مِنَ الْمَشْرِقِ، وَغُرُوبِهَا فِي الْمَغْرِبِ، وَكَوُقُوعِ الْمَطَرِ فِي الشِّتَاءِ، وَزِيَادَةِ نَيْلِ مِصْرَ فِي أَيَّامِهِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ قَالَ قَائِلٌ: دَلِيلُ نُبُوَّتِي
стр. 1450
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَنَّ الشَّمْسَ لَا تَطْلُعُ الْيَوْمَ مِنَ الْمَشْرِقِ، أَوْ أَنَّهَا لَا تَغْرُبُ فِي الْمَغْرِبِ، بَلْ تَجُولُ فِي أَطْرَافِ الْفَلَكِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ; فَوَقَعَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ ; لَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِدْقِهِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِانْخِرَاقِ الْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ عَلَى يَدَيْهِ.
وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الِاسْتِصْحَابُ حُجَّةً، لَمَا كَانَ انْخِرَاقُ الْعَوَائِدِ عَلَى أَيْدِي الْأَنْبِيَاءِ حُجَّةً، لِجَوَازِ أَنْ تَتَغَيَّرَ أَحْكَامُ الْعَوَائِدِ وَأَحْوَالُهَا، فَلَا يَكُونُ الْخَارِقُ لِلْعَادَةِ أَمْسِ خَارِقًا لَهَا الْيَوْمَ، فَلَا يَكُونُ الْأَصْلُ بَقَاءَ مَا كَانَ مِنْ كَوْنِهِ خَارِقًا عَلَى مَا كَانَ، لَكِنْ لَمَّا رَأَيْنَا انْخِرَاقِ الْعَوَائِدِ حُجَّةً لِلْأَنْبِيَاءِ، دَلَّ عَلَى أَنَّ اسْتِصْحَابَ الْحَالِ حُجَّةٌ، لِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ عَهِدْنَا فِي اطِّرَادِ الْعَادَةِ أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ مِنَ الْمَشْرِقِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ ذَلِكَ عَلَى مَا كَانَ، فَهِيَ فِي هَذَا الْيَوْمِ تَطْلُعُ مِنَ الْمَشْرِقِ وَنَجْزِمُ بِهَذَا جَزْمًا عَادِيًّا، فَإِذَا امْتَنَعَ طُلُوعُهَا مِنَ الْمَشْرِقِ فِي هَذَا الْيَوْمِ، عَقِيبَ دَعْوَى الْمُدَّعِي لِلنُّبُوَّةِ، حَكَمْنَا بِكَوْنِهِ مُعْجِزًا، خَارِقًا لِلْعَادَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَصْلُ بَقَاءَ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ لَمَا كَانَ ذَلِكَ مُعْجِزًا، لِجَوَازِ تَغَيُّرِ الْعَادَةِ كَمَا سَبَقَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: " أَمَّا الْأَوَّلُ " ; يَعْنِي التَّمَسُّكَ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ لَمْ يَظْهَرْ عَنْهُ نَاقِلٌ، لِأَنَّا قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ اسْتِصْحَابَ الْحَالِ هُوَ " التَّمَسُّكُ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ لَمْ يَظْهَرْ
стр. 1451
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَنْهُ نَاقِلٌ " ثُمَّ أَخَذْنَا فِي تَفْصِيلِ ذَلِكَ. وَبَيَانِهِ.
أَيْ: أَمَّا أَنَّ الْتَمَسُّكَ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ لَمْ يَظْهَرْ عَنْهُ نَاقِلٌ حُجَّةٌ " فَلِأَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ: إِمَّا إِثْبَاتٌ " أَوْ نَفْيٌ ".
أَمَّا الْإِثْبَاتُ " فَالْعَقْلُ قَاصِرٌ عَنْهُ " أَيِ: الْعَقْلُ لَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ هَادٍ وَمُرْشِدٌ، لَا مُشَرِّعٌ وَمُوجِبٌ.
وَأَمَّا النَّفْيُ، أَيْ: نُفْيُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ " فَالْعَقْلُ دَلَّ عَلَيْهِ " " فَيُسْتَصْحَبُ ".
أَمَّا أَنَّ الْعَقْلَ دَلَّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ، فَلِأَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ، وَالْمَحْكُومَ بِهِ، وَالْمَحْكُومَ فِيهِ مِنْ لَوَازِمِ الْحُكْمِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعًا انْتِفَاءَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْعَالَمِ، وَنَعْلَمُ قَطْعًا انْتِفَاءَ الْعَالَمِ قَبْلَ وُجُودِهِ بِدُهُورٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَانْتِفَاءُ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ قَطْعًا. وَإِذَا ثَبَتَ لَنَا انْتِفَاءُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فِي وَقْتٍ مَا، اسْتَصْحَبْنَا حُكْمَ ذَلِكَ الِانْتِفَاءِ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ دَلِيلِ الِاسْتِصْحَابِ.
وَمَعْنَى الِاسْتِصْحَابِ: أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِوُجُودِ الشَّيْءِ أَوْ عَدَمِهِ مُصَاحِبًا لِاعْتِقَادِنَا، أَوْ لِقُلُوبِنَا وَأَذْهَانِنَا.
مِثَالُ اسْتِصْحَابِ نَفْيِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ: " عَدَمُ وُجُوبِ صَوْمِ شَوَّالٍ " وَغَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ سِوَى رَمَضَانَ، وَعَدَمُ " صَلَاةٍ سَادِسَةٍ " مَكْتُوبَةٍ، فَإِنَّا لَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَنُصَّ عَلَى ذَلِكَ، لَكَانَ الْعَقْلُ دَلِيلًا عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِصْحَابِ الْمَذْكُورِ، وَأَمْثِلَةُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَهِيَ كُلُّ حُكْمٍ نَصَّ الشَّرْعُ عَلَى نَفْيِهِ، أَوْ لَمْ
стр. 1452
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَنُصَّ عَلَى إِثْبَاتِهِ وَلَا نَفْيِهِ.
قَوْلُهُ: " فَإِنْ قِيلَ: هَذَا تَمَسُّكٌ بِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالنَّاقِلِ " إِلَى آخِرِهِ. هَذَا سُؤَالٌ عَلَى صِحَّةِ التَّمَسُّكِ بِالِاسْتِصْحَابِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالِاسْتِصْحَابِ إِنَّمَا يَصِحُّ مَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ النَّاقِلِ عَنْهُ، إِذْ لَوْ وُجِدَ الدَّلِيلُ النَّاقِلُ عَنْهُ، لَمَا كَانَ حُجَّةً، وَحِينَئِذٍ يَبْقَى التَّمَسُّكُ بِالِاسْتِصْحَابِ تَمَسُّكًا بِعَدَمِ الدَّلِيلِ النَّاقِلِ عَنْهُ، إِذْ مَعْنَى قَوْلِنَا: الْأَصْلُ بَقَاءُ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى النَّفْيِ، أَنَّا لَا نَعْلَمُ وُجُودَ دَلِيلٍ نَاقِلٍ لَهُ عَنِ النَّفْيِ إِلَى الْإِثْبَاتِ، وَإِذَا تَلَخَّصَ أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالِاسْتِصْحَابِ تَمَسُّكٌ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ النَّاقِلِ، فَالتَّمَسُّكُ بِالْعَدَمِ " تَمَسُّكٌ بِالْجَهْلِ " بِالدَّلِيلِ، وَالْجَهْلُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُتَمَسَّكًا عَلَى شَيْءٍ، وَلَعَلَّ الدَّلِيلَ النَّاقِلَ عَنِ الِاسْتِصْحَابِ مَوْجُودٌ لَمْ تَعْلَمُوهُ، فَيَكُونُ التَّمَسُّكُ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى النَّفْيِ.
