Полный текст (2 051 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصُّبْحَ، وَاسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ.
فَهَذِهِ سَبْعَةُ أَوْجُهٍ احْتَجَّ بِهَا مَنْ أَثْبَتَ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا.
قَوْلُهُ: " وَأُجِيبَ "، أَيْ: أَجَابَ النَّافُونَ لِذَلِكَ عَنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ السَّبْعَةِ بِأَنْ قَالُوا: " إِنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَاتِ " الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَوْجُهِ الْأَرْبَعَةِ الْأُوَلِ إِنَّمَا هُوَ " التَّوْحِيدُ وَالْأُصُولُ الْكُلِّيَّةُ " الْمَعْرُوفَةُ بِأُصُولِ الدِّينِ، وَمَا يَجُوزُ عَلَى الْبَارِئِ ﷻ وَمَا لَا يَجُوزُ، " وَهِيَ " أَيِ: الْأُصُولُ الْكُلِّيَّةُ " مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الشَّرَائِعِ " كُلِّهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِنَا: اللَّهُ وَاحِدٌ أَحَدٌ أَزَلِيٌّ بَاقٍ سَرْمَدِيٌّ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، خَالِقٌ لِلْعَالَمِ، مُرْسِلٌ لِلرُّسُلِ، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، لَيْسَ بِجَائِرٍ وَلَا ظَالِمٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، لَا أَنَّ شَرْعَ مِنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا فِي فُرُوعِ الدِّينِ، بِدَلِيلِ مَا سَيَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَدِلَّتِنَا عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵊: كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَلَيْسَ إِشَارَةً إِلَى حُكْمِ التَّوْرَاةِ، بَلْ إِمَّا إِلَى عُمُومِ قَوْلِهِ : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٩٤] ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الْعُدْوَانَ فِي السِّنِّ وَغَيْرِهَا، أَوْ إِلَى عُمُومِ قَوْلِهِ : ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤٥] عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: (وَالْجُرُوحُ) بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَهُوَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَلَى ذَلِكَ يَكُونُ مِنْ كِتَابِنَا وَشَرْعِنَا، لَا مِنَ التَّوْرَاةِ وَشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا.
стр. 1472
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَمَّا " مُرَاجَعَتُهُ التَّوْرَاةَ " فِي رَجْمِ الزَّانِيَيْنِ فَلَيْسَ عَلَى جِهَةِ اسْتِفَادَةِ الْحُكْمِ مِنْهَا بَلْ تَحْقِيْقًا لِكَذِبِ الْيَهُودِ، فَإِنَّهُ رَآهُمْ سَوَّدُوا وُجُوهَهُمَا، وَطَافُوا بِهِمَا بَيْنَ النَّاسِ، فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الزَّانِي، فَاسْتَدْعَى بِالتَّوْرَاةِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا الْحُكْمَ بِالرَّجْمِ " تَحْقِيقًا لِكَذِبِهِمْ " عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَتَحْرِيفِهِمُ الْكُتُبَ الْمُنَزَّلَةَ عَلَيْهِمْ كَمَا فِي مَوْضِعِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٩٣] ، " وَإِنَّمَا حَكَمَ بِالْقُرْآنِ " بِقَوْلِهِ تَعَالَى: " الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ ". وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ هَذَا مِمَّا نُسِخَ خَطُّهُ، وَبَقِيَ حُكْمُهُ.
قُلْتُ: لَكِنَّ هَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ أَنَّ قِصَّةَ الْيَهُودِيَّيْنِ كَانَتْ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الرَّجْمِ الْمَذْكُورَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ ﵊ بِقَوْلِهِ : ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طَهَ: ١٤] ، فَهُوَ إِمَّا " قِيَاسٌ " لِنَفْسِهِ عَلَى مُوسَى فِي إِقَامَةِ الصَّلَاةِ لِذِكْرِ اللَّهِ ، أَيْ: عِنْدَ ذِكْرِهِ، " أَوْ تَأْكِيدٌ " مِنَ النَّبِيِّ ﷺ " لِدَلِيلِهِ " عَلَى قَضَاءِ الصَّلَاةِ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ خَطَابًا لِمُوسَى ﵇، أَوْ أَنَّهُ ﵇ عَلِمَ عُمُومَ الْآيَةِ لَهُ، " لَا " أَنَّهُ " حَكَمَ بِشَرْعِ مُوسَى " ﵇.
стр. 1473
النَّافِي: لَوْ كَانَ شَرْعًا لَنَا لَمَا صَحَّ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً﴾ وَ «بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ» ، إِذْ يُفِيدَانِ اخْتِصَاصَ (كُلٍّ) بِشَرِيعَةٍ، وَلَلَزِمَهُ وَأُمَّتَهُ تَعَلُّمُ كُتُبِهِمْ، وَالْبَحْثُ عَنْهَا، وَالرُّجُوعُ إِلَيْهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ النَّصِّ فِي شَرْعِهِ، وَلَمَا تَوَقَّفَ عَلَى الْوَحْيِ فِي الظِّهَارِ وَاللِّعَانِ وَالْمَوَارِيثِ وَنَحْوِهَا، وَلَمَا غَضِبَ حِينَ رَأَى بِيَدِ عُمَرَ قِطْعَةً مِنَ التَّوْرَاةِ، وَلَكَانَ تَبَعًا لِغَيْرِهِ، وَهُوَ غَضٌّ مِنْ مَنْصِبِهِ وَمُنَاقَضَةٌ لِقَوْلِهِ: «لَوْ كَانَ» مُوسَى حَيًّا لَاتَّبَعَنِي، وَلَمَا صَوَّبَ مُعَاذًا فِي انْتِقَالِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِلَى الِاجْتِهَادِ، لَا يُقَالُ: الْكِتَابُ تَنَاوَلَ التَّوْرَاةَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَمْ يُعْهَدْ مِنْ مُعَاذٍ اشْتِغَالٌ بِهَا وَإِطْلَاقُ الْكِتَابِ فِي عُرْفِ الْإِسْلَامِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْقُرْآنِ.
وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلَيْنِ: بِأَنَّ اشْتِرَاكَ الشَّرِيعَتَيْنِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ لَا يَنْفِي اخْتِصَاصَ كُلِّ نَبِيٍّ بِشَرِيعَةٍ اعْتِبَارًا بِالْأَكْثَرِ، وَعَنِ الْبَاقِي بِأَنَّهَا حُرِّفَتْ فَلَمْ تُنْقُلْ إِلَيْهِ مَوْثُوقًا بِهَا، وَالْكَلَامُ فِيمَا صَحَّ عِنْدَهُ مِنْهَا كَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَحْكَامِهَا، وَإِذَا تَعَبَّدَهُ اللَّهُ بِهَا فَلَا غَضَّ وَلَا تَبَعِيَّةَ.
ــ
قَوْلُهُ: " النَّافِي "، أَيْ: النَّافِي لِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْعٍ لَنَا بِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: " لَوْ كَانَ " شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا " شَرْعًا لَنَا، لَمَا صَحَّ " قَوْلُهُ : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤٨] ، وَلَمَا صَحَّ قَوْلُهُ ﵊: بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، " إِذْ يُفِيدَانِ "
стр. 1474
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَعْنِي: الْآيَةَ وَالْحَدِيثَ " اخْتِصَاصَ كُلٍّ " مِنَ الرُّسُلِ " بِشَرِيعَةٍ "، لَكِنْ قَدْ صَحَّ مَضْمُونُ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ، فَلَا يَكُونُ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعًا لَنَا.
الثَّانِي: لَوْ كَانَ شَرْعًا لَنَا، لَلَزِمَ النَّبِيَّ ﷺ " وَأُمَّتَهُ تَعَلُّمَ كُتُبِهِمْ "، أَيْ: كُتُبُ مَنْ قَبْلَنَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، " وَالْبَحْثُ عَنْهَا، وَالرُّجُوعُ إِلَيْهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ النَّصِّ فِي شَرْعِهِ " عَلَى حَادِثَةٍ مَا، لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَا يَكُونُ شَرْعُهُمْ شَرْعًا لَنَا.
الثَّالِثُ: لَوْ كَانَ شَرْعُهُمْ شَرْعًا لَنَا " لَمَا تَوَقَّفَ " النَّبِيُّ ﷺ " فِي الظِّهَارِ، وَاللِّعَانِ، وَالْمَوَارِيثِ وَنَحْوِهَا " مِنَ الْأَحْكَامِ " عَلَى الْوَحْيِ "، لَكِنْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِي الْأَحْكَامِ عَلَى الْوَحْيِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ شَرْعَهُمْ لَيْسَ شَرْعًا لَنَا، وَإِلَّا لَبَادَرَ بِاسْتِخْرَاجِ الْحُكْمِ مِنْ كُتُبِهِمْ وَالسُّؤَالِ عَنْهُ فِيهَا لِأَنَّهَا مَنْ شَرْعِهِ كَالْقُرْآنِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ ﷺ رَأَى يَوْمًا بِيَدِ عُمَرَ ﵁ قِطْعَةً مِنَ التَّوْرَاةِ، فَغَضِبَ، وَقَالَ: مَا هَذَا؟ أَمُتَهَوِّكُونَ أَنْتُمْ كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى! لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا لَمَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي، وَلَوْ كَانَ شَرْعُهُمْ شَرْعًا لَنَا، " لَمَا غَضِبَ " مِنْ ذَلِكَ كَمَا لَا يَغْضَبُ مِنَ النَّظَرِ فِي الْقُرْآنِ.
الْخَامِسُ: لَوْ كَانَ شَرْعُهُمْ شَرْعًا لَنَا، " لَكَانَ " النَّبِيُّ ﷺ " تَبَعًا لِغَيْرِهِ " فِي الشَّرْعِ، وَفِي ذَلِكَ " غَضٌّ مِنْ مَنْصِبِهِ وَمُنَاقَضَةٌ لِقَوْلِهِ: لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا
стр. 1475
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَاتَّبَعَنِي إِذْ يَكُونُ تَابِعًا لِمُوسَى مَتْبُوعًا لَهُ بِتَقْدِيرِ وَجُودِهِ فِي عَصْرِهِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ.
السَّادِسُ: أَنَّهُ ﵇ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ لَهُ: بِمَ تَحْكُمُ؟ قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، فَصَوَّبَ مُعَاذًا فِي ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعًا لَنَا، لَمَّا صَوَّبَهُ، بَلْ كَانَ يَقُولُ لَهُ: إِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّتِي شَيْئًا، فَاطْلُبِ الْحُكْمَ فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا، ثُمَّ اجْتَهَدْ رَأْيَكَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا: " وَلَمَا صَوَّبَ مُعَاذًا فِي انْتِقَالِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِلَى الِاجْتِهَادِ ".
قَوْلُهُ: " لَا يُقَالُ "، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ، أَيْ: فَإِنْ قِيلَ: قَوْلُ مُعَاذٍ ﵁: أَحْكُمُ بِكِتَابِ اللَّهِ. عَامٌّ فِي الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَغَيْرِهَا مَنْ كُتُبِ مَنْ قَبْلَنَا، وَلِذَلِكَ صَحَّ تَنَزُّلُهُ فِي مَرَاتِبِ الْأَدِلَّةِ، وَاتَّجَهَ تَصْوِيبُهُ.
فَالْجَوَابُ أَنَّا نَقُولُ: " لَمْ يُعْهَدْ مِنْ مُعَاذٍ ﵁ اشْتِغَالٌ " بِالتَّوْرَاةِ وَنَحْوِهَا حَتَّى يُحْمَلَ الْكِتَابُ فِي قَوْلِهِ: أَحْكُمُ بِكِتَابِ اللَّهِ، عَلَى مَا يَتَنَاوَلُهَا مَعَ الْقُرْآنِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ " إِطْلَاقَ الْكِتَابِ " وَكِتَابُ اللَّهِ " فِي عُرْفِ الْإِسْلَامِ
стр. 1476
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَنْصَرِفُ إِلَى الْقُرْآنِ "، فَيُحْمَلُ الْكِتَابُ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ ﵁ عَلَيْهِ. وَحِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ بِتَقْدِيرِ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا، فَلَمَّا لَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ ﷺ ، دَلَّ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ هُوَ بِشَرْعٍ لَنَا. فَهَذِهِ سِتَّةُ أَوْجُهٍ تَدَلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
قَوْلُهُ: " وَأُجِيبَ "، أَيْ: أَجَابَ الْمُثْبِتُونَ عَنِ الْوُجُوهِ السِّتَّةِ بِمَا ذُكِرَ.