قَوْلُهُ: " لِأَنَّا نَقُولُ " هَذَا جَوَابٌ عَنِ السُّؤَالِ الْمَذْكُورِ.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ " النَّاسَ: إِمَّا عَامِّيٌّ لَا يُمْكِنُهُ الْبَحْثُ وَالِاجْتِهَادُ " فِي طَلَبِ الدَّلِيلِ " أَوْ مُجْتَهِدٌ " يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ عَامِّيًّا، فَتَمَسُّكُهُ بِالِاسْتِصْحَابِ مَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ النَّاقِلِ ; هُوَ مِمَّا ذَكَرْتُمْ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالْجَهْلِ، فَهُوَ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ " كَالْأَعْمَى يَطُوفُ فِي الْبَيْتِ عَلَى مَتَاعٍ " وَآلَةُ الْبَصَرِ لَا تُسَاعِدُهُ عَلَى إِدْرَاكِهِ.
أَمَّا الْمُجْتَهِدُ الَّذِي يُمْكِنُهُ الْوُقُوفُ عَلَى الدَّلِيلِ " فَتَمَسُّكُهُ بَعْدَ " الْجِدِّ
стр. 1453
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالِاجْتِهَادِ فِي طَلَبِهِ إِنَّمَا هُوَ " بِالْعِلْمِ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ " لَا بِعَدَمِ الْعِلْمِ بِالدَّلِيلِ، فَهُوَ " كَبَصِيرٍ اجْتَهَدَ فِي طَلَبِ الْمَتَاعِ مِنْ بَيْتٍ لَا عِلَّةَ فِيهِ مُخْفِيَةٌ لَهُ " أَيْ: لِلْمَتَاعِ، أَيْ: لَيْسَ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ أَمْرٌ يَسْتُرُ الْمَتَاعَ، فَيُخْفِيهِ عَنْ طَالِبِهِ " فَيَجْزِمُ بِعَدَمِهِ " عِنْدَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْمُجْتَهِدُ إِذَا بَالَغَ فِي طَلَبِ الدَّلِيلِ، فَلَمْ يَجِدْهُ، جَزَمَ بِعَدَمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ، غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ، وَهُوَ كَافٍ فِي الْعَمَلِ " لَا سِيَّمَا وَقَوَاعِدُ الشَّرْعِ قَدْ مُهِّدَتْ، وَأَدِلَّتُهُ قَدِ اشْتُهِرَتْ وَظَهَرَتْ " وَفِي الدَّوَاوِينِ قَدْ دُوِّنَتْ " فَعِنْدَ اسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ " فِي طَلَبِ الدَّلِيلِ مِمَّنْ هُوَ أَهْلٌ لِلنَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ " يُعْلَمُ " أَنَّهُ " لَا دَلِيلَ " هُنَاكَ. وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الِاسْتِصْحَابُ مِنْهُ تَمَسُّكًا بِالْعِلْمِ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ النَّاقِلِ، لَا بِعَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ.
стр. 1454
وَأَمَّا الثَّانِي: فَكَاسْتِصْحَابِ الْعُمُومِ وَالنَّصِّ حَتَّى يَرِدَ مُخَصِّصٌ أَوْ نَاسِخٌ وَاسْتِصْحَابِ حُكْمٍ ثَابِتٍ كَالْمِلْكِ وَشَغْلِ الذِّمَّةِ بِالْإِتْلَافِ وَنَحْوِهِ.
أَمَّا اسْتِصْحَابُ حَالِ الْإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ كَالتَّمَسُّكِ فِي عَدَمِ بُطْلَانِ صَلَاةِ الْمُتَيَمِّمِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى صِحَّةِ دُخُولِهِ فِيهَا فَيُسْتَصْحَبُ، فَالْأَكْثَرُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَابْنِ شَاقِلَا.
لَنَا: الْإِجْمَاعُ إِنَّمَا حَصَلَ حَالَ عَدَمِ الْمَاءِ لَا وُجُودِهِ، فَهُوَ إِذَنْ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْخِلَافُ يُضَادُّ الْإِجْمَاعَ، فَلَا يَبْقَى مَعَهُ، كَالنَّفْيِ الْأَصْلِيِّ مَعَ السَّمْعِيِّ النَّاقِلِ، بِخِلَافِ الْعُمُومِ وَالنَّصِّ، وَدَلِيلِ الْعَقْلِ لَا يُنَافِيهَا الِاخْتِلَافُ فَيَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهَا مَعَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَنَافِي الْحُكْمِ يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ خِلَافًا لِقَوْمٍ، وَقِيلَ: فِي الشَّرْعِيَّاتِ فَقَطْ.
ــ
قَوْلُهُ: «وَأَمَّا الثَّانِي» وَهُوَ التَّمَسُّكُ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ لَمْ يَظْهَرْ عَنْهُ نَاقِلٌ ; فَهُوَ كَافٍ «كَاسْتِصْحَابِ الْعُمُومِ وَالنَّصِّ حَتَّى يَرِدَ مُخَصِّصٌ أَوْ نَاسِخٌ» أَيْ: كَاسْتِصْحَابِ حُكْمِ الْعُمُومِ حَتَّى يَرِدَ مُخَصِّصٌ لَهُ، وَاسْتِصْحَابِ حُكْمِ النَّصِّ حَتَّى يَرِدَ لَهُ نَاسِخٌ، وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلْتُ فِي عِبَارَتِي اللَّفَّ وَالنَّشْرَ، وَكَذَلِكَ «اسْتِصْحَابُ» كُلِّ «حُكْمٍ ثَابِتٍ، كَالْمِلْكِ» حَتَّى يُوجَدَ مَا يُزِيلُهُ، كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ «وَشَغْلِ الذِّمَّةِ» حَتَّى يُوجَدَ مَا يُفْرِغُهَا بِأَدَاءِ الدَّيْنِ إِنْ كَانَتْ مَشْغُولَةً بِدَيْنٍ، أَوْ بِأَدَاءِ قِيمَةِ الْمُتْلَفِ إِنْ كَانَتْ مَشْغُولَةً بِإِتْلَافِ شَيْءٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَّوَاغِلِ.
تَنْبِيهٌ: كُلُّ مَا كَانَ أَصْلًا فِي الدِّلَالَةِ وَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، حَتَّى
стр. 1455
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَقُومَ الدَّلِيلُ النَّاقِلُ عَنْهُ، فَاللَّفْظُ يُحْمَلُ عَلَى حَقِيقَتِهِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْمَجَازِ، وَعَلَى الْعُمُومِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ، وَعَلَى الْإِفْرَادِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الِاشْتِرَاكِ، وَعَلَى الِاسْتِقْلَالِ بِالدِّلَالَةِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْإِضْمَارِ، وَعَلَى الْإِطْلَاقِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ التَّقْيِيدِ، وَعَلَى التَّأْصِيلِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الزِّيَادَةِ، وَعَلَى التَّرْتِيبِ الْوَاقِعِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَعَلَى التَّأْسِيسِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ التَّأْكِيدِ، وَعَلَى الْإِحْكَامِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ النَّسْخِ، وَعَلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ اللُّغَوِيِّ إِذَا كَانَ اللَّفْظُ وَارِدًا مِنَ الشَّرْعِ، أَوْ بِالْعَكْسِ إِنْ كَانَ وَارِدًا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَعَلَى الْمَعْنَى الْعُرْفِيِّ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ اللُّغَوِيِّ، كُلُّ ذَلِكَ عَمَلًا بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ الرَّاجِحِ، وَالْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ مُتَعَيَّنٌ، فَالِاسْتِصْحَابُ إِذَنْ عَلَى ضَرْبَيْنِ: حُكْمِيٍّ، وَلَفْظِيٍّ.
قَوْلُهُ: «أَمَّا اسْتِصْحَابُ حَالِ الْإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ، كَالتَّمَسُّكِ فِي عَدَمِ بُطْلَانِ صَلَاةِ الْمُتَيَمِّمِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ بِالْإِجْمَاعِ» أَيْ: بِأَنْ يُقَالَ: أَجْمَعْنَا «عَلَى صِحَّةِ دُخُولِهِ فِيهَا» أَيْ: فِي الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ «فَيُسْتَصْحَبُ» حَالُ تِلْكَ الصِّحَّةِ «فَالْأَكْثَرُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَابْنِ شَاقِلَا» .
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: مَنَعَ الْغَزَّالِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ مِنِ اسْتِصْحَابِ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ، وَجَوَّزَهُ آخَرُونَ. قَالَ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ، كَمَا نَقُولُ: أَجْمَعْنَا عَلَى حُصُولِ الطَّهَارَةِ مِنَ الْحَدَثِ قَبْلَ خُرُوجِ الْخَارِجِ
стр. 1456
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النَّجِسِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، فَيَسْتَصْحِبُهَا بَعْدَ خُرُوجِهِ.
قُلْتُ: وَكَذَا قَوْلُنَا: أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ هَذَا مَالِكٌ لِلصَّيْدِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، فَيَسْتَصْحِبُ حُكْمَ الْمِلْكِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَأَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ هَذَا مَالِكٌ لِمَا فِي يَدِهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ، فَيَسْتَصْحِبُ الْمِلْكَ بَعْدَ الرِّدَّةِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْمِعْمَارِ الْبَغْدَادِيُّ: قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَالصَّيْرَفِيُّ: وَهُوَ دَلِيلٌ يَعْنِي اسْتِصْحَابَ حَالِ الْإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ.
قَوْلُهُ: «لَنَا:» أَيْ: عَلَى أَنَّ هَذَا الِاسْتِصْحَابَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَنَّ «الْإِجْمَاعَ» فِي صُورَةِ التَّيَمُّمِ مَثَلًا «إِنَّمَا حَصَلَ حَالَ عَدَمِ الْمَاءِ» . أَمَّا حَالَ وُجُودِهِ «فَهُوَ» «مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَالْخِلَافُ يُضَادُّ الْإِجْمَاعَ» فَلَا يَجْتَمِعَانِ، وَلَا يَبْقَى الْإِجْمَاعُ مَعَ الْخِلَافِ حَالَ عَدَمِ الْمَاءِ مَثَلًا، كَمَا أَنَّ النَّفْيَ الْأَصْلِيَّ الدَّالَّ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ لَا يَبْقَى مَعَ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ النَّاقِلِ عَنْ حُكْمِ النَّافِي، لِكَوْنِهِ يُضَادُّهُ. وَهَذَا «بِخِلَافِ الْعُمُومِ وَالنَّصِّ، وَدَلِيلِ الْعَقْلِ» كَالْقِيَاسِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْحُكْمِ «لَا يُنَافِيهَا» «فَيَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهَا» مَعَ الِاخْتِلَافِ، وَلَا كَذَلِكَ الْإِجْمَاعُ، فَإِنَّ الْخِلَافَ يُنَافِيهِ، فَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ مَعَهُ.
احْتَجَّ الْخَصْمُ بِأَنَّ الْحُكْمَ ثَابِتٌ قَبْلَ الْخِلَافِ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْأَصْلُ فِي كُلِّ مُتَحَقِّقٍ دَوَامُهُ لِمَا سَبَقَ، فَيَكُونُ هَذَا الْحُكْمُ دَائِمَ الثُّبُوتِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
стр. 1457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ مُتَحَقِّقٍ دَوَامُهُ مَا لَمْ يُوجَدْ مَا يُنَافِيهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْخِلَافَ الْحَادِثَ يُنَافِي الْإِجْمَاعَ الْأَوَّلَ، فَلَا يَبْقَى الْحُكْمُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَأَيْضًا ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ يَسْتَدْعِي دَلِيلًا، وَالْأَدِلَّةُ مُنْحَصِرَةٌ فِي النَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ، وَالْقِيَاسِ، وَالِاسْتِدْلَالِ، وَلَا شَيْءَ مِنْهَا فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ فِي صُورَةِ التَّيَمُّمِ وَالطَّهَارَةِ قَبْلَ خُرُوجِ الْخَارِجِ مَثَلًا.
فَإِنْ قِيلَ: الِاسْتِصْحَابُ ضَرْبٌ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ.
قُلْنَا: إِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ، فَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا يُنَافِيهِ، فَلَا يَبْقَى مَعَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَائِدَةٌ: الْقَاعِدَةُ الْعَقْلِيَّةُ وَالشَّرْعِيَّةُ: أَنَّ الْأَقْوَى لَا يُرْفَعُ بِالْأَضْعَفِ، فَقَدْ يُقَالُ عَلَى هَذَا: إِنَّ الْبَرَاءَةَ الْأَصْلِيَّةَ قَاطِعَةٌ، وَقَدْ رَفَعَهَا الشَّرْعُ بِالْقِيَاسِ فِي التَّكْلِيفَاتِ، وَبِالْبَيِّنَةِ الشَّرْعِيَّةِ كَرَجُلَيْنِ، وَرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَهَذِهِ أُمُورٌ ظَنِّيَّةٌ قَدْ رَفَعَتِ الْبَرَاءَةَ الْقَاطِعَةَ، فَإِنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا بَرَاءَةَ الْوَاحِدِ مِنَّا مِنْ وُجُوبِ غَسْلِ النَّجَاسَةِ مِنْ وُلُوغٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَمِنْ تَحْرِيمِ شُرْبِ النَّبِيذِ، ثُمَّ شَغَلْنَا ذِمَّتَهُ بِوُجُوبِ غَسْلِ النَّجَاسَةِ بِقَوْلِهِ ﵇: حُتِّيهِ ثُمَّ اقْرُصِيهِ، ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ، ثُمَّ صَلِّي فِيهِ، وَبِقَوْلِهِ ﵇: إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ. . . الْحَدِيثَ، وَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أُمِرْنَا أَنْ نَغْسِلَ الْأَنْجَاسَ سَبْعًا. وَشَغَلْنَاهَا بِتَحْرِيمِ النَّبِيذِ بِقِيَاسِهِ عَلَى الْخَمْرِ فَكَيْفَ هَذَا؟
стр. 1458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْجَوَابُ: أَمَّا التَّكَالِيفُ الشَّرْعِيَّةُ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَمِ مِنْهَا، بَلِ الْأَصْلُ اشْتِغَالُهَا بِهَا، نَظَرًا إِلَى أَنَّ اللَّهَ لَمَّا اسْتَخْرَجَ الذُّرِّيَّةَ مِنْ صُلْبِ آدَمَ ﵇ أَمَرَهُمْ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدُوا، ثُمَّ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ أَنَّهُ إِذَا أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ بِالتَّوْحِيدِ، وَالتَّكَالِيفِ بِالْعِبَادَاتِ أَنْ يُطِيعُوا، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٧٢] . فَمِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ ; الذِّمَمُ مَشْغُولَةٌ بِالتَّوْحِيدِ وَأَحْكَامِهِ وَفُرُوعِهِ، وَهُوَ ثَابِتٌ بِحَقِّ الْأَصْلِ فِيهَا.
وَإِنَّمَا انْقَطَعَ التَّكْلِيفُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا فِيمَا بَيْنَ يَوْمِ أَخْذِ الْمِيثَاقِ عَلَيْهِ، وَيَوْمِ بُلُوغِهِ حَدَّ التَّكْلِيفِ، لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ، لِكَوْنِهِ مَعْدُومًا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي عِلْمِ اللَّهِ كَمَا يَنْقَطِعُ فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ التَّكْلِيفِ الشَّرْعِيِّ، بِالْجُنُونِ وَالْحَيْضِ، وَبِأَسْبَابِ الرُّخَصِ. وَحِينَئِذٍ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسُ لَيْسَ رَافِعًا لِلْبَرَاءَةِ الْقَاطِعَةِ مِنَ التَّكْلِيفِ، بَلْ مُؤَكِّدٌ وَمُجَدِّدٌ لِاشْتِغَالِهَا الْأَصْلِيِّ بِهِ، وَالضَّعِيفُ قَدْ يُؤَكِّدُ الْقَوِيَّ وَلَا يَرْفَعُهُ، وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ: الْأَصْلُ عَدَمُ التَّكْلِيفِ ; إِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى زَمَنِ وُجُودِ الْمُكَلَّفِ فِي هَذِهِ
стр. 1459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْحَيَاةِ، وَهَذِهِ النَّشْأَةِ، أَمَّا بِالنَّظَرِ إِلَى أَوَّلِ أَزْمِنَةِ التَّكْلِيفِ، فَهُوَ يَوْمُ أَخْذِ الْمِيثَاقِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ النَّظَرُ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِهِ يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ الْمَذْكُورُ.