فَأُجِيبَ " عَنِ الْأَوَّلَيْنِ " ; وَهْمَا: لَوْ كَانَ شَرْعُهُمْ شَرْعًا لَنَا، لَمَا صَحَّ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً﴾ ، وَلَا قَوْلُهُ: بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ " بِأَنَّ اشْتِرَاكَ الشَّرِيعَتَيْنِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ لَا يَنْفِي اخْتِصَاصَ كُلِّ نَبِيٍّ بِشَرِيعَةٍ اعْتِبَارًا بِالْأَكْثَرِ "، وَهُوَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، أَيْ: إِنَّ الشَّرِيعَتَيْنِ إِذَا اشْتَرَكَتَا فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ، وَاخْتَلَفَتَا فِي بَعْضِهَا، صَحَّ أَنْ يَكُونَ شَرْعُ إِحْدَى الشَّرِيعَتَيْنِ شَرْعًا لِمَنْ بَعْدَهَا بِاعْتِبَارِ الْبَعْضِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَصَحَّ أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنَ النَّبِيِّينَ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجٌ بِاعْتِبَارِ الْبَعْضِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَنَافٍ. وَحِينَئِذٍ قَوْلُهُ : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً﴾ لَا يَنْفِي كَوْنَ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعًا لَنَا فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵊: بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يُفِيدُ اخْتِصَاصَهُ بِشَرِيعَةٍ لَا يَشُوبُهَا شَيْءٌ مِنْ شَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ لِجَوَازِ أَنَّهُ بُعِثَ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ أَوْ بِبَعْضِهِ.
وَأُجِيبَ " عَنِ الْبَاقِي "، أَيْ: بَاقِي الْوُجُوهِ بِأَنَّ كُتُبَ مَنْ قَبْلَهُ " حُرِّفَتْ، فَلَمْ تُنْقَلْ إِلَيْهِ مَوْثُوقًا بِهَا "، فَلِذَلِكَ لَمْ يَطْلُبْ أَحْكَامَ الْوَقَائِعِ الْعَارِضَةِ لَهُ فِيهَا، وَلِذَلِكَ غَضِبَ مِنْ نَظَرِ عُمَرَ ﵁ فِي قِطْعَةٍ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَصَوَّبَ مُعَاذًا
стр. 1477
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﵁ فِي انْتِقَالِهِ عَنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِلَى الِاجْتِهَادِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ تَرْكَ ذِكْرِ كُتُبِ مَنْ قَبْلَهُ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيمَا حُرِّفَ مِنْهَا، وَلَمْ يَصِحَّ نَقْلُهُ، إِنَّمَا " الْكَلَامُ فِيمَا صَحَّ عِنْدَهُ مِنْهَا كَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَحْكَامِهَا "، فَذَلِكَ الَّذِي هُوَ شَرْعٌ لَهُ لَا غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: " وَإِذَا تَعَبَّدَهُ اللَّهُ بِهَا "، إِلَى آخِرِهِ.
هَذَا جَوَابٌ عَنِ الْوَجْهِ الْخَامِسِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " لَوْ كَانَ شَرْعًا لَنَا، لَكَانَ " النَّبِيُّ ﷺ " تَبَعًا لِغَيْرِهِ "؛ لِأَنَّ الْجَوَابَ بِتَحْرِيفِ الْكُتُبِ السَّابِقَةِ لَمْ يَنْتَظِمْهُ.
وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا تَعَبَّدَ نَبِيَّهُ ﷺ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ وَبِمُقْتَضَى كُتُبِهِمْ، لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ غَضٌّ مِنْ مَنْصِبِهِ، وَلَا جَعْلُهُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ مُطِيعٌ لِلَّهِ ، لَا لِمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، فَهُوَ كَالْمَلَائِكَةِ لَمَّا أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ ﵇، لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ غَضٌّ عَلَيْهِمْ، وَلَا نَقْصٌ؛ لِأَنَّ سُجُودَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ إِنَّمَا كَانَ طَاعَةً لِلَّهِ ، لَا لِآدَمَ ﵇. وَبِالْجُمْلَةِ إِذَا كَانَتْ طَاعَةُ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ لَمْ يَضُرُّهُ مَا كَانَ هُنَاكَ مِنَ الْوَسَائِطِ وَالْأَسْبَابِ.
стр. 1478
وَالْمَأْخَذُ الصَّحِيحُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ التَّحْسِينُ الْعَقْلِيُّ، فَإِنَّ الْمُثْبِتَ يَقُولُ: الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ حُسْنُهَا ذَاتِيٌّ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الشَّرَائِعِ فَهِيَ حَسَنَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا فَتَرْكُنَا لَهَا قَبِيحٌ، وَالنَّافِي يَقُولُ: حُسْنُهَا شَرْعِيٌّ إِضَافِيٌّ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ حَسَنًا فِي حَقِّهِمْ قَبِيحًا فِي حَقِّنَا، وَعَلَى هَذَا أَيْضًا انْبَنَى الْخِلَافُ فِي جَوَازِ النَّسْخِ وَكَوْنِهِ رَفْعًا كَمَا سَبَقَ.
أَمَّا قَبْلَ الْبَعْثَةِ فَقِيلَ: كَانَ ﷺ مُتَعَبَّدًا بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ لِشُمُولِ دَعْوَتِهِ لَهُ، وَقِيلَ: لَا؛ لِعَدَمِ وُصُولِهِ إِلَيْهِ بِطَرِيقٍ عِلْمِيٍّ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِزَمَنِ الْفَتْرَةِ، وَقِيلَ: التَّوَقُّفُ لِلتَّعَارُضِ.
ــ
قَوْلُهُ: " وَالْمَأْخَذُ الصَّحِيحُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ "، إِلَى آخِرِهِ. اعْلَمْ أَنَّا لَمَّا ذَكَرْنَا مَأْخَذَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَالِاعْتِرَاضَ عَلَيْهِ كَمَا قَدْ رَأَيْتَ، لَمْ يَتَحَقَّقْ وَاحِدٌ مِنَ الْمَأْخَذَيْنِ، فَاحْتَجْنَا إِلَى أَنْ نَذْكُرَ لَهَا مَأْخَذًا وَجِيزًا صَحِيحًا ; وَهُوَ التَّحْسِينُ الْعَقْلِيُّ كَمَا سَبَقَ شَرْحُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ. نَقُولُ: " الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ حُسْنُهَا ذَاتِيٌّ "، أَيْ: لِذَوَاتِهَا، أَوْ لِأَوْصَافٍ قَامَتْ بِهَا، وَالْحُسْنُ الذَّاتِيُّ وَنَحْوُهُ " لَا يَخْتَلِفُ فِي شَرْعِنَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا، كَتَحْرِيمِ الْقَتْلِ، وَالزِّنَى، وَالْقَذْفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَتِ الْأَحْكَامُ حَسَنَةً حُسْنًا لَا
стр. 1479
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَتَغَيَّرُ، كَانَ تَرْكُنَا لَهَا قَبِيحًا؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْحَسَنِ قَبِيحٌ، كَمَا أَنَّ تَرْكَ الْقَبِيحِ حَسَنٌ.
" وَالنَّافِي " فِي الْمَسْأَلَةِ " يَقُولُ ": حُسْنُ الْأَحْكَامِ لَيْسَ ذَاتِيًّا، بَلْ هُوَ " شَرْعِيٌّ إِضَافِيٌّ "، أَيْ: هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ أَمْرِ الشَّرْعِ وَنَهْيِهِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ.
وَحِينَئِذٍ " يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ حَسَنًا فِي حَقِّهِمْ، قَبِيْحًا فِي حَقِّنَا "، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِهِ، وَنُهِينَا عَنْهُ، كَقَتْلِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ فِي التَّوْبَةِ مِنَ الذَّنْبِ، كَانَ حَسَنًا فِي حَقِّ قَوْمِ مُوسَى بِقَوْلِهِ: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الْبَقَرَةِ: ٥٤] الْآيَةَ. وَهُوَ قَبِيحٌ فِي حَقِّنَا لِأَنَّا مَنْهِيُّونَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا التَّوْبَةُ عِنْدَنَا بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ.
قَوْلُهُ: " وَعَلَى هَذَا أَيْضًا انْبَنَى الْخِلَافُ فِي جَوَازِ النَّسْخِ وَكَوْنِهِ رَفْعًا، كَمَا سَبَقَ " فِي بَابِ النَّسْخِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي جَوَازِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ.
أَمَّا جَوَازُ النَّسْخِ، فَلِأَنَّ الْمَانِعَ لَهُ يَقُولُ: إِنْ كَانَ الْحُكْمُ الْمَنْسُوخُ حَسَنًا، كَانَ نَسْخُهُ قَبِيحًا، وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا، فَابْتِدَاءُ شَرْعِهِ أَقْبَحُ، فَيَمْتَنِعُ النَّسْخُ.
وَالْمُجِيزُ لَهُ يَقُولُ: الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ تَابِعَانِ لِأَمْرِ الشَّرْعِ وَنَهْيِهِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ الْآنَ بِشَيْءٍ، فَيَكُونُ حَسَنًا، وَأَنْ يَنْهَى عَنْهُ فِيمَا بَعْدُ، فَيَكُونُ قَبِيحًا.
وَأَمَّا الْخِلَافُ فِي كَيْفِيَّةِ النَّسْخِ، فَلِأَنَّ مَنْ قَالَ بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ، قَالَ: النَّسْخُ بَيَانُ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْحُسْنِ قَبِيحٌ، وَابْتِدَاءُ شَرْعِ الْقَبِيحِ أَقْبَحُ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ، قَالَ: النَّسْخُ رَفْعُ الْحُكْمِ، وَلَا قُبْحَ فِيمَا أَمَرَ
стр. 1480
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشَّرْعُ بِهِ، وَلَا حُسْنَ فِيمَا نَهَى عَنْهُ.
قَوْلُهُ: " أَمَّا قَبْلَ الْبَعْثَةِ "، إِلَى آخِرِهِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا هُوَ فِيمَا بَعْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا بُدَّ، أَمَّا قَبْلَ بِعْثَتِهِ ﵇ فَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ:
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: " كَانَ مُتَعَبَّدًا بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ " مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ " لِشُمُولِ دَعْوَتِهِ لَهُ "، أَيْ: لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ دَعَا إِلَى شَرْعِهِ كُلَّ الْمُكَلَّفِينَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَيَتَنَاوَلُهُ عُمُومُ الدَّعْوَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ هَلْ كَانَ بِشَرْعِ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ أَوْ مُوسَى وَعِيسَى ﵈.
قُلْتُ: وَمُقْتَضَى دَلِيلِهِمْ أَنْ يَتَعَيَّنَ شَرْعُ عِيسَى ﵇ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ دَعْوَتَهُ عَمَّتْ، وَنَسَخَتْ مَا قَبِلَهَا مِنَ الشَّرَائِعِ، فَبِعُمُومِهَا تَنَاوَلَتِ النَّبِيَّ ﵇، وَبِنَسْخِهَا لِمَا قَبِلَهَا مَنَعَتْ مِنَ اتِّبَاعِهِ إِيَّاهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْسُوخَ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومِ.
أَمَّا عُمُومُ دَعْوَتِهِ فَلِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ : ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: ٥٠] ، ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩١] ، ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مَرْيَمَ: ٢١] ، وَالْآيَةُ: الْعَلَامَةُ، أَيْ: آيَةٌ عَلَى سَعَادَةِ السُّعَدَاءِ بِاتِّبَاعِهِ، وَعَلَى شَقَاوَةِ الْأَشْقِيَاءِ بِمُخَالَفَتِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي عُمُومَ الدَّعْوَةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مَرْيَمَ: ٣١] ، أَيْ:
стр. 1481
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَنِ اتَّبَعَنِي كُنْتُ مُبَارَكًا عَلَيْهِ، وَذَلِكَ يُفِيدُ عُمُومَ الدَّعْوَةِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ سَمَّاهُ نَاصِرًا لَهُ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ نَاصِرًا لِلَّهِ ، كَانَ عَامَّ الدَّعْوَةِ، إِلَّا أَنْ يَقُومَ عَلَى اخْتِصَاصِهَا دَلِيلٌ.
أَمَّا أَنَّهُ كَانَ نَاصِرًا لِلَّهِ ، فَلِقَوْلِهِ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ﴾ [الصَّفِّ: ١٤] وَالتَّقْدِيرُ: كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا كَانَ عِيسَى وَالْحَوَارِيُّونَ أَنْصَارَ اللَّهِ.
وَأَمَّا أَنَّ مَنْ كَانَ نَاصِرًا لِلَّهِ ، كَانَ عَامَّ الدَّعْوَةِ إِلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ مُخَصِّصٌ، فَلِأَنَّ نُصْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى هِيَ الدُّعَاءُ إِلَى تَوْحِيدِهِ وَدِينِهِ الْحَقِّ، وَالْمَصِيرُ إِلَى ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ مُخَصِّصٌ لِلدَّعْوَةِ بِبَعْضِ الْبِلَادِ كَاخْتِصَاصِ دَعْوَةِ لُوطٍ ﵇ بِقُرَى سَدُومَ، أَوْ بِبَعْضِ الْقَبَائِلِ، كَاخْتِصَاصِ دَعْوَةِ شُعَيْبٍ بِمَدْيَنَ وَأَصْحَابِ الْأَيْكَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، اخْتُصَّتِ الدَّعْوَةُ بِمُوجِبِ الدَّلِيلِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُ : ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ١١٦] الْآيَةَ، وَلَفْظُ النَّاسِ عَامٌّ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى النَّاسِ عُمُومًا، فَغَلَا بَعْضُهُمْ، فَاتَّخَذُوهُ إِلَهًا.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الْأَحْقَافِ: ٣٥] ، وَعِيسَى مِنْهُمْ، وَكَانَتْ دَعْوَةُ أُولِي الْعَزْمِ عَامَّةً، فَكَذَلِكَ عِيسَى.
أَمَّا قَوْلُهُ : ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾
стр. 1482
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[آلِ عِمْرَانَ: ٤٨ - ٤٩] ، فَلَا يَقْدَحُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَدِلَّةِ عُمُومِ دَعْوَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرْسَلَ إِلَى النَّاسِ مُرْسَلٌ إِلَى كُلِّ جُزْءٍ وَطَائِفَةٍ مِنْهُمْ، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ.
وَأَمَّا أَنَّ شَرِيعَتَهُ نَسَخَتْ مَا قَبْلَهَا مِنَ الشَّرَائِعِ، فَلِأَنَّ شَرِيعَةَ مُوسَى نَسَخَتْ مَا قَبْلَهَا، وَشَرِيعَةُ عِيسَى نَسَخَتْ شَرِيعَةَ مُوسَى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٥٠] ، يَعْنِي فِي شَرْعِ التَّوْرَاةِ، وَذَلِكَ هُوَ حَقِيقَةُ النَّسْخِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي نَسْخِ الشَّرِيعَةِ نَسْخُ جَمِيعِهَا، بَلْ يَكْفِي فِي تَسْمِيَتِهَا مَنْسُوخَةً نَسْخُ بَعْضِ أَحْكَامِهَا، بِدَلِيلِ أَنَّ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ ﵊ نَسَخَتْ كُلَّ شَرِيعَةٍ قَبْلَهَا، مَعَ أَنَّهَا قَرَّرَتْ بَعْضَ الْأَحْكَامِ، فَلَمْ تُنْسَخْ، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْتُهُ أَنَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كَانَ قَبْلَ بِعْثَتِهِ مُتَعَبَّدًا بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعَيِّنَ لِذَلِكَ شَرِيعَةَ عِيسَى، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ : أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ، إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ.
وَقَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ ; مِنْهُمْ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ مُتَعَبَّدًا بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ " إِلَيْهِ بِطَرِيقٍ عِلْمِيٍّ " لِطُولِ الْمُدَّةِ، وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّقَلَةِ، " وَهُوَ الْمُرَادُ بِزَمَنِ الْفَتْرَةِ " وأَيْضًا لِئَلَّا يَلْحَقَهُ الْغَضُّ بِتَبَعِيَّةِ مَنْ قَبْلَهُ.
وَتَوَقَّفَ قَوْمٌ فِي ذَلِكَ لِتَعَارُضِ الدَّلِيلِ فِيهِ، وَهُمُ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَالْغَزَالِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ.
قُلْتُ: مِنَ الْمُتَّجِهِ أَنَّهُ كَانَ مُتَعَبَّدًا بِالْإِلْهَامِ، أَيْ: يُلْهِمُهُ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَاتٍ
стр. 1483
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَتَعَبَّدُ بِهَا، وَيَخْلُقُ فِيهِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِمَشْرُوعِيَّتِهَا لَهُ، وَبِمَعْرِفَةِ تَفَاصِيلِهَا. وَهَذَا أَحْسَنُ مَا يُقَالُ فِي تَعَبُّدِهِ ﵊ قَبْلَ الْبَعْثَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1484
الثَّانِي: قَوْلُ صَحَابِيٍّ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مُخَالِفٌ: حُجَّةٌ، يُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ، وَيُخَصُّ بِهِ الْعَامُّ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ وَجَدِيدِ الشَّافِعِيِّ وَعَامَّةِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَقِيلَ: الْحُجَّةُ قَوْلُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَقِيلَ: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ لِلْحَدِيثَيْنِ الْمَشْهُورَيْنِ.
لَنَا عَلَى الْعُمُومِ: أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ وَخُصَّ فِي الصَّحَابِيِّ بِدَلِيلٍ.
قَالُوا: غَيْرُ مَعْصُومٍ فَالْعَامُّ وَالْقِيَاسُ أَوْلَى.
قُلْنَا: كَذَا الْمُجْتَهِدُ وَيَتَرَجَّحُ الصَّحَابِيُّ بِحُضُورِ التَّنْزِيلِ وَمَعْرِفَةِ التَّأْوِيلِ، وَقَوْلُهُ أَخَصُّ مِنَ الْعُمُومِ فَيُقَدَّمُ.
وَإِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ لَمْ يَجُزْ لِلْمُجْتَهِدِ الْأَخْذُ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَأَجَازَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُنْكَرَ عَلَى الْقَائِلِ قَوْلُهُ.
لَنَا: الْقِيَاسُ عَلَى تَعَارُضِ دَلِيلَيِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلِأَنَّ أَحَدَهُمَا خَطَأٌ قَطْعًا.
قَالُوا: اخْتِلَافُهُمْ تَسْوِيغٌ لِلْأَخْذِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَرَجَعَ عُمَرُ إِلَى قَوْلِ مُعَاذَ ﵄ فِي تَرْكِ رَجْمِ الْمَرْأَةِ.
قُلْنَا: إِنَّمَا سَوَّغُوا الْأَخْذَ بِالْأَرْجَحِ، وَرُجُوعُ عُمَرَ لِظُهُورِ رُجْحَانِ قَوْلِ مُعَاذٍ عِنْدَهُ.
ــ
قَوْلُهُ: " الثَّانِي "، أَيِ: الْأَصْلُ الثَّانِي مِنَ الْأُصُولِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا " قَوْلُ صَحَابِيٍّ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مُخَالِفٌ " هُوَ " حُجَّةٌ يُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ، وَيُخَصُّ بِهِ الْعَامُّ " عِنْدَ " مَالِكٍ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ وَجَدِيدِ " قَوْلَيْ " الشَّافِعِيِّ وَعَامَّةِ الْمُتَكَلِّمِينَ " حَيْثُ قَالُوا: لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْكَرْخِيِّ. وَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ - يَعْنِي قَوْلَ
стр. 1485
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصَّحَابِيِّ - فَهُوَ حُجَّةٌ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ تَوْقِيفٌ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ، فَيَكُونُ حُجَّةً لَا لَذَاتِهِ، بَلْ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْحُجَّةِ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ، وَإِذَا لَمْ يُخَالِفْهُ، احْتُمِلَ أَنَّهُ عَنِ اجْتِهَادٍ، فَيَكُونُ كَاجْتِهَادِ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: " الْحُجَّةُ قَوْلُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ "؛ لِقَوْلِهِ ﵇: عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بَعْدِي [" وَقِيلَ: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄؛ لِقَوْلِهِ ﵇: اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ] وَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَهُمَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَهَذَانَ هُمَا الْحَدِيثَانِ الْمَشْهُورَانِ الْمُشَارُ إِلَيْهِمَا فِي " الْمُخْتَصَرِ ".
قَوْلُهُ: " لَنَا عَلَى الْعُمُومِ "، أَيْ: عَلَى عُمُومِ كَوْنِ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ الْمَذْكُورِ حُجَّةً مِنْ غَيْرِ اخْتِصَاصٍ بِالشَّيْخَيْنِ وَلَا غَيْرِهِمَا قَوْلُهُ ﵇: أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِهِمْ، وَدَلَالَةُ الْحَدِيثَيْنِ قَبْلَهُمَا عَلَى الِاخْتِصَاصِ دَلَالَةُ مَفْهُومٍ ضَعِيفٍ، ثُمَّ مَفْهُومُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُعَارَضٌ بِمَفْهُومِ الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: " وَخُصَّ فِي الصَّحَابِيِّ بِدَلِيلٍ ". هَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ.
وَتَقْرِيرُهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ ﵇: بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ هُوَ خِطَابٌ لِعَوَامِّ عَصْرِهِ، وَإِذْنٌ لَهُمْ فِي تَقْلِيدِ الصَّحَابَةِ فِي الْفُتْيَا، لَا أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ عَلَى
стр. 1486
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْمُجْتَهِدِينَ، بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّحَابِيَّ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي مُقْتَضَى الْحَدِيثِ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ مُقْتَضَاهُ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ عَلَى صَحَابِيٍّ مِثْلِهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ، عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ لَيْسَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ مِنْ مُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ، إِمَامًا كَانَ الصَّحَابِيُّ، أَوْ حَاكِمًا، أَوْ مُفْتِيًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الصَّحَابِيُّ مُرَادًا مِنَ الْحَدِيثِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعَوَامُّ وَهُوَ مَحَلُّ وِفَاقٍ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْحَدِيثَ يَقْتَضِي عُمُومَ الِاقْتِدَاءِ بِكُلِّ صَحَابِيٍّ، وَلِكُلِّ صَحَابِيٍّ، لَكِنَّ الصَّحَابِيَّ خُصَّ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ بِدَلِيلٍ، فَبَقِيَ الْحَدِيثُ مُتَنَاوِلًا لِغَيْرِهِ مِنْ مُجْتَهِدِي التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَالدَّلِيلُ الَّذِي خُصَّ بِهِ الصَّحَابِيُّ مِنْ عُمُومِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، إِمَّا الْإِجْمَاعُ، أَوْ قَرِينَةُ كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ، فَلَا يَكُونُ هُوَ مُقْتَدِيًا بِغَيْرِهِ؛ لِئَلَّا يَكُونَ الْمَتْبُوعُ تَابِعًا، وَلِأَنَّ الصَّحَابِيَّيْنِ إِنْ كَانَا مُقَلِّدَيْنِ، فَحُكْمُهُمَا التَّقْلِيدُ، أَوْ أَحَدُهُمَا مُقَلِّدًا، فَحُكْمُهُ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَا مُجْتَهِدَيْنِ، لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى بِأَنْ يُقَلِّدَ الْآخَرَ مِنَ الْعَكْسِ، فَيَسْتَقِلُّ كُلٌّ مِنْهُمَا بِاجْتِهَادِهِ، وَلَا يَكُونُ قَوْلُ صَاحِبِهِ حُجَّةً عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
قَوْلُهُ: " قَالُوا: غَيْرُ مَعْصُومٍ "، أَيِ: احْتَجَّ الْخَصْمُ بِأَنَّ الصَّحَابِيَّ غَيْرُ مَعْصُومٍ مِنَ الْخَطَأِ، فَيَكُونُ " الْعَامُّ وَالْقِيَاسُ أَوْلَى " مِنْ قَوْلِهِ، وَحِينَئِذٍ لَا يُخَصُّ بِهِ الْعَامُّ، وَلَا يُتْرَكُ بِهِ الْقِيَاسُ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِكَوْنِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
قَوْلُهُ: " قُلْنَا: كَذَا الْمُجْتَهِدُ "، أَيِ: الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرْتُمُوهُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ غَيْرُ
стр. 1487
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَعْصُومٍ، وَقَدْ وَجَبَ عَلَى الْعَامِّيِّ تَقْلِيدُهُ بِاتِّفَاقٍ، وَمُجْتَهِدُو الْأُمَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ كَالْعَامَّةِ مَعَ الْعُلَمَاءِ؛ لِاخْتِصَاصِهِمْ " بِحُضُورِ التَّنْزِيلِ، وَمَعْرِفَةِ التَّأْوِيلِ "، فَيَتَرَجَّحُونَ بِذَلِكَ عَلَى سَائِرِ الْمُجْتَهِدِينَ. " وَقَوْلُهُ " أَيْ: وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ " أَخَصُّ مِنَ الْعُمُومِ " وَأَقْوَى مِنَ الْقِيَاسِ، " فَيُقَدَّمُ " عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ تَقْدِيمُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَالْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ، وَدَلِيلُ قُوَّةِ قَوْلِهِ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِمَوَاقِعَ الْأَدِلَّةِ لِمَا ذَكَرْنَا، فَمَا خَالَفَ الْعَامَّ وَالْقِيَاسَ إِلَّا عَنْ حُجَّةٍ وَبَيِّنَةٍ.