وَأَمَّا رَفْعُ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِالْبَيِّنَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْمُعَامَلَاتِ، فَنَقُولُ: الْمَقْطُوعُ بِهِ فِي الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ عَدَمِ اشْتِغَالِهَا بِالْحَقِّ الْمُدَّعَى بِهِ.
أَمَّا دَوَامُ ذَلِكَ الْعَدَمِ إِلَى حِينِ الدَّعْوَى، فَلَا قَاطِعَ بِهِ، لِاحْتِمَالِ أَنَّ هَذَا الْغَرِيمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ الْأَصْلِيَّةِ مِنْ حَقِّ خَصْمِهِ، شَغَلَهَا بِأَنْ غَصَبَهُ، أَوِ اقْتَرَضَ مِنْهُ، أَوِ اشْتَرَى مِنْهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَالْمُدَّعِي يَدَّعِي تَجْدِيدَ شَغْلِ ذِمَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ فَرَاغِهَا، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَيَدَّعِي اسْتِمْرَارَ فَرَاغِ ذِمَّتِهِ وَدَوَامَهُ، فَصَارَ اخْتِلَافُهُمَا فِي دَوَامِ فَرَاغِ الذِّمَّةِ وَعَدَمِهِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى فَرَاغِهَا الْأَصْلِيِّ، كَالِاخْتِلَافِ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْإِجْمَاعِ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ. وَحِينَئِذٍ لَا تَكُونُ الْبَيِّنَةُ الشَّرْعِيَّةُ الظَّنِّيَّةُ رَافِعَةً لِأَمْرٍ قَطْعِيٍّ، لِأَنَّ الْقَطْعِيَّ هُوَ ثُبُوتُ مُجَرَّدِ عَدَمِ شَغْلِ الذِّمَّةِ، وَالْبَيِّنَةُ لَا تَرْفَعُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَرْفَعُ دَوَامَ ذَلِكَ الْعَدَمِ، وَهُوَ ظَنِّيٌّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَصَارَتِ الْبَيِّنَةُ كَالْمُرَجِّحِ لِقَوْلِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ الْمُتَنَازِعَيْنِ، وَهُوَ الْمُدَّعِي.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا تَقْرِيرٌ مُتَّجِهٌ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا قَرَّرَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَنَّ الْبَيِّنَةَ إِنَّمَا جُعِلَتْ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لِأَنَّ جَانِبَ الْمُدَّعِي ضَعِيفٌ، لِدَعْوَاهُ خِلَافَ الْأَصْلِ، وَهُوَ اشْتِغَالُ ذِمَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فَرَاغُهَا، وَجَانِبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَوِيٌّ لِدَعْوَاهُ وَفْقَ الْأَصْلِ، وَهُوَ فَرَاغُ ذِمَّتِهِ
стр. 1460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِنَ الْحَقِّ، وَالْبَيِّنَةُ أَقْوَى مِنَ الْيَمِينِ، فَجُعِلَتِ الْحُجَّةُ الَّتِي هِيَ أَقْوَى فِي جَانِبِ الْأَضْعَفِ، وَالَّتِي هِيَ أَضْعَفُ فِي جَانِبِ الْأَقْوَى تَعْدِيلًا.
قُلْنَا: هَذَا لَا يُشْكِلُ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ؛ لِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَقْتَضِي كَوْنَ جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُنْكِرُ رَاجِحًا، لَكِنَّ الرُّجْحَانَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَاطِعًا أَوْ غَيْرَ قَاطِعٍ، وَرُجْحَانُ جَانِبِ الْمُنْكِرِ غَيْرُ قَاطِعٍ؛ لِمَا قَرَّرْنَاهُ مِنَ اخْتِلَافِهِمَا فِي دَوَامِ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ الْقَاطِعَةِ.
وَحِينَئِذٍ نَقُولُ: جَانِبُ الْمُنْكِرِ رَاجِحٌ لِحُصُولِ الْقَطْعِ بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ بِالْجُمْلَةِ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ. فَلِهَذَا الرُّجْحَانِ ضَمَمْنَا إِلَيْهِ الْحُجَّةَ الضَّعِيفَةَ، وَهِيَ الْيَمِينُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ الرُّجْحَانُ قَاطِعًا، حَتَّى يَكُونَ رَفْعُهُ بِالْبَيِّنَةِ الشَّرْعِيَّةِ رَفْعًا لِلْقَاطِعِ بِالظَّنِّيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: «وَنَافِي الْحُكْمِ يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ، خِلَافًا لِقَوْمٍ. وَقِيلَ: فِي الشَّرْعِيَّاتِ فَقَطْ» .
اعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي الْمُسْتَدِلِّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ كَقَوْلِهِ: مَا الْأَمْرُ كَذَا، أَوْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَا، فَالْمَشْهُورُ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ الَّذِي ادَّعَى نَفْيَهُ، وَلَا يَكْفِيهِ مُجَرَّدُ دَعْوَى النَّفْيِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ عَلَى النَّفْيِ، كَأَنَّهُمُ اكْتَفَوْا بِكَوْنِ دَعْوَاهُ مُوَافِقَةً لِلْأَصْلِ، وَهُوَ عَدَمُ الْأَشْيَاءِ وَانْتِفَاؤُهَا، فَمَنِ ادَّعَى وُجُودَهَا وَثُبُوتَهَا، فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَلِهَذَا بَنَى بَعْضُهُمْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَنَّ الِاسْتِصْحَابَ حُجَّةٌ أَمْ لَا؟
إِنْ قُلْنَا: هُوَ حُجَّةٌ، فَلَا دَلِيلَ عَلَى النَّافِي
وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ بِحُجَّةٍ، فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ.
стр. 1461
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قُلْتُ: وَهَذَا التَّفْرِيعُ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا رُجْحَانَ وُجُوبِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ مَعَ قَوْلِنَا: إِنَّ الِاسْتِصْحَابَ حُجَّةٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَصْلٌ بِنَفْسِهَا.
وَقَالَ آخَرُونَ: يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ «فِي الشَّرْعِيَّاتِ» نَحْوُ: لَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِلصَّلَاةِ، وَلَا يَلْزَمُهُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ نَحْوُ: لَيْسَ الْعَالَمُ بِقَدِيمٍ.
стр. 1462
لَنَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ وَالدَّعْوَى نَفْيُهُ، وَلِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْخَصْمَيْنِ يُمْكِنُهُ التَّعْبِيرُ عَنْ دَعْوَاهُ بِعِبَارَةٍ نَافِيَةٍ، كَقَوْلِ مُدَّعِي حُدُوثَ الْعَالَمِ: لَيْسَ بِقَدِيمٍ، وَقِدَمُهُ لَيْسَ بِمُحْدَثٍ، فَيَسْقُطُ الدَّلِيلُ عَنْهُمَا فَتَعُمُّ الْجَهَالَةُ وَيَقَعُ الْخَبْطُ وَيَضِيعُ الْحَقُّ، وَطَرِيقُ الدَّلَالَةِ عَلَى النَّفْيِ بَيَانُ لُزُومِ الْمُحَالِ مِنَ الْإِثْبَاتِ وَنَحْوِهِ.