قَوْلُهُ: " وَإِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ، لَمْ يَجُزْ لِلْمُجْتَهِدِ الْأَخْذُ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ "، إِلَى آخِرِهِ. أَيْ: إِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ ﵃ عَلَى قَوْلَيْنِ فَأَكْثَرَ، لَمْ يَجُزْ لِلْمُجْتَهِدِ مِنْ غَيْرِهِمُ الْأَخْذُ بِأَحَدِ الْأَقْوَالِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ، وَأَجَازَ ذَلِكَ " بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَ " بَعْضُ " الْمُتَكَلِّمِينَ، بِشَرْطِ أَنْ لَا يُنْكَرَ " ذَلِكَ الْقَوْلُ الْمَأْخُوذُ بِهِ عَلَى قَائِلِهِ.
" لَنَا " عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: " الْقِيَاسُ عَلَى تَعَارُضِ دَلِيلَيِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ " وَأَوْلَى، أَيْ: إِنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَا يَزِيدُ فِي الْقُوَّةِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَوْ تَعَارَضَ دَلِيلَانِ مِنْهُمَا، لَمْ يَجُزِ الْأَخْذُ بِأَحَدِهِمَا إِلَّا بِتَرْجِيحٍ وَنَظَرٍ، فَكَذَلِكَ أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ أَوْلَى.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ " خَطَأٌ قَطْعًا "؛ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الصَّوَابِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فِي جِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَإِذَا كَانَ أَحَدُ قَوْلَيِ الصَّحَابَةِ خَطَأً، فَالطَّرِيقُ إِلَى تَمْيِيزِ الْخَطَأِ مِنَ الصَّوَابِ لَيْسَ إِلَّا الدَّلِيلُ.
قَوْلُهُ: " قَالُوا "، إِلَى آخِرِهِ. أَيِ: احْتَجَّ الْخَصْمُ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ بِأَحَدِ
стр. 1488
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْقَوْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ اخْتِلَافَ الصَّحَابَةِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ " تَسْوِيغٌ لِلْأَخْذِ بِكُلِّ " وَاحِدٍ " مِنْهُمَا "، فَيَكُونُ الْأَخْذُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا جَائِزًا بِاتِّفَاقٍ مِنْهُمْ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
الثَّانِي: أَنَّ عُمَرَ ﵁ رَجَعَ إِلَى قَوْلِ مُعَاذٍ ﵁ فِي تَرْكِ رَجْمِ الْمَرْأَةِ، يَعْنِي أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَرَادَ أَنْ يَرْجُمَ امْرَأَةً حَامِلًا لِأَجْلِ الزِّنَى، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ بْنُ جَبَلٍ: إِنْ كَانَ لَكَ سَبِيلٌ عَلَيْهَا ; فَلَيْسَ لَكَ سَبِيلٌ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا، فَرَجَعَ عُمَرُ إِلَى قَوْلِهِ، وَأَخَّرَهَا حَتَّى وَضَعَتْ. فَرُجُوعُهُ إِلَى قَوْلِ مُعَاذٍ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ بِدُونِ أَنْ يَسْتَعْلِمَ رَأْيَ غَيْرِهِ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى مَا قُلْنَاهُ.
قَوْلُهُ: " قُلْنَا "، أَيِ: الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرْتُمُوهُ.
أَمَّا عَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: فَإِنَّ الصَّحَابَةَ بِاخْتِلَافِهِمْ عَلَى قَوْلَيْنِ " إِنَّمَا سَوَّغُوا الْأَخْذَ بِالْأَرْجَحِ " مِنْهُمَا، وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي تَرْجِيحًا وَاجْتِهَادًا، لَا أَنَّهُمْ سَوَّغُوا الْأَخْذَ بِأَحَدِهِمَا تَشَهِّيًا مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ.
وَأَمَّا عَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي، فَبِأَنَّ " رُجُوعَ عُمَرَ " إِلَى قَوْلِ مُعَاذٍ ﵄ إِنَّمَا كَانَ " لِظُهُورِ " رُجْحَانِهِ عِنْدَهُ، لَا أَنَّهُ أَخَذَ بُقُولِهِ تَقْلِيدًا وَتَشَهِّيًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1489
الثَّالِثُ: الِاسْتِحْسَانُ . وَهُوَ: اعْتِقَادُ الشَّيْءِ حَسَنًا، ثُمَّ قَدْ قِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ: إِنَّهُ دَلِيلٌ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ، وَهُوَ هَوَسٌ، إِذْ مَا هَذَا شَأْنُهُ لَا يُمْكِنُ النَّظَرُ فِيهِ لِتُسْتَبَانَ صِحَّتُهُ مِنْ سَقَمِهِ.
وَقِيلَ: مَا اسْتَحْسَنَهُ الْمُجْتَهِدُ بِعَقْلِهِ، فَإِنْ أُرِيدَ مَعَ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فَوِفَاقٌ، وَإِلَّا مُنِعَ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْعَامِّيِّ إِلَّا النَّظَرُ فِي أَدِلَّةِ الشَّرْعِ، فَحَيْثُ لَا نَظَرَ فَلَا فَرْقَ، وَيَكُونُ حُكْمًا بِمُجَرَّدِ الْهَوَى وَاتِّبَاعًا لِلشَّهْوَةِ فِيهِ، وأَيْضًا مَا ذَكَرُوهُ لَيْسَ عَقْلِيًّا ضَرُورِيًّا وَلَا نَظَرِيًّا، وَإِلَّا لَكَانَ مُشْتَرَكًا، وَلَا سَمْعِيًّا، إِذْ تَوَاتُرُهُ مَفْقُودٌ وَآحَادُهُ كَذَلِكَ، أَوْ لَا يُفِيدُ.
قَالُوا: فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلُ إِلَيْكُمْ، مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا وَاسْتَحْسَنَتِ الْأُمَّةُ دُخُولَ الْحَمَّامِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ أُجْرَةٍ وَنَحْوِهِ.
قُلْنَا: أَحْسَنُ الْقَوْلِ وَالْمُنَزَّلُ مَا قَامَ دَلِيلُ رُجْحَانِهِ شَرْعًا، وَالْخَبَرُ دَلِيلُ الْإِجْمَاعِ لَا الِاسْتِحْسَانِ، وَإِنْ سُلِّمَ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا ذُكِرَ، وَسُومِحَ فِي مَسْأَلَةِ الْحَمَّامِ وَنَحْوِهَا لِعُمُومِ مَشَقَّةِ التَّقْدِيرِ فَيُعْطَى الْحَمَّامِيُّ عِوَضًا إِنْ رَضِيَهُ وَإِلَّا زِيدَ، وَهُوَ مُنْقَاسٌ، وَأَجْوَدُ مَا قِيلَ فِيهِ: أَنَّهُ الْعُدُولُ بِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ نَظَائِرِهَا لِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ خَاصٍّ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ.
وَقَدْ قَرَّرَ مُحَقِّقُو الْحَنَفِيَّةِ الِاسْتِحْسَانَ عَلَى وَجْهٍ بَدِيعٍ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَاللَّطَافَةِ، ذَكَرْنَا الْمَقْصُودَ مِنْهُ غَيْرَ هَاهُنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
قَوْلُهُ: «الثَّالِثُ» ، يَعْنِي مِنَ الْأُصُولِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا «الِاسْتِحْسَانُ» ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ الْحُسْنِ، «وَهُوَ اعْتِقَادُ الشَّيْءِ حَسَنًا» ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: «اعْتِقَادُ الشَّيْءِ
стр. 1490
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَسَنًا» ، وَلَمْ نَقُلِ: الْعِلْمُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ حَسَنًا؛ لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْعِلْمُ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، إِذْ قَدْ يَكُونُ الِاعْتِقَادُ صَحِيحًا إِذَا طَابَقَ الْوَاقِعَ، وَقَدْ يَكُونُ فَاسِدًا إِذَا لَمْ يُطَابِقْ. وَحِينَئِذٍ قَدْ يَسْتَحْسِنُ الشَّخْصُ شَيْئًا بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِ، وَلَا يَكُونُ حَسَنًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَقَدْ يُخَالِفُهُ غَيْرُهُ فِي اسْتِحْسَانِهِ.
وَقَدِ اسْتَحْسَنَ بَعْضُ النَّاسِ عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ، وَبَعْضُهُمْ عِبَادَةَ الْكَوَاكِبِ، وَبَعْضُهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهِيَ أُمُورٌ مُسْتَقْبَحَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَفِي مِثْلِ هَذَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَلِلنَّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ
أَيْ: قَدْ يَسْتَحْسِنُ بَعْضُهُمْ مَا لَا يَسْتَحْسِنُ غَيْرُهُ، فَلَوْ قُلْنَا: الْعِلْمُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ حَسَنًا، لَخَرَجَ مِنْهُ مَا لَيْسَ حُسْنُهُ حَقًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِذَا قُلْنَا: «اعْتِقَادُ الشَّيْءِ حَسَنًا» ، تَنَاوَلَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ قَدْ قِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ» ، إِلَى آخِرِهِ، أَيْ: إِنَّ مَا سَبَقَ فِي تَعْرِيفِ الِاسْتِحْسَانِ بِأَنَّهُ «اعْتِقَادُ الشَّيْءِ حَسَنًا» هُوَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ.
أَمَّا فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ فَقَدْ «قِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ: إِنَّهُ دَلِيلٌ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ، لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ» ، أَيْ: لَا يَقْدِرُ أَنْ يُفْصِحَ عَنْهُ بِعِبَارَةٍ.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ» ، أَيْ: تَعْرِيفُ الِاسْتِحْسَانِ بِهَذَا: «هَوَسٌ» ، أَوْ أَنَّ حَقِيقَةَ هَذَا الدَّلِيلِ الْمُنْقَدِحِ هَوَسٌ، «لِأَنَّ مَا هَذَا شَأْنُهُ» ، أَيْ: لِأَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ
стр. 1491
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَنْهُ «لَا يُمْكِنُ النَّظَرُ فِيهِ لِتُسْتَبَانَ» ، أَيْ: لِتُخْتَبَرَ «صِحَّتُهُ مِنْ سَقَمِهِ» .
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْهَوَسُ بِالتَّحْرِيكِ طَرَفٌ مِنَ الْجُنُونِ.
قُلْتُ: وَهُوَ فِي عُرْفِ النَّاسِ: الْكَلَامُ الْخَالِي عَنْ فَائِدَةٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْآمِدِيُّ هَذَا التَّعْرِيفَ لِلِاسْتِحْسَانِ وَقَالَ: لَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ التَّمَسُّكِ بِمِثْلِ هَذَا إِذَا تَحَقَّقَ الْمُجْتَهِدُ كَوْنَهُ دَلِيلًا شَرْعِيًّا، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ التَّعْبِيرِ عَنْهُ، وَإِنْ نُوزِعَ فِي إِطْلَاقِ اسْمِ الِاسْتِحْسَانِ عَلَيْهِ، عَادَ النِّزَاعُ إِلَى اللَّفْظِ.
قُلْتُ: رَجَعَ الْأَمْرُ فِي هَذَا إِلَى أَنَّهُ عَمَلٌ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَلَا نِزَاعَ فِي الْعَمَلِ بِهِ، كَمَا قَالَ، لَكِنْ مِنَ الْمَعْلُومِ بِالْوِجْدَانِ أَنَّ النُّفُوسَ يَصِيرُ لَهَا فِيمَا تُعَانِيهِ مِنَ الْعُلُومِ وَالْحِرَفِ مَلَكَاتٌ قَارَّةٌ فِيهَا تُدْرِكُ بِهَا الْأَحْكَامَ الْعَارِضَةَ فِي تِلْكَ الْعُلُومِ وَالْحِرَفِ، وَلَوْ كُلِّفَتِ الْإِفْصَاحَ عَنْ حَقِيقَةِ تِلْكَ الْمَعَارِفِ بِالْقَوْلِ، لَتَعَذَّرَ عَلَيْهَا، وَقَدْ أَقَرَّ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمُ ابْنُ الْخَشَّابِ فِي جَوَابِ الْمَسَائِلِ الْإِسْكَنْدَرَانِيَّاتِ، وَيُسَمِّي ذَلِكَ أَهْلُ الصِّنَاعَاتِ وَغَيْرُهُمْ: دُرْبَةٌ، وَأَهْلُ التَّصَوُّفِ: ذَوْقًا، وَأَهْلُ الْفَلْسَفَةِ وَنَحْوُهُمْ: مَلَكَةً.
وَمِثَالُ ذَلِكَ الدَّلَّالُونَ فِي الْأَسْوَاقِ قَدْ صَارَ لَهُمْ دُرْبَةً بِمَعْرِفَةِ قِيَمِ الْأَشْيَاءِ لِكَثْرَةِ دَوَرَانِهَا عَلَى أَيْدِيهِمْ وَمُعَانَاتِهِمْ حَتَّى صَارُوا أَهْلَ خِبْرَةٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِمْ شَرْعًا
стр. 1492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فِي قِيَمِ الْأَشْيَاءِ، فَيَرْكَبُ أَحَدُهُمُ الْفَرَسَ، فَيَسُوقُهُ، أَوْ يَرَاهُ رُؤْيَةً مُجَرَّدَةً أَوْ يَأْخُذُ الثَّوْبَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الْأَعْيَانِ عَلَى حَسَبِ مَا هُوَ دَلَّالٌ فِيهِ، فَيَقُولُ: هَذَا يُسَاوِي كَذَا، أَوْ قِيمَتُهُ كَذَا، فَلَا يُخْطِئُ بِحَبَّةٍ زِيَادَةً وَلَا نَقْصًا، مَعَ أَنَّا لَوْ قُلْنَا لَهُ: لِمَ قُلْتَ: إِنَّ قِيمَتَهُ كَذَا؟ لَمَا أَفْصَحَ بِحُجَّةٍ، بَلْ يَقُولُ: هَكَذَا أَعْرِفُ.
فَعَلَى هَذَا لَا يَبْعُدُ أَنْ يَحْصُلَ لِبَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ دُرْبَةٌ وَمَلَكَةٌ فِي اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ لِكَثْرَةِ نَظَرِهِ فِيهَا، حَتَّى تَلُوحَ لَهُ الْأَحْكَامُ سَابِقَةً عَلَى أَدِلَّتِهَا وَبِدُونِهَا، أَوْ تَلُوحُ لَهُ أَحْكَامُ الْأَدِلَّةِ فِي مِرْآةِ الذَّوْقِ وَالْمَلَكَةِ عَلَى وَجْهٍ تَقْصُرُ عَنْهَا الْعِبَارَةُ، كَمَا يَلُوحُ الْوَجْهُ فِي الْمِرْآةِ، وَلَوْ سُئِلَ أَكْثَرُ النَّاسِ عَنْ كَيْفِيَّةِ ظُهُورِهِ، لَمَا أَدْرَكَهُ، بَلْ قَدْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْخَوَاصِّ، فَإِذَا اتَّفَقَ ذَلِكَ لِلْمُجْتَهِدِ، وَحَصَلَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ أَوْ ظَنٌّ، جَازَ الْعَمَلُ بِهِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ هَذَا يَصِيرُ حُكْمًا فِي الشَّرْعِ بِمَا يُشْبِهُ الْإِلْهَامَ، وَأَحْكَامُ الشَّرْعِ إِنَّمَا بُنِيَتْ عَلَى ظَوَاهِرِ الْأَدِلَّةِ، فَتَدُورُ مَعَهَا وُجُودًا وَعَدَمًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: «وَقِيلَ: مَا اسْتَحْسَنَهُ» . هَذَا قَوْلٌ آخَرٌ فِي تَعْرِيفِ الِاسْتِحْسَانِ أَيْ: وَقِيلَ: الِاسْتِحْسَانُ: «مَا اسْتَحْسَنَهُ الْمُجْتَهِدُ بِعَقْلِهِ، فَإِنْ أُرِيدَ مَعَ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فَوِفَاقٌ» ، أَيْ: فَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ إِذِ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ مُتَّبَعٌ، وَانْضِمَامُ الْعَقْلِ إِلَيْهِ لَا يَضُرُّ، بَلْ هُوَ مُؤَكِّدٌ، وَإِنْ لَمْ يُرَدْ ذَلِكَ، بَلْ أُرِيدَ مَا اسْتَحْسَنَهُ الْمُجْتَهِدُ بِعَقْلِهِ الْمُجَرَّدِ بِدُونِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، فَهُوَ مَمْنُوعٌ لِوَجْهَيْنِ:
стр. 1493
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ «لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْعَامِّيِّ إِلَّا النَّظَرَ فِي أَدِلَّةِ الشَّرْعِ، فَحَيْثُ لَا نَظَرَ» ، أَيْ: فَإِذَا لَمْ يَنْضَمَّ إِلَى اسْتِحْسَانِهِ الْعَقْلِيِّ نَظَرٌ فِي أَدِلَّةِ الشَّرْعِ، «فَلَا فَرْقَ» إِذَنْ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْعَامِّيِّ، «وَيَكُونُ» ذَلِكَ مِنَ الْمُجْتَهِدِ «حُكْمًا بِمُجَرَّدِ الْهَوَى، وَاتِبَاعًا لِلشَّهْوَةِ فِيهِ» ، أَيْ: فِي الْحُكْمِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ شَرْعًا؛ لِقَوْلِهِ : ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] ، وَقَوْلُهُ : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مَرْيَمَ: ٥٩] .
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ تَعْرِيفِ الِاسْتِحْسَانِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَقْلِيًّا، أَوْ سَمْعِيًّا، أَيْ: مَعْلُومًا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ، وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ، فَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ تَعْرِيفِ الِاسْتِحْسَانِ بَاطِلٌ، أَمَّا بُطْلَانُ كَوْنِهِ عَقْلِيًّا أَوْ سَمْعِيًّا، فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَقْلِيًّا لَكَانَ إِمَّا ضَرُورِيًّا أَوْ نَظَرِيًّا، لَكِنَّهُ لَيْسَ ضَرُورِيًّا، لِأّنَّ الضَّرُورِيَّاتِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ، وَلَا اشْتِرَاكَ فِيمَا ذَكَرُوهُ، وَلَيْسَ نَظَرِيًّا؛ لِأَنَّ النَّظَرَ فِيهِ لَيْسَ قَاطِعًا، وَإِلَّا لَكَانَ مُشْتَرَكًا، وَلَا مَظْنُونًا؛ إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فِي النَّظَرِ، وَلَوْ كَانَ سَمْعِيًّا، لَكَانَ إِمَّا تَوَاتُرًا، وَهُوَ مَفْقُودٌ، أَوْ آحَادًا وَهُوَ كَذَلِكَ، أَيْ: مَفْقُودٌ أَيْضًا كَالتَّوَاتُرِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَوَاتُرٌ وَلَا آحَادٌ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ فِيهِ دَلِيلًا سَمْعِيًّا آحَادًا، لَكِنَّ الْآحَادَ لَا تُفِيدُ فِي هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا تُفِيدُ ظَنًّا مَا، وَالِاسْتِحْسَانُ أَصْلٌ قَوِيٌّ، فَلَا يَثْبُتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «وَآحَادُهُ
стр. 1494
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَذَلِكَ أَوْ لَا يُفِيدُ» ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ مَا ذَكَرُوهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ وَلَا سَمْعِيٌّ، وَالدَّلِيلُ مُنْحَصِرٌ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ، فَمَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا، لَا يَكُونُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ أَصْلًا، وَمَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ أَصْلًا يَكُونُ بَاطِلًا.
قَوْلُهُ: «قَالُوا» يَعْنِي الْحَنَفِيَّةَ هُمُ الْمُخَالِفُونَ فِي هَذَا. وَاحْتَجُّوا بِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزُّمَرِ: ١٨] .
الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٥] .
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ ﵇: مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ حَسَنٌ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْأُمَّةَ اسْتَحْسَنَتْ دُخُولَ الْحَمَّامِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ لِلْمَاءِ الْمَصْبُوبِ، وَلَا لِمُدَّةِ الْمُقَامِ فِيهِ، وَلَا لِلْأُجْرَةِ عَنْ ذَلِكَ، وَاسْتَحْسَنُوا شُرْبَ الْمَاءِ مِنْ أَيْدِي السَّقَّائِينَ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ عِوَضٍ، فَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَاقِعٌ، فَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ قَطْعًا.
قَوْلُهُ: «قُلْنَا: أَحْسَنُ الْقَوْلِ» ، إِلَى آخِرِهِ. أَيِ: الْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرْتُمُوهُ أَنَّ أَحْسَنَ الْقَوْلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزُمَرِ: ١٨] وَأَحْسَنَ الْمُنَزَّلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [الزُمَرِ: ٥٥] هُوَ «مَا قَامَ دَلِيلُ رُجْحَانِهِ شَرْعًا» لَا مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ اسْتِحْسَانِ الْعَقْلِ الْمُجَرَّدِ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي سِيَاقِ الْآيَتَيْنِ.
стр. 1495
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَمَّا الْأَوْلَى فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِي﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزُمَرِ: ١٧ - ١٨] الْآيَةَ، هِيَ فِي سِيَاقِ التَّوْحِيدِ، وَاجْتِنَابِ الشِّرْكِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ، إِذْ لَوْ كَانَ التَّوْحِيدُ ضَرُورِيًّا لَمَا أَشْرَكَ أَحَدٌ.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ ; فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ٣] ، وَالِاسْتِدْلَالُ وَاحِدٌ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇: مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ دَلِيلُ الْإِجْمَاعِ كَمَا سَبَقَ، لَا دَلِيلَ الِاسْتِحْسَانِ، وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّ لَهُ دِلَالَةً عَلَى الِاسْتِحْسَانِ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ «مَا قَامَ دَلِيلُ رُجْحَانِهِ شَرْعًا» ، أَيْ: مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا مَعَ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَقِيَامِ دَلِيلِ الرُّجْحَانِ شَرْعًا.
وَأَمَّا «مَسْأَلَةُ الْحَمَّامِ وَنَحْوِهَا» ، أَيِ: اسْتِحْسَانُهُمْ دُخُولَ الْحَمَامِ بِغَيْرِ تَقْدِيرِ أُجْرَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَسُومِحَ فِيهِ «لِعُمُومِ مَشَقَّةِ التَّقْدِيرِ» ، إِذْ يَشُقُّ جِدًّا أَنْ يُجْعَلَ فِي الْحَمَّامِ صَاعٌ يُقَّدَرُ بِهِ الْمَاءُ، وَبَنْكَامٌ يُقَدَّرُ بِهِ الزَّمَانُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَلَمَّا تَعَذَّرَ تَقْدِيرُ الزَّمَانِ وَالْمَاءِ، تَعَذَّرَ تَقْدِيرُ الْأُجْرَةِ وَالثَّمَنِ، فَوَقَعَ الِاصْطِلَاحُ عَلَى رَفْضِ ذَلِكَ لِتَعَذُّرِهِ، ثُمَّ «يُعْطَى الْحَمَّامِيُّ عِوَضًا» عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ رَضِيَهُ، فَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَهُ، زِيدَ حَتَّى يَرْضَى، «وَهُوَ» ، أَيْ: هَذَا الْحُكْمُ «مُنْقَاسٌ» ،
стр. 1496
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَيْ: مُتَّجِهٌ فِي الْقِيَاسِ، وَالْقِيَاسُ حُجَّةٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِاسْتِحْسَانِ، أَوْ لَعَلَّهُ مِنْ بَابِ الْإِجْمَاعِ الدَّالِّ عَلَى النَّصِّ، أَوْ لَعَلَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَقَرَّ عَلَيْهِ، وَإِقْرَارُهُ حُجَّةٌ. وَإِذَا كَانَ هَذَا الْحُكْمُ وَنَحْوُهُ تَصْلُحُ إِضَافَتُهُ إِلَى الْإِجْمَاعِ أَوِ النَّصِّ أَوِ الْقِيَاسِ، كَانَ إِضَافَتُهُ إِلَى الِاسْتِحْسَانِ تَحَكُّمًا.
قَوْلُهُ: «وَأَجْوَدُ مَا قِيلَ فِيهِ» ، أَيْ: فِي الِاسْتِحْسَانِ: «أَنَّهُ الْعُدُولُ بِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ نَظَائِرِهَا لِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ خَاصٍّ» .
قُلْتُ: مِثَالُهُ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ فِي مَسْأَلَةِ الْعِينَةِ: وَإِذَا اشْتَرَى مَا بَاعَ بِأَقَلِّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ ; لَمْ يُجْزِ اسْتِحْسَانًا، وَجَازَ قِيَاسًا، فَالْحُكْمُ فِي نَظَائِرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنَ الرِّبَوِيَّاتِ الْجَوَازُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، لَكِنْ عَدَلَ بِهَا عَنْ نَظَائِرِهَا بِطَرِيقِ الِاسْتِحْسَانِ، فَمُنِعَتْ. وَحَاصِلُ هَذَا يَرْجِعُ إِلَى تَخْصِيصِ الدَّلِيلِ بِدَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ فِي نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ.