قَالُوا: النَّفْيُ أَصْلِيُّ الْوُجُودِ، فَاسْتُغْنِيَ عَنِ الدَّلِيلِ، وَلِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّيْنُ لَا يَلْزَمُهُ دَلِيلٌ.
قُلْنَا: الِاسْتِغْنَاءُ عَنِ الدَّلِيلِ لَا يُسْقِطُهُ، وَتَعَذُّرُهُ مَمْنُوعٌ، وَانْتِفَاءُ الدَّلِيلِ عَنِ الْمَدِينِ مَمْنُوعٌ، إِذِ الْيَمِينُ دَلِيلٌ، وَإِنْ سُلِّمَ فَلِتَعَذُّرِهِ، إِذِ الشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْيِ بَاطِلَةٌ لِتَعَذُّرِهَا، وَلِأَنَّ ثُبُوتَ يَدِهِ عَلَى مِلْكِهِ أَغْنَاهُ عَنِ الدَّلِيلِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إِجْمَاعِيٌّ كَنَفْيِ صَلَاةِ الضُّحَى، أَوْ نَصِّيٌّ كَنَفْيِ زَكَاةِ الْحُلِيِّ، أَوْ قِيَاسِيٌّ كَإِلْحَاقِ الْخُضْرَاوَاتِ بِالرُّمَّانِ فِي نَفْيِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَعَلَى نَفْيِ الْعَقْلِيِّ مَا سَبَقَ.
ــ
قَوْلُهُ: «لَنَا:» ، أَيْ: عَلَى أَنَّ نَافِيَ الْحُكْمِ يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّهَ أَلْزَمَ النَّافِيَ الدَّلِيلَ فِي مَقَامِ الْمُنَاظَرَةِ، فَلَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ، لَمَا أَلْزَمَهُ إِيَّاهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَدْلٌ فِي مُنَاظَرَتِهِ، وَسَائِرِ أَفْعَالِهِ.
وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ حِكَايَةً عَنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى:
стр. 1463
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [الْبَقَرَةِ: ١١١] ، فَهَذِهِ دَعْوَى نَافِيَةٌ، فَأَجَابَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١١١] ، ثُمَّ أَمَرَ نَبِيَّهُ ﵇ بِمُطَالَبَتِهِمْ بِدَلِيلِ دَعْوَاهُمُ النَّافِيَةِ، فَقَالَ : ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١١١] ، أَيْ: أَقِيمُوا الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى، وَهُوَ إِلْزَامٌ بِالدَّلِيلِ عَلَى دَعْوَى النَّفْيِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ نَافِيَ الْحُكْمِ لَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ الدَّلِيلُ، لَضَاعَ الْحَقُّ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَتَعَطَّلَ، لَكِنَّ تَعَطُّلَ الْحَقِّ بَاطِلٌ، فَالْمُفْضِي إِلَيْهِ بَاطِلٌ، إِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَلْزَمْهُ لَتَعَطَّلَ الْحَقُّ، «لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْخَصْمَيْنِ يُمْكِنُهُ» أَنْ يُعَبِّرَ «عَنْ دَعْوَاهُ بِعِبَارَةٍ نَافِيَةٍ» فَيَقُولُ الْمُدَّعِي لِحُدُوثِ الْعَالَمِ: «لَيْسَ بِقَدِيمٍ» وَيَقُولُ الْمُدَّعِي لِقِدَمِهِ: «لَيْسَ بِمُحْدَثٍ» . وَحِينَئِذٍ «يَسْقُطُ الدَّلِيلُ عَنْهُمَا» لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَافٍ لِلْحُكْمِ، وَإِذَا سَقَطَ الدَّلِيلُ عَنْهُمَا ضَاعَ الْحَقُّ، فَلَمْ يُعْلَمْ فِي أَيِّ طَرَفٍ هُوَ، إِذْ لَا يَظْهَرُ الْحَقُّ إِلَّا بِدَلِيلٍ. وَحِينَئِذٍ «تَعُمُّ الْجَهَالَةُ، وَيَقَعُ الْخَبْطُ» فِي الْأَحْكَامِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ تَعَطُّلَ الْحَقِّ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَوْ تَعَطَّلَ لَقَامَ الْبَاطِلُ، إِذْ هُمَا ضِدَّانِ، أَوْ نَقِيضَانِ، لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَقِيَامُ الْبَاطِلِ وَظُهُورُهُ بَاطِلٌ، فَثَبَتَ أَنَّ سُقُوطَ الدَّلِيلِ عَنِ النَّافِي بَاطِلٌ.
стр. 1464
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَوْلُهُ: «وَطَرِيقُ الدَّلَالَةِ عَلَى النَّفْيِ بَيَانُ لُزُومِ الْمُحَالِ مِنَ الْإِثْبَاتِ وَنَحْوِهِ» أَيْ: إِذَا ثَبَتَ أَنَّ النَّافِيَ يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ، فَطَرِيقُ الدَّلَالَةِ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ بَيَانُ لُزُومِ الْمُحَالِ مِنْ إِثْبَاتِهِ؛ لِأَنَّ مَا لَزِمَ مِنْهُ الْمُحَالُ يَكُونُ مُحَالًا، فَإِذَا لَزِمَ الْمُحَالُ مِنَ النَّفْيِ كَانَ النَّفْيُ مُحَالًا، فَيَكُونُ الْإِثْبَاتُ حَقًّا، إِذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا.
مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: الْعَالَمُ لَيْسَ بِقَدِيمٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَدِيِمًا لَلَزِمَ تَأْثِيرُ إِرَادَةِ الصَّانِعِ وَقُدْرَتِهِ فِيهِ، لَكِنَّ تَأْثِيرَ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ فِي الْقَدِيمِ مُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ أَثَرًا، وَكُلُّ أَثَرٍ مُحْدَثٍ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَنْقَلِبَ الْقَدِيمُ مُحْدَثًا، وَهُوَ مُحَالٌ، فَهَذَا الْمُحَالُ قَدْ لَزِمَ مِنْ إِثْبَاتِ قِدَمِ الْعَالَمِ، فَيَكُونُ مُحَالًا، وَإِذَا اسْتَحَالَ الْقِدَمُ، تَعَيَّنَ الْحُدُوثُ، إِذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ بِغَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ، عَلَى حَسَبِ مَا يَتَّفِقُ لِلْمُسْتَدِلِّ، وَيَسْنَحُ لِخَاطِرِهِ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: «قَالُوا:» إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: احْتَجَّ النَّافُونَ لِوُجُوبِ الدَّلِيلِ عَلَى النَّافِي بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ «النَّفْيَ أَصْلِيُّ الْوُجُودِ» يَعْنِي أَنَّهُ ثَابِتٌ بِالْأَصْلِ، إِذِ الْعَالَمُ عِبَارَةٌ عَمَّا سِوَى اللَّهِ ، فَكُلُّ شَيْءٍ يُسْتَدَلُّ عَلَى نَفْيِهِ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ الْعَالَمِ، وَالْأَصْلُ فِي الْعَالَمِ الْعَدَمُ وَالِانْتِفَاءُ، وَإِذَا كَانَ الْعَدَمُ وَالِانْتِفَاءُ ثَابِتًا بِحَقِّ الْأَصْلِ، اسْتُغْنِيَ عَنْ إِقَامَةِ الدَّلِيلِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ «الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّيْنُ» أَيْ: مَنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ دَيْنٌ «لَا
стр. 1465
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَلْزَمُهُ دَلِيلُ» بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ؛ لِثُبُوتِهَا بِحَقِّ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا تَلْزَمُ الْبَيِّنَةُ الْمُدَّعِيَ؛ لِدَعْوَاهُ خِلَافَ الْأَصْلِ، وَهُوَ ثُبُوتُ الْحَقِّ بَعْدَ انْتِفَائِهِ، وَهَذَانَ الْوَجْهَانِ مَرْجِعُهُمَا أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ اسْتِغْنَاءُ مَا ثَبَتَ بِحَقِّ الْأَصْلِ عَنِ الدَّلِيلِ.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا:» إِلَى آخِرِهِ، أَيِ: الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرْتُمُوهُ: أَنَّ «الِاسْتِغْنَاءَ عَنِ الدَّلِيلِ لَا يُسْقِطُهُ» إِذَا قَامَ دَلِيلُ وُجُوبِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ بِمَا سَبَقَ، «وَتَعَذُّرُهُ مَمْنُوعٌ» . أَيْ: إِنِ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّ الدَّلِيلَ مُتَعَذِّرٌ عَلَى النَّفْيِ مُطْلَقًا، أَوْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، مَنَعْنَا تَعَذُّرَهُ مُطْلَقًا بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ إِمْكَانِهِ بِبَيَانِ لُزُومِ الْمُحَالِ مِنَ الْإِثْبَاتِ، وَأَمَّا «انْتِفَاءُ الدَّلِيلِ عَنِ» الْمَدْيُونِ، فَمَمْنُوعٌ أَيْضًا، إِذْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُنْكِرَ الدَّيْنِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَهُوَ الْيَمِينُ، وَهِيَ وَإِنْ قَصُرَتْ فِي الْقُوَّةِ عَنِ الْبَيِّنَةِ، لَا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا دَلِيْلًا، إِذِ الْأَدِلَّةُ مِنْهَا الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْيَمِينَ لَيْسَتْ دَلِيلًا، فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الدَّلِيلَ إِنَّمَا سَقَطَ عَنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّا لَوْ كَلَّفْنَاهُ دَلِيلًا، لَكَانَ دَلِيلُهُ الْبَيِّنَةَ، كَمَا فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي، لَكِنَّ الْبَيِّنَةَ إِنَّمَا تَصِحُّ شَهَادَتُهَا بِالْإِثْبَاتِ، فَلَوْ أَوْجَبْنَاهَا فِي جَانِبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لَكَانَتْ شَهَادُتُهَا لَهُ بِالنَّفْيِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمُدَّعِي قِبَلَهُ، لَكِنَّ «الشَّهَادَةَ عَلَى النَّفْيِ بَاطِلَةٌ» ؛ لِجَوَازِ ثُبُوتِ الْحَقِّ فِي حَالِ نَوْمِهَا، أَوْ غَفْلَتِهَا، أَوْ غَيْبَتِهَا وَضَبْطِهَا لِلزَّمَانِ، بِحَيْثُ تَحَقَّقَ أَنَّ الْحَقَّ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ مُتَعَذِّرٌ، فَسَقَطَ الدَّلِيلُ عَنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَاهُنَا لِتَعَذُّرِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِ الدَّلِيلِ فِي
стр. 1466
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَوْضِعٍ خَاصٍّ لِمَانِعٍ خَاصٍّ سُقُوطُهُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِمَا إِذَا كَانَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَدٌ، كَمَا لَوِ ادَّعَى زَيْدٌ عَيْنًا فِي يَدِ عَمْرٍو، فَأَنْكَرَهُ عَمْرٌو، فَعَمْرٌو لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ يَدِهِ عَلَى مِلْكِهِ قَامَ مَقَامَ الدَّلِيلِ، فَأَغْنَاهُ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: «وَالدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إِجْمَاعِيٌّ» إِلَى آخِرِهِ. هَذَا بَيَانُ أَنْوَاعِ مَدَارِكِ نَفْيِ الْحُكْمِ ، أَيْ: حَيْثُ قَدْ أَثْبَتْنَا أَنَّ نَافِيَ الْحُكْمَ يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ مُطْلَقًا، فَالْحُكْمُ إِمَّا شَرْعِيٌّ أَوْ عَقْلِيٌّ.
أَمَّا الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ، فَقَدْ يَكُونُ مَدْرَكُ نَفْيِهِ الْإِجْمَاعَ، «كَنَفْيِ» وُجُوبِ «صَلَاةِ الضُّحَى» ، فَإِنَّهَا بِالْإِجْمَاعِ لَا تَجِبُ، لَكِنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ، وَقَدْ يَكُونُ مَدْرَكُهُ النَّصَّ، «كَنَفْيِ زَكَاةِ الْحُلِيِّ» وَالْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ بِقَوْلِهِ ﵇: لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ وَلَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِي الْكُسْعَةِ وَلَا فِي الْجَبْهَةِ صَدَقَةٌ وَالْكُسْعَةُ: الْحَمِيرُ، وَالْجَبْهَةُ:
стр. 1467
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْخَيْلُ، وَقَدْ يَكُونُ مَدْرَكُهُ الْقِيَاسَ، كَقَوْلِنَا: لَا زَكَاةَ فِي الْخُضْرَاوَاتِ، بِالْقِيَاسِ عَلَى الرُّمَّانِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا زَكَاةَ فِيهِ.
وَأَمَّا الْحُكْمُ الْعَقْلِيُّ، فَالدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِهِ «مَا سَبَقَ» يَعْنِي مِنْ لُزُومِ الْمُحَالِ مِنْ إِثْبَاتِهِ، وَدَلِيلُ التَّلَازُمِ نَحْوُ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٢٢] ، لَكِنَّهُمَا مَا فَسَدَتَا، فَلَزِمَ أَنْ لَا إِلَهَ فِيهِمَا إِلَّا اللَّهُ؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ، وَفَسَادُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَازِمٌ لِوُجُودِ إِلَهَيْنِ فَأَكْثَرَ، فَانْتِفَاءُ الْفَسَادِ فِيهِمَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ آلِهَةٍ غَيْرِ اللَّهِ فِيهِمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1468
الْأُصُولُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا أَرْبَعَةٌ:
أَحَدُهَا: شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا مَا لَمْ يَرِدْ نَسْخُهُ - شَرْعٌ لَنَا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، اخْتَارَهُ التَّمِيمِيُّ وَالْحَنَفِيَّةُ، وَالثَّانِي: لَا، وَلِلشَّافِعِيَّةِ كَالْقَوْلَيْنِ.
الْمُثْبَتُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ﴾ الْآيَةَ، وَدِلَالَتُهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ ، ﴿اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ ، ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ ، وَقَالَ ﷺ : «كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ» ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ: السِّنُّ بِالسِّنِّ إِلَّا مَا حُكِيَ فِيهِ عَنِ التَّوْرَاةِ، وَرَاجَعَ ﷺ التَّوْرَاةَ فِي رَجْمِ الزَّانِيَيْنِ، وَاسْتَدَلَّ بِـ ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ عَلَى قَضَاءِ الْمَنْسِيَّةِ عِنْدَ ذِكْرِهَا.
وَأُجِيبُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَاتِ: التَّوْحِيدُ وَالْأُصُولُ الْكُلِّيَّةُ، وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الشَّرَائِعِ، وَ «كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ» إِشَارَةٌ إِلَى عُمُومِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾ ، أَوِ ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ عَلَى قِرَاءَةِ الرَّفْعِ، وَمُرَاجَعَتُهُ التَّوْرَاةَ تَحْقِيْقًا لِكَذِبِهِمْ وَإِنَّمَا حَكَمَ بِالْقُرْآنِ، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ قِيَاسٌ أَوْ تَأْكِيدٌ لِدَلِيلِهِ بِهِ، أَوْ عَلِمَ عُمُومَهُ لَهُ، لَا حُكْمٌ بِشَرْعِ مُوسَى.
ــ
" الْأُصُولُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا أَرْبَعَةٌ ":
لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى الْأُصُولِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَهِيَ: الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ، وَالْإِجْمَاعُ، وَاسْتِصْحَابُ الْحَالِ، أَخَذَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْأُصُولِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ أَيْضًا: شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ، وَالِاسْتِحْسَانُ، وَالِاسْتِصْلَاحُ.