قَالَ ابْنُ الْمِعْمَارِ الْبَغْدَادِيُّ: وَمِثَالُ الِاسْتِحْسَانِ مَا قَالَهُ أَحْمَدُ ﵁ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ حَتَّى يُحْدِثَ.
وَقَالَ: يَجُوزُ شِرَاءُ أَرْضِ السَّوَادِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، قِيلَ لَهُ: فَكَيْفَ يُشْتَرَى مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ، فَقَالَ: الْقِيَاسُ هَكَذَا، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِحْسَانٌ، وَكَذَلِكَ يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِ الْمُصْحَفِ، وَيُؤْمَرُ بِشِرَائِهِ اسْتِحْسَانًا.
قَوْلُهُ: «وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ» ، أَيِ: الْقَوْلُ بِالِاسْتِحْسَانِ مَذْهَبُ أَحْمَدَ، كَذَلِكَ حُكِيَ فِي «الرَّوْضَةِ» عَنِ الْقَاضِي يَعْقُوبَ. قَالَ: وَهُوَ أَنْ يَتْرُكَ حُكْمًا إِلَى
стр. 1497
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حُكْمٍ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا مِمَّا لَا يُنْكَرُ، أَيْ: هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: قَالَ الْبَاجِيُّ - مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: الِاسْتِحْسَانُ هُوَ الْقَوْلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَعَلَى هَذَا يَكُونُ حُجَّةً إِجْمَاعًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: هُوَ الْعُدُولُ عَمَّا حُكِمَ بِهِ فِي نَظَائِرِ مَسْأَلَةٍ إِلَى خِلَافِهِ لِوَجْهٍ أَقْوَى مِنْهُ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي جَوَّدْنَاهُ فِي حَدِّهِ آنِفًا، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْعُدُولُ عَنِ الْمَنْسُوخِ إِلَى النَّاسِخِ، وَعَنِ الْعَامِّ إِلَى الْخَاصِّ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ الْحَدَّ الْمَذْكُورَ صَادِقٌ عَلَى ذَلِكَ، فَلِهَذَا قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: الِاسْتِحْسَانُ هُوَ تَرْكُ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الِاجْتِهَادِ غَيْرِ شَامِلٍ شُمُولَ الْأَلْفَاظِ لِوَجْهٍ أَقْوَى مِنْهُ، وَهُوَ فِي حُكْمِ الطَّارِئِ عَلَى الْأَوَّلِ، فَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: غَيْرِ شَامِلٍ شُمُولَ الْأَلْفَاظِ، عَنْ تَرْكِ الْعَامِّ إِلَى الْخَاصِّ؛ لِأَنَّ شُمُولَهُ لَفْظِيٌّ. وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: وَهُوَ فِي حُكْمِ الطَّارِئِ عَلَى الْأَوَّلِ، عَنْ تَرْكِ الْقِيَاسِ الْمَرْجُوحِ إِلَى الْقِيَاسِ الرَّاجِحِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْقِيَاسَيْنِ لَيْسَ طَارِئًا عَلَى الْآخَرِ بِحَقِّ الْأَصْلِ.
وَمَثَّلَهُ الْقَرَافِيُّ بِتَضْمِينِ مَالِكٍ الصُّنَّاعَ الْمُؤَثِّرِينَ فِي الْأَعْيَانِ بِصَنْعَتِهِمْ، وَتَضْمِينِ الْحَمَّالِينَ لِلطَّعَامِ وَالْإِدَامِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْحَمَّالِينَ. فَهَذَا تَرْكُ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الِاجْتِهَادِ، وَهُوَ تَرْكُ عَدَمِ التَّضْمِينِ الَّذِي هُوَ شَأْنُ الْإِجَارَةِ، وَهُوَ غَيْرُ شَامِلٍ شُمُولَ الْأَلْفَاظِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ التَّضْمِينِ قَاعِدَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، لَا لَفْظِيَّةٌ، وَتُرِكَ الْوَجْهُ الْمَذْكُورُ لِوَجْهٍ أَقْوَى مِنْهُ، وَهُوَ أَنَّ اعْتِبَارَ الْفَرْقِ فِي صُورَةِ التَّضْمِينِ أَوْلَى مِنْ
стр. 1498
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اعْتِبَارِ الْجَامِعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صُورَةِ عَدَمِ التَّضْمِينِ. وَهَذَا الْفَرْقُ فِي حُكْمِ الطَّارِئِ عَلَى قَاعِدَةِ الْإِجَارَاتِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ وَهُوَ صُورَةُ التَّضْمِينِ كَالْمُسْتَثْنَى عَنْ ذَلِكَ لِمَعْنًى، وَالْمُسْتَثْنَى طَارِئٌ عَلَى الْأَصْلِ، بِخِلَافِ أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَصْلًا لِلْآخَرِ حَتَّى يَكُونَ فِي حُكْمِ الطَّارِئِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: «وَقَدْ قَرَّرَ مُحَقِّقُو الْحَنَفِيَّةِ الِاسْتِحْسَانَ عَلَى وَجْهٍ بَدِيعٍ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَاللَّطَافَةِ، ذَكَرْنَا الْمَقْصُودَ مِنْهُ غَيْرَ هَاهُنَا» أَشَرْتُ بِهَذَا إِلَى مَا رَأَيْتُهُ فِي «شَرْحِ الْأَخْسِيكَثِيَّةِ» لِصَاحِبِ «الْوَافِي» مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ مِنْ مُتَأَخِّرِي فُضَلَائِهِمُ الْمَشَارِقَةِ أَهْلِ مَا وَرَاءِ النَّهْرِ، وَذَكَرْتُ الْمَقْصُودَ مِنْ ذَلِكَ فِي تَلْخِيصِ «الْحَاصِلِ» ، وَلَيْسَ الْآنَ عِنْدِي مِنْ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ شَيْءٌ، لَكِنْ أَذْكُرُ جُمْلَةً مِنْ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْبَزْدَوِيِّ، وَهُوَ أَصْلُ مَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ.
قَالَ: الِاسْتِحْسَانُ عِنْدَنَا أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ، لَكِنْ سُمِّيَ اسْتِحْسَانًا إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ الْوَجْهُ الْأَوْلَى فِي الْعَمَلِ، وَأَنَّ الْعَمَلَ بِالْآخَرِ جَائِزٌ.
قَالَ: وَلِلِاسْتِحْسَانِ أَقْسَامٌ: مِنْهَا مَا ثَبَتَ بِالْأَمْرِ مِثْلُ السَّلَمِ، وَالْإِجَارَةِ، وَبَقَاءِ الصَّوْمِ مَعَ فِعْلِ النَّاسِي، وَمِنْهَا مَا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ الِاسْتِصْنَاعُ.
قُلْتُ: يَعْنِي الِاسْتِئْجَارَ عَلَى تَحْصِيلِ الصَّنَائِعِ. وَمِنْهَا مَا ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ كَتَطْهِيرِ الْحِيَاضِ وَالْآبَارِ وَالْأَوَانِي.
стр. 1499
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قُلْتُ: يَعْنِي الْحُكْمَ بِتَطْهِيرِهَا إِذَا تَنَجَّسَتْ أَوْ نَفْسَ مُعَالَجَتِهَا لِتَطْهُرَ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ.
قَالَ: وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
فَأَحَدُ نَوْعَيِ الْقِيَاسِ مَا ضَعُفَ أَثَرُهُ، وَالثَّانِي مَا ظَهَرَ فَسَادُهُ، وَاسْتَتَرَتْ صِحَّتُهُ وَأَثَرُهُ.
وَأَحَدُ نَوْعَيِ الِاسْتِحْسَانِ مَا قَوِيَ أَثَرُهُ وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا، وَالثَّانِي مَا ظَهَرَ أَثَرُهُ، وَخَفِيَ فَسَادُهُ.
قَالَ: وَلَمَّا كَانَتِ الْعِلَّةُ عِنْدَنَا عِلَّةً بِأَثَرِهَا لَا بِظُهُورِهَا، سَمَّيْنَا مَا ضَعُفَ أَثَرُهُ قِيَاسًا، وَمَا قَوِيَ أَثَرُهُ اسْتِحْسَانًا، أَيْ: قِيَاسًا مُسْتَحْسَنًا، وَقَدَّمْنَا الثَّانِيَ وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا - عَلَى الْأَوَّلِ - وَإِنْ كَانَ جَلِيًّا لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِقُوَّةِ الْأَثَرِ دُونَ الْجَلَاءِ وَالظُّهُورِ، وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ:
أَحَدُهَا: الدُّنْيَا ظَاهِرَةٌ، وَالْعُقْبَى بَاطِنَةٌ، لَكِنَّ أَثَرَهَا وَهُوَ الدَّوَامُ وَالْخُلُودُ، وَصَفْوُ الْعَيْشِ أَقْوَى مِنْ أَثَرِ الدُّنْيَا، وَهُوَ ضِدُّ ذَلِكَ.
الثَّانِي: النَّفْسُ فِي الْبَدَنِ أَظْهَرُ فِي الْقَلْبِ، لَكِنَّ الْقَلْبَ أَقْوَى أَثَرًا لِدَوَرَانِ صَلَاحِ الْجَسَدِ وَفَسَادِهِ مَعَ صَلَاحِ الْقَلْبِ وَفَسَادِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا، كَمَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ الصَّحِيحُ.
الثَّالِثُ: الْبَصَرُ أَظْهَرُ مِنَ الْعَقْلِ، لَكِنَّ أَثَرَ الْعَقْلِ أَقْوَى؛ لِأَنَّ فَائِدَتَهُ أَعَمُّ، وَإِدْرَاكَهُ أَوْثَقُ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الْغَلَطِ فِي الْمَحْسُوسَاتِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الْمَعْقُولَاتِ.
فَلِذَلِكَ سَقَطَ الْقِيَاسُ إِذَا عَارَضَهُ الِاسْتِحْسَانُ؛ لِقُوَّةِ التَّأْثِيرِ وَعَدَمِ الْقِيَاسِ فِي التَّقْدِيرِ.
مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنَّ سُؤْرَ سِبَاعِ الطَّيْرِ نَجِسٌ، كَسُؤْرِ سِبَاعِ
стр. 1500
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْبَهَائِمِ بِجَامِعِ تَحْرِيمِ الْأَكْلِ فِيهِمَا، وَالِاسْتِحْسَانُ يَقْتَضِي أَنَّهُ طَاهِرٌ فَرْقًا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ سِبَاعَ الْبَهَائِمِ إِنَّمَا نَجِسَ سُؤْرُهَا لِمُجَاوَرَتِهِ رُطُوبَةَ فَمِهَا وَلُعَابِهَا، بِخِلَافِ سِبَاعِ الطَّيْرِ، فَإِنَّهَا تَشْرَبُ بِمِنْقَارِهَا، وَهُوَ عَظْمٌ يَابِسٌ طَاهِرٌ خَالٍ عَنْ مُجَاوَرَةِ نَجِسٍ. وَإِذَا كَانَ عَظْمُ الْمَيْتَةِ طَاهِرًا ; فَعَظْمُ الْحَيِّ أَوْلَى. فَهَذَا أَثَرٌ قَوِيٌّ بَاطِنٌ، فَسَقَطَ لَهُ حُكْمُ الْقِيَاسِ الظَّاهِرِ.
وَأَمَّا عَكْسُ ذَلِكَ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الَّذِي اسْتَتَرَتْ صِحَّتُهُ، وَعَارَضَهُ اسْتِحْسَانٌ اسْتَتَرَ فَسَادُهُ وَهُوَ قَوْلُهُمْ فِي مَنْ تَلَا آيَةَ السَّجْدَةِ فِي الصَّلَاةِ: يَجُوزُ أَنْ يَرْكَعَ بَدَلًا مِنَ السُّجُودِ قِيَاسًا؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤] ، فَدَلَّ عَلَى قِيَامِ الرُّكُوعِ مَقَامَ السُّجُودِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَمَرَنَا بِالسُّجُودِ، وَالرُّكُوعُ خِلَافُهُ، فَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ، كَمَا فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ، فَهَذَا أَثَرٌ ظَاهِرٌ لِهَذَا الِاسْتِحْسَانِ، لَكِنَّ الْقِيَاسَ لَهُ أَثَرٌ بَاطِنٌ أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ وَأَوْلَى.
وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ السُّجُودَ عِنْدَ التِّلَاوَةِ لَيْسَ قُرْبَةً مَقْصُودَةً، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّوَاضُعُ عِنْدَ التِّلَاوَةِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ مِنَ الرُّكُوعِ، بِخِلَافِ رُكُوعِ الصَّلَاةِ وَسُجُودِهَا ; فَإِنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مَقْصُودَتَانِ، فَلَا يَقُومُ أَحَدُهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ، فَصَارَ الْأَثَرُ الْخَفِيُّ مَعَ الْفَسَادِ الظَّاهِرِ أَوْلَى مِنَ الْأَثَرِ الظَّاهِرِ مَعَ الْفَسَادِ الْخَفِيِّ.