قَوْلُهُ: " أَحَدُهَا "، أَيْ: أَحَدُ الْأُصُولِ الْمَذْكُورَةِ: " شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا مَا لَمْ يَرِدْ نَسْخُهُ - شَرْعٌ لَنَا ". أَيْ: شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا إِنْ وَرَدَ نَاسِخُهُ فِي شَرْعِنَا، فَلَيْسَ شَرْعًا
стр. 1469
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَنَا، وَإِنْ لَمْ يَرِدْ لَهُ نَاسِخٌ فِي شَرْعِنَا، فَهُوَ شَرْعٌ لَنَا " فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ " عَنْ أَحْمَدَ، وَ " اخْتَارَهُ التَّمِيمِيُّ " مِنْ أَصْحَابِنَا " وَالْحَنَفِيَّةُ ".
قَالَ الْآمِدِيُّ: هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْقَوْلُ " الثَّانِي " لَيْسَ شَرْعًا لَنَا، " وَلِلشَّافِعِيَّةِ كَالْقَوْلَيْنِ ".
قَالَ الْآمِدِيُّ: وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَاخْتَارَهُ.
قَوْلُهُ: " الْمُثْبِتُ " أَيِ: احْتَجَّ الْمُثْبِتُ لِكَوْنِهِ شَرْعًا لَنَا بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤٤] " وَدَلَالَتُهَا مِنْ وَجْهَيْنِ ":
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَعَلَهَا مُسْتَنَدًا لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُ فِي آخِرِهَا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤٤] ، وَهُوَ عَامٌّ فِي الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ.
الْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ أَدِلَّةِ الْمَسْأَلَةِ: قَوْلُهُ مُخَاطِبًا لِنَبِيِّنَا ﵇: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٩٠] يَعْنِي أَنْبِيَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَمْرُهُ لَهُ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ يَقْتَضِي أَنَّ شَرْعَهُمْ شَرْعٌ لَهُ قَطْعًا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النَّحْلِ: ١٢٣] ; أَمَرَهُ بِاتِّبَاعِ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ، وَهِيَ مِنْ شَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْإِخْبَارِ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
стр. 1470
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٦١] ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُتَعَبَّدٌ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُ : ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشُّورَى: ١٣] الْآيَةَ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّرْعَيْنِ سَوَاءٌ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِتَرْجَمَةِ الْمَسْأَلَةِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي قِصَّةِ الرُّبَيِّعِ بِالْقِصَاصِ فِي السِّنِّ، " وَقَالَ: كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ: السِّنُّ بِالسِّنِّ إِلَّا مَا حُكِيَ فِيهِ عَنِ التَّوْرَاةِ " بِقَوْلِهِ : " ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ : ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤٥] ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ ﵇ قَضَى بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَلَمْ يَكُنْ شَرْعًا لَهُ، لَمَّا قَضَى بِهِ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " رَاجَعَ التَّوْرَاةَ فِي رَجْمِ الزَّانِيَيْنِ " مِنَ الْيَهُودِ، فَلَمَّا وَجَدَ فِيهَا أَنَّهُمَا يُرْجَمَانِ، رَجَمَهُمَا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّهُ ﵇ " اسْتَدَلَّ " عَلَى وُجُوبِ " قَضَاءِ الْمَنْسِيَّةِ عِنْدَ ذِكْرِهَا " بِقَوْلِهِ : ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طَهَ: ١٤] ، وَإِنَّمَا الْخِطَابُ فِيهَا لِمُوسَى ﵇ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ لَمَّا نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْزِلًا، فَنَامَ فِيهِ وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى فَاتَ وَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ، أَمَرَهُمْ، فَخَرَجُوا عَنِ الْوَادِي، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ
стр. 1471
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصُّبْحَ، وَاسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ.
فَهَذِهِ سَبْعَةُ أَوْجُهٍ احْتَجَّ بِهَا مَنْ أَثْبَتَ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا.
قَوْلُهُ: " وَأُجِيبَ "، أَيْ: أَجَابَ النَّافُونَ لِذَلِكَ عَنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ السَّبْعَةِ بِأَنْ قَالُوا: " إِنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَاتِ " الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَوْجُهِ الْأَرْبَعَةِ الْأُوَلِ إِنَّمَا هُوَ " التَّوْحِيدُ وَالْأُصُولُ الْكُلِّيَّةُ " الْمَعْرُوفَةُ بِأُصُولِ الدِّينِ، وَمَا يَجُوزُ عَلَى الْبَارِئِ ﷻ وَمَا لَا يَجُوزُ، " وَهِيَ " أَيِ: الْأُصُولُ الْكُلِّيَّةُ " مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الشَّرَائِعِ " كُلِّهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِنَا: اللَّهُ وَاحِدٌ أَحَدٌ أَزَلِيٌّ بَاقٍ سَرْمَدِيٌّ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، خَالِقٌ لِلْعَالَمِ، مُرْسِلٌ لِلرُّسُلِ، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، لَيْسَ بِجَائِرٍ وَلَا ظَالِمٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، لَا أَنَّ شَرْعَ مِنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا فِي فُرُوعِ الدِّينِ، بِدَلِيلِ مَا سَيَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَدِلَّتِنَا عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵊: كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَلَيْسَ إِشَارَةً إِلَى حُكْمِ التَّوْرَاةِ، بَلْ إِمَّا إِلَى عُمُومِ قَوْلِهِ : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩٤] ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الْعُدْوَانَ فِي السِّنِّ وَغَيْرِهَا، أَوْ إِلَى عُمُومِ قَوْلِهِ : ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤٥] عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: (وَالْجُرُوحُ) بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَهُوَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَلَى ذَلِكَ يَكُونُ مِنْ كِتَابِنَا وَشَرْعِنَا، لَا مِنَ التَّوْرَاةِ وَشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا.
стр. 1472
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَمَّا " مُرَاجَعَتُهُ التَّوْرَاةَ " فِي رَجْمِ الزَّانِيَيْنِ فَلَيْسَ عَلَى جِهَةِ اسْتِفَادَةِ الْحُكْمِ مِنْهَا بَلْ تَحْقِيْقًا لِكَذِبِ الْيَهُودِ، فَإِنَّهُ رَآهُمْ سَوَّدُوا وُجُوهَهُمَا، وَطَافُوا بِهِمَا بَيْنَ النَّاسِ، فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الزَّانِي، فَاسْتَدْعَى بِالتَّوْرَاةِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا الْحُكْمَ بِالرَّجْمِ " تَحْقِيقًا لِكَذِبِهِمْ " عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَتَحْرِيفِهِمُ الْكُتُبَ الْمُنَزَّلَةَ عَلَيْهِمْ كَمَا فِي مَوْضِعِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٩٣] ، " وَإِنَّمَا حَكَمَ بِالْقُرْآنِ " بِقَوْلِهِ تَعَالَى: " الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ ". وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ هَذَا مِمَّا نُسِخَ خَطُّهُ، وَبَقِيَ حُكْمُهُ.
قُلْتُ: لَكِنَّ هَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ أَنَّ قِصَّةَ الْيَهُودِيَّيْنِ كَانَتْ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الرَّجْمِ الْمَذْكُورَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ ﵊ بِقَوْلِهِ : ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طَهَ: ١٤] ، فَهُوَ إِمَّا " قِيَاسٌ " لِنَفْسِهِ عَلَى مُوسَى فِي إِقَامَةِ الصَّلَاةِ لِذِكْرِ اللَّهِ ، أَيْ: عِنْدَ ذِكْرِهِ، " أَوْ تَأْكِيدٌ " مِنَ النَّبِيِّ ﷺ " لِدَلِيلِهِ " عَلَى قَضَاءِ الصَّلَاةِ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ خَطَابًا لِمُوسَى ﵇، أَوْ أَنَّهُ ﵇ عَلِمَ عُمُومَ الْآيَةِ لَهُ، " لَا " أَنَّهُ " حَكَمَ بِشَرْعِ مُوسَى " ﵇.