هَذِهِ جُمْلَةٌ صَالِحَةٌ مِنْ كَلَامِهِ بِمَعْنَاهُ، وَهُوَ - كَمَا تَرَاهُ - جَيِّدٌ حَسَنٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ، فَظَهَرَ مِنْهُ أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ لَمْ يَفْهَمُوا مَقْصُودَهُمْ حَيْثُ رَدُّوا عَلَيْهِمْ فِي الْقَوْلِ بِالِاسْتِحْسَانِ، إِذْ قَدِ اعْتَرَفُوا بِأَنَّهُمْ يَعْنُونَ بِهِ أَقْوَى الْقِيَاسَيْنِ وَأَظْهَرُهُمَا أَثَرًا.
قُلْتُ: وَهَكَذَا حَكَىَ ابْنُ الْمِعْمَارِ الْبَغْدَادِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا، قَالَ:
стр. 1501
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الِاسْتِحْسَانُ حُجَّةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَفِي كَوْنِهِ حُجَّةً عِنْدَ أَحْمَدَ قَوْلَانِ، وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ تَرْكُ قِيَاسٍ إِلَى قِيَاسٍ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ. ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: وَمُقْتَضَى كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ هُوَ الْعُدُولُ عَنْ مُوجِبِ الْقِيَاسِ إِلَى دَلِيلٍ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ.
قُلْتُ: يَرْجِعُ حَاصِلُ الْأَمْرِ إِلَى أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ أَخَصُّ مِنَ الْقِيَاسِ مِنْ وَجْهٍ، وَأَعَمُّ مِنْهُ مِنْ وَجْهٍ. أَمَّا أَنَّهُ أَخَصُّ مِنْهُ، فَمِنْ جِهَةِ رُجْحَانِ مَصْلَحَتِهِ، وَكَوْنِهَا أَشَدَّ مُنَاسَبَةً فِي النَّظَرِ مِنْ مَصْلَحَةِ الْقِيَاسِ. وَأَمَّا أَنَّهُ أَعَمُّ ; فَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقِيَاسَ تَابِعٌ لِلْعِلَّةِ عَلَى الْخُصُوصِ، وَالِاسْتِحْسَانَ تَابِعٌ لِلدَّلِيلِ عَلَى الْعُمُومِ: نَصًّا، كَحَدِيثِ الْقَهْقَهَةِ، وَنَبِيذِ التَّمْرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، أَوْ إِجْمَاعًا، كَبَيْعِ الْمُعَاطَاةِ وَعَدَمِ تَقْدِيرِ أُجْرَةِ الْحَمَّامِ؛ لِإِطْبَاقِ النَّاسِ عَلَيْهِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، وَاسْتِدْلَالًا، كَقَوْلِهِمِ: الْقِيَاسُ فِي مَنْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا، فَأَنَا يَهُودِيٌّ. أَنْ لَا كَفَّارَةَ، لَكِنْ يَتَرَجَّحُ لُزُومُهَا لَهُ بِضَرْبٍ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ، وَهُوَ أَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بِالْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ إِنَّمَا كَانَ لِلتَّعَرُّضِ بِهَتْكِ الْحُرْمَةِ، وَالتَّبَرُّؤِ مِنَ الدِّينِ أَعْظَمُ مِنْ
стр. 1502
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذَلِكَ، فَتَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ.
وَقَدْ بَانَ بِهَذَا أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ: تَرْكُ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ إِلَى دَلِيلٍ أَقْوَى، أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِمْ: تَرْكُ أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ إِلَى الْآخَرِ. وَقَدْ سَبَقَ جُمْلَةٌ مِنْ صُوَرِ الِاسْتِحْسَانِ عَنْ أَحْمَدَ ﵁، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1503
الرَّابِعُ: الِاسْتِصْلَاحُ: وَهُوَ اتِّبَاعُ الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ.
وَالْمَصْلَحَةُ: جَلْبُ نَفْعٍ أَوْ دَفْعُ ضُرٍّ، ثُمَّ إِنْ شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهَا كَاقْتِبَاسِ الْحُكْمِ مِنْ مَعْقُولِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، فَقِيَاسٌ، أَوْ بِبُطْلَانِهَا كَتَعَيُّنِ الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ رَمَضَانَ عَلَى الْمُوسِرِ كَالْمَلِكِ وَنَحْوِهِ، فَلَغْوٌ، إِذْ هُوَ تَغْيِيرٌ لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهَا بِبُطْلَانٍ وَلَا اعْتِبَارٍ مُعَيَّنٍ فَهِيَ:
إِمَّا تَحْسِينَيٌّ، كَصِيَانَةِ الْمَرْأَةِ عَنْ مُبَاشَرَةِ عَقْدِ نِكَاحِهَا الْمُشْعِرِ بِمَا لَا يَلِيقُ بِالْمُرُوءَةِ بِتَوَلِّي الْوَلِيِّ ذَلِكَ.
أَوْ حَاجِيٌّ، أَيْ: فِي رُتْبَةِ الْحَاجَةِ، كَتَسْلِيطِ الْوَلِيِّ عَلَى تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ لِحَاجَةِ تَقْيِيدِ الْكُفْءِ خِيفَةَ فَوَاتِهِ، وَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِمُجَرَّدِ هَذَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ. وَإِلَّا لَكَانَ وَضْعًا لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ. وَلَاسْتَوَى الْعَالِمُ وَالْعَامِّيُّ لِمَعْرِفَةِ كُلٍّ مَصْلَحَتَهُ.
ــ
«الرَّابِعُ» : أَيْ: مِنَ الْأُصُولِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا: «الِاسْتِصْلَاحُ» ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنْ صَلَحَ يَصْلُحُ، «وَهُوَ اتِّبَاعُ الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ» ، فَإِنَّ الشَّرْعَ أَوِ الْمُجْتَهِدَ يَطْلُبُ صَلَاحَ الْمُكَلَّفِينَ بِاتِّبَاعِ الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ وَمُرَاعَاتِهَا.
قَوْلُهُ: «وَالْمَصْلَحَةُ جَلْبُ نَفْعٍ، أَوْ دَفْعُ ضُرٍّ» .
لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الِاسْتِصْلَاحَ اتِّبَاعُ الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ، احْتِيجَ إِلَى بَيَانِ حَقِيقَةِ الْمَصْلَحَةِ، وَهِيَ كَمَا ذَكَرَ جَلْبُ نَفْعٍ، أَوْ دَفْعُ ضَرَرٍ؛ لِأَنَّ قِوَامَ الْإِنْسَانِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَفِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ بِحُصُولِ الْخَيْرِ وَانْدِفَاعِ الشَّرِّ، وَإِنْ شِئْتَ، قُلْتَ: بِحُصُولِ الْمُلَائِمِ وَانْدِفَاعِ الْمُنَافِي.
стр. 1504
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِثَالُهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَمَّا كَانَ يُؤْذِيِهِ غَلَبَةُ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، احْتَاجَ فِي الصَّيْفِ إِلَى رَقِيقِ اللِّبَاسِ، وَالتَّعَرُّضِ لِلْهَوَاءِ الْبَارِدِ بِالْجُلُوسِ فِي أَمَاكِنِهِ، وَتَبْرِيدِهَا بِالْمَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. لِيَحْصُلَ لَهُ الرَّوْحُ الْمُوَافِقُ، وَيَنْدَفِعُ عَنْهُ الْكَرْبُ الْمُنَافِي، وَفِي الشِّتَاءِ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، وَالْأَمْثِلَةُ كَثِيرَةٌ.
قَوْلُهُ: «ثُمَّ إِنْ شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهَا» ، إِلَى آخِرِهِ. هَذَا بَيَانٌ لِأَنْوَاعِ الْمَصْلَحَةِ وَأَقْسَامِهَا، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: هَذَا، وَهُوَ مَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهِ، «كَاقْتِبَاسِ الْحُكْمِ» ، أَيِ: اسْتِفَادَتُهُ وَتَحْصِيلُهُ «مِنْ مَعْقُولِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ» ، كَالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، فَهُوَ «قِيَاسٌ» ، كَاسْتِفَادَتِنَا تَحْرِيمَ شَحْمِ الْخِنْزِيرِ مِنْ تَحْرِيمِ لَحْمِهِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ، وَاسْتِفَادَتِنَا تَحْرِيمَ النَّبِيذِ الْمُسْكِرِ مِنْ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مَعَ أَنَّ النَّبِيذَ مَنْصُوصٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ مَعَ غَيْرِهِ بِقَوْلِهِ ﵊: كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكَقَوْلِنَا: يَجِبُ الْحَدُّ بِوَطْءِ ذَاتِ الْمَحْرَمِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ قِيَاسًا عَلَى وَطْئِهَا بِالزِّنَى، وَهُوَ مَحَلُ إِجْمَاعٍ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِبُطْلَانِهِ مِنَ الْمَصَالِحِ، أَيْ: لَمْ يَعْتَبِرْهُ كَقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْمُوسِرَ كَالْمَلِكِ وَنَحْوِهِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فِي كَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ، وَلَا يُخَيَّرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْكَفَّارَةِ الزَّجْرُ عَنِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَزْجُرُهُ الْعِتْقُ وَالْإِطْعَامُ لِكَثْرَةِ مَالِهِ، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتِقَ رِقَابًا فِي قَضَاءِ شَهْوَتِهِ، وَقَدْ لَا يَسْهُلُ عَلَيْهِ صَوْمُ سَاعَةٍ، فَيَكُونُ
стр. 1505
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصَّوْمُ أَزْجَرَ لَهُ، فَيَتَعَيَّنُ.
فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مُلْغًى غَيْرُ مُعْتَبَرٍ؛ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَلَوْ أَرَادَ الشَّرْعُ ذَلِكَ، لَبَيَّنَهُ أَوْ نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ أَوْ غَيْرِهِ، إِذْ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَإِيهَامُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَشْخَاصِ فِي الْأَحْكَامِ مَعَ افْتِرَاقِهِمْ فِيهَا لَا يَجُوزُ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنَ الْمَصَالِحِ: مَا لَمْ يَشْهَدْ لَهُ الشَّرْعُ «بِبُطْلَانٍ وَلَا اعْتِبَارٍ مُعَيَّنٍ» ، فَهُوَ، أَيْ: هَذَا الْقِسْمُ، عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: «التَّحْسِينِيُّ» الْوَاقِعُ مَوْقِعَ التَّحْسِينِ وَالتَّزَيِينِ، وَرِعَايَةِ حُسْنِ الْمَنَاهِجِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ، وَحُسْنِ الْأَدَبِ فِي السِّيرَةِ بَيْنَ النَّاسِ، «كَصِيَانَةِ الْمَرْأَةِ عَنْ مُبَاشَرَةِ عَقْدِ نِكَاحِهَا» بِإِقَامَةِ الْوَلِيِّ مُبَاشِرًا لِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ بَاشَرَتْ عَقْدَ نِكَاحِهَا، لَكَانَ ذَلِكَ مِنْهَا مُشْعِرًا «بِمَا لَا يَلِيقُ بِالْمُرُوءَةِ» مِنْ غَلَبَةِ الْقِحَةِ، وَقِلَّةِ الْحَيَاءِ، وَتَوَقَانِ نَفْسِهَا إِلَى الرِّجَالِ، فَمُنِعَتْ مِنْ ذَلِكَ حَمْلًا لِلْخَلْقِ عَلَى أَحْسَنِ الْمَنَاهِجِ وَأَجْمَلِ السِّيَرِ، وَقَدْ ضَرَبَ الْمَثَلَ فِي هَذَا الْبَابِ بِأُمِّ خَارِجَةَ، وَهِيَ امْرَأَةٌ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ نَكَحَتْ نَحْوَ سَبْعِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَتُطَلِّقُهُمْ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَأْتِيِهَا، فَيَقُولُ: خِطْبٌ، فَتَقُولُ هِيَ: نِكْحٌ، أَيْ: يَقُولُ لَهَا: أَنَا خَاطِبٌ لَكِ، فَتَقُولُ هِيَ: قَدْ أَنَكَحْتُكَ نَفْسِي، فَجَاءَهَا بَعْضَ الْأَيَّامِ رَجُلٌ خَاطِبٌ وَهِيَ عَلَى بَعِيرٍ فَخَطَبَهَا، فَأَنْكَحَتْهُ نَفْسَهَا، ثُمَّ أَعْجَلَتِ الْبَعِيرَ أَنْ يَبْرُكَ، فَوَثَبَتْ عَنْهُ وَهُوَ قَائِمٌ لِتَجْتَمِعَ بِزَوْجِهَا، فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا، فَقِيلَ: أَسْرَعُ مِنْ نِكَاحِ أُمِّ خَارِجَةَ، يُضْرَبُ مَثَلًا لِكُلِّ مَنْ يُبَالِغُ فِي الْعَجَلَةِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْقِسْمِ مِنَ الْمَصَالِحِ هُوَ «الْحَاجِيُّ، أَيْ» : الْوَاقِعُ
стр. 1506
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«فِي رُتْبَةِ الْحَاجَةِ» ، أَيْ: تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، «كَتَسْلِيطِ الْوَلِيِّ عَلَى تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ؛ لِحَاجَةِ تَقْيِيدِ الْكُفْءِ» خِشْيَةَ أَنْ يَفُوتَ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ وَيَحْصُلُ بِحُصُولِهِ نَفْعٌ، وَيَلْحَقُ بِفَوَاتِهِ ضَرَرٌ ; وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَرُورِيًّا قَاطِعًا، وَنِسْبَةُ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ إِلَى هَذَا نِسْبَةُ كِتَابِ «الزِّينَةِ» مِنَ الطِّبِّ إِلَى بَاقِي كُتُبِهِ عَلَى مَا عُرِفَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: «وَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِمُجَرَّدِ هَذَيْنِ» ، يَعْنِي الضَّرْبَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَهُمَا التَحْسِينِيُّ وَالْحَاجِيُّ «مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ» يَشْهَدُ لَهُمَا بِالِاعْتِبَارِ، أَيْ: لَا يَجُوزُ لِلْمُجْتَهِدِ أَنَّهُ كُلَّمَا لَاحَ لَهُ مَصْلَحَةٌ تَحْسِينِيَّةٌ أَوْ حَاجِيَّةٌ اعْتَبَرَهَا، وَرَتَّبَ عَلَيْهَا الْأَحْكَامَ حَتَّى يَجِدَ لِاعْتِبَارِهَا شَاهِدًا مِنْ جِنْسِهَا، وَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ لِلتَّمَسُّكِ بِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ وُجُودُ أَصْلٍ يَشْهَدُ لَهَا، لَلَزِمَ مِنْهُ مَحْذُورَاتٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ «وَضْعًا لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ» ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ هُوَ مَا اسْتُفِيدَ مِنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ: إِجْمَاعٌ، أَوْ نَصٌّ، أَوْ مَعْقُولُ نَصٍّ، وَهَذِهِ الْمَصْلَحَةُ لَا تَسْتَنِدُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ رَأْيًّا مُجَرَدًا.