стр. 1473
النَّافِي: لَوْ كَانَ شَرْعًا لَنَا لَمَا صَحَّ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً﴾ وَ «بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ» ، إِذْ يُفِيدَانِ اخْتِصَاصَ (كُلٍّ) بِشَرِيعَةٍ، وَلَلَزِمَهُ وَأُمَّتَهُ تَعَلُّمُ كُتُبِهِمْ، وَالْبَحْثُ عَنْهَا، وَالرُّجُوعُ إِلَيْهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ النَّصِّ فِي شَرْعِهِ، وَلَمَا تَوَقَّفَ عَلَى الْوَحْيِ فِي الظِّهَارِ وَاللِّعَانِ وَالْمَوَارِيثِ وَنَحْوِهَا، وَلَمَا غَضِبَ حِينَ رَأَى بِيَدِ عُمَرَ قِطْعَةً مِنَ التَّوْرَاةِ، وَلَكَانَ تَبَعًا لِغَيْرِهِ، وَهُوَ غَضٌّ مِنْ مَنْصِبِهِ وَمُنَاقَضَةٌ لِقَوْلِهِ: «لَوْ كَانَ» مُوسَى حَيًّا لَاتَّبَعَنِي، وَلَمَا صَوَّبَ مُعَاذًا فِي انْتِقَالِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِلَى الِاجْتِهَادِ، لَا يُقَالُ: الْكِتَابُ تَنَاوَلَ التَّوْرَاةَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَمْ يُعْهَدْ مِنْ مُعَاذٍ اشْتِغَالٌ بِهَا وَإِطْلَاقُ الْكِتَابِ فِي عُرْفِ الْإِسْلَامِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْقُرْآنِ.
وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلَيْنِ: بِأَنَّ اشْتِرَاكَ الشَّرِيعَتَيْنِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ لَا يَنْفِي اخْتِصَاصَ كُلِّ نَبِيٍّ بِشَرِيعَةٍ اعْتِبَارًا بِالْأَكْثَرِ، وَعَنِ الْبَاقِي بِأَنَّهَا حُرِّفَتْ فَلَمْ تُنْقُلْ إِلَيْهِ مَوْثُوقًا بِهَا، وَالْكَلَامُ فِيمَا صَحَّ عِنْدَهُ مِنْهَا كَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَحْكَامِهَا، وَإِذَا تَعَبَّدَهُ اللَّهُ بِهَا فَلَا غَضَّ وَلَا تَبَعِيَّةَ.
ــ
قَوْلُهُ: " النَّافِي "، أَيْ: النَّافِي لِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْعٍ لَنَا بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: " لَوْ كَانَ " شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا " شَرْعًا لَنَا، لَمَا صَحَّ " قَوْلُهُ : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤٨] ، وَلَمَا صَحَّ قَوْلُهُ ﵊: بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، " إِذْ يُفِيدَانِ "
стр. 1474
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَعْنِي: الْآيَةَ وَالْحَدِيثَ " اخْتِصَاصَ كُلٍّ " مِنَ الرُّسُلِ " بِشَرِيعَةٍ "، لَكِنْ قَدْ صَحَّ مَضْمُونُ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ، فَلَا يَكُونُ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعًا لَنَا.
الثَّانِي: لَوْ كَانَ شَرْعًا لَنَا، لَلَزِمَ النَّبِيَّ ﷺ " وَأُمَّتَهُ تَعَلُّمَ كُتُبِهِمْ "، أَيْ: كُتُبُ مَنْ قَبْلَنَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، " وَالْبَحْثُ عَنْهَا، وَالرُّجُوعُ إِلَيْهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ النَّصِّ فِي شَرْعِهِ " عَلَى حَادِثَةٍ مَا، لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَا يَكُونُ شَرْعُهُمْ شَرْعًا لَنَا.
الثَّالِثُ: لَوْ كَانَ شَرْعُهُمْ شَرْعًا لَنَا " لَمَا تَوَقَّفَ " النَّبِيُّ ﷺ " فِي الظِّهَارِ، وَاللِّعَانِ، وَالْمَوَارِيثِ وَنَحْوِهَا " مِنَ الْأَحْكَامِ " عَلَى الْوَحْيِ "، لَكِنْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي الْأَحْكَامِ عَلَى الْوَحْيِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ شَرْعَهُمْ لَيْسَ شَرْعًا لَنَا، وَإِلَّا لَبَادَرَ بِاسْتِخْرَاجِ الْحُكْمِ مِنْ كُتُبِهِمْ وَالسُّؤَالِ عَنْهُ فِيهَا لِأَنَّهَا مَنْ شَرْعِهِ كَالْقُرْآنِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ ﷺ رَأَى يَوْمًا بِيَدِ عُمَرَ ﵁ قِطْعَةً مِنَ التَّوْرَاةِ، فَغَضِبَ، وَقَالَ: مَا هَذَا؟ أَمُتَهَوِّكُونَ أَنْتُمْ كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى! لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا لَمَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي، وَلَوْ كَانَ شَرْعُهُمْ شَرْعًا لَنَا، " لَمَا غَضِبَ " مِنْ ذَلِكَ كَمَا لَا يَغْضَبُ مِنَ النَّظَرِ فِي الْقُرْآنِ.
الْخَامِسُ: لَوْ كَانَ شَرْعُهُمْ شَرْعًا لَنَا، " لَكَانَ " النَّبِيُّ ﷺ " تَبَعًا لِغَيْرِهِ " فِي الشَّرْعِ، وَفِي ذَلِكَ " غَضٌّ مِنْ مَنْصِبِهِ وَمُنَاقَضَةٌ لِقَوْلِهِ: لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا
стр. 1475
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَاتَّبَعَنِي إِذْ يَكُونُ تَابِعًا لِمُوسَى مَتْبُوعًا لَهُ بِتَقْدِيرِ وَجُودِهِ فِي عَصْرِهِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ.
السَّادِسُ: أَنَّهُ ﵇ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ لَهُ: بِمَ تَحْكُمُ؟ قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، فَصَوَّبَ مُعَاذًا فِي ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعًا لَنَا، لَمَّا صَوَّبَهُ، بَلْ كَانَ يَقُولُ لَهُ: إِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِي شَيْئًا، فَاطْلُبِ الْحُكْمَ فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا، ثُمَّ اجْتَهَدْ رَأْيَكَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا: " وَلَمَا صَوَّبَ مُعَاذًا فِي انْتِقَالِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِلَى الِاجْتِهَادِ ".
قَوْلُهُ: " لَا يُقَالُ "، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ، أَيْ: فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُ مُعَاذٍ ﵁: أَحْكُمُ بِكِتَابِ اللَّهِ. عَامٌّ فِي الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَغَيْرِهَا مَنْ كُتُبِ مَنْ قَبْلَنَا، وَلِذَلِكَ صَحَّ تَنَزُّلُهُ فِي مَرَاتِبِ الْأَدِلَّةِ، وَاتَّجَهَ تَصْوِيبُهُ.
فَالْجَوَابُ أَنَّا نَقُولُ: " لَمْ يُعْهَدْ مِنْ مُعَاذٍ ﵁ اشْتِغَالٌ " بِالتَّوْرَاةِ وَنَحْوِهَا حَتَّى يُحْمَلَ الْكِتَابُ فِي قَوْلِهِ: أَحْكُمُ بِكِتَابِ اللَّهِ، عَلَى مَا يَتَنَاوَلُهَا مَعَ الْقُرْآنِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ " إِطْلَاقَ الْكِتَابِ " وَكِتَابُ اللَّهِ " فِي عُرْفِ الْإِسْلَامِ
следующие страницы →