الثَّانِي: لَوْ جَازَ ذَلِكَ، «لَاسْتَوَى الْعَالِمُ وَالْعَامِّيُّ» ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْرِفُ مَصْلَحَةَ نَفْسِهِ الْوَاقِعَةَ مَوْقِعَ التَحْسِينِ أَوِ الْحَاجَةِ، وَإِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْعَامِّيِّ مَعْرِفَةُ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ وَاسْتِخْرَاجُ الْأَحْكَامِ مِنْهَا.
الثَّالِثُ: لَوْ جَازَ ذَلِكَ، لَاسْتُغْنِيَ عَنْ بَعْثَةِ الرُّسُلِ وَصَارَ النَّاسُ بَرَاهِمَةً
стр. 1507
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى الرُّسُلِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ كَافٍ لَنَا فِي التَّأْدِيبِ وَمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ، إِذْ مَا حَسَّنَهُ الْعَقْلُ، أَتَيْنَاهُ، وَمَا قَبَّحَهُ، اجْتَنَبْنَاهُ، وَمَا لَمْ يَقْضِ فِيهِ بِحُسْنٍ وَلَا قُبْحٍ، فَعَلْنَا مِنْهُ الضَّرُورِيَّ، وَتَرَكْنَا الْبَاقِيَ احْتِيَاطًا، فَالتَّمَسُّكُ بِهَذَيْنِ الضَّرْبَيْنِ مِنَ الْمَصَالِحِ مِنْ غَيْرِ شَاهِدٍ لَهُمَا بِالِاعْتِبَارِ يُؤَدِّي إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ، فَيَكُونُ بَاطِلًا.
стр. 1508
أَوْ ضَرُورِيٌّ: وَهُوَ مَا عُرِفَ الْتِفَاتُ الشَّرْعِ إِلَيْهِ كَحِفْظِ الدِّينِ بِقَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَالدَّاعِيَةِ، وَالْعَقْلِ بِحَدِّ السُّكْرِ، وَالنَّفْسِ بِالْقِصَاصِ، وَالنَّسَبِ وَالْعِرْضِ بِحَدِّ الزِّنَى وَالْقَذْفِ، وَالْمَالِ بِقَطْعِ السَّارِقِ.
قَالَ مَالِكٌ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: هِيَ حُجَّةٌ لِعِلْمِنَا أَنَّهَا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ. وَسَمَّوْهَا: مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً، لَا قِيَاسًا؛ لِرُجُوعِ الْقِيَاسِ إِلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ دُونَهَا.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَيْسَتْ حُجَّةً، إِذْ لَمْ تُعْلَمْ مُحَافَظَةُ الشَّرْعِ عَلَيْهَا ; وَلِذَلِكَ لَمْ يَشْرَعْ فِي زَوَاجِرِهَا أَبْلَغَ مِمَّا شَرَعَ، كَالْقَتْلِ فِي السَّرِقَةِ، فَإِثْبَاتُهَا حُجَّةً وَضْعٌ لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ كَقَوْلِ مَالِكٍ: يَجُوزُ قَتْلُ ثُلُثِ الْخَلْقِ لِاسْتِصْلَاحِ الثُّلُثَيْنِ، وَمُحَافَظَةُ الشَّرْعِ عَلَى مَصْلَحَتِهِمْ بِهَذَا الطَّرِيقِ غَيْرُ مَعْلُومٍ.
ــ
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: " الضَّرُورِيُّ "، أَيِ: الْوَاقِعُ فِي رُتْبَةِ الضَّرُورِيَّاتِ، أَيْ: هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِ سِيَاسَةِ الْعَالَمِ وَبَقَائِهِ وَانْتِظَامِ أَحْوَالِهِ، " وَهُوَ مَا عُرِفَ الْتِفَاتُ الشَّرْعِ إِلَيْهِ " وَالْعِنَايَةُ بِهِ كَالضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ، وَهِيَ " حِفْظُ الدِّينِ بِقَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَالدَّاعِيَةِ " إِلَى الرِّدَّةِ، وَعُقُوبَةِ الْمُبْتَدِعِ الدَّاعِي إِلَى الْبِدْعَةِ، وَحِفْظُ " الْعَقْلِ بِحَدِّ السُّكْرِ "، وَحِفْظُ النَّفْسِ بِالْقِصَاصِ "، وَحِفْظُ النَّسَبِ بِحَدِّ الزِّنَى الْمُفْضِي إِلَى تَضْيِيعِ الْأَنْسَابِ بِاخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ، وَحِفْظُ الْعِرْضِ بِحَدِّ الْقَذْفِ، وَحِفْظُ " الْمَالِ بِقَطْعِ السَّارِقِ ". وَقَدْ بَيَّنْتُ وَجْهَ ضَرُورِيَّةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي " الْقَوَاعِدِ الصُّغْرَى " مُسْتَقْصًى، فَهَذِهِ الْمَصْلَحَةُ الضَّرُورِيَّةُ.
стр. 1509
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
" قَالَ مَالِكٌ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: هِيَ حُجَّةٌ " لِأَنَّا عَلِمْنَا " أَنَّهَا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ " لَا حَصْرَ لَهَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَالْأَمَارَاتِ، " وَسَمَّوْهَا: مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً "، وَلَمْ يُسَمُّوهَا قِيَاسًا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَرْجِعُ " إِلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ " دُونَ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ رَأَيْنَا الشَّارِعَ اعْتَبَرَهَا فِي مَوَاضِعَ مِنَ الشَّرِيعَةِ، فَاعْتَبَرْنَاهَا حَيْثُ وُجِدَتْ؛ لِعِلْمِنَا أَنَّ جِنْسَهَا مَقْصُودٌ لَهُ.
" وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَيْسَتْ حُجَّةً ". هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ. قَالَ فِي " الرَّوْضَةِ ": وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَإِنَّمَا قُلْتُ: " قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا "، وَلَمْ أَقُلْ: قَالَ أَصْحَابُنَا؛ لِأَنِّي رَأَيْتُ مَنْ وَقَفْتُ عَلَى كَلَامِهِ مِنْهُمْ حَتَّى الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ فِي كُتُبِهِ إِذَا اسْتَغْرَقُوا فِي تَوْجِيهِ الْأَحْكَامِ، يَتَمَسَّكُونَ بِمُنَاسَبَاتٍ مَصْلَحِيَّةٍ، يَكَادُ الشَّخْصُ يَجْزِمُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُرَادَةً لِلشَّارِعِ، وَالتَّمَسُّكُ بِهَا يُشْبِهُ التَّمَسُّكَ بِحِبَالِ الْقَمَرِ، فَلَمْ أُقْدِمْ عَلَى الْجَزْمِ عَلَى جَمِيعِهِمْ بِعَدَمِ الْقَوْلِ بِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ قَدْ قَالَ بِهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَقَوُّلًا عَلَيْهِمْ، وَالَّذِي قَالَ مِنْهُمْ: إِنَّهَا لَيْسَتْ حُجَّةً احْتَجَّ بِأَنَّا لَمْ نَعْلَمْ مُحَافَظَةَ الشَّرْعِ عَلَيْهَا، " وَلِذَلِكَ لَمْ يَشْرَعْ فِي زَوَاجِرِهَا أَبْلَغَ مِمَّا شَرَعَ "، كَالْمُثْلَةِ فِي الْقِصَاصِ، فَإِنَّهَا أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عَنِ الْقَتْلِ، وَكَذَا الْقَتْلُ فِي السَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عَنْهُمَا، وَلَمْ يُشْرَعْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ حُجَّةً، لَحَافَظَ الشَّرْعُ عَلَى تَحْصِيلِهَا بِأَبْلَغِ الطُّرُقِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ
стр. 1510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِفِعْلِ ذَلِكَ، فَلَا تَكُونُ حُجَّةً، " فَإِثْبَاتُهَا حُجَّةً وَضْعٌ لِلشَّرْعِ بِالرَّأْيِ "، كَمَا حُكِيَ أَنَّ مَالِكًا أَجَازَ " قَتْلَ ثُلُثِ الْخَلْقِ لِاسْتِصْلَاحِ الثُّلُثَيْنِ، وَمُحَافَظَةُ الشَّرْعِ عَلَى مَصْلَحَتِهِمْ بِهَذَا الطَّرِيقِ غَيْرُ مَعْلُومٍ ".
قُلْتُ: لَمْ أَجِدْ هَذَا مَنْقُولًا فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ، وَسَأَلْتُ عَنْهُ جَمَاعَةً مِنْ فُضَلَائِهِمْ، فَقَالُوا: لَا نَعْرِفُهُ.
قُلْتُ: مَعَ أَنَّهُ إِذَا دَعَتْ إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ مُتَّجِهٌ جِدًّا، وَقَدْ حَكَاهُ عَنْ مَالِكٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُضَلَاءِ مِنْهُمُ الْحَوَارِيُّ وَالْبَزْدَوِيُّ فِي جَدَلَيْهِمَا.
قُلْتُ: الرَّاجِحُ الْمُخْتَارُ اعْتِبَارُ الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: الْمَصَالِحُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى شَهَادَةِ الشَّرْعِ لَهَا بِالِاعْتِبَارِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَمَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ، نَحْوُ الْمَنْعِ مِنْ زِرَاعَةِ الْعِنَبِ لِئَلَّا يُعْصَرَ الْخَمْرُ، وَالشَّرِكَةِ فِي سُكْنَى الدُّورِ خَشْيَةَ الزِّنَى.
وَمَا لَمْ يَشْهَدْ بِاعْتِبَارِهِ وَلَا إِلْغَائِهِ وَهِيَ الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ، وَهِيَ عِنْدَ مَالِكٍ حُجَّةٌ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إِنْ وَقَعَتْ فِي مَوْضِعِ الْحَاجَةِ أَوِ التَّتِمَّةِ، لَمْ تُعْتَبَرْ، وَإِنْ وَقَعَتْ فِي مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ جَازَ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهَا اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ قَطْعِيَّةً كُلِّيَّةً، وَحَكَى مِثَالَ ذَلِكَ وَتَفْصِيلَهُ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى كَوْنِهَا حُجَّةً ; بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا بَعَثَ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِتَحْصِيلِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ، عَلِمْنَا
следующие страницы